Tag: Authoritarianism

  • الشعب الديمقراطي

    الشعب الديمقراطي
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٠ سبتمبر ١٩٤٠

    نحن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها. ولكنْ، كثير جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكُّون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا. فإذا جد الجِدُّ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب، وقلوبنا مختلفة وضمائرنا متباعدة، فعلينا أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة، وأن نقنع الضمائر المصرية كلها بأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق دائمًا، هي خط مشترك بين المصريين جميعًا.

    أخصُّ ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديمقراطية أنها لا تفرض على الشعب، وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغبًا فيها مريدًا لها.

    ومن هنا كانت الشعوب الديمقراطية مسئولة عن أعمالها، تستمتع بثمراتها كما تحتمل سيئاتها؛ لأنها هي التي أرادتها، لم يفرضها عليها أحد ولم يكرهها عليها عسف أو طغيان.

    ومن هنا أيضًا كان من الطبيعي أن يقال للشعب الديمقراطي إذا تعرضت حياته للخطر: هلم دافع عن نفسك، وذُدْ عن كرامتك، واحتفظ بحريتك، وضحِّ بمجهودك وأموالك ونفوس أبنائك في سبيل شرفك وسيادتك.

    يقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي؛ فيقع في نفسه أحسن موقع ويبلغ من ضميره أعماقه، ويدفعه إلى العمل والجهاد والتضحية بكل ما يتطلبه الجهاد.

    ويقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي، فيذوقه الشعب ويفهمه ويجد لكل كلمة منه معناها الواضح الجلي. يحسُّ هذا المعنى إحساسًا قويًّا في كل عمل يأتيه أفراده مجتمعين أو متفرقين، وفي كل كلمة يقولها أفراده مجتمعين أو متفرقين أيضًا. ذلك أنهم يلاحظون أنهم في حياتهم اليومية يغدون أحرارًا ويروحون أحرارًا ويقولون أحرارًا ويعملون أحرارًا. يأتون من الأمر ما يريدون لا يردهم عنه راد، إلَّا القانون الذي وُضِع ملائمًا لحقوق الأفراد والجماعات وحريتها، منظمًا لهذه الحقوق والحرية. ويعرضون عما يريدون الإعراض عنه لا يدفعهم إليه دافع من غير أنفسهم، ولا يفرضه عليهم سلطان قوي جائر أو متعسف.

    فكل فرد إذن إذا ثار للدفاع عن الوطن، فهو يدافع عن نفسه أولًا وعن وطنه ومواطنيه ثانيًا، ولا كذلك الشعوب التي يقهرها السلطان العنيف ويملك عليها أمرها؛ فيدفعها إلى ما يريد هو لا إلى ما تريد هي، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، وقد تكون هي شديدة الميل إلى أن تقدم إليه. هذه الشعوب تساق إلى الحروب كارهة لها وتخوض غمراتها زاهدةً فيها. وقد يتاح لها النصر ولكنها لا تستمتع به ولا تذوق لذته؛ لأنه نصر لم ينشأ عن إرادة، وإنما نشأ عن تكليف، وقد تقدر عليها الهزيمة فتتجرع مرارتها مضاعفةً؛ لأنها هزيمة لم تنشأ عن خطأ أقدم الشعب عليه وهو حر أو تقصير دفع الشعب إليه غير مكره، وإنما نشأت عن تحكم المتحكمين، وتعسف المتعسفين، واستبداد المتسلطين بما لا ينبغي لهم أن يستبدوا به. ومن هنا نلاحظ أن الشعوب الديمقراطية إذا خاضت غمرات الحرب كان من الطبيعي أن تظهر من أمور الحرب على كل شيء، وألَّا يخفي قادتها وساستها عليها شيئًا من الخير أو الشر؛ لأن هؤلاء القادة والساسة لا يحتملون وحدهم تبعات الحرب التي لم ينكروها، ولم يستبدوا بها، وإنما يحتملونها مع غيرهم من أبناء الشعب؛ لأن الشعب هو الذي أقدم على الحرب وكلفهم قيادتها وتدبير أمورها، فهم يطالعونه بأنباء الحرب أحرارًا متخففين من التبعات، وهم لا ينتظرون منه إلَّا ما ينتظره القائد المصيب من التشجيع والتأييد، أو ما ينتظره القائد المخطئ من اللوم والتثريب.

    فأمَّا الشعوب التي تفرض عليها الحرب ولم تردها، وتدفع إلى القتال ولا رغبة لها فيه، فهي لا تعرف من أمر الحرب شيئًا إلَّا ما يريد أن يقول لها قوَّادها وسادتها، وهم لا يقولون لها إلَّا ما يريدون، ولا يظهرونها إلَّا على ما يحبون أن تظهر عليه، يتوخون في ذلك مصلحتهم أكثر مما يتوخون مصلحة الشعب، ويحرصون في ذلك على أن يجنبوا أنفسهم اللوم أكثر مما يحرصون على أن يبصروا الشعوب بأمرها، ويواجهوها بالحق الصريح.

    وما أظن إلَّا أن الناس يلاحظون الفرق العظيم بين ما يتحدث به المستر تشرشل إلى الشعب البريطاني، وما كان يتحدث به الوزراء الفرنسيون قبل الهزيمة إلى الشعب الفرنسي، وما يتحدث به قادة الألمان والإيطاليين وسادتهم إلى الشعب الألماني والشعب الإيطالي. أولئك يصارحون الشعب بالحقائق، وينذرونه بالخطر، ويدلونه على مواطن الضعف، ويرشدونه إلى مصادر القوة، يقوون في نفسه الأمل، ولكنهم لا يضلونه ولا يخدعونه عما قد يخبئ له الغيب من أسباب القلق، وما يدعوه إلى التحفظ والاحتياط. وهؤلاء يزينون له الحرب ويرغبونه فيها ويهونون عليه الخسائر، ويحقرون له من أمرها ويهولون له أمر الفوز، ويسرفون له في تعظيم أمره. أولئك في حاجة إلى تأييد الشعب ونصحه، فهم يصارحونه بأن التأييد والنصح إنما يأتيان عن الرغبة لا عن الرهبة، وعن الإرادة لا عن الخضوع والإذعان. وهؤلاء يريدون الطاعة والانقياد، فهم لا يصارحون وإنما يهولون ويضللون؛ لأن الطاعة والانقياد إنما يصدران عن الخوف والرهبة لا عن الأمن والثقة والاقتناع.

    هذه هي حالة الحرب في هذين النوعين من أنواع الشعوب؛ قوم يحاربون؛ لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأن كرامتهم ومصالحهم وحرصهم على حياتهم الحرة المستقلة تدفعهم إلى أن يحاربوا. وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأنهم إن لم يحاربوا فسيتعرضون لأنواع الهول في حياتهم الداخلية، إن لم تقتلهم أسلحة العدو فستقتلهم أسلحة القادة والسادة من المواطنين. وهناك نوع ثالث من الشعوب يتردد بين هذين النوعين، ويضطرب بين هذين الفريقين، له من الحرية ظاهرها ومن الديمقراطية أشكالها وصورها، فإذا تحققت أمره لم تجد حريته إلَّا كلامًا، ولم تجد ديمقراطيته إلَّا لونًا من ألوان اللعب.

    فإذا ألمت الحرب بساحة شعب من هذه الشعوب؛ فهو معرض لأشد الأخطار وأعظمها نكرًا كذلك؛ لأن ظواهر أمره تصوره على أنه يثور إذا حارب لحريته وكرامته وحياته المستقلة، وحقائق أمره بعيدة كل البعد عن هذا؛ لأنه لا يشعر بحريته، ولأنه لا يجد كرامته موفورة، ولأنه لا يطمئن إلى حياته المستقلة. فهو يحارب مأمورًا، وهو يجاهد مدفوعًا إلى الجهاد، على حين يظن الناس به أنه يحارب حفاظًا للوطن وذيادًا عن الحقوق. وهو خليق أن يتعرض لكل ما يتعرض له من يقدم على عظائم الأعمال في غير إيمان ولا اقتناع، فهو ظاهر القوة خفي الضعف. وهو مقدم فيما ترى العين ومحجم فيما يرى العقل وفيما يحس الضمير.

    يقول له قادته وسادته: هلم دافع عن حريتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: أين هي الحرية التي أُراد على أن أدافع عنها؟! يقول له رؤساؤه ومدبرو أمره: هلمَّ احتفظ بكرامتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني لا أجد لهذه الكرامة طعمًا ولا أحس لها ذوقًا، وإذا لم يكن بدٌّ من الاحتفاظ بالكرامة فما ينبغي أن أحارب هذا العدو الخارجي، وإنما ينبغي أن آخذ هذه الكرامة من الرؤساء والقادة قبل كل شيء. ويقول له قادته ومدبرو أمره: هلم ذُد عن حياتك المستقلة! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني أحب أن أكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبينكم من الصلة؛ لأكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبين الأجانب من الصلات. حتى إذا جدَّ الجِد وأقبل الهول؛ رأيت قومًا يقدمون على غير ثقة، ويجاهدون في غير إيمان بالجهاد، ويتعرضون لكل ما يتعرض له غير المؤمنين من الفشل والضعف، ومن التهالك والتخاذل، ثم من الإذعان والاستسلام.

    والشعوب التي تخضع للسلطان الغاشم خضوعًا صريحًا جليًّا، قد تجد في هذا الخضوع نوعًا من الإيمان بغيضًا لا يليق بالإنسانية الكريمة، ولكنه مع ذلك يقنعها ويدفعها إلى العمل والاستماتة في الجهاد. وقد ظهر شيء من ذلك في هذه الحرب، فقد رأى الفرنسيون من أعدائهم في موقعة فرنسا عجبًا من العجب: رأوا ألوفًا من الناس، بل مئات الألوف يقبلون على الموت متهافتين عليه متساقطين فيه كما تتساقط الفراش في النار، لا يحفلون بمكروه ولا يحجمون عن بأس، وهم ينطقون بكلمة واحدة هي اسم زعيمهم الطاغية الألماني.

    والشعوب قد تؤمن بالضلال وتتفانى في سبيله، ولكن الشر كل الشر ألَّا تؤمن الشعوب بالضلال ولا بالهدى، وأن تقف حائرة مترددة بين ذلك، لا تجد من إيمانها واقتناع ضمائرها ما يدفعها إلى هذا النحو أو ذاك.

    هذا هو الخطر كل الخطر، هذا هو الشر كل الشر، فإنك لا تطلب من الفرد أن يزهق نفسه أو يريق دمه إلَّا أن يكون ذلك سبيلًا لبلوغ مثل أعلى وطريقًا إلى تحقيق أمل عزيز على النفس حبيب إلى القلب، يهون في سبيله أن تزهق النفوس وتراق الدماء.

    وإذن، فماذا يجب أن نفعل نحن، وقد أخذت نذر الحرب تصيح بنا من كل وجه، وجعلت أخطار الحرب تسعى إلينا من كل مكان، وأصبح من أشد الأشياء جوازًا وأعظمها احتمالًا أن نصلى نارها راضين أو كارهين. أظنُّ أن الجواب على هذا السؤال يسير لا عسر فيه، وقريب لا يحتاج إلى تفكير طويل. فنحن أمة ديمقراطية ليس في ذلك شك، قد بذلنا في سبيل الديمقراطية جهودًا عنيفة، واحتملنا في سبيلها أعباءً ثقالًا، وضحينا في سبيلها بالشيء الكثير. ولو خُيِّرنا بين الديمقراطية وأي نظام آخر من نظم الحكم لما ترددنا في الاختيار، فقد اخترنا منذ عهد بعيد.

    نحن إذن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها، نؤثر كرامتنا ونحتفظ بها مهما يكلفنا ذلك من ضروب المشقة والعناء، وما أشك في أننا لا نتردد إذا تعرضت ديمقراطيتنا للخطر وللحظر الذي يأتيها من الأجنبي في أننا سنضاعف الجهد ونمضي في التضحية إلى أبعد غاية؛ لنرد العدوان عن هذه الديمقراطية ونحميها من الضياع.

    كل هذا حق لا شك فيه، ولكن هناك حقًّا آخر لا شك فيه، وهو أن كثيرًا جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا، ولا تطمئن قلوبهم إلى أنهم يأخذون من نعمة الديمقراطية نصيبهم المقسوم لهم، وقد يعتقدون أن الديمقراطية المصرية مباحة لفريق من المصريين ومحظورة على فريق آخر. فإذا جدَّ الجد وأقبل الهول؛ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب وقلوبنا مختلفة، وضمائرنا متباعدة، وإيماننا بالمثل الأعلى الذي نراد على أن ندافع عنه ليس مشتركًا ولا سواءً.

    فإذا كان هناك واجب ينبغي أن ننهض به قبل أن يأخذنا الخطر من جميع أقطارنا، فهو أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة ونلائم بين هذه الأهواء المتباينة، ونقنع الضمائر المصرية كلها؛ لأن الديمقراطية المصرية ليست لعبًا وإنما هي الجد كل الجد، وبأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق، وإنما هي حظٌّ مشترك بين المصريين جميعًا، وبأن العدل السياسي والاجتماعي ليس شجرة يستظل بها أولئك دون هؤلاء، وإنما هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي تظل المصريين جميعًا، ولعلها تستطيع أن تظل غير المصريين أيضًا. وبأن الحقوق السياسية والاجتماعية التي يسجِّلها الدستور المصري للمصريين ليست مباحة لأولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات السياسية والاجتماعية ليست مفروضة على أولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات التي ستطلبها الحرب إن اضطررنا إليها لن تفرض على أولئك دون هؤلاء.

    وقد تسألني: كيف السبيل إلى تحقيق هذه الوحدة وإشاعة هذا الإيمان بين المصريين جميعًا؟ وجوابي على ذلك يسير، وهو أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه إليَّ أنا وإنما ينبغي أن يوجه إلى الذين يعنون بأمور السياسة المصرية، ويقفون عليها ما يملكون من وقت وجهد.

  • بعض وجهات التفكير الحديث

    بعض وجهات التفكير الحديث

    طه حسين

    مجلة الهلال

    فبراير ١٩٣٧

    … أوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف … ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تَسْتَمْتِعُ بالحرية الديمقراطية.

    وإنَّما أُرِيدُ التفكير الذي يمس الأدب من قريبٍ، أو التفكير الذي يصدر عنه الأدب، وتستمد منه أقلام الأدباء ما تُذيع في الناس من آثار، وواضح أنَّ فصلًا في مجلة لا يستطيع أن يُلم بوجوه التفكير الأدبي الحديث في بلد بِعَيْنه، فضلًا عن أنْ يُلِمَّ بها في أوروبا كلها، فضلًا عن أن يُلم بوجوه التفكير على اختلاف أنواعه في بيئة من البيئات، أو عصر من العُصور؛ فألوانُ التَّفكير تَخْتَلِفُ أَشَدَّ الاختلاف بالقياس إلى البيئات المُفكرة، وبالقياس إلى الأفراد المفكرين أيضًا.

    وألوانُ التَّفْكِير هذه إنَّما تَخْتَلِفُ لأنَّ طَبَائِعَ المُفَكِّرين، أفرادًا أو جماعات، شديدة الاختلاف والتنوع فيما بينها، والأصلُ أن تختلف ألوان التفكير باختلاف الأفراد الذين يُفكرون، ما دام لكل فرد طبيعته ومِزَاجه وظروفه المُحيطة به، ودائرته التي يدور فيها.

    ولكن طبيعة الحياة أرادت أنْ يجتمع الناس أحزابًا وشيعًا في الرأي، كما يجتمعون أحزابًا وشيعًا في السيرة العملية، فمهما تختلف طبائعُ الأَفْرَاد وأَمْزِجَتُهُم، ومَهْمَا يكن لذلك من أثر في تفكيرهم وفيما يُنْتِجُون من أدب، ومهما يكن لذلك من قيمة في دراسة الأديب، والتماس شخصيته الفَرْدِيَّة، وتمييزه من غيره؛ فإنَّ من اليسير ومن المألوف أنْ نبحث عن ألوان مُشتركة للرأي يمتاز بها فريق من النَّاس بالقياس إلى فريق آخر، بحيث تتكون لهذا الفَريق أو ذاك شخصيته العَقْلية الأدبية التي تشيع في أفراده جميعًا، ثم يتمايز هؤلاء الأفراد بعد ذلك — أو قبل ذلك، لا أدري — بأمزجتهم وطبائعهم الخاصة.

    فأصحاب مذهب شِعْرِيٍّ بِعَيْنِهِ يَشْتَرِكُون في خصائص نعرفها فيما ينتجون لنَا مِنْ الشِّعر، ونحنُ بحكم هذه الخصائص نستطيعُ أن نُميزهم في سهولة من أصحاب مذهب آخر من مذاهب الشعر، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون في إنتاجهم تفاوتًا مَصدره شخصياتهم وما يُؤلفها من طبيعة ومزاج، وما يُحِيطُ بها من أحداث وظروف. وما أظنُّ أنَّ هذه القضية مُحتاجة إلى استدلال وتفسير؛ فالنَّاس قد ألفوها منذ العصور البعيدة جدًّا، وهم يُقَسِّمون الشعراء والكُتَّاب إلى فرق مُتمايزة، ومدارس مُتباينة، وهم يبينون ما لهذه الفِرَق من الخَصَائص، وما بين أفرادها من التمايز، ثم ما بينها هي من أسباب القُرْبِ والبُعد من مَظَاهِر الائتلاف والاختلاف.

    ولكن الشيء الذي قَلَّمَا نُفَكِّرُ فيه، ونُطِيلُ الوُقوف عنده، هو أنَّ الحياة الجَدِيدَة قربت بين الناسِ أَشَدَّ التقريب، وباعدت بينهم أشد المُباعدة، وأحدثت هاتين الظاهرتين المُتناقضتين في وقت واحد. فوسائل النشر والإذاعة وأسباب المُواصلات قد ألغت المسافة الزَّمانية والمَكانية إلغاء، وأتاحت للنَّاس أنْ يَظْهَر بعضهم على آراء بعض في غير مشقة ولا جهد ولا انتظار.

    كما أنَّ ظروف الحياة نفسها قد قوَّت الشخصية الفردية تقوية غريبة حقًّا، وجعلت لكل فرد مُفكر وجودًا داخليًّا يُشبه أن يكون مُستقلًّا، ويُشبه أن يكون عَالمًا مُمتازًا له حدوده التي لا يستطيع أحد أن يتجاوزها أو أن يقتحمها.

    وعلى ذلك جعلنا نُفَكِّر مُسْتقلين، ونُفَكِّر مُجْتَمِعِينَ، وجعل تفكيرنا المُستقل ينتج آراء لا تُحصى، وينتج آراء شديدة الاختلاف والتمايز فيما بينها، بحيث يكادُ أمرُها ينتهي إلى الفوضى، ويعجز بحث الباحثين واستقصاء الذين يقفون جهودهم على الاستقصاء، وجعل تفكيرنا الاجتماعي يُقارب بيننا أشدَّ المُقاربة؛ حتى يكادُ يكون هنا وحدة مُلْتَئِمَة لا يكاد يظهر فيها اختلاف، على بُعد ما بيننا من الآماد التي تُفرق بين الأمم والشعوب، وبين الفِرَق والأحزاب، وبين الأفراد أنفسهم.

    فلم يبق بدٌّ لدارس الأدب من أن يتجه هذين الاتجاهين، ويَلْتَمِسَ فيما يقرؤه منَ الآثارِ الأَدَبِيَّة مَظَاهِرَ الاستقلالِ الفَرْدِيِّ مِنْ جهة، ومَظَاهِرَ التضامن الاجتماعي والإنساني من جهة أخرى.

    ولستُ أعرف عصرًا اشتد فيه الصراع بين الفرد والجماعة كهذا العصر الحديث، ولعلك ترى معي أنَّ هذا الصِّراع قد مَرَّ بأطوار ثلاثة ظاهرة مُنذُ تحضَّر الإنسان وأخذ في التفكير والإنتاج:

    فالطور الأول: تطغى فيه الجماعة على الفرد طُغيانًا كاملًا شاملًا؛ فتفنيه في نفسها، وتنطقه بلسانها، وتُثير في نفسه عواطفها وأهواءها، فإذا أظهر الفرد شخصية مُستقلة؛ ففكر على غير ما تُفكر الجماعة، وأعلن غيرَ ما تُحِبُّ الجماعة من الرأي قاومته الجماعة أشد المُقَاومة، وبطشت به أفظع البطش، وعرضته أحيانًا إلى الموت.

    والطور الثاني: يَطْغَى فيه الفَرْدُ طُغيانًا شديدًا، فيَثُور بالنِّظام القَائِم ويَقلبه رأسًا على عقب، ويستخلص لنفسه حقوقًا ما كان ليحلم بها، وينتهي هذا الطُّغيان إلى كثيرٍ من الاضطراب والاختلاط؛ ثم تَسْتَقِرُّ الأمور وقد كسب الفرد حقوقًا لم تكن له، واستبقت الجماعة بعض ما كان لها من سلطان.

    وهذا هو الطور الأخير الذي يتحقق فيه التوازن بين حقوق الجماعة وحقوق الفرد. وواضح جدًّا أنَّ هذا التوازن لا يتصل، وإنَّما يستقرُّ حينًا ريثما يستريحُ المُختصمان كأنَّه هُدنة موقُوتة، ثمَّ تستأنف الخصومة بينهما كأشد ما كانت قوة وعنفًا.

    ومن المُحقق أننا في هذه الأيام لا نستمتع بالتوازن بين استقلال الفرد وسلطان الجماعة، وإنَّما نحنُ نعيشُ في عصر قد اختلَّ فيه هذا التوازن اختلالًا شديدًا؛ كما يقولُ أصحاب السياسة، فالأفرادُ قد كسبوا حقوقًا تُبيح لهم حرية واسعة في القول والعمل والتفكير؛ ولكن الجماعات قد أنكرت إسرافَ الأفرادِ في الاستمتاع بما كسبوا من حقوق، فهي تُرِيدُ أنْ تردهم إلى القصد، وأنْ تُخضعهم لنِظَامِها، وتفرض عليهم سلطانها من جديد.

    وأنت ترى هذا الصراع قد انتهى في هذه الأيام إلى عُنف لم يكن يَعْرِفُه من قبل، فهو الذي يقسم أوروبا هذه الأقسام الثلاثة التي يثور بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويبطش بعضها ببعض، والتي تتهيأ كلها لمَوْقِعة نظنها حاسمة، ولا ندري أتخرج الحضارة منها سالمة ظافرة قادرة على البقاء والنمو، أم تصبح الحضارة بعدها حديثًا من أحاديث التاريخ!

    هذه النظم السياسية الثَّلاثة التي تختصم في أوروبا ليست في حقيقة الأمر إلا مظاهر للخصومة بين الفرد والجماعة، نظامٌ يُريد أنْ يَحْتَفِظَ بالتَّوازن بينَ الشَّخصية الفَرْدِيَّة والشخصية الاجتماعية إلى حد ما، وهو النظام الديمقراطي، ونظام يُريد أن يخضع الجماعة لسلطان قوي عنيف يستأثر به وبحمايته وتنفيذه أفراد ممتازون، وهو نظام الفاشزم، ونظام ثالثٌ يريد أن يرد الأمر إلى الجماعة وإلى طبقات بعينها من الجماعة هي التي تُؤلف الكثرة الكثيرة، ويريد أن يمحو الفرد محوًا — إن جاز هذا التعبير — وأن يفنيه في الجماعة إفناء، وهو النظام الشيوعي.

    ومنَ المُحَقَّق أنَّ التفكير في هذه البيئات المُختلفة مُخْتَلِفٌ أيضًا، وأنَّ الإنتاج الأدبي فيها مُختلف باختلاف التفكير؛ فالمُفَكِّرون والمُنتجون في البيئات الديمقراطية يُفكرون وينتجون على أنهم أفراد لهم شخصياتهم المُستقلة المُتمايزة، التي كسبت ما كسبت من حقوق، والتي هي حريصةٌ أشد الحرص على ألا تضيع مما كسبت شيئًا، بل على أنْ تُضيف إليه كسبًا جديدًا مُتصلًا.

    وأصحاب النظام الفاشي يفكرون وينتجون على أنَّ الجماعة خليقة أن تَسْعَد وتَرْقَى وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال، ولكن وسيلتها إلى ذلك إنَّما هي قوةُ الفرد المُمْتَاز وسُلْطَانُهُ وبَرَاعَتُهُ، وقُدْرَتُهُ على التنفيذ والمُقاومة والإقناع والإرْهَاب، فالجَمَاعة يجبُ أنْ تَرْقَى، ولكنْ على أن يرقيها قائدها العظيم الفذ.

    والمفكرون المنتجون في النظام الشيوعي يفكرون على نحو قريب من هذا النحو جدًّا، لولا أنَّهم لا يُغلون في تقدير القادة وإكبارهم، وإنما يجعلونهم خدامًا للجماعة، ومَظاهر لسُلطانها، وأدواتٍ لتَحْقِيقِ مَا تُريد وما تَسْمُو إليه من أمل.

    ومع ذلك، فهُم يَنْتَهُون في آخر الأمر إلى مِثل ما ينتهي إليه الفَاشِيُّون؛ لأنَّ الجَمَاعة لا تستطيع وهي جَمَاعة أنْ تُدَبِّر الأمر وتُحْكِمه وتنفذه، ولا بد لها من أن تنتهي إلى أفراد بأعينهم تطمئن إليهم، وتثق بهم، وتعتمد عليهم في التدبير والإحكام والتنفيذ.

    وما أسرع ما يسيطر هؤلاء الأفراد على الأمر كله! وما أسرع ما ينزلقون إلى الطغيان! وما أسرع ما ينجم منهم الفرد القوي الذي يستأثر بكل شيء، ويفرض نفسه ورأيه وإرادته على الجماعة فرضًا! وما أدري أيوجدُ آخر الأمر فرق بين السُّلطان الذي يستمتع به هؤلاء الأشخاص الثلاثة في أوروبا اليوم: مُوسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا، وستالين في الروسيا!

    تُوجد فروق في الأساليب وألوان السيرة العَملية الظَّاهرة، ولكن النتيجة الأخيرة واحدة، وهي أنَّ هؤلاء الأشخاص هم كل شيء في أوطانهم، قد استأثروا بالسلطان كله؛ وفَرَضُوا على شُعوبهم إرادات لا مَرَدَّ لها، ولا سبيل إلى الخلاف عن أمرها؛ إلا أن يتعرض المُخالفون للموت.

    وأنا أعلم أن تصور الأمور الأدبية والاقتصادية والسياسية يختلف في هذه البلاد اختلافًا شديدًا، فنظام الطبقات هو أساس السياسة والاجتماع والاقتصاد في بعضها، ونظام رأس المال هو أساس هذه الأشياء في بعضها الآخر، والأدبُ يُعنى بالشعب وطبقاته الدنيا في بعض هذه البلاد، وهو يعني بالطبقات الوُسطى وبالطبقات المُمْتازة في بعضها الآخر، ويكادُ يُهمل الطبقات الدنيا إهمالًا.

    أعلم هذا حق العلم، ولكنِّي أُريد أنْ نَتَجَاوز المَظاهر إلى الحقائق، وأنْ نَصِلَ إلى أحبِّ شيء إلى الفرد، وآثر شيء عنده، وهو الحُرِّية الفردية؛ حرية التفكير والقول والعمل. أُريد أنْ نَصِلَ إلى هذه الحُرِّية، وأنْ نَلتمسها عند الفاشيين والشيوعيين، فسنجد أمرها مُتشابهًا أشد التشابه عند أولئك وهؤلاء، بل سنجد أمْرَها مُتفقًا أشد الاتفاق عند أولئك وهؤلاء، متفقة في أنها مُهدرة لا تُوجد أو لا تكاد تُوجد، فليس للفرد أنْ يظهر من الرأي في قوله وسيرته إلا ما يُلائم النِّظام القائم ولا يُخالف عنه.

    وأقل شُبهة توهم الانحراف عن النظام في قول أو عمل أو إرادة أو رأي تُعَرِّض صاحبها لخطر شديد، والأحداث التي تقع في روسيا وألمانيا وإيطاليا أكثر من أن تُحصى، وأوضح دلالة من أن تحتاج إلى شرح أو تفسير.

    على أنَّ مُؤرخ الآداب قد يجدُ راحة ثَقِيلَةً مُمضة إذا أرادَ البحث عن الآداب في هذه البلاد التي تخضع للسلطان القوي، فهو لنْ يجدَ لهذه الآداب إلا اتجاهًا واحدًا هو الذي يَفْرِضُه النِّظام القَائِمُ، ويأخذ به النَّاس أخذًا عنيفًا، ويُعَاقِبُ الذين يخرجون عليه بالموت غيلة، أو الموت بعد مُحاكمة شكلية، أو النفي إلى مكان بعيد.

    فالاتجاه الأدبي في إيطاليا وألمانيا فاشي، وهو في روسيا شيوعي. ومعنى ذلك أنَّ الناس يفكرون وينتجون في ألمانيا وإيطاليا كما يُريد لهم هتلر وموسوليني أنْ يفكروا وأنْ ينتجوا، فمن أحس منهم عجزه عن هذا الإذعان الذي لا يلائم طبيعة العقل الحُر؛ فليس له بد من أنْ ينفي نفسه من الأرض، وأنْ يَلْتَمِس لنفسه مهاجرًا يُفكر فيه، ويُنتج كما يُريد لا كما يُرَاد له.

    إنما يشق البحث الأدبي ويتعقد ويختلف حيث يستمتع الأفراد بحرية التفكير والقول والعمل، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تزهر وتتفتح كما تريد لها طبائعها وأمزجتها، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تستملي الأدب والفن من ضمائرها، ومن الصلة بين ضمائرها وبين الحياة، لا من السلطان الجاثم في هذا القصر أو ذاك، والذي يهيئ لها من حين إلى حين ما ينبغي أن تتلقى من وحي، وما ينبغي أن تجيل من رأي، وما ينبغي أن تجد من شعور.

    اذهب إلى إيطاليا؛ فلن تجدَ إلا الأدب الفاشي، واذهب إلى روسيا؛ فلن تجد إلا الأدب الشيوعي. فإذا أراد كاتب إيطالي أو روسي أن يُفكر كما يُريد هو لا كما يريد موسوليني أو ستالين؛ فلا بد له من الهجرة إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى ما يُشبه هاتين المدينتين، ولكن اذهب إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى بروكسل، أو إلى لاهاي، أو إلى أمريكا؛ فستجد ألوانَ الأدب كلها تلتقي وتفترق، تأتلف وتختصم، ويكون بينها هذا الصِّراع الخَصْبُ الذي يتيح للأفراد والجماعات حياة تُلائم ما فرض الإنسان لنفسه من المُثل العُليا منذ أخذ يُفكر ويُسيطر بعقله على الأشياء.

    أنت في باريس تجد الأدب الشيوعي مُصورًا أقوى تصوير وأبرعه، وتجد الأدب الاشتراكي، وتجد الأدب الفاشي، ثم تجد الأدب الديمقراطي على اختلاف ألوانه، ثم تجد الأدب الملكي، وقد تجد الأدب الإمبراطوري الذي لم ينس، ولا يريد أن ينسى، مَجْدَ نابليون. ولا تظن أن هذا كله لغو يتصل بالسياسة وحدها؛ فإن لكل لون من هذه الألوان السياسية المُتباينة أثره في الفن والنظام الاجتماعي والشعور الديني.

    إذا قرأت الشيوعيين قرأتَ الاندفاع الشديد إلى العِناية بالطَّبقات الدُّنيا، والإصلاح من أمر البائسين، فوجدتَ الرَّحمة والرِّفق واللين، ووجدتَ إلى جانبها العُنف والغِلظة والقسوة بالقياس إلى الأغنياء المُترفين الذين يستأثرون بالنعمة دون غيرهم من سائر الناس، ووجدت الإلحاد في الدين والثورة بالكنيسة، والسخط على كل نظام قائم.

    ووجدت الآثار الفنية لهذا كله في ألوان التفكير والتعبير، بل في ألوان الفن المُختلفة التي لا تترجم عن نفسها بالكلام، وأنتَ واجِدٌ في الأدبِ الاشْتِرَاكي ما يُلائم الاشتراكية من هذا كله أشَدَّ اعتدالًا مِمَّا تجدُه عند الشيوعيين، وأنتَ واجدٌ في الأدب الديمقراطي ما يلائم الديمقراطية من هذا كله أشد اعتدالًا واتزانًا مما تجد عند الاشتراكيين والشيوعيين.

    ثم أنت واجد عند الملكيين غلوًّا شديدًا في نقائض ما تجد عند الشيوعيين. ومن هذا التناقض الشديد، ومن هذا الخِصَام العَنيف المُتَّصل بين المُتناقضات في جميع ساعات الليل والنهار تَأْتَلِفُ في البلاد الحُرَّة حياة موسيقية رائعة حقًّا، يجدُ فيها العقل ما يشتهي من ألوان اللذة العقلية المختلفة، ويُتيح له بذلك براءة من السأم والملل والضيق.

    وأغرب من هذا أنكَ تَجِدُ في البلاد الدِّيمُقراطية من تصوير الشيوعية والفاشية أروعَ مما تجد في إيطاليا ورُوسيا نفسهما؛ لأنَّ الشيوعيين الفرنسيين والفاشيين الفرنسيين يستمتعون في تصوير آرائهم، والذود عنها بحُرِّية، لا يَسْتَمْتِعُ بها نَظائرهم في إيطاليا ورُوسيا، ولهم خُصومُهم يُصَارِعُونهم في الصحف، ويُصارعونهم في الكتب، ويصارعونهم في البرلمان، ويصارعونهم في المظاهرات، فيمنحهم هذا الصراع المُتصل المُختلف حياة لا يجدها نظائرهم في البلاد التي لا يرتفع فيها للمُعارضة صوت، ولا يُسمح فيها بنقد النظام أو الإنكار على القائمين بالسلطان.

    وجملة القول أنك إذا أردتَ أنْ تَبْحثَ عن اتجاهات التفكير الأدبي؛ فلن تجد مَيدانًا لهذا البحث أخصب ولا أجدى ولا أعود بالفائدة إلا في البلاد الديمقراطية التي يتحقق فيها التوازن على نحو ما بين الفرد والجماعة. ومع ذلك، فقد حدثت في الأيام الأخيرة الماضية حادثة لا تدعُ سبيلًا إلى الشك في شيء من هذا، وهي حادِثة التَّاج البِرِيطاني.

    أرأيتَ إلى هذا الصراع العنيف بين شخص الملك وجماعة الإمبراطورية البريطانية كلها، كيف بدأ؟ وكيف اتَّصل؟ وكيفَ انْتَهى؟ وكيف خرجت مِنْهَا الجماعَةُ ظَافِرَةً؟ وكيف خرجَ الفَرْدُ مِنْهَا ظافرًا؟ وقد حفظت الديمقراطية للإمبراطورية نظامها وتقاليدها؟ وقد حفظت للملك حريته وخلَّت بينه وبين ما يريد من الاستجابة لعواطفه، والانقياد لقلبه، ورضي الملك ورضي الشعب ولم يُكْلم أحد منهم كَلْمًا، ثم اجتهد في أن تتصور حادثًا كهذا في بلد شيوعي أو فاشي، واجتهد في أن تتصوره مُبتدئًا ومُتصلًا، ثم أن تتصور غايته التي ينتهي إليها، ثم قارنْ بين الصورتين.

    أمَّا أنا فلا أكاد أَسْتَطِيعُ تصَوُّر حَادِثَةٍ كَهَذِهِ في بَلَدٍ لا يَسْتَمْتِعُ بالدِّيمُقراطية؛ إذن لفرض الفرد إرادته على الجماعة فرضًا، فأذعنت إذعانًا مُطلقًا لتحكم الأهواء، أو لفرضت الجماعة إرادتها على الفرد فأذلته وأخضعته لما لا يريد.

    ولا تظن أنَّ هذه الحادثة سياسية فحسب، بل هي أدبية عقلية أيضًا، فقد أُتيح للكتاب أن يكتبوا، وللخطباء أن يخطبوا، ولرجال الشارع أنْ يتظاهروا، وسيتيح للشعراء أنْ يقْرِضوا الشعر، ولأصحاب الفن أنْ يُصَوِّروا شُعورهم بالحادثة وآراءهم فيها كما يُريدون دونَ أنْ يُؤذى أحدٌ منهم في شيء من ذلك قليلًا أو كثيرًا. ومن الذي يستطيعُ أن يقول: إنَّ هذه الحادثة العظيمة حادثة تتصل بالسياسة وحدها، ولا تتصل الفنِّ، وبالأدبِ خاصةً، أمتن اتصال وأقواه؟ لقدْ حَدَثَتْ في التاريخ القديم حادثة تُقاربها، فتركت في الأدب آثارًا خالدة، وما أرى إلَّا أنَّ هذه الحادثة الأخيرة ستنتج في الأدب الحديث آثارًا خالدة أيضًا.

    وإذن فأوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا، مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف، تتحد حتى تكاد تجعل الناسَ كلهم فردًا واحدًا، وتفرضُ عليهم حياة الحَيوانِ الاجْتِمَاعي، وسيرة النمل والنحل.

    ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تستمتع بالحُرِّية الدِّيمُقراطية، أو أنتَ تستطيع أنْ تقول: إنَّ التفكير الأدبي يتجه في ظلِّ السلطان العنيف اتجاهًا واحدًا لا يلبث أن يفيض السأم والملل، ويتجه في البلاد الحُرَّة اتجاهات لا تُحْصَى، ولكنَّها لا تفيض مللًا ولا سأمًا، ولا ينقضي منها عجب الباحث ولا حاجته القوية إلى البحث والاستقصاء. فأمَّا تشخيص بعض هذه الاتجاهات وردُّه إلى مصادره الأولى، ثم الانتهاء به إلى بعض نتائجه المُمْكنة، فشيء لا يكتب فيه فصل، وقد لا يُتاح استقصاؤه في فصول.

  • دفاع (٢)

    حديث المساء: دفاع (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ مارس ١٩٣٤

    انطلق به لسان فصيح ذَرِب من هذه الألسنة الفصيحة الحادة التي امتازت بها وزارة التقاليد. وكان المُقَطَّم مهبطَ الوحي، ومنبر الفصاحة، ومرآة الدفاع المجيد عما يريد وزير التقاليد بطلاب الجامعة واتحاد الجامعيين. فالناس يعلمون أن بين الطلاب الجامعيين ووزير التقاليد خلافًا، إنْ صَحَّ أن يكون هناك خلاف بين قوم لا يملكون من أمرهم شيئًا ورجل يملك من الأمر كل شيء.

    والموضوع الأول والأخير لهذا الخلاف هو موقف الطلاب من مشروع القرش. همَّ قومٌ أن يدفعوا هذا المشروع في السياسة دفعًا، ويقحموه فيها إقحامًا، ويُسَخِّروه لبعض الأهواء والأغراض، التي لا تتصل بالاقتصاد، وإنما تتصل بما بين الأحزاب من خصام. ومشروع القرش عمل من أعمال الطلاب نهضوا به واحتملوا أثقاله، وباعدوا بينه وبين السياسة، وانتهوا به من الفوز إلى أمد بعيد، فلمَّا رأى الطلاب أن قومًا يُريدون أن يَدْفَعُوهم إلى السياسة أنكروا ذلك وقاوموه، وظنوا أنهم يؤدون واجبهم الوطني، وينفذون القوانين، ويرعون أمر الوزارة الذي يحظر على الطلاب الاتصال بالسياسة من قرب أو من بعد.

    ولكن بعض الظن إثم، فالسياسة محظورة على الطلاب بشرط أن لا تنفع الوزارة، ولا تسوء المعارضين لها؛ فأمَّا إذا كانت السياسة تأييدًا للوزارة، ومُحَارَبَةً للمُعَارَضَة، فمِنَ الإثم أن يعرض عنها الطلاب، أو يزهدوا فيها، أو يصدوا إخوانهم عنها، أو ينفروا إخوانهم منها. وهذا بالضبط هو الذي فعله الطلاب: صدوا عن مشروع القرش، ولم يعلموا أن هذا الصد مُحاربة للسياسة التي لا ينبغي أن تُحارب، ومُقاومة للسياسة التي تنفع أحزابًا، وإن كانت لا تضر أحزابًا أخرى يريد قوم بها الشر، ويتمنى قوم لها المكروه، فلا يظفرون بشيء مما يُريدون.

    مهما يكن من شيء، فقد أَثِمَ الطلاب عند وزير التقاليد؛ لأَنَّهم قاوموا مشروع القرش، ولكل إثم عقاب، فما أسرع ما بطش وزير التقاليد بجماعة من الآثمين فأخرجهم من الجامعة إخراجًا لم يرعَ في ذلك نظامًا وقانونًا، ولا تذكر استقلال الجامعة؛ فقد مات استقلال الجامعة — رحمه الله — منذ زمن بعيد. لم يكن من حق وزير التقاليد أن يخرج طلاب الجامعة من الجامعة دون أن يُحاكموا أمام مجالس التأديب الجامعية؛ لأنَّ القانون الذي أصدره وزير التقاليد نفسه يقضي بذلك ويفرضه فرضًا، ولكن من الذي قال إن القوانين تُلزِم الوزراء، وتلزم وزير التقاليد بنوع خاص، إنما تُلْزِم القوانين أمثالك وأمثالي من عباد الله الذين خلقوا ليكونوا رعية يجب عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، فأَمَّا الوزراء فقد رُخِّصَ لهم في أنْ ينفذوا هذه القوانين متى شاءوا وكيف شاءوا، وفي أن يهملوها إن أعجبهم هذا الإهمال.

    وإذن فقد عاقبَ وزير التقاليد هؤلاء الطلاب فأخرجهم من الجامعة بغيرِ حَقٍّ، وقبلتْ الجَامِعَةُ تجاوز الوزير لقوانينها، وإعراض الوزير عن استقلالها، ولكن هؤلاء الطلاب الذين عُوقِبُوا لم ينفردوا بالإثم، وإِنَّما شاركهم فيه قوم آخرون فيما يظهر، لم تبلغهم يد الوزير، ولم تصل إليهم عقوبة.

    وزير التقاليد، حازم، ولكنه حكيم، ووزير التقاليد يعاقب، ولكنه يؤثر أن يقطع أسباب العقاب، وأن يتقي الشر قبل وقوعه، وإذن فقد بحث وزير التقاليد عن الأسباب التي دعت الطلاب إلى مقاومة مشروع القرش، فعرف أن لهم اتحادًا، وأن اتحادهم هذا يستمتع بشيء من الحرية في تدبير أمره، ويجتمع في نادٍ يقوم في القاهرة، فرأى — ورأيه الأعلى؛ لأنه رئيس الجامعة الأعلى — أن يُغَيِّر نظام الاتحاد، وأن يصوغه في شكل يجعل مقاومته لمشروع القرش مستحيلة، وخضوعه لسلطان الوزارة أمرًا محتومًا.

    هنالك طلب الوزير إلى الجامعة أن تصنع له القيود والأغلال التي يقيد بها أرجل الطلاب، ويغل بها أيديهم وأعناقهم، فأسرعت الجامعة إلى ما أراد الوزير، ومتى أبطأت الجامعة عما أراد الوزير، ومتى امتنعت الجامعة على الوزير، وصنعت كلية الحقوق للوزير ما أراد من قيود وأغلال، على النحو الذي رآه القراء حين نشر لهم النظام الجديد لاتحاد الجامعة.

    وقد غضب قليل من أساتذة الجامعة، وغضبت جماعة الطلاب على اختلافها، ونشرت الصحف أطرافًا من ذلك، فلم تر وزارة التقاليد بُدًّا من أن تدافع عن هذا النظام الجديد، فأوحى بعض المسئولين فيها إلى المُقَطَّم أمس دِفاعًا مجيدًا، قوامُه أنَّ هذه اللائحة ستصدر قريبًا، وما شككنا في أنها ستصدر، سواء رضيت الجامعة أم سَخِطَتْ، بل نحن أعلنا ذلك وأكدناه؛ لأنَّ إرادة وزير التقاليد لا مرد لها من الجامعيين، ولا من غير الجامعيين.

    ثم زعم المسئول الذي أوحى إلى المقطم أنَّ هذه اللائحة ستكون كلائحة الاتحاد الذي أنشئ في مدرسة الهندسة. وسُبحان الذي يقلب الأمور رأسًا على عقب، ويجعل التابع متبوعًا والمتبوع تابعًا؛ فقد كَانَتْ مدرسة الهندسة تسعى إلى تقليد الجامعة، وإلى الانضمام إلى الجامعة، طمعًا فيما كانت تَسْتَمْتِعُ به الجامعة من حرية، فأصبحت الجامعة — والحمد لله — تُدفع إلى تقليد مدرسة الهندسة حبًّا لما يثقلها من القيود والأغلال.

    ولا تقل: إنَّ مدرسة الهندسة تابعة لوزارة المعارف، ليست مُسْتَقِلَّة ولا كالمستقلة، وإن الجامعة مُستقلة فيما يظهر. لا تقل شيئًا من هذا؛ فقد اختلط المُسْتَقِلُّ بغير المستقل، والتابع للوزارة بالمنفصل عنها، وما دام شخص وزير التقاليد يُشرف على هذه كما يُشرف على تلك؛ فالأمر سواء. وهذه وتلك يجبُ أن تخضعا لأمر وزير التقاليد، وقد تحدى المسئول الذي أوحى إلى المقطم خصوم الوزير — نستغفر الله — بل خصومه وأنصاره، فأعلن أن اللائحة ستصدر وإن أنكرها الطلبة والأساتذة، وأعلن أن النادي سينقل إلى الجيزة، وإن حرص الطلبة على أن يكون في القاهرة، وأعلن أنْ ليس على أغراض الاتحاد خوف إذا كانت هذه الأغراض ظاهرة واضحة لا خفاء فيها.

    ومعنى ذلك أن هذا المسئول يظن أن من أغراض الاتحاد ما هو خفي أحيانًا، أي ما لا تحب الوزارة أن يكون، أي ما يتصل بالسياسة التي تفزع منها الوزارة، ولهذا غير النظام ووضع مكانه هذا النظام الجديد الذي يخضع الطلاب لمُراقبة دقيقة واسعة النطاق كما يقولون. ما أشد خوف الوزارة وإشفاقها من الوهم، وفزعها من الخيال! والغريب أنَّ الذين يَدْرُسون تاريخ الجامعات، وما بين الطلاب والأساتذة فيها من صلة، يُلاحظون شيئًا لا بأس بملاحظته الآن؛ لأنَّه يضحك حقًّا، فقد كانَ أَمْرُ الجامعات في القرون الوسطى إلى الطلاب دون الأساتذة؛ لأنَّ الطلَّاب هم الذين أنشئوا الجامعة، وهم الذين كانوا يأجرون الأساتذة على التعليم.

    وكان الأساتذة يخضعون لسلطان طلابهم وتلاميذهم، وكان هؤلاء الطلاب والتلاميذ هم الذين يحاكمون الأساتذة، ثم كان صراع وجهاد بين الطائفتين، انتهى إلى ظفر الأساتذة بالحرية والاستقلال، وإفلاتهم من سيطرة الطلاب، وأصبح الأساتذة يديرون أمورهم بأنفسهم، وأصبح الأستاذ لا يؤدب إلا أمام زملائه، ثم قوي سُلطان الاستبداد في الدولة وفي الكنيسة، وفي الجامعة أيضًا، فاستأثر الأساتذة بأمور الجامعة كلها، حتى إذا كان عصر الديمقراطية الحديثة، عادت الأمور إلى شيء من الاعتدال، وأصبح الطلاب الآن يُدَبِّرون أمورهم الخاصة بأنفسهم في أنديتهم وجماعاتهم، فإذا اشترك معهم الأساتذة في تدبير هذه الأمور، فعلى قاعدة المُساواة.

    ثم ارتقى أمر الطلاب في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، فأصبحوا يمثلون في مجلس الجامعة في فرنسا. أمَّا في مصر فالأمور تجري في طريق أخرى؛ لم يكن للطلاب وجود، ثم ظفروا بوجود حر، ثم يراد أن ينزع منهم حقهم في هذا الوجود الحر الذي كسبوه، وأن يخضعوا حتى في أمورهم الخاصة لسلطان الأساتذة الذين يخضعون لسلطان الوزير، ولكنا واثقون بأنَّ كل ما نحن فيه الآن لا يعدو أن يكون عبثًا، وأنَّ عصرًا غير طويل لن يَنْقَضي حتى تُرَدَّ الأمور إلى نصابها، وحتى يستمتع الطلاب باتحادهم الحر الذي يُلائم الحياة الجامعية في هذا العصر الحديث.

    فليصدر وزير التقاليد نظامه؛ فإنا نؤكد له أنَّ عُمْرَ هذا النظام لن يطول.

  • تجارب …

    حديث المساء: تجارب …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٥ فبراير ١٩٣٤

    زَعَمُوا أنَّ وزارتنا قوية، شديدة القُوَّةِ، مُستقرة مُمْعِنَة في الاستقرار، تأمن الناس
    جميعًا ويأمنها الناس جميعًا، ليس بينها وبين الشعب الأخير ما يكون بين الحاكم والمحكوم من
    الصلات. وزعموا أنها مُسَيْطِرَةٌ على الأَمْرِ كُلِّه في مِصْرَ، حَافِظَةٌ على الناس أمنهم
    كله وما يحتاجون إليه من الدعة والطمأنينة في ظل النظام، وأنها إنما وفقت إلى هذا لأنها مُسيطرة
    على القلوب، مُتَسَلِّطَةٌ على النفوس، مُسْتَأْثِرَةٌ بالعواطف، مُصَرِّفة للأهواء، لا تأمر
    الناس إلا ائتمروا، ولا تنهى الناس إلا انتهوا، ولا تريد إلا أسرع الناس إلى تحقيق ما
    تريد.

    وزعموا مع ذلك أنَّ لِهَذِهِ الوَزَارَة خُصومًا ضِعَافًا، لا يَمْلِكُون من أمرهم شيئًا،
    فَضْلًا عن أن يملكوا شيئًا من أمور الناس، لا سلطان لهم على أنفسهم فضلًا عن أن يكون لهم سلطان
    على الناس. وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاء الخصوم يُسْرِفُون على أَنْفُسِهِم فيَزْعُمون أنهم أقوياء،
    ويُعْلِنُون أنَّ الوزارة تخافهم، وتخشى بأسهم، وأن الوزارة تغلو في خوفهم فتراقبهم من قريب،
    وتراقبهم من بعيد، وتبذل المباح وغير المُبَاح لتَحُول بينهم وبين الشعب، ثم زَعَمُوا أنَّ
    الوزارة أَرَادَتْ أَنْ تقضي على وهم هؤلاء الخصوم، وأن تمحق حجتهم محقًا، وأن توئسهم حتى من
    التعلق بأهداب الوهم، والاستمتاع بلذات الخيال؛ فأذنت لهم، وأعلنت إلى الناس جميعًا أنها تأذن
    لهم في أن يذهبوا ويجيئوا أو في أن يغدوا ويروحوا، وفي أنْ ينتقلوا كما يُحِبُّون لا في القاهرة
    وحدها بل فيها وفي غيرها من المُدن، وفي أعماق الرِّيف أيضًا، فأَبَى هؤلاء الخُصوم أنْ يقبلوا
    هذا التحدي، وأنْ يتنقلوا بين المدن والقرى؛ لِأَنَّهُم أَشْفَقُوا إِنْ فَعَلُوا أَنْ تَقُوم
    عليهم الحجة، حتى أَمَامَ أَنْفُسهم، وأَنْ تقطع عليهم هذه اللذات التي يتعللون بها، ويتعزون
    بها عما أصابهم من الإخفاق والخذلان.

    ولكنَّ قومًا آخرين لا ندري من أين أقبلوا ولا ندري من أين نجموا، ولا ندري من أين هبطوا، قد
    ظهروا فجأة، فإذا الناس يُحِبُّونهم حبًّا شديدًا، قد صرفهم عن الوزارة صرفًا، وإذا هُمْ
    مَصْدَرُ قلق للوزارة إذا كان النهارُ، ومصدر أرق للوزارة إذا كان الليل، وإذا الوزارة تنظر
    فتَرَى أَنَّها لا تَسْتَطِيعُ بقاءً أمام هؤلاء الناس الذين أقبلوا من حيث لم يكن أحد ينتظر
    إقبالهم إلا إذا خاصمتهم أشد الخصومة، وحاربتهم أعنف الحرب، وأخذتهم من ألوان الكيد والبأس،
    ونَصَبَتْ لَهُم من فنون المكر والحيلة أضعاف ما كانت تُهَيِّئ في الزَّمَان القديم لتلك الهيئة
    السياسية التي كانت تُسَمَّى الوفد، والتي كانت خطرًا فزال، وخوفًا فرفع.

    وأخذت الوزارة تستأنف مع هؤلاء الخصوم الجدد، أضعافَ ما كانت تفعل مع أولئك الخصوم القدماء،
    وإذا الناس ينظرون ثم يسألون أنفسهم: أَمُحِيَ الوفد أم ما يزال قائمًا؟ أمات الوفد أم يزال
    حيًّا؟ أمُحِقَ أُولئك الخصوم أم ما يزالون مُحتفظين بكل ما كان لهم من قُوَّةٍ عَنِيفَةٍ
    وَبَأْسٍ شَدِيدٍ؟

    ينظر الناس فإذا إقليم مجاور للقاهرة تفرض عليه الأحكام العرفية فرضًا، ويفصل من الأقاليم
    التي كانت تجاوره فصلًا؛ لأن رجلًا يريد أن يزوره ولا ينبغي لهذا الرجل أن يزوره. وينظر الناس
    إلى هذا الرجل، فيرون بينه وبين رئيس الوفد الذي زال ومحي شَبَهًا قويًّا، حتى لكأنه هو لم
    يتغير، ولم يتبدل، له شكله وصورته، له صوته ومنطقه، له حركاته وأعماله، فيقولُ النَّاسُ
    لِأَنْفُسِهِم أَين نَحْنُ؟ وماذا نرى؟ لقد كنا نظن أن عصر المعجزات قد انقضى، وأنَّ الموتى لا
    ينشرون في هذه الحياة. فإذا الوفد الذي مات لا يزال حيًّا، وإذا رئيس الوفد الذي أخفق وانصرفت
    عنه القلوب لا يزال منتصرًا، تلتف حوله القلوب، وإذا الوزارة ما تزال تعالج ما كانت تشكو منه من
    هذا الوفد الذي كان أذًى في الأجواف، وشجى في الحلوق.

    ولا يكاد الناس يفرغون من هذا الحديث حتى يروا سيدة تهم بالسفر إلى طرف من أطراف الصعيد، وإذا
    الشعب من حَولِهَا قد خفَّتْ إليها نفسه وخفق لها قَلْبُه، وانْدَفَعَ إليها حُبُّه، يَغْمُرها
    بما فيه من المَوَدَّة والإِكْبَار، والإجلال، والوفاء، وإذا الوزارة تقاوم وتخاصم، فتحصر
    المحطات، وتُعَبِّئ القوى، وتحشد الجند، وتعتقل الناس، وإذا كل هذا يذكر بسيدة كان المصريون
    يُحِبُّونها وكانت الوزارات تُقَاوِمُها، حتى ضَعُفَ أَمْرُها كلَّ الضعف، وحتى نسيها الناس
    وأعرضوا عنها، وحتى مُحِيتْ صورتها من قلوبهم. وكانوا يُسَمُّونها أمَّ المصريين، فينظر الناس
    إلى هذه السيدة ويسأل بعضهم بعضًا ماذا نرى؟ ما أشد ما بين هذه السيدة وتلك من الشبه! وما أشد
    ما بين صنيع الوزارة معها الآن وصنيع الوزارات مع تلك من قبل!

    ثم يقول بعضهم لبعض: من يدري؟ لعلها هي أم المصريين! لم ينسها أحد، ولم ينصرف عنها أحد، لم
    يُصِبْ أمرها ضعف ولا وهن، وإنما خُيِّل إلى الوزارة أن أمرها قد ضعف، وأنَّ سُلطانها على
    القلوب قد زال.

    وكذلك يُفِيق المُجربون من نوم عميق، ويخلص المجربون من أحلام لذيذة، ويستيقن المجربون أنَّ
    ما أَنْفَقُوا مِنَ الجَهْدِ قد ذهب في غير طائل، وأن ما سينفقون من الجهد سيذهب في غير غناء،
    وأن مصر قد كانت وستظل خالصة للوفد، ورئيس الوفد، وأم المصريين، لا يصرفها عنهم صارف مهما تكن
    قوته، ومهما يطل أمامه الزَّمان، ومهما يمنح من المعونة والتأييد.

    ولكنَّ المجربين على ذلك لا يكفُّون عن تجربتهم ولا يستَحُون من المُضِيِّ فيها؛ لأنَّ
    الاعْتِرَاف بالهَزِيمة أَثْقَل عليهم من الهزيمة؛ ولأنَّ التسليم بالخذلان أسهل عليهم من
    الخذلان، فهم يقاومون ويخاصمون، وهم مُقْتَنِعون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين
    الناس، بأن لا فائدة لهم في المُقاومة، ولا نفع لهم في الخصام، ثم يعوِّدون أنفسهم هذا الجهاد
    الذي لا يفنى، وهذه المقاومة التي لا تُفيد حتى يتعوَّدُوهما، وينظروا إليهما كما ينظر الرجل
    إلى صناعة لا خير فيها ولا نفع منها، إلا أَنَّها تُعِينُ على الحياة، واحتمال العيش، وإنفاق
    الوقت.

    هذا بالضبط مثل ما نحن فيه الآن، تجارب تدفع إليها الوزارات وتدفع إليها مصر، وتخسر فيها
    الوزارات جهودًا كان من المُمكن أن تكون مُثْمِرَة، وتخسر فيها مصر أوقاتًا كانَ من الممكن أنْ
    تكون نافعة، ويظهر للوزارات المُختلفة، كما يظهر لمصر، أنَّ هذه التجارب ليست إلا لغوًا وعبثًا
    وإضَاعَةً لِمَا لَا يَنْبَغِي أنْ يُضَاع. ولكنَّ الإنجليز يمضون في تجاربهم، وماذا يعنيهم أن
    تضيع جهود الوزارات؟ وماذا يعنيهم أن يضيع وقت مصر؟ وهُم إِنَّمَا ينتفعون بما تُضِيع الوزارات
    من جهود، وإنما هم ينتفعون بما يضيع على مصر من أوقات.

    إنما اللوم كل اللوم على هذه الوزارات التي ترى إخفاق التجارب ثم تَمْضِي في مُعَاونة
    الإنجليز عليها، وترى ضياع الجهود ثم تمضي في تحقيق آمال الإنجليز فيه، وترى ضياع الوقت على مصر
    ثم تمضي في إغراء الإنجليز به، لماذا؟ لأنَّها تريد أن تحتفظ بالحكم؛ ولأنَّها تُرِيدُ أَنْ
    تستبقي المناصب في أيديها، وإلا فحدثني ماذا تنتظر الوزارة القائمة من كل هذا الجهد العنيف الذي
    تبذله، ومن كل هذا الوقت العزيز الذي تضيعه، ومن كل هذا الشر العظيم الذي تعرض البلاد له، وهي
    قد رأتْ أَنَّ وزارات أُخْرَى قد فعلتْ أَضْعَاف ما فعلت فلم تَبْلُغ شيئًا ولم تنتهِ إلى شيء،
    ولم تظفر برضا الإنجليز فضلًا عن رضا المصريين؟!

    فيمَ كل هذا الجهد الذي بذلته الوزارة في منع رئيس الوفد من زيارة القليوبية، وفي التشديد حول
    زيارة أم المصريين لأسوان؟ ما الذي تنتظره من هذا؟ وما الذي جناه صدقي باشا من محاولة هذا؟ لا
    شيء، وإنما هي حياة يجب أن تحتمل، وجهود يجب أن تُبْذَل، وأوقات يجب أن تضيع.

    وهذه أنباء أسوان تحمل إلينا ما كان من اصطدام بين الشرطة والشعب، وما كان من اعتقال للعشرات
    من الناس، وما كان من إغلاق للفندق الذي نزلت فيه أم المصريين بالحواجز والسلاسل، وما كان من
    تتبع لسيارة أم المصريين حين تذهب أو تجيء؟ تحمل إلينا أنباء أسوان هذا كله، فماذا تجني منه
    الوزارة؟ وماذا تنتظر أن تجني منه؟ لن يدل أحدًا من المصريين ولا من الإنجليز على قوتها وشدة
    بأسها وقُدْرَتِها على ضبط الأمر وحفظ النظام. فرأي المِصريين ورأي الإنجليز في ذلك معروف، لن
    يمدَّ لها ذلك في الحياة، ولن يحفظ عليها ذلك مناصب الحكم، ولن يعينها ذلك على البقاء؛ فقد فعل
    ذلك غيرها فلم يجنِ منه خيرًا، ولم يفد منه شيئًا، ونزل عن الحكم كما وثب إلى الحكم؛ لا يحبه
    أحد، ولا يعطف عليه أحد.

    ألم يأذن الله لمصر أنْ يَلِي أُمُورها قومٌ لَا يُحِبُّون إِضَاعَة الوقت، ولا إنفاق الجهود
    فيما لا يُفِيدُ، ولا ينظرون إلى الحُكْمِ على أنه غاية تحتمل في سبيله الأثقال والمشقات، وإنما
    ينظرون إليه على أنه وسيلة ترفع بها عن الأمة المشقات والأثقال؟!

  • هيبة …

    حديث المساء: هيبة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٢ يناير ١٩٣٤

    أما أن وزارتنا مهيبة رهيبة، فهذا شيء لا يحتمل الشك، ولا يأتيه الريب من أي ناحية من نواحيه.
    وكيف تشك في هيبة الوزارة أو ترتاب في أن الرهبة تصدر عنها كما يصدر الضوء عن الشمس واللهب عن
    النار؟ وهي قادرة على أن ترفع الجسور المنصوبة، ويقيم من حولها الجنود. فإذا استعصى عليها رفع
    الجسور حَصَّنَتْهَا تحصينًا، وأقامت عليها السيارات تأخذ عرضها وطولها ولا تدع سبيلًا
    للسالكين. حَدِّثْنِي كيف تستطيع أن تشك في الهيبة والرهبة إذا استطاعت الوزارة رفع الجسور التي
    ترفع، ومنع الجسور التي ليس إلى رفعها سبيل؟ ومتى رأيت وزارة ضعيفة ضئيلة الشأن تقوَى على رفع
    الجسور وأخذ الطرق؟ ومَنْ الذي يستطيع أن يزعُم أن الضعفاء يقدرون على رفع الأثقال؟ فالجسور
    ثقيلة من غير شك، ولا بد من جهد عنيف وبأس مخيف لتُرْفَعَ من أماكنها، وقوة وزارتنا ليست مقصورة
    على عضلاتها وأذرعها، وإنما هي قوة بالغة عريضة تتناول العقل، وتتناول الذكاء، وتتناول الحيلة؛
    فتتمكن من حل المعضلات وإزالة المشكلات. وقد تَحَدَّثَ الناس أن في طريقٍ من الطُّرُق التي تؤدي
    إلى القليوبية جسرًا ثابتًا لا يتحول، ولا يتحرك، ولا يمكن أن يرفع، وكان من الممكن أن يتخذ
    رئيس الوفد وأصحابه هذه الطريق، وأن يعبروا على هذا الجسر الذي لا يمكن تحويله ولا رفعه.
    والغريب أن الوزارة قد قدرت هذا، وفطنت له وحسبت حسابه، وأقامت لرئيس الوفد وأصحابه الأَدِلَّة
    على أن الحديد بالحديد يفلح، وعلى أنهم إن كانوا ريحًا فقد لقوا إعصارًا. وعلى أنهم إن فكروا في
    أخذ هذه الطريق فإن الوزارة قد سبقتهم إلى التفكير وقطعت عليهم الطريق، وعلى أن الذكاء ليس
    مقصورًا على الشعب، وإنما هو نعمة من نعم الله يشيعها بين الشعب والوزراء، ولعله يختص بها
    الوزراء ثم يتفضل الوزراء فينزلون منها عن جزء يسير يهَبُونه للشعب؛ ليستطيع أن يعيش ويتصرف في
    شئون الحياة.

    وكذلك أقامت الوزارة للمصريين وللأجانب الذين يرقبون المصريين دليلًا ساطعًا قاطعًا على أنها
    قوية ذكية، رفعت الجسر في طريق شبرا لأنه كان يرتفع، وأقامت على الجسر الآخر صفوفًا من السيارات
    أمامها ووراءها صفوف من الجند، ولم يبقَ شك في أن الدول الأوروبية قد عَرَفت أن مصر الآن أبعد
    منالًا من النجم، وأمنع من عقاب الجو، ولن تفكر منذ الآن دولة في الإغارة على مصر، أو الاعتداء
    عليها؛ لأن في مصر وزارة تعرف كيف تقطع الطرق على المُغِيرِينَ؛ فترفع الجسور إن كانت قابلة
    للرفع، وتسد الجسور إن كان رفعها عسيرًا أو مستحيلًا.

    وكذلك ذاعت شهرة مصر في الآفاق، واستقرَّت هيبة مصر في القلوب، وتلقَّى الوزراء المفوَّضون
    درسًا قاسيًا، ولكنه ظريف، يعلمهم أن مصر ليست من هذه البلاد التي يطمع فيها الأجانب فينكروا
    على قاضي القضاة خُطبته، ويسعوا إلى رئيس الوزراء بالاحتجاج، وأصبح من المُحَقَّقِ أن المحاكم
    المختلطة سَتُلْغَى غدًا أو بعد غدٍ، وأن الامتيازات ستصبح حديثًا من الأحاديث، ولن يفكر وزير
    فرنسا في أن يسعى باحتجاج أو إنكار إلى رئيس الوزراء؛ لأن الوزارة ستأخذ عليه الطريق إلى دار
    الرياسة. ستقيم في كل الطرق التي توصل إلى مكتب الرجل الطيب صفوفًا من السيارات وراءها وأمامها
    صفوف من الجند. وسيُضطر وزير فرنسا إلى أن يعود محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطِع أن يبلغ
    الاحتجاج ويلقى رئيس الوزراء. كما عاد رئيس الوفد محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطع أن يخرج من
    القاهرة ولا أن يصل القليوبية. وكيف يخرج من القاهرة وقد رفعت الوزارة له جسرًا، وسدت عليه
    جسرًا آخر؟! وأكبر الظن أن الوزراء المفوضين سيلزمون القاهرة كلما هموا باحتجاج، وسيمتنعون عن
    الرياضة في الجزيرة أو أي مكان آخر يضطرهم إلى عبور النيل أو إلى عبور قناة من الأقنية. فمن
    يدري لعل الوزارة ترفع من دونهم الجسور، أو تسدها فلا يستطيعون إلى دورهم قفولًا؟

    وعلى هذا النحو أراد الله أن تكون حياتنا لهوًا ولعبًا، وضحكًا وإغراقًا في الضحك، ولِمَ لا؟
    أليس الناس على دين وزرائهم، فإذا لعب الحاكمون وَجَبَ أن يلعب المحكومون. وما دامت وزارتنا
    ترفع الجسور وتُحسِن رفعها؛ فلنضحك نحن للجسور المرفوعة، ولنُحسِن الضحك، وما دامت وزارتنا ترى
    أن أقصى ما تستطيع أن تصل إليه من القوة هو أن تأخذ الطريق على الناس حين يغدون ويروحون، ليعلم
    الناس أنها قوية وأنها ذكية؛ فلنؤمِّن نحن لها بالقوة والذكاء ولنُبَاهِ نحن بها الأمم
    والشعوب.

    لا تكره الوزارة منا ذلك، ولا تكره منا أن نجربها فيه من حين إلى حين، فنحن حِراصٌ على أن تظل
    قوية ذكية وعلى ألا تنسى قوتها وذكاءها؛ وإذن فلا بد من أن تُقام الولائم، ويُدْعَىْ إليها
    الوفد والوفديون لتمنعها الوزارة، ولترفع في سبيلها جسورًا وتسد جسورًا أخرى.

    وإذا كان من الحق أن نُشْعِرَ الأجانب بهيبة مصر؛ فإن من الحق أن نُضحك الأجانب ونسليهم بعض
    الشيء. وقد نضحكهم ونسليهم في الأوبرا إذا كان الليل، فلنضحكهم ولنسلِّهم في طريق شبرا وطريق
    المطرية إذا كان النهار. ذلك شيء تفرضه علينا الضيافة، وما امتزنا به من الكرم والجود. وإذا
    أَبَتِ الوزارة على المصريين أن يكرم بعضهم بعضًا، أو يضيف بعضهم بعضًا؛ فليس ينبغي لها أن تأبى
    على المصريين أن يُكرموا الأجانب ويضيفوهم، ويؤدوا إليهم واجب التسلية والتلهية؛ حتى تَحسُن
    سمعتنا، ويعلم الناس أننا أصحاب بأس، وأننا أصحاب رفق ولين، وأننا نخيف العدو، وأننا مع ذلك
    نضحكه ونلهيه.

    وبعد، فهل نستطيع أن نفهم من تصرُّفات الوزارة منذ كان هذا العيد أنها قوية كما قال الرجل
    الطيب، وهل نستطيع أن نفهم من هذه التصرفات أنها ضعيفة كما نقول نحن. أما أنا فواثق بأن الوزارة
    قوية كما قال الرجل الطيب، وبأنها ضعيفة كما نقول.

    قوية ما دامت تستطيع رفع الجسور وحشد الجند، وضعيفة ما دامت تحتاج إلى هذا لتمنع رجلًا أو
    رجالًا من أن يزوروا قرية من القرى، أو مدينة من المدن، أو إقليمًا من الأقاليم.

    قوية لأنها تستطيع أن تخالف الدستور وتخرج على القانون، دون أن تُقَالَ وتوقَف أمام القضاء،
    وضعيفة لأنها لا تستطيع البقاء في مناصبها إلا بمخالفة القانون، والاعتداء على الحقوق والخروج
    على الدستور، والأمن من العقاب.

    قوية لأنها تقول إنها قوية، وضعيفة لأنها لا تستطيع أن تثبت قوتها إلا إذا عاملت العاصمة
    معاملة المدن المحصورة، وأرغمت المصريين على أن يعيشوا عِيشة الأسرى لا ينتقلون إلا بمقدار، ولا
    يتحركون إلا في أماكن تُعَيَّنُ لهم تعيينًا.

    وزارتنا قوية جدًّا، وآية ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية. وزارتنا ضعيفة جدًّا، وآية
    ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية؛ لأنها لم تستطع ولن تستطيع أن ترد قلوب أهل القليوبية عن
    رئيس الوفد.

    وزارتنا قوية جدًّا لأنها ما زالت تختلف إلى مكاتبها وإلى البرلمان. ووزارتنا ضعيفة جدًّا
    لأنها مُضطرة إلى الظلم والجور لتستطيع الاختلاف إلى مكاتبها وإلى البرلمان.

    نعم وزارتنا قوية، ووزارتنا ضعيفة، والنظام الحاضر ثابت، والنظام الحاضر قَلِقٌ، والإنجليز
    يَرَوْنَ هذا كله ويعجبون بهذا كله، ويضحكون لهذا كله.

    وما الذي يمنع الإنجليز من أن يضحكوا إذا أرادوا الضحك، وفي مصر قوم يأبون إلا أن يكونوا
    عندما يريد الإنجليز؟!

  • منع …

    حديث المساء: منع …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ يناير ١٩٣٤

    وإنما يصدر المنع عن الأقوياء؛ لأن الضعفاء أصغر شأنًا، وأيسر أمرًا، وأقل خطرًا من أن
    يُمْنَعُوا، فإذا رأيت وزارةً تعلن أنها تريد أو لا تريد، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تأذن بهذا
    وتحظر ذاك، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تبيح هذا الاجتماع، وتمنع ذلك الاجتماع؛ فاعلم أنها
    الوزارة القوية حقًّا، الوزارة التي يحتال الضعف في أن يمسها من طرف من أطرافها، أو يصل إليها
    من ناحية من نواحيها فلا يجد إلى ذلك سبيلًا. وقد أعلنت وزارتنا أنها تحظر على جماعة من أعلام
    القليوبية أن يستقبلوا رئيس الوفد وأصحابه في دورهم؛ فأثبتت بذلك في غير شك ولا ريب أنها قوية
    حقًّا، أقوى من كل وزارة في الأرض وأعظم سطوة وأشد بأسًا. ومن قبل ذلك بيوم أو يومين تركت
    وزارتنا رئيس الوفد يذهب إلى بلده سمنود وينتقل منها إلى المنصورة، ويزور عضوًا من أعضاء الوفد
    فيها ويعود منها إلى القاهرة؛ فأثبتت بذلك أنها من أقوى الوزارات في الأرض وأعظمها حولًا
    وطولًا. ثم لم تكتفِ بإثبات القوة والبأس، وإقامة الدليل على الحول والطول، بل أثبتت مع ذلك
    أنها ذكية القلب راجحة الحلم، واسعة العقل، نافذة البصيرة لا تقدم إلا وهي عالمة بما تقدم عليه،
    ولا تحجم إلا وهي عالمة بما تحجم عنه. وقد زعم الناس أن الرجل العاقل ذا النظر البعيد هو الذي
    لا يتناقض ولا يضطرب، ولا يأتي أمرًا من الأمور إلا لعلة من العلل وسبب من الأسباب؛ ولكن هذا
    النحو من التفكير سخف، فالرجل العاقل في هذه الأيام وفي عرف الوزارة بنوع خاص هو الذي يتناقض
    حتى يبلغ من التناقض الأعاجيب، وهو الذي يأذن لغير علة ويمنع لغير علة، ويأتي ما يأتي من الأمر
    لغير سبب؛ إلا لأنه يريد أو لا يريد. وقد أقامت الوزارة أوضح الأدلة على أنها قد سبقت الوزارات
    جميعًا إلى عظم القوة وسعة العقل؛ فخلت بين رئيس الوفد وبين المنصورة، وحالت بين رئيس الوفد
    وبين القليوبية غير حافلة بما دفعت إليه من التناقض، ولا معنية بما تورطت فيه من الاضطراب،
    حسبها أنها أرادت أمس وحسبها أنها لا تريد اليوم؛ ليعلم الناس أنها وزارة رشيدة حقًّا قد بلغت
    من الرشد أقصاه.

    ووزير داخليتنا رجل حازم بين الرجال، ووزير طريف بين الوزراء، سمع رئيس الوزراء يخطب يوم
    العيد أو قرأ خطبته التي ألقاها يوم العيد، ورأى رئيس الوزراء يؤكد للناس أن وزارته قوية؛ فأراد
    أن يقيم الدليل على أن رئيس الوزراء لم يقل إلا الحق، وعلى أن وزارة الرجل الطيب حقًّا وصدقًا
    قوية حقًّا وصدقًا، وأي مظهر للقوة أبدع من التحكم في الناس والعبث بهم، والتصرف في حقوقهم
    إذنًا ومنعًا وإباحة وحظرًا، لا لشيء إلا لأنك تريد أو لأنك لا تريد؟! أما أنا فأُشْهِدُ
    المصريين جميعًا وأُشْهِدُ الأرض كلها على أني مؤمن لوزير الداخلية بقوة لا تشبهها قوة وحزم لا
    يشبهه حزم، وذكاء لا يقاربه ذكاء.

    أنا مؤمن بهذا كله لوزير الداخلية، حتى إني واثق كل الثقة بأنه يستطيع أن يقطع على الرجل
    الطيب رحلته في العيد يأمره بالعودة فيعود، أو يخطفه جهرة فينخطف، أو يأمر الناس بالإعراض عنه
    فإذا هم عنه معرضون. كل ذلك يستطيع وزير الداخلية بأن يأتيه ومن حق وزير الداخلية أن يأتيه؛ لأن
    وزير الدخلية نابغة، وقد أباح الله للنابغين ما لم يُبِحْ لمثلك ومثلي من أوساط الناس. فليحكم
    وزير الداخلية فينا بأمره، وليمضِ وزير الداخلية فينا إرادته، فليس وزير الداخلية أقل شأنًا من
    غيره من أولئك الوزراء الذين تحكموا في المصريين، أو أذاقوهم ما أرادوا أن يذيقوهم من صنوف
    العسف وألوان الاستبداد. والله [لم] يمنح الناس إرادتهم ليضعوها في جيوبهم أو ليغلقوا من دونها
    الصناديق والخزائن، وإنما منحهم الإرادة ليقولوا ويعملوا وليأمروا وينهوا وليتحكموا ويستبدوا
    وليظهروا أنهم أقوياء، وإذا لم يظهر وزير الداخلية أنه قوي، وأنه ذكي، وأنه حليم، فلمن تكون
    القوة؟! ولمن يكون الحلم؟! ولمن يكون الذكاء؟! ولا تذكر الدستور، ولا تذكر القانون، ولا تذكر
    التقاليد؛ فكل هذه كلمات لا ينبغي أن تذكر للأقوياء الأذكياء، وإنما ينبغي أن تذكر للذين يحبون
    الضعف ويكلفون بالغباء.

    وسيزعم الوفديون أن الدستور يكفل لهم الحريات، ويبيح لهم أن ينتقلوا في بلادهم، وأن يزور
    بعضهم بعضًا، وأن يدعو بعضهم بعضًا إلى الطعام، وأن الذي يَحْظرُ عليهم من ذلك ما يكفله لهم
    الدستور — سواء أكان دستور أمس أم دستور اليوم — آثم ينتهك الحرمات ويعتدي على الحقوق. فليزعم
    الوفديون من ذلك ما شاءوا وما لم يشاءوا، فلن يحفل بهم أحد، ولن يلتفت إليهم أحد؛ لأن هذا كلام
    يقال للوزارات الضعيفة، التي تحترم الدستور وترعى الحرمات وتحافظ على الحقوق، فأما الوزارات
    القوية، فهي لا تعرف إلا أنها تريد أو لا تريد، وهي لا تعرف إلا أن الناس مأخوذون بأن يسمعوا
    لها ويطيعوا. وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، ومتى قال الرجل الطيب شيئًا
    فقد قال الحق، ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب.

    وسيزعم الوفديون أن من حقهم أن يجتمعوا اجتماعاتٍ خاصة إلى الطعام وللحديث، ليس لأحد عليهم في
    ذلك سلطان، ليس عليهم أن ينبئوا بذلك وزارة ولا إدارة، وليس لوزارة ولا إدارة عليهم في ذلك
    سلطان ولا سبيل. ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون ما داموا
    يُذْعِنُون لأمر وزير الداخلية، فالسرائر لله وحده والظواهر للحكومة تعبث بها ما وسعها العبث
    وتستهزئ بها ما وسعها الاستهزاء، وويل لمن خالف عن أمر الحكومة، أو تردد في الإذعان لها! فقد
    قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، وإذا قال الرجل الطيب شيئًا فقد قال الحق،
    ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب. وسيزعم الوفديون أن الديمقراطية الحديثة تُقَرِّرُ منذ قرن
    ونصف قرن أن لا طاعة لحاكم في مخالفة القانون، وأن من حقهم بحكم الدستور المصري نفسه أن يخالفوا
    أمر الوزراء إذا تجاوز الوزراء أحكام القانون. ولكن الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما
    لا يشاءون؛ فالديمقراطية الحديثة والقديمة وحقوق الإنسان والدستور والقانون، كل هذا كلام يقال
    للضعفاء لا للأقوياء، وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية؛ فلا ينبغي أن يقال
    لها هذا الكلام. وسيزعم الوفديون أن لمصر تقاليدها وأن رعاية الضيافة من هذه التقاليد، وأن مَنْ
    دعا إلى وليمة فليس له أن يَعْدِلَ عن هذه الدعوة، وأن من قبِل الدعوة فليس له أن يردها بعد
    قبولها؛ وإنهم لذلك سيقيمون ولائمهم وسيسعى إليها المدعوون؛ لأنهم لا يزيدون على أن يستمتعوا
    بحقوقهم التي ضمنها لهم الدستور، والتي قامت الوزارة لحمايتها ورعايتها وتمكينهم من الاستمتاع
    بها على أكمل وجه، وسَيُحَمِّلُوْنَ الحكومة وحدها تبعة ما يقع من الاعتداء عليهم، وتبعة ما
    يكون من شر، وتبعة ما يحدث من مخالفة الدستور وخروج على القانون وعبث بالحقوق. والوفديون أحرار
    في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فقد أرادت الوزارة وقد أنذرت، وويل للذين لا ينفذون
    إرادة الوزارة! وويل للذين لا يخافون نذيرها! والوزارة لا تحجم عن احتمال التبعات، وماذا تخاف
    الوزارة من احتمال التبعات؟! ومن الذي سيحاسب الوزارة عما تحمل من تبعات؟! لقد احتمل صدقي باشا
    تبعات البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، فماذا جَرَّتْ هذه التبعات عليه؟! وماذا أدى عنها من
    الحساب؟ هل سُئِلَ؟ هل دُعِيَ إلى التحقيق؟ هل وقف أمام القضاء؟ هل مرت أمام عينيه غرف السجون؟
    هل صودر من ماله القليل أو الكثير؟ كلا، فما يمنع هذه الوزارة القوية أن تحتمل ما يشاء الوفد
    وما لا يشاء من التبعات؟! إن الوزارة لا تخاف شيئًا؛ وإذن فهي تستبيح كل شيء، فليجرؤ الوفد إذن
    على مخالفة أمر الوزارة، وإن كان هذا الأمر ظالمًا جائرًا مخالفًا للقانون والدستور منتهكًا
    حرمات التقاليد، فلن يلوم الوفد إلا نفسه.

    وسيزعم الوفديون أن الوزارة تزعم أنها وزارة بلد إسلامي، دينها الرسمي هو الإسلام بنص
    الدستور، وأن من القضايا الإسلامية أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن الاعتداء على الحقوق
    إثم وانتهاك الحرمات ظلم، ومنع الناس من الاستمتاع بحريتهم معصية، وأن المصريين أحرار في أن
    يعصوا أمر الوزارة إذا خالف الدين كما أنهم أحرار في أن يعصوا أمر الوزارة إذا خالف القانون.
    ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فلن تحفل بهم الوزارة ولن تلتفت
    إليهم، ولن تُبِيْحَ لهم زيارة القليوبية، ولن تُخَلِّي بينهم وبين حقوقهم وحريتهم؛ لأنها قوية
    كما قال الرجل الطيب، وحسبها أن تكون قوية لتكره الناس على ما لا تريد.

    أما بعد، فهل كان جادًّا وزير الداخلية فيما أصدر من أمر، وهل كان جادًّا مدير القليوبية فيما
    أنفذ من أمر الوزير؟ وهل هان المصريون على الوزير والمدير حتى أصبحت حقوقهم عرضة للعبث إلى هذا
    الحد؟ وهل هان المصريون على أنفسهم؛ حتى استباح الوزير والمدير أن يأخذاهم بهذا العبث ويدفعاهم
    إلى هذا الحرج، ويخضعاهم لهذا الاستبداد؟ وهل هان الدستور والقانون على الوزير والمدير حتى
    استباحا لأنفسهما أن يذهبا في تفسيرهما وتأويلهما هذا المذهب الغريب، أين نحن؟ وإلى أين
    نُدْفَعُ؟ وماذا يُرَادُ بنا؟ وماذا تريد الوزارة بنفسها وبالناس؟ إن الرجل الطيب خليق أن يفكر
    في هذا كله إن كان يستطيع أن يفكر في هذا كله. لقد أقدم صدقي باشا على مثل هذا كله؛ فلم يعاقبه
    القانون ولم يجنِ ثمرة ما غرس من الظلم والجور، ولكن أين صدقي باشا؟ ومَنْ يكون الآن صدقي باشا؟
    وماذا جَنَى صدقي باشا من ظلمه وجوره أكثر من ثلاثة أعوام؟ أيريد الرجل الطيب أن يلم به مثل ما
    أَلَمَّ بصدقي باشا؛ إذن فليقدم على مثل ما أقدم عليه، إذن فليظلم كما ظلم وليَجُرْ كما جَارَ،
    وليتحكم في الناس كما تحكم، فهو إن فعل مُنْتَهٍ من غير شك إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا،
    دون أن يستمتع بقوته وقتًا طويلًا؛ لأنه أضعف وأسلم قلبًا وأطيب نفسًا من أن يقاوم الشعب كما
    قاومه صدقي باشا! أو يَثْبُتَ للشعب كما ثبت له صدقي باشا، ومِن المحقق الذي ليس فيه شك أن
    الوفد والوفديين لن يُذْعِنُوا لظلم الوزارة، ولن يطيعوا ما تصدر من الأمر في غير الْتزامٍ
    لحدود القانون؛ فلتفعل الوزارة بقوتها ما تشاء فسيقيم أهل القليوبية ولائمهم، وسيذهب رئيس الوفد
    وأصحابه لحضور هذه الولائم، وستجني الوزارة وحدها ثمرة التحكم في الناس والخروج على أبسط أصول
    الدستور والقانون.

  • إسراف

    حديث الوادي
    إسراف…
    من أظهر جنايات الحكم على الحاكمين أنه يُطغيهم ويُنسيهم أن توليهم أمور الناس ضرورة طارئة، وضرورة ليست محببة إلى الناس، ولا حسنة الوقع في نفوسهم، وإنما هي من هذه الضرورات المكروهة، التي يحتملها الناس؛ لأنهم لا يجدون من ذلك بدًّا، ولو استطاعوا أن يخلصوا منها، لما ترددوا في ذلك. فالحكم تقييد للحرية وحجر على الناس، يمنعهم من أن يأتوا كثيرًا مما يحبون. ولولا أن حياة الناس تُكرههم على أن ينزلوا عن بعض الحق، ليستمتعوا ببعضه الآخر، لما استقر في الأرض حكم ولا قام في الناس حكام. ولو عرف الحكام هذا، واستيقنوه، واستحضروه في أنفسهم، كلما هموا أن يبيحوا شيئًا أو يحظروا شيئًا آخر، لتجنبوا كثيرًا من الشر ولجنبوا المحكومين كثيرًا من المكروه، ولكنهم لا يكادون يصلون إلى مناصبهم، حتى ينسوا كل شيء ويظنوا أنهم سادة وهم خدام، وأنهم أصيلون وهم وكلاء، وأنهم أصل من الأصول، وهم ضرورة من الضرورات. ولست ترى عقلاً حرًّا، يستطيع أن يفهم الحكومة، إلا على أنها ضرورة ثقيلة، لا تُطلب لذاتها ولا تُحتمل لأنها شيء مرغوب فيه، وإنما تُطلب لغيرها وتُحتمل لأن احتمالها شيء لا بد منه.
    ولست ترى عقلاً حرًّا يتردد في أن أول واجب على الحكومة إنما هو أن تتجنب الدخول في أمور الناس، إلا حين تُضطرها إلى ذلك الضرورات الملحة التي لا سبيل إلى اتقائها بغير ذلك. فإذا رأيت حكومة تحاول أن تنظم للناس كل شيء، وأن تضع يدها في كل شيء فاعلم أنها حكومة ثقيلة، بغيضة، خليقة أن يضيق بها الناس، وأن يفروا من سلطانها، ما وجدوا إلى الفرار منه سبيلاً. ومن أجل هذا قال ساسة الأحرار إن الحكومة في كل بلد متحضر أداة لحفظ الأمن والنظام بين الناس في الداخل، ولدفع غارات العدو على البلاد من الخارج، والخير كل الخير ألا تتجاوز الحكومة هذه الحدود.
    ولولا طغيان الحكومات أو ضعف الشعوب لما كان للحكومة أن تُعنى بالتعليم ولا أن تُعنى بغير التعليم، من تنظيم شؤون الناس العامة والخاصة. فما بالك إذا عنيت الحكومة بتنظيم الاستحمام، وما يلبسه الناس حين يدنون من الماء، وما يخلعونه حين يغمرون أجسامهم فيه، وما يعودون إلى لبسه إذا خرجوا من الماء، وكيف يجلسون، وكيف يدنو بعضهم من بعض، وكيف ينأى بعضهم عن بعض، وكيف يعرضون أجسامهم لضوء الشمس، وكيف يملأون رئاتهم من الهواء.
    هذا كثير لا ينبغي للحكومة أن تدخل فيه إلى هذا الحد الذي نرى حكومتنا تتوخاه في هذه الأيام. وحجة الحكومة أنها تريد أن تحفظ على الناس أخلاقهم وآدابهم، وأن تستبقي فيهم حظًّا من الفضيلة، وأن تنأى بهم عما لا يليق. وهذه أغراض حسنة في ظاهرها، ولكن تحقيقها ليس من شأن الحكومات، وإنما هو من شأن الوعاظ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير ويصدون عن الشر، وهو من شأن المربين الذين يُنشئون الشباب على رعاية الفضيلة، والحرص على الكرامة، والارتفاع عن ابتذال الجسم والنفس معًا. فأما وزارة الداخلية فأبغض شيء تأتيه هو أن تنظم للناس تنفسهم وحركاتهم وأوضاعهم حين يستحمون، وحين يجلسون على ساحل البحر.
    والوزارة لا تقف عند هذه الحدود من الإسراف، ولكنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد منها وأشد خطرًا، فهي تزعم لنفسها الحق في أن ترمم للمصريين الطرق التي يسلكونها إذا زار بعضهم بعضًا، وتناقش المصريين في عدد المدعوين إلى المآدب التي يقيمها بعضهم لبعض، وتحاسب المصريين على التحيات التي يهديها بعضهم إلى بعض. كأنما أقامت الوزارة من نفسها ملائكة حفظة يراقبون الأفراد والجماعات في كل ما يأتون من الأمر، وفي كل ما يجيلون في أنفسهم من الخواطر، وفي كل ما يجرون على ألسنتهم من الألفاظ. وما لهذا أُنشئت الوزارات وما لهذا رضي الناس أن تقوم فيهم نظم الحكم. والوزارة لا تقف عند هذه الحدود أيضًا، ولكنها تتجاوزها إلى حدود أخرى بعيدة الأثر في حياة الناس فانظر إليها كيف تنظم شؤون الطلاب في الجامعة، وكيف تفرض عليهم السيرة التي ينبغي أن يسيروها، وكيف تبيح لهم ما تحب هي لا ما يحبون، وتحظر عليهم ما تكره هي لا ما يكرهون، وكيف تتوخى فيما تشرع من قوانين التعليم، كل المعاني التي تُنشئ الطلاب على الطاعة والخضوع والإذعان، لا على الحرية، والاحتفاظ بالكرامة، والاحتمال للتبعات، التي يحتملها الرجال.
    ثم انظر إليها كيف تُريد المحامين على مثل ما تُريد عليه الطلاب من الطاعة والإذعان، حتى في انتخاب من يمثلهم في نقابتهم. ثم انظر إليها الآن كيف تُريد الصحفيين على مثل ما تُريد عليه الطلاب والمحامين من الطاعة والخضوع والإذعان ومن إلغاء العقول، وإهدار ملكات النقد والاستحالة إلى أدوات تُسجل ما تُريد الوزارة تسجيله، وتُهمل ما تُريد الوزارة إهماله، تقول إذا أرادت الوزارة منها القول، وتسكت إذا رغبت الوزارة إليها في السكوت. إسراف في تنظيم كل شيء، وفي إخضاع كل شيء وكل إنسان، لهذا السلطان الحكومي الذي لم يُنشأ ليتسع، وإنما أُنشئ ليضيق فالبلد الحر حقًّا، هو الذي لا يكاد يشعر أهله بأن فيه حكامًا يصرفون الأمور. فأما إذا كانت حياة الناس إذا أصبحوا، وإذا أمسوا، وإذا استيقظوا، وإذا ناموا، وإذا استراحوا، وإذا عملوا، وإذا فكروا، وإذا قالوا، كلها اتصالاً بينهم وبين الحكومة، وحسابًا بينهم وبين الحكومة، وتقديرًا لما سيكون بينهم وبين الحكومة، فليس هذا البلد حرًّا وليس أهله أحرارًا، وإنما هو بلد ذليل يسكنه قوم أذلاء.
    ما أجدر الوزارة أن تفكر في هذا كله، ولا سيما إذا كانت تريد أن تعيش ظافرة بإغضاء الناس عنها، واحتمال الناس لها، فأقرب وسائلها إلى ذلك أن تتجنب الناس ليتجنبوها، إلا عند الضرورات القصوى. فالشعوب لا تكسب مودتها بالمضايقة المتصلة، ولا بالإعنات الثقيل، ولا بالإلحاح المحرج للصدور، وإنما تكسب مودتها بهذه الحرية السمحة التي تشعرها بأنها سيدة نفسها حقًّا. وإن من أغرب الأمور حقًّا أن يوجد في هذا العصر الذي نعيش فيه وزراء تُطغيهم مناصبهم، فتُنسيهم أنهم قلة لا تكاد تُذكر إلى جانب الشعوب التي يحكمونها، وأن بقاءهم في المناصب موقوت، وأنهم حاكمون اليوم ومحكومون غدًا، وتُخيَّل إليهم بعد هذا أنهم يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم وإرادتهم وتحكُّمهم على الناس فرضًا. ولكن طبيعة الإنسان لا تخلو من هذا الضعف الذي يجعل الوسائل غايات، ويمحو الغايات، من نفوس الوزراء محوًا.
    ومن يدري لعل من الخير أن تنشأ مناصب وعظ جديدة يقصد بها إلى تذكير الوزراء بما يجب لهم وما يجب عليهم، ولكن كيف السبيل إلى إنشاء هذه المناصب، والوزراء لا يحتملون الصحافة، ولا يصبرون عليها ولو استطاعوا لألغوها إلغاءً.
    ويل للناس من الإسراف…
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ١٥ يناير ١٩٣٤.

  • رعب

    حديث المساء: رعب
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٣ يناير ١٩٣٤

    ولكنه من نوع خاص، هذا الذي يضطرب له قلب الوزارة ويخرج له وزير الداخلية عن طوره، فيرد إلى الشرطة فضلًا من قسوة، ومزيدًا من عنف، يدفعها إلى شر ما كانت فيه منذ حين من التعرض للناس، والاعتداء عليهم، وأخذ أبدانهم بالعصي والسياط، ودفعهم إلى السجون دفعًا، والإقدام حتى على انتهاك ما لا ينبغي أن ينتهك من حرمة الصلة بين الشعب والعرش، والعلاقة بين أهل البلاد ومَلِيكِ البلاد.

    رعب غريب هذا الذي أخذ أعصاب الوزارة منذ يوم الخميس؛ ففقدت ما كانت تريد أن تتكلفه من ضبط النفس وإيثار العافية والاقتصاد في الظلم، وعادت إلى ما كانت عليه الوزارة السابقة، أو عاد وزير الداخلية إلى ما كان عليه حين كان يعمل مع صدقي باشا، ويتلقى منه دروس العنف والقسوة، عاد إلى دقة الإحساس، ورقة الشعور، والانزعاج من رئيس الوفد إذا غدا، والانزعاج من رئيس الوفد إذا راح.

    رعب غريب هذا الذي أَشْعَرَ وزير الداخلية بأن في مصر شيئًا يُخاف غير صدقي باشا، وبأن في مصر قومًا تُنْصَبُ لهم الحرب غير أولئك الضعفاء المترددين من أنصار صدقي باشا، وبأن الرجل الماهر هو الذي يحارب صدقي باشا وأصحابه بألوان الحرب الخفية، حتى إذا فرغ منه ومنهم فأخذ منه أصحابه أخذًا، واضطره هو إلى السكوت والعزلة والاستخذاء؛ حارب الوفد جهرة بهذه الأدوات المعروفة: أدوات الشرطة، وعِصِّيِها وسياطها، وبأسها وشدتها، وبثها في الشوارع، وإرسالها في الطرق، وحشرها حول القرى، ونشرها داخل القرى وتحويل الريف إلى مظهر مخيف لولا أنه مضحك يدعو إلى هز الأكتاف؛ مظهر ميدان من ميادين الحرب وساحة من ساحات القتال.

    نعم، رعب غريب هذا الذي انبث في الوزارة منذ يوم الخميس؛ فأيقظها للحرب بعد نوم وردها إلى النشاط بعد فتور، وأكرهها على تكلف الحياة وما بها حياة، وعلى تصنع القوة وما بها قوة، وعلى التظاهر بالبأس وقد مضى وقت البأس، وجاء وقت الهدوء والاطمئنان والاكتفاء بتصريف الأعمال وإمضاء الأوراق في الدواوين، والاستماع للنواب والشيوخ، والرد على النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله بالراحة الكبرى التي ينالها عظماء الرجال على جسر من التعب، كما يقول أبو تمام، وينالها الرجال الطيبون وأعوان الرجال الطيبين في غير كد ولا جهد، وفي غير مشقة ولا عناء. أفيكون مصدر هذا الرعب الغريب أن المندوب السامي الجديد قد وصل إلى مصر، واستقر في العاصمة أيامًا يظهر الاشتغال بالأوضاع الاجتماعية، وضروب المجاملة، والصيد وزيارة الآثار، ويضمر البحث والدرس والتفكير والتقدير، ويهيئ لنفسه حكمًا عاجلًا يصطحبه حين يعبر البحر إلى بلاده؟! أفيكون مصدر هذا الرعب إقامة المندوب السامي في القاهرة، وحرص الوزارة على أن تظهر أن لها من القوة ما يعجبه، وأن عندها من البأس ما يُرضيه، وأنها خليقة أن تحارب الوفد كما حاربه صدقي باشا، وأن تهدر الحريات كما أهدرها صدقي باشا، وأن تقاوم نشاط الشعب كما قاومه صدقي باشا، وأن تظهر للمستعمرين أنها لا تحب — كما أظهر صدقي باشا للمستعمرين أنه لا يحب — أن يستمتع المصريون بحياة حرة يأتون فيها ما يأتي الرجال الأحرار؟!

    أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة سليمة النية طيبة القلب ساذجة الضمير، تظن أن المندوب السامي الجديد لا يعرف من أمرها ومن أمر مصر شيئًا، فهي تريد أن تبين له أنها كل شيء، وأن غيرها ليس شيئًا، وأنها قابضة حقًّا على أزمَّة الأمر، مسيطرة حقًّا على القلوب والنفوس، وأن رئيس الوفد وأصحابه والذين يحفلون بهم ويلتفون حولهم ليسوا إلا قلة قليلة لا ينبغي أن يُحْسَبَ لها حساب؟! أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة جزعت حين جاءها النبأ أن المندوب السامي قد رأى جماعة ضخمة من أهل القاهرة تحفل برئيس الوفد مساء الخميس؛ فأشفقت من هذا وأرادت أن تتقي أمثاله، فأنفقت ما أنفقت من قوة مساء الخميس وصباح الجمعة وطول نهار الجمعة، ثم شطرًا من ليله أيضًا تريد أن تطفئ نار الشعب بأفواهها، ونار الشعب لا تُطْفَأ بالأفواه، ولا يقدر على إطفائها الرجل الطيب وزملاؤه الطيبون؟! كل هذا ممكن، ولكن هذا كله إن دل على شيء؛ فإنما يدل على أن الوزارة طيبة ساذجة، سليمة النية بريئة القلب، مسرفة في حسن الظن بالأيام وبالإنجليز، مسرفة في الشك في نفسها والريب في قدرتها على أن تثبت دون أن يكون لها سند من رضاء الإنجليز.

    كان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس والقبض عليهم مساء الخميس، وكان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس وأخذ الطرق عليهم حين أَدَّى رئيس الوفد صلاته أمس، وكان مسرفًا نشاط الشرطة في التضييق على الناس وأخذهم بألوان العذاب ومحاصرة القرى حين زار رئيس الوفد وأصحابه بعض الوفديين أمس.

    كان هذا كله كثيرًا وكان مسرفًا، وكان أكثر وأشد إسرافًا مما تستطيع هذه الوزارة أن تحتمل مع ما يملكها من الضعف، وما يشغلها من الشئون. وكان على هذا كله عبثًا لا يُغني شيئًا ولا يفيد في شيء. فقد حاول من هو أقوى منها أن يصرف الناس عن الوفد؛ فلم يُفلح ولزم داره آخر الأمر مخذولًا مدحورًا. وحاول من هو أمهر منها وأبرع أن يقنع الإنجليز بأن الناس منصرفون عن الوفد، يلوذون به هو، ويكبرونه هو، ويؤمنون له هو؛ فلم يُفلح، لم يصدقه الإنجليز، ولم يصدقه الناس، ولم يكن هو يصدق نفسه. ثم أبت الأيام إلا أن تظهر له وللإنجليز وللناس أنه لم يكن يظفر بحب أحد، ولا بثقة أحد ولا بإيمان أحد، وإنما كان وحيدًا يؤيده السلطان، فلما تخلى عنه السلطان أصبح وحيدًا لا يؤيده شيء، ولا يحفل به إنسان — نستغفر الله — بل لا يذكره إنسان. كان مسرفًا وكان عبثًا ما أتته الوزارة منذ يوم الخميس. أليست توافقنا الوزارة على أن الرجل الذي يستمتع ببقية من فهم وفضل من فطنة، خليق أن يتجنب الإسراف، ويعرض عن العبث الذي لا خير فيه؟ وكان أكثر من هذا كله، وأشد إسرافًا من هذا كله، وأمعن في العبث من هذا كله، وأبلغ في ازدراء القانون من هذا كله، هذا الذي أتته الشرطة أمس حين ردت عن قصر جلالة الملك قاصدًا إلى قصر جلالة الملك، وحين أخذت من أحد أبناء الشعب عرائض كان بعض الشعب يريد أن يرفعها إلى جلالة الملك؛ فقصر جلالة الملك ملاذ للمصريين جميعًا. وحق الشعب في أن يلوذ به ويشكو إليه ويفزع إليه في رفع الظلم وكشف الضر، ثابت مقدس لا يعرض له إلا من يخالف القانون. وما رأي الوزارة في أنها لم تؤلف لترد اللائذين بالقصر عن القصر، وتمنع الشاكين إلى جلالة الملك من أن يشكو إلى جلالة الملك؟ وكيف تفسر هذا، وكيف تؤوله، وكيف تلائم بينه وبين القانون؟! أفتريد أن تلجأ إلى وزير المالية؛ ليفسر لها هذا كله بنحو من فقهه الدستوري البديع، فيزعم لها وللناس كما زعم للنواب أن الوزارة هي الملك، وأن من أراد أن يشكو إلى الملك فليشكُ إلى الوزارة؟ فإذا أراد الناس أن يشكوا إلى الملك من الوزارة؛ أفيشكون إلى الوزارة من نفسها؟! فإذا أراد الناس أن يطلبوا إلى الملك أن يقيل الوزارة؛ أفيطلبون إلى الوزارة أن تقيل نفسها؟! أم هل ترى الوزارة أنها أرفع من أن تُشْكَى، وأعز من أن تطلب إقالتها؟! أفترى الوزارة أنها تؤدي ما يجب عليها للقصر وللشعب حين ترد الشعب عن أن يلوذ بالقصر ويفزع إليه؟! لتصدقنا الوزارة: إن هذه الأعمال التي تمعن فيها لا تنفعها، ولا تغني عنها شيئًا، وإنما تنفع خصومها وتغني عنهم أحسن الغناء. فلو أنها أقسمت للإنجليز في كل يوم ألف يمين ويمين أن الناس معها لما صدقها الإنجليز، ولو أنها أنفقت ما في الأرض جميعًا من قوة لترد أبناء مصر عن أن يفزعوا إلى ملك مصر؛ لما بلغت من ذلك شيئًا. إنما حظها وطاقتها أن تصرف الأمور وتمضي الأوراق في الدواوين وتسمع كلام النواب والشيوخ، وترد على كلام النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله لها بالراحة الكبرى التي يَمُنُّ بها على المريض حين يستيئس من الشفاء.

  • حياة

    حديث المساء: حياة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ يناير ١٩٣٤

    حياة جميلة مُشَرِّفة هذه التي يحياها الشعب المصري السعيد منذ أعوام، كلها خير ورخاء، وكلها سعادة وإقبال، وكلها عزة وكرامة، قد شبع الناس فيها وارتووا حتى أسرفوا على أنفسهم، وأصبحوا عرضة للتخمة وما يشبه التخمة من الأدواء، ليس فيهم جائع ولا ظمآن، ليس فيهم معدم ولا محروم، كلهم مترف أو كالمترف، وكلهم غني أو كالغني.

    وقد أمن الناس فيها على أنفسهم وأموالهم ومنافعهم؛ فهم لا يخافون شيئًا، وهم لا يرجون شيئًا، لا يخافون لأنهم أصبحوا فوق الخوف، ولا يرجون لأن آمالهم كلها محققة، وأمانيهم كلها ميسرة؛ يكفي أن يريد أحدهم فإذا هو ظافر بما يريد، ويكفي أن يأمل أحدهم فيمد يده، فإذا هو يأخذه أمله أخذًا، ويضمه إليه ضمًّا، وكلهم عزيزٌ في نفسه لا يقبل الضيم، ولا يتعرض لقبول الضيم، حرٌّ في وطنه، كريمٌ على الناس.

    قد أسرف في العزة حتى بلغ الكبرياء، وأسرف في الحرية والكرامة حتى خيفت بوادره، وحسبت البلاد الأجنبية له كل حساب، وأشفقت أن يدفعه فضل القوة والبأس إلى أن يخرج من داره مُغيرًا على ما حوله من البلاد، مُعرِّضًا السلم لخطر عظيم.

    هذه هي الحياة التي يحياها الشعب المصري السعيد في هذه الأيام، والغريب أن النعمة قد غمرته، وألحت عليه حتى أنسته أنه مُنعَّم، وأن السعادة قد أغرقته حتى أنسته أنه سعيد، وحتى انتهى الأمر به إلى البطر والأشر، فإذا هو ساخط لا يرضى، ومبتئس لا يبتهج، ومشغول لا يعرف فراغ البال، وإذا صحفه تلح في الشكوى، وتمعن في الحزن، وتتبرم بالأيام، وإذا هو غير راضٍ عن شيء، ولا مطمئن إلى شيء؛ يضيق بالوزارة ولم يخلق الله بعدُ وزارة مثلها، ويضيق بالبرلمان ولم يخلق الله بعدُ برلمانًا مثله، ويخيل إليه أن الأجانب يعتدون عليه ويزدرونه، ويطغون عليه في بلاده، ولا يرعون له حرمة الضيافة وحقوق الجوار.

    كل ذلك لأنه مريض بالبطر والأشر، قد أطغته النعم الطاغية، وأفسدته السعادة الغالية؛ فاختلط عليه الأمر، فهو لا يدري ماذا يصنع ولا كيف يقول.

    وما رأيك في شعب أتيحت له وزارة لم تكد تتولى مناصب الحكم فيه حتى انصرفت إلى أموره انصرافًا تامًّا تدبرها أحسن تدبير، وتقوم عليها خير قيام لا يشغلها كبير الأمور عن صغيرها، ولا يصرفها صغير الأمور عن كبيرها، تعنى بالشعب في الليل، وتعنى بالشعب في النهار، تعنى به في اليقظة، وتعنى به في النوم، على حين تشغل الوزارات في البلاد الأخرى بنفسها عن الشعب، وتلهو الوزارات في البلاد الأخرى بالسخف عن مصالح الشعب؟

    ولقد حدثونا أن وزارة من الوزارات في بلد من البلاد الأجنبية — لا أذكر اسمه الآن — أنفقت أكثر من شهرين لا تُعنى بشيء، ولا تهتمُّ لشيء، ولا تفكر في شيء، إلا في رجل يسمى صدقي باشا، كان رئيسًا للوزارة، ثم أبعد عن الوزارة، وهمَّ بمحاربة الذين خلفوه على الحكم، فانصرف إليه خلفاؤه ينصبون له الحرب، ويسدون عليه الطرق، ويأخذون عليه المسالك: يحاربونه في حزبه حتى يخرجوه من الحزب، ويحاربونه في البرلمان حتى يزهدوه في البرلمان، ويشغلهم هذا كله عن شعبهم البائس المحروم، فلا يدفعون عنه بؤسًا، ولا يردون عنه حرمانًا.

    والشعب يشكو فلا يسمع له أحد، ومنافعه تضيع فلا يحفل بها أحد. حدثونا عن هذا البلد الأجنبي الذي انصرفت وزارته كلها لحرب رجل واحد، وأهملت وزارته كلها شئون شعب كامل، فلم نكد نقارن بين هذا البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين ما هم فيه من الجحود والعقوق، وكفر النعمة، وإنكار الجميل، وحدثونا عن بلد آخر تقوم الوزارة فيه مقام القوي العزيز، وهي أضعف الوزارات وأقلها حظًّا من البأس؛ لأنها — فيما قالت بعض الصحف — تسل على رءوس النواب في بلادها سيف الحل، تنذرهم به كلما هموا أن يبدوا لها صفحة، أو يظهروا عليها خلافًا.

    وهي لا تنذرهم بذلك في البرلمان، أو في ديوان من دواوين الحكومة؛ لأنها إن فعلت ذلك خالفت الدستور الذي يضمن للنواب حريتهم كاملة، ويجعلهم فوق التهديد والوعيد، وإنما تنذرهم بذلك في اجتماعات تعقد في أندية الأحزاب ودور الوزراء، وفي أحاديث تُلقى إلى بعض الناس، وينطلق بها بعض السعاة، فتذاع وتشاع وتملأ الأسماع. وهي مع ذلك ليست حقًّا؛ لأنها صدرت ولم تصدر، وقيلت ولم تقل، وهددت ولم تهدد، والنواب في ذلك البلد يستمعون لهذه الأحاديث، ويرتاعون لهذه النذر، فتسمع كثرتهم، وتقر وتذعن كثرتهم وتؤمن.

    وقد زعموا أن قلة منهم أنكرت ذلك وضاقت به، فهمت باستجواب الوزارة فلقيت — ويا شر ما لقيت! — لقيت ضجيجًا وعجيجًا، ولقيت تأنيبًا وتقريعًا، ولقيت قرارًا من مجلس النواب بأنها خالفت الدستور بهذا الاستجواب، وعادت إلى دورها مخذولة مدحورة. كانت تريد حماية الدستور، فظهر أنها اعتدت على هذا الدستور، كانت تريد إحراج الوزراء، فاضطرها الوزراء إلى الحرج المنكر القبيح.

    حدثونا عن هذا البلد الأجنبي، فلم نكد نقارن بينه وبين مصر هذه التي لا يرقى الاعتداء فيها إلى الدستور ولا إلى القانون، ولا يجرؤ الوزراء فيها على أن يذكروا النواب إلا بالخير، ولا أن يفكروا في النواب إلا مع الإجلال والإكبار، ولا يكاد النواب فيها يهمون حتى يفعلوا، ولا يكاد النواب فيها يفعلون حتى يؤمن الوزراء لهم ويذعنوا. لم نكد نقارن بين ذلك البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين ما هم فيه من الجحود والعقوق، ومن كفر النعمة، وإنكار الجميل، وحتى رحمنا النواب والوزراء من هذا الظلم الذي ينالهم في كل يوم، وأشفقنا عليهم من العمل لشعب لا يقدر العاملين.

    وحدثونا عن بلد أجنبي آخر كثر فيه الأجانب وأسرفوا على أهله في كل شيء، أسرفوا عليهم في الاستغلال، وأسرفوا عليهم في الاستذلال، وأسرفوا عليهم في الغطرسة، وأسرفوا عليهم في الازدراء، وانتهوا بهم من إسراف إلى إسراف حتى أخذوا يتحكمون فيما يقول خطباؤهم، وما يكتب كتابهم.

    خطب عظيم من عظمائهم خطبة ذات يوم لم تُرضِ الأجانب، فذهب وزراؤهم المفوضون ينكرون ويلاحظون، وطلبوا إلى رئيس وزرائهم أن يحتاط؛ لأن تلك الخطبة قوبلت بتصفيق شديد، ويوشك هذا التصفيق أن يغري الصحف بمجاراة الخطيب، والخير كل الخير في ألا يقول الخطباء مثل ما قال الخطيب مما لا يحب الأجانب أن يقال، فإذا طغى على الخطيب لسانه فقال ما لا يحب الأجانب؛ فالخير كل الخير أن لا يصفق له السامعون، فإذا طغت على السامعين أيديهم فاندفعت إلى التصفيق، فالخير كل الخير أن لا تكون الصحف صدًى لرضا الراضين وإعجاب المعجبين.

    فلم نكد نسمع هذا الحديث ونقارن بين ذلك البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين شكهم في الأجانب، وضيقهم بلطف الأجانب، وتجنيهم على الأجانب، وإثقالهم على رئيس الوزراء في ألا يقبل من الأجانب إلا الخضوع الذي لا يشبهه خضوع، والتسليم الذي لا يقاربه تسليم، وحتى رحمنا الأجانب الذين يعيشون في مصر؛ لأن المصريين يسومونهم ألوان الخسف، ويذيقونهم فنون العذاب، فلا يلقون منهم إلا رضًا وابتسامًا، ولا يسمعون منهم إلا حمدًا وثناء، ولا يجدون منهم إلا إجلالًا وإكبارًا.

    لا يفكر أحدهم في أن يسعى إلى رئيس الوزراء، فضلًا عن أن يبلغه ملاحظة، أو يرفع إليه احتجاجًا، أو يزعم له أن حكومته قد أتت من الأمر ما لا يليق، ولو قد همَّ أحد من الوزراء الأجانب في مصر بهذا أو ببعض هذا لما طاب له المقام على ضفاف النيل، ولاضطر إلى أن يرحل مع أبناء جنسه عن أرض الفراعنة، أو يقدم الاعتذار من تدخله فيما لا ينبغي له أن يتدخل فيه.

    والناس يحدثوننا في كل يوم عما تلقاه الشعوب من ألوان الذل، وما تأتيه الوزارات من أنواع الظلم، وما يجنيه الأجانب من ضروب التحكم، فنسمع الأحاديث ونقيس ما يقع في تلك البلاد إلى ما يقع في هذه البلاد؛ فلا يزيدنا ذلك إلا أسفًا وحزنًا؛ لأن المصريين في حاجة حقًّا إلى أن يتعلموا شكر النعمة، والاعتراف بالجميل، ونظن أن أحق الناس باللوم، وأعظمهم حظًّا من التقصير إنما هو وزير التقاليد؛ لأنه لا يعنى بالتعليم كما ينبغي، ولو قد فطن لما يجب عليه، وقدر تبعاته حق قدرها؛ لأنشأ في كل معهد وفي كل مدرسة دروسًا تعلم المصريين كيف يشكرون النعمة، ويعرفون الجميل، ويقدرون الإحسان للمحسنين، ولكلف أساتذة الجامعة أن يعنوا في محاضراتهم العامة بتقويم هذا العوج في أخلاق المصريين.

    ولعل وزير الداخلية ملوم أيضًا، فقد يحسن أن يراقب الصحف، وأن يردها إلى الرشد كلما جارت هذا الشعب البطر الأشر فمست الوزراء أو النواب بشيء من النقد، فوزير الداخلية يعلم حق العلم أن وزراءنا ونوابنا لا ينبغي أن يرقى إليهم النقد؛ لأنهم لا يأتون — ولا يمكن أن يأتوا — ما يعرضهم للنقد اللين أو للنقد الشديد.

    ما أجدر المصريين أن يفكروا في حياتهم! وما أجدر وزراء المصريين أن يعلموهم كيف يكون التفكير في حياتهم! فلو عرف المصريون كيف يقارنون بين أنفسهم وبين غيرهم من الشعوب لاستيقنوا أنهم يحيون الآن حياة فذة في التاريخ تحسدهم عليها الأمم، وتنفسها عليهم الشعوب.

  • ابتهاج …

    ابتهاج …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٩ ديسمبر ١٩٣٣
    يجب أن يكون الرجل الطيب سعيدًا مسرورًا، وراضيًا محبورًا بعد أن صدر التشريع الخطير الذي أثبت للمحامين وغير المحامين أن وزارتنا تستطيع أن تنذر فتنفِّذ النذير، وأن تُوعِد فتُحقِّق الوعيد، وأن الذين يَصِفونها بالضعف ويضيفون إليها العجز ويتهمونها بالقصور، لم يكونوا يقدرونها قَدْرها، ولم يكونوا يعرفونها حق معرفتها. وإنما كانت تغريهم بها طيبة الرجل الطيب، ويطمعهم فيها حلم أعضائها الحلماء. فأما الآن فقد قام البرهان على أن الرجال الطيبين يُحْسِنون الغضب ويجيدون العقاب، وعلى أن حلم الحلماء لا ينبغي أن يغري بهم أو يطمع فيهم إلا الأغرار الذين لا يحسنون التفكير في عواقب الأمور.

    فهؤلاء المصريون يرون الآن أن ليس بين الرجل الطيب والرجل الواحد فرق. كلاهما يُحْسِن البطش حين يريد، وكلاهما يجيد إظهار القوة وإرهاب الخصم، وكلاهما يَبْلُغ من إقناع الكثرة البرلمانية ما يريد، كلاهما يستطيع أن يريد فيتم ما يريد، كلاهما يستطيع أن يقول للقوانين كوني فتكون، كلاهما يستطيع أن يُغيِّر ويُبدِّل، وأن يمحو ويثبت، وأن يقضي فيحرم في القضاء.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة؛ لِيثُوبَ الناس إلى رشدهم ويثوب رشد الناس إليهم! فقد صبر عليهم الرجل الطيب حتى استضعفوه، وأملى لهم الرجل الطيب حتى طمعوا فيه، وآن أن يُظْهِر لهم الرجلُ الطيِّبُ أن له حظًّا من القوة والكيد المتين ليس أقل من حظِّ سَلَفِهِ الرجل الواحد صدقي باشا.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة ليعلم صدقي باشا نفسه أنه ليس وحده القادر على تأييد النظام الحاضر وإنفاذ السياسة التي لا بد من أن تنفذ في المصريين، وأن في الكنانة سهامًا ليست أقل منه صلابة ولا حدة، ولا مضاء، وأنه إن كان قد عدَّلَ الدستور، وحلَّ البرلمان وأقصى عن النيابة قومًا، فإن صديقه أمس وخصمه اليوم قد عدَّلَ قوانين المحاماة، وحلَّ نقابة المحاماة — أو كاد — وأقصى عن نقابة المحاماة قومًا كما أقصى هو عن البرلمان قومًا آخرين.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة لِيُمحَى الشك، ويزول الريب، وينجلي اللبس، ويعلم الإنجليز وغير الإنجليز أنه إنْ ذَهَبَ صدقي باشا ففي مصر عبد الفتاح، وأن مصر والحمد لله ما زالت غنية بالرجال الأقوياء الذين يعرفون كيف يكون الحزم والعزم وكيف يكون البطش والبأس، وكيف تكون الإرادة والتصميم.

    فإذا كان المصريون قد خافوا صدقي باشا فيجب أن يخافوا عبد الفتاح باشا. وإذا كان الإنجليز قد وثقوا بصدقي باشا فيجب أن يثقوا بعبد الفتاح باشا؛ فليس بين الرجلين فرق قليل ولا كثير، كلاهما يعرف كيف يحارب الخصوم، وكلاهما يعرف كيف يهزم الخصوم.

    وإذا كانت وزارة صدقي باشا قد اعتمدت على خوف المصريين وثقة الإنجليز، فأقامت في الحكم أكثر من ثلاثة أعوام، فقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على خوف المصريين لأنهم سيخافونها — نستغفر الله — ما هذه السير؟ من أين جاءت؟ وإلى أين تريد؟ فالمصريون يخافون الوزارة بالفعل، لا ينتظرون بهذا الخوف مستقبلًا قريبًا أو بعيدًا.

    وقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على ثقة الإنجليز لأنهم سيثقون بها — نستغفر الله — بل هم واثقون بها منذ ارتقت إلى مناصب الحكم. وإذن فهي تستطيع أن تعتمد بيمينها على الخوف الذي يهز قلوب المصريين وبشمالها على الثقة التي تملأ قلوب الإنجليز، وأن تمضي في طريقها آمنة مطمئنة، فهذه الطريق طويلة طويلة، ليست أقل طولًا من طريق صدقي باشا، ولعلها أن تكون أكثر طولًا، ولعل الوزارة لا تقطعها قبل عشرة أعوام، فما الذي يمنع الرجل الطيب بعد أن صدر تشريع المحامين من أن يكون سعيدًا مسرورًا وراضيًا محبورًا؟! فهو قد اطمأنَّ منذ أمس — ومنذ أمس ليس غير — على أن وزارته صالحة للبقاء الطويل.

    كان صدقي باشا يداوره ويناوره، فقد عجز صدقي باشا عن المداورة والمناورة وأصبح لا يُقْدِم إلا لِيُحْجِم، ولا يكر إلا ليفر، ولا يسترد استقالته إلا ليطلب إجازة!

    كان صدقي باشا يخاصمه في الكثرة البرلمانية، فقد سلمت له الكثرة البرلمانية، وأي كثرة كان صدقي باشا ينازعه في الحزب؟! فقد سلم له الحزب، وخلصت أمامه الطريق.

    كان صدقي باشا يتهمه بالسذاجة؛ فقد ظهر أنه أقل الناس سذاجة وأبرعهم في السياسة وأقدرهم على حزم الأمور منذ أمس ومنذ أمس ليس غير، أقامت الوزارة لنفسها وللمصريين وللإنجليز أوضح الأدلة على أنها ليست وزارة أيام ولا وزارة أسابيع ولا وزارة أشهر، وإنما هي وزارة أعوام وأعوام.

    ذلك أنها برهنت للمصريين وللإنجليز على أنها كوزارة صدقي باشا حذوك النعل بالنعل، لا تخاف شيئًا ولا ترهب شيئًا، ولا تحجم عن شيء ولا تتردد في شيء، كلها مضاء مهما تكن الظروف، وكلها قوة مهما يكن الخصوم.

    تكره جماعة من المحامين وتريد أن تقصيهم عن نقابة المحامين فلا يمنعها مانع، ولا يدفعها دافع عن أن تشرع للمحامين قانونًا لا عهد للناس بمثله، وتجر أحكامه على الماضي! ثم يجتمع البرلمان فينظر في هذا القانون في سرعة لا تعدلها إلا سرعة الضوء، ويقر هذا القانون في كثرة تشبه الإجماع، ويرجئ من أَجْل هذا القانون أجلَّ المسائل خطرًا، وأعظمها في حياة الناس أثرًا، لا يتعجل التفكير في السياسة، ولا يتعجل التفكير في المال، ولا يتعجل التفكير في الاقتصاد، ولا يتعجل درس خطبة العرش التي هي برنامج الحكومة، ولا يتعجل الرد عليها، وإنما يجتمع لهذا التشريع ويفكر في هذا التشريع وينظره ويتم النظر فيه، ثم يتفرق لينفق الأعضاء أيام راحتهم هادئين، حتى إذا انقضى الأسبوع عادوا هادئين فنظروا فيما عندهم من الأعمال.

    أي قوة تشبه هذه القوة؟! وأي عزم يشبه هذا العزم؟! وأي حرصٍ على المصلحة يشبه هذا الحرص؟! لا تذكر الأزمة المالية فلو كانت موجودة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر مسألة الدين فلو كانت قائمة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر تلك الفضائح المنكرة التي امتلأ بها الجو المصري منذ أسابيع فقد نسيتها الوزارة ونسيها البرلمان، ونسيها الناس.

    ليس في مصر شيء يستحق تفكير الوزارة والبرلمان إلا نقابة المحامين. كانت خطرًا دائمًا أشد من خطر الحرب، أشد من خطر الجوع المهلك، أشد من خطر الجفاف المحرق، أشد من خطر الأوبئة الجائحة؛ لذلك فرغت لها الوزارة والبرلمان أسبوعين حتى فرغت منها وأنقذت مصر من شرها الداهم وبلائها المبين!

    الغريب أن أئمة المساجد لم يُؤمَروا وأن قسس الكنائس لم يُؤمَروا بإقامة صلاة الشكر لسلامة مصر من هذا الخطر العظيم! والغريب أن رجال الإدارة لم يقبلوا من الأقاليم على رأس الوفود الضخمة يرفعون إلى الرجل الطيب وزملائه الأبطال شكر الشعب وثناءه لأنهم أنقذوا مصر من هذا الخطر العظيم. الغريب أن المدن لم تتزين وأن الحفلات لم تقم وأن الصحف لم تمتلئ بالرسائل البرقية التي تفيض شكرًا لله وللوزراء لنجاة مصر من هذا الشر العظيم.

    إن قلوب المصريين لقاسية، وإن نفوس المصريين لجاحدة، وإن كفر المصريين بالنعمة لشيءٌ يملأ القلوب غيظًا واشمئزازًا. ومع ذلك، فالوزارة تخدم المصريين لوجه الله لا تنتظر منهم شكرًا ولا تبتغي منهم ثناء، بل لا تنتظر منهم رضًا ولا تخاف منهم سخطًا، تخدمهم رغم أنوفهم؛ لأنها أعلم منهم بمصالحهم وأبصر منهم بمنافعهم.

    والغريب بعد هذا كله أن صحف اليوم التي صدرت في الصباح كلها مخزونة آسفة؛ لأن المحامين لن يشتركوا في الحفلة الرسمية التي ستقام في عيد القضاء، ولأن سياسة الوزارة هي التي دعت إلى هذه الفرقة وحالت بين الأسرة القضائية وبين أن تشترك في إحياء عيدها كما تشترك في احتمال الأثقال التي يفرضها عليها العدل.

    أفرأيت أشد عقوقًا وإنكارًا للجميل وميلًا إلى الصغائر وإعراضًا عن عظائم الأمور من هذه الصحف؟! ماذا؟ يصدر أمس قانونٌ ينقذ المحاماة من مكرم وأصحابه، وينقذ البلاد من هذه النقابة الخطرة ويردُّ عن مصر أقبح الكوارث وأشنع الخطوب ويجعلها جزءًا من أوروبا حقًّا ويرفعها إلى مكانة البلاد المتحضرة الراقية، ثم لا تجد هذه الصحف حديثًا تَسُوقه إلى قرائها إلا هذه الفرقة التي أحدثتها الوزارة في أسرة القضاء!

    أين هذه الصحف؟! كيف تفكر؟! أيهما آثر عند مصر وأحب إليها؛ أن تحدث هذه الفرقة في الأسرة القضائية فتكون حفلة في الأوبرا لا يشهدها المحامون، ثم إذا أقبل الليل كانت حفلة في سيمراميس، وأخرى في هليوبوليس أم أن يخطب مكرم في الأوبرا بين يدي جلالة الملك وبمحضرٍ من الرجل الطيب وزملائه الأبطال؟!

    لو فكَّرَتْ هذه الصحف وقدَّرَتْ لما احتاجتْ إلى أن يُلْقَى عليها مثل هذا السؤال ولعرفت أن كل شيء أهون من أن يدخل مكرم الأوبرا وفيها جلالة الملك وفيها الوزراء، فضلًا عن أن يقوم في الأوبرا خطيبًا ناطقًا بلسان المحاماة دون هذا وتستقيل الوزارة. وهل في استقالة الوزارة خير؟! وهل رأيت وزارة تسعى إلى الاستقالة؟! وهل استقالة الوزارة إلا النكبة الكبرى والكارثة العظمى والخطر الذي لا يستطيع أن يثبت له المصريون؟!

    كل شيء بخير! قد سلمت مصر من نقابة المحامين، وسلمت الوزارة من خطبة مكرم، واستقام كل شيء لكل إنسان، فلم يبقَ إلا أن نبتهج ونغتبط، تبتهج مصر كلها بما قُدِّرَ لها من النجاة، وتبتهج أسرة القضاء مفترقة بعيدها السعيد، وتبتهج الوزارة لأنها قد انتهت بالسياسة المصرية إلى أقصى ما يطمع فيه المصريون، وهل يطمع المصريون في شيءٍ كما يطمعون في هذا الوفاق والوئام والاتحاد الذي وصلت بهم الوزارة إليه؟!