برنامج (١) …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٥ أكتوبر ١٩٤٦
ما عسى أن تكون هذه المصاعب التي تتصل بسياستنا الداخلية والتي أشار إليها المستر بيفن حتى حين تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الثلاثاء، وذكر أنها تَحُول دون الوصول إلى نتيجة للمفاوضات؟!
لقد قِيلَ أمس إن المسئولين في وزارة الخارجية لا يريدون أن يفصلوا القول في تفسير هذه الإشارة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية إلى مجلس النواب البريطاني. ومن الطبيعي أن المسئولين في وزارة الخارجية لا يحبون هذا التفصيل، ولا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيه، فهم يقدِّرون قبل كل شيء أن رئيس الوزارة المصرية الذي ألقى نفسه عليهم إلقاءَ رجل ذكي فطن يكتفي بالتلميح عن التصريح، وبالإشارة عن العبارة، وبالإجمال عن التفصيل. وهم يعلمون ثانيًا أن للسياسة الخارجية لغتها الدولية التي تعتمد على الرمز والإيماء أكثر مما تعتمد على وضع النقط تحت الياء، وهم يعلمون ثالثًا أن المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية ليست من شئونهم، أو لا ينبغي أن تكون من شئونهم، فهم لا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيها؛ فيُسجَّل عليهم أنهم يريدون الاستقلال المصري، ويدخلون فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه، فليس غريبًا إذن أن يكتفي المستر بيفن بإشارته الموجزة.
وليس غريبًا أن يأتي المسئولون في وزارة الخارجية تفصيل هذه الإشارة أو تفسيرها، وإنما الغريب إن أمكن أن يُستغرَب شيء من رئيس وزرائنا الغريب ألَّا يفهم صدقي باشا هذه الإشارة، وألَّا يندم على إلحاحه في النهوض بالمفاوضات على رغم هذه المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية، وألَّا يأخذه شيء من الاستحياء — وقد كدت أملي كلمة أشد وقعًا من هذه الكلمة — من أن نلقي هذه الإشارة إلى مجلس النواب البريطاني، يلقيها وزير الخارجية البريطانية.
وصدقي باشا مقيم في لندرة قد ذهب إليها رافضًا لكل نصح، مُعْرِضًا عن كل مشورة، مُهْمِلًا لكل صعوبة، غير مقدِّر لما يمكن أن يُقال له في لندرة، أو لما يمكن أن يُقال عنه في لندرة.
ولكننا لا نستغرب من صدقي باشا شيئًا، فصدقي باشا هو الذي قصد إليه الشاعر العربي القديم فيما يظهر حين قال:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهوسكت عن ذكر العواقب جانباولم يستشِرْ في رأيه غيرَ نَفْسِهولم يرضَ إلَّا قائم السيف صاحبا
وواضح جدًّا أن الشاعر العربي القديم لم يكن يفكر في رجل ينهض بأعباء السياسة الدولية، ويرأس حكومة مسئولة أمام البرلمان أولًا وأمام الشعب ثانيًا؛ لأنها تحكم في ظل النظام الديمقراطي كما يُقال، وإنما كان يفكر في نفسه من حيث هو فرد له حريته الكاملة في أن يغامر بمنافعه، وفي أن يقامر بحياته إن أراد، فهو يستطيع إذن ألَّا يفكر في العواقب وألَّا يستشير إلَّا نفسه، وأن يعتز بقائم السيف ليدافع به عن نفسه وعن رأيه متعرضًا لما تجر عليه صلابته هذه من الأخطار. فأمَّا الذين يرأسون الحكومات ويُؤتمَنون على مصائر الشعوب، ويسألون عن كل ما يقولون وكل ما يعملون، ويُحاسَبون على الخطأ إن أخطئوا، وعلى الإساءة إن أساءوا فهؤلاء يجب عليهم قبل كل شيء أن يفكروا في العواقب قبل أن يقولوا وقبل أن يعملوا، فإن لم يفعلوا فهم آثمون في ذات الوطن، وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يستشيروا أنفسهم وحدها في آرائهم، وإنما ينبغي أن يستشيروا غيرهم من هؤلاء الذين ألقى إليهم النظام الديمقراطي عبء الأمانة على مصالح الشعب من الشيوخ والنواب والوزراء وهيئة المفاوضين، وأن يصدعوا بأمرهم ويذعنوا لرأيهم أو يستقيلوا، فإن استبدوا من دونهم بالأمر واكتفوا باستشارة أنفسهم في آرائهم فهم آثمون في ذات الوطن. وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يعتمدوا على قائم السيف وحده، بل ألَّا يعتمدوا على قائم السيف إلَّا في تتبع الذين يفسدون في الأرض، ويعرِّضون أمن الناس للخطر، ويزهقون النفس ويسفكون الدماء بغير الحق.
في تتبع هؤلاء وحدهم وفي دفع العدو المغير يمكن أن يعتمد رئيس الحكومة على قائم السيف في حدود القانون، ويأذن من القضاء والسلطات المختصة. فأمَّا في تدبير السياسة الداخلية والخارجية فقائم السيف لا قيمة له ولا عناء فيه، والذين يعتمدون على قائم السيف في هذه الأشياء يطغون ويأثمون في ذات الوطن، ومع ذلك فقد رأينا صدقي باشا يصل من المفاوضات ما كان يريد أن ينقطع ويجدد منها ما كان يريد أن يبلى، ويسافر إلى لندرة ليستبقي هذه المفاوضات غير حافل برأي الشعب ولا برأي البرلمان، ولا برأي زملائه المفاوضين، لا يذكر العواقب ولا يفكر فيها ولا يحفل بأثر هذه العواقب في حقوق مصر وفي سمعتها، قد استشار نفسه فأشارت عليه بالسفر فسافر، ولم يصطحب إلَّا قائم السيف فعطل الدراسة في معاهد التعليم كلها شهرًا، وحظر على المصريين أن يجتمعوا وأن يخطبوا، وسلَّ على الصحف سيفًا من الخوف؛ حتى لا نقول ما يفرض عليها النصح للوطن أن تقول!
فلسنا مخطئين إذن حين نظن أن هذا الشعر العربي القديم كأنه قبل في رئيس وزرائنا هذا الذي يستبد بالرأي فيما لا يملك أن يستبد بالرأي فيه، هذا الذي يضع الشعب بأسره على الرف، ثم يصرِّف مصالحه وحقوقه وسمعته وكرامته كما يحب هو لا كما يحب هذا الشعب المغلول فلا يستطيع أن يتحرك، المكموم فلا يستطيع أن يتكلم، الذي سُلِّطت عليه ألوان الخوف، فلم يكد يستطيع أن يفكر.
أي غرابة إذن في ألَّا يحفل صدقي باشا بما يمكن أن يقول له الإنجليز في لندرة، وبما يمكن أن يقول الإنجليز عنه في لندرة، وبهذه الإشارة التي ألقاها المستر بيفن إلى مجلس النواب البريطاني يوم الثلاثاء؟!
وليس الذي يعنينا الآن أن يحفل صدقي باشا بهذه الإشارة أو لا يحفل بها، فقد استيأست مصر من صدقي باشا منذ وقت بعيد، وليس الذي يعنينا أن يفهم الإنجليز الذين تحدث إليهم المستر بيفن دقائق هذه الإشارة أو لا يفهمها؛ فمطالبنا واضحة، وموقفنا صريح، وكلمتنا حاسمة. والذين يحتاجون إلينا يجب عليهم أن يسلكوا الطريق التي تتيح لهم أن يسمعوا منا ويتحدثوا إلينا.
ليس يعنينا إذن موقع هذه الإشارة من صدقي باشا أو من الإنجليز، وإنما الذي يعنينا موقعها من المصريين أنفسهم؛ فهم الذين يعنيهم أمر الحقوق المصرية، وهم الذين ينبغي أن تكون لهم الكلمة الأخيرة في كل ما يتصل بهذه الحقوق.
وهذه الإشارة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هذا الشعب المصري الذي منعه صدقي باشا من أن يجتمع ومن أن يتكلم، ومن أن يستمتع بحريته السياسية كما تستمع بها الشعوب المتحضرة الديمقراطية. هذا الشعب المغلول المكموم المُضيَّق عليه في كل شيء قد استطاع أن ينتصر على صدقي باشا وعلى المستر بيفن، وعلى جميع الذين يريدون أن تُعْقَد بين بريطانيا العظمى ومصر معاهدة لا يرضاها المصريون ولا يشاركون في درس تفصيلاتها ودقائقها.
فلو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري ويستمتع بثقته وتأييده لما ثارت هذه المصاعب الداخلية التي تَحُول دون انتهاء المفاوضات إلى غايتها، ولما احتاج المستر بيفن إلى أن يشير إليها في مجلس العموم.
ولو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري تمثيلًا مقاربًا وينطق بلسان فريق محترم من هذا الشعب؛ لأُتِيحَ له وللمستر بيفن أن يطويا كشحًا عن هذه المصاعب إن ثارت، وأن يعتمدا على هذه القلة ذات الخطر؛ ليخفيا هذه المصاعب على الرأي العالمي العام، وليخدعا الشعب المصري عن نفسه وعن حقه، ويكرهاه على ما لا يريد. ولكن صدقي باشا لا يمثل الشعب ولا يمثل فريقًا من الشعب قل أو كثر، ولا يمثل حتى زملاءه الوزراء، ولا يمثل حتى زملاءه المفاوضين، وإنما يمثل نفسه ونفسه وحدها. ومن أجل هذا صارت المصاعب الداخلية، ومن أجل هذا أشفق وزير الخارجية البريطانية من المضي في المفاوضات إلى غايتها، ومن أجل هذا صرَّح وزير الخارجية البريطانية بإشفاقه هذا لمجلس النواب البريطاني.
والمصريون يطلبون حقوقهم ولا يرضون حتى يظفروا بها كاملة. هذا حق، ولكن المصريين يأبون أن يتحكم فيهم فرد أو أفراد من المصريين أو من الإنجليز. وهم قد استطاعوا بإبائهم وثباتهم وإصرارهم على ألَّا يمنحوا ثقتهم إلَّا للذين يأمنونهم ويطمئنون إليهم. استطاعوا بهذا كله أن يمنعوا صدقي باشا من إمضاء المعاهدة التي لا تلائم حقَّهم ولا كرامتهم واستطاعوا بهذا كله أن يشعروا بريطانيا العظمى بأن المعاهدات لا قيمة لها إذا لم تقبلها الشعوب وإن قبلتها الحكومات، وليس هذا الفوز بالشيء القليل، هو فوز سلبي ما في ذلك شك، ولكنه فوز سلبي اليوم ليكون فوزًا إيجابيًّا غدًا.
فليس على المصريين إلَّا أن يصمموا ويعزموا ويستمسكوا بهذه الكلمة التي لا يستمسك بها في مثل هذا الموقف إلَّا الشعب الكريم، وهي كلمة لا …
يجب أن يسمع صدقي باشا هذه الكلمة غائبًا أو حاضرًا، نائمًا ومستيقظًا، راضيًا وساخطًا، ويجب أن يسمعها المستر بيفن مقيمًا في لندرة أو مسافرًا إلى نيويورك، ويجب أن يسمعها العالم كله على اختلاف مذاهبه في السياسة ونُظُم الحكم لا تريد مصر أن تفكر في معاهدة مع الإنجليز قبل أن يصبح الجلاء ووحدة وادي النيل حقيقة واقعة، ولا تريد مصر أن يُنطَق بلسانها أو يُتحدَّث باسمها في شئون سياستها الخارجية مع دولة من الدول مهما تكن إلَّا الذين يستمتعون بثقتها، وينهضون بأعباء الحكم فيها نتيجة لانتخاب حر لا يخضع للبطش والبأس، ولا يتعرض للتزييف والتزوير، ولا تريد مصر أن تصبح حقوقها موضوعًا للمساومة مهما يكن المساومون، ومهما تكن الظروف التي تدعو إلى هذه المساومة، ولا تريد مصر أن تغامر بمصالحها ومستقبلها، وتقامر بدماء أبنائها لخدمة دولة من الدول، سواء أكانت هذه الدولة في الشرق أم في الغرب. ولا تريد مصر أن تعقد مخالفات هنا أو هناك قبل أن تستكمل حقوقها، وتستمتع باستقلالها، وتستطيع أن تقول نعم أو لا عن إرادة ورضا لا يفرضهما الأجنبي بجيش الاحتلال ولا يفرضهما المصري بقائم السيف.
يجب أن يكون البرنامج المصري في هذه الأيام حازمًا وحاسمًا وساطعًا قاطعًا وموجزًا كل الإيجاز، لا يجد أحد مشقة في فهمه، ولا يتكلف أحد جهدًا في النطق به، وإنما هو كلمة واحدة قصيرة كأقصر ما تكون الكلمات حازمة كأحزم ما تكون الألفاظ هي كلمة «لا» التي يجب أن تتردد بها جوانب الوادي من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يجب أن تكون «لا» هي شعار المصريين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
Tag: civil liberties
-
تأديب٢
تأديب …! (١)
طه حسين
جريدة البلاغ
٣١ يوليو ١٩٤٥
لعل أقوى ما يشعر به المصريون الذين لا يشملهم عطف الحكومة ورضاها في هذه الأيام — وهم بالطبع أكثر المصريين — هو أن الحكومة تقوم على تأديبهم أكثر مما تقوم على رعايتهم؛ فهي — والحمد لله — لا تأخذهم بالرفق ولا تسوسهم باللِّين، وإنما تمضي في سياستها لهم على الحزم والعزم وإظهار البأس الشديد.
وليس أدل على ذلك من تصوُّر حكومتنا للحرية وضربها على أيدي الذين يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الله قد خلقهم ليكونوا أحرارًا. فالمصريون مراقبون، لا يجتمعون إلا إذا أذِنت لهم الحكومة في الاجتماع، ولا يخطبون إلا إذا أذنت لهم الحكومة في الخطابة، ولا يأمنون حين يكتُبون إلا إذا رضيت الحكومة عمَّا يكتبون، فإن كتبوا ما يحزنها أو يسوءها، فقد كانت الرقابة قائمة تمنع الإذاعة، فلما أُلغِيَت الرقابة قامت النيابة تُحقِّق وتواصل في التحقيق، وترسل إلى السجن الاحتياطي، وتفرض الكفالات المالية فرضًا متَّصِلًا لا يعرِف الانقطاع. وما أُحِبُّ أن أجادل النيابة فيما تدعو إليه من تحقيق، ولا فيما تُقدِم عليه من حبس احتياطي، ولا فيما تفرض من كفالات مالية؛ فالنيابة سلطة قضائية أمامها قانون تنفذه كما ترى، وهي مسئولة أمام ضميرها وأمام القانون عن هذا التنفيذ، وإنما أريد — ومن حقي أن أريد — لفتَ المصريين إلى أن الله لم يخلُق الحكومات لتأديب المحكومين، وإنما خلقها لرعاية حقوقهم والقيام على مصالحهم. فهي خادم لهم لا أكثر ولا أقل. وليس من حق الخادم أن يؤدِّب المخدوم، وإنما الحق عليه أن يطيعه وينفِّذ أمره وينزل عند إرادته ويتخلى عن عمله حين يريد الشعب، وهو سيد نفسه وسيد حكومته أن يتخلَّى عن هذا الأمر. ومن حقي أيضًا أن ألفت المصريين إلى أن لهم أن يطالبوا بتعديل القوانين القائمة إذا تبينت لهم مصلحة في تعديل هذه القوانين، أو تبيَّن لهم شَرٌّ في بقاء هذه القوانين كما هي. فاحترام القانون القائم شيء طبيعي، ولكن احترام القانون شيء وتقديسه شيء آخر. وقد وضعت القوانين لخدمة الشعوب، ولم تخلق الشعوب لتقديس القوانين، فإذا كان من حق النيابة ومن واجبها أن تنفذ القوانين كما ترى، فمن حَقِّنَا نحن أن نطالب بتعديل هذه القوانين حين تظهر حاجتنا إلى هذا التعديل.
وقد يكون من الظريف الطريف أن يلاحظ المصريون أننا لا نعرف بلدًا من بلاد الله في هذه الأيام يُحبس فيها الكتاب حبسًا احتياطيًّا في قضايا الرأي إلا مصر، مصر وحدها؛ فمصر التي لم تشارك في الحرب إلا بعد أن وضعت أوزارها، مصر التي احتملت أوزار الحرب، ولم تجنِ من ثمارها إلى الآن إلا هذا التضييق على أبنائها لا في أرزاقهم وحدها، بل حرياتهم أيضًا.
وقد كان زيد يتحدث إلى أهل البصرة فيسألهم أن يدعو الله لأئمتهم الذين يؤدبونهم ويسوسونهم بسلطان الله الذي أعطاهم، ولكن هذا كان منذ اثني عشر قرنًا، وأصبحنا نحن الذين نعطي الحكومة ما في يدها من سلطان، ونستطيع أن نسترد ما أعطينا.
فمن حقنا إذن أن نكلف الحكومة ما ترى المصلحة في أن نكلفها إياه.
ونحن نرى المصلحة الآن في أن نطلب إليها تعديل القوانين بحيث لا يُسمح للنيابة بالحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.
وقد اتخذت الحكومة قانونًا — أستغفر الله، بل مرسومًا بقانون — منعت فيه المحاكم من أن تسمع للقضايا التي تُرفع بشأن الاستثناءات. وهذا القانون ما زال مشكوكًا في دستوريته، ولكن الحكومة اتخذته على كل حال.
ونحن نطلب أن تتَّخذ الحكومة الخطوات الدستورية لتعديل القوانين التي نطلب تعديلها؛ فإن لم تفعل فإن البرلمان لم يوجد ليذهب ويجيء ويخطب ويسمع الخطب، وإنما وُجِدَ ليكلف الحكومة ما يريد الشعب، وليفرض على الحكومة ما يريد الشعب، فليَقُم البرلمان بتعديل القوانين إذا لم تستجب الحكومة إلى ما يدعوها إليه. وليعلم الشيوخ والنواب أن ليس مما يشرف مصر أن يتحدَّث الناس عنها في الخارج بأن كُتَّابَهَا ومفكريها يُلقَوْن في أعماق السجون احتياطًا قبل أن تصدر عليهم الأحكام؛ لأنهم كتَبوا ما لا يسر الحكومة أو يرضيها.
فإذا لم تفعل الحكومة ما ندعوها إليه، وإذا لم يفعل البرلمان ما نطلب إليه؛ فمن حق المصريين أن يعتقدوا أن ديمقراطيتهم كلام، وأن حريتهم لغو، وأنهم يعيشون في ظل حكومة تريد أن تؤدبهم وتحملهم على ما تعتقد هي، لا على ما يعتقدون هم أنه الحق والخير.
وقد قررت صحف الوفد ألا تَصدُر غدًا لتلفت الحكومة ولتلفت البرلمان ولتلفت الشعب إلى أن في مصر شرًّا يجب أن يُرفَع، وإلى أن هذا الشر واقع على الحرية التي يكفُلُها الدستور، والتي كانت الحرب في سبيل حمايتها وتقريرها، وهي حرية الرأي.
وقد يقول القائلون كلامًا كثيرًا في احتجاب صحف الوفد غدًا، ولكن المهم هو أن يعلم الشعب أن حرية الرأي فيه تؤذى إيذاءً متصلًا، وقد يكون من المهم أن يمضي يوم لا تحتاج فيه النيابة إلى تحقيق، ولا تقرأ فيه الحكومة ما يسوءها، ويخلو فيه الميدان للذين يطلبون الطعن والنزال إذا خَلَوْا إلى أنفسهم.
ومن يدري لعل احتجاب الصحف الوفدية غدًا أن يُلهِم الحكومة شيئًا من الجِد، ويحملها على أن تستأنف النظر في سياستها، ويبين لها أن القوة قد تعظُم وتشتد، ولكن الحرية ستظل أقوى منها دائمًا، ولا سيما حين تلجَأ إلى السلب، وحين تؤثر الاحتجاب على الظهور، وحين تؤثِر الصمت على الكلام.
ولتحذر الحكومة أن يكثر احتجاب الصحف، ولتحذر الحكومة أن يتصل صمت الكُتَّاب. -
السفينة الجانحة
السفينة الجانحة
طه حسين
جريدة البلاغ
١٢ يوليو ١٩٤٥
هل يعلم رئيس الوزراء أن سفينته جانحة، لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، وإنما اضطرت إلى موقف لا تعدوه، كهذا الموقف الذي اضطر إليه شاعر قديم، فقال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
ولست أدري أكان الهوى هو الذي وقف بسفينة رئيس الوزراء حيث هي فأصبحت لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، أم كان الذي وقف بها شيءٌ آخر؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن السفينة جانحة لا تستطيع أن تمضي أمامها، ولا تستطيع أن تدور لتعود أدراجها، وتستقر حيث كانت قبل أن يدفعها رئيس الوزراء إلى بحر الحكم العجاج، الملتطم الأمواج، كما يقال في ألف ليلة وليلة.
وليس رئيس الوزراء في حاجة إلى أن تقيم له الدليل على أن سفينته جانحة لا تستطيع أن تمضي ولا أن تعود، فقد افتتحت الدورة البرلمانية في يناير الماضي. ويخيل إلي أننا في شهر يوليو، وأن البرلمان لم يكد يصنع شيئًا؛ لأن الحكومة لم تقدم إليه شيئًا، وهو الآن يدرس الميزانية متعجلًا مستأنيًا، إن صح أن يجتمع العجل والريث في وقت واحد. فمجلس النواب يكر الميزانية كرًّا، ومجلس الشيوخ يجتمع مرة في الأسبوع، حتى يتاح له أن يكر الميزانية كرًّا. فقد تقدم الصيف واشتد القيظ وظهر هلال شعبان وجعل رمضان يسعى إلى الناس، أو جعل الناس يسعون إلى رمضان، وإذا أقبل شهر الصوم فمن الخير للبرلمان أن يريح أو يستريح.
ومعنى هذا أن عامًا تشريعيًّا قد ضاع على مصر، فلم تخطُ فيه نحو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي أو الإداري خطوة واسعة أو ضيقة، وإنما ظلَّت مصر حيث كانت حين تركتها وزارة الوفد تنتظر أن تشرع لها القوانين التي تكفل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والإداري دون أن تظفر من هذه القوانين بشيء.
وقد كان يقال: إن النظام القائم قد أنشئ ليطعم الجائع ويكسو العاري، ويؤمن الخائف ويعلم الجاهل ويداوي المريض ويغيث الملهوف. وما زال يقال: إن المصريين يشكون الجوع، ويشكون العري، ويشكون الخوف، ويشكون الجهل، ويشكون المرض، ويشكون كل هذه الأشياء التي تدفعهم إلى اللهفة والاستغاثة، دون أن يجدوا لأنفسهم من هذا كله منقذًا أو مغيثًا.
ما زال هذا يقال في مجلس النواب أحيانًا، وفي الصحف أحيانًا، وفي أندية الناس وبيوتهم ومدنهم وقراهم دائمًا. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن النظام القائم إنما أنشئ ليصلح أدوات الحكم بعد أن أخذها الفساد من جميع أقطارها. وما زال يقال في البرلمان وفي الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن في أدوات الحكم كثيرًا من الفساد، فتُهم تهدى إلى بعض الوزراء وإلى بعض كبار الموظفين، وبلاغات يقدمها الوزراء إلى النيابة لتحقق ما يهدى إليهم من التهم، وبيانات تنشرها الوزارات فتثبتها الصحف ثم تشك في بعضها شكًّا ظاهرًا، وتكذب بعضها تكذيبًا صريحًا تقيم عليها الأدلة والبراهين. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن الوزارة الوفدية قد أسرفت في الاستثناء حتى أفسدت قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم، وإن الوزارة الجديدة ستصلح من ذلك ما أفسدت وزارة الوفد. وما زال يقال في الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن الوزارة القائمة تستثني كما كان يستثني غيرها، وإن قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم قد أصابها كثيرٌ جدًّا من الشك، وتعرضت لكثيرٍ جدًّا من الاضطراب، وشاع فيها كثيرٌ جدًّا من اليأس والقنوط. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن الوزارة القائمة سترد إلى الناس حريتهم كاملة شاملة، وستتيح لهم أن يقولوا ويكتبوا ويخطبوا ويجتمعوا ويتنقلوا، وأعلن رئيس الوزراء نفسه ذلك في مجلس الشيوخ في الحادي عشر من شهر يونيو الماضي، وما زال يقال: إن النيابة قد قامت مقام الرقابة، وإن الناس لا يستطيعون أن يجتمعوا لأن الشرطة تمنعهم من الاجتماع، ولا أن يخطبوا لأن الشرطة تمنعهم من الخطابة، ولا أن ينتقلوا لأن الأوامر العسكرية تصدر بمنعهم من الانتقال، ولا أن يستقبلوا في دورهم وأنديتهم من يشاءون؛ لأن الشرطة تحاصر بعض الأندية وتحاصر بعض الدور وترافق بعض الناس حين يغدون وحين يروحون. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن وزارة الوفد قد ضيَّعت حقوق الوطن وقصرت في ذاته، فلم تتم الاستقلال ولم تحرر السودان، ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة. وما زال يقال: إن الوزارة القائمة لم تتم الاستقلال ولم تُحرر السودان ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة، وإنما هي توشك أن تضيف إلى قيود المعاهدة البريطانية المصرية أغلالًا أخرى قبلتها الوزارة في سان فرانسيسكو، ويريد البرلمان أن يطوقنا بها في القاهرة. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارت وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن وزارة الوفد قد عرضت نزاهة الحكم لخطر عظيم، وإن الوزارة القائمة قد جاءت لترد إلى الحكم نزاهته ونقاءه، ولتجعله ناصعًا كأنه ضوء الشمس حين تبسطه على العالم نقيًّا صافيًا رائعًا في أول النهار. ولكن أيسر قراءة للصحف وأيسر استماع لأحاديث الناس وأيسر علم بما تديره النيابة من تحقيق؛ كل هذا يدل على أننا بعيدون عن هذه السمعة النقية الرائعة أشدَّ البعد.
وما أعرف أن وزيرًا أحيط بمثل ما يحاط به بعض وزرائنا في هذه الأيام من الريب والشكوك التي أرجو مخلصًا أن يكذبها التحقيق؛ لأني آخر الأمر مصري، لا أحب لمصر أن يقال في وزرائها بعض ما يقال في هؤلاء الوزراء.
ولست أعرف أن الناس ألحوا كما يلحون الآن على بعض الوزراء جهرة، وفي غير تحفظ طالبين إليهم أن يستقيلوا لا لأن المصلحة السياسية تقتضي أن يستقيلوا فحسب؛ بل لأن خصومهم يضيفون إليهم أشياء لا ينبغي أن يبقوا معها في الحكم، وإنما ينبغي أن يستقيلوا حتى يبرئوا أنفسهم منها، وحتى يتم التحقيق فيما ينبغي له من الأمل والدعة والهدوء.
أفيريد رئيس الوزراء بعد هذا كله دليلًا على أن سفينته جانحة، قد وقفت بها الأحداث حيث هي، فلا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر كما وقف الهوى بالشاعر العربي القديم الذي قال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
وهل يعرف رئيس الوزراء الأسباب التي اضطرت سفينته إلى الجنوح، أم هل هو في حاجة إلى أن ندله على بعض هذه الأسباب إن لم ندله عليها كلها؟ هل يعلم رئيس الوزراء أن أشد هذه الأسباب خطرًا وأبعدها أثرًا هو تكوين الوزارة نفسها؟ فهذا الائتلاف الظاهر بين قلوب لا يمكن أن تأتلف، وهذا الاتفاق الظاهر بين ميول لا يمكن أن تتفق، وهذا التكلف الظاهر للتعاون بين قوم لا يتفقون في فهم الأشياء ولا في تقديرها، ولا في التأثر بها ولا في الحكم عليها. كل هذا ليس من شأنه أن يمكن السفينة من أن تجري جريًا سهلًا يسيرًا حتى حين يواتيها الريح.
هذه الأحزاب المؤتلفة قد كانت وستكون مختلفة أشد الاختلاف في الطبيعة والمزاج وفي الميول والأهواء، لم يجمعها إلَّا شيء واحد، هو: أن تلي الحكم لتهدم الوفد هدمًا. وولاية الحكم ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى الإصلاح والخدمة العامة، وهدم الوفد ليس من الغايات التي يسعى المصلحون؛ لأن إضعافه إضعاف للروح المصري، وليس إضعاف الروح المصري إصلاحًا، وإنما هو شيء آخر غير الإصلاح.
هذه الأحزاب المؤتلفة في ظاهر الأمر المختلفة فيما بينها وبين أنفسها، وفيما بينها وبين الله، لا تستطيع أن تسير بالسفينة سيرًا رفيقًا، وإنما يدفعها بعض هذه الأحزاب إلى أمام ويردها بعض هذه الأحزاب إلى وراء، وينحرف بها هذا الحزب إلى يمين، ويندفع بها هذا الحزب إلى شمال؛ فتضطرب وترتبك وتضطر آخر الأمر إلى الغرق أو إلى الجنوح.
وهل يعلم رئيس الوزراء أن غدو الوزراء على دواوينهم ورواحهم إلى دورهم وإمضاءهم بعض الأوراق وتصريفهم بعض الأعمال اليومية، ليس معناه أن السفينة تسير سيرًا رفيقًا، ولا أن الريح تجري لها رخاءً؟ وإنما معناه أن الكلمة القديمة: ليس في الإمكان أبدع مما كان، هي الحقيقة المؤقتة التي إن صدقت أمس واليوم فقد لا تصدق غدًا أو بعض غد.
وليس المهم هو أن تجري السفينة أو لا تجري السفينة من حيث هي ليست بذات خطر، وإنما المهم أن أمور مصر موكولة إلى هذه السفينة، وإلى الذين يجرونها. فإذا ارتبكت السفينة واضطربت واضطرت إلى الجنوح. فأمور مصر متأثرة بهذا الارتباك والاضطراب والجنوح، ورئيس الوزراء أصدق وطنية وأشد لمصر حبًّا من أن يعرضها لهذا الخطر العظيم.
ومن المحقق أن رئيس الوزراء يعلم من أمر وزارته أكثر مما نعلم، ويعرف حق المعرفة أجانحة سفينته أم جارية؟ ولكن من المحقق أن رئيس الوزراء إن قرأ من الصحف مثل ما نقرأ، فهو لا يسمع من حديث الناس مثل ما نسمع، وهو لا يعلم من خاصة أفراد الشعب ودخائل نفوسهم وضمائرهم مثل ما نعلم؛ لأنه لا يرى الناس كما نراهم، ولا يسمع منهم ولا يتحدث إليهم كما نسمع نحن منهم وكما نتحدث نحن إليهم. والذي نستطيع أن نؤكده لرئيس الوزراء مخلصين أن الناس ليسوا راضين ولا مطمئنين ولا متفائلين، وأنهم إلى السخط والقلق والتشاؤم أقرب منهم إلى أي شيء آخر. فإن لم يصدقها رئيس الوزراء فليتنكر، وليندس بين الناس وليسمع منهم وليتحدث إليهم كما كان يفعل هارون الرشيد فيما ينبئنا به القصاص. إذن، يرى رئيس الوزراء ما لم يكن ينتظر أن يرى، ويسمع ما لم يكن ينتظر أن يسمع، ويروح إلى داره وقد كوَّن لنفسه في وزارته وفي الشعب رأيًا جديدًا.
إذن، يسمع رئيس الوزراء من الناس أنهم كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يقر بعض الوزراء على بعض ما يأتون من الأمر فيما يقال، لا يلائم بحال من الأحوال طبيعة رئيس الوزراء، ولا مزاجه، ولا مثله العليا في الحكم وفي الأخلاق.
وإذن، يسمع رئيس الوزراء أن الناس كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يسكت على ما يهدى إلى بعض زملائه من النقد الخطير؛ لأن سكوته لا يمكن أن يفسَّر إلَّا بإحدى اثنتين: إمَّا أنه يقر هذه التصرفات، وقد كان الناس يعتقدون أنه آخر من يقرها أو يصبر عليها، وإمَّا لأنه لا يستطيع أن يخلص من بعض الزملاء على رغم ما يضاف إليهم ويقال فيهم، وقد كان الناس ينتظرون منه أن يكون آخر من يصبر على الضيم ويحتمل في سبيل الحكم ما لا يجب.
ونؤكد لرئيس الوزراء أننا لا نكتب له هذا الحديث ناقدين ولا مُشهرين، ولا نقصد به إلى المعارضة بمعناها المألوف. وإنما نكتبه ناصحين له أصدق النصح، مخلصين له أشد الإخلاص، وقد كانت بينه وبيننا صلات لم ننسها، ولعلها تفرض علينا أن ننصح له ونخلص هذا النصح، وإن اضطره الإخلاص إلى شيء من الصراحة والقسوة فقد يقسو الصديق على الصديق، وقد يعنف الخليل بالخليل.
فليقرأ رئيس الوزراء هذا الحديث خاليًا إلى نفسه مخلصًا في قراءته، كما نكتبه نحن مخلصين في كتابته، وليستقبل رئيس الوزراء من أمره ما استدبر، وليستعرض رئيس الوزراء ما جرى من الحوادث والخطوب منذ نهض بأعباء الحكم، ولينظر بعد ذلك أيرضى أن يكون ربَّانًا لسفينة قد اضطرت إلى الجنوح اضطرارًا؟ وهل يستطيع أن يحتمل تبعات ما يصيب مصر من آثار هذا الجنوح؟ -
عدوان٣
حديث الوادي
عدوان . . .
يظهر أن الوزارة كرهت أن يظل موقف مصر أثناء هذه الأزمة الحادة موقف هدوء وأمن وسلم، يمتاز بالنقاء والصفاء، وإن اشتد فيه اختلاط الآراء وازدحام المذاهب، وإن كثر فيه القلق، وعظم فيه الاضطراب، وانطلقت فيه الألسنة بالأحاديث المختلفة التي لا تحصى: يظهر أن الوزارة كرهت للموقف المصري أن يكون نقيا ناصعا أثناء هذه الأزمة الحادة، وأبت ألا تلونه بالحمرة قليلا، وتصبغه بشيء من الدماء، وبشيء من دماء المصريين، فكان ما كان من هذا العدوان المنكر الذي اقترفته الشرطة أول أمس، حين أقبل رئيس الوفد من مصيفه، ليستقر في مدينة القاهرة، وقد يكون للوزارة بعض العذر في هذا الإثم القبيح الذي اقترفته الشرطة المصرية وفي هذا العدوان الصريح الذي جناه الجند المصري على الشعب المصري، فإن ذكاء الوزارة على حدته وشدته، وعلى لباقته ورشاقته، وعلى إيثاره للصمت، وحرصه على التكتم، لم يخرجها من الأزمة ولم يهيئ لها منها مخرجا، وإذا لم يجد الذكاء اللبق الرشيق، النافذ الدقيق، فقد يجدي الاعتداء المنكر الصريح، وقد جدت الوزارة في أن تقنع الإنجليز بالإبقاء عليها فيما يظهر فلم تفلح، وقد جدت الوزارة في إقناع الإنجليز بأن آراءها في حل هذه الأزمة موفقة صائبة فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تجد لها من المصريين أعوانا وأنصارا فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تهدئ قلق المصريين بهذا الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء فلم يقل فيه شيئا فلم تفلح، والوزارة عاجزة عن أن تضرب الإنجليز بالعصى والسياط، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع الإنجليز من أن يتنكروا لها أو يمكروا بها، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع نائب المندوب السامي من التفتيش على ثكنات الشرطة وأقسامها، وإذا عجزت الوزارة عن الإنجليز فلتضرب المصريين ولتعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، وما الذي يمنعها من ذلك فقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم رئيس الوزراء ولم يرثهم عن أبيه، وقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم القيسي باشا ولم يرثهم عن أبيه أيضا، ولكن المصريين عبيد يملك بعضهم رئيس الوزراء بطريق الشراء ويملك بعضهم بطريق الميراث، ويملك بعضهم القيسي باشا شراء وميراثا، فمن حق الوزارة أن تعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، ومن الذي يستطيع أن يمنع المالك من أن يتصرف في ملكه كما يحب، ويخضعه لما يشتهي من ألوان الجد والهزل، ومن فنون العبث واللعب، ومن ضروب التنعيم والتعذيب؟ المصريون ملك لرئيس الوزراء وملك لوزير الداخلية، فللوزارة أن تصنع بهم ما تشاء، تنعمهم إن أرادت وتعذبهم إن أحبت وتبيعهم إن خطر لها أن تبيعهم، لا يمانعها في ذلك إلا من يجهل القانون أو يتحداه. وعلى غير هذا النحو من التفسير لا يمكن أن يفهم أحد هذه الأعمال التي اقترفتها الشرطة المصرية أول أمس داخل المحطة وخارجها في غير حساب وبغير تقدير ومن غير احتياط. كانت كل الرؤوس المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكانت كل الأجسام المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكان المصريون يتلقون الضربات لا فرق فيهم بين الكبير والصغير ولا بين المثقف والجاهل ولا بين الصحفي وغير الصحفي، كلهم أرقاء، وكلهم ملك للقيسي باشا، ورث بعضهم واشترى بعضهم الآخر، وكان بعض المصريين معرضا للخطر، وكان بعضهم معرضا للجراحات، ولم تكن الشرطة تحفل بذلك، ولا تؤبه له. فقد أباح لها صاحب الملك، ووزير الداخلية أن تتصرف في هذا الملك كما تريد.
وصاحب الرقيق حر في أن يستغنى عن بعض هذا الرقيق فيعرضه للموت، أو يصب عليه العذاب، وما ينبغي لك ولا لي أن تعرض للقيسي باشا ولا أن تناقشه فقد يكون هذا فضولا، وقد يؤذينا القيسي باشا إلى ذلك فيعرضنا للخطر أو يسلط علينا العذاب وللوزارة فيما يظهر معذرة في هذا الطيش الذي دفعت إليه أول أمس، فأخرجها عن طورها، ودفعها إلى هذا الإسراف في العدوان فقد يقال إن رئيس الوفد هذا الذي كان الناس يحتفلون به أول أمس، لقي نائب المندوب السامي وأقام معه ساعة وبعض ساعة، وفي هذا اللقاء شبهات، وفي هذا الحديث مخاوف، وقد يكون لهذا الحديث وما بعده، وقد يكون من عواقب هذا الحديث أن يزول السلطان عن قوم لا يحسنون النهوض بأعباء السلطان، ولا سيما في هذه الظروف التي يشتد فيها الحرج وتشكل فيها الأمور، فإذا استؤنفت الصلات بين الوفد وبين دار المندوب السامي، وإذا ابتدأ اللقاء بين رئيس الوفد وبين ممثلي بريطانيا العظمى، وإذا اتصل الحديث بين رئيس الوفد وبين المسؤولين من الإنجليز، فمن المعقول جدا أن تفقد الوزارة كل تقدير للأمور وكل صواب في التفكير، وكل اعتدال في السيرة والعمل، ومن المعقول، أن تخرج الوزارة عن طورها وتؤدب المصريين لأنهم يحبون رئيس الوفد وتعذب المصريين لأنهم يسعون إلى لقاء رئيس الوفد، وتعرض المصريين للخطر، لأنهم يستقبلون رئيس الوفد، بما لم يظفر الوزراء بشيء عنه يبلغ العشر، أو يبلغ الواحد في المئة، أو يبلغ الواحد في الألف من الحب والإخلاص والوفاء.
الوزارة معذورة في هذه الآثام التي اقترفتها الشرطة لأن الأمور قد أفلتت من يدها فيما يظهر، ولكن من الذي زعم أن المصريين مكلفون أن يحتملوا نتائج ما تدفع إليه الوزارة من اليأس وسوء التقدير.
أما أن الوزارة كانت يائسة سيئة التقدير أول أمس خارجة عن طورها حقا، فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل، فقد كان الثلاثاء يوما من أيام مصر، فيه تحتفل الدولة والشعب بعيد صاحب الجلالة الملك وكان هذا اليوم أبغض الأيام للدماء، وأزهدها في العنف، ولكن الشرطة المصرية سفكت في هذا اليوم دم بعض المصريين، وما يصدر مثل هذا الأمر عن قوم يملكون صوابهم كله. جلالة الملك مريض لا تعرض عليه في هذه الأيام شؤون الدولة ولا يصدر الوزراء عن رأيه السامي فيما يعملون والبرلمان القائم مفرق، لا تسأله الوزارة ولا يشير عليها ولعل الوزارة تخافه وتقلق منه، والإنجليز يخاصمون الوزارة في هذه الأيام، وقد تحدثت الصحف بأنهم لم يشتركوا أول أمس كما تعودوا أن يشتركوا فيما كان من العدوان، وإذن فأمور المصريين إلى عشرة من الوزراء يتصرفون فيها كما يريدون هم لا كما يريد المصريون من الشعب، ولا كما يريد البرلمان وهم يبيحون للشرطة الاعتداء على المصريين وتهشيم رؤوسهم بالعصى، وتمزيق أجسامهم بالسياط، فهل يعرف الوزراء أن هذا الذي يقدمون عليه كريه وهل يقدر رئيس الوزراء وصديقه القيسي باشا ثقل ما يحتملان من التبعات؟.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/١٠/١١.