حديث الوادي
رحلة . . .
أما القسم الأول منها فقد تم صباح اليوم، بعد أن شهد المصريون والأجانب فيه ما يدعو أولئك وهؤلاء إلى التفكير الطويل، رأوا شعبًا ووزارة يختصمان في بلد يقال إنه ديمقراطي دستوري، ولا ينبغي أن يكون فيه الخصام بين الشعب والوزارة، وإنما ينبغي أن تنزل فيه الوزارة عند إرادة الشعب فتنفذ أمره، وتحقق آماله، وترعى منافعه وحرماته، أو تستقيل. ولكن المصريين والأجانب، مع هذا، رأوا خصومة بين الشعب والوزارة في بورسعيد، وخصومة مختلفة الألوان، متباينة الأشكال، فيها الجد الذي يدمي القلوب ويفطر الأكباد، وفيها الهزل الذي يرسم الابتسامات المرة على الثغور.
هذا الصراع بين الشعب والشرطة يسقط فيه الجرحى من الشعب والشرطة لشيء إلا لأن الإدارة تريد أن تتحكم في الناس، وتخضعهم لإدارتها، على حين لم توجد الإدارة لتتحكم ولا لتفرض إرادتها على الناس. ثم هذه الحيل الملتوية تلجأ إليها الوزارة من ناحية لتحول بين رئيس الوفد وبين ما يريد، ويلجأ إليها الشعب من ناحية أخرى ليظفر بما يريد برغم تحكم الوزارة وممانعتها إياه. يريد رئيس الوفد أن يزور الجرحى في المستشفى، فتأبى الوزارة عليه هذه الزيارة، فيصر رئيس الوفد على ما يريد فتضطر الوزارة إلى شيء من اللعب أقل ما يوصف به أنه غريب. تأمر بأن يُنقل الجرحى من المستشفى على عجل وتُخفي المكان الذي نقلوا إليه، حتى إذا ذهب الرئيس إلى المستشفى لم يجدهم فإذا سأل عنهم قيل إنهم نقلوا إلى مكان مجهول! والوزارة التي تضطر إلى هذا اللعب، وتلجأ إلى هذه الحيلة، تريد أن يؤمن الناس لها بالقوة وأن يستشعروا لها الهيبة، وأن يعترفوا لها بالبأس والسلطان. ولكن القوي لا يعبث حين يجب الجد، ولا يمكر حين تجب الصراحة، ولا يحتال حين تجب مواجهة الحقائق في حزم وعزم وإقدام. فالوزارة القوية المهيبة حقًا تخلي بين رئيس الوفد وبين زيارة المرضى في المستشفى، وماذا تخاف من هذه الزيارة وماذا تتوقع أن يكون حين يدخل رئيس الوفد إلى المستشفى ليزور من فيه من المرضى؟ والوزارة القوية المهيبة حقًا تمنع رئيس الوفد من زيارة المستشفى إذا استيقنت أن في هذه الزيارة شرًا. فأما هذا التردد والاضطراب بين الإذن والمنع، فأما هذا اللعب فيما لا يجب اللعب به، فأما هذا الاحتيال فيما لا يجب الاحتيال فيه، فأما خطف المرضى من المستشفى وإخفاؤهم في مكان مجهول، فكل
هذا لا يدل على قوة، ولا على هيبة، ولا على جد في الأمر، وإنما يدل على الضعف، والوهن، والالتجاء إلى المكر للفرار من المشكلات.
لعبت الوزارة مع الشعب، فلعب الشعب مع الوزارة، كما جدّت الوزارة مع الشعب، فجدّ الشعب مع الوزارة. ونظن أن الوزارة قد استيقنت الآن أنها واجدة عند الشعب ما يريد، إن جدًا فجد، وإن هزلًا فهزل. أراد الشعب أن يصحب الرئيس إلى مقابر الشهداء، فأبت عليه الوزارة ذلك، فاحتال واصطنع تشييع جنازة ومضى في تشييعها حتى انتهى إلى المقابر، وهناك تم له ما كان يريد من مشاركة الرئيس في تحية الشهداء. والمقطم هي التي تروي هذا النبأ، لا صحف الوفد. ومن كان في حاجة إلى أن يضحك من لعب الوزارة، ومن مجاراة الشعب لها في هذا اللعب فليضحك. أما نحن فنرى هذا محزنًا حقًا، لأنه يدل على أن الصلة بين الوزارة والشعب قد أصبحت عرضة للفكاهة والتندر، وحسبك بهذا شرًا ونكرًا.
ومهما يكن من شيء فقد زار رئيس الوفد وأصحابه بورسعيد وعرف الشعب في هذه المدينة كيف يُكره الوزارة على أن تعترف بأنه موجود وبأنه يحب الوفد ولا يحبها، وبأنه يؤيد الوفد ولا يؤيدها، وبأنه يعرف كيف يصبر للملمات، وكيف يصل إلى ما يريد. وارتحل رئيس الوفد عن بورسعيد صباح اليوم، وقد قامت الحجة، وما زالت قائمة، ونهض الدليل وما يزال ناهضًا، وتبين الأغبياء قبل الأذكياء، أن سلطان الوفد على قلوب المصريين أقوى وأوسع وأعمق وأثبت من أن يطمع فيه الطامعون. وهذا رئيس الوفد يسلك طريقه إلى الإسماعيلية ثم إلى الشرقية، والحجة قائمة والأدلة ناهضة هنا وهناك، على أن الوزارة وجِلة، قد ألهاها الوجل عن جد الأمر، فزعة، قد صرفها الفزع عن الصواب. ما هذا؟ ما التحكم الغريب الذي يظهره السلطان في الزقازيق والذي تعجز الألسنة والأقلام عن وصفه؟ متى اشترت الوزارة أهل الشرقية واتخذتهم لها عبيدًا تُصَرِّف أمرهم ووجهتهم على هذا النحو الذي لا يلائم منطقًا ولا تفكيرًا مستقيمًا؟ أيريد أهل هذه المدينة أن يقيموا سرادقًا لاستقبال الرئيس فتأبى الوزارة عليهم ذلك معتزة بقانون الاجتماعات. يريد أهل هذه المدينة أن يسعوا لاستقبال الرئيس في المحطة، فتأبى الوزارة أن تبيح هذا السعي إلا لعشرة من ألوف. يريد أهل هذه المدينة أن يقيموا مأدبة خاصة للرئيس، فتأبى الوزارة إلا أن تتحكم في عدد الذين يحضرون المأدبة وفي أشخاصهم. لا ينبغي أن يزيد العدد عن كذا ولا ينبغي أن يحضر المأدبة إلا من تأذن
الوزارة له بالحضور. يريد أهل المدينة أن يزور الرئيس وجوههم وأصحاب المكانة فيهم، فتأبى الوزارة إلا أن تعرف من يزور الرئيس لتأذن بالزيارة أو ترفضها. ثم تأبى الوزارة إلا أن يحدد لها أهل المدينة الطريق التي سيسلكها الرئيس حين يذهب في المدينة ويجيء وأن يعطوا على أنفسهم عهدًا ألا تتغير هذه الطريق مهما تكن الظروف.
كلام يُعجِب ويُلهي لو أننا نقرؤه في أحاديث ألف ليلة وليلة، وهو يدعو إلى العبرة والعظة، لو أننا نقرؤه في بعض كتب التاريخ التي تصور عصور الظلم والاستبداد، ولكنه يُحزِن ويثير حين نعلم أنه يصور ما تأتيه الوزارة الآن في إقليم من أقاليم مصر في القرن العشرين، وفي ظل النظام والقانون والدستور. وما الذي كان يصنعه وزير الداخلية بأهل الشرقية لو أنه اشتراهم، واشترى أرضهم، وسار فيهم وفي أرضهم سيرة المالك فيما يملك؟ أليس غريبًا أن يقال إن مصر بلد متحضر، وأن هذا البلد قد أصبح جزءًا من أوروبا، وأنه يعيش في عصر الحرية والنور، وأن وزير الداخلية مع ذلك يتحكم في أهله على هذا النحو الذي ليس إلى وصفه ولا إلى فهمه من سبيل؟!
على من تقع تبعة هذا التحكم؟ ومن الذي ينبغي أن يُسأل عن هذا العسف؟ أهم الوزراء المصريون وحدهم؟ فما نظن أنهم كانوا يقدرون على ذلك، أو على بعض ذلك، لو لم تكن لهم قوة يأوون إليها ويعتزون بها. أهم الموظفون الإنجليز، والمحتلون الإنجليز؟ فما نظنهم كانوا يقدرون على ذلك أو على بعض ذلك، لو لم يكن لهم أعوان من المصريين يُتمّون لهم ما يبدأون، وينفذون لهم ما يرسمون. إنما يُسأل عن هذا التحكم في شعب حر، وعن هذا الإذلال لشعب عزيز، هؤلاء المتعاونون المتضامنون من المصريين الذين لا يرعون لبلادهم إرادة، ولا يقدرون لشعبهم مشيئة، ومن الإنجليز الذين لا يكادون يتركون بلادهم إلى قصر حتى يتركوا فيها كل احترام للحق، وكل إكبار للعدل، وكل اعتراف يحق للشعوب في أن تعيش حرة في بلادها. فما أجدر المصريين أن يفكروا في هذا كله، وأن يروه، فقد ينفعهم هذا التدبر وقد يُعلّمهم هذا التفكير.
طه حسين
الوادي، ١ أغسطس ١٩٣٤.
Tag: civil liberties
-
رحلة
-
تحكم
حديث الوادي
تحكم…
ليس على الأمن ولا على النظام خطر قليل أو كثير، من أن يزور زعماء مصريين مدنًا مصرية مهما تكن، إذا عرفت الشرطة والمشرفون على أمرها كيف تلزم الحيدة التامة، فلا تعرض للناس بالشر، ولا تمسهم بالأذى، ولا تصادر حقهم الطبيعي المقدس، في أن يمشوا على أرضهم أحرارًا، ويتنفسوا في جوهم أحرارًا، ويلقى بعضهم بعضًا أحرارًا، وآية ذلك أن رئيس الوفد قد زار بنها منذ أسابيع، وزارها في فرصة دقيقة أشد الدقة، حرجة أشد الحرج، تمتلئ فيها النفوس بالظنون المختلفة وتنطلق فيها الألسنة بالأحاديث المتباينة، وتحتشد فيها الجماعات من المدن والقرى القريبة والبعيدة، واستخفت الشرطة في ذلك اليوم فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم يكلم أحد من الناس كلمة، وعاد رئيس الوفد من زيارته لا بأس عليه، ولا بأس على أحد من الناس.
فالشر إذن لا يأتي من زيارة الزعماء للأقاليم، ولا من تنقل الزعماء بين المدن والقرى، وإنما يأتي من تحكم الإدارة في الناس، وتسلطها عليهم، وأخذها إياهم بما لا ينبغي أن تأخذهم به، من ألوان الشدة والعنف، ومن فنون القسوة والطغيان.
من الذي يبيح للإدارة أن تأمر المصريين بأن يسعوا على قطعة من أرض مصر دون قطعة أخرى، وبأن يسلكوا طريقًا من طرق مصر، دون طريق أخرى ولم يتبين أن هناك خطرًا محققًا أو مرجحًا من أن تترك الحرية للمصريين يسعون على الأرض المصرية كما يشاءون يسلكون من الطرق المصرية ما يشاءون؟ من الذي يبيح للإدارة أن تقسم مدينة مصرية إلى قسمين، وأن تفصل بين هذين القسمين فصلًا؟ وتحظر على الناس أن ينتقلوا من أحدهما إلى الآخر إلا بإذن خاص منها، تمنحه حينًا وتمنعه أحيانًا؟ لقد تحدثت الصحف، والصحف الموالية للوزارة خاصة، بأن الإدارة في بورسعيد منعت الانتقال من حي العرب إلى حي الفرنج إلا بإذن، وأعطت الموظفين الذين يقيمون في حي العرب ويعملون في حي الإفرنج جوازات خاصة ينتقلون بها من حي إلى حي، ويجوزون بها هذه النطاقات العسكرية التي أقامتها الشرطة بأمر الإدارة في بورسعيد.
ففيمَ هذا كله؟ ولمَ هذا كله؟ ومن الذي زعم للإدارة وللوزارة أن أحد القسمين في بورسعيد قد أعلن الحرب على القسم الآخر وأنها مكلفة أن تحول دون وقوع هذه الحرب، وأن تحمي المصريين من المصريين، أو أن تحمي الأجانب من المصريين؟ من الذي أباح لرئيس من رؤساء الشرطة أن يضرب ذلك الرجل الذي كان يسوق سيارة رئيس الوفد لأنه خالف عن أمر الإدارة وسلك طريقًا غير الطريق التي رسمت له؟ ومتى كان من حق الشرطة أن تعاقب الناس وأن تعاقبهم بالضرب؟ وإذا أبيح للشرطة أن تعاقب الناس لأنهم خالفوا عن أمرها، وأن تستبيح أجسامهم للعصي والسياط، ففيمَ النيابة وفيمَ القضاء؟ ومع ذلك فصحف الوزارة نفسها هي التي تنبئنا بأن رئيسًا من رؤساء الشرطة قد ضرب هذا السائق أمس، ولم يضربه وهو يخالف الأمر ليرده إلى الطاعة، وإنما ضربه بعد أن تمت هذه المخالفة. ضربه عقوبة له، وليس من حقه أن يعاقبه، وإنما حقه أن يخاصمه إلى القضاء.
والمصريون ليسوا قطعانًا، وليسوا أرقاءً، وهم لا يرضون أن يعاملوا على أنهم قطعان أو أرقاء، وهم لا يرضون أن تتحكم فيهم الإدارة على هذا النحو وأن تبيح لهم بعض الأرض، وتحظر عليهم بعضها، وأن تبيح لهم بعض الجو، وتحظر عليهم بعضه. وأن تعاقبهم بالضرب في غير محاكمة، ليس المصريون قطعانًا ولا أرقاء، ولكنهم ناس أحرار قد ضمن لهم الدستور حريتهم، فمن الطبيعي ومن المعقول ومن الحق لهم، أن يشمئزوا من الضيم، ويمتعضوا من الذل. ويأنفوا من أن يكونوا قطعانًا أو عبيدًا يؤخذون بالعصي والسياط فيزدادوا حبًا في زعمائهم الذين يمهدون لهم طرق الكرامة والعزة، ويزدادوا إعراضًا عمن يأخذونهم بالمهانة والمذلة.
إن من المؤلم أن تحدث الحوادث التي تفسد لها الصلات بين الشرطة والناس، ولكن تبعة هذه الحوادث يجب أن تنهض بثقلها أولئك الذين يغرون الشرطة بالناس، ويسلطونها عليهم، ويتحكمون فيما ليس لهم أن يتحكموا فيه. متى يعلم الحكام أن الله لم يأذن لهم، وأن القانون لم يأذن لهم في أن يفهموا الحكم على هذا النحو الذي يفهمون، فالحكم في هذه الأيام خدمة للشعب لا تحكم فيه، ولا استطالة عليه. وهو خدمة للشعب كله لا تفريق فيه بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ممتاز وسوقة، لأن القانون لا يعرف إلا شيئًا واحدًا وهو أن المصريين جميعًا سواء، وأن الفروق
بينهم قد ألغيت منذ عهد بعيد أمام السياسة وأمام الإدارة وأمام القضاء. فالذين يفرقون بين الأغنياء والفقراء آثمون في حق القانون، والذين يفرقون بين الممتازين ومن يسمونهم الرعاع أو الغوغاء آثمون في حق القانون، فنفس المصري مهما يكن محترمة، وجسم المصري مهما يكن محترمًا، لأنه مصري وكفى. وإذن فما ينبغي للإدارة أن تصد مصريًا مهما يكن عن أي عمل مشروع، أو عن أي استمتاع مباح لحقه الطبيعي في حريته التي يقدسها الدستور. إن الذين يؤيدون الوزارة القائمة ويذودون عنها يسيئون إليها وإلى أنفسهم وإلى أمتهم، وإلى سمعة بلادهم، حين يذكرون الرعاع والغوغاء، وحين يذكرون الصبيان والبائسين في هذا الازدراء الآثم. فكل هؤلاء مصريون لهم نفس حقوق الوزراء، والوزراء لم يتولوا الحكم ليخدموا فريقًا من المصريين دون فريق. وإنما تولوه ليخدموا المصريين جميعًا، وفيهم هؤلاء الذين يسمونهم الرعاع والغوغاء. وآية ذلك أن هؤلاء الرعاع والغوغاء، يستمتعون بالحقوق السياسية التي يستمتع بها الوزراء أنفسهم والقانون يعصم دماءهم، ويرعى كرامتهم وحقوقهم، كما يعصم دماء الوزراء، وكما يرعى كرامتهم وحقوقهم، وأنه لمن الخزي حقًا أن يفرق المصريون بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، فيما يجب لهم من حماية الحقوق وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات في بلد يزعم أنه ديمقراطي، وفي عصر يقال إنه عصر الحرية واحترام حقوق الإنسان.
إذا كان لخصوم الوزارة القائمة أن يفخروا بشيء فهو أنهم أصدقاء المصريين جميعًا، والذائدون عن حقوق المصريين جميعًا، يرعون فقراءهم قبل أغنيائهم، لأنهم أحق بالرعاية، ويحمون ضعفاءهم قبل أقويائهم لأنهم أجدر بالحماية، فالذين يعيبون رئيس الوفد لأنه زار حي العرب وفيه من يسمونهم بالرعاع والغوغاء، خليقون بأن يعيبوا أنفسهم بهذا الخزي الذي يتورطون فيه.
أما بعد فقد نحب أن ننصح للوزارة القائمة للمرة الأولى أو الثانية بعد الألف أو الألفين أو الآلاف بأن تفهم الحكم على وجهه، وأن تخلي بين المصريين وأرض مصر، وأهل مصر، وألا تتحكم ولا تستطيل، وألا تظن أن الشرطة ملك لها فليس حقها على الشرطة بأعظم من حق الوفد. ونؤكد للوزارة القائمة أنها إن فهمت الحكم على وجهه، وأدت الواجب كما ينبغي أن يؤدي، فلا بأس على الأمن، ولا خوف على النظام، ولا اصطدام بين الناس والشرطة، ولكن الوزارة تخاف من زيارة الوفد للأقاليم. فهي تأبى إلا
أن تمنعها فإذا لم تستطع منعها فهي تأبى إلا أن تفسدها بهذا التحكم الذي يثير الضغائن وينفر النفوس.
طه حسين
الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤. -
اسبوع
حديث الوادي
أسبوع…
ستقصر أيامه فيما يظهر، وستطول لياليه؛ لأن رئيس الوفد قد أخذ يزور فيه بعض الأقاليم، فسيظل وزير الداخلية معلقًا بالتليفون بياض النهار، مفكرًا فيما كان وما سيكون سواد الليل. ويزيد هذا الأسبوع مشقة وعسرًا أن رئيس الوفد لم يكن رحيمًا ولا رفيقًا، فهو قد اختار الرحلة إلى بورسعيد، وإلى إقليم الشرقية، ولما تمضِ على ظهور الحركة الإدارية أيام يستطيع وزير الداخلية فيها أن يستريح من هذا العناء الثقيل الطويل، الذي أفنى نفسه به أشهرًا متصلة. ولو أن رئيس الوفد كان رحيمًا رفيقًا، لانتظر برحلته هذه حتى يستريح الوزير من عناء هذه الحركة الثقيلة العنيفة، وحتى يسترد قواه كاملة، ونشاطه موفورًا، ليفرغ لهذه الرحلة وما ستفرض عليه من أثقال، وما تكلفه من عناء.
ولكن رئيس الوفد سيعلم أن وزير الداخلية رجل لا تعيبه الشدة، ولا يضنيه الجهد، ولا يؤخذ على غرة، وإنما هو رجل قوي مهما يكن ضعيفًا، نشيط مهما يكن فاترًا، مستريح مهما يكن متعبًا، ينام بإحدى مقلتيه وينظر بإحداهما الأخرى في أعماق الجو، وآفاق السماء، وأقطار الأرض، ليرى من أين تأتيه الأحداث، ومن أين تسعى إليه الخطوب.
والشرطة بحمد الله مستعدة، والإدارة بحمد الله متأهبة، فما هي إلا أن يصدر الأمر حتى يلتئم المتشعب ويجتمع المتفرق، وإذا الثغر الثاني من ثغور مصر قد أصبح مدينة من مدن الحرب، ينتشر فيها الجند، وتنبت فيها الشرطة، ويرتفع فيها العجيج والضجيج، وتسمع فيها قعقعة السلاح، ويضطرب في جوها صهيل الخيل، ويعلم المصريون من أمرها أنهم أحرار، ولكن بمقدار، وأنهم في بلادهم، ولكنهم لا يملكون أن يستقبلوا من يحبون كما يحبون، ويعلم الأجانب من أهلها أن ليس عليهم بأس من أن يهزأوا بالمصريين، ويسخروا منهم، ومن أن يستذلوهم ويستغلوهم، فهم قوم يحسبون أنفسهم أحرارًا، وما أقل حظهم من الحرية، ويرون أنفسهم أعزة، وما أقل حظهم من العزة، ويزعمون أنهم مستقلون، وما أبعد الأمر بينهم وبين الاستقلال. ولو كانوا أحرارًا أو أعزة، أو مستقلين، لما أخذت المدينة عليهم من أقطارها، ولما أحاط بهم الجند والشرطة كما يحيط السوار بالمعصم، ولما تغلغل الجند المسلح في أحشائها، كما يتغلغل المرض في أحشاء المريض، لا لشيء إلا لأن زعيم مصر يريد أن يزور مدينة من مدن مصر، ولكن وزير الداخلية يقظ، والجند يقظ معه، والشرطة متأهبة والقوة مواتية، ومن الحمق أن تكون قويًا ولا تظهر القوة، وأن تكون يقظًا ولا تظهر اليقظة، وأن تكون ذا بأس وتستر بأسك عن أن تراه العيون.
ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه وزير الداخلية ورئيس الوزراء: ماذا كان يصنع وزير الداخلية، بل ماذا كانت تصنع الوزارة كلها، لو أن داعيًا من بورسعيد دعا المندوب السامي لزيارة بورسعيد، وخطر له أن يقيم له السرادقات ويحشد له الناس، يستقبلونه هاتفين مصفقين؟ أكانت تحشد الشرطة؟ أكان يعبأ الجند؟ أكان يعتقل الناس مئات ويحشرون في السجون حشرًا؟ أكان يصدر الأمر إلى التجار أن يغلقوا متاجرهم؟ أكان يصدر الأمر إلى الناس أن يلزموا دورهم؟ أكانت مدينة من مدن القطر تؤخذ بالحكم العرفي، في غير قانون، وفي غير ما يدعو إلى أخذها بالحكم العرفي؟ كلا. لقد كان المندوب السامي البريطاني يزور قرية من قرى الأقاليم، فيضيفه الوزير، ويستقبله المدير، ويحشد الناس له حشدًا، وتمهد الأرض لطيارته تمهيدًا. يا لسخرية الأيام!…
لقد كان المصريون يظنون أن أرض مصر ملك لهم، يستطيعون أن يذهبوا عليها ويجيئوا، وأن جو مصر ملك لهم، يستطيعون أن يتنفسوا فيه أحرارًا، فأظهرت الأيام أن أرض مصر ملك لوزير الداخلية، يبيح السعي عليها لمن يشاء، ويحظره على من يشاء، وأن جو مصر ملك لوزير الداخلية يبيح التنفس فيه لمن يشاء ويحظره على من يشاء. وأن المصريين جميعًا خاضعون لوزير الداخلية، يصرفهم كما يحب، ويدبر أمرهم كما يريد، يأذن لهم بالاستقبال فيستقبلون، ويحظر عليهم الاستقبال فيمتثلون. فمن هم منهم إلا يطيع اعتقلته الإدارة خوفًا عليه لا خوفًا منه، فالإدارة لا تخاف من شيء ولا تخاف من أحد، ولكنها تعتقل المصريين مخافة أن يخالفوا أمر الوزير فيستقبلوا وقد نهاهم عن الاستقبال، ويهتفوا وقد حرم عليهم الهتاف، ويصفقوا وقد حذرهم من التصفيق، ويتعرضوا من أجل ذلك للتحقيق ثم للمحاكمة! ووزير الداخلية رجل يحسن الاحتياط، فهو يتهيأ للخطر قبل وقوعه، لا في بورسعيد وحدها، بل في الشرقية أيضًا، فلا بد من أن يستعد هذا الإقليم استعدادًا عسكريًا حافلًا لهذه الموقعة التي ستكون يوم الخميس.
لرئيس الوفد أن يزور الشرقية، ولكن ليس للوفديين أن يستقبلوه، يستطيع أن يزورهم في دورهم إن أراد، على أن تحيط به قوة الحكومة لتحميه من الناس الذين لا يحبونه، ولا يريدون زيارته! فأما أن يجتمع الوفديون للقاء زعيمهم فهذا شيء لا يرضاه الوزير، ولا يقره المدير، ونعود فنسأل: ماذا كان يصنع الوزير وماذا كان يصنع المدير لو أن داعيًا من أهل الشرقية دعا المندوب السامي لزيارته وأراد أن يقيم له سرادقًا وأن يحشد له المستقبلين؟ أكان ينفذ فيه قانون الاجتماعات؟ أكان يمنع من إقامة السرادق؟ أكان يحظر عليه حشد الناس؟ كلا! إنما كانت الأرض تمهد والسرادق يقام، والمحافظ يسعى على رأس المستقبلين.
يجب أن يفطن المصريون، فإن مصر فيما يظهر ليست خالصة لهم، يجب أن يفيق المصريون، فإنهم فيما يظهر لم يخلقوا ليستمتعوا بأيسر مظاهر الحرية في بلد يزعم أنه حر، وأن أموره ينظمها الدستور، وإنما خلقوا ليقيم وزير الداخلية في الإسكندرية ويدير من هناك ما يبيح لهم وما يحظر عليهم، يستشير في ذلك رأيه هو، وإرادته هو، وقد يستشير في ذلك رأي الإنجليز، وإرادة الإنجليز.
نعم يجب أن يفيق المصريون وأن يفطنوا، فوزير الداخلية حر في أن يرى ما يشاء، ولكن المصريين أيضًا أحرار في أن يستقبلوا ما يشاؤون كما يشاؤون، والقانون وحده هو الحكم بينهم وبين وزير الداخلية فيما يمكن أن يشجر بينهم من خلاف.
إن من حق زعيم المصريين أن يزور المصريين متى شاء، وأين شاء، وحقه في ذلك أعظم ألف مرة ومرة من حق المندوب السامي البريطاني. وإن على الذين يبثون العقاب في سبيل رئيس الوفد، ويقيمون الحوائل بينه وبين الناس، على حين يمهدون الأرض للمندوب السامي، ويخلون بينه وبين الناس، ويفتحون له بيوت الوزراء، من الحق على هؤلاء أن يتدبروا، وأن يتفكروا، وأن ينظروا في العواقب، وأن يسألوا الضمائر، فإن الشعوب لا تؤخذ بهذا النحو من العنف في هذه الأيام…
طه حسين
الوادي، ٢٩ يوليه ١٩٣٤. -
وإذن٢
حديث الوادي
وإذن…
وإذن فماذا أصاب الأمن أمس؟ وماذا أصاب النظام؟ ولأي خطر تعرض سلم المصريين والأجانب حين كفت الوزارة شرطتها وجندها، عن الشعب فأظهر الشعب رأيه حرًّا، وأدّى الشعب واجبه كريمًا واستمتع الشعب بحقه، لا معتديًا، ولا متجنيًا، ولا محاولًا التجني أو الاعتداء. لقد كان الشعب أمس سيدًا في إقليم القليوبية، سيدًا كامل السيادة، لم يبسط عليه السلطان ظلمًا ولا بطشًا، ولم يعرض له السلطان بممانعة ولا مصادرة، فأظهرت نفس الشعب مكنونها، وانجلت نفس الشعب عن حقيقتها، وظهر ضمير الشعب صفوًا كله، ونقاء كله، وطهرًا كله، لا إثم فيه، ولا ميل إلى الإثم، لا عدوان فيه، ولا جنوح إلى العدوان، لا تمرد فيه، ولا طموح إلى التمرد. إنما هو الإيمان الصادق بالحق، واليقين الصادق بالواجب، والحرص الصادق على الكرامة، والوفاء الصادق للأوفياء. خصال كلها شرف ونبل، خصال كلها أمن وسلم، خصال كلها بر وخير. ففيم تحارب الوزارة هذه الخصال، وفيم تقاوم الوزارة هذه الخلال، وفيم تريد الوزارة أن تمنع هذا النور من أن يسطع، وأن تكف هذا الجلال عن أن يظهر، وأن تصد سيادة الشعب عن أن تبسط سلطانها على نفوس الشعب، وتظل بجناحها الرحيم الأمين أرض الوطن؟
وإذن فما نفع الوزارة وما فائدتها في أن تحارب هذه الأخلاق الكريمة، وهذا الشعور النقي، وهذه الحرية الوضاءة الآمنة، وفي أن تكره هذا الشعب على أن يكون ذليلًا، وهو لم يخلق للذلة، وعلى أن يكون عبدًا وهو لم يخلق إلا ليكون حرًّا مستقلًا أبيًّا كريمًا.
نعم وإذن نقولها مرة ومرة، ونعيدها اليوم وغدًا وبعد غد، وقد قلناها أمس وقلناها قبل أمس، سؤال نلقيه على أنفسنا، ونلقيه على الناس، ونلقيه على الطبيعة لو تجيب الطبيعة، فيم مقاومة الشعب، والشعب لا يرضى أن يذل. وفيم مصادرة الشعب والشعب لا يبتغي إلا الخير، وفيم محاربة الشعب، والشعب لا يريد بأحد شرًّا، ولا يرضى أن يريد به أحد شرًّا؟
نعم، وإذن كلمة نقولها للقيسي باشا اليوم، وقد قلناها له أمس، وقلناها له ولغيره قبل أمس، فلم نظفر لها بجواب، وإنما هو الصمت الذي يحرج أصحابه، ويقيم عليه الحجة، ويثبت عليهم الإسراف فيما يقولون إن قالوا، وفيما يعملون إن عملوا، ويثبت عليهم العجز والانقطاع حين لا يقولون ولا يعملون.
هذه عشرات الألوف قد اجتمعت أمس في مدينة بنها تشيع رجلًا كريمًا، مات وهو يؤدي واجبًا كريمًا. اجتمعت صادقة العزم خالصة النية، قادرة للواجب، مؤمنة بالحق، مقدسة للوطن، واثقة بالزعماء، فماذا أصاب مصر من اجتماعها؟ وماذا أصاب الأمن من احتشادها؟ وماذا مس النظام من التفافها حول زعمائها الأوفياء؟
أسئلة نلقيها اليوم كما ألقيناها في كل فرصة، وستمر بآذان الوزراء اليوم كما مرت بآذانهم من قبل، فلا تدخلها ولا تصل إلى قلوبهم، لأن الوزراء لا يريدون أن يسمعوا لها، أو لا يستطيعون أن يسمعوا لها، هم في شغل بالحكم والسلطان، وباستبقاء الحكم والسلطان في أيديهم، فهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن يسمعوا لكلمة الحق، وهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن ينظروا إلى نور الحق، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يسمعوا، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يروا، لما ثبتت أقدامهم حيث تثبت ولما استقرت أجسامهم حيث تستقر الآن من كراسي الحكم ولآثروا راضين أو كارهين، أن يعودوا إلى دورهم، فيستمتعوا فيها بما ينبغي لمثلهم أن يستمتع به، من الراحة والهدوء والعناية بالحياة الخاصة والانصراف عن الحياة العامة والإعراض عن تصريف الأمور لأنهم لم يهيأوا لتصريف الأمور. إنما يصرف أمور الشعب من يحبه الشعب، إنما يدير منافع الشعب من يثق به الشعب، إنما يؤتمن على حقوق الشعب من لا يضيع حقوق الشعب، ولا يصادر حريته، ولا يحاول إكراهه على الذلة، ولا إخضاعه للبطش، إنما يقوم على حكم الشعب من إذا قال سمع له الشعب في غير خوف، ومن إذا عمل اقتدى به الشعب في غير إكراه، ومن إذا أقبل احتشد له الشعب في غير دعاء، ومن إذا انصرف شيعه الشعب، في غير طاعة للعصي، ولا خوف من السوط. نعم وإذن، فما حجة الوزارة فيما تصب على الناس من العذاب، حين يريدون أن يستقبلوا رئيس الوفد أو يودعوه، وما حجة الوزارة فيما تهدر من حقوق الناس وحرياتهم وكراماتهم حين يريدون أن يظهروا لرئيس الوفد أنهم يوفون بالعهد ولا يحنثون في الإيمان ولا يفرطون في الحق، ولا يقصرون في أداء الواجب، ولا يبيعون الوطن بثمن قليل، ها هم هؤلاء قد استقبلوا رئيس الوفد أمس
عشرات من الألوف، فقالوا ما كانوا يريدون أن يقولوا، وأدوا ما كانوا يريدون أن يؤدوا، وانصرفوا موفورين لم يسفكوا دمًا، ولم يقترفوا إثمًا، ولم يعرضوا أمنًا لخطر، ولم يمسوا نظامًا بفساد، وإذن فهل يستطيع الوزراء وأعوانهم، أن ينكروا أنهم يعبثون أشنع العبث في هذا التمثيل الذي يأتونه ويسخرون له الشرطة والجند، ويحرجون به الصدور، ويخالفون به القانون والدستور، كلما ذهب رئيس الوفد أو جاء؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن العبث لا يلائم الحكمة، ولا يليق بالحكماء، ولا بالذين يحسنون التفكير، وأن المضي في العبث لا يدل على استقامة المنطق، ولا على صواب الرأي، ولا على تحري المنفعة، وإنما يدل على أشياء نحب أن يرفع الوزراء أنفسهم عنها؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن ما حدث أمس يقيم الأدلة الناصعة للذكي والغبي معًا على أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبطشون في غير مقتض للبطش، ويحتاطون في غير موجب للاحتياط، وعلى أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبقون في الحكم، والشعب لا يحب لهم ولا يحب منهم أن يبقوا في الحكم، وما الذي منع الوزارة أمس من أن تعرض لهذا الشعب الضخم بالأذى ومن أن تصده عن الاجتماع وترده عن الاحتشاد؟ أهو الخوف أم هي الحكمة؟ فإن يكن الخوف فما لها خافت أمس، وما لها لا تخاف كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ وإن تكن الحكمة فما لها اصطنعت الحكمة أمس، وما لها لا تصطنع الحكمة، كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ أم هو اضطراب الرأي واختلاط الأمر، والعجز عن التدبير، والقصور عن استكشاف السيرة التي تلائم المنطق والمنفعة واستقامة التفكير؟
إن الدرس الذي ألقته الوزارة أول أمس على الناس كان مثيرًا للحزن والأسى ومحرجًا للصدور والنفوس، وإن الدرس الذي ألقته الأمة أمس كان مثيرًا للرضا معزيًا عما أصاب الصدور والنفوس من حرج، مثبتًا لمن يريد أن يفهم أن مصر بعيدة كل البعد عما يظن بها من اليأس وعما يراد بها من الذل، وعما ينتظر لها من الضعف والاستسلام.
فهل يستطيع الإنجليز أن يفهموا هذين الدرسين، وأن يوازنوا بين نتيجتيهما، وأن يجنوا لأنفسهم من هذه الموازنة ومن ذلك الفهم ما ينبغي أن يجنوه من الثمرات؟
طه حسين
الوادي، ١٠ يوليو ١٩٣٤. -
تنفيذ
حديث المساء: تنفيذ
طه حسين
كوكب الشرق
٢٤ أبريل ١٩٣٤
أما أن أحكام القضاء تصدر لتنفذ، ولتنفذ في غير هوادة من السُّلطان الذي يجبُ عليه التنفيذ، وفي غير مَطْلٍ من الذين صدرت عليهم الأحكام، فذلك شيءٌ لَا شَكَّ فيه ولا مراء، ولا ينبغي أن يتناوله بالبحث رجل مُثقف أو غير مثقف ما دام يعيش في بلد مُتحضر، تحكمه النظم والقوانين.
وأما أن هذه الأحكام تصدر أثناء الساعة الثالثة، ثم تنفذ قبل أن تنتهي الساعة السابعة مع أنَّها لا تقضي بالسجن ولا بشيء يُشبه السجن، وإنما تفرض غرامة من الغرامات وتفرضها على جماعة معروفين، لم يتحدث الناس عنهم في يوم من الأَيَّام ولم يَأْخُذهم السُّلطان نفسه في وقت من الأوقات بِأَنَّهُم ماطلوا الحكومة بدَين أو التووا عليها بحق من الحقوق، فهذا هو الذي يحتاج إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل؛ لأنه يحتاج إلى شيء من الشرح والتفسير، لا ندري كيف يكون الوصول إليه.
فمن المحقق أنَّ الكُتَّاب الذين قَضَتْ عليهم محكمة الجنايات أمس بالغرامة قوم مَعْرُوفون، ونظن أَنَّهُم قوم لا يخشى منهم أن يهربوا من مصر، ولا أن يُهاجروا من الأرض؛ فرارًا بهذه الغرامات التي فرضها عليهم القضاء، وإِشفاقًا من تأديتها إلى السلطان أو التواء بها عليه.
ومن المُحَقَّق أيضًا أنَّ هؤلاء الكُتَّاب يكتبون في صحيفتين لكل واحدة منهما تأمين في يد الحكومة، يعدل أضعاف ما فرضه القضاء من الغرامة. فهم إن ساءت أخلاقهم فجأة، وفسدت ذِمَمُهم فورًا وهيئوا لأنفسهم الهرب من وجه النِّيابة التواء بهذه الغرامات مُضمونون بهذا التأمين الذي أودعته الصحف خزانة الحكومة. ونظن — ولعَلَّنا نقطع — بأنَّ هذا التأمين إِنَّما اقتضته الحكومة من الصحف لمثل هذه الظروف، فقد يُقَالُ — وعلم هذا عند الحكومة وعند النيابة وعند أساتذة القانون — قد يُقال: إنَّ هُنَاك نَصًّا في قانون المطبوعات يَقضي بأنْ تستوفى مثل هذه الغرامات من التأمين على أنْ تُكمله الصحف التي قضي عليها في خمسة أيام، فإن لم تفعل حيل بينها وبين الصدور.
وإذن، فقد يظن أيضًا أنَّ الأَحْكَام التي أَصْدَرَها القَضَاءُ أمس على كتَّاب «السياسة» و«الكوكب» لم يكن شك في إمكان تنفيذها دون تقصير من السلطة ودون تلكؤ من الكتاب؛ لأنَّ شخصية هؤلاء الكتاب أولًا تعصمهم من أن يلتووا بأحكام القضاء، ولأن لدى الحكومة من أموال الصحيفتين ما يضمن تنفيذ هذه الأحكام. ومع ذلك فَقَد كَانَ أمس ما لم يكن يقدره أحدٌ من هؤلاء الكتاب، وما لم يكن يقدره أحد من الناس.
كان أن ذهبت الشرطة في شكل رائعٍ رَهِيبٍ إلى دار الأستاذ حفني بك محمود تطالب بالتنفيذ وبالتنفيذ السَّريع، تُطَالِبُ بِأَدَاءِ الغَرَامَةِ فَورًا في غير تَرَيُّث ولا انْتِظَارٍ، قبل أن تتم الساعة السابعة. وكان أنْ خُوطِبَ كَاتِبُ هذا الفصل بالتليفون يطالب بتأدية هذه الغرامة فورًا قبل أن تتم الساعة السابعة، فإن لم يفعل اتخذت الإجراءات.
وقد أُدِّيتِ الغراماتُ قبل الساعة السابعة كما أرادت النيابة، ولم يقضِ واحد من هؤلاء الكُتَّاب ليلة في السجن، ولم تقتحم على واحد من هؤلاء الكتاب داره، ولم يرَ الناس واحدًا من هؤلاء الكتاب تقوده الشرطة إلى السجن؛ لأنَّه أَبْطَأَ في تنفيذ أحكام القضاء أو تلكأ في هذا التنفيذ، أو التوى من هذه الغرامات بقليل أو كثير.
أعترف بأني حملت نفسي كثيرًا من الجهد في فَهْم هذا النوع من أنواع الاستِعْجَال، وهذا اللون من ألوان التنفيذ، فلم أجد إلى ذلك سبيلًا، ويظهر أَنِّي لم أكن وحدي أحتمل هذا الجهد، وأتكلف هذا البحث، وإنما كان يُشاركني فيهما كثيرون. وهب واحدًا من هؤلاء الكتاب لم تكن قد تهيأت له الظروف في هذه الساعات القليلة ليستحضر مقدار الغرامة والأزمة قائمة والحمد لله، لم يفرجها وزير المالية، ولم يحلها الرجل الطيب ببركته وكفايته النادرة، والمصارف مُغْلَقَةٌ بَعْدَ الظهر إلا ساعة واحدة هي التي تلت صدور الحكم.
هَبْ هؤلاء الكتاب جميعًا أو واحدًا منهم لم يتهيأ له مقدار الغرامة مساء أمس، ماذا كانت تصنع به النيابة؟ أكانَتْ تَقْذِف به في غيابات السجن ليلة؛ ليذوق هذه اللذة التي لم يفرض عليه القضاء في هذه المرة أن يَذُوقها؟ أم كانت تأمر باقتحام داره، وعرض متاعه للبيع في جنح الظلام، وفي غير إنذار ولا شيء يُشبه الإنذار؟ أم كانت تأمر باقتحام داره وأن تظل الشرطة فيها طول الليل تأخذ أبوابها ونوافذها حتى لا يفلت الكاتب أثناء الليل، فإذا تنفس الصبح لَزِمَه رجال السلطان حتى يؤدي الغرامة؟ أم كانت النيابة تصنع ماذا؟ أسئلة ألقيها على نفسي ويلقيها بعض الناس على بعض، فلا أظفر ولا يظفرون لها بجواب.
وإذا كانت النيابة تَسْلُك هذه الطريق مع محمد حسين هيكل بك وحفني محمود بك والأستاذ عبده حسن الزيات وطه حسين، فأي طريق تسلك مع قوم آخرين لا يعرفهم أحد، ولا يضمنهم أحد، ولا يكفلهم شيء، وليست لهم مكانة ما بين مواطنيهم من المصريين؟! أَظُنُّ أَنَّ النِّيَابَة لا تغضب ولا يضيق صَدْرُها حرجًا حين نلفتها إلى أنَّ سيرتها أمس كانت غريبة حقًّا، وأَظُنُّ أنَّ النيابة لا تغضب ولا يضيق صدرها حرجًا إن سَمِعَتْ ما كان يتحدث به الناس أمس، وما يتحدثون به اليوم وما سيتحدثون به غدًا، من أمر هذا الاستعجال الغريب! وصاحب العزة النائب العام، والأُستاذ رئيس نيابة القاهرة، يعرفان حق المعرفة هؤلاء الكتاب، ويعرفان حق المعرفة مع من يحسن أنْ تكون الشدة البالغة المُسرفة ومع من يحسن أن تكون المعاملة الحازمة، التي إن لم تخلُ من الحزم فلا ينبغي أن تخلو من المُجاملة ومراعاة الأوضاع.
والناسُ يتحدثون بأنَّ الأَحْكَامَ قد تصدر بالغرامات على قومٍ لَا تَتَهَيَّأُ لهم الأَمْوال فورًا فتمهلهم النيابة الأهلية، وتمهلهم النيابة المُخْتَلطة، وقد تُنَجِّمُ غراماتهم تنجيمًا، وقد تأخذها منهم أقساطًا، وليسوا هم بمكانة هؤلاء الكتاب، فقد أراد الله أن تكون لهؤلاء الكتاب مكانة سواء أرضي خُصُومُهم بذلك أم أنكروه. والناس يتساءلون: ما بال النِّيَابَةِ لم تنتظر بهؤلاء الكتاب صباح الغد، فإن أبطئوا أو التووا اشتدت عليهم، إذا كانت مُصِرَّةً على أَلَّا تنفذ قانون المطبوعات وتقتضي الغرامة أولًا من تأمِينِ «السِّيَاسَةِ» و«الكوكب»؟ والناس يتساءلون: ما بال النِّيابة تعجلت إلى هذا الحد مع أنَّ الخزانة كانت مُغْلَقة بعد الظهر، ومع أن الموظف الذي دفعت إليه الغرامات لم يستطع أن يعطي دافعيها أوراقًا رسمية تثبت أنهم دفعوا، وإنما أعطاهم أوراقًا عرفية، وطلب إليهم أن يعودوا من الغد في ساعات العمل؛ ليَأْخُذوا هذه الأوراق الرَّسمية؟ والناس يتساءلون عن أشياء أخرى غير هذا، أَمَّا أنا فقد سألتُ وتساءلتُ، فَلَمَّا لم أظفر بالجواب، أعرضت عن السؤال، وتركتُ الأمرَ لصَاحِبِ العِزَّة النائب العام وللأستاذ رئيس النيابة يقدرانه، كما يقضي بتقديره العرف المألوف، والقانون الذي يجب أن ترعى حرماته في غير هوادة ولا لين، ولكن في غير إسراف.
على أني أعترف بأنَّ لسيرة النيابة هذه معنا مغزًى قيمًا ظريفًا لا يتجه إلينا وحدنا، وإنما يتجه إلى قوم آخرين؛ هم الوزراء. فقد يظهر أنَّ في إسراع النيابة بتنفيذ الأحكام وأخذها بهذا الحزم العَنِيفِ الذي لا إهمال فيه ولا إمهال، درسًا يَحْسُن أنْ تستفيد منه الوزارة، فتقضي في مصالح مصر الكبرى بهذه السُّرعة الحَازِمَة التي لا إبطاء فيها ولا ريث. فما زال الناس ينتظرونَ أَنْ تحل طائفة من الأزمات كان ينبغي أن تحل منذ أمد بعيد؛ أزمة الدَّين العام التي أجلها صدقي باشا وأجلها، وانصرف عن الحكم وهي قَائِمَة لم تحل، أزمة الدين العام التي أجلها الرجل الطيب وأجلها، والتي قد ينصرف عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي لا تزال قائمة لم تحل، أزمة الدَّين العقاري التي ما زال وزير المالية يلتمس لها حلًّا حاسمًا، دون أن يظفر به حتى على سواحل البحر الأحمر في رحلته تلك الميمونة المُباركة، والتي قد ينصرف وزير المالية عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي قَائِمَةٌ لَم تُحَل، أزمة الكورنيش، أزمة الاستبدالات، وما شئت من هذه الأزمات التي تقدم الحكومة عليها، ثم تحجم عنها، وقد نسيت أزمة المَحَاكم المُختلطة التي كان وزير الحقانية يرى أنها محلولة بحكم القانون، ثم أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، كما تقول الأسَاطِيرُ، فإذا رَئيسُ الوزراء يرى أَنَّها عسيرةٌ تَحْتَاجُ إلى التأجيل والوقت الطويل لتحل من طريق المفاوضات.
أرجو أن تستفيد الوزارة من هذا الدرس القيم الخصب الذي ألقته النيابة أمس حين أنفذت أحكام القضاء في سرعة صارمة، ولما تمضِ على صدورها ساعات، فقد يكونُ من الشرِّ العظيم أنْ يَمْضِي هذا الدرس القيم، ولا تنتفع به الوزارة في تصريف الأمور العامة التي يحتاج الناس إلى الإسراع في تصريفها، أكثر مما كانت تحتاج النيابة إلى الإسراع في تنفيذ هذه الأحكام والتي يخافُ الناس من الإبطاء في تصريفها أكثر مما كانت تخاف النيابة من الإبطاء في تنفيذ هذه الأحكام. -
خداع
حديث المساء: خداع
طه حسين
كوكب الشرق
٢٦ فبراير ١٩٣٤
أَمَّا أن المصريين ضيقون بهذا العهد السعيد الذي ينعمون بخيراته وبركاته منذ أربعة أعوام،
فذلك شيء لا شك فيه، ولَعَلَّ أشدهم ضيقًا بهذا العهد وأحرصهم على أن يزول، هم الذين أحدثوه
أنفسهم، بعد أنْ بلوا ما بلوا من ثمراته، وجنوا ما جنوا من حسناته، ولعل صدقي باشا نفسه أشدهم
الآن كرهًا لهذا العهد وتبرُّمًا به وحِرْصًا على أن يزول بعد أن أسَّس ما أسَّس، وشيَّد ما
شيَّد، ثم نظر فإذا هو ينبذ نبذًا ويطرح إطراحًا، وينتهي إلى حال سيئة رديئة لم يكن في مثلها
يومًا من الأيام.
ولعلَّ الرَّجل الطيب نفسه ليس أقل من صدقي باشا زهدًا في هذا العهد، وتبرمًا بما يحمله من
الأثقال، وتمنيًا للخَلَاصِ من أوزاره وللظفر بِحُسْنِ العاقبة بعد هذه المخاطرة التي أقْدَمَ
عليها يوم تولَّى الحكم، فلم يصنع شيئًا بينما حمَّل نفسه من المتاعب والتبعات ما كان
مُسْتَرِيحًا منه قبل أن يُدفَع إلى ما دُفِع إليه.
وليسَتْ أحاديثُ الناس قليلة عن قلق الرَّجل الطيب في مكانه وزُهْدِهِ في منصبه، وحِرْصِهِ
على أن يخرج منه لا له ولا عليه، فإجماعُ المصريين على كُرْه هذا العهد والرَّغبة في انقضائه
على أي حال من الأحوال واضحٌ لا غُموض فيه، وإذا لم يكن بدٌّ من أن تستثني أحدًا من هذا
الإجماع، فقد تستطيعُ أن تستثني أشخاصًا معدودين يستمتِعُون بِمَا يكفل لهم هذا العهد من قوة
وبأس وسُلطان لم يكونوا ليحلموا بها في غيره من العهود، وقد تستطيع أن تستثني معهم أفرادًا
آخَرين يكرهون هذا العهد فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم يُحِبُّونه إذا تناولوا أقلامهم
وتَجَرَّدُوا للكتابة والتحرير في بعض الصحف؛ لأَنَّهُم مضطرون إلى أن يعيشوا، وللعيش أثقال
وتكاليف.
ولعلك إذا فرغت من هذا الاستثناء ثم أردتَ أَنْ تتبيَّن مَصْدَر زهد المصريين في هذا العهد
السعيد، انتهيت إلى عِلَّةٍ واحدةٍ هي أنَّ المصريين قوم بطرون، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون
إلى شيء، ولا يُحْسِنُون شكر النعمة، ولا يُحِبُّون الاعتراف بالجميل، فهم قد سئموا — وما أسرع
ما سئموا — هذه الحياة الحلوة التي فتح لهم صدقي باشا أبوابها وأذاقهم لذاتها، وسئموا — وما
أسرع ما سئموا — حلاوةَ هذا العيش اللذيذ الذي ترخص فيه الدماء والنفوس، وتهون فيه الحرمات
والكرامات، ويطغى فيه الفقر حتى على الذين لم يكن يستطيع أن يفكِّر فيهم، ويفسد فيه الحكم حتى
يُصبِح فساده موضوع السمر ولَهْو الحديث، وتسوء فيه الأخلاق حتى تهون الضمائر على أصحابها، وإذا
هي تعرض للبيع، وإذا هي تباع بأبخس الأثمان، ولعلها تباع بالابتسامة الحلوة، والوعد الكاذب،
والأمل الخدَّاع.
سئم المصريون هذا كله، وكان من حقهم أن يُحِبُّوه، ويسألوا الله المزيد منه، لولا أَنَّهم
مفطورون على كفر النعمة وجحود الجميل، وعلى هذا الغرور الذي يخيِّل إليهم أنهم كغيرهم من الناس
يستطيعون أنْ يَطْمَعُوا في العَدْلِ، ويَطْمَحُوا إلى الخير، ويحرصوا على الإنصاف، ويسموا إلى
أن تُسَاسَ أُمورهم كما تُسَاس أُمور الأُمَمِ الأخرى في ظِلِّ الحرية والنظام والقانون،
ويَرْتَفِعُوا إلى أن تقوم سياستهم على التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء،
وبين الحاكمين والمحكومين، ولكن ماذا تصنع وقد خلق الله المصريين مغرورين يرون أنهم كغيرهم من
الناس، يستطيعون أن يكرهوا الشر وينفروا منه، وأن يحبوا الخير ويرغبوا فيه.
خُلِقوا كذلك فضاقوا بهذا العهد ضيقًا لم يتفقوا على شيء كما اتفقوا عليه، وصبروا مع ذلك على
هذا العهد صبرًا لم ينجحوا في شيء كما نَجَحُوا فيه، وثبتوا لفتنة هذا العهد ثباتًا يستطيعون أن
يفاخروا به، وأن يزعموا أن أممًا قليلة جدًّا في هذا العصر الحديث تستطيع أن تزاحمهم
فيه.
خُلِقوا كذلك فأنكروا وصبروا وثبتوا وقاوموا، واضطروا ظالميهم إلى الإخفاق والإِفْلَاس،
أكرهوهم على أنْ يَعْتَرِفوا بأنَّهم لا بُدَّ لهم من تغيير السياسة والعدول عمَّا مضوا
فيه.
كل هذا حَقٌّ لا يقبل الشك، ولا يحتمل النزاع، كان بعضُ الناس يُنْكِرُه وأصبح الناس جميعًا
يُؤمنون به. كان الإنجليز ينكرونه فأصبحوا أسرع إلى إعلانه من المصريين وأرغب في تغييره من
المصريين، ولكن هذا شيء وما يظنه الإنجليز أو ما يُظهِر الإنجليز أنهم يظنونه شيء آخَر،
فالمصريون لا يُريدون أن يَخْرُجوا من شَرٍّ لِيَقَعُوا في شَرٍّ آخَر، وَلَا أَنْ يبرءوا من
خِزْي ليتورطوا في خِزْي أشد منه نكرًا.
المصريون لا يريدون أن يخرجوا من هذا العهد الذي يظلمهم فيه الإنجليز وهم يتكلفون الحياد، إلى
عهد آخَر يظلمهم فيه الإنجليز جهرةً، ويذلهم فيه الإنجليز عنوةً، ويتحدَّث فيه الإنجليز إلى
أنفسهم وإلى الناس بأنهم لا يظلمون المصريين إلا برضا منهم وطاعة، وعن إقرار منهم وقبول.
والمصريون يعرفون حَقَّ المعرفة أنَّ ما يعرضه عليهم الإنجليز في مقالة التيمس وغير مقالة
التيمس إنما هو الذل بأبشع مظاهره، والظلم في أقبح صوره وأشكاله، فليسَ أَقْبَح ولا أشنع ولا
أبعد عن الكرامة من هذه الحياة التي يَنْزِلُ أصحابها عن حقهم في أن يكونوا رِجَالًا يرعون
أنفسهم فيخطئوا ويُصيبوا، ليكونوا قطعانًا يرعاها غيرها من السادة الأجانب، فيكفلوا لها الماء
والمرعى، ويضمنوا لها ظاهرًا من العدل والمساواة.
هذا هو الذي يُرِيدُه الإنجليز، وهذا هو الذي يعرضونه على المصريين إن كان ما نشرته التيمس
يوم الجمعة مصوِّرًا لرأي فريق منهم غير الرجل الذي كتب هذا المقال، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر
وأعرف بالحياة والأحياء، وأبصر بمصر والمصريين من أن يُصَدِّقوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنَّ
المصريين يرضون منهم هذا التدخل الذي يروجون به ويرغبون فيه، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر من أن
يضلِّلوا أنفسهم إلى هذا الحد، ولكن الإنجليز قوم أقوياء، وهم إذا استجمعت لهم القوة لا يحفلون
بأحد ولا يحفلون بشيء، ولا يتحرَّجون من أن يتكلَّفوا خداع أنفسهم وخداع الناس، ومن أن يتخذوا
ذلك وسيلةً إلى تحقيق ما يُرِيدون. وهم الآن يتكلَّفون خداع أنفسهم ويتكلَّفون خداع الناس،
ويُخَيِّلون إلى أَنْفُسهم وإلى الناس — ويضحكون فيما بينهم وبين ضمائرهم — أَنَّهُم سيَقُومون
من مصر مقام المنصِف المنقِذ الذي يكشف الضر ويرفع الشر، ويُحَقِّقُ العدل والإنصاف والمساواة،
فمن الحق علينا نحن أَلَّا نقصر في أن نبيِّن للإنجليز وللناس ولأنفسنا أننا نفهم خداعهم حق
الفهم، ولا تفوتنا منه صغيرة مهما تكن، وإننا نعلم حق العلم أنهم هم الذين أقاموا هذا العهد
الذي نشكوا منه ونضيق به، أقاموه بيد صدقي باشا، وأنصار صدقي باشا، وأشباه صدقي باشا، وأقاموه
تأديبًا لنا؛ لأننا لم ننزل في المفاوضات عند ما كانوا يريدون، ولم نقبل في المفاوضات ما كانوا
يعرضون، أقاموه وجَدُّوا في إقامته وأفعموه بكل ما ذقنا فيه من الآلام والآثام، وظَنُّوا أَنَّ
الدرس سيكون قاسيًا، وأنَّه لِذلك سَيَكُون نافعًا رادعًا، وأننا إذا اكتوينا بنار الظلم فسنجنح
إلى السلم وسنتواضع فيما نطلب، وسنرضى منهم ما يتفضلون به علينا من راحة الأذلاء، الذين لا حظ
لهم من كرامة ولا عزة، ولا أمل لهم في حرية واستقلال.
وقد رأى الإنجليز — وهم محنقون — أن تأديبهم لم يؤدِّب أحدًا، وأن دروسهم لم تنفع أحدًا، وأن
قسوتهم لم تردع أحدًا، وأن نار الظلم إن آذتنا فإنها لم تُذِبْ نفوسًا ولم تُضعِفها، وإنما
زادتها قوةً إلى قوة، وصبرًا إلى صبر، وثباتًا إلى ثبات. رأوا هذا ورأوا أنهم عاجزون عن
خِدَاعِنَا؛ فاضطروا إلى ما يضطر إليه القوي اليائس من خداع أنفسهم، فهم الآن يخدعون أنفسهم،
وهم الآن يقولون لأنفسهم ما لا يقوله لهم أحد، ويطلبون من أنفسهم ما لا يطلبه إليهم أحد،
ويخيِّلون إلى أنفسهم أننا لاجِئُون إليهم، لائذون بهم، ننتظر منهم الإغاثة والعون. كلا، لسنا
لاجئين إليهم ولا لائذين بهم، وما ينبغي لنا ذلك، وما ينبغي لهم أن ينتظروا منَّا إلا ما ينتظره
الخصم القوي من الخصم القوي، لهم البأس والبطش، لهم العدد والعدة، لهم الجند والسلاح، لهم
الأساطيل التي تملأ البحر، والطيارات التي تملأ الجو، ولكن لنا نحن الصبر والثبات والاستمساك
بالحق. وما دام الإنجليز عاجزين عن إفنائنا، ومحونا من الأرض محوًا، فإنهم سيجدون منا دائمًا
خصمًا قويًّا عنيدًا يصيبه الظلم، وينزل به العذاب، وتلمُّ به الكوارث والأحداث، فلا يزيده ذلك
إلا عزةً وإباءً واستمساكًا بالحق، وعنادًا في الخصومة.
والإنجليز قوم مُجَرِّبُون، وهم قد جرَّبوا مُصَارعة الشعوب، وهم قد جرَّبوا أخذ الأمم بالعسف
والظلم، وهم قد علموا من هذه التجربة، أنَّ الشُّعوب الحية لا تصرع ولا يصرفها الظلم عمَّا تريد
من الحرية والاستقلال.
فَلْيخدع الإنجليز أنفسهم ما شاءوا، وَلْيضلل الإنجليز أنفسهم ما أحبُّوا، فلن يغني عنهم ذلك
شيئًا، ولن يُعْفِيهم ذلك من أن يَرَوا مصر قائمة أمامهم تُطالِبهم بالحق، وتنازِعهم فيه، وتلقى
ظلمهم بشر ما يذيب الظلم والظالمين، وهو الإصرار على الحق والامتناع على الضيم. والإنجليز أحرار
في أن يختصروا الطريق أو يُطِيلوها، فهم إن أرادوا لأنفسهم الرَّاحة والعافية اعترفوا بالشعب
المصري وتحدَّثوا إليه، واتفقوا معه، ونزلوا له عن حقه، وهُمْ إن أرادوا أن يُطِيلوا الطَّريق
سَلَكُوا ما سَلَكُوا منذ أقاموا عهد صدقي باشا، فغيَّروا عهدًا بعهد، وبدَّلوا شكلًا بشكل،
وتراءوا للناس في مظاهر مختلفة، وتحدَّثوا إليهم بأحاديث مختلفة، وخرجوا من إخفاق ليدخلوا في
إخفاق، وانتهوا بعد الجهد والعناء، وبعد اقتراف الآثام واجتراح السيئات، إلى ما يستطيعون أن
ينتهوا إليه اليوم، وإلى ما كانوا يستطيعون أن ينتهوا إليه أمس، من الاتفاق الشريف مع الشعب
الذي لن يرضى إلا أن يكون شريفًا.