Tag: Cultural Exchange

  • رسالة القصة في الوحدة العربية للثورة أثرها في تطوير القصة

    رسالة القصة في الوحدة العربية: للثورة أثرها في تطوير القصة

    طه حسين

    مجلة الهلال

    مايو ١٩٥٨

    لا شك أنني راضٍ عن القصة العربية بشرط أن تكون دائمًا باللغة الفصحى؛ حتى لا نحاول أن نترجمها إذا أردنا نقلها إلى البلاد العربية الأخرى التي بدأنا نتوحد معها، ونتداخل وإياها في كل شيء.

    أما واجب الأديب المصري أو العربي بالمفهوم والمنطوق الجديد؛ فهو أنه إن استطاع طاف في الأرض بجسمه وعقله وذوقه، فإن لم تواته الفرصة فلا أقل من أن يقرأ إنتاج أكبر عدد ممكن من الشعوب.

    وأما واجب الحكومات، فهو أن تفتح لأبنائها أبواب الثقافة ونوافذها على مصاريعها، وأن لا تسمح بأن تحتكرها لغة أو لغتان. ويكفي أن أقول: إني لقيت ذات يوم مستشرقًا إنجليزيًّا فسألته: كم يجيد من اللغات؟ فقال في تواضع: إنه يقرأ ستَّ عشرةَ لُغةً، ويُحسِن التكلُّم بالإنجليزية بعض الشيء.

    وإذن فأول واجبات الحكومات أن تبذل كل جهد لتنظيم العلاقات الثقافية، ليس بينها وبين شقيقاتها العربية فحسب، ولكن بينها وبين كل البلاد، وعلى الأقل البلاد الشرقية في آسيا وأفريقيا.

    ومما لا شك فيه أنه كان للثورة أثر كبير في تطوير القصة تطويرًا جديدًا يربطها بالأهداف العربية التي نتجه إليها جميعًا بأفئدتنا وقلوبنا، مُتعجِّلين الخطوات العزيزة التي تتأكد بها وحدة العالم العربي كله قاصيه ودانيه.

  • الإسلام والغرب

    الإسلام والغرب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٤ أكتوبر ١٩٥٥

    كان اجتماعًا قيِّمًا حقًّا ذلك الذي التقى فيه فريق من المفكرين المسلمين بفريق من المفكرين الإيطاليين في مدينة البندقية؛ ليتحدثوا في حرية صريحة، أو في صراحة حرة عن الخصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، وعن الأسباب التي أثارتها النتائج التي نشأت عنها، وعن الوسائل التي يمكن أنْ تؤدي إلى حسم هذه الخصومة، واستئناف حياة جديدة يقوم فيها الوفاق والتعاون مقام الخلاف والتدابر بين المسلمين في أقطار الأرض، وبين الذين اتخذوا الحضارة الغربية لهم قوامًا.

    وكانت المزية الأولى لهذا الاجتماع أنه لم يأتلف من عدد ضخم يكثر فيه الكلام، وتتفرق فيه الآراء، وتضيع فيه الوسائل والغايات، وإنما ائتلف من أشخاص قليلين مسلمين وإيطاليين، ولم يشهده أحد من البلاد الغربية الأخرى في أوروبا وأمريكا، وإنما شهده الإيطاليون وحدهم عن الحضارة الغربية، وشهده من المسلمين نفر لا يبلغون العشرة، كان فيهم إيرانيان وعراقي ولبناني وتركي ومصري وتونسي، وكانوا جميعًا من الجامعيين الذين أخلصوا أنفسهم، أو كادوا يخلصونها للثقافة والعلم، وتخلف من دعي من سوريا لعذر طارئ، ولم يحضر الأستاذ العقَّاد، وليته استطاع الحضور، وكان الذين شاركوا في هذا الاجتماع من الإيطاليين قليلين أيضًا كلهم من الجامعيين، ولكنهم على ذلك يختلفون فيما يفرغون له من العلم، فمنهم الفقيه، ومنهم الاقتصادي، ومنهم أستاذ الرياضة، ومنهم بعض المستشرقين، وكانت المزية الثانية لهذا الاجتماع أنه لم يكن رسميًّا؛ فلم تُدعَ إليه الحكومات، ولم تشارك فيه من قرب أو بُعد، ولم تُدع إليه الهيئات، وإنما دُعي إليه أفراد عُرفوا بمكانهم من الثقافة والعلم، وبمكانهم المرموق في أوطانهم، فلم تدخل السياسة إذن في هذا الاجتماع، وإنْ لم يخلُ من حديث السياسة، وكيف التحدث في شئون الشرق والغرب، وما بينهما من خصومة دون الإلمام بحديث السياسة وخطوبها، وقد يسأل القارئ عن مصدر هذا الاجتماع وعن الذي دعا إليه، وهنا حديث أحب أنْ يتدبره المصريون والأغنياء منهم خاصة؛ لأنه جدير أنْ يثير العبرة ويدعو إلى إطالة التفكير والتدبير.

    رجل من أغنياء إيطاليا، ومن أغنياء مدينة البندقية خاصة منحه الله بسطة واسعة في المال، وما أكثر الذين أتاح الله لهم الثراء العريض، وقد فُجع هذا الرجل في ابنه منذ خمس سنين، فاحتمل خطبه كريمًا، ثم جعله مصدر خير لأسر كثيرة من الإيطاليين. أنشأ في جزيرة من جزائر البندقية لها خطر في التاريخ معهدين، خصص أحدهما لليتامى من أبناء الذين يعملون في البحر ينشئون فيه، ويتعلمون فيه أعمال البحر، ويدربون عليها حتى إذا أتموا تعليمهم عملوا فيما كان يعمل فيه آباؤهم. وأنشأ معهدًا آخر للحرف والصناعات اليسيرة، وآوى في كل واحد من هذين المعهدين خمسمائة من التلاميذ، وضمن لهم النمو في حياته والبقاء بعد وفاته، فهو يقوم إذن على تربية ألف من الأطفال الإيطاليين وتعليمهم، وتمكينهم من أنْ يعيشوا بعد تخرجهم كرامًا ينفعون أنفسهم وينفعون الناس. ثم لم يكتفِ بذلك، وإنما جدد ما في تلك الجزيرة من معالم تاريخية خطيرة، وأنشأ فيها دارًا للكتب يختلف إليها طلاب الثقافة والمعرفة، ثم أنشأ فيها مركزًا ثقافيًّا، يلتقي فيه بين حين وحين أعلام الثقافة والعلم والأدب؛ ليتحدثوا فيما يعنيهم من شئون الثقافة والعلم والأدب.

    ***

    وكان اجتماعنا هذا واحدًا من هذه الاجتماعات، التي يراد لها أنْ تتصل وأنْ تكثر، وألا تتقيد بموضوع ولا تخضع لنظام إلا نظام التفكير الحر الصريح.

    وقد التقينا ستة أيام مصبحين وممسين، فقلنا وقالوا، ولم تنقصنا الصراحة في القول، ولم تنقصهم الشجاعة على الاعتراف بالحق حين تبين لهم الحق، ولم يكن بُد من أنْ نتفق قبل كل شيء على الحضارة الغربية ما هي، وما يمكن أنْ تكون! فلست أعرف أنَّ هناك حضارة غربية تختلف في جوهرها عن الحضارة الإسلامية، وإنما أعرف أنَّ هناك حضارة واحدة ازدهرت حول البحر الأبيض المتوسط سبقت مصر إلى أصولها، ومنحها اليونان قوة وأيدًا وخصبًا، وأخذها اليونان عن الرومان، ثم انتشرت بعد ذلك في غرب البحر الأبيض وشرقه، وفي شماله وجنوبه، ثم تنصرت حين عرفت المسيحية، وأسلمت حين عرفت الإسلام، نقلت إليها ثقافة الأمم القديمة وما يلائمها من تراث هذه الأمم وأساغته وتمثلته وجعلته جزءًا منها، وأحيت أممًا خضعت لسلطان الإسلام، ثم نقلها المسلمون أنفسهم إلى غرب أوروبا، فأحدثوا فيه نهضة خصبة ما كانت لتحدث لو لم تترجَم كتب المسلمين في الفلسفة والفنون والعلوم إلى اللغة اللاتينية، التي كانت لغة الثقافة في غرب أوروبا.

    ***

    وهذه الحضارة نفسها هي التي اشتد اتصال الأوروبيين بها في نهضتهم الحديثة، فأخذوها من أصولها اليونانية واللاتينية، وأذكوا جذوتها، وأتاحوا لها كما أتاحت لهم ما وصلت إليه، وما وصلوا إليه من الرقي والازدهار.

    فالحضارة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة إذن في أصولها وجوهرها وطبيعتها، ولكن ظروف التاريخ قضت على المسلمين أنْ يخمدوا، وأتاحت للغربيين أنْ ينشطوا، فتقدم الغرب الأوروبي وتأخر الشرق الإسلامي، فلا يصح أنْ يقال إذن: إنَّ هناك حضارتين إحداهما إسلامية، والأخرى غربية أوروبية.

    والقول بأن هناك خصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية يحتاج إلى كثير من الدقة. فالإسلام لا يخاصم الحضارة الغربية في نفسها؛ لأنها حضارته، وإنما يخاصم فريقًا من الغربيين خرجوا على أصول حضارتهم، وخالفوا عما تأمرهم به وتحثهم عليه، فملئوا الأرض شرًّا ونكرًا، وفرقوا بين الناس، وكان من الحق أنْ يتفقوا، واستعلوا في الأرض والحضارة الصحيحة شرقية كانت أو غربية لا تحب الاستعلاء، بل تمقته أشد المقت، وتقرر المساواة بين الناس في كل ما تمكن فيه المساواة لا لشيء إلا لأنهم يشتركون في الإنسانية، ويدخلون في الحياة على نمط واحد، ويخرجون منها على نمط واحد، ويجب أنْ يعيشوا فيما بين ذلك متقاربين متضامنين يستعلي بعضهم على بعض، ولا يسوم بعضهم بعضًا ظلمًا ولا خسفًا ولا هوانًا.

    ولا يصح أنْ توصف الحضارة الغربية بأنها حضارة تمتاز في جوهرها من حضارة الشرق الإسلامي؛ فجوهر الحضارتين واحد، واختلاف الدين بين المسلمين والمسيحيين لا يغير من طبيعة الحضارة شيئًا؛ لأن المُثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وتدعو إليها المسيحية واحدة في جوهرها، كلا الدينين يدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، وكلاهما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وكلاهما يفرض العدل والمساواة بين الناس.

    ***

    ولا يصح كذلك أنْ يقال: إنَّ الحضارة الغربية تمتاز بما شاع فيها من المادية بعد تقدم العلم، فالمادية ليست مقصورة على الحضارة الغربية، وقد وجدت في العالم الإسلامي وأنكرها المسلمون، كما ينكرها المسيحيون، وتجرد للرد عليها، ونصب الحرب لها فريق من علماء المسيحيين الغربيين وفلاسفتهم.

    وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق لا شك فيه — فالخصومة القائمة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي ليست خصومة بين حضارة وحضارة، وليست خصومة بين دين ودين، وإنما هي خصومة بين حب العدل والإغراق في الجور، وبين حب المساواة والغلو في التفريق وإيثار الاستعلاء والامتياز، وليس أدل على ذلك من أنَّ اختلاف الدين لم يمنع المسيحيين وغير المسيحيين من أنْ يعيشوا بين المسلمين كرامًا، ويشاركوا في الحضارة الإسلامية مشاركة عاملة موجبة لا مشاركة الخاضعين السلبيين، وهم ينكرون من طغيان الغرب ما ينكر المسلمون، وهم يطمحون إلى الحرية والعدل والكرامة، كما يطمح إليها المسلمون، وهم يجاهدون في سبيل هذه الحقوق كما يجاهد في سبيلها المسلمون.

    وليس أدل على ذلك أيضًا من أنَّ المخلصين للمسيحية الصادقين في الإيمان بها من أهل الغرب ينكرون ما يتورط فيه ساستهم وقادتهم من الاستعمار، وما ينشأ عنه من الجور والبغي والعدوان، وما يشيع بين الناس من البُغض والحقد والعداء.

    ***

    وليس أدل على ذلك آخر الأمر من أنَّ المسلمين يجدُّون في استدراك ما فاتهم، ويسعون إلى الحضارة الغربية مكتسبين لها، مشاركين فيها، آخذين بأسبابها، يوطنونها في بلادهم، ويحرصون على أنْ يكون نصيبهم منها كنصيب الغربيين؛ فليست الحضارة كلامًا يقال، وإنما هي علم وفن وفلسفة وعمل. والمسلمون يدرسون علوم الغرب وفنونه وفلسفته، ويضيفون إليها حين يتاح لهم ذلك ويلائمون بينها وبين أمزجتهم وطبائعهم وأخلاقهم وعاداتهم وسننهم الموروثة، لا يجدون بذلك بأسًا، ولا يلومهم في ذلك اللائمون وهم يصنعون ذلك كله الآن، كما صنع الغربيون ذلك كله بحضارة المسلمين في القرون الوسطى.

    ولم يستطع زملاؤنا الإيطاليون أنْ ينكروا ذلك أو يجادلوا فيه، وإنما عرفوه وابتهجوا له، وجرى الحوار بعد ذلك على أساس متين، فجعلنا نلتمس معهم أسباب الخصومة بين الإسلام والغرب، ولم نجد مشقة، ولم نتكلف جهدًا في تحديد هذه الأسباب؛ لأنها أوضح من أنْ تحتاج إلى البحث أو تكلف الجهد، فهي تنتهي كلها آخر الأمر إلى علة واحدة، هي الاستعمار الذي ورط الغربيين في كثير من الآثام، ورطهم في الظلم فاستغلوا أوطان الناس دون أنْ يكون لهم حق في استغلالها، واستأثروا بما تنتج هذه الأوطان من الثمرات من دون أهلها، واستذلوا أهل هذه الأوطان بالقوة الغاشمة لتخلص لهم ثمراتها، وإنْ حُرم أهل هذه الأوطان الاستمتاع بها، وتورطوا في القتل وسفك الدماء بغير حساب لا لشيء إلا لأنهم يريدون أنْ يستكرهوا الإصرار على أنْ يكونوا عبيدًا يجدُّون ويكدون لينعم الغربيون ويترفوا.

    ***

    وقال قائل الزملاء الإيطاليين: إنكم تسرفون على الغرب حين تذكرون له السيئات، وتنسون ما أهدى إليكم من الخير، فهو قد أَهْدَى إليكم علمه وفنونه وآدابه وفلسفته وإنتاجه المادي على اختلافه، وهو قد غيَّر حياتكم تغييرًا؛ يسرها بعد أنْ كانت عسيرة، وألانها بعد أنْ كانت قاسية خشنة. ولم أملك إنْ رددت على هذا الزميل في شيء من العنف بكلمة لم تلبث أنْ استقرت في نفوس أصحابه، فكانوا يلقونني بها كلما ضمنا مجلس يجدون حينًا ويمزحون أحيانًا … قلت: إنكم لا تهدون إلينا نتائج حضارتكم، وإنما نأخذها منكم أخذًا، ونأخذها منكم على رغمكم؛ لأننا نشتريها بالمال، ونؤدي إليكم أثمانها غالية، ولن تستطيعوا أنْ تستأثروا بها من دوننا؛ لأنكم لا تستطيعون أنْ تصدونا عن قراءة كتبكم وصحفكم والاختلاف إلى جامعاتكم ومعاهدكم، بل أنتم تتنافسون في بيع حضارتكم لنا، كنتم تظنون أنَّ ذلك يخضعنا لسلطانكم، ثم تبينتم أنَّ ذلك يغرينا بالتمرد عليكم والتخلص من بغيكم وطغيانكم، وانظروا — إنْ شئتم — إلى ما حدث في مصر، وما يحدث في شمال إفريقيا، وما يحدث في الأوطان الإسلامية كلها، بل في كل بلد حاولتم أنْ تستعمروه.

    ومضى الحوار بيننا على هذا النحو ستة أيام بعنف حينًا، حتى يبلغ من العنف أقصاه، ويرق حينًا حتى ينتهي إلى مودة وصفاء، ثم انقضى في اليوم الأخير على خير ما ينقضي عليه الحوار، انقضى على أنَّ الناس أخوة ما أقاموا حياتهم على الحب والعدل والتعاون على البر والتقوى، وأعداء إنْ أقاموا حياتهم على الأثرة والطغيان والبغي، وعلى أنَّ الخير كل الخير في أنْ يتجدد هذا اللقاء بين المسلمين وبين الغربيين؛ ليحاولوا بالبحث والدرس أنْ يصلوا إلى كلمة سواء. ولست أنسى حين أقبل ذلك الأستاذ الشيخ الذي كان يرأس جلساتنا، وهو من كبار الفقهاء الإيطاليين، لست أنسى حين أقبل يودعني على ظهر السفينة، ويذكرني متضاحكًا بهذه الكلمة التي قلتها، فاستقرت في نفسه: إنكم لا تعطوننا حضارتكم، ولكننا نأخذها منكم أخذًا.

    ولست أدري! لِم تكون مثل هذه الاجتماعات في أوروبا، ولا يكون شيء منها في الشرق العربي وفي مصر خاصة، ولكن هذا حديث يطول.

  • الإثم العظيم …

    الإثم العظيم …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١١ مايو ١٩٥٥
    كان إثمًا عظيمًا أنْ أخذت في الإعداد لترجمة الآداب العالمية إلى العربية.
    اختلطت الأمور، وجرت أقلام بكلام كنت أحب لها ألَّا تجري بمثله.
    الثقافة العربية تقوى بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية.
    أنا أدعو المواطنين ملحًّا أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباهه.
    أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال أكثره نشأ في أيام الملوك.
    كان إثمًا عظيمًا عند بعض الكُتَّاب هذا الذي أَقْدَمْت عليه حين أخذتُ في الإعداد لترجمة الآداب الأدبية العليا إلى اللغة العربية، ويظهر أني غارق في هذا الإثم العظيم إلى أُذُنِي منذ أول الشباب؛ فقد كنت مشغوفًا أيام الطلب بالتهام كل ما يترجم إلى اللغة العربية من الكتب مهما تكن قيمته، ومهما يكن خطره؛ لأني كنت أرى في هذه الكتب ألوانًا من المعرفة لا عهد لي بها، وأرى فيها تجديدًا لنفسي وتثقيفًا لعقلي وتزكية لقلبي، ولم أكد أُلِمُّ بأوليات اللغة الفرنسية حتى دعاني صديق كريم — رحمه الله — إلى أنْ أشاركه في ترجمة كتاب في الفلسفة الخلقية من اللغة الفرنسية (هو كتاب الواجب لجول سيمون) فاستجبت لدعوته مشغوفًا بهذا العمل أشد الشغف، حريصًا عليه أعظم الحرص، مشوقًا إلى ما سأكسبه من المعرفة، سعيدًا بأني سأتيح لمئات وألوف مثلي من الشباب أنْ يكسبوا معرفة جديدة، وأنْ يثقفوا عقولهم، ويزكوا قلوبهم، ويجددوا نفوسهم، ويضيفوا إلى نشاطهم نشاطًا خصبًا ينفعهم وينفع الناس.

    ولم أكد أتم الدرس في فرنسا وأعود إلى مصر، حتى أخذت في إظهار المواطنين على ألوان جديدة من المعرفة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. أترجم حينًا وألخص أحيانًا، وأغري دائمًا بالترجمة والتلخيص، أوثر الترجمة حين تتاح وسائلها، وأضطر إلى التلخيص حين لا يكون إلى الترجمة سبيل، مؤمنًا بأن الثقافة العربية إنما تقوى وتنمو وتزداد خصبًا وغنًى وإمتاعًا وإحياءً للنفوس، وإذكاءً للنهضة بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية مهما تكن هذه الأمم.

    ومن أجل ذلك تَرْجَمت ولَخَّصْت ودَفَعْت غيري دفعًا إلى أنْ يترجموا، ويلخصوا من آداب اليونان والرومان والفرنسيين والإنجليز والألمانيين والإيطاليين والفرس شيئًا كثيرًا، عاشت عليه أجيال من المصريين والشرقيين العرب وقتًا، وأحسب أنها ستعيش عليه أوقاتًا، ثم بدا لي أنَّ هذا الذي دفعت إليه نفسي ودفعت إليه غيري محتاج إلى شيء من النظام، وأنَّ الخير كل الخير في أنْ يُنَظَّم نقل الثقافات الأجنبية إلى لغتنا العربية، بحيث يتاح لنا في وقت قصير أو طويل أنْ نصنع صنيع الأمم الأخرى، وننقل إلى لغتنا أصول الآداب والثقافات الأجنبية إغناءً للغة نفسها من جهة، وإحياءً لقلوب الذين يتكلمونها، وإذكاءً للنهضة العربية من جهة أخرى، وقد اعتقدت دائمًا أنَّ لمصر مركزها التاريخي الجغرافي الخطير بين أقطار الأرض، وأنها قد نهضت دائمًا بواجبها الثقيل الرفيع، وهو نقل الثقافة الشرقية إلى الغرب، ونقل الثقافة الغربية إلى الشرق.

    وإنها من أجل ذلك أساس من أسس الحياة العقلية الإنسانية، وإنَّ قوتها ونشاطها ونهوضها بهذا الواجب شرط أساسي ليشرق نور المعرفة على الشرق والغرب جميعًا، وليتحقق التوازن بين الشرق والغرب أيضًا.

    ومنذ أكثر من خمس عشرة سنة حاولت أنْ آخذ في هذا التنظيم، وأنْ أهيئ له أداة في وزارة المعارف، وحاولت أنْ أنقل شكسبير إلى اللغة العربية، كل ذلك إلى الذين يحسنون اللغة الإنجليزية والعربية من شبابنا، وأنْ أصنع مثل ذلك بآثار فريق من أعلام الأدباء الفرنسيين الذين يشبهون في فرنسا شكسبير في إنجلترا، ولكن ظروف الحياة التي كنا نحياها حالت دون التوفيق إلى ما كنت أريد.

    ولم أحاول أنْ أصنع مثل ذلك بأدباء الأمم الأخرى؛ لأن علمنا بلغاتها لم يكن مرضيًّا، فلم أجد بُدًّا من الصبر على ذلك الإخفاق حتى تتاح لنا حياة خير من حياتنا تلك، وحاولت بعد ذلك أنْ أنهض بهذا العمل غير معتمد على سلطان الدولة، فلم أجد المال واضطررت إلى إخفاق جديد.

    وحين نهضت بأعباء وزارة المعارف حاولت أنْ أستأنف هذا الجهد، وأرصدت في ميزانية الوزارة مقدارًا ضئيلًا من المال للبدء فيه، ثم تركت الوزارة، ولم أدرِ ما صنعت الأقدار بهذا المال الذي أرصد في الميزانية، ولا بهذا الجهد الذي حاولت النهوض به، ثم دُعيت إلى رئاسة اللجنة الثقافية في الجامعة العربية، ورأيت في ميزانيتها شيئًا قليلًا من مال أُرصد للترجمة فوجهته إلى شكسبير، ولو قد كان هذا المال أكثر مما هو لوجهت بعضه إلى غير شكسبير من أدباء الأمم الأخرى، ولكن شيئًا خير من لا شيء.

    وعلمت من حديث لي مع رئيس وزرائنا ومع وزير التربية والتعليم أنَّ الحكومة القائمة مؤمنة مثلي بوجوب الترجمة لأصول الثقافة الأجنبية على أوسع مدى ممكن؛ فاغتبطت لذلك أعظم الغبطة وأعمقها، وأنا أرجو مخلصًا أنْ يكون حظ حكومة الثورة من التوفيق إلى الخير في هذا الموضوع خيرًا من حظ غيرها من الحكومات. ولكني لم أكَد آخذ في تنفيذ ما صممت عليه من ترجمة شكسبير حتى كثر الأخذ والرد، واختلطت الأمور في كثير من العقول، وجرت أقلام في بعض الصحف بكلام كثير كنت أحب لها ألا تجري بمثله؛ لأنه مع الأسف الشديد إنْ صور شيئًا، فإنما يصور التفكير السريع والأحكام العاجلة والآراء المخطوفة، التي تمتحن بها حياتنا العقلية في هذه الأيام.

    قال بعض الكُتَّاب: لا تترجم الآداب الأجنبية الغربية، ولا تترجم الآداب الأجنبية الشرقية، وأيسر ما يقال لأصحاب هذه الدعوة: إنَّ ترجمة الآداب الأجنبية الشرقية واجبة ويجب أنْ تتخذ لها الأسباب، وتبتغي إليها الوسائل، وأول هذه الأسباب والوسائل هو العلم بلغات هذه الآداب الشرقية، فالذين يريدون أنْ يترجموا ما ورث أهل الهند عن قدمائهم يجب قبل كل شيء أنْ يتعلموا اللغة التي كُتبت بها هذه الآداب، وإلى أنْ يتم تعلُّم هذه اللغة، ويوجد المترجمون منها إلى اللغة العربية — ونرجو أنْ يكون ذلك قريبًا — يحسن أنْ نمضي فيما نستطيع من الترجمة عن اللغات الغربية التي يحسنها شبابنا. والحمد لله فإن بين شبابنا الآن من يستطيعون أنْ يترجموا عن أكثر اللغات الأوروبية الكبرى لا تنقصنا منها إلا اللغة الروسية، وليس قليلًا أنْ نستطيع الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، وقد كنا لا نطمع في شيء من ذلك منذ خمسة عشر عامًا.

    وقال قائلون: لا تترجموا الأدب، ولكن ترجموا العلم؛ فبالعلم نحيا وعلى العلم نعيش، والعلم هو الذي يعيننا على استثمار الزراعة والصناعة والتجارة إلى أقصى حدود الاستثمار، وهو الذي يجعلنا أمة قوية كما جعل الأمم الأوروبية والأمريكية أممًا ذات سلطان واسع وبأس شديد. وأقل ما يوصف به هذا الكلام أنه يصور قصورًا في التفكير، وتعجلًا في الحكم، وخطفًا للرأي في غير روية ولا أناة.

    فليس من شك في أنَّ للعلم خطره العظيم في حياة الأمم، ولكن ليس من شك أيضًا في أنَّ الأدب ليس أقل خطرًا في حياة الأمم من العلم، وكم أتمنى على أصحاب هذه الدعوة أنْ يحدثوني عن أمة واحدة أوروبية أو أمريكية عاشت بالعلم وحده، ولم يكن حظها من الأدب موفورًا، كما أنَّ حظها من العلم موفور، ومن الحمق كل الحمق أنْ نزعم أنَّ العلم وحده هو الذي يحيي الأمم ويقويها، وعسى أنْ يكون حظُّ الأدب في حياة الأمم وقوتها مثل حظِّ العلم إنْ لم يكن أعظم منه وأبعد منه مدى. والموازنة بين العلم والأدب وأثرهما في حياة الأمم وبين حاجة الأمم إلى هذا أو ذاك سخف، لا يليق بالمثقفين حين يحيون في العصر الذي نعيش فيه.

    ولم أنسَ بعد ما قاله لي عضو من أعضاء مجلس الجامعة المصرية القديمة منذ خمسة وثلاثين عامًا، وكان مهندسًا، لو استطعت أنْ ألغي كل هذه الدروس التي تُلقى في الجامعة، وأنْ أعلِّم الطلاب مكان هذه الآداب صناعة الساعات لفعلته، ولكنت بذلك أسعد الناس. ضحكت وضحك معي الذين سمعوا هذا الحديث، وأضفنا ذلك الرأي الغريب إلى سن ذلك المهندس الشيخ، فكيف ونحن نسمع ونقرأ الآن كلامًا يشبهه، يكتبه أصحابه في غير تردد ولا تحفظ كأنهم يكتبون لقرائهم العلم كل العلم، ويدلونهم على المثل الأعلى الذي ينبغي للشعوب أنْ تجدَّ في السعي إليه.

    وهؤلاء السادة لا ينسون إلا شيئًا واحدًا، وهو أنا لا نعرف أمة عاشت بالعلم دون الأدب، وأنَّ حياة الأمم بالعلم وحده جحيم، نرجو أنْ يجنب الله الإنسانية شره؛ لأن فيه فناءها إلى غير رجعة، ولمن يريد هؤلاء السادة أنْ يترجم العلم! أيريدون أنْ يترجم للعلماء الذين يقرءونه في لغاته المختلفة، فهم الآن غير محتاجين إلى أنْ يترجم لهم!

    أم يريدون أنْ يترجم للشعب، وماذا يصنع الشعب بالعلم حين يترجم له؟!

    أيأكله أم يشربه، وهل يظن هؤلاء السادة أنَّ العلم شيء يسيغه أوساط المثقفين من أبناء الشعب، فضلًا عن الذين لم يبلغوا الثقافة المتوسطة؟ أم يريدون أنْ تترجم للشعب بسائط العلم؟ ومن الذي يمنعهم من أنْ يفعلوا؟ وما أكثر الذين يترجمون بسائط العلم لعامة المثقفين، ولكنا نفكر في شيء غير هذا وفي شيء بعيد عن هذا كل البُعد.

    نفكر أنْ نترجم أصول الأدب والثقافة التي دفعت الأمم إلى أنْ تحيا وترقى وتعنى بالعلم نفسه، والتي أتاحت للعلماء أنفسهم أنْ يحيوا وينتفعوا وينفعوا بعلمهم. ومن يدري أكان من الممكن أنْ يوجد العلم لو لم يسبقه الأدب إلى الوجود!

    ومن يدري أكان من الممكن أنْ ينمو العلم لو لم يعاصره نمو الأدب وازدهاره!

    وأغرب ما قيل في هذا الموضوع أنَّ ترجمة شكسبير شر؛ لأن شكسبير كان من الشعراء الملوكيين الذين تملقوا الملوك والأرستقراطية وازدروا الشعب، وغضوا من شأن الفقراء والبائسين. يكتب هذا الكلام في هذه الأيام، ويجد من أوساط الناس من يقرأه ويسمع له، وينتشر هذا السخف بين طبقات من الناس فتضيع قيم الأشياء، ويفسد رأي الناس وحكمهم، وكأن ثقافتنا محتاجة إلى أنْ تمتحن بهذا الضلال البعيد.

    وما رأي هذا الكاتب الذي يذيع في الناس مثل هذا الكلام في أنَّ أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال الطوال قد كان أكثره — إنْ لم يكن كله — أدبًا نشأ في أيام الملوك والأرستقراطيات، كما نشأ العلم والفلسفة والفن في أيام الملوك والأرستقراطيات، وقُدم إلى الملوك وأشراف الناس. أيجب من أجل ذلك أنْ تصد الإنسانية عن تراثها الثقافي كله، وأنْ تبدأ تاريخها من أواخر القرن الثامن عشر حين نشر الأمريكيون والفرنسيون إعلانهم لحقوق الإنسان، وحين شاعت الديمقراطية في الناس، وحين كان الاعتراف بحق الشعوب.

    يجب إذن أنْ تُحرق دور الكتب ومتاحف الفن، وأنْ تدمَّر الآثار الفنية الخالدة تدميرًا، وأنْ تعيش الإنسانية الجديدة على ما أنتجت في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، ولن تستطيع أنْ تعيش على ما أنتجت في هذين القرنين؛ لأنه إنما اشتُقَّ من هذا التراث الضخم الذي يبغضه هذا الكاتب، ويريد أنْ تعرض عنه الإنسانية إعراضًا.

    نسأل الله لهذا الكاتب وأمثاله والذين يسمعون له ويجرون معه في طريقه هذه المعوجة الملتوية، أنْ يرزقه سداد الرأي ويهديه إلى الحق، ويلهمه الصواب وينطقه به، ويجري به قلمه أيضًا؛ حتى لا يفسد على الناس عقولهم بمثل هذا السخف الذي لا ينبغي أنْ يُنشر في هذه الأيام.

    أما بعد؛ فإن ترجمة الثقافات الأجنبية — مهما يكن مصدرها ومهما يكن وطنها ومهما يكن لونها — واجب خطير، تقصر مصر أشنع القصور وأبشعه إذا لم تنهض به، ولم تسرع إلى النهوض به ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

    تبدأ من ذلك بما تقدر عليه، وتهيئ الوسائل لتناول ما لا تقدر عليه في أقرب وقت ممكن، فإن لم تفعل فقد خانت تاريخها وسفهت نفسها وحكمت على أبنائها بأن يظلوا عيالًا على غيرهم لا يصلحون لأن يستقلوا بشيء من الأشياء.

    وأنا أعيذ مصر وأبناءها من هذا الشر العظيم، وأدعو المواطنين ملحًّا عليه أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباه شكسبير من أعلام الأدب والثقافة، في كل قطر من أقطار الأرض، وفي كل جيل من أجيال الناس، قارئين ومترجمين ومفسرين وناقدين ومنتفعين بهذا كله، فهذه هي الحياة العقلية الجديرة بمصر والمصريين، والتي تحياها الأمم الراقية المتفوقة.

    وأما بعد؛ فإن ترجمة العلم واجبة، وعلى العلماء وحدهم أنْ ينهضوا بها، وعلى الدولة والشعب أنْ يعيناهم على الترجمة. ومهما يكن من شيء فأبواب مصر ونوافذها يجب أنْ تُفتح على مصاريعها؛ ليدخل منها العلم والثقافة والأدب دون أنْ يحول حائل بينها وبين النفوذ إلى العقول والقلوب وأعماق الضمائر. فليتورط المصريون إذن معي في هذا الإثم العظيم، إثم الترجمة لكل ما ينفع العقل والقلب والضمير.

  • احتكار!

    احتكار!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢ أبريل ١٩٤٨
    لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في أسباب المواصلات المُختلفة، فتريحهم بالقوة الصريحة، أو بالحيلة المُلتوية — من الطَّائرات، أو من السفن، أو من القطر، أو من السيارات، أو من الترام، أو من البرق، أو التليفون، أو البريد — لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في هذه الأسباب الكثيرة المُختلفة التي يتخذونها وسائل ليلتقوا ويفترقوا، وليتصلوا وينفصلوا؛ لضاقوا بذلك أشدَّ الضِّيق، ولسخطوا على حكومتهم أشدَّ السخط، ولما استقر لهم قرار حتى يردوا حكومتهم إلى العقل والرشد والصواب؛ ذلك لأنَّ المصريين كغيرهم من النَّاس يُؤمنون بالحضارة الحديثة، ويُؤمنون بالنَّاحية المادية من هذه الحضارة الحديثة خاصة أشدَّ الإيمان وأقواه، ويُريدون أن يأخذوا من أسباب هذه الحضارة الحديثة المادية ما يستطيعون أن يأخذوا به في غير تردد ولا تلكؤ، ولا إبطاء ولا تقصير، واسمع إلى المصريين الذين يختلفون إلى أوربا وأمريكا في الطائرات كيف يحمدون ما تكفل لهم من السرعة والراحة، وتحقيق المنافع البعيدة في الآماد القصيرة، وكيف يوازنون بين سرعة الطائرات، وبطء السفن والقطارات. ومن الممكن لو فرغ النَّاس للقول والتفكير، وهذا الترف الأدبي الذي لا يكاد يغني عن أصحابه شيئًا؛ أن تنشأ ألوان جديدة من الأدب الحديث، تُوازن بين أسباب المواصلات في الإسراع والإبطاء، وفي الرَّاحة والعناء، وفي العَجل والمهل، كما تخيل الشعب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تلك المناظرة الطريفة بين القطار والبرق في ذلك الكُتَيِّب الظريف الذي كنَّا نقرأه أطفالًا، ونستمتع فيه بالمحاورة بين السلك والوابور!

    ولكنَّنا في هذه الأيام معجلون عن كل شيء، لا نكاد نستبقي أدبنا القديم، فكيف باستحداث آداب جديدة، حول وسائل المواصلات أو غيرها؟ والمهم هو أنَّنا نحرص أشدَّ الحرص على أن نستبقي وسائل المواصلات هذه كلها، ونسرع إلى ما يمكن أن يستحدث منها، لا يخطر لنا أن نتردد في ذلك، أو أن نحتاط، فأمَّا وسائل المواصلات العقلية بين الأفراد والجماعات، وبين الأمم والشعوب، وبين أقطار الأرض على تباعدها، وبين ألوان الحضارة على تباينها؛ فإننا لا نحفل بها، ولا نقف عندها، ولا نكاد نلتفت إليها، ولا نفكر في الاحتفاظ بما عندنا منها، فضلًا عن أن نُفكِّر في أن نُضيف إليها وسائل جديدة لم يسبق لنا الانتفاع بها، وفضلًا عن أن نلوم حكومتنا أن قصرت في استبقاء ما عندنا من هذه الوسائل!

    وهذه الوسائل بالطبع هي اللغات الأجنبية؛ فالطائرات والقطارات والسيارات والسفن تنقل أجسامنا، وتتيح لعقولنا أن تفكر، وتتزيد من المعرفة، واللغات تنقل عقولنا، وتتيح لها أن تتصل بما تنتجه عقول الأمم الأخرى، وتنقل قلوبنا، وتتيح لها أن تتصل بما يثور في قلوب الأمم الأخرى من العواطف والشعور.

    ولكننا خلقنا هكذا: نُعنَى بأجسامنا قبل أن نُعنَى بعقولنا، وأكثر مما نعنى بعقولنا، ونهتم لمنافعنا المادية قبل أن نهتم لمنافعنا المعنوية، وأكثر مما نهتم لمنافعنا المعنوية، وآية ذلك أننا نتحضر في المادة قبل أن نتحضر في العقل، وإنَّك تجد كثيرًا من المصريين — بل تجد المصريين كلهم — ينتفعون بوسائل الحضارة المادية، دون أن يسألوا أنفسهم عن هذه الوسائل كيف نشأت، وكيف أُتيحت لهم، يركبون القطار، والطائرة، والسفينة، والسيارة، ولا يعنيهم إلا أن يركبوها! وليس في ذلك شيء من الغرابة، فليس كل إنسان مُكلفًا أن يفهم كل شيء، وليس ينبغي لكل إنسان أن يفهم كل شيء، وإنَّما الغريب ألا يفكر أولو الأمر في أنَّ الطبيعي أن يكون منَّا قوم يتقسمون فيما بينهم العلم بدقائق الحضارة وحقائقها، وفهم هذه الوسائل التي يُتاح لنا الانتفاع بها على كثرتها واختلافها وتنوعها.

    وأنا أبسط هذا الحديث الطويل بمناسبة عناية وزارة المعارف بتعليم اللغات الأجنبية في مصر، فقد كان يُظنُّ أنَّ طبيعة الحياة المصرية، وطبيعة الصِّلات التي أنشأتها الحياة الحديثة بيننا وبين أمم الأرض وشعوبها، وطبيعة الرقي الذي دفعنا إليه وظفرنا منه بحظٍّ لا بأس به؛ كل ذلك سيلقي في روع وزارة المعارف أنَّ التَّوسع في تعليم اللغات الأجنبية المُختلفة قد أصبح ضرورة من ضرورات حياتنا الحديثة، وسيلقي في روعها أيضًا أن استئناف النَّظر في برامج التعليم ومناهجه فُرصة يجب أن تنتهز؛ لنجعل التَّوسع في تعليم اللغات حقيقة واقعة، ولكني أنظر فأرى وزارة المعارف لا تلتفت إلى هذا التطور الخطير في حياتنا العقلية إلا لتقلل من عنايتنا بدرس اللغات الأجنبية!

    كنت أظن أنَّ حياتنا الحديثة ستحمل وزارة المعارف على أن تتيح لبعض الصبية والشباب من أجيالنا الناشئة تعلُّم بعض اللغات الأجنبية الكبرى، ليكون منَّا الذين يُحسنون الاتصال بالثقافات العالمية على اختلافها مباشرة لا بالوساطة، فيكون بين شبابنا من يترجم عن الألمانية والإيطالية والإسبانية، ولولا أن أحفظ بعض الصدور لذكرت اللغة الروسية أيضًا، ففي الثقافة الروسية أدب وعلم وفن، وليست الثقافة الروسية شيوعية كلها! ولكنَّ وزارة المعارف مع الحزن الشديد لم تُفكِّر في شيء من ذلك، وإنَّما استبقت اللغة الإنجليزية كما هي أو زادتها قوة — ولست أجد بذلك بأسًا — وأضعفت اللغة الفرنسية وردتها إلى شيء من الضيق يجعل دراسة الشباب لها إضاعة للوقت لا تنفع ولا تفيد، ولعلها تضر وتبغض إلى التلاميذ الدرس والتحصيل!

    ***

    وليس المهم أن تُعنى الوزارة أو لا تُعنى بهذه اللغة أو تلك، وإنَّما المهم أن تلتفت الوزارة إلى أنَّ اللغات الأجنبية هي وسائل المواصلات العقلية، وإلى أنَّ المواصلات العقلية هي أساس المواصلات المادية، وإلى أنَّ حياتنا الحديثة تفرض علينا أن نُشارك في الثقافة الإنسانية العالمية مُشاركة فعلية مباشرة، كما تفرض علينا أن نفهم أصدقاءنا وخصومنا، وكما تفرض علينا أن ننفع وننتفع، وكما تفرض علينا أن نعتمد على أنفسنا في النفع والانتفاع، وألا نكون عيالًا على غيرنا.

    ***

    وكل ذلك يفرض علينا أن نُتيح للشباب المصريين درس اللغات الأجنبية على كثرتها واختلافها؛ فليس من ذلك بدٌّ إذا أردنا أن نكون أمة راشدة حقًّا، وقد جعلنا العقل المصري حكرًا تقتسمه الثقافة الفرنسية والإنجليزية منذ بدأت نهضتنا الحديثة، وقد آن لنا أن نُحرِّر العقل المصري والقلب المصري من هذا الاحتكار، وسبيل ذلك أن تعدل وزارة المعارف أولًا عما عمدت إليه في إصلاحها الأخير من إهمال اللغة الإضافية، سواء أكانت فرنسية أم إنجليزية، وأن تستأنف النظر في تعليم اللغات فتبيح للشبان والصبية وأسرهم أن يختاروا لغتين أجنبيتين من اللغات العالمية الكبرى، لا يتقيدون بهاتين اللغتين اللتين ألفناهما إلى الآن!

    ***

    وإذا لم تتح لوزارة المعارف أن تُجاري هذا التطور الحديث، فإنَّ البرلمان لم ينشأ عبثًا، وإنَّما أُنشئ ليرد الحكومة إلى القصد إنْ جارت عنه، وليبصرها بمواضع النفع. وإصلاح التعليم معروض على البرلمان أو سيعرض عليه، فلتؤد وزارة المعارف واجبها، وليؤد البرلمان واجبه، وليذكر المثقفون أنَّ للثقافة عليهم حقوقًا ينبغي أن تُراعى.

  • لقاء بعد يأس

    لقاء بعد يأس

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٠ مايو ١٩٤٥

    عرفته من بعيد كما عرفه المثقفون جميعًا في أقطار الأرض كلها؛ لأن شخصيته الثقافية والسياسية فرضته على هؤلاء المثقفين فرضًا منذ الحرب العالمية الماضية.

    ولعلي قد سمعت اسمه لأول مرة قبل تلك الحرب، وقبل أن أتصل بالثقافة الأوروبية اتصالًا مباشرًا، حين كان الطلاب المصريون الذين كانوا يدرسون في مدينة ليون يتحدثون بشئون مصر السياسية، فيجدون من عمدة المدينة رعاية لهم، وعناية بهم، وعطفًا عليهم. ثم سمعت اسمه حين كنت طالبًا في باريس أثناء الحرب، وحين كان وزيرًا من وزراء الحرب، وحين كان الفرنسيون يذكرون اسمه في شيء كثير من الحب الباسم والدعابة الرائقة. فقد اقترن اسمه دائمًا في نفوس الفرنسيين بالحب والدعابة والابتسام؛ لأنه هو نفسه مبتسم دائمًا، مداعب دائمًا، محب دائمًا.

    ثم سمعت اسمه بعد ذلك يُذكر في أجيال من الذين تخرجوا في مدرسة المعلمين العليا مقرونًا كذلك بالدعابة والابتسام والحب، وسمعت تندر هؤلاء الأجيال من خريجي مدرسة المعلمين العليا بدعابة هذا الوزير الممتاز حين كان طالبًا في هذه المدرسة، وعبثه بأترابه وأساتذته، ومقرونًا كذلك بكثير جدًّا من الثناء على حديثه العذب، وأدبه الغض، وبحثه العلمي الممتاز. ثم قرأت كتابه عن الحسناء الفرنسية المعروفة مدام ريكامييه، فأُعجبت بالكتاب أشد الإعجاب، وأكبرت الكاتب أعظم الإكبار، وتتبعت ما ظهر من كتبه، وترقبت ما كان ينتظر أن يظهر، وأصبحت منذ ذلك الوقت صديقًا له من بعيد. ثم كثر ذكر إدوار هريو في الصحف الفرنسية والعالمية؛ لأنه أصبح منذ سنة ١٩٢٤ مؤثرًا عظيم الخطر في السياسة الفرنسية والعالمية، ولم أره مع ذلك إلا في صيف ١٩٣٧.

    وقد لقيته في باريس حين اجتمع أصدقاء المدارس الفرنسية في الشرق برياسته، فلم أكد أسمع منه، وأتحدث إليه حتى استيقنت بأن الصورة التي ارتسمت له في نفسي كانت مقاربة شديدة الصدق.

    ثم كثر التقاؤنا بعد ذلك في تلك المؤتمرات التي كانت تُعقد في باريس حول المعرض العالمي، كمؤتمر التعليم الجامعي، ومؤتمر التعاون الفكري، واللجنة الدائمة للفنون والآداب. ولم أكن أقدر أن الصلة بينه وبيني ستزيد على هذا المقدار، ولكني لم أكد أعود إلى مصر في آخر الصيف من ذلك العام، وأستقر فيها أشهرًا حتى علمت أنه سيزور مصر؛ ليضع الحجر الأساسي للمدرسة الفرنسية التي أُنشئت في هليوبوليس. والناس يذكرون وصوله إلى هذه البلاد في أبريل سنة ١٩٣٨، واحتفاء الحكومة والجامعة به، وتكريم المثقفين المصريين له، وإهداء الجامعة إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وقد كنت ألقاه في هذه الحفلات كلها كما كان يلقاه غيري من المصريين، إلا أن إهداء درجة الدكتوراه إليه أنشأ بينه وبيني صلة خاصة. فقد كنت عميدًا لكلية الآداب التي أهدت إليه هذه الدرجة الفخرية. وكان منذ ذلك الوقت يزعم أني أصبحت عميده، وأنه أصبح يدين لي بشيء من الخضوع على حد قوله. ولست أنسى أنه لقيني بعد ذلك في المفوضية الفرنسية بهذه الجملة الظريفة: «سيدي العميد: لن ترى بين زملائك من سيكون أحرص مني على طاعتك.»

    وقد زرت معه حفائر الجامعة في تونة الجبل، ونزلنا ضيفًا على صديقنا الأستاذ سامي جبرة، وأقمنا في هذه الحفائر يومًا كاملًا، رأيت فيه من قرب إدوار هريو زائر للآثار مستقصيًا للبحث قارئًا للنقوش اليونانية، مجتهدًا في قراءة النقوش الهيروغليفية مستعينًا على هذه وتلك الأساتذة جوجيه، ودريوتون، وسامي جبره، مستفسرًا مستوضحًا ملحًّا في الاستفسار والاستيضاح، مناقشًا فيما يلقى إليه، مقيدًا ما يسمع. كل ذلك في جو شديد القيظ، فقد كنَّا في شهر مايو، وفي أيام كالتي شهدناها في الأسبوع الماضي، وفي الصحراء. وقد بدأ إدوار هريو زيارته للآثار مع الصبح ولم يسترح إلا حين دُعي إلى الغداء، ولعله ضاق بالدعوة إلى الغداء؛ لأنها قطعت عليه ما كان يحب أن يمضي فيه من البحث والاستقصاء. ولكننا نحن نعمنا بهذه الساعات القليلة التي قضيناها معه حول المائدة، وفي ظل حجرة من الحجرات نسمع منه، ونتحدث إليه في فنون مختلفة من الحديث، في الأدب والتاريخ، ولكنه كان يحرص على أن يفر من الأدب والتاريخ؛ ليسأل أصحاب الآثار عن آثارهم، وأصحاب الزراعة عن زراعتهم، فقد كان معنا من يعنى بالزراعة ويستطيع القول فيها. ولم تنتهِ الساعة الرابعة حتى أذن إدوار هريو في أصحابه باستئناف البحث، وزيارة الآثار، ومضى في ذلك ومضينا معه، حتى أقبل الليل، هنالك جلسنا نستريح حول تلك الساقية الرومانية التي اكتشفها الأستاذ سامي جبرة، والتي أُديرت في تلك الساعة، وجعلت تسمعنا صوتها الشجي، وتسمعنا خرير الماء في الصحراء المحرقة المرهقة، وجعل إدوار هريو في أثناء ذلك يسمعنا حديثه العذب، حديثه الذي لم يكن يتصل بالسياسة، ولا بلون معين من ألوان الثقافة، وإنما كان يرتفع عن هذا كله، ويمس هذا كله مسًّا رفيقًا. وأذكر من حديثه ذاك قوله لنا إنه وقد بلغ السادسة والستين من عمره، لا يحزن على شيء كما يحزن على ثلاث خصال: فهو لم يأخذ من الموسيقى الحظ الذي كان يتمناه، وهم لم يتعلم من اللغات الأجنبية المقدار الذي كان يحب أن يتعلمه، وهم لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف الفرنسي. أمَّا أنَّه لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف، فشيء ليس فيه شك. وأمَّا أنَّه لم يتعلم اللغات الأجنبية كما كان يحب، فيكفي أن نعرف أنه يحسن من هذه اللغات الأجنبية: الإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والإسبانية، وكان في ذلك الوقت يدرس الروسية. ثم دفعته زيارته لمصر إلى دراسة الهيروغليفية. ولست أذكر اليونانية واللاتينية؛ لأنه علم من أعلام الدراسات القديمة. وأمَّا أنَّه لم يحسن الموسيقى، فيكفي أن نعرف أن كتابه عن بتهوفن، هو خير ما أخرج للناس في فرنسا عن هذا الموسيقي العظيم. ولكنك تعرف الرجل المثقف الممتاز بهذه الخصلة التي تميزه من غيره حقًّا، وهي أنه شَره إلى المعرفة مهما يُحصِّل منها، ساخط على إنتاجه مهما يبلغ من الجودة والإتقان.

    وقد مضى إدوار هريو في زيارته لآثار مصر إلى غايتها، فحمَّل نفسه، وحمَّل أصحابه جهودًا ثقالًا. ولكنه عاد إلى فرنسا، فلم يمكث فيها أشهرًا، حتى أخرج كتابه عن هذه الزيارة، وإذا هو من خير ما يُقرأ، ومن أعظم الكتب التي أُخرجت في هذه الأيام عن الشرق الأدنى حظًّا من اللذة والإمتاع.

    وأخص ما يمتاز به إدوار هريو فيما يقول هو حبه لأداء الدَّيْن، فلم يكد يحول الحول على زيارته لمصر، وتلقيه فيما تلقَّى فيها من الحفاوة، حتى كانت الحكومة الفرنسية تهدي إلى وزير المعارف إذ ذاك، وإلى وزير المواصلات، وسام اللجيون دونور. أحد الوزيرين تلقاه في الجامعة، وقدم إليه باسمها دبلوم الدكتوراه، والآخر يسر له أسفاره في أنحاء المملكة. وحتى كانت جامعة ليون تدعو عميد كلية الآداب لشهود افتتاح العام الجامعي فيها في نوفمبر سنة ١٩٣٨، وتهدي إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وحتى كنت أقضي مع عمدة ليون في مدينته يومًا كالذي قضاه معي في القاهرة، وفي تونة الجبل.

    على أن حب إدوار لأداء الدَّين عنصر أساسي من عناصر شخصيته السياسية، فالفرنسيون جميعًا يعرفون هذه الخصلة من خصاله، يحبها كثير منهم، وينكرها كثير منهم أيضًا؛ لأنه لا يرضى لنفسه أن يلتوي بدينه الخاص، ولا يرضى لوطنه أن يلتوي بدينه العام. وقد اختلف الفرنسيون في أداء ديون الحرب الماضية إلى أمريكا، أو في طريقة أداء هذه الديون. فكان فريق منهم يريد أن تُلغى هذه الديون كلها أو بعضها، وكان كليمنصو على رأس هؤلاء الناس. وكان فريق آخر يريد أن تؤدى هذه الديون، يرى أن الالتواء بالدَّين لا يلائم مكانة فرنسا، ولا منفعتها في المستقبل. وكان هريو على رأس هؤلاء الناس، وقد سقطت وزارته من أجل حرصه على الوفاء بالدين.

    فإذا أردت أن تعرف عنصرًا آخر من العناصر الأساسية لشخصية هريو السياسية، فهو حبه للسلم، واستعداده للتضحية في سبيل هذه السلم بكثير جدًّا من ألوان الغرور الوطني. فهو الذي خاصم بوانكاريه حول احتلال وادي الرور، ولم يسترح حتى أجلى الجيوش الفرنسية عن هذا الجزء من أجزاء ألمانيا؛ إيثارًا للعافية، وحرصًا على استصلاح المغلوبين، واجتناب الكيد الذي كان يُكاد حول فرنسا مع بعض حلفائها. وهو الذي سعى وألح في السعي؛ للتقريب بين فرنسا وروسيا السوفيتية؛ فزار روسيا غير مرة، ودافع عن استئناف العلاقات معها، واستئناف السياسة التقليدية بينها وبين وطنه دفاعًا عرَّضه لكثير من العنت، ولألوان الكيد الذي كاده له رأس المال، وأنصاره من المحافظين.

    وقد كان إدوار هريو لسان أنصار السلم من الفرنسيين في عصبة الأمم، ورئيس لجنة التعاون الفكري في هذه العصبة، وخطبه السياسية والثقافية في جنيف ما زالت باقية في آذان الذين سمعوها، وفي أذهان الذي قرءوها إلى الآن.

    وهناك عنصر آخر يكمل الشخصية السياسية لأدوار هريو، وهو يتصل بالسياسة الفرنسية؛ فإدوار هريو ديمقراطي بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، لا يكاد يفصله من الاشتراكيين إلا استبقاؤه للملكية، واحتياطه في تسليط الدولة على كل شيء. وهو الذي قرر المجانية في التعليم الثانوي الفرنسي، وترك في التعليم الفرنسي كله آثارًا لا تُمحى؛ فهو من أشد المؤيدين للمدرسة الواحدة، ومن أشد المقتنعين بمدنية التعليم، ومن أقوى المجاهدين في جعل التعليم على اختلاف فروعه ودرجاته حقًّا مباحًا للمواطنين جميعًا لا يردهم عنه فقر وضعف، ولا طبقة اجتماعية مهما تكن.

    هذه هي الشخصية السياسية لإدوار هريو أجملتها إجمالًا شديدًا جدًّا. فأما شخصيته الأدبية فرائعة حقًّا، فلست أعرف أني لقيت رجلًا ظفر بمثل ما ظفر به إدوار هريو من هذه الثقافة الواسعة إلى غير أمد، العميقة إلى غير مدى، المترفة إلى غير حد. وما قولك في رجل يستطيع أن يتحدث في أي لون من ألوان العلم، وفي أي ضرب من ضروب الأدب الفرنسي والأجنبي، وفي أي فن من الفنون الجميلة، وفي أي فرع من فروع السياسة والإدارة، حديث المتقن العالم بما يقول، الفاهم لما يسمع، لا حديث من يتكلف أو يصطنع أو يستعير، وإنما هو أصيل في كل ما يأخذ فيه من أطراف الحديث، وكتبه نفسها تصوِّر أروع تصوير هذه الثقافة الواسعة العميقة المترفة ذات الألوان المختلفة، والثمرات المتباينة. فهو يكتب في الأدب الفرنسي، وفي التاريخ الفرنسي، وفي الفن الفرنسي، وهو يكتب في تاريخ الثقافة الإسكندرية القديمة، وهو يزور البلقان، فيكتب عن البلقان، وعن اليونان خاصة، ويزور الشرق فيكتب عن الشرق، عن تاريخه القديم والحديث، وعن الصلة بينه وبين أوروبا، ويزور مصر فيكتب عن مصر قديمها وحديثها، وهو يكتب في الموسيقى، وهو على تقدم سنه، وكثرة عمله في رياسة مجلس النوَّاب، وإدارة مدينة ليون، وفي ما ينشئ من الكتب، وما يدرس من مصادر التاريخ للثورة الفرنسية في مدينة ليون، يتعلم الروسية، ويتعلم الهيروغليفية، ويحاول أن يتعلم العربية. وهو على هذا كله أشد الناس هدوءًا، وأعظمهم اطمئنانًا، وأوفرهم حظًّا من اعتدال المزاج، لا تلقاه إلا راضيًا، ولا تراه إلا باسمًا، ولا تتحدث إليه إلا سمعت منه الفكاهة النادرة والنكتة الظريفة، والحديث الذي يغذو العقل والروح. وبينما كان إدوار هريو ماضيًا في حياته هذه الهادئة العنيفة الخصبة، أقبلت الحرب العالمية الثانية، فلقيها كما لقي الحرب الأولى حازمًا عازمًا باسمًا مؤمنًا بأن الكلمة الأخيرة ستكون للحق والعدل، وبأن وطنه سيخرج من الحرب الثانية ظافرًا كما خرج ظافرًا من الحرب الأولى.

    ولكن الكوارث تلم، والنوائب تنوب، وإذا الجيوش الفرنسية تقهر، وإذا الماريشال بيتان يطلب الهدنة، ويقبل شروط المنتصر، وإذا نظام الحكم في فرنسا يتغير، وتقوم فيها حكومة الطغيان بأعين العدو، وإذا الزعماء الفرنسيون الأحرار يتفرقون، فمنهم من يُتاح له الفرار، ومنهم من يأخذه العدو. ولكن إدوار هريو مقيم على عهده لفرنسا الكبرى ذات النظام الديمقراطي الصحيح، يدير الشئون في مكتب مجلس النوَّاب كما كان يفعل قبل أن تلم الملمة، والنذر تسعى إليه سرًّا وجهرًا فلا يحفل بها، ولا يلتفت إليها، والرئيس روزفلت يدعوه إلى أمريكا ليقيم فيها حتى تنجلي الغمرة فيعتذر شاكرًا.

    ثم تنتهي المحنة إلى أقصاها فيؤخذ ويُعتقل، ويُمتحن في جسمه وفي عقله، فهو لا يستمتع بما تحتاج إليه سِنُّه من العناية، ولا يستمتع بما يحتاج إليه عقله من الغذاء، وإنما هو أسير في يد الفرنسيين المتعاونين مع ألمانيا، وفي يد الألمانيين.

    ثم يُنقل إلى ألمانيا، ويقيم فيها بين بوتسدام وبرلين في مستشفى من المستشفيات، حتى يأتي الجيش الأحمر فينقذه من الأسر، ويرده إلى الحرية.

    وقد أخذه الجيش الأحمر فُجاءة، ورده إلى الحرية عجلًا، وبعد به عن المستشفى أمدًا غير قصير. ولكنه حريص دائمًا على أداء الدَّين، وهو لم يودِّع مدير المستشفى الألماني، ولم يشكر له أنه كان حسن الرعاية له، فهو يستأذن القائد الروسي، ويلح في الاستئذان حتى يرده القائد إلى المستشفى، فيشكر مضيفه الألماني، ويودِّعه وداعًا جميلًا، وفي نفسه مع ذلك من بغض الألمان نار ليس إلى إطفائها من سبيل.

    وقد لقيت إدوار هريو ظهر الخميس الماضي، واجتمعت معه بعد هذه المحنة، كما اجتمعت معه قبلها حول مائدة الغداء، وتحدثت إليه وسمعت منه بعد الغداء، فإذا هو كعهدي به لم يتغير، وقد سألته وأنا أودعه: أتصدر لنا كتابًا في وقت قريب؟ قال وهو يضحك، ويضع يده على كتفي: في وقت قريب جدًّا أيها الصديق العزيز.

  • ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم

    ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٩ فبراير ١٩٤٠

    أنشأت وزارة المعارف العمومية في حركتها التجديدية الأخيرة مراقبة جديدة سمَّتها «مراقبة الثقافة العامة»، واختارت لرئاستها الأستاذ النابغة الدكتور طه حسين بك. وقد قابله مندوب المصور، وسأله عن الغرض من إنشاء هذه الرقابة وبرنامجها وأهدافها في خدمة الثقافة العامة، فتفضل عزته بالحديث الآتي:

    لوزارة المعارف في نشر الثقافة مهمتان: مهمةُ نشرِها في مدارسها الخاصة والمشرفة عليها، ومهمة نشرها وتنظيمها خارج هذه المدارس. وقد بَقِيَتْ هذه المهمة الأخيرة بلا تحديد ولا تنظيم ولا أهداف معينة، مع أنها أخطر من المهمة الأولى، وأكثرها ارتباطًا بالأمة وهيئاتها وبالأمم الأخرى، فأرادت الوزارة أن تتلافى هذا النقص، وأن تضع حدودًا تُمَكِّنها من خدمة الثقافة العامة على أحسن الوجوه وأصحِّها غرضًا وأضمنها إنتاجًا؛ فأنشأت هذه الرقابة، وجعلت تحت إدارتها قسمين: قسم الترجمة والإحصاء، وقسم التعاون الثقافي.

    ولأدعك من هذا التنظيم الإداري الذي ما زلت أُعنَى به؛ لأحدِّثك عن التنظيم الثقافي. فالواقع أننا في حاجة إلى تنظيم الثقافة العامة، وفي حاجة إلى تحديدها، بل إلى توحيدها إذا أمكن هذا التوحيد. فجميع الجهود المبذولة فيها مبعثَرة، والأعمال الجارية بها تكاد تكون فوضى، وخدمات وزارة المعارف فيها غير منظَّمَة، وأغراضها منها غير معروفة. وهذا التنظيم الثقافي يتناول داخِلَ البلاد وخارجها. فعندنا في مصر جمعيات علمية وأدبية ولجان التأليف والترجمة والنشر. وهذه الهيئات تعاونها وزارة المعارف كل عام بنحو «١٥ ألف جنيه». ولا ريب أنها تقوم بواجبها في خدمة الثقافة العامة، ولكن جهودها غير منظَّمَة، وإنتاجها غير محدود. فلو أمكن تنظيم جهود هذه الجمعيات لاستطعنا أن ننشئ منها مجمعًا علميًّا عامًّا لا يقل عن المجمع العلمي في فرنسا. فعندنا في مصر ثروة علمية وأدبية لا ريب فيها، ولكنها كما قلت غير منظمة، والإشراف عليها غير موجود. ولست أدَّعي أننا في ثروتنا الفكرية كفرنسا وإنجلترا، ولكنني أقول إننا لسنا أقل من بلجيكا وإسبانيا واليونان، بل لسنا أقل من إيطاليا في ثروتنا العلمية والتاريخية.

    وقد قامت الحرب ومجمع فؤاد الأول للغة العربية على أبواب افتتاح دورته السنوية، فاعتذر بعض أعضائه في الخارج. فرأى المجمع تأجيل دورته، ورأت وزارة المعارف في هذا التأجيل ما يُفوِّت الغرض من قيام هذا المجمع، فعهدت إلى رقابة الثقافة العامة في تنظيم العضوية فيه؛ بحيث تكون أكثريته العامة في مصر حتى نتابع أعماله على الدوام، وحتى نكون أسرع إنتاجًا.

    ***

    وقد رأت رقابة الثقافة العامة أن دراسة التاريخ المصري القديم والتاريخ العربي في مدارس الوزارة يكاد يكون مقصورًا على الكتب، فاقترحت أن يقوم رجال المُتحف المصري ودار الآثار العربية بإلقاء محاضرات فيهما على المعلمين؛ ليقوموا هم بإلقاء دروسهم على طلابهم بين آثار هذين المُتحفين. وقد شرعت الوزارة في العمل بهذا الاقتراح، ويقوم رجال الآثار الفرعونية والعربية بإلقاء هذه المحاضرات.

    ***

    أمَّا إحياء التراث العربي، فقد اقترحت أن تضاعِف دار الكتب المصرية عنايتها بإخراج نفائس العلوم والفنون العربية، ونقل نفائس المؤلَّفات الأجنبية وطبعها في مطبعتها التي تُعَدُّ من أرقى المطابع. وقد صادف هذا الاقتراح عناية معالي وزير المعارف العمومية واهتمامه الكبير. كما اهتم معاليه بالعمل لإنشاء فرقة مصرية للموسيقى الأجنبية تحل محل الفرق الأجنبية التي تستدعيها الوزارة كل عام للعزف والتمثيل بدار الأوبرا الملكية، وتُنفِق عليها ستة آلاف جنيه، فعندنا الآن طائفة من المصريين والمصريات يُتقِنُون هذه الموسيقى، كما عندنا طائفة يستطيعون التمثيل باللغة الأجنبية، ويستطيعون أن يكفوا حاجة الأجانب في مصر. وقد لا يمضي وقت طويل حتى تكون هذه الفرقة قد أُنشِئت.

    ***

    هذه بعض نواحي تنظيم الثقافة العامة في داخل البلاد، أمَّا تنظيمها في الخارج، فلمصر عَلاقات ثقافية بالأقطار الشرقية والبلدان الغربية. فالأقطار الشرقية ترسل الآن بعوثها من الطلبة إلى المعاهد المصرية، كما تستدعي بعض المعلِّمين المصريين للتدريس في معاهدها. ولما كانت برامج التعليم في هذه المعاهد تختلف كثيرًا عن برامج التعليم في مصر؛ فقد جعلت المعاهد المصرية تشترط شروطًا معينة في البعثات الشرقية، وتُجري بين طلبتها امتحانات خاصة. كما أن إيفاد المعلِّمين المصريين إلى الأقطار الشقيقة يحتاج إلى تنظيم خاص. لذلك كان من مهمة رقابة الثقافة العامة أن تُعنى بهذا التنظيم، وأن تهتم بتقريب المناهج بين الأقطار العربية حتى يسهُل التعاون، ويؤدي إلى الوحدة العربية المنشودة.

    ***

    أمَّا أوروبا، فقد أخذت مصر منذ زمن طويل تستدعي بعض علمائها وأساتذة جامعاتها للدراسة في معاهدها، وتأخذ عنها بعض نُظُمِها، وتتبادل معها الشئون الثقافية، وترسل مندوبيها لحضور مؤتمراتها العلمية، كما ترسل بعض البلدان الأوروبية علماءها لحضور بعض المؤتمرات العلمية في مصر. فهذه العلاقات الثقافية بيننا وبين أوروبا في حاجة إلى تنظيم، وإلى عناية خاصة؛ حتى لا تظهر مصر أمام البلدان الراقية بمظهر يحط من شأنها، ويجعل الغربيين ينظرون إلى حركتنا العلمية نظرة لا تتفق وما أخذته وزارة المعارف على عاتقها من تقدُّم النهضة العلمية والأدبية وخدمة الثقافة العامة على أكمل الوجوه، وأحسن النُّظُم التي تضمن المحافظة على كرامة البلاد.

  • تكوين الصفوة المثقفة

    تكوين الصفوة المثقفة

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٢ مارس ١٩٣٩

    شهدت قاعة «مدرسة العائلة المقدسة» مساء الاثنين الماضي حفلًا أدبيًّا ممتازًا، اجتمع فيه جمهور كبير من الصفوة المثقَّفَة؛ ليستمعوا إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك وهو يلقي إليهم حديثه الرائع عن «تكوين الصفوة المثقفة».

    جلس الأستاذ العميد كما تعوَّد أن يجلس إلى طلابه، يتحدث إليهم فيملك أسماعهم وقلوبهم، واتجه إليهم قائلًا:

    الناس يتحدثون إليكم بالكثير عن تبعاتكم، يتحدث بعضهم عن الزراعة والصناعة والتجارة، ويتحدث آخرون عن الدفاع وكيف يجب أن يكون، وتُلهِيهم هذه الأحاديث العذبة وتلك الأماني الحلوة عن أهم مقومات حياتنا ونهضتنا. ولست أعرف أن حياةً لأمة متحضرة تستطيع أن تستقيم في شأن من شئونها بغير التعليم؛ فالذين يتحدثون عن الزراعة والصناعة والدفاع يخدعون نفوسهم ويخدعون معهم الناس حين يُغْفِلون أساسَ هذا كله؛ وهو التعليم. وما أريد أن أتحدَّث إليكم عن التعليم عامة، ما أريد أن أتحدث عن التعليم الأولي والثانوي، بل ما أريد أن أتحدث عن التعليم العالي، وإنما أريد أن أتحدث عن تكوين فئة مثقَّفة تستطيع أن تفهم الحياة، وتقدِّر مصاعبها، وتمكِّن هذا البلد من الوصول إلى حيث يجب أن يصل بين الأمم الناهضة. كيف السبيل إلى تكوين هذه الصفوة المثقفة على شكل جدِّي ملائم لكرامتنا؟ يختلف جواب الناس عن هذا السؤال، وأكثر ما يقوم هذا الجواب على الخداع. فمن أيسر الأجوبة التي تُقال أنه يجب الإكثار من المدارس وكليات الجامعة، ولكنكم تستطيعون أن تنظروا فتروا طائفة ممن تخرجوا في المدارس والكليات وتتحدثوا إليهم، فلن تلبثوا أن تشعروا أن هؤلاء قد تعلَّموا وظفروا بالدرجات الجامعية وما تهيئه لهم من وظائف، ولكنهم لم ينالوا حظًّا من الثقافة. وما أكثر الأطباء والمهندسين المهرة الذين برعوا في فنِّهم، ولكنهم من الناحية الثقافية كعامة الناس! ليس من المهم للمثقف أن يكون قد أتمَّ مراحل التعليم أو أن يبرع في فنِّه، وإنما الرجل المثقف الذي يستحق هذا الوصف هو الذي يستطيع أن يفهم ما يعرض له ولمواطنيه من مشكلات، وأن يتحدث عنها حديث الفاهم لها المقدِّر لخطورتها، وأن يعرف ظروفها ووسائل علاجها. فإذا رأيتم المهندس الذي لا يستطيع أن يتحدث في غير الهندسة، أو المحامي الذي لا يقدر غير أعمال القضاء، إذا رأيتم أحد هؤلاء فقولوا إنه رجل تعلم التعليم العالي، ولكنه ليس مثقفًا. وإذن فيجب ألَّا نخدع نفوسنا بكثرة المتخرجين في الجامعة، وألَّا نظن أن كثرتهم تكثِّر المثقفين إلَّا أن يكون التعليم عندنا قادرًا على أن يجعل المتعلم مثقفًا. فهل وصلنا حقًّا إلى تكوين هذه الفئة؟! أمَّا أنا فأقول إن في مصر عددًا لا بأس به من الشبَّان الذين يستطيعون أن يتحدثوا حديثًا حسنًا في الأدب والسياسة والاجتماع، ولكن هل هم حقيقة يحققون ما نرجو من المثقفين؟ هل يصورون ما ننشده جميعًا من إنهاض مصر إلى مستوى الدول الذي نطمع في مسايرتها؟ أمَّا أنا، فآسفٌ أشد الأسف إذ أجيب بلا، فالمثقفون عندنا قليلون، ومع ذلك فكيف أوجدنا هذه الفئة؟ أأوجدتهم مدارسنا؟ أأوجدتهم مناهجنا؟ أمن شأن مدارسنا ومناهجنا أن توجِّه طلابها إلى هذه الغاية؟ أنا آسف إذ أجيب بلا … فنحن لم نُعْنَ بالثقافة، ولم نرد أن نتصورها على وجهها، ولم نرتفع عن الحياة العملية إلى الحياة العقلية الممتازة التي تبعد عن قيود الخبز. والذين يرسلون أبناءهم إلى المدارس لا يفكِّرون في غير الشهادات والعمل الذي يمكِّنهم من أن يعيشوا، فالعلم عندنا وسيلة لا غاية، ولست أكره أن يكون كذلك، ولكن لا بدَّ من أن توجد — في نفس الوقت — طائفةٌ تقدِّر أن العلم يصح أن يُطلب لذاته، وأن العقل يصحُّ أن يرقى لذاته، وأن القلب يصحُّ أن يهذَّب لذاته. وسيكون كذلك يوم يوجد هذا الشعور في مصر، يوم نفهم أن التعليم قد يكون لمجرد الرقي العلمي والترف العقلي. هذا غرضٌ يجب أن توجَّه إليه نفوس المصريين، وأن توجه إليه بنوع خاص نفوس القائمين بأمر التعليم في مصر؛ فقد نعذر الأسر المصرية حين تفهم العلم ذلك الفهم المادي. ولكن رجال التعليم يجب أن يكونوا صورة لهذا الفريق الذي يشعر بالرقي العلمي لغير إرضاء حاجات الجسم. وليس واجب المشرفين على التعليم أن يكثروا من المدارس، أو يدخلوا هذا العلم أو ذاك. ليس واجبهم هذا فحسب، بل يجب عليهم أن يضعوا نظمهم وينشئوا مدارسهم بحيث تبثُّ في النشء هذا التصور الجديد للعلم. يجب أن تكون المدرسة مربية للتلميذ، ومرشدة لأسرته. أفتظنون أننا وصلنا في أمور التعليم إلى شيءٍ من هذا؟ هل ينظر رجال التعليم إلى المسألة على هذا النحو؟ الذي أشعر به هو أن المعلم ليس بينه وبين غيره من حملة الشهادات فرق ما، فهناك معلم عامي يؤدي واجبه الآلي ثم ينصرف لشئونه. ولو أن وزارة المعارف قامت بإحصاء دقيق لتتبيَّن عدد المعلمين الذين يحبون العلم من حيث هو، ويحرصون على الاستزادة منه، ويفرغون للقراءة في هذا الكتاب أو ذاك، ويختلفون إلى مجالس الأدب ومتاحف الفن؛ لو قامت الوزارة بهذا الإحصاء لكانت نتيجته مؤلمة حقًّا. ولكنا نعرف أن رجال التعليم عندنا يختلفون إلى أندية الحديث والقهوات أكثر مما يختلفون إلى دور الكتب والمتاحف؛ لأنهم لم يُهيَّئُوا لحب العلم، وإنما أرسلوا إلى المدارس على أنها وسيلة من وسائل الحياة كما يُهيَّأُ الطبيب والمهندس، ولا كذلك يجب أن يهيأ الشباب في بلد متحضر كمصر، إنه آمال ومطامح. وإذا كان من المحتمل أن نتصور الطبيب العامي، فليس من المحتمل أن نتصور المعلم على أنه صاحب مهنة فحسب؛ لأننا نعتمد عليه في تكوين عقول أبناء الجيل. وويل لأمة لا تستطيع أن يكون شبابها خيرًا من شيوخها! ويلٌ لنا إذا كنَّا نكتفي بأن يكون أبناؤنا صورة طبق الأصل منَّا. إن الأب ليهيئ ابنه لحياة أفضل من حياته، فكيف لا تشعر الأمة بهذا الشعور؟ وكيف لا تشعر به الحكومة ورجال التعليم؟ لو أن أمور التعليم تخرج ما يشبهنا، أفنكون قد أدَّينا واجبنا نحو الأجيال القادمة؟ كلا … واسألوا أنفسكم، أفأنتم راضون عن معلِّميكم؟ إن صدقتم فستكون ملاحظاتكم قاسية. إن من بينكم من يختلفون إلى دروسي، وأصارحكم بأن أخرج من عندهم غير راضٍ عنهم لأنهم راضون عني! إني أبغض الإنسان الذي يرضى عن نفسه، ويطالب الغير بأن يرضى عنه! مثل هذا قد وقف ولا أمل في رقيه. ولنسأل كم يكون عدد المصريين الذين لا يرضون عن أنفسهم؟ أنا آسف إذ أقول إنهم قليلون، وإلَّا لكان عدد رواد المقاهي أقل مما نراه. ولا تظنوا أني أعتمد على الدولة والحكومة والمدارس في تكوين هذه الصفوة، ولا أعتقد أن هذا شيءٌ تُشرع له النظم والقوانين؛ لأنه ليس من الأشياء التي تصنع بأمر أو قرار. الذي أطلبه إلى المدارس ألَّا تكون عقبة في سبيل ظهور المثقف الممتاز. يجب أن تُزال العقبات من أمام الشباب المصري، فهو مهما يكن ممتاز الطبع والذكاء، يفسد طبعه إذا لم تُهيأ له السبل. وأبسط ما يطلب إلى الحكومة في مصر هو تنظيم التعليم بحيث لا يفسد عقول الصبية، ويخنق ملكاتهم، ويلغي شخصياتهم. ومن شر ما يمكن أن يصل إليه الناس أن يطلبوا إلى حكوماتهم ألَّا تفعل بدل أن يسألوها أن تفعل! على أن هناك أشياء إيجابية أتمنى أن نفكر فيها لتكوين الصفوة المثقفة، منها أن نُبيح التعليم العام للمصريين جميعًا، وأن نبرئ أنفسنا من هذا الرأي الخطير الذي يحدد عدد المتعلمين لكيلا توجد عندنا أزمة للمتعطلين. تلك أزمة لا تنشأ من التعليم، بل من عدم تدبير النظام الاجتماعي على وجه صالح. وليس التعليم هو مصدر الأزمة، ولكنه مصدر الشعور بها، وذلك خيرٌ. وإني لأتمنى أن تنشأ عندنا أزمات من التعليم بدل أن نطمئن إلى الجهل. إن النظام الاجتماعي لا يُحمى بالجهل، وأي الأمرين أفضل؛ أن يكون الجهل وجرائمه وآثاره هو قوام الحياة المصرية، أو يكون العلم وأزماته وآثاره هو قوامها؟ أيهما خير؛ أن نصدر في اضطرابنا عن علم أو جهل؟ إن المتعلمين يغضبون فيكتبون ويحتجُّون، أمَّا الجاهلون فيُجْرِمون. يجب أن يُباح التعليم، ولكن يجب أيضًا أن يُصفَّى، وأن تكون اختباراتنا معتمدة على الجدِّ والحزمِ والصرامةِ، والحياة كفيلة بعد ذلك بإتمام التصفية! إن الصفوة المثقفة موجودة عندنا بالقوة، فلأجل أن توجد بالفعل يجب أن يوضع الذكاء بحيث يتَّصِل بالثقافات المتحضرة اتصالًا مباشرًا، ومعنى هذا أني أكره أن يحكم على العقل المصري أن يظل وقفًا على العربية وحدها، أو يتجاوزها إلى الإنجليزية أو الفرنسية فحسب، فكلكم يعلم أن هناك أممًا مثقفةً نتصل بها، وألَّا نجعل عقولنا محتكرة لهذه الأمة أو تلك. لا بدَّ أن تُفتح أبواب الثقافة عندنا على مصراعيها، وأن تدخلها الثقافات كالهواء الطلق. وبهذا نستطيع أن نكوِّن العقل الحر النقَّاد القادر. فإما أن نقصر على ثقافة بعينها، أو يقتر علينا في الثقافة فلا تدخلها العناصر الأجنبية إلَّا بمقدار، فهذا هو الشر الذي لا يتفق مع كرامتنا. ثم إني أطلب شيئًا أهم من ذلك، أطلب أن تكون لغتنا العربية وأدبنا العربي أساسًا لكل ثقافة صحيحة ممتازة. وأؤكد لكم أننا لم نبذل للغتنا بعض حقها. اسألوا أنفسكم: أحقًّا أنكم تعرفونها؟ أحقًّا أنكم قادرون على تأدية معانيكم بها؟ أمَّا أنا فأشهد أنكم لا تستطيعون، وكل ثقافة لا تعتمد على اللغة الوطنية ليست إلَّا ثقافة مستعارة، والذي لا يعرف لغة وطنه غير مثقف، وأخشى أن أقول إني أشك في رجولته شكًّا كبيرًا! ولكن كيف السبيل إلى تعليم لغتنا؟ هذه قصة طويلة كثر فيها القول، وما أظن أننا نستطيع أن نؤديه في محاضرات. ولكني أؤكد لكم أن وزارة المعارف تعرف السبيل الصالحة لهذا، وأن معالي وزيرها يعرفه حق المعرفة، ولكنه لا يسلك سبيلها. لماذا؟ أَلِأَنَّه لا يريد؟ أَلِأَنَّ ظروفنا السياسية المعقدة تعطل الكفايات وتضطر الناس إلى أن يروا الخير ثم لا يفعلوه؟ أنا أشهد أن بعض وزرائنا كانوا من الكفاية والإخلاص كأحسن ما نتمنى أن يكون عليه الوزراء، ولكن ظروفنا تضطر أكفأ الناس إلى الصمت، فيرى الخير ولا يفعله، وأنا إن رحمت أحدًا من المصريين فأنا أرحم جماعة من وزرائنا يريدون ولا يفعلون. وأعود فأؤكد لكم أن هناك أشياء لا بدَّ منها لتكوين المثقف الممتاز، أهمها أمران: فتح الأبواب للثقافات الأجنبية لتمتزج بثقافتنا، والعناية بجعل اللغة العربية لغة مصرية ومادة لحديث الشباب وأذواقهم. إذا وفقنا لهذا فإننا نكون قد وصلنا إلى بدء الطريق الذي ينتهي بنا إلى تكوين الصفوة المثقفة.

    وبهذا انتهى الدكتور العميد من حديثه العذب الفيَّاض؛ فأقبل عليه الجميع مهنِّئين، وخرج الشباب يديرون في خواطرهم تلك الآراء التي بثَّها فيهم، وخرج طلابه يُدِلُّون على الناس وعلى الأستاذ المحاضر نفسه بأنهم تلاميذ الدكتور طه حسين!

  • حياتنا العقلية

    حياتنا العقلية
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١٦ سبتمبر ١٩٢٩

    تأتلف الأمم وتتصل بينها أسباب المودة والحب، فيترجم بعضها عن بعض، وينقل بعضها ما لبعضها الآخر من علم وفلسفة، ومن أدب وفن، وتختلف الأمم وتتقطع بينها الصلات وتشبُّ بينها الحروب، فيترجم بعضها عن بعض أيضًا، وينقل بعضُها ما لبعضِها الآخَر من الآثار العقلية والفنية، ويكون النقل والترجمة أثرًا من آثار الحب والألفة، كما يكون النقل والترجمة أثرًا من آثار البغض والفرقة، على نحو ما قال الأستاذ العقاد في الفصل الممتع الذي نشره له الجديد منذ أسبوع.

    ولكن أمر الترجمة وما يكون من التقارب العقلي والفني بين الشعوب أعظم فيما يظهر وأبعد مدى مما ذهب إليه الأستاذ العقاد، فليس من المحقق أن المؤثرات المتصلة بالحب والبغض أو بالمنافع العاجلة، وما تستتبع من تنافس وجهاد، هي التي تبعث على الترجمة والنقل، وإن كانت قد تزيد الميل إليهما وتحثُّ الشعوب على الاستكثار منهما، على نحو ما حدث بعد الحرب الفرنسية الألمانية في آخِر القرن الماضي، وبعد الحرب الكبرى في هذا القرن. وليس من المحقق أن الشعب المغلوب، يُكثِر من النقل العلمي والأدبي عن الشعب الغالب، بل قد يكون الأمر على عكس ذلك من كل وجه، فينقل الشعب الغالب عن الشعب المغلوب كل شيء، ولا ينقل الشعب المغلوب عن الشعب الغالب شيئًا، وأظن الأستاذ العقاد لم يُرِدْ في الفصل الذي أشرتُ إليه آنفًا إلا أن يتحدَّث إلى قرَّائه بملاحظات وخواطر عنت له، فحاوَلَ أن يعلِّلَها تعليلًا يسيرًا على شيء من السرعة التي نتوخَّاها جميعًا حين نريد أن نكتب الفصول الأدبية للصحف اليومية والأسبوعية، وعلى شيء من السهولة التي نتوخَّاها جميعًا حين نكتب للذين يقرءون هذه الصحف، على اختلافهم وتفاوت حظوظهم من الثقافة وتباعدهم في النظر إلى الأشياء والحكم عليها، وأحسبه أيضًا لم يُرِدْ أن يتجاوز بهذه الملاحظات هذا العصر الحديث أو بعض نواحي هذا العصر الحديث، وما أشك في أنه لو استقبل هذا الموضوع بما تعوَّدَ أن يستقبل به الموضوعات التي يدرسها ويكتب فيها عن أناةٍ واستقصاءٍ، لَكان حُكْمه مغايرًا قليلًا أو كثيرًا للحكم الذي قرأناه منذ أيام.

    يقال إن اليونان نقلوا عن الأمم الشرقية علومًا وآدابًا، ومما لا شك فيه أنهم نقلوا عن هذه الأمم نُظُمًا وفنونًا، ومن المحقق أن الرومان قد نقلوا عن اليونان حضارتهم كلها، سواء منها المادي والمعنوي، وسواء منها العقلي والفني، بدءوا في هذا النقل قبل أن تشبَّ بينهم وبين اليونان حروب، وأكثروا منه وأمعنوا فيه بعد أن تمَّ لهم الفوز على اليونان، وأصبح هؤلاء اليونان عبيدًا للرومان بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة من غير تجوُّزٍ أو إسرافٍ، ولم يَكَدِ اليونانُ ينقلون عن الرومان شيئًا لا قبل الخصومة ولا إبَّانها ولا بعدها، فالغالب هنا هو الذي أخذ عن المغلوب وأسرف في الأخذ عنه، حتى قال هوراس الشاعر الروماني:

    إن اليونان قد قهروا روما من ناحية الحضارة والثقافة، بينما قهرت روما اليونان من الناحية السياسية، وكان التنافس شديدًا جدًّا بين اليونان والفينيقيين في غرب البحر الأبيض المتوسط، واشتركت روما في هذا التنافس فلم ينقل الفينيقيون عن اليونان علمًا ولا آدابًا ولا فلسفة، ولم ينقل اليونان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا، ونقل الرومان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا يسيرًا جدًّا، فلم يكن الحب والبغض، ولا العداوة والصداقة هي المؤثرة في الترجمة إبَّان ذلك العصر.

    ومن المحقق أيضًا أن العرب انتصروا على الفرس وعلى اليونان البيزنطيين بعد ظهور الإسلام، كما انتصروا على أمم أخرى، فنقل العرب عن الفرس واليونان كل شيء، ولم ينقل الفرس واليونان عن العرب شيئًا، وكل ما كان هو أن الفرس أسلموا وطال عهدهم بالإسلام فتثقفوا بالثقافة الإسلامية، وكانت لهم آداب حديثة فيها أثر قوي للآداب العربية. ومن غريب الأمر أن هذه النهضة الفارسية التي ظهر فيها تأثُّر الفرس بالعرب لم تكن حين كان العرب غالبين والفرس مغلوبين، وإنما كانت حين تمَّ الفوز للفرس على العرب، وظفروا بالسلطان السياسي كله في الشرق الإسلامي، فكيف يعلِّل الأستاذ العقاد هذه الترجمة؟ بالحب أم بالبغض أم بالتنافس والجهاد؟

    أما أنا فألاحظ قبل كل شيء أن العلة الحقيقية الأولى لكل ترجمة ونقل، إنما هي الطبيعة الإنسانية التي تجعل الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا كما يقول أرستطاليس في السياسة، وحيوانًا مفكِّرًا كما يقول أرستطاليس في المنطق، فطبيعته الاجتماعية تضطره إلى أن يتصل بغيره من الأفراد والجماعات ويشاركهم فيما يفكِّرون ويشعرون ويستحدثون، وطبيعته المفكِّرة تضطره إلى أن يبحث ويستقصي ويتعرَّف حقائق الأشياء، فالترجمة إذًا أداة من أدوات الحياة الاجتماعية، وهي أداة من أدوات الحياة العقلية، وبمقدار حظ الشعوب من الحياة الاجتماعية والعقلية وحاجتها إلى تكميل هذين النوعين من الحياة، يكون حرصها على الترجمة.

    كانت الحياة الاجتماعية والعقلية عند الرومان والعرب ضعيفة محتاجة إلى شيء كثير لتكمل وتقوى، فنقل الرومان عن اليونان، ونقل العرب عن اليونان والفرس، ولم يحتج اليونان إلى أن ينقلوا عن الرومان، ولا عن العرب شيئًا، ولم ينقل الفرس عن العرب إلا بعد أن تمَّ لهؤلاء التفوق العقلي والاجتماعي، وآية ذلك تجدها في التاريخ الحديث نفسه حين استكشف الأوروبيون علومَ القدماء وآدابهم وفنونهم، فأحَسُّوا حاجتهم الاجتماعية والعقلية إلى نقلها، فأسرعوا إليها فترجموها ودرسوها، فكانت النهضة الحديثة.

    ومع أن الحياة الحديثة تخالِف الحياة القديمة وحياة القرون الوسطى بظهور المطبعة وكثرة المواصلات، فما زال الأمر كما كان لم يتغيِّر إلا تغيُّرًا إضافيًّا، فالحاجة الاجتماعية والعقلية هي التي تدعو إلى الترجمة الآن، كما كانت تدعو إليها في العصور القديمة وفي القرون الوسطى.

    لا تستطيع أمة أن تعيش وحدها، فهي مضطرة إذًا إلى أن تتصل بغيرها من الأمم وتترجم عنها، وبمقدار شعور الأمة لهذه الحاجة الاجتماعية يكون حظها من الترجمة عن الأمم الأخرى، ومن هنا لا يكتفي الإنجليز والفرنسيون والألمان بأن يترجم بعضهم عن بعض، ولكنهم يترجمون عن العرب والفرس والترك والروس والصينيين، ومن هنا أيضًا كان حظ الغرب من الترجمة أكثر من حظ الشرق؛ لأن شعور الغرب في هذه الأيام بحاجته الاجتماعية أشد من شعور الشرق بهذه الحاجة.

    ولا تستطيع أمة، بل لا يستطيع فرد أن يستقلَّ بحياة عقلية منفصلة، بل هو مضطر إذا أراد البحث والتفكير والإنتاج العقلي إلى أن يعرف ما أنتج غيره فيما هو بسبيله من أنواع العلم والفن، فهو إذًا مضطر إلى أن يقرأ ما كتَبَ غيره في لغته القومية أو في اللغات الأجنبية الأخرى، والترجمة هي الأداة لهذا الاتصال العقلي كما هي الأداة للاتصال الاجتماعي، وهي أداة ناقصة دائمًا، فلن يجد الأفراد الذين يحرصون على تحقيق هذه الصلة العقلية والاجتماعية بين الأمم من التراجم ما يرضي هذه الحاجة؛ لذلك يتعلَّمون اللغات الأجنبية، وهل هناك معنى لتعلُّم اللغة الأجنبية إلا أنَّ مَن يتعلَّم لغة أجنبية إنما يترجم لنفسه ما لم يترجمه له المترجمون؟! وكما أن الشعور بالحاجة الاجتماعية مقياس لحظ الأمم من الترجمة، فالشعور بالحاجة العقلية مقياس للترجمة أيضًا. ومن هنا كان الغرب أكثر ترجمةً من الشرق، ولست أشكُّ في أن الألمان أشد شعورًا بالحاجة الاجتماعية والعقلية الآن من الإنجليز والفرنسيين، ومن هنا كان حظهم من الترجمة إلى الألمانية أعظم من حظ الإنجليز والفرنسيين من الترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية.

    على أن المسألة التي تستحق العناية ليست هي تعليل الترجمة وبيان ما يدعو إليها — فالترجمة ظاهرة اجتماعية قديمة باقية — وإنما هي مقدار ما تستطيع الترجمة أن تحقِّقه من هذه الفكرة القيمة التي يسمو إليها أصحاب الأخلاق وعشَّاق المُثُل العليا، والتي جعلها الأستاذ العقاد عنوانًا لفصله، وهي: تعارف الشعوب. نعم وهي الوسائل التي يمكن أن تُتَّخَذ لتكون الترجمة سبيلًا واضحة مأمونة تلتقي فيها الشعوب المختلفة، فتأتلف ويحب بعضها بعضًا، ويعطف بعضها على بعض، ويتحقَّق بينها التعاون الصحيح في جميع فروع الحياة.

    كما أحب أن أقرأ في هذا رأيَ الأستاذ العقاد.

  • في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران

    في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران
    طه حسين
    جريدة السياسة الأسبوعية
    ٢١ إبريل ١٩٢٨

    أراد اتحاد الجامعة المصرية أن يستعير من أمثاله في الجامعات الإنجليزية عادة يظهر أنها مألوفة هناك، وأن لها أثرًا غير قليل في تقويم ألسنة الطلاب وتعويدهم الخطابة والبراعة فيها، فأقام منذ أسابيع حفلة كانت فيها مناظرة باللغة الإنجليزية في موضوع غريب هو: الغرض من الجامعة؛ أهو كسب الحياة أم العلم الخالص؟

    وأقام في هذا الأسبوع حفلة أخرى كانت فيها مناظرة في موضوع ليس أقل غرابة من الموضوع السابق، وهو أن الأدب العربي قديمه وحديثه كافٍ أو غير كافٍ لتكوين الأديب؟ والعادة المألوفة في الجامعة الإنجليزية أن يشترك المستمعون في المناظرة، وينحاز فريق منهم إلى «صاحب الرأي» كما يسمونه، وفريق آخر إلى المعارض، حتى إذا استوفيت المناظرة أخذت فيها الأصوات.

    وقد أحكم تقليد الاتحاد المصري ما يقع في الجامعات الإنجليزية، فبسط صاحب الرأي رأيه، ونقضه عليه المعارض، واشترك المستمعون، فانحاز فريق منهم لهذا، وفريق منهم لذاك، ثم أقفلت «المناقشة»، كما يقولون، وأُخذت الأصوات، فكانت نتيجة الاقتراع منذ أسابيع أن الغرض من الجامعة كسب الحياة، وانهزم القائلون بأن الغرض من الجامعة إنما هو العلم الخالص.

    وكانت نتيجة الاقتراع في هذا الأسبوع أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، وانهزم القائلون بأن الأدب العربي في حاجة ماسة إلى الآداب الأجنبية ليتاح له تكوين الأديب حقًّا.

    وليس في هذه المناظرات ولا فيما تنتهي إليه من النتائج شيء من العجب أو الغرابة، فهي في نفسها ضروب من العبث البريء الذي يقصد به إلى التمرين والتدريب، دون أن يقصد به إلى إثبات حقيقة من الحقائق، هو لون من ألوان التمثيل، وضرب من ضروب اللعب اللساني لا أكثر ولا أقل.

    وليس يفكر المدبرون لهذه المناظرات في إثبات حقيقة من الحقائق الأدبية أو العلمية بهذه الفنون من الجدال الناقص أمام هذا الجمهور المختلف التكوين، وبأخذ الأصوات في مسائل العلم والأدب كما تؤخذ الأصوات في الأمور السياسية والإدارية.

    لذلك أقبلنا على هذه المناظرات مبتسمين كما نقبل على ما يلعب في الملاعب مبتسمين، وأخذنا بحظنا من هذه اللذة البريئة التي يجدها من يستمع لخطيب مجيد، ومناظر بارع، ولكن فريقًا من الناس منهم المصري ومنهم الأجنبي، منهم الناشئ ومنهم من تم تكوينه العقلي، نظروا إلى هذه الفكاهة على أنها جد من الأمر، وأشفقوا من نتائجها في شيء من الجزع والهلع.

    وليس هناك بأس من أن أذكر أني لقيت بعض زملائنا من جلة الأساتذة في الجامعة من غير الإنجليز، فإذا هم مشفقون الإشفاق كله؛ لأنهم عرفوا أن جمهور المستمعين قد أُعلِن أن الغرض من الجامعة كسب الحياة لا العلم الخالص، أشفق هؤلاء الأساتذة وخافوا على عقل الشباب المصري أن تفسده المنفعة، وأن يكون عمليًّا أكثر مما ينبغي، وأن يُضحَّى بالعلم الخالص في سبيل الراحة وترف الحياة.

    ولقيت غير قليل من الجهد في إقناعهم بأن هذا الأمر في نفسه يسير، وأنه لا يعدو أن يكون فكاهة وفنًّا من فنون اللعب؛ ذلك أن هذا اللون من ألوان الجدال ليس مألوفًا في البلاد اللاتينية كما هو مألوف عند الإنجليز، والأستاذ اللاتيني صاحب جد لا دعابة فيه، وربما أسرف في هذا الجد إسرافًا شديدًا، وكذلك كانت الحال حين صَوَّت المستمعون في هذا الأسبوع فأعلنت كثرتهم أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، جزع لهذه النتيجة فريق من الناس وأشفقوا على الشباب المصري من هذا الإسراف في الغرور بما عندهم، ومن هذا الفهم السيئ لمعنى القومية، ومن هذا الخطأ في تصور العواطف الوطنية والخضوع لسلطانها في غير تبصر ولا روية.

    وقال هؤلاء الجزعون: إن هذه النتيجة تدل على ميل سيئ في الشباب إلى الاكتفاء بما عنده على غير بصر به، ولا فقه له، وعلى غير طموح إلى الكمال، وعلى غير تقدير صحيح لحقائق الأشياء، وإن الواجب على الأساتذة تقويم هذا الميل، وتثقيف هذا العوج، وتعويد الشباب أن يفهم الأشياء كما هي، وأن يتخذ لنفسه مثلًا أعلى يلائم حاجته إلى الحياة الراقية رُقِيًّا مُطَّرِدًا.

    ولقيت مع هؤلاء مثل ما لقيت مع أولئك من الجهد لأقنعهم بأن هذا الأمر لم يتجاوز أن يكون سجالًا كلاميًّا، وسباقًا خطابيًّا، وأن هذه النتيجة لا تتجاوز أن تكون إعلانًا لرضا الكثرة عن خطابة فريق من الفريقين؛ ذلك لأن أشد الناس نصرًا للاكتفاء بالأدب العربي وتأييدًا لأنه كافٍ وحده لتكوين الأديب، هم في حقيقة الأمر من أشد الناس اقتناعًا بأن أدبًا من الآداب — مهما يكن — لا يستطيع أن يكتفي بنفسه ويستغني عن غيره من الآداب، وهم في حياتهم الأدبية يمثلون هذا الرأي أصدق تمثيل.

    بل لقد كنت مع الأستاذ مطران قبيل هذه المناظرة بدقائق، فكان ضيق الصدر بموقفه؛ لأن هذا الموقف لا يلائم رأيه، وهو إنما قبله ليجيب دعوة الاتحاد إلى ما أحب من تمرين الطلاب وتعويدهم حُسن الخطابة والبراعة فيها. وكنت أقول له ونحن في طريقنا إلى قاعة المحاضرات: إنه في موقفه هذا أشبه الناس بالمحامي الذي تندبه المحكمة ليدافع عن متهم نكل المحامون جميعًا عن الدفاع عنه.

    ولكن الأستاذ مطران كان خطيبًا هادئًا لبقًا ماهرًا عرف كيف يعبث بعقل السامعين، وأحسبه عبث بالحقيقة نفسها أيضًا ليؤدي هذا الواجب، واجب الدفاع عن متهم لا محامي له، فوُفِّق إلى ما أراده من استهواء الجمهور، ولست أجد في هذا شيئًا من الغرابة كما قدمت، ولا يجد فيه الأستاذ مطران نفسه شيئًا من الغرابة أيضًا، فقد كان الأمر كله كما قدمت لعبًا، ولكن هناك أشياء يجب أن يحدد فيها الموقف، ولا سيما بالقياس إلى هؤلاء الذين يأخذون هذا الأمر على أنه جد من الأمر لا عبث ولا فكاهة فيه.

    وهناك شيء أحب أن أناقش فيه شاعر القطرين في دعة وهدوء، وهو احتجاجه لمذهبه المستعار بالقرآن الكريم؛ فهذه الحجة وحدها هي التي كسبت للأستاذ مطران كثرته التي انتصر بها على خصمه هيكل، ومن غريب الأمر أن هذه الحجة تقوم لهيكل على مطران، وهي دليل ناصع على أن الأدب العربي وحده لم يكن يكفي لتكوين الأديب حين نزل القرآن، والقرآن لم يشتمل على ما ألف العرب من أدب قبل عصر النبوة، وإنما كان آية التجديد، وكان الحجة القائمة على أن الأدب العربي في ذلك الوقت كان قاصرًا عن تكوين الأديب.

    ومن وجوه الإعجاز التي يتحدى القرآن بها معارضيه من العرب أن فيه أشياء لم يكن العرب يعلمونها، ولم يكونوا ليصلوا إليها لولا الوحي، وكثير من هذه الأشياء كان عند الأمم الأخرى؛ فالقصص التي تتصل ببني إسرائيل مثلًا كان معروفًا لبني إسرائيل في التوراة أو في غير التوراة من الكتب المقدسة، فهو إذن بالنسبة للعرب أدب غير عربي عرَّبه القرآن حين أوحى الله به في لغة عربية، وقد امتن الله على النبي وعلى العرب بهذا القصص، كما امتن الله عليهم بغير القصص من هذه الفنون العجيبة التي لم يكونوا يعرفونها، ولم يكونوا ليعرفوها لولا أن أوحى بها الله في كتاب عربي مبين.

    فأنت ترى أن القرآن حجة لهيكل لا عليه، سيقولون: كان الأدب العربي ناقصًا حتى نزل القرآن فكمل، وأصبح بعد نزوله كافيًا وحده لتكوين الأديب. وليس عندي ما يمنع من قبول هذا الرأي لولا أنه ينتهي إلى نتائج ذات خطر شديد، أولى هذه النتائج هي أن المسلمين جميعًا قد خرجوا على القرآن حين اعتزوا بالآداب الأجنبية، سواء منها الفارسي واليوناني والهندي والقبطي، وما شئت من الآداب التي ترجمت للمسلمين منذ انتصف القرن الأول للهجرة.

    ولكن المسلمين لم يخرجوا على القرآن حين اعتزوا بهذه الآداب، وكان اعتزازهم بهذه الآداب الأجنبية دليلًا ناصعًا على أنهم يؤمنون بأن الأدب العربي لم يكن يكفي لتكوين الأديب العربي، وأخرى يؤخذ بها مطران — لولا أن مطران كان مازحًا — وهي اعتزازه بالجاحظ وابن المقفع وغيرهما من الأدباء الذين أغنوا الأدب العربي ورفعوا شأنه؛ فهؤلاء الأدباء لم يغنوا الأدب العربي إلا لأنهم استمدوا من الآداب الأجنبية، فعرَّبوها وأضافوها إلى الثروة الأدبية العربية، وكانوا مقتنعين بأن الأدب العربي لا يكفي لتكوين الأديب، فكانوا يضيفون إليه من آداب الأمم الأجنبية ما يُمكِّنه من تكوين الأديب.

    والأمر الآن كالأمر في أيام الجاحظ وابن المقفع؛ فنحن نعتز بأدبائنا القدماء والمحدثين، ونحب أدبنا القديم والحديث، ونريد أن يكون هذا الأدب كافيًا لتكوين الأديب، ومن أجل ذلك نكمله ونحثُّ على تنميته ونُضخِّم ثروته، وسبيلنا إلى ذلك أن نصل بينه وبين الأدب الأجنبي.

    ونحن مؤمنون بأن أدبنا العربي — قديمه وحديثه — لو لم يتصل بالأدب الأجنبي لمات وعجز عن الحركة والنفع. وقد رأيت أن الأدب القديم إنما غني وأثرَى حين استمد من الآداب القديمة الأجنبية، والأدب الحديث كيف يُثري حين يستمد من الآداب الأجنبية الحديثة أو القديمة، فمَن هيكل ومَن العقاد لولا أنهما — على إتقانهما للأدب القديم — قد اتصلا بالأدب الأجنبي فانتفعا به وتأثرا به فيما يصدر عنهما من أدب عربي حديث؟

    حتى الذين يجهلون اللغات الأجنبية ولا يتصلون بالآداب الأجنبية اتصالًا مباشرًا لا يستطيعون أن ينتجوا إلا بمقدار ما يتأثرون بالأدب الأجنبي تأثرًا غير مباشر، فالمنفلوطي كسب شخصيته من هذه الكتب التي كانت تترجم له فيسبغ عليها الأسلوب العربي، وأشد أدبائنا الآن جمودًا ونفورًا من التجديد، وإغراقًا في حب القديم، متأثرٌ رغم أنفه بالآداب الأجنبية؛ لأنه يقرأ ما يترجم المترجمون، وما يكتب هيكل والعقاد، وما تنشر الصحف، وهو متأثر بهذا كله، وهو مضطر إلى أن يجاري هذا كله فيما يصدر من أثر أدبي.

    فموقف مطران وأصحابه موقف «مستحيل»، كما يقول الفرنسيون، لا سبيل إلى الدفاع عنه إلا أن يكون هذا فنًّا من اللعب والمجون، كما كان الأمر في مناظرة اتحاد الجامعة.

    فإذا كان من الناس من تصل به السذاجة إلى أن يتوهم أن الأمر كان جدًّا يوم الأربعاء؛ فليُغيِّر رأيه، وليعلم أن حقيقة الأمر لم تتجاوز العبث، وأن المسائل الأدبية والعلمية لا يحكم فيها بأخذ الأصوات، وأن الاستقلال الأدبي كالاستقلال العلمي والاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي، ليس معناه العزلة وأن تكتفي بما عندك اكتفاء تامًّا، وإنما معناه أن تكون لك شخصية قوية تُمكِّنك من أن تفيد وتستفيد، أو تُمكِّنك من تبادُل المنافع كما يقول الاقتصاديون.

    وليس مثلنا الأعلى في الأدب ألا نحتاج إلى الآداب الأجنبية، فهذا موت نعتصم منه بالله، وإنما مثلنا الأعلى في الأدب أن يستطيع أدبنا العربي أن يمد الآداب الأجنبية في يوم من الأيام كما يستمد منها، أي أن يكون أدبنا العربي من القوة والثروة بحيث يستطيع أن يُعطي كما يأخذ، لا أن يأخذ في غير إعطاء.

  • مؤتمر العلوم التاريخية

    مؤتمر العلوم التاريخية

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٩ مايو ١٩٢٣

    عُدْنا إلى العملِ صباحَ الخميس ١٢ أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين، وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» Louis Massignon ، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة طويلة حادَّة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين».

    والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المُحاضِرُ، وإن كنتُ قد اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض؛ لأنه لم يكن بيِّنًا، ولأن أساس البحث الذي ذهب إليه المُحاضِرُ خطأ فيما اعتقد؛ فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على مهارتهم وحُسْن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها يخطئون فَهْمَ هذه اللغة أحيانًا ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء.

    لم أفهم الغرض الذي رمى إليه الأستاذ، وأحسب أن كثيرًا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد تناقشنا وتناقشنا كثيرًا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي أثر خالص من آثار العرب أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى.

    أما الأستاذ «ماسينيون» فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيًّا خالصًا، وإن ما يمكن أن تجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يُؤخَذ عن هذه الأمم، وإنما هي المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف البيئات. فليس حتمًا إذا فكَّرَ العربيُّ كما فكَّرَ اليونانيُّ أن يكون العربيُّ قد أَخَذ عن اليونانيِّ، ولكن من المعقول جدًّا أن يكون اليونانيُّ والعربيُّ قد فكَّرَا بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا عن غيرهم هذه النظرية أو تلك.

    هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن بل إنه واقع، بل إن هناك نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذت عن الأخرى، ولكن إمكان الشيء غير وجوده بالفعل وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض؛ فذلك شيء قد يكتفي به الفلاسفة والمفكرون.

    فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة ولا يلجأون إلى الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا مؤقتًا حتى يُتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة التي تُفسِّر ما لديهم، فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية تُوافِق ما رَأَيْنا عند اليونان أو عند الفُرْس كان لنا أن نفترض توارُدَ الخواطر، وكان لنا أن نفترض أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو الفرس، كان لنا أن نفترض الأمرين جميعًا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك.

    وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة التاريخ، وليس يجب أن نجد النصَّ التاريخيَّ الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو عن الفُرْس لِنَنْفِيَ توارُدَ الخواطر؛ فكثيرًا ما تَضِيع النصوص دون أن يكون ضياعها مصدرًا لضياع الحقيقة. وليست النصوص كلَّ شيء في التاريخ؛ فهناك الصلات التي تختلف قوة وضعفًا وتتفاوت متانة ووهنًا بين الأمم. وهذه الصلات إذا ثبتت ثبوتًا تاريخيًّا كافيًا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض.

    وليس يجب أن يكون هذا التأثير ظاهرًا يعلمه الناس جميعًا، يعلمه من أثَّرَ ومن تَأثَّر؛ فأشد أنواع التأثير عملًا في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة الدولية — إن صح هذا التعبير — هو ما كان خفيًّا يجهله مصدره كما يجهله قابله. فإذا ثبت أن اليونان مثلًا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق ونقلوا إليه علمهم وفلسفتهم وتركوا فيه عادات وضروبًا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة العرب ولا عن صدر الإسلام كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية، أو في التصوف العربي بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبهما باليونانية أثر من آثار الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي.

    وقُلْ مِثْلَ هذا في الفقه؛ فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسًا مُنَظَّمًا، ولكنَّا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلًا أو كثيرًا، سواء أعلم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرًا، ولأن هذه القوانين قد دُرِّسَتْ درسًا مزهرًا في الشام والجزيرة ومصر؛ فيجب أن يترك حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارًا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها وأن تتكوَّن من هذه الآثار الاجتماعية لهذه الشعوب.

    والعرب لم يهدموا كل شيء، وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبًا، بل ليس من شك في أن كثيرًا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء بذلك، فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية.

    لا يَغْضَبِ العلماء؛ فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما تكوَّنَ من النظام اليوناني والروماني والفارسي. هذه النظم التي تعاقبت على الشام، ومصر، والجزيرة.

    وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض، ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي، أو هذه النظرية أثر عربي خالص، أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك إذا لم توجد النصوص هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح.

    حول هذه النقطة دارت المناقشة ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير الأستاذ «ماسينيون» وغيري وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعًا يلمون بتاريخ الدين الإسلامي إلمامًا حسنًا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص، بل إن أحدهم كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود وبقراءة ما كتب الفرس، أو ما كتب الهنود في الدين.

    وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية؛ فقد يكون ذلك واجبًا محتومًا، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبًا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ينبغي، والدين الإسلامي عربي، ولكن أممًا غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه. وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرًا وتأثر بها كثيرًا.

    وإذن؟

    وإذن؛ فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام لا في مصر والشام وحدهما، بل فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام ولو أن لي كلمة مسموعة بين علماء الإسلام لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تُدرَّس اللغات الأجنبية الإسلامية في الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية وأخرى في درس التركية وأخرى في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تُدرَّس كتب الدين التي كُتِبَتْ بالفارسية أو بالتركية، أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلًا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يُعَدُّ هو الجامعة الإسلامية الكبرى!

    هلمُّوا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تُدرَّس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية درسًا مفصلًا نافعًا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقَّه في أن يكون الجامعة الإسلامية الكبرى، وليس ينبغي أن تكون مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف.

    أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟

    أما مساء الخميس فقد كان لذيذًا، قضينا شطرًا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول» وكنا قد دُعِينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة.

    هنا خطبنا قسيسٌ فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يُفسِّر لنا إصحاحًا من الإنجيل أو آية من التوراة، وإنما تحدَّثَ إلينا في الفن وتحدَّثَ إلينا في الآثار؛ ذلك أن هذه الكنيسة قديمة بعيدة العهد بالتاريخ بُدِئَ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار الفن والعمارة إلى آخر القرن السابع عشر، فخطبنا هذا القسيسُ ساعةً وبعضَ ساعة مبيِّنًا لنا هذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بها الكنيسة، مقارنًا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشًا آراء بعض الفنيين والأثريين من الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد.

    أعترف بأني لم أكن أفهم شيئًا كثيرًا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريًّا ولا فنيًّا ولا أكاد أتصوَّر فن العمارة، ولكن مع هذا كنت أُعْجَب بهذا القسيس إعجابًا شديدًا لا يعدله إلا إعجابي بقسيس آخر خَطَبَنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نُسِخَتْ فيه، فيرى بعضهم أنها نُسِخَتْ في القرن العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين.

    كنت إذن أُعْجَبُ بهذين القسيسَيْن، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء، وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم، فلنا عليهم بعض الحقوق؛ لأننا نريد أن يكون علماء الدين فينا أئمةً وفخرًا في وقت واحد.

    ويؤلمني جدًّا أن أقارن بينهم وبين رجال الدين في أوربا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدًّا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ قرون.

    هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقًا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تُقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حُرٌّ، وأن القسيس ليس له من الحرية مثل هذا المقدار العظيم.

    ومع ذلك، فالقسس في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن فينهضهم ويتفوق عليهم. وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم التاريخ.

    وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أَظْهَرَ عنايةً شديدةً بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى. وأؤكد لك شيئًا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وأن علماء الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الأطباء، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الحياة، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الرياضة. وما لي أذهب بعيدًا وفي مصر مدارس اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم يكونوا أقل نجاحًا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزًا؟!

    فأحب الآن أن تُحَدِّثني عن علمائنا في مصر. مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم يجهلون جهلًا تامًّا تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟!

    أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟

    سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في بروكسل أسقفًا فرنسيًّا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أنه سيشترك في مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا المؤتمر.

    أليس يحسن؟! أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ليكونوا كغيرهم من رجال الدين؟! ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث)، كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا.

    أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ أيشعرون بأنهم يُحْسِنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البُعد ويحسنون إلى أمتهم أيضًا؛ لأنها تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقًّا، وأن تأتمَّ بهم حقًّا في دينها ودنياها؟

    سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبًا من الموسيقى الدينية القديمة التي أَحْدَثُها يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد إني أُعْجِبْتُ بهذه الموسيقى وأشهد إني طربت لهذا الغناء اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن مساجدنا إنما أُنْشِئَتْ لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطلب ذلك ولا أفكر فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا مَنْ يستطيع أن يُحدِّثنا عن تاريخ الأزهر الشريف، وجامع قلاوون، وجامع برقوق، من الوجهة الفنية كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا عن كنيسة «سانت جودول».

    سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وُضِع ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد تقدَّمُوا فحملوه، ومضوا فتبعهم المؤتمرون في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل يُمثِّل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم.

    أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكومتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه الجماعات! ولولا أن وزير المعارف كان قد أُنْبِئَ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه؛ فحيَّاني تحية حسنة، ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه.

    ثم لقيت أثناء السهرة مؤرخًا شابًّا بولونيًّا تعرَّفَ إليَّ لأن زوجه تعرَّفَتْ إلى زوجي ودعاها إلى هذا التعرُّفِ الطربوشُ، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوبَ عصبة الأمم في مؤتمر العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية. وكيف لا تفعل، وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟!

    صافَحَني هذا الشابُّ، وقال: «هناك مسألة تُحيِّرني، ولعلَّك تُجِيبني عليها. ما بال مصر لم تُمثَّل في عصبة الأمم؟! ومتى تطلب هذا التمثيل هنا؟»

    أعترف أيها القارئ بأني قد كذبت ولم يكن مصدر الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبتُ سائلِي على الفور: «ستطلب مصرُ الانضمامَ إلى عصبة الأمم في هذه السنة!» قال صاحبي: إذن فسيُرَدُّ طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلتُ: أعتقد ذلك.

    فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟