Tag: Economic hardship

  • هؤلاء المعلمون … المضربون!

    هؤلاء المعلمون … المضربون!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١١ أبريل ١٩٤٧
    تحدث الناس في هذه الأيام بأن المعلمين في المدارس الحرة قد أضربوا عن إلقاء الدروس وأقاموا في مدارسهم لا يريمون ولا يعملون شيئًا، ليظهروا للحكومة وللشعب أن لهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إليهم؛ لأنهم رأوا في أكبر الظن أن الرفق لم يُغْنِ عنهم شيئًا، وأن الإلحاح في المطالبة لم يَقضِ لهم حقًّا!
    وليس المهم أن نبحث عن أن هذه الخطة التي آثرها المعلمون ملائمة أو غير ملائمة لكرامة المعلمين من جهة، ولمصلحة المتعلمين من جهة أخرى. فقد نستطيع أن نفترض أسوأ الفروض، وأن نقدِّر أن المعلمين قد أقدموا على خطة لا تلائم كرامتهم، ولا تحقق مصالح تلاميذهم. ولكننا نعلم أن المعلم الذي يذهب إلى مدرسته فيقيم فيها ليشعر الدولة والشعب بأنه حريص على عمله مستمسك بمنصبه، ثم يمتنع عن الدرس ليشعر الدولة والشعب بأن له حقًّا يريد أن يصل إليه؛ لأن الحياة قاسية عسيرة، ولأنه لا يستطيع أن يبلغ منها لنفسه ولأهله ولأبنائه وبناته حقهم المعقول من هذه الحياة، إلا إذا أُديت إليه هذه الحقوق. هذا المعلم قد ألجأته الضرورة إلى خُطة يكرهها فيما بينه وبين نفسه أشد الكُره، ويعلم أن الناس يكرهونها أشد الكره، وأن الحكومة تمقتها أشد المَقت، وأن القوانين قد تعاقب عليها أشد العقاب. ولكنه يعلم من جهة أخرى أن الله قد أباح للجائعين الذين لا يجدون ما يدفعون به الجوع أن يقارفوا ما حُرِّم عليهم من ألوان الطعام، وهو يعلم كذلك أن الشاعر العربي قد قال:
    إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا فلا رأي للمضطر إلا ركوبها
    ثم هو يعلم بعد هذا كله أن الفقهاء قد اختصروا هذه القصة الطويلة المعقدة في جملة يسيرة قصيرة سهلة، فقالوا: «إن الضرورات تبيح المحظورات!»
    وهؤلاء المعلمون يقدِّرون فيما بينهم وبين أنفسهم أن عليهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إلى التلاميذ الذين لا ينبغي أن يُسألوا عن تقصير الدولة في ذات المعلمين. ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وهو إذن لا يكلف المعلم الجائع أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي يشعر بالجوع قد استقر فى داره، وأخذ يعذب أهله وبنيه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي تشغله الهموم المتصلة، والآلام المُلِحَّة عن العلم والتعليم؛ لأن له أسرة يجب أن تعيش، ولأن له كرامة يجب أن تُحفظ، ولأن له مكانة يجب أن تُرعى، لا يكلفه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. والدولة وحدها هي المُكلَّفَة أن تمكن المعلمين من أن يعلِّموا، وأن تمكن التلاميذ من أن يتعلموا، وأن تتيح للآباء والأمهات أن يطمئنُّوا إلى أن أبناءهم لن يتعرضوا للجهل بإغلاق المدارس من دونهم، ولن يتعرضوا لضياع الوقت بامتناع المعلمين عن تعليمهم.
    لهذا ولمثل هذا أُنشِئَت الدولة. فإن لم تُرْضِ حاجة الناس إلى هذا ومثل هذا، فليس لها في أعناقهم حق، وليس لها عليهم طاعة! هذه أوَّلِيَّات كان يجب أن تستقر في نفوس المصريين جميعًا، وفي نفوس الوزراء وأعوان الوزراء قبل غيرهم من الناس.
    ولن يفلح المصريون، ولن تصلح أمورهم، ولن يصيروا أهلًا للحرية والاستقلال والكرامة، إلا إذا استقرت هذه الأوليات في قلوبهم وعقولهم، وامتزجت بدمائهم، وأصبحت قِوامًا لحياتهم حين يقولون وحين يعملون … وهناك أوَّليات أخرى لم تفطن لها الدولة. وما أقل ما تفطن الدولة له من الأوليات! فالتلميذ الذي يذهب إلى المدرسة الحرة مصري كالتلميذ الذي يذهب إلى مدرسة الدولة، له حقوقه كلها … والمعلم الذي يعلِّم في المدرسة الحرة مصري كالمعلم الذي يعلِّم في مدرسة الدولة، له حقوقه كلها. وبغير هذا تنهدم المساواة التي قررتها طبيعة الأشياء، وجعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.
    فليست الدولة إذن مَدِينَةً لتلاميذها ومعلميها بدَيْن خاص، وإنما هي مدينة للتلاميذ جميعًا وللمعلمين جميعًا وفي المدارس جميعًا بدَيْن واحد، وهو أن يُقَدَّمَ إلى أجيال الشعب تعليمٌ ملائم لحاجة الشعب، لا فرق في ذلك بين معلم ومعلم ولا بين مدرسة ومدرسة ولا بين تلميذ ولا تلميذ.
    والشيء المعروف أن المعلم في مدارس الدولة مظلوم في مصر، وأن الدولة بعيدة كل البُعد عن إنصافه وعن تأدية حقوقه إليه كاملة. فكيف إذا لاحظنا أن بينه وبين المعلم في المدارس الحرة فروقًا لا ينبغي أن توجد بين أبناء الوطن الواحد، ولا ينبغي أن توجد بين أبناء المهنة الواحدة؟ إن أيسر العدل أن يُسوَّى بين الناس فيما تَفرض عليهم ظروف الحياة من الظلم. فأمَّا أن يُظلم بعضهم ظلمًا يسيرًا، وأن يُظلم بعضهم الآخر ظلمًا غليظًا، فهذا هو الشيء الذي لا يمكن أن يُقبل، ولا ينبغي أن تتورط الدولة فيه.
    وقد رأيت منذ زمن بعيد — وما زلت أرى، وسأرى دائمًا — أن أول واجبات الدولة أن تسوِّي بين المعلمين في الحقوق كلها وفي الواجبات كلها، إذا تساوى المعلمون في المؤهلات التي تبيح لهم التعليم. ويجب أن يكون المعلمون جميعًا موظفين في الدولة لهم كادر واحد، ولهم نصيب واحد في عناية الدولة بهم، يتقاضَوْن مرتباتهم بمقياس واحد، وينتظرون ترقياتهم وعلاواتهم بمقياس واحد، ويطمئنُّون إلى معاشهم بمقياس واحد. تنهض الدولة بهذه الأعباء في غير تردُّد ولا تحرُّج؛ لأنها أعباء تفرضها حاجة الشعب إلى التعليم، وحقوق الشعب في التعليم والمساواة التي جعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.
    فأمَّا أن يطمئن بعض المعلمين إلى نظام من الحياة تكفله قوانين الدولة، ويظل الآخرون عُرضة للأحداث والخطوب وعبث الظروف وأهواء أصحاب الهواء؛ فهذا هو الإثم الذي لا ينبغي أن تتورط فيه حكومة تقدِّر ما عليها للشعب من الواجبات.
    وما ينبغي أن يقوم تعليم الشعب على التفرِقة بين المعلمين في عناية الدولة بهم، أو على التفرقة بين التلاميذ في عناية الدولة بمعلميهم ومدارسهم. وإذا نهضت الدولة بهذا العبء وأدَّت هذا الحق؛ فمن الطبيعي أن تبسط يدها على المدارس كلها، وأن تفرض عليها مراقبة واحدة لأنها منحتها عناية واحدة.
    وقد حاولت وزارة المعارف ذات يوم أن تحقق هذا كله، فحالت بينها وبين ذلك موانعُ جاءت من وزارة المالية. وكانت تريد أن تعرض الأمر على البرلمان أثناء عرض الميزانية عليه سنة ١٩٤٥. فليس على الوزارة بأس من أن تستأنف هذا السعي من حيث تركناه، وهي الآن تعرض الميزانية على البرلمان؛ لتسوِّي بين المعلمين في الحقوق لتستطيع أن تسوِّي بينهم في الواجبات، وتستطيع أن تسوي بين التلاميذ فيما نقدِّم إليهم من تعليم، وفي إشرافها على هذا التعليم.
    فأمَّا أن يُقال للمعلمين في المدارس الحرة عليكم أن تفعلوا وأن تفعلوا، وعليكم أن تتركوا وأن تتركوا، وليس لكم أن تطلبوا ولا أن تحتجُّوا، ولا أن تلحوا في الطلب والاحتجاج، فهذا هو الشيءُ الذي أَوَدُّ لو بَرِئت الدولة منه وتنزهت عن الإقدام عليه.

  • فتور

    حديث الوادي
    فتور…
    أسرفت الوزارة في بذل الوعود حتى صدقها الذين كانوا يحسنون الظن بها من الأنصار والأصدقاء، وانتظروا أن تأتيهم بالآيات البينات على أنها خير وزارة أتيحت لهذا البلد الشقي، لتخرجه من الظلمة إلى النور، ومن العسر إلى اليسر، ومن الفقر إلى الثراء. وانتظروا لذلك أن تحل لهم ما تعقد من المشكلات. وتذلل لهم ما استعصى من العقبات. فتفرج الأزمة من جميع نواحيها. ثم ظلوا ينتظرون شهراً وشهراً وشهراً، والسماء تمطر عليهم وعوداً وأماني يصعد السحاب بها من وزارة المالية حيناً حيث الوزير النابغة ومن رئاسة الوزراء حيناً آخر حيث الرجل الطيب. ثم يهبط الغيث على مجلسي البرلمان حيث الشيوخ والنواب الذين يؤمنون بالوزارة وينتظرون منها الخير، ولا يرقون إليها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة. وظل الأنصار والأصدقاء ينتظرون وظلت سحب الوعود والأماني تصعد إلى السماء، ثم يهبط الغيث منها على الأرض، ولكن الأرض ظلت مجدبة لا يمسها الخصب، ميتة لا تنبعث فيها الحياة. حتى استشعر الأنصار والأصدقاء أن هذه السحب التي تمطرهم بالوعود والأماني توشك أن تكون مخلفة للظن مخيبة للأمل مفسدة للرجاء. هنالك اجتمع منهم فريق ضخم، قالوا إنه نيف على الأربعين، فتشاوروا، ثم أجمعوا أمرهم بينهم على أن يستجوبوا الوزارة ويخرجوها من حياة الوعود والأماني إلى حياة القول المنتج والعمل المفيد.
    وأمضوا الاستجواب، وقدموه، واستمسكوا به وأصروا عليه، وداورتهم الوزارة حيناً، ثم استجابت لهم، وقبلت المعركة التي قدموها، ولكنها أخذت تؤجل يوم الخصام مرة ومرة حتى إذا لم يبق بد من خوض غمارها، واصطلاء نارها، حدد لها يوم الثلاثاء الماضي.
    فياله من يوم اضطربت له القلوب حتى بلغت الحناجر أو كادت تبلغها، وزاغت له الأبصار حتى خرجت العيون من الرؤوس أو كادت تخرج منها، وتعلقت له أنفاس الناس، كلهم ينتظر بدء المعركة، وكلهم ينتظر آخرتها. أتحل الأزمة أم لا تحل؟ أتنتصر الوزارة أم ينتصر النواب؟ أيأمن المصريون على ما بقي في أيديهم من أسباب الحياة، أم يستيئسون، أيستقبل المصريون عهداً يأكل فيه الأطفال حتى يشبعوا، ويشرب فيه الأطفال حتى يرتووا، ويجد فيه الأطفال ما يقيهم الحر والبرد، وأحداث الزمان. أم يستقبل المصريون عهداً يضاف فيه الجوع إلى الجوع، والبؤس إلى البؤس، والحرمان إلى الحرمان، وكان المعقول أن يكون نشاط المختصمين لهذه المعركة ملائماً لموضوعها في الحدة والشدة، وفي القوة والعنف. ولكن المعركة بدأت فاترة، وتكلم من تكلم، وأنكر من أنكر، وقال وزير المالية كلاماً لم يقدم ولم يؤخر، حتى إذا تقدم الوقت بعض الشيء، نظر رئيس مجلس النواب إلى الحاضرين من أعضاء المجلس، فإذا هم قد أخذوا يقلون، ويقلون ويتضاءلون، ويتضاءلون، حتى إذا رفعت الجلسة كان عدد النواب وقت رفعها خمسة عشر فيما أذاعت الصحف. وكان المعقول ألا يكون النواب أقل حماسة لاستئناف المعركة، من الوزراء، وألا يكون الوزراء أقل تحرقاً إلى معاودة الخصام من النواب، ولكن الوزراء والنواب أظهروا من حب الأمن وإيثار العافية والميل إلى السلام ما أجّل المعركة يوماً ليضمد فيه المختصمون جراحاتهم، ويصلحوا من أمرهم، ويجددوا ما يحتاجون إليه من المؤن والذخيرة حتى إذا كان يوم الخميس التقوا موفورين قد تمت لهم أدوات النزال والنضال، فشبوها حرباً حامية لا تدع من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وكان المعقول أن يجمع النواب جموعهم، وأن يكون عددهم ضخماً، واستعدادهم فخماً، وأن يكثر النظارة الذين يشهدون الموقعة حتى تضيق بهم الغرفات والحجرات. ولكن ميعاد القتال أقبل، وجاء الوزراء لميعادهم، لم يتخلفوا ولم يبطئوا، وظلوا ينتظرون الخصوم الذين طلبوا النزال، وألحوا في النضال، ثم ظلوا ينتظرون، ثم ظلوا ينتظرون، ثم دق الجرس، واستمر يبعث دعاءه المتصل الملح، فإذا النواب لم يحضروا للميعاد، وإذا الميدان قد ظل خالياً أو كالخالي. يبسط عليه الوزراء سلطانهم ويستطيعون أن يتصرفوا فيه كما يريدون، لأن حماته لم يحضروا، ولأن الذادة عنه لم يسرعوا إلى الذود عنه. وكأنما كان النواب والنظارة على اتفاق ألا يحضر أولئك إلى الميدان، وألا يسرع هؤلاء إلى شهود الموقعة، فلم تزدحم الغرفات والحجرات، وانصرف الوزراء، وهم يشعرون بأنهم قد اهتموا للأمر أكثر مما ينبغي، وجدوا فيه أكثر مما يجب. ثم ألقيت أنباء هذه المعركة التي لم تبتدئ ولم يلق أحد فيها كبداً إلى الناس. فلم يدهش لذلك أحد، ولم يعجب من ذلك أحد، وإنما مر الناس بهذه الأنباء غير حافلين بها، ولا مكترثين لها. فما تعليل ذلك؟ وما تأويله؟ تعليل ذلك سهل، وتأويله يسير. فالنواب لم يكونوا ينتظرون من الوزارة شيئاً، فلم يكلفون أنفسهم العناء؟ ولم يحملونها المشقة؟
    والنظارة لم يكونوا يتوقعون من المعركة شيئاً. فلم يحبسون أنفسهم ساعات في الغرفات والحجرات؟
    والناس لم يكونوا ينتظرون من المعركة شيئاً. فلم يحفلون بأنبائها، ويعنون بأحاديثها؟ وكذلك أراد الله أن تنتهي أمور مصر إلى هذا الفتور، فسيوف الأزمة مسلطة على الرقاب، وأشباح الشقاء مروعة للنفوس، ونيران الجوع مضطرمة في الأجواف، ولوعة الحرمان ممزقة للقلوب، والناس مع ذلك لا يرجون من وزارتهم خيراً، ولا ينتظرون من حكومتهم معونة، وإنما هم يسلمون أنفسهم إلى اليأس، وينتظرون قضاء الله فيهم. والوزارة عاجزة عن أن تعينهم، قاصرة عن أن تنفعهم. قد يئست من نفسها ويئست منهم، والنواب يعلمون هذا أو يحسونه، فيلقون اليأس باليأس، والفتور بالفتور. ويبلغ الكتاب أجله، وتنتهي المحنة إلى أقصاها، وتصبح مصر الرسمية صورة وشكلاً، وتشتد أمور الدولة حرجاً وعسراً، فلا نلقى من النواب ولا من الوزراء إلا فتوراً وقصوراً وإعراضاً واستسلاماً للقضاء. من كان يرضيه أن تنتهي أمور مصر إلى هذا الحد من الهوان على المصريين، فليبتهج، فقد ظفر بما كان يريد. من كان يرضيه أن ينصرف الموكلون بالسياسة المصرية عن السياسة المصرية فليغتبط، فقد تم له ما يريد. من كان يرضيه أن يترك المصريون أمورهم للأقدار تصرفها كما تشاء، دون تدخل منهم ولا عناية، فليطمئن فقد تم له ما يريد. ثم من كان يرضيه أن يكون اشتغال الإنجليز بمرافق المصريين أكثر من اشتغال المصريين بمرافقهم فليطب نفساً، وليقر عيناً، فقد تم له ما يريد. ويقول الناس أن موقعة كانت أمس بين الشرطة والعمال سالت فيها الدماء، وأطلقت فيها النار، وجرح فيها ناس من أولئك وهؤلاء. فكان طبيعياً أن يسأل النواب عن ذلك في جلسة الأمس، وأن يعرف النواب من وزير الداخلية كيف كان هذا، ولكن النواب لم يجتمعوا أمس لأن الحر كان شديداً، أو لأنهم سئموا حديث الدين العقاري، أو لما شئت من الأسباب. لم يجتمعوا ولم يسألوا وزير الداخلية، ولم يعرفوا منه شيئاً. وأكبر الظن أن الإنجليز قد عرفوا من أمر هذه الموقعة كل شيء.
    لتهنأ مصر الرسمية بهذا الفتور اللذيذ، فإن النوم يستحب في فصل الصيف.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ يونية ١٩٣٤.

  • قناعة …

    حديث المساء: قناعة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ نوفمبر ١٩٣٣

    كنا شَرِهين يكاد يُفْسِدنا الشَّرَهُ، وكنا نَهِمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت حياتنا السياسية، والعقلية، والاقتصادية، معرضة لأخطارٍ لا تكاد تُحصَى، ومصدرها الاندفاع في حب المثل الأعلى، وفي طلبه إلى غير حد. فلم نقنع من السياسة بأقل من الاستقلال التام، والحياة الديمقراطية الكاملة. ولم نكن نقنع من الرقي العقلي بأقل من الوصول إلى مثل ما وصل إليه الأوروبيون من التفوق في الأدب والفن، وفي العلم والفلسفة. ولم نكن نقنع من الرقي الاقتصادي بأقل من هذا الاستقلال الذي يكفل لنا شخصية بارزة في الاقتصاد على اختلاف فروعه، شخصية لا تفنى في الأجنبي، وإنما تثبت له وتقاومه، إن دعت المصلحة إلى المقاومة.

    كنا شرهين يكاد يفسدنا الشره، وكنا نهمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت القناعة أقل الفضائل التي تزدان بها نفوسنا تلك الطامعة، الطامحة، التي لا تعرف هدوءًا ولا استقرارًا، ولا رضا بالقليل.

    كنا مضرب المثل بين الشرقيين في الطمع والطموح، بل كنا مصدر العدوى للشرقيين في الطمع والطموح، وكان كثير من شعوب الشرق لا يكاد يتصل بنا من قريب أو بعيد، حتى يصيبه ما أصابنا من الشره، ويدركه ما أدركنا من النهم، ويصبح مثلنا شجى في حلوق المستعمرين، وأذى في أجواف الأوروبيين.

    ونشأ عن إسرافنا في الشره والنهم، وعن إسراف الشرق في تأثرنا والاقتداء بنا أن أصبحنا وأصبح الشرقيون مصدر تنغيص لهؤلاء الساسة الأوروبيين، الذين كانوا يودون لو استراحوا منا ومن إخواننا الشرقيين، ومضوا في استغلالنا وفي استغلالهم لا يجدون مقاومة ولا إباء، وفرغوا لما يعنيهم من شئونهم الأوروبية الخالصة. ولكنهم كانوا ينظرون، فإذا مصر تطلب الاستقلال وتلح في الطلب، وإذا الشرق يسعى إلى الحرية ويلح في السعي، وإذا هم مضطرون إلى أن يقاوموا هنا ويقاوموا هناك، وإلى أن يسلكوا في هذه المقاومة طرق المخاشنة حينًا وطرق المحاسنة حينًا آخر.

    وكنا ننظر، وكان الشرقيون ينظرون إلى هذه المقاومة العنيفة اللينة، فلا يزيدنا النظر إليها إلا غلوًّا في الطمع، وإغراقًا في الطموح، وشجاعة على المطالبة بالحق، وإلحاحًا في الوصول إليه كاملًا موفورًا.

    كذلك كُنَّا. ولكن الله قيَّضَ لنا من يعلمنا القناعة ومحاسنها، ويردنا عن الشره ونقائصه؛ فأخذنا نتواضع قليلًا قليلًا، حتى انتهينا من القناعة إلى حظٍّ لا بأس به، وبلغنا من الاعتدال منزلة معقولة، يرضى عنها ويطمئن إليها سادتنا المستعمرون.

    كنا نستمتع من الحرية الدستورية بنصيبٍ عظيم: انتخاب عام مباشر، وسلطة واسعة للبرلمان في السيطرة على الوزارات وتصريفها لأمور السلطان؛ فرُدِدْنا عن ذلك إلى انتخاب ضيق مقيد، وإلى سيطرة محدودة على الوزارات، وكنا نحيا حياة ملؤها الأمل في حل ما بيننا وبين الإنجليز من خلاف، وتحقيق ما نطمح إليه من الاستقلال، وكنا نسعى إلى ذلك سعيًا مطردًا، ونُوفَّق إلى الخير فيه توفيقًا متصلًا؛ فقيَّض اللَّه لنا مَنْ علَّمَنا كيف نصبر، وكيف نتئد، وكيف ننتظر.

    وها نحن أولاء نصبر منذ ثلاثة أعوام وننتظر منذ ثلاثة أعوام. وقد ظهر أن الوزارة المستقيلة قد نجحت فيما أخذت نفسها به من الصبر والاتئاد والانتظار، وأن لا بد من وزارة أخرى تخطو بمصر خطوة أخرى فالصبر خير، ولكن اليأس خير من الصبر، والاتئاد خير ولكن العدول خير من الاتئاد، والانتظار خير ولكن النسيان خير من الانتظار.

    وكذلك استطاع رئيس الوزراء أن يتحدث إلى مكاتب الديبا، فيقول في هدوء واطمئنان إنه يضع السياسة في المرتبة الثانية، وهذا نوع من الاقتصاد في التعبير؛ فالظاهر أن رئيس الوزراء لا يريد أن يضع السياسة في مرتبة من المراتب، وإنما يريد أن يهملها إهمالًا، وينصرف عنها انصرافًا، وينفق أيامه في أن يدبر لنا حياة وادعة كوداعته، متواضعة كتواضعه، هادئة كهدوئه، راضية بالقليل، كما يرضى هو بالقليل.

    وإذن؛ فمن الخير أن يسير الناس سيرة وزرائهم، كانوا ينتظرون حين كان صدقي باشا ينتظر، فيجب أن يعدلوا لأن عبد الفتاح يحيى باشا يُؤْثِر العدول. حديث المفاوضة إذن لغو لا ينبغي أن يُضيَّع فيه الوقت، وحديث الاستقلال عبث لا ينبغي أن يُنْفَق فيه الجهد، وحديث الحرية ترف لا ينبغي أن يُعْنَى به قوم لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الجوع. ومن يدري؟! لعل الأمة المصرية كلها كانت مخطئة أقبح الخطأ حين سَعَتْ إلى الاستقلال، واندفعت في الآمال، وضحَّتْ بالأنفس والأموال، واحتملت ما احتملت من الفتن والمحن، ولقيت ما لقيت من الكوارث والخطوب. لعل الأمة المصرية كلها كانت وما زالت مخطئة حين فكرت في الاستقلال وحين تفكر فيه؛ لأن الأمم تخطئ وتصيب!

    وما دام صدقي باشا وهو معصوم قد رأى لها القناعة والاعتدال، وما دام عبد الفتاح يحيى باشا وهو معصوم قد رأى لها الزهد، والرضى، والنسيان، فيجب أن تكون الأمة المصرية كلها مخطئة، ويجب أن يكون الصواب كله عند هذين الرئيسين العظيمين.

    ليرتح الإنجليز إذن لقناعة المصريين، وإقبالهم على الزهد، كما ارتاح حزب الشعب لعودة المفصولين من الحظيرة بعد أن أُخْرِجوا منها. وليثق الإنجليز بأن المصريين سيقنعون، وسيحرصون على القناعة حرصًا شديدًا، سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوه، فما دامت الوزارة قانعة تضع السياسة في المرتبة الثانية، أو تضعها في غير مرتبة، فيجب أن يقنع المصريون، وأن يسيروا سيرة وزرائهم. فإنْ أعجبهم هذا فذاك، وإن لم يعجبهم هذا ففي مصر شرطة وجند، يعرفان كيف يغلان الأيدي والأرجل، وكيف يعقدان الألسنة، ويكممان الأفواه، وكيف يردان الناس إلى ما ينبغي لهم من الطاعة والإذعان.

    كنا لا نقنع بالرخاء واليسر، بل نطمع في التزيد منهما والإغراق فيهما، فعلمنا صدقي باشا أن نداعب الأزمة وتداعبنا، وأن نحس لذعها وننكر وجودها. وهذا عبد الفتاح يحيى باشا يعلمنا الشجاعة والقناعة معًا، فهو يأخذنا بأن نحس لذع الأزمة ونعترف بها، ونرضى عنها ونيأس من زوالها؛ لأن وزارته لا تستطيع أن تأتي بالمعجزات! وإذن؛ فلابد من أن نكد ونجد، ونهلك أنفسنا في الكد والجد؛ لنؤدي الضرائب، ونوفي الدَّين كما يريد الدائنون، إنْ بقي لنا شيء استعنا به على الحياة وإن لم يبقَ لنا شيء؛ فما ألذَّ ألم الجوع! وما أجمل الرضا به والصبر عليه!

    كنا نريد أن ينتشر فينا التعليم واسعًا، عميقًا، متينًا، مرقيًا للعقول، مقوِّمًا للأخلاق، ضامنًا لكرامة العلماء والمتعلمين جميعًا؛ فعلَّمَنا صدقي باشا أن العلم وسيلة لا غاية، وأن العلماء والطلاب وسائل لا غايات، وأنهم لذلك أدوات لا أكثر ولا أقل، وأنهم أدوات في يد الدولة، تصوِّرهم كما تحب وتصرفهم كما تشاء.

    وأقبل عبد الفتاح يحيى باشا فأخذ يعلمنا أن الأدوات لا ينبغي لها أن تفكر ولا أن تريد ولا أن تقاوم، وإنما ينبغي لها أن تستسلم وتطيع؛ فإذا قيل للجامعيين: اقبلوا ما يأباه القانون. وجب عليهم أن يقبلوا، وإذا قيل للإلزاميين: تخففوا من حريتكم وكرامتكم وحقوقكم التي يكفلها الدستور. وجب عليهم أن يفعلوا! ذلك لأننا جميعًا في حاجة إلى أن نعيش، والرجل العاقل هو الذي يُعنَى بالضروري قبل الكمالي، والرجل العاقل هو الذي يذعن للظروف، والرجل العاقل هو الذي يُؤثِر العيش على أي شيء آخر.

    طلب الاستقلال يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب العدل في تدبير الأمور الاقتصادية يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب الكرامة للعلماء والمتعلمين يصرفهم عن العيش ويلهيهم بالمثل الأعلى.

    ولست أعرف أشدَّ حمقًا من هؤلاء الذين يلهون أنفسهم بالمثل العليا ويعرضون أنفسهم للجوع.

    رئيس الوزراء رَفِيقٌ بنا، شَفِيقٌ علينا، يريد أن يبرئنا من عيب الشره والنهم وأن يعلمنا القناعة والاعتدال، يريد أن ندع المثل العليا للشعراء والمترفين، وأن نفرغ لما ينبغي أن يفرغ له أمثالنا من طلب العيش.

    أفترانا نستفيد من هذه الدروس العالية الغالية، التي يلقيها علينا رئيس الوزراء؟! كلا؛ لأننا لم نستفد من دروس عالية غالية ألقاها علينا قوم آخرون قبل رئيس الوزراء، ولأننا — مع الأسف أو مع السرور — نؤثر المثل العليا على العيش، ونتهافت على المثل العليا كما يتهافت الفَرَاش على النار، لا نكره أن نحترق فيها وإنْ أَحَبَّ غيرُنا العافيةَ وهدوءَ البال.

    ما أجدر رئيس الوزراء أن يقتنع بما اقتنع به غيره من الذين سبقوه إلى وضع السياسة في المرتبة الثانية أو في غير مرتبة؛ فيضع السياسة في المرتبة الأولى، فإن لم يستطع ذلك استقال؛ لأن الأمة لا تريد، ولا تستطيع إلا أن تكون السياسة قوام حياتها حتى يقضي اللَّه بيننا وبين الإنجليز!

  • غدًا

    حديث المساء: غدًا

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٧ أكتوبر ١٩٣٣

    غدًا يُكشف الضر كله عن المصريين، ويرفع الشر كله عن المصريين، ويبسط الخير ظله الظليل على وادي النيل، ويخضر كل يابس، وتعود النضرة إلى كل ذابل.

    غدًا لا بعد غدٍ، غدًا قبل أن ينتصف النهار ستشرق في مصر كلها، وأمام المصريين جميعًا، ابتسامة طالما التمستها مصر والمصريون، فلم يظفروا بها، وسينشر الأمل في جميع النفوس ضوءًا قويًّا يمحو كل ظلمة، وسيبعث الرجاء في جميع القلوب حياة قوية تمحو كل يأس، وتعفي على كل ضيق، وسيغدو الفلاحون على حقولهم ضاحكين مبتهجين، يتغنون لذة الحياة، وجمال الأمل، وحلاوة العيش الناعم في بلد لم يعرف أهله إلا النعيم قبل أن يُطوف بهم الدكتاتورية الساقطة، فيرسل عليهم شرًّا مقيمًا.

    غدًا لا بعد غدٍ، يجدد المصريون عهودهم مع الرخاء والسعة، ومع اليسر والثروة، ويفيق المصريون من هذا النوم الطويل الثقيل، فإذا هم يتنفسون في هدوء، ويملئون صدورهم من هذا الهواء الطلق النقي الذي لم تفسده الأزمة، ولم يكدره التفكير في أداء الضرائب والوفاء بالدين، ولا الخوف من احتجاز المحصول، وبيع الأرض، وسقوط السياط كأنها اللهب على الأجسام العارية تمزقها تمزيقًا، وتسيل منها دماءٌ لم يحلها الله لأحد إلا بحقها.

    غدًا لا بعد غد، تذوق مصر السعادة، بعد أن طالت عشرتها للشقاء؛ لأن غدًا هو اليوم الثامن من هذا الشهر، وهو اليوم الذي يسبق عيد الجلوس الملكي، وهو الذي أعلن وزير المالية الجديد راضي النفس، قرير العين، ناعم البال، باسم الثغر، واثقًا بالقدرة على الوفاء، ثقته بأنه موجود، وبأنه وزير، وبأنه يملك الأمر والنهي، ويقدر على البذل والمنع، أعلن أنه سيحط على المصريين شيئًا غير قليل من هذا العبء الثقيل الذي ينوء بهم، وهو عبء الضرائب.

    نعم، غدًا لا بعد غدٍ، سيقدم وزير المالية الجديد بمناسبة عيد الجلوس السعيد إلى المصريين هدية لم يقدمها إليهم وزير من قبله، ولن يقدمها إليهم وزير من بعده؛ لأن اللَّه قد خلقه، بل قدر خلقه منذ أبعد العصور وأقدم الأزمان، بل قبل أن توجد العصور وتعرف الأزمان؛ ليقدم إلى أمته في أشد أوقات الضنك والضيق، وفي أعصب أيام البؤس والعسر، هدية تزيل الهم، وتكشف الغم، وتفرج كرب المكروبين. وما زالت الأيام تتناقله ضنينة به، والقرون تتداوله حريصة عليه، والأقدار تهيئ الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، في هذا الشهر العظيم، من هذا العام العظيم، حتى تبسم الدهر فإذا صدقي باشا يَهوِي عن منصب الحكم، وعن وزارة المالية، وإذا عبد الفتاح باشا يحيى يصعد إلى منصب الحكم، وإذا الأقدار تسعى خاضعة طائعة، ومذعنة مؤمنة إلى حضرة صاحب العزة، كما ينبغي أن يقال، وإلى حضرة الفاضل حسن صبري بك، كما قال صدقي باشا، فتضع في يده الكريمة السخية أعنَّة الدخل والخرج، وأزِمَّة الإيرادات والمصروفات؛ لينظر إلى الفلاح فإذا هو سعيد كأسعد ما يكون الناس، وقد كان شقيًّا كأشقى ما يكون الناس.

    وأشهد أن أمر المصريين لغريب، فهم لم يقيموا الأفراح والليالي الملاح، وهم لم يرفهوا على أنفسهم، ولم يظهروا ابتهاجًا ولا سرورًا، ولم يعلنوا اغتباطًا ولا حبورًا بهذا الوعد العظيم من هذا الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، يوم يزول العسر فكأنه لم يوجد، ويقدم اليسر فكأنه لم يبرح الأرض، ولم يفارق أهلها منذ كان الزمان واختلف على أهله الليل والنهار.

    أمر هؤلاء المصريين غريب؛ يعدهم وزير المالية بتفريج الأزمة، وإزالة العسر، وتخفيف الضرائب، ويحدد للوفاء بوعده يومًا بعينه لا سبيل إلى أن يتقدم، ولا سبيل إلى أن يتأخر، ثم هم بعد ذلك لا يفرحون ولا يمرحون كأنهم لا يصدقون. أرأيت إلى هذه الديمقراطية كيف أفسدت طبائع الناس وأمزجتهم؟ وكيف دفعت إلى نفوسهم الشك في وعود الوزراء، والإشفاق من أن يعجز الوزراء عن الوفاء بالوعود؟ إن هذه الديمقراطية شر يجب أن يزال. وأي شر أكثر من هذا الذي يغير قيم الأشياء، ويبيح للرعية ما كان محظورًا عليها، ويملؤها شجاعة على أن تسمع وعود الوزراء فترفع الأكتاف، وتهز الرءوس، ولا تحفل بهذه الوعود كأنها صدرت من غير وزير، أو من رجل غير مسئول؟

    غريب أمر هؤلاء المصريين؛ إنهم ليجحدون الصنيعة، ويكفرون النعمة، ويقصرون في معرفة الفضل لأهله، وشكر الجميل لمن يسدي إليهم الجميل. لقد كان أيسر أصول الطاعة، وأبسط قواعد الإخلاص، وأوجب واجبات الإكبار للوزراء يقضي على هذا الشعب المصري حين سقط إليه هذا الوعد السعيد أن يتلقاه فرحًا مرحًا مسرورًا محبورًا، كما يتلقى الظمآن أول الغيث بعد أن طال عليه الجدب، وأهلكه أو كاد يهلكه الظمأ، وحرقه أو كاد يحرقه الصدى.

    نعم، وكان من الحق على هذا الشعب المصري أن يهرع إلى منقذه من كل مكان، ويسرع إليه من كل وجه ليرفع إليه الشكر خالصًا على هذا الوعد الذي أحيا النفوس، وأقر العيون، ورد إلى الحياة بهجتها وجمالها، ولكن هذا الشعب الجاحد لم يهرع ولم يسرع، ولم يظهر رضًى، ولم يعلن حبورًا، ولم يرفع شكرًا، وإنما انتظر في شك وريب كأنما كان يسمع كلامًا عاديًّا، من رجل عادي، لم تدخره الأقدار لينقذ مصر من الفقر، ويرد عنها عادية الجوع والحرمان.

    وإذا وقفت الشعوب من الوزراء هذا الموقف الذي يقوم على الجحود والشك، وعلى الإشفاق والريب، فمن حق الوزراء أن تفتر هممهم، وتضعف عزيمتهم، وأن يسيئوا الظن بهذه الشعوب، ويعرضوا عن الرفق بها، والعطف عليها؛ لأنها لا تستحق رفقًا ولا عطفًا. ويظهر أن هذا أو شيئًا من هذا قد كان، أو حاول أن يكون. فالناس يتحدثون بأن شمس غد ستشرق ثم ستغرب، وبأن ليل غد سيطول ثم يزول دون أن يمس الضرائب تخفيف، أو يحط من أعبائها شيء قليل أو كثير.

    وهم يزعمون أن مصدر هذا الإخلاف الذي يخافونه وينتظرونه — والذي لا أخافه أنا ولا أنتظره — أن الشعب المصري لم يُقدِّر وعد الوزير حق قدره، ولم يظهر من الابتهاج له والاغتباط به ما يشجع على الوفاء به، ويبعث على المضي فيه. وهم يقولون: إن وزير المالية مهما يكن عظيمًا فهو رجل من الناس، يعجبه أن يتكلم فيسمع الناس له، وأن يعد فيفرح الناس بوعوده، فإذا لم يحس من الناس ما هو أهل له من التشجيع والتأييد ضاق بالناس وأعرض عنهم إعراضًا.

    وهم يقولون: إن فتور الناس لهذه الوعود، وشكهم في إمكان الوفاء بها، واستقبالها بهذا الإعراض الثقيل، كل ذلك لم يَسُؤْ وزير المالية وحده، وإنما ساء رئيس الوزراء أيضًا، فالوزراء متضامنون يشتركون في الخير والشر، ويحتملون جميعًا تبعة ما يأتي كل واحد منهم، فلما رأى رئيس الوزراء أن زميله قد وعد، وغلا في الوعد، وبشَّر وأغرق في التبشير، فلم يلقَ من الناس إلا فتورًا وإعراضًا قدَّر — وهو رجل دقيق — أنَّ هذا الفتور يمسُّه، وأنَّ هذا الإعراض يُصيبه، وأنَّ شكَّ الناسِ في زميله شكٌّ فيه، فضاق بذلك، وكبُر ذلك عليه، وعاتب وزير المالية أو لامه فيما أظهر من رفق وعطف لقوم لا يستحقون الرفق والعطف.

    ولو قد كانوا يستحقون الرفق والعطف لأظهروا شيئًا من ذلك، فانسل بعضهم من أحزابهم ليلتفوا حول رئيس الوزراء ووزير المالية، ولكن أحدًا منهم لم ينسل إلى الآن، فهؤلاء الوفديون يجتمعون كأكثر ما اجتمعوا، ويصدرون على الوزارة أحكامًا قاسية مسرفة في القسوة.

    وهؤلاء الأحرار الدستوريون لا يزالون حيث كانوا لم يتقدموا إلى الوزارة خطوة، ولم يبسموا للوزارة عن ثغر، بل هؤلاء الشعبيون يقولون إذا خَلَوا إلى الوزراء: إنَّا معكم، فإذا عادوا إلى صدقي باشا قالوا: إنما نحن مستهزئون، فهم ما يزالون يضطربون بين الرئيس ونائب الرئيس، يسرون شيئًا ويعلنون شيئًا، وينتظرون حكم الأيام وتصاريف القضاء. وإذا كان هذا أمر الناس؛ لم يؤيد أحد منهم الوزارة وقد قامت منذ عشرة أيام، ففيم الرفق بهم، والعطف عليهم، والتفكير في تخفيف الضرائب؟! كلا، يجب أن يتركوا وما هم فيه؟ ويجب أن تُؤدَّى الضرائب هذا العام كما أُدِّيت في العام الماضي، وفيما مضى من الأعوام لا تنقص، وإن احتاجت الدولة إلى شيء من المال فلعلها أن تزاد. هذا شعب لا يستحق أن يحكم وتدبر الضرائب فيه إلا كما حكمه ودبر أمواله صدقي باشا.

    والناس يقولون أن الأمر لم يقف عند وزير المالية ورئيس الوزراء وزملائهما، وإنما تجاوزهم جميعًا إلى رجل من الأجانب يمثل دولة أجنبية في صندوق الدين، فأنت تعلم أن الفرنسيين قوم يحبون العدل، ويكرهون الجور، ويحبون شكر الجميل، ويكرهون كفر النعمة، فلما أظهر الشعب المصري ما أظهر من الفتور والإعراض والشك أمام هذه الوعود التي بذلها وزير المالية وأكد أنه سيفي بها، ضاق ممثل فرنسا في صندوق الدين بهذا الجحود، وتعصب للوزارة المصرية على الشعب المصري، وذهب إلى رئيس الوزراء وإلى وزير المالية يتحدث إليهما فيما شاع وذاع وملأ الأسماع من تخفيف الضرائب إذا أقبل صباح يوم الأحد الثامن من هذا الشهر.

    وقد ظن رئيس الوزراء ووزير المالية — فيما يقول الناس — أن ممثل فرنسا مشفق على الدين من تخفيف الضرائب، فأُكِّد له — فيما يقول الناس أيضًا — أن ليس على الدين بأس من هذا التخفيف الموعود، وظن رئيس الوزراء ووزير الخارجية أن ممثل فرنسا في صندوق الدين يريد من طرف خفي جدًّا أن يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يعني فرنسا من أمورنا المالية التي يجب أن تكون مقصورة علينا بحكم الاستقلال، فأشار رئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى ممثل فرنسا من طرف خفي جدًّا بأن الخير للأجانب أن يفكروا في مصالحهم، وفي مصالحهم وحدها.

    ويقول الناس — وما أكثر ما يقول الناس: إن ممثل فرنسا قد فهم هذه الإشارة الخفية، وعرف أن سعيه لم يُفهم على وجهه، فأشار من طرف خفي جدًّا إلى أنه لم يرد أن يدافع عن الدين، ولا أن يعرض لما لا يعنيه، وإنما أراد أن يظهر شعوره بهذا الجحود الذي لم يتحرج المصريون من إظهاره بما يقدم إليهم وزير المالية في جميل. ويقول الناس — وما أكثر ما يقولون: إن الأمر استقر بين الدولتين، ولم يحدث خلاف ولا شبه خلاف، وإنما كان الصفاء كل الصفاء.

    ثم يتخذ الناس هذه الأحاديث علة لما قد يكون من تأخر الوفاء بالوعد، ويتمثل العابثون منهم بهذا البيت القديم:

    إمَّا غدًا زعموا أوْ لا فبَعْد غدٍ

    وكان بين المتحدثين رجل مطرق يسمع، ولكنه لا يقول، فلما انتهى القوم من حديثهم إلى هذا الحد رفع رأسه في هدوء، وقال في صوت مِلْؤه السخرية بما كان يقال من حوله: ولكنكم تتركون الأمر الذي ليس فيه شك ولا ريب، وهو أن السكرتيرين الماليين سيسافرون من القاهرة ليلقوا الوزير في هذا اليوم الموعود، وسيسافرون على حساب الدولة طبعًا، وسيقيمون على حساب الدولة طبعًا يومًا أو يومين، وسيعودون على حساب الدولة طبعًا إلى القاهرة، وستُنفق في هذا كله أموال مهما تكن قليلة فإنها تساوي بعض ما ينبغي رفعه من الضرائب عن بعض الفلاحين. ألم يكن أيسر وأدنى إلى الاقتصاد، وأشد ملاءمة لرغبة الوزارة فيه أن يبقى السكرتيرون الماليون في القاهرة، وأن يأتي إليهم الوزير؟ قالوا جميعًا: نعم، ثم أغرقوا في ضحك شديدٍ.

  • ذيول

    حديث المساء: ذيول

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ أكتوبر ١٩٣٣

    بيد أن التجربة وإن فشلت فما زالت لها ذيول تجرها وتتعثَّر فيها، والوزارة الحالية ليست إلا ذيلًا من ذيولها، فلن تزيد التجربة إلا فشلًا على فشلها.

    كذلك قال الوفد في ندائه الذي أخذت الصحف تذيعه منذ أمس، والذي أقره النواب والشيوخ السابقون الذين انتخبتهم الأمة يوم انتخبتهم في حريةٍ كاملة، ونزاهةٍ شاملة، لا حَجْر فيها ولا تقييد، لا ترغيب فيها ولا ترهيب، لا سلطان عليها إلا للضمير وحده. وليس من شك في أن هذا النداء لم يكَد يذاع في الناس حتى أحس كل منهم أنه إنما كان صورة لما يجِد في نفسه، وصدًى لهذا الصوت القوي الذي ينبعث من ضميره. المصريون جميعًا ومنهم أساطين هذا العهد السعيد يشعرون إذا خَلَوْا إلى أنفسهم، واستمعوا إلى ضمائرهم بأن الأمر في مصر قد كان شرًّا كله في ظل تلك الدكتاتورية الساقطة، وأنه ما زال شرًّا كله في ظل هذه الدكتاتورية الناهضة، وكيف لا يكون الأمر شرًّا كله حين نهض صدقي باشا بالحكم فألغى البرلمان، وعطَّل الدستور وحكَم منفردًا تسنده القوة والقوة وحدها، لا يعتمد على حب الشعب، ولا يصدر عن إرادته، حتى إذا أصدر الدستور الجديد، وأظهر تنفيذه وإجراء أحكامه، لم ينفذه إلا كما يحب هو وتحب القوة التي كانت تسنده، معطِّلًا حتى ما كان يشتمل عليه هذا الدستور الجديد من أحكام تكفل للمصريين أبسط حقوقهم في الحرية والعدل والمساواة.

    فكان صدقي باشا يزعم لنفسه وللناس أن مصر تجري أمورها على خير ما تجري عليه أمور البلاد الدستورية، وكان صدقي باشا يخلو إلى نفسه، وكان أصحابه يخلون إلى أنفسهم، فيؤمنون بأن الحياة الدستورية في ظل هذا الدكتاتور الطاغية لم تكُن إلا وهمًا، وأن المصريين كانوا يُحكَمون حكمًا لا ترضاه الإنسانية المتحضرة. ومتى رأينا الإنسانية المتحضِّرة في هذا العصر الحديث تأخذ الناس بتحكم فردٍ واحد فتمنعهم من الحركة إلا له، ومن الانتقال إلا إليه، ومن إلقاء الخطب إلا في مدحه والثناء عليه؟ ومتى رأينا الإنسانية المتحضرة ترضى أن يسلط بعض الناس على بعض في غير احترام للحق، ولا اعتراف بالعدل، ولا تنفيذ للقانون. حتى إذا انتهى الأمر إلى القضاء، فأظهر شَرَّه ونُكره، أبت الوزارة، أو أبى رئيسها أن يصلح ما أعلن القضاء فساده، أو يُقوِّم ما أثبت القضاء اعوجاجه، كأن اتصال الفساد، وانتشار الشر، وحماية المفسدين والأشرار: ضرورةٌ لبقائه في الحكم. وبقي في الحكم يغري بعض الناس ببعض ويبسط يد بعضهم على بعض، لا يتحرَّج من ذلك، ولا يأبى أن يزعم أنه العدل والإنصاف والإصلاح.

    كان هذا كله، لا يستطيع صدقي باشا أن يجادل فيه، ولا يستطيع أصحاب صدقي باشا أن ينكروا منه قليلًا ولا كثيرًا. وكان مع هذا كله شر عظيم أفسد أخلاق الناس وقطع ما بينهم من صلات المودَّة والقربى. فهذا الصديق يتنكَّر لصديقه خوفًا من السلطان، وهذا الصديق يكيد لصديقه ابتغاء مرضاة السلطان، وهذا الموظف يقترِف الإثم، وهو يعلم أنه يقترف الإثم يُقدم على ذلك كارهًا لأنه يخاف السلطان، أو يقدم على ذلك راضيًا لأنه يتملَّق السلطان. وهؤلاء المصريون قد انتشروا في أقطار الأرض يتجسَّسون ويتحسَّسون، وينقلون أنباء الناس ما ظهر منها وما بطن، ويخترعون من هذه الأنباء ما لا يصور حقًّا ولا واقعًا؛ طمعًا فيما يعطيهم السلطان من المال.

    كل هذا كان، وكان معه شر عظيم أصاب الناس في أرزاقهم وأقواتهم؛ حتى عجز الآباء لا أقول عن أن يُعلِّموا أبناءهم أو يُرَفِّهُوا عليهم، بل عن أن يكسبوا لهم ما يحتاجون إليه من أيسر القوت، وحتى اضْطُرَّتْ أُمٌّ إلى أن تعرض ابنتها للبيع على المصلين، وهم يخرجون من بيت من بيوت الله. وحتى اضْطُرَّ أَبٌ إلى أن يُضْرِمَ النار في أبنائه، وفي زوجه، وينظر إليهم يائسًا بائسًا، قانطًا حتى من رحمة الله، والنار تمشي في أجسامهم مشيًا.

    كل هذا كان، وكان معه شَرٌّ عظيم أرخصَ على الناس نفوسهم ودماءهم، وأحلَّ للناس ما حرَّم الله، فأسرفوا في القتل بغيًا وعُدوانًا، وانتهكوا حُرُمات الدين والقانون جهرًا وسرًّا، وتَحَدَّوُا السلطان وقتلوا من جنده وشرطته، يدفعهم إلى ذلك ما هم فيه من اليأس وسوء الحال.

    كل هذا كان، وكان معه شر عظيم ذل له المصري أمام الأجنبي، وعزله الأجنبي برغم المصري. فكانت كلمة الأجنبي مسموعة نافذة، ورأي المصري مهدرًا مرفوضًا، وكانت ثروة الأجنبي تنمو ويَطَّرِدُ نُمُوَّهَا، وكانت ثروة المصري تذوب وتذوب، حتى لا يبقى منها شيء، وكانت الشركات الأجنبية تظفَر بكل عون وتسعد بكل تأييد، بينما كانت ظهور المصريين تلهبها السياط إلهابًا، وبينما كانت أيدي المصريين وأرجلهم تعمل فيها القيود والأغلال.

    كل هذا كان، وكان معه شر عظيم آثَرَ السلطان فيه فريقًا من الموظفين على فريق، وأفسد السلطان فيه ما يجب أن يكون بين خُدَّامِ الدولة من تعاوُن صادق قوامه النصح والإخلاص، وفرض السلطان فيه أولياءه وأصفياءه على الناس فرضًا، وآثرهم بالخير كله وترك لغيرهم البؤس والذل والهوان. وانتهى كل ذلك إلى أقبح ما ينتهي إليه الشر من الفشل والإخفاق، فلا صدقي باشا مدت له أسباب الحياة السعيدة الناعمة، ولا صدقي باشا ضمن له البقاء في الحكم والاحتفاظ بالسلطان؛ لأن الخصوصية لا تترك بوضع مبالغ كبيرة تحت تصرفه.

    … الذي يمكنه من تسليم البضاعة للإنجليز، وإنما أضاع صدقي باشا صحته، وفقَد منصبه، ورد إلى شر ما يرد إليه المتجبرون، والأمة التي سلط عليها ما سلط من البأس وصب عليها ما صب من العذاب، تنظر إليه ساخرة حائرة، تشمت فيه ليكون عبرة للطغاة ونكالًا لمن يحاول ظلم الأمم والشعوب، أم ترثي له وتُشفق عليه لأنه على كل حال مصري، قد طغى وبغى ثم لقي جزاء البغي والطغيان، فكان جزاءً ثقيلًا وبيلًا.

    فأوفد حين صور هذا الشر كله للناس في ندائه لم يصور لهم إلا ما يحسون ويجدون، ومن المحقَّق أن الوفد لم يخطئ ولم يتجاوز الصواب في قليل ولا كثير حين أنبأهم بأن التجربة المنكرة قد فشلت، ولكنَّ لها ذيولًا ما تزال تجرها وتتعثر فيها، وهذه الذيول كثيرة قد تطول إلا أن تقطعها الحوادث قطعًا وتبتُرها الخطوب بترًا؛ فسقوط صدقي باشا لم يَرُدَّ إلى الناس حريتهم، وإنما ظلت هذه الحرية سجينة قد بولغ في سجنها، أسيرة قد تشدد خلفاء صدقي باشا في أَسْرِهَا، وظلت ذيول الظلم والقهر مجرَّرة في أقطار مصر تمنع الناس أن يقولوا ما يشعرون به، أو أن يأتوا من الأمر ما يريدون. ما تسخير الجنود في رشيد؟ ما تسخير الجنود في القاهرة يوم الأحد؟ ما تسخير الجنود في القاهرة أمس؟ إنما هو ذيل من ذيول التجرِبة المُخفِقة ما يزال يخطر بين الناس فيصيبهم بالأذى من يمين، ويصيبهم بالأذى من شمال.

    نعم، وسقوط صدقي باشا لم يَرُدَّ على الناس رخاءهم وثراءهم، ولم يبسط لأحد منهم في الرزق، ولم يمكنهم من أن يدفعوا الجوع عن أبنائهم وبناتهم وعن أخواتهم وأمهاتهم، وإنما هم اليوم كما كانوا أمس بائسين يائسين، مُعدَمين محرومين. نعم، وسقوط صدقي باشا لم يحقن لهم دماءهم، ولم يحفظ عليهم نفوسهم، وإنما ظل الأمن كما كان مضطربًا مختلًّا، وظل الخوف كما كان باسطًا ظِلَّهُ المنكر على المدن والريف جميعًا.

    نعم، ولم تعلُ كلمة المصريين على كلمة الأجانب ولم يصبح المصريون أحرارًا في بلادهم، أَعِزَّةً في وطنهم، وإنما هم اليوم كما كانوا أمس خاضعين لما شاءت لهم الظروف السيئة من الاستغلال والاستذلال. أخفقت التجربة كما قال الوفد، وأيُّ إخفاق أشد نُكرًا من أن يضطرب أمر القائمين بها إلى هذا الحد فيُنكِر بعضهم بعضًا ويَمكُر بعضهم ببعضٍ، ويتربَّص بعضهم ببعض الدوائر، ويهيئ بعضهم لبعض المكروه، ويتحكم نائب حزب الشعب في رئيس حزب الشعب. ويكيد حزب الاتحاد لإلفه العزيز وحليفه الصديق، ويَجِدُّ المديرون في حرب من كان لهم بالأمس رئيسًا يخصهم بكل ما في الدولة من خير ويحمي بعضهم حتى من سلطان القانون.

    كل هذا دليل واضح على أن التجربة قد أخفقت كما يقول الوفد إخفاقًا منكرًا. ولكنه دليل واضح أيضًا على أن ذيول هذه التجربة ما زالت كما يقول الوفد، مجررة تتعثَّر التجربة فيها، وتتعثر فيها مع التجربة حياة المصريين وآمالهم.

    هذه وزارة تنهض بالحكم في الرد، ولا تعمل شيئًا، إلا ما كانت تعمله الوزارة الساقطة من تسخير قوة مصر لإذلال أبناء مصر. وبينما هي تسلك الطريق المنكرة التي سلكتها الوزارة الساقطة، إذا هي تجد ما وسعها الجِدُّ في محاربة سَلَفِهَا العظيم والكيد له وإرغامه على أن يلقي السلاح؛ هي إذن ذيل من ذيول التجربة تمضي إلى اليمين فتذل وتقهر، وتَعِدُ في غير عمل ولا قدرة على العمل، ثم تمضي إلى الشِّمال فتنحرف عن طريقها وتُنَكِّل بالذين أنشَئوها ومهَّدوا لوجودها تمهيدًا. وكان من حقها أن تعتمد عليهم وتعتز بهم وتستمد منهم القوة والحياة.

    أخفقت التجربة كما يقول الوفد، ولكن ذيولها ما زالت طوالًا تخفق في الجو فتنشر فيه شرًّا وفسادًا، وستبين الأيام من أَمْرِ المصريين ما لا بد أن يظهر. وسيعلم الناس أبقي عند المصريين صبر على ذيول التجربة بعد أن صبروا على التجربة نفسها. وسيعلم الناس أتستطيع ذيول التجربة أن تعيش كما عاشت التجربة نفسها، أم أن عمر الذيول أقصر من عمر أصحابها.

    هليوبوليس

  • حرج

    حرج
    لست أدري أبلغ المصريون في يوم من الأيام ما بلغوه الآن من دقة الحس، ووحدة المزاج وضيق الصدور، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنهم قد انتهوا من هذا كله الآن إلى حيث أصبحوا يتأذون بكل شيء، ويتألمون لكل شيء، ويخرجهم عن أطوارهم أيسر الأمور شأنًا، وأقلها خطرًا. وتوشك الصلات بينهم أن تتعرض لفساد شديد، لأنهم ضعفوا حتى عن احتمال الدعابة والابتسام للفكاهة والمزاح! ومصدر هذا فيما يظهر ما يلقونه من هذا الحرج السياسي والاقتصادي الذي طال عليهم أمره، وثقل عليهم عبئه، والذي يحرصون أشد الحرص على أن يثبتوا له، ويصبروا عليه، ويقاوموه مقاومة الرجال الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب، ويثبتون لحادثات الأيام، فهم يستنفدون أو يكادون يستنفدون جهودهم كلها في احتمال الآلام السياسية والاقتصادية دون أن يظهر عليهم ضعف في الرأي، أو خور في الطبيعة، أو انحلال في العزيمة، ودون أن يطمع فيهم الأجنبي أو تطمع فيهم الوزارة القائمة.
    وهم يريدون أن يظهروا كرماء أعزاء أمام الإنجليز وأمام هذه الوزارة، ويريدون كذلك أن يظهروا أعزاء فيما بينهم، يحتملون ما يحتملون من أثقل ضروب الحرمان الاقتصادي دون أن يظهر بعضهم على خفايا بعض، ودون أن يحس بعضهم وفاء أصدقائه له، أو عطفهم عليه، أو شعورهم بما هو فيه من ضنك وضيق. وإذا بذل الإنسان هذا الجهد العنيف ليأخذ نفسه باحتمال ما لا يحتمل، والصبر على ما لم يألف الصبر عليه، وإذا طال به هذا الأمر فأنفق فيه الأشهر والأعوام دون أن يجد منه مخرجًا، أو يتخفف ولو قليلًا من بعض أثقاله؛ كان خليقًا أن تضعف مقاومته لما دون ذلك من الأمور، مثله في ذلك مثل الصائم الذي يشق عليه الصوم ويضنيه ويكلفه ألوان العناء فينفق الجهد كل الجهد في احتمال هذه المشقة والثبات لهذا العناء حتى يتم صومه، ولكنه يضعف عن مقاومة أشياء أخرى غير الصوم، فهو سريع الغضب، دقيق الحس، حاد المزاج، سيئ الخلق بوجه عام.
    هذه حال يظهر أنها عامة الآن في مصر، تلحظها عند كثير من أنصار الوزارة، وتلحظها عند كثير من خصوم الوزارة، وتلحظها عند قوم لا ينبغي أن يكونوا من أولئك وهؤلاء. ولعلك تجد هذه الظاهرة أقوى في البيئات الوزارية منها في أي بيئة أخرى. فقد رأيت ما حدث في البرلمان، ومن المرجح أنك سترى أمثاله كثيرًا. ستراها عند النواب، وعند الشيوخ، وعند الوزراء أنفسهم. نائب يهم بإعلان رأي فيضيق به المجلس حتى يوشك أن يبطش به! ثم لا يقبل منه صمتًا ولا دفاعًا في الصحف، ولا يرضى منه إلا بالاعتذار! ونائب آخر يهم بالدفاع عن رأي فيضيق صدره، وينطلق لسانه، وينال المجلس والوزارة بما لا يحبان، ويضيق به المجلس، ويضيق هو بالمجلس فينصرف ثائرًا مغضبًا. ويمضي المجلس في ثورته وإنكاره حتى يضطر الرئيس إلى رفع الجلسة. فإذا سكت الغضب عن النائب المعتدي والمجلس المعتدى عليه؛ أعيدت الجلسة فكان الاعتذار وكان الغفران! ونائب آخر يهم بنقد الوزارة فلا يتحرج من أن يصفها بالسفه! ويضيق به صدر الوزارة فلا تذود عن نفسها، ولا تدفع شدة بشدة، ولا نقدًا بنقد، ولكن أحد أعضائها يصيح بالنائب: اسكت! فإذا لم يفعل انصرف الوزراء وتركوا الميدان مغاضبين! وقد ثار المجلس واضطرب فكثر الصياح وخفقت الأيدي، وامتدت الأيدي، ثم ترفع الجلسة، ويهم بعض النواب بجمع آراء أصحابه على طرد هذا النائب، ثم يسكت الغضب عن القوم جميعًا، فيكون اعتذار واستغفار، ويكون عفو ومغفرة. ويعود الصفو إلى جو البرلمان!
    ويحدث مثل ذلك في مجلس الشيوخ دون أن يعصم الشيوخ منه ما ينبغي أن يكون لهم من الوقار والرزانة ورجاحة الأحلام، فإذا هم أيضًا يثورون ويفورون، ويهيجون ويموجون، ويسيء بعضهم إلى بعض ويعتذر بعضهم إلى بعض، ويغفر بعضهم لبعض!!
    فإذا تركت الوزراء والشيوخ والنواب فسترى دقة الحس ووحدة المزاج وسرعة الغضب في بيئات أخرى. فمصالح الحكومة تضيق بما يكتب عنها في الصحف ضيقًا شديدًا، وتمتلئ صدورها حرجًا لأي نقد. وإذا بلاغات فيها شدة ووحدة، وفيها عنف وفيها تجاوز للقصد، حتى النيابة أظهرت في هذه الأيام شيئًا من دقة الحس ووحدة المزاج وسرعة الغضب هذه، فأكثرت من دعاء الصحفيين إليها، ومن سؤالهم والتحقيق معهم. وكانت معتدلة في ذلك بعض الشيء. ولاحظت الصحف هذا النشاط فتحدثت فيه وفكرت في أن تحتاط له، وكلفت مجلس نقابتها في أن يجد في ذلك أسبوعًا، ثم يعرض عليها نتيجة هذا الجد إذا اجتمعت بعد أيام.
    والصحف نفسها فيما بينها دقيقة الحس، حادة المزاج، يكاد يخرجها كل شيء عن طورها، ويتجاوز بها الحلم الذي كانت قد ألفته واطمأنت إليه فأصبحت في هذه الأيام لا يصبر بعضها لبعض، ولا يثبت بعضها لبعض، وإنما تضيق صحيفة بصحيفة فتسرع إلى النيابة أو إلى القضاء.
    ورجال السياسة أنفسهم، أولئك الذين لا يشتغلون بالصحافة اليومية ولا الأسبوعية، وإنما يشتغلون بالسياسة العليا إن صح هذا التعبير قد أخذت صدورهم تضيق ويصل إليها الحرج مما يوجه إليهم من نقد كانوا يصبرون عليه من قبل. ولعلهم كانوا لا يلتفتون إليه ولا يحفلون به، ولعلهم كانوا يلهون ببعضه حين يتفكهون ويتندرون، ولكنهم الآن يضيقون به، ويكرهونه أشد الكره، ويسرعون إلى النيابة فيستعدونها على أولئك الكتاب الذين تجاوزوا معهم حدود ما يحبون!
    حتى الأدباء يضيق بعضهم ببعض، ويتنكر بعضهم لبعض، ويأخذ بعضهم بعضًا بأيسر الأشياء، ويتمتعون بحس أدبي دقيق، مسرف في الدقة، حاد مغرق في الحدة. ومن ذا الذي لم يلاحظ هذه الغضبة أو إن شئت فقل هذا العتاب الحاد بين أديبين معروفين، لأن أحدهما هم بنقد الآخر فلم يذهب في هذا النقد المذهب الذي كان ينتظره صاحب الكتاب.
    كل هذا يدل على أننا نتعرض في هذه الأيام لأزمة خلقية حادة توشك أن تأتي على ما بيننا من صلات. ومهما يكن عذرنا واضحًا، ومهما تكن المحنة السياسية ثقيلة طويلة، ومهما تكن الأزمة الاقتصادية عنيفة حادة، مرهقة محرقة، ومهما يكلفنا هذا من الجهد في احتماله والثبات له، فإن من كمال الرجولة أن يكون حظنا من سعة الصدر ورجاحة الحلم، والإعراض عن صغائر الأمور أعظم من هذا الحظ الذي بقي لنا الآن. فالصائم يعذر إذا ساء خلقه، ولكن سوء الخلق لا يحمد له، وهو لا يثاب عليه، ولعله أن يفسد عليه جمال صومه، وكذلك الذي يخضع للمحنة السياسية القاسية، والأزمة الاقتصادية العنيفة يعذر إذا ضاق صدره، وعجز عن أن يملك نفسه أحيانًا، ولكن ذلك لا يحمد له، ولا يستحسن منه، ولعله أن يفسد عليه احتماله للمحنة، وثباته للأزمة، ولعله أن يجعل مقاومته أضعف وأوهن، ولعله أن يطمع فيه خصمه ويغريه به، ولعله أن يحول بينه وبين ما يحب من العاقبة الجميلة التي ينبغي أن يظفر بها الأقوياء الصابرون.
    وإذا كان الإغضاء عن المؤذيات والترفع عن صغائر الأمور خليقًا بالرجل في جميع أوقاته وأطواره، فهو أجدر به وأوجب عليه وأكرم له في أوقات الشدة والمحنة، وفي أوقات الفتن والخطوب لأنه يصور قدرة الرجل على نفسه، وضبطه لعواطفه وسيطرته على أهوائه وميوله، واستعداده الصحيح لأن يكون رجل كفاح حقًا، يعرف كيف يداور الأيام، وينتصر على الخطوب.
    فما أجدر النواب والشيوخ والوزراء أن يصبر بعضهم على بعض، وأن يغضي بعضهم عن بعض، وأن يسع بعضهم بعضًا. وما أجدر النواب والشيوخ والوزراء والموظفين أن يحتملوا النقد في شجاعة ورضى وابتسام. وما أجدر الصحف بنوع خاص أن تصبر للصحف وأن تقبل منها الآن ما كانت تقبله أمس قبل الأزمة وما ستقبله غدًا بعد الأزمة. وما أجدر الساسة أن يؤثروا سعة الصدر، ويرفعوا أنفسهم عن هذا الغضب الذي لا يليق بحلم الحليم. ثم ما أجدر الأدباء أن يبسم بعضهم لبعض، بل أن يعبث بعضهم ببعض دون أن يفسد ذلك ما بينهم من صلات. أما الكتاب فما أجدرهم أن يؤثروا الأناة والحكمة وضبط النفس، وقهر الهوى وتحري الحق فيما يكتبون.
    ما أجدر المصريين جميعًا ألا تخرجهم المحنة عن أطوارهم وألا تكدر الأزمة ما كانوا يتعزون به من مودة وحب وصفاء.
    كوكب الشرق ٢٩ – ٥ – ١٩٣٣

  • شئون

    حديث اليوم: شئون
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٢ يوليو ١٩٣٢

    كل شيء يدور في هذا العالم، كما قال فيلسوف من فلاسفة اليونان لا أذكر اسمه الآن، وليس يعنيني أن أتكلف البحث عنه؛ لأني لا أكتب في تاريخ الفلسفة، وإنما أكتب في تاريخ السياسة، أو قل: في شيء ليس من اليسير تسميته؛ فليس هو تاريخًا بالضبط، وليس هو سياسة بالضبط، وإنما هو كأي شأن من الشئون المصرية في هذه الأيام غامض مبهم، ليس من السهل أن يحدد، أو أن يحقق أو أن يسمى. وآية ذلك أننا مختلفون: يرى بعضنا أن في مصر أزمة عنيفة لا تذر شيئًا أتت عليه إلا ذهبت به وعصفت به عصفًا. ويزعم رئيس الوزراء — ومعه الأمة كلها — أن ليس في مصر أزمة، أو أن الأزمة في مصر لا تكاد تذكر بالقياس إلى الأزمة في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من أقطار الأرض، وأن الحياة عندنا ناعمة، والدنيا لنا باسمة، وأن الفلاح سعيد ينتقل من عيد إلى عيد، بينما الفرنسي أو الإنجليزي لا يظفر من نعيم الدنيا بشيء؛ تُحجز أرضه وثمراتها وتباع ماشيته وأمتعته، وتُجنى منه الضرائب بألوان من الضغط. والغريب من أمرنا أنَّا نسأل الفلاح أسعيد هو أم شقي؟ أناعم هو أم بائس؟ فيجيبنا بأنه قد وصل من التعس إلى قراره، وأنه قد أخذ يحس لذع الجوع! فإذا لم يمسسه جناح من رحمة الله فهو هالك من غير شك. ثم يسأله رئيس الوزراء: أسعيد هو أم شقي؟ فيجيب بأنه قد وصل من السعادة إلى قمتها، وأن الحكومة القائمة قد مدت له الأسباب ليبلغ السحاب، وأن الأمر إن امتد لهذه الحكومة عامًا أو بعض عامًا، فسيدخل الفلاح الجنة في هذه الحياة العاجلة دون انتظار للآجلة!

    وعلى هذا النحو يعلن المعارضون أن في مصر أزمة حادة، وتعلن الحكومة أن مصر لا تعرف من الأزمة إلا اسمها. والمعارضة صادقة؛ لأنها تحس وتشعر. والحكومة صادقة؛ لأنها تحسن البحث والاستقصاء. فنحن إذن فقراء أغنياء، سعداء أشقياء، بائسون ناعمون.

    وقل مثل هذا في حياتنا السياسية الداخلية؛ فنحن أحرار عبيد، ونحن أعزاء أذلاء، نحن مجتمع النقائض، ونحن باجتماع هذه النقائض راضون، وإليه مطمئنون. نقرأ رئيس الوزراء أو نسمع له فنتفكه، ونقرأ كلام المعارضين — وقد حيل بيننا وبين الاستماع لهم — فنحزن ونتوله! وكذلك جمع الله لنا ما لا بد منه في الحياة الصالحة من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم ومن الفكاهة والجِد، ومن السعادة والشقاء.

    وقد ذهبت هذا المذهب من الاستطراد؛ لِأُثْبِتَ لك أن كل شيء في مصر غامض مبهم في هذه الأيام لا يمكن أن يحدد ولا أن يسمى. وإني لا أدري كيف أحدد ما أكتب فيه، ولا كيف أسميه؟! ولكني أعلم أنه ليس فلسفة، ولا تاريخ فلسفة.

    كل شيء يدور إذن كما قال ذلك الفيلسوف اليوناني القديم. فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها. وجريدة الشعب تدور حول البرلمان، والبرلمان يدور حول الوزارة، والوزارة تدور حول نفسها. ولست أدري أيحتفل القمر وتحتفل الأرض وتحتفل الشمس إذا أتم كلُّ منها دورته؟! لأني لم أتعلم بعدُ لغة الكواكب والنجوم. ولكني أعلم أن الوزارة تحتفل إذا أتمت دورتها؛ وآية ذلك أن رئيس الوزراء قد استقبل عامه الثالث سعيدًا ناعم البال، فطار بجناحين، وخطب بلسانين، وأهدى السلم إلى برقة، ووضع ثقل الحرب على الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة ومعه جيشه وأنصاره ظافرين موفورين، لم يُكْلَمْ أحد منهم كَلْمًا. عاد إلى القاهرة ليحتفل بإتمام دورة أخرى هي دورة البرلمان. فقد كان يوم الخميس الماضي عيدًا سعيدًا، حفل له البرلمان، وابتهج له المجلسان وخطب فيه الرؤساء والوكلاء والمؤيدون والمعارضون، فأعلنوا جميعًا أن مصر بخير وأن المال عليها موفر، والاستقلال لها محقق، والحرية لأهلها مكفولة. ثم هنأ أولئك وهؤلاء أنفسهم بإتمام الدورة على خير حال، وبأنهم قد داروا ثم داروا فلم يصبهم دوار، ولم يأخذهم صداع، ولم تَزِلَّ بهم قدم، ولم تضطرب تحتهم أرض، فظلوا قائمين، أقدامهم على الأرض، ورءوسهم في الهواء، وأعينهم شاخصة إلى السماء، يرقبون دورة القمر حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس، ودورة الشمس حول نفسها؛ ليدوروا هم حول الوزارة من جديد، ولتدور الوزارة حول نفسها من جديد، ولتدور جريدة الشعب حولهم وحول الوزارة من جديد.

    ثم كان يوم الجمعة فظهر الشعب محتفلًا بالدورتين ممتلئًا بآيات البيان مما قيل في البرلمان، متحليًا بتلك «الفريدة» التي ألقاها رئيس الوزراء في مجلس النواب فأخرس بها المعارضة، وأنكر بها المفاوضة، وأعلن فيها أنه لم يأتِ البيوت من أبوابها، وإنما جاءها من ظهورها، وأنه لم يطلب المفاوضة بالأسلوب المعروف وإنما طلبها بالأسلوب غير المعروف. وأن مبدأ المفاوضة مقبول، وتاريخها مجهول، وأن أساس هذه المفاوضة التي قد تكون وقد لا تكون، سيكون في مصلحة مصر؛ لأن مصلحة مصر يجب أن تكون فوق شيء. وأن الحكومة القائمة لا تنسى وليس يمكن أن تنسى ومن المستحيل أن تنسى مصلحة مصر في صداقة إنجلترا.

    وقد سمع النواب وازدهاهم الإعجاب، فصفقوا وهتفوا ثم انصرفوا، وأخذ الأكفاء منهم وكلهم أكفاء، والأذكياء منهم وكلهم أذكياء، يسألون أنفسهم عن رئيس الوزراء ماذا قال؟ وبأي شيء أجاب على ما يشاع ويذاع، ويملأ الأسماع، من أن الإنجليز يرفضون المفاوضة، ويخافون المعارضة، ويؤثرون الانتظار حتى يكون استقرار، غير هذا الاستقرار؟ أخذ النواب يتساءلون فلا يجدون جوابًا، ويحسبون فلا يحسبون حسابًا. ذلك أن رئيس الوزراء — كما قلت لك في غير هذا الفصل — خطيب بارع، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا. فهو قد طلب المفاوضة ولم يطلبها، وهو مقبل على المفاوضة مدبر عنها. وهو حريص على المفاوضة زاهد فيها. وهو يعلم أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، ولكنه لا يعلم متى تأتي، أمرها كأمر الساعة لا بد منها ولا محيص عنها، ولكن علمها عند الله، وعند الله وحده، قد تدركنا وقد نفلت منها. كذلك المفاوضة، لا بد من أن تأتي ومن أن يحدد لها يوم أو أيام، ومن أن تدور حول مصلحة مصر ومصلحة مصر في صداقة إنجلترا. ولكن متى؟ علم ذلك عند الله. ولكن مع من؟ علم ذلك عند الله. ولكن أين؟ علم ذلك عند الله. ورئيس الوزراء رجل كغيره من الناس، له ذكاء لا يشبهه ذكاء، وفطنة ليس كمثلها فطنة، ولكنه لا يعلم الغيب، ولا يزعم لنفسه علم الغيب. فهو إذن لا يستطيع أن يخترق حجبه ليعلن للشيوخ والنواب متى تكون المفاوضة؟ أو أين تكون المفاوضة؟ أو مع من تكون المفاوضة؟ كل ما يعلمه هو أنه طلب المفاوضة بأسلوب غير معروف، فرُدَّ على طلبه بأسلوب غير معروف، وكانت نتيجة هذا كله أن المفاوضة بيد الله يتيحها لمن يشاء متى شاء وحيث شاء وكيف شاء.

    وبينما كان رئيس الوزراء يبسط على مجلس النواب جناحي خطابته العريضين فيظله من اليأس بأمل غامض ويحميه من القنوط برجاء شاحب، كانت سفينة من السفن تشق العباب وعليها كتاب. فأما قصد السفينة فثغر من ثغور مصر، وأما وجهة الكتاب فجريدة الأهرام.

    وقد وصلت السفينة وبلغت الرسالة، وظهرت الأهرام صباح اليوم وفي صدرها كلام، أُفٍّ له من كلام! لقد أقفل الإنجليز باب المفاوضة الآن، وألقى رئيس الوزراء يوم الخميس ستارًا مزركشًا على مهزلة المفاوضة، وانصرف الناس لشئونهم. فما بال الأهرام تثير حديث المفاوضة من جديد، وترفع الستار عن هموم وأخطار، كان من الخير أن تظل مكتومة مستورة، حتى ينتهي الصيف ويأتي الخريف؛ فقد يكون الخريف وقتًا ملائمًا لمثل هذه الأحاديث؟!

    نعم، إن لكل شيء وقتًا وإبَّانًا، ولكن يظهر أن لا بد من إعداد الأشياء والتمهيد لها قبل أن تكون، وأن ما يقع في الخريف يحسن أن يهيأ له في الصيف، وأن الله إذا كان قد قدر للشمس والأرض والقمر دوراتٍ لا تستطيع أن تخرج عنها، فإن الناس لم يحسنوا إلى الآن أن يقدروا للوزارات والبرلمانات دوراتٍ دقيقةً كل الدقة، مضبوطة كل الضبط. فقد تدور الوزارة في مدارها آمنة مطمئنة مقدِّرة أنها لن تقف قبل نوفمبر، ثم يعرض لها عارض فتقف قبل ذلك. هذه أشياء نشهدها كل يوم، وفي كل مكان، وأنا أخشى أن يكون حديث الأهرام الذي ظهر صباح حديث الأهرام هذا تأكيدًا لما هو معروف من إعراض الإنجليز عن المفاوضات ونفورهم منها حتى بعد أن يتم العام ويبتدئ العام الجديد، وفيه كلام عن الانتخاب، فيه الخطأ وفيه الصواب. لكنَّ فيه شيئًا آخر، فيه ذكر الوزارة التي يمكن أن تفاوضها إنجلترا. وهذه الوزارة لا تشبه الوزارة القائمة في شكل ولا في لون، ولا تقاربها في عرض ولا في طول. وهي مشبهة كل الشبه للوزارة التي ذكرها الأحرار الدستوريون في كتابهم الذي رفعوه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.

    ومن الغريب أن وزارة مكاتب الأهرام هذه لا تشبه الوزارة التي كانت قد اقترحت، وطلب أن يشترك فيها رئيس الوزراء فقد ذكر مكاتب الأهرام أن المقامات الإنجليزية ترغب في أن تفاوض وزارة قومية يشترك فيها المستقلون والأحرار الدستوريون، والوفديون والاتحاديون والوطنيون، ونسيت الشعبيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء.

    كل شيء يدور حتى الإنجليز، وحتى لندرة، وحتى المقامات السياسية في عاصمة بريطانيا العظمى؟!

    أرجو أن أكون مفهومًا، فلست أقدر مقال الأهرام هذا أكثر مما ينبغي، ولست أزعم له خطرًا عظيمًا. ولكني أسأل عن أمرين؛ أحدهما: صدق مكاتب الأهرام فيما يضيف إلى المقامات السياسية الإنجليزية. فإن كان مكاتب الأهرام صادقًا فيما يروى فقد بدأت المقامات السياسية الإنجليزية تعلن ما كانت تخفي من أن في مصر أزمة سياسية يجب أن تحل، ومن أن حلها يجب أن يكون بإبعاد صدقي باشا عن الحكم، وبأن يرد أمر المصريين إلى المصريين، ومعنى هذا أن سياسة الحياد قد فشلت، ولا بد من أن تغير وتزول. وإعلان هذه الآراء في المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة خطر يجب أن يتداركه رئيس الوزراء. والظاهر أن الخرق قد اتسع على وزيرنا المفوض في لندرة، وعلى من يشاركونه سرًّا أو جهرًا في كسب هذه المقامات للوزارة القائمة. فلم يبقَ بد من أن يمد وزيرنا المفوض بمدد جديد. ولو أن رئيس الوزراء يقبل لي رأيًا أو مشورة لاقترحت أن يسافر وزير المواصلات فورًا إلى لندرة ليعين على جمع الأمر قبل أن يتشتت.

    وإذا لم يكن مكاتب الأهرام صادقًا في روايته عن المقامات الإنجليزية — وأنا أرجح جدًّا أنه صادق — فمن حق الحكومة أن تعاتب الأهرام. فإن نشر هذا المقال ليس من شأنه أن يمتع الشيوخ والنواب بالراحة التي يستحقونها بعد أن داروا وداروا وآن لهم أن يستقروا.

    الأمر الثاني الذي أسأل عنه هو استقلال مكاتب الأهرام بكتابة هذا الفصل. فهل كتبه من تلقاء نفسه أم هل أوحي إليه به كله أو بعضه؟ فإن تكن الأولى فلا بأس على مكاتب الأهرام، فهو صحفي أمين يؤدي واجبه كما ينبغي أن يؤدى الواجب. ومن حق رئيس الوزراء أن يهمس في أذن الأهرام بأن من رسائل المكاتبين الأجانب ما ينشر وما لا ينشر. وبأن هذه الرسالة كان ينبغي أن تؤجل الآن. وإن تكن الثانية، فمَنِ الذين ألهموا مكاتب الأهرام وأوحوا إليه؟ أمصريون هم أم إنجليز؟ أرسميون هم أم غير رسميين؟ ففي لندرة مصريون وإنجليز وفيها رسميون وغير رسميين. وأولئك وهؤلاء يعنون بشئون مصر ويرقبون شئون الوزارة القائمة. ومن المصريين في لندرة الآن مَن يحسب له حساب وينبغي أن يقدر رأيه حق قدره.

    الحق أني ضقت ذرعًا بمقال الأهرام ولم أرتح إليه؛ فهو لا يؤذن بخير ولا يدل على أن الدنيا ستبتسم للوزارة منذ الآن كما ابتسمت لها من قبل. وإنما يدل على أن الأرض قد أخذت تضطرب قليلًا تحت أقدامها، ويوشك هذا الاضطراب أن يشتد فيصبح زلزالًا أو شيئًا يشبه الزلزال. نعم، وهو يدل على أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش يرغبون إليه في أن يرعى بحكمته العالية، وعطفه السامي شعبه المخلص الأمين، فيحميه من هذه الكوارث التي توشك أن تلم به وينقذه من هذا الخطر الذي يحيق بثروته وكرامته وأخلاقه وحياته، كأمة من حقها أن تحيا كريمة حرة في ظل عرشه الكريم.

    نعم، يظهر أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش؛ يرغبون إليه في أن يكل أمور مصر إلى وزارة قومية تحبها الأمة وتخلص لها وتعينها على أن تسلك بالبلاد طريق السلامة في هذا الوقت العصيب.

    هذه المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة تنتظر هذه الوزارة وترى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تتفق مع الإنجليز. وهذا الشعب المصري على ضفاف النيل ينتظر هذه الوزارة ويرى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تستنقذه من البؤس، وتحميه من الخطر، وتعزه بعد ذل، وتحفظ له كرامته، وتحقق له استقلاله.

    نعم! وهذه الوزارة القائمة تعترف بأن الأزمة فوق جهدها وطاقتها، وتعلن أن علم المفاوضة عند الله، وتقبل راضية أو كارهة أن تبقى في الحكم لتصريف الشئون اليومية، وانتظار ما يضمره لها القضاء، وما ستتكشف عنه حكمة صاحب العرش من حب للشعب ورفق به وإشفاق عليه.

    ألم أقل لك: إن مقال الأهرام مخيف؟!