Tag: educational policy

  • طه حسين يروي «للأخبار» لماذا قال لفاروق إنه أستاذ الشعب

    طه حسين يروي «للأخبار»: لماذا قال فاروق إنه أستاذ الشعب
    طه حسين
    جريدة الأخبار
    ١١ يونيو ١٩٥٣

    سألت «الأخبار» الدكتور طه حسين عمَّا ورد في مرافعة الأستاذ أحمد رشدي المحامي من أنه خطب وهو وزير للمعارف، فوصف الملك السابق بأنه أستاذ الشعب في الأخلاق … إلخ …

    فقال الدكتور طه: إني لم أتكلم عن فاروق، ولكن تكلمت عن الملك، كما ينبغي أن يكون الملك. ولم أُرِدْ بما قلته أن أمدحه، ولكن أردت أن أكسب لبلادي عملًا صالحًا، وأظن أني حققت كثيرًا مما أردته.

    لقد كان معروفًا أن هناك خلافًا بينك وبين الملك السابق، فهل أنهت هذه العبارات ما بينك وبينه من خلاف؟

    فقال: إن الخلاف بين الملك السابق وبيني لم ينتهِ في أي وقت … وآية ذلك أني اقترحت في آخر خطبة للعرش أعدتها حكومة الوفد أن ينص فيها على مجانية التعليم الجامعي، فوجدت أن بعض الوزراء مترددون في قبول هذا الاقتراح، ولما بحثت الأمر تبين لي أن الملك السابق أبدى لهم عدم ارتياحه من سياسة نشر التعليم بين طبقات الأمة، وقال: إن طه حسين يريد أن يقلبها شيوعية!

    – هل نشأ خلافك مع فاروق بعد توليك منصب الوزارة؟

    فقال: لست أدري على وجه التحديد متى نشأ الخلاف، وكل ما أدريه أني قابلته لحلف اليمين في يناير سنة ١٩٥١ مع الرئيس السابق مصطفى النحاس وزملائه الوزراء، والرئيس السابق حسين سري وكان رئيسًا للديوان، فقال لي على مشهد من الجميع: يا حسين … هذه تجربة لك … هذه آخر مرة أمتحنك فيها، وأنا موش عاوز مبادئ هدَّامة. يا حسين … هذه هي التجربة الأخيرة!

    ولما خرجنا من المقابلة أخذ زملائي يداعبونني، فكانوا يخاطبونني قائلين: يا حسين … يا حسين … يا حسين.

    وبطبيعة الحال لم أَرُدَّ على الملك وهو يوجه لي نصائحه … ولكني عرفت كيف أرد عليه عمليًّا …

    ففي خطبة العرش التي أُلقيت بعد يومين من المقابلة وضعت سياسة الوزارة في مجانية التعليم … وهي السياسة التي وصفها بأنها هدَّامة … لأنها تبني مستقبل مصر … وتجعل التعليم حقًّا لكل مصري!

    ومضى الدكتور طه يقول: إنني حينما خاطبت فاروق لم أخاطب شخصه، ولكن خاطبت الملك أيًّا كان اسمه. ولم أذكر صفاته، ولكن ذكرت الصفات التي يجب أن تكون له. وقد استطعت بهذا الكلام الهائل — كما يقول الأستاذ رشدي — أن أعمل الكثير؛ استطعت أن أعمم المجانية، واستطعت أن أنشئ الجامعات، ثم استطعت — والحمد لله، وهذا ما أعتز به — أن أخرج من الوزارة كما دخلتها … فلم أكسب جاهًا، ولم أقتنِ مالًا، ولم أستغل نفوذي في كبيرة أو صغيرة.

  • التعليم حق طبيعي لكل إنسان

    التعليم حق طبيعي لكل إنسان
    طه حسين
    النداء
    ٢١ أبريل ١٩٥٣

    رأي الدكتور طه حسين
    وقابلت الدكتور طه حسين في حفل نقابة الصحفيين لتكريم الصحفيين العرب، وعرضت عليه فكرة تقييد تعليم الطب في كلياته الثلاث … وقصر عدد المقبولين على مائتين لكلية طب القاهرة، ومائة لكل من كليتي طب العباسية والإسكندرية.

    ضد تقييد أي نوع من التعليم
    فقال: لم أسمع بهذا الموضوع، ولا أظن أن مجرد عرض فكرة كهذه يجعل الكليات متقيدة بها دون عرضها على مجلس التعليم الأعلى وموافقته عليها … ولو أن التعليم حق طبيعي لكل إنسان، ولا يمكن أن تحول فكرة عابرة دون حصول الراغبين في التعليم على هذا الحق … وأنا شخصيًّا ضد تقييد أي نوع من التعليم مهما كانت الظروف والأسباب.

    زيادة التعليم تحقق الغاية
    قلت: وما رأيكم في الأعذار التي تبرر بها الكليات تنفيذ فكرة تقييد تعليم الطب، وهي نقص الأساتذة والمعامل وضيق المباني، وانخفاض مستوى التعليم؟

    فقال: إن هذه المعاذير والأسباب لا تبرر تقييد أي نوع من التعليم والطب بنوع خاص؛ لأن البلاد في حاجة إلى أضعاف أضعاف عدد الأطباء الحالي … وما يوجد من نقص في المدرسين والمباني والمعامل؛ فهذا كله يمكن استكماله بسهولة بكل الوسائل الممكنة.

    الكليات الثلاث الجديدة
    قلت: وما رأيكم في وقف مشروعات إنشاء الجامعات الثلاث الجديدة بكل من أسيوط وطنطا والمنصورة، وكليات الطب الثلاث بكل منها؟

    فقال: لم يقُل أحد إن مثل هذه المشروعات يمكن الاستغناء عنها تمشيًا مع التوسُّع في سياسة التعليم وتيسيره لمختلف طبقات الشعب، وأعتقد أن العهد الجديد يهدف إلى تيسير التعليم لا إلى تقييده، وأن وقف إنشاء هذه الجامعات وتلك الكليات لا يتفق مع السياسة …

    قلة الأساتذة
    قلت: إن الشكوى في كليات الطب الحالية هي من قلة الأساتذة وانخفاض مستوى تعليم الطب، وربما كان ذلك سببًا في وقف الكليات الجديدة. فقال: لا شك أن زيادة درجات التعليم والتوسع فيها يساعد كثيرًا على وجود المدرسين والأساتذة، ويوفر ما يحتاجه هذا التوسع تدريجيًّا، وكما ذكرت لك أن النقص في ناحية ما لا يمكن تداركه واستكماله بوقف نشاط هذه الناحية، بل يمكن تحقيق الكمال بوسائل كثيرة في متناول أيدي المسئولين، ومع ذلك فالأمر لا يعدو اقتراحًا تقدَّم به أحد الأطباء من أعضاء نقابتهم، ولم يُعرض على مجلس التعليم حتى يمكن اعتباره أمرًا مقضيًّا فيه أو واجب التنفيذ.

  • في التعليم

    في التعليم

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٦ أبريل ١٩٥٣

    عدد طلابنا الجامعيين في هذا العام ثلاثة وأربعون ألفًا، ومن الخير للتعليم أن ينزل هذا العدد إلى نصفه. ولكنه مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد — كما تشاء — سيزيد في العام المقبل إلى ثلاثة وخمسين أو إلى خمسة وخمسين ألفًا أو إلى أكثر من ذلك.

    وسيكون من الخير للتعليم في العام المقبل أن ينزل عدد الطلاب إلى أقل من نصفه. فإذا كان العام الذي يليه، فسيزيد عددهم حتى يبلغ السبعين ألفًا، وسيكون من الخير للتعليم أن يهوى هذا العدد إلى ثلثه. وسيظل العدد في ازدياد واقعي وفي نقص مثالي حتى يهدينا الله الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم فآتاهم من لدنه رحمة وهيأ لهم من أمرهم رشدًا.

    وهذا الصراط المستقيم هو الذي لا يفكر المهتدون إليه في أن يعاكسوا الطبيعة ويخاصموا منطق الحياة، ويردُّوا عن التعليم شعبًا يريد أن يتعلم، وعن النور شعبًا يريد أن يخرج إلى النور.

    ليس في الأرض أمة يزدحم فيها الطلاب على الجامعات أو على المدارس الثانوية، فتردهم عن الجامعات والمدارس الثانوية؛ حرصًا على صلاح التعليم وإتقانه. وإنما السبيل أن تنشئ من الجامعات والمدارس ومعاهد التعليم ما يلائم إقبال الناس على المعونة ورغبتهم في أن يزدادوا منها. وما أعرف بلدًا كمصرَ يضيق الناس فيه بإقبال أبناء الشعب على أن يتعلموا، وإنما الأصل أن يكون ذلك مصدر غبطة ورضًا وابتهاج، لا مصدر حسرة وحزن واكتئاب. وقد علمنا شيوخنا منذ الزمان الأول أن العلم نور، وأن الجهل ظلمة، وأن الخير في أن يخرج الناس من الجهل إلى العلم ومن الظلمة إلى النور.

    كذلك تعلمنا وإلى ذلك دعونا، وقد سمع الناس لنا، واستجابوا لدعائنا، وأقبلوا يطلبون العلم حتى ضاقت بهم معاهده على اختلافها. فالناس يشكون من قلة هذه المعاهد، والذين إليهم أمر التعليم يوشكون أن يشكوا من كثرة المقبلين على العلم، لولا فضل من حياء يمنعهم من الدعوة إلى الجهل فضلًا عن إمساك الناس فيه.

    لا بدَّ إذن من أن نستخير الله ونحزم أمورنا، ونواجه الحقائق كما هي وكما ينبغي للرجال أن يواجهوها، فنحاول إنشاء ما نحتاج إليه من المعاهد والمدارس والجامعات؛ ليتعلم الشعب في يسر ودون أن يجد حرجًا في هذا الطموح الكريم إلى الحياة الكريمة.

    وأحب للمثقفين وقادة الرأي أن يصطنعوا شيئًا من التواضع والقصد والاعتدال، فإن الله لم يجعلهم أوصياء على الشعب، وإنما جعلهم له نصحاء ومرشدين. فمن حقهم أن يشيروا عليه وأن ينصحوا له وأن يقولوا له: هذا خير فاقصد إليه، وهذا شر فارغب عنه! ثم تترك له بعد ذلك حريته، فإن شاء اتبعهم فعسى أن يرشد، وإن شاء خالفهم فعسى ألَّا يخطئ؛ لأن المثقفين من الهداة والقادة والمرشدين ليسوا معصومين من الخطأ، فجائز أن يروا الخير ويدلوا عليه، ثم لا يكون الخير ما رأوا، وإنما يكون الخير في ناحية أخرى غير الناحية التي ذهبوا إليها.

    وهم على كل حال أدلاء وقادة، لا أوصياء ولا مسيطرون. وقد قال الله لرسوله: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ).

    وقال له كذلك: ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ). فأجدر بالمثقفين والقادة أن يعلموا أنهم مذكِّرون لا مسيطرون، ومرشدون لا أوصياء ولا مهيمنون. وقد انقضى العصر الذي كان أولو الرأي فيه مسيطرين على مصير الشعب، وأصبحنا نعيش في عصر يسيطر الشعب فيه على مصيره.

    فلننصح له ولنُشِرْ عليه دون أن نتحكم فيه أو نضطره إلى غير ما يريد. وهو يريد أن يتعلم، وأن يتعلم في المدارس الثانوية والفنية وفي الجامعات، فلنهيئ له من العلم ما يريد، ولنوجهه إلى ما نعتقد أنه الخير، ولنصرفه عما نعتقد أنه الشر، ولكن دون أن نعنف به أو نشق عليه، فقد يخرجه ذلك عن طوره؛ فتكون عاقبة ذلك شرًّا عليه وعلينا جميعًا.

    يجب إذن أن نستخير الله ونحزم أمورنا، ونقدم على بصيرة، فننشئ من المدارس والمعاهد والجامعات ما يحتاج إليه هذا الشعب الطامح. فإن مصر لم تخلق للجهل، وهي التي عرَّفت الشعوبَ طريق العلم. وهي لم تخلق للضعة، وهي التي سبقت إلى الرفعة وهدت إليها غيرها من الأمم. ولم تخلق للخمول، وهي أول دولة عظيمة عرفها التاريخ.

    وقد أحسَّ قائد الثورة هذا كله إحساسًا قويًّا، وعبر عنه تعبيرًا قويًّا حين قال: إن مصر لن ترضى حتى تصبح إحدى الدول العظمى. ولن تصبح مصر إحدى الدول العظمى حين يبلغ طلاب الجامعة فيها ثلاثة وأربعين ألفًا بين شعب قد نيف عدده على عشرين مليونًا. فكيف ومنَّا قومٌ يودُّون لو نقص هذا العدد إلى النصف؟!

    وإنما السبيل إلى عظمة مصر أن يتعلم أبناؤها جميعًا كلٌّ حسب طاقته وميله، وفي حدود حريته واستعداده.

    وإنما السبيل إلى عظمة مصر ألَّا يوجد لون من ألوان المعرفة، ولا فن من فنون العلم، ولا ضرب من ضروب النشاط، إلَّا ولبعض أبنائها حظٌّ منه ومشاركةٌ فيه. إنما سبيل العظمة إلى مصر أن يشعر العالم كله بمشاركة مصر القوية في علمه وفنه ونشاطه على اختلاف ما يكون من ألوان النشاط.

    إن الشعب المصري يطمح بطبعه وغريزته وإرادته الخفية والظاهرة إلى أن يكون شعبًا عظيمًا. وقد كان شعبًا عظيمًا في عصور كثيرة من تاريخه الطويل، فما يمنعه أن يجدد عظمته ويستأنف سيرته في الحياة الحرة الكريمة الخصبة المنتجة. لا ينبغي أن نضيق بأن عدد الطلاب الجامعيين قد بلغ ثلاثة وأربعين ألفًا، بل لا ينبغي أن نرضى حين يبلغ هذا العدد مائة ألف، ولكن يجب أن ننشئ الجامعات التي تتيح لهذا العدد وللأعداد المقبلة، درسًا منتجًا وعلمًا نافعًا وتفرغًا للتحصيل الصحيح واتصالًا بالأساتذة وتوفرًا على البحث.

    وأنا أعلم حق العلم أن ميزانية الدولة ضيقة، وأن طاقتها المالية محدودة الآن. ولكن ميزانيتها لن تظل ضيقة دائمًا، وطاقتها لن تظل محدودة على هذا النحو إلى آخر الدهر. فالله جعل بعد ضيق فرجًا، وبعد عسر يسرًا، وفي الشعب قدرة أي قدرة، على أن يعين الحكومة وينشئ من المدارس ومعاهد العلم ما تقصر يد الدولة عن إنشائه، فلم لا يوجه إلى ذلك، ولما لا يطالب به، ولم لا يلح عليه فيه؟!

    لتصدِّقني الحكومة، ولتصدِّقني الثورة أيضًا، ولتجري هذه التجربة التي أقترحها. ولكن يجب أن نجربها جادين حازمين، ومصممين غير مترددين؛ لنقرر أن مصر محتاجة في الأعوام العشرة المقبلة إلى عدد بعينه من المدارس الثانوية وإلى عدد بعينه من الجامعات والمعاهد العلمية العالية. ولنبين في وضوح نصيب كل إقليم من هذه المدارس والمعاهد والجامعات. ولنبين للشعب ما تستطيع الدولة أن تنهض بإنشائه منها، وما يجب أن تنهض بإنشائه الأقاليم، ولندعها إلى أن تسبق إلى هذا الخير. فأي الأقاليم سبق إلى إنشاء حاجته من المدارس والجامعات كانت له جائزة أي جائزة، حين تنهض الحكومة بتلقي هذه المدارس والجامعات، وتمكين الطلاب من أن يختلفوا إليها والأساتذة من أن يعلِّموا فيها. ذلك أجدر بأن يشعر الشعب بواجبه وحقه، وأن ينشطه لأداء الواجب وكسب الحق، وأن يعلمه أن الشعب الحي اليقظ لا ينتظر أن يهبط إليه الخير من السماء، وإنما يكسب هذا الخير بالاتحاد الذي يتيح له أن يتعاون على البر والمعروف، وبالنظام الذي يتيح له ألَّا تتفرق جهوده ولا يختلط نشاطه، وبالعمل الذي يتيح له الإنتاج النافع الباقي على الدهر.

    وكذلك تصبح هذه الكلمات الثلاث التي جعلها قائد الثورة شعارًا لهذه الثورة كلماتٍ مملوءةً تدل على شيء واقع محقق، لا تنطق بها الألسنة وحدها، وإنما تخفق بها القلوب، وتفكر فيها العقول وتنطق بها الألسنة وتعمل بها الأيدي، فتجعلها حقائق تراها العيون وتلمسها الأيدي وتتوارثها الأجيال، وتنتهي بها مصر إلى أن تكون بلدًا عظيمًا يسكنه شعبٌ عظيمٌ.

    لندع إذن هذا الخوف الذي يذيب قلوبنا فَرَقًا حين نرى الإقبال على التعليم الثانوي والعالي، بل لنبتهج به ولنشجع عليه، ولنحرض الشعب على أن يُقبل مع هذا على فنون أخرى من التعليم، وضروب أخرى من النشاط. ثم لنلائم بين ما نعمله وما نقوله، وبين ما نعمله اليوم وما نريد أن نعمله غدًا، ولنجتهد في ألَّا نخادع أنفسنا عن الحق، ولا نملقها بالوهم والخيال.

    لقد قررت لجنة سياسة التعليم مثلًا أن تعيد فرض الرسوم على الامتحانات لنيل الشهادة الإعدادية والثانوية، وعارضت في ذلك فلم أُفلح، وكان ذلك من الأسباب التي حملتني على الاستقالة من هذه اللجنة؛ لأني لا أستطيع أن أرجع في حق كسبه الشعب.

    فماذا أقرأ اليوم في الصحف؟ أقرأ أن الوزارة قد قررت في هذا العام إلغاء الرسوم على الامتحانات جميعًا من غير استثناء.

    الوزارة تقرر في هذا العام إلغاء الرسوم على ما نعلمه من ضيق الميزانية، وحسنًا فعلت. ولكن كيف أفهم إلغاء الرسوم هذا العام ووضعها في مشروع القانون الجديد؟

    والحكومة تتشدد أول العام في تحصيل هذه الرسوم أو تلك وتغلو في التشدد، ثم تنتهي آخر الأمر من إعفاء هذه الرسوم، وحسنًا تفعل حين ترفق بالناس، ولكن أليس الخير أن تبدأ فترفق بهم ليلقوا عامهم باسمين في غير مشقة ولا عسر ولا ضيق؟!

    والجامعات تتشدد في رسومها وتسرف في هذا التشدد، حتى تبلغ به أقصاه، ثم يفي قائد الثورة ورئيس الحكومة حقائق الحياة التي يحياها الناس؛ فإذا التشدد قد أصبح لينًا وإسماحًا. فلم لا تتخذ اللين والإسماح أساسًا للصلة بين الحاكمين والمحكومين.

    وتتشدد الجامعات في عدد الطلاب الذين تستطيع أن تقبلهم، حتى إذا أرهقت الناس من أمرهم عسرًا هبطت كلمة الخير من عَلٍ، فاستحال العسر يسرًا والضيق فرجًا. لم لا نلائم بين أعمالنا ومنطق الحياة، فنجنِّب الناس ونجنِّب أنفسنا كثيرًا من الحرج والضيق، ونخلص جهودنا للعمل والإنتاج، وننقيها من الهم والغيظ والغم والعناء.

    ذلك أحرى أن يتيح لجهودنا حظًّا أعظم من الخصب، وقدرةً أوسع على الخير، وأن يجعل أمورنا كلها سواء لا عوج فيها ولا اضطراب.

    ليتنا نستقبل أمور التعليم كلها بما ينبغي لها من الرضا والغبطة والابتسام، ونذكر الحديث الشريف في كل ما نحاول من أمور الشعب: «إنما بعثتم ميَسِّرين لا معسِّرين.»

  • الحق المر

    الحق المر
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٩

    يظهر أن الكتابة من قمم الجبال في شئون التعليم تغيظ وزارة المعارف، فسأكتب في شئون التعليم الآن من باريس لا من قمم الجبال، وسأكتب فيها إن شاء الله من ضفاف النيل لا من قمم الجبال، فعسى أن تكون الكتابة في شئون التعليم من السهول أحسن وقعًا في نفوس المسئولين في وزارة المعارف من تلك الكتابة التي تهبط من قمم الجبال؛ لأنهم في أكبر الظن لا يحبون التصعيد، وإنما يحبون السير السهل في الأرض السهلة الرفيقة. وأكبر الظن كذلك أن إيثارهم للسهولة واليسر، وإشفاقهم من التصعيد في الجبال والارتقاء إلى قممها هو الذي اضطرهم واضطر الشعب معهم إلى هذه الورطة المعقدة العقيمة التي لا يجدون لأنفسهم ولا للشعب منها مخرجًا؛ ذلك أن الحياة ليست يسرًا كلها وإنما هي مزاج من العسر واليسر، وليست راحة كلها وإنما هي مزاج من الراحة والتعب، وليست أمرًا ونهيًا كلها وإنما هي مزاج من الأمر والائتمار ومن النهي والانتهاء، وليست غدوًا إلى الديوان حين يرتفع الضحى ورواحًا إلى الدار حين يتقدم النهار، وقبضًا للمرتب في آخر الشهر وتنكيلًا بالموظفين بين ذلك، وتحكيمًا للهوى وتعقيدًا لمنافع الناس، وإنما هي عمل في الليل وعملٌ في النهار، تُختلَس الراحة منه اختلاسًا، ويُضَحَّى في سبيله بالقوة والوقت وبالمنصب والمال، ويقوم على الإخلاص الخالص، والصدق الصادق، والنية السليمة التي تفكر في الانتفاع بما سبق إليه السابقون أكثر مما تفكر في الازدراء لما سبق إليه السابقون.

    ولو قد جرت شئون وزارة المعارف على هذا النحو من إيثار مصلحة الشعب على مصلحة الحزب وعلى مصلحة النفس وعلى مصلحة الشيعة والأنصار، ومِنْ تجنُّب السياسة وأهوائها وشهواتها وكلفها بالعوج والالتواء، لكان لها شأن غير شأنها الآن، ولكان لها أثرٌ غير أثرها الآن.

    ولما اضطر وكيل من وكلاء هذه الوزارة إلى أن يكتب هذا المقال الذي قرأته الآن في باريس، فكدت أضحك لولا أن الحزن والأسى واليأس والإخفاق، كل ذلك يقطر من كل جملة من جمله، ومن كل كلمة من كلماته، ولولا أن هذا المقال قُصِد به إلى أن يتجرع الشعب بعض الحقائق المُرَّة التي لم يكن يظن أنه سيتجرعها بعد أن منَّاه قومٌ فأسرفوا فيما عرضوا له من الأماني وفيما زيَّنوا له من الآمال.

    فهذا المقال يُريد أن يُجرِّعَ الشعب حقيقةً مُرَّة هي أن وزارة المعارف تُقِرُّ بإخفاقها الكامل الشامل فيما نهضت به من شئون التعليم أثناء خمسة أعوام، ويريد أن يُجرِّعه حقيقة مُرَّةً أخرى هي أن وزارة المعارف لن تَبْلُغ ما تريد، ولن تُبَلِّغ الشعب ما يريد من نشر التعليم؛ لأن أسباب ذلك عسيرة غير يسيرة، ومقطوعة غير موصولة.

    فالمباني لم تُقَم ولا يُنتظَر أن تُقام في وقت قريب، والمعلمون لم يُعَدُّوا ولا يُنتظَر أن يُعَدُّوا في وقت قريب. فالأعين بصيرة والأيدي قصيرة، والآمال واسعة والقدرة ضيقة، وأمر التعليم في ذلك كأمر غيره من المرافق العامة. فليس على مصر إلَّا أن تنتظر، وألَّا تسأم طول الانتظار؛ لأن وزارة المعارف لا تملك العصا السحرية التي تشير بها إلى العقاب فتُذلَّل وإلى المصاعب فتُهوَّن. وليست وزارة المعارف القائمة مسئولة عن شيءٍ من هذا، وإنما يُسأَل عنه أولئك الذين شرَّعوا سُنَّة التوسُّع في التعليم، وجعلوا التعليم الابتدائي مجانيًّا مفتوحًا لمن أراده من أبناء الشعب على اختلاف طبقاتهم. أولئك الذين جنوا هذه الجناية الضخمة واقترفوا هذا الإثم العظيم هم المسئولون؛ أولًا: لأنهم جنوا الجناية واقترفوا الإثم، وثانيًا: لأنهم لم يُعِدُّوا ما كان ينبغي أن يُعِدُّوا ليجد المصريون من المدارس ما يحتاجون إليه.

    كذلك يقول وكيل من وكلاء وزارة المعارف القائمة، ولا ينسى إلَّا شيئًا واحدًا يسيرًا كل اليسر، وهو أن أولئك الجناة الآثمين قد اقترفوا إثمهم ذاك سنة ١٩٤٤ وتركوا وزارة المعارف سنة ١٩٤٤ حين كانت الدراسة تهم بأن تُفتتَح، فلم يُمَكَّن لهم في وزارة المعارف ليمضوا في جنايتهم الضخمة وإثمهم العظيم، لا أقول إلى آخر الشوط بل أقول إلى أول الشوط، ولو قد مُكِّن لهم في وزارة المعارف حتى يُنفِّذوا سياستهم التي رسموها، ويُتِمُّوا جنايتهم التي اقترفوها؛ لكان للتعليم في مصر شأنٌ غير شأنه الآن، ولشغل الناس بما يعنيهم من كسب حياتهم عما يشقيهم الآن من إذلال نفوسهم ليظفر أبناؤهم وبناتهم بحقهم في التعليم.

    ووكيل وزارة المعارف الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة كانوا قد أعدُّوا برنامجهم، ورسموا خططهم، وأرصدوا ما ينبغي من المال في مشروع السنوات الخمس لتنفيذ تلك الخطط. وهو يعلم حق العلم أن الذين جاءوا بعدهم قد هدموا ما بنوا، وأفسدوا ما أصلحوا، وألغوا ما أرصدوا من المال، ورسموا سياسةً جديدة وخططًا جديدة، أضاعوا في رسمها وقتًا غير قليل، وأضاعوا في الاستعداد لتنفيذها وقتًا غير قليل، ثم فُوجِئوا بنتائج السياسة التي تقوم على الهوى، وتهدم ما بنى الخصم، لا لأنه سيئ بل لأن الخصم هو الذي بناه.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن السياسة التي رسمها أولئك الجناة قد أقرَّها برلمان شرعي، فكان من الحق عليه وعلى أصحابه أن يحترموا ما أقرَّ البرلمان، ولكنهم تعوَّدُوا ألَّا يحترموا شيئًا وألَّا يرجوا لأحدٍ وقارًا.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة أُخْرِجوا من وزارة المعارف إخراجًا عنيفًا، إخراج العدو لا إخراج الصديق. فلم يكن ينبغي لهم أن يقولوا للذين أخرجوهم: «إنا كنَّا ندبِّر الأمر على هذا الوجه أو ذاك.» ولو قد قالوا لهم لما استمعوا إليهم، ولما حفلوا بما كانوا يقولون.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة بعد أن أُخْرِجوا من وزارة المعارف، وبعد أن رأوا سياستهم تُهدَم في غير رعاية للمصلحة ولا احترام للقوانين ولا توقير لقرارات البرلمان؛ لم يزيدوا على أن حذروا وأرشدوا، ودعوا إلى الحق فنالهم في سبيل ذلك أذًى كثير. لم يأتمروا سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يعبثون بشئون التعليم كما ائتمر غيرهم سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يصلحون شئون التعليم.

    وكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم هذا كله حق العلم، ويعلم أن أصحابه ركبوا رءوسهم في شئون التعليم كما ركب رءوسهم في شئون أخرى غير شئون التعليم، فكانت عاقبة ذلك كلها وبالًا، وكانت نتيجة ذلك أنه كتب هذا المقال المر ليجرع الشعب هذه الحقائق المُرَّة، وليريح ضميره وضمير أصحابه من تبعات ثقال.

    أما وقد اعترف بأنه هو وأصحابه قد أخفقوا هذا الإخفاق المروع، فإني أؤكد له في صراحة بريئة من كل لبس، وفي إخلاص بريء من كل كسل، وفي نسيان كامل لما مضى، وعناية كاملة بالمستقبل من الأيام، وفي تجاوز عن كل ما أصابنا من لاذع القول وسيئ العمل أنَّ أولئك الجناة الذين توسعوا في التعليم وفرضوا مجانية التعليم الابتدائي، مستعدون اليوم كما كانوا مستعدين سنة ١٩٤٤ للمضي في جنايتهم تلك التي تمر في أذواق قوم، ولكنها تحلو في أذواق الشعب كله.

    مستعدون للتوسع في التعليم أكثر مما توسع هو وأصحابه مرات كثيرة، ومستعدون لفرض مجانية التعليم الثانوي والفني بعد أن فرضوا مجانية التعليم الابتدائي.

    مستعدون لهذا كله ولاحتمال تبعاته والإجابة عن هذه التبعات لا أمام البرلمان وحده بل أمام الشعب كله، وأمام القضاء إن احتاج الأمر إلى أن يقفوا أمام القضاء.

    مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله؛ لأن في يدهم عصا سحرية ليست في يده هو ولا في يد أصحابه، وهذه العصا السحرية هي أنهم يحبون الشعب ويحبهم الشعب، وهي أنهم يقولون فيسمع الشعب لما يقولون، ويدعون فيستجيب الشعب حين يدعون، وهي أنهم يحبون رجال التعليم ويحبهم رجال التعليم، لا يبغون ولا يطغون ولا يستعلون ولا يستكبرون، وإنما يرون أنفسهم خدَّامًا للشعب لا سادةً له، وينصفون من أنفسهم قبل أن ينصفوا بعض الناس من بعض، ويبذلون وقتهم وجهدهم وصحتهم ومالهم، إن كان عندهم مال، في سبيل المصلحة العامة، يؤثرون الشعب بالخير كله، ولا يؤثرون أنفسهم إلَّا بما يقيم الأود ويحفظ الكرامة ويُمكِّن من العمل والإنتاج.

    هم مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله، لا يَحُول بينهم وبين الوفاء بما وعدوا إلَّا أن وزارة المعارف ليست في أيديهم، فليتركها إذن هو وأصحابه بعد أن كتبوا على أنفسهم هذا الإخفاق المر، وليسلموا أزِمتها إلى أولئك الجناة الذين يحبون التوسع في التعليم، ويعطون العلم لأبناء الشعب لا يبيعونه عليهم بثمن بخس دراهم معدودة كما يُباع البصل والكُرَّاث.

    أمَّا بعد، فقد أُنسِيت أن كاتب هذا المقال وكيل لوزارة المعارف لا يملك من سياسة هذه الوزارة شيئًا، ولكنه كتب مقاله كتابة السياسي المسئول، فجريت معه في ميدانه غير طويل، ثم تبين لي أني أتحدث إلى غير مختص، فذكرت قول علي — رضي الله عنه — لابن عباس فيما يُروى: «إنها شقشقة هذرت ثم قرَّت.»

  • موسم

    موسم
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٢٣ سبتمبر ١٩٤٩

    هذا الصيف يريد أن ينصرم، ويهم أن يمضي بقيظه المحرق وحرِّه المرهق وكسله الذي يكف النفوس عن النشاط، ويصد الأجسام عن العمل، ويفرض على الناس في مصر حياة خامدة هامدة، يحيونها كما يستطيعون لا كما يريدون. وهذا الخريف يريد أن يُقبل بنسيمه العذب الذي يردُّ الحياة إلى النفوس، والنشاط إلى الأجسام، ويحبب إلى العقول أن تفكر، وإلى القلوب أن تشعر، ويُتيح للناس أن يبتسموا للحياة، وأن يستقبلوها فَرِحين، بل مبتهجين لها، يصرفونها حسب حاجاتهم وإرادتهم، وحسب منافعهم ومآربهم. وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف؛ تهيأ الصبية والشباب للسعي إلى المدارس والاختلاف إلى الدروس في معاهد العلم على اختلافها متعلمين، وتهيَّأَت الأسر لما يقتضيه ابتداء العام الدراسي إنفاق المال ليُتاح للتلاميذ والطلاب أن يفرغوا للدرس والتحصيل، ومن إنفاق الجهد لكسب هذا المال وتدبيره وتوفير ما يحتاج إليه التلاميذ والطلاب من أداة وملبس وطعام ليكون فراغهم للدرس خصبًا وإقبالهم عليه منتجًا.

    وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأَ الأساتذة والمعلمون للسعي إلى المدارس والمعاهد، يَلْقَوْنَ فيها هذه الأجيال الناشئة، فَيُلْقُونَ إليها تراث الأجيال الماضية، ويهيئونها لاستقبال الحياة في جِدٍّ وكَدٍّ، وفي ثقة وأمل، وعن بصيرة وخبرة وقدرة على قهر المصاعب واحتمال الخطوب.

    إذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأ الماضي لينقل تراثه إلى المستقبل، وتهيَّأت الأمة لتجدد نفسها، وتهيأ الوطن ليستقبل ربيعًا جديدًا تشيع فيه الحياة، وتنشر فيه الثقة، وتبتسم فيه الآمال.

    فهذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر، وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر هي أيام الموسم الرائع في حياة الأمة والوطن جميعًا. أيام الموسم الذي تنعقد به الآمال وتتعلق به الأماني، ويتهيأ فيه الجيل الجديد لتلَقِّي شعلة الحضارة من الجيل القديم على أنها أمانة ما ينبغي أن تحفظ كما هي، وإنما ينبغي أن تزكو وتنمو وتربو وتزداد بهجةً وجمالًا وتألُّقًا وإشراقًا. فمن حق الأمة أن تبتهج بهذه الأيام، وأن تتلقاها بقلوب فرحة ونفوس مرحة وضمائرَ مطمئنَّة إلى أنها قادرة على البقاء والنماء والخلود الذي لا خمول فيه ولا خمود. كذلك أتصور هذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر. وكذلك ينبغي أن يتصوَّرَها المصريُّون جميعًا. ولكن أنظر فأرى هذه الأيام تُقبل شاحبة كئيبة، تُثقِلُها الهموم وتنوء بها الأحزان؛ لأننا لا نعرف للعلم حقه، ولا نقدِّر الرُّقِيَّ قدره، وإنما نستقبل فصل التعليم كما نستقبل غيره من فصول الحياة اليومية، لا نمنَحُه حَقَّهُ من الرِّضَى والابتهاج؛ لأننا لا نمنحه حقه من العناية والإكبار. فالكثرة الكثيرة من صبيتنا وشبابنا لا يحفلون بهذا الموسم لأنهم لا يشاركون فيه، قد حال الجهل والعجز بينهم وبين المدارس والمعاهد والجامعات؛ فهم مُقبِلُون على حياة حيوانية غليظة، لا رِقَّةَ فيها ولا لين، على حياة تمَس أجسامهم ولا تمس قلوبهم وعقولهم، على حياة تشبه حياة ما يسومون من الماشية وما يتعهدون من نبت الأرض. فموسم التعليم لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، ولأن القلة القليلة من صبيتنا ومن شبابنا يُقبلون على هذا الموسم يريدون أن يبتهجوا به، ولكنه يكتئب لهم، ويريدون أن يتلقوه بالفرح والمرح، ولكنه يتلقاهم بالهَمِّ والحزن والكآبة والضيق. تصدهم المدارس والمعاهد عن أبوابها لأنها أضيق من أن تتسع لهم.

    فبعضهم يريد أن يتعلم فيرده ضِيق المدارس إلى الجهل. وبعضهم يريد أن يتزيَّد من التعليم فيَضطره ضيق المعاهد إلى أن يقف حيث انتهى به الشوط. وبعضهم يطمح في ارتفاع الذكر ونباهة القدر فيرده ضيق المدارس والمعاهد إلى الخمول والجمود، والرضى بما قُسِم له من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا. والأُسَر تشارك أبناءها في هذا الهم المُمِض، وتحمل معهم همومًا ممضة أخرى، فليس كل الناس قادرًا على أن يوفر لصِبْيَتِه وشبابه ما يحتاجون إليه من المال ليشتروا العلم من حيث يُباع، أو ليتلقَّوْه بالمُجَّان إن أتاحت درجاتهم أن يتلقوه بالمجان.

    فهذا الموسم الذي حقُّه أن يكون عيدًا تملؤه البهجة والغبطة والرضى والأمل، يستقبله الصبية والشباب عندنا بالنفوس الكئيبة والقلوب الوَجِلة، ويستقبله الآباء والأمهات بالحزن المبرح والهم الثقيل، وتستقبله وزارة المعارف بهذا النشاط المجدب الذي لا يغني عنها ولا عن الناس شيئًا. ولا يمكن أن يُشَبَّه إلَّا بالقطار الذي يملأ الجو من حوله ضجيجًا وعجيجًا وصفيرًا وزحيرًا، ولكنه لا يتقدم شِبْرًا إلى أمام، وإنما يضطرب مكانه فيكون مصدر إقلاق وإزعاج لا مصدر شيء آخر.

    هذه الألوف المؤلَّفة من الشباب الذين ظفِروا بالشهادة الثانوية لا يجدون أماكنَ في الجامعات، وهذه الألوف المؤلَّفة من الصبية الذين ظفروا بالشهادة الابتدائية لا يجدون أماكن في المدارس الثانوية. ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على الديوان ويروحون إلى بيوتهم، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن، ينقُضُون بين ذلك ويبرِمُون، ويختصمون فيما بينهم ثم يصطلحون، يختلفون ثم يأتلفون. والصبية والشباب لا يجِدُون أماكن في المدارس ولا في الجامعات. وهَبْهُم وجدوا الأماكِنَ واستقروا فيها وتهيَّئوا للدرس، واطمأن أباؤهم وأمهاتهم، فإن الوطن لن يطمئن، ولا ينبغي له أن يطمئن؛ لأن هؤلاء الصبية والشباب لن يتعلموا كما ينبغي لهم أن يتعلموا، يحُول بينهم وبين ذلك حائل خطير كل الخطورة، هو أن المعلم ليس منشرح الصدر للتعليم، وليس فارغ البال للعلم، وليس موفور النشاط للدرس، وليس خالص القلب للطلاب والتلاميذ. يشغَلُه عن هذا كله أن له أسرة ينبغي أن تعيش هادئة مطمئنَّة، ولم تُيسَّر لها أسباب الحياة الهادئة المطمئنة. يشغله عن ذلك أن له بنات وبنين يريدون أن يتعلَّموا، وقد تقطعت بهم الأسباب. لم يظفروا بالدرجات التي تُعفِيهم من أجور التعليم، ولم يظفر أبوهم بالمرتب الذي يتيح له أن يؤدي عنهم أجور التعليم، بل لم يظفر بالمرتب الذي يتيح له أن يطعمهم ويكسوهم ويحميهم من آفات المرض والبؤس والجوع. فهو يُقبل على هذا الموسم كارهًا له، ضيقًا به، ساخطًا عليه. وإذا أقبل المعلم على التعليم كارهًا، فلا تنتظر منه خيرًا. وإذا لم تنتظر من المعلم خيرًا، فلا تنتظر من تلاميذه خيرًا. وإذا لم تنتظر خيرًا من المعلمين والمتعلمين، فلا تَشُكَّ في أن الأمة تضيع أجيالها، وتبدد تراثها، وتقضي على نفسها بالخمود والهوان.

    ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على ديوانهم إذا أصبحوا ويروحون إلى بيوتهم إذا أمسَوْا، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن ويختصمُون ويصطلحُون ويختلفُون ويأتلفُون، ولا يُغْنُونَ عن أنفسهم ولا عن الناس شيئًا. ولو قد قدَّرت وزارة المعارف التعليم حق قدره، وعرَفت لمستقبل الشعب ما ينبغي من العناية به والرعاية له؛ لاستقبل المعلمون والمتعلمون هذا الموسم الوطني العظيم بقلوبٍ يملؤها الرضا، ونفوسٍ تملؤها الغبطة، وضمائرَ يملؤها الاطمئنان، ونشاطٍ خصب ينبئ الشعب بأن مستقبله سيكون خيرًا من ماضيه، وبأن أبناءه سيكونون خيرًا من آبائهم، وبأن الوطن سيزداد على مر الزمن قوة وعزة ورقيًّا وازدهارًا.

    إن أخبار مصر لتصل إليَّ في هذه القرية المنقطعة النائية التي أَوَيْتُ إليها في قمة من قمم الألب، فتملأ نفسي حزنًا وكآبةً، وتمزِّق قلبي لوعةً وحسرةً. وزير المعارف مشغول بحماية التقاليد عن حماية التعليم، ووكلاء يختصمون فيما بينهم أيُّهم تكون له الكلمة النافذة والأمر المطاع، والصِّبْية والشباب لا يجدون الأماكن في المدارس، والجامعات والمعلمون لا يجدون ما ينفقون، وهم يجأرون بالشكاة، ولا يجدون لشكاتهم سميعًا. والأحزاب المؤتلفة تختصم في توزيع الدوائر، وفي أجَل مجلس النوَّاب أيقصر أم يطول.

    ليصدِّقني رئيس الوزراء — وهو الرجل الذي أعرف فيه الوطنية الصادقة والإخلاص الصحيح — أن أمته تتعرض لخطر أشد هولًا من اختلاف الأحزاب بعد ائتلافها، وهذا الخطر يأتي من عجز وزارة المعارف عن النهوض بما ينبغي للتعليم من العناية والرعاية والاحتفال. لن يغني عن مصر شيئًا ألَّا يسافر الفتيات إلى أوروبا، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تُلغى في المدارس دروس الموسيقى والرقص التوقيعي، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تنفَّذ كلمة هذا الوكيل من وكلاء الوزارة أو ذاك، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تأتلف الأحزاب أو تختلف إذا تعرضت أجيالها الناشئة لهذا الشر المستطير، فدُفِعت إلى الجهل من حيث تسعى إلى العلم.

    ليصدِّقني رئيس الوزراء وزملاؤه المؤتلفون أن من الحق عليهم جميعًا أن يمنحوا التعليم والمعلمين والمتعلمين شيئًا من عنايتهم واحتفالهم. فليس منهم من يرضى إذا خلا إلى نفسه أن تكون مصر لُقْمَةً سائغة لكل جائع من الأمم المستعمِرة. وإذا مضَيْنا في إهمال شئون التعليم على النحو الذي مضينا عليه إلى الآن؛ فلن يكون لمصر بدٌّ من هذا المصير.

    وقى الله مصر كل مكروه، وجنَّبها شر العاديات، وأتاح لها مواسم تعليمية يتفوق فيها الابتسام على العبوس.

  • الجيل الضائع

    الجيل الضائع
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٨ ديسمبر ١٩٤٧

    أخشى أن يكون هذا الجيل الناشئ من شبابنا هو الجيل الضائع إلى غير رجعة وفي غير أمل، فهو مع الأسف الشديد والحزن العميق معرَّض في حياته التعليمية لخطوب لم يتعرض لمثلها من قبل، يأتيه بعضها من الحكومات ويأتيه بعضها الآخر من القضاء والقدر — كما تعودنا أن نضيف الأخطار العظيمة كلها إلى القضاء والقدر — ويأتيه بعضها الآخر من ظروف الحياة الاجتماعية البغيضة التي نحياها.

    ففي العام الماضي أراد صدقي باشا أن يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز على رغم الشعب المصري كله، وأشفق من الثورة أثناء غيبته كما كان يقول، فأجل افتتاح المعاهد التعليمية حتى يذهب ويئوب، ثم عاد فأشفق من الثورة فأجل الدراسة أسبوعًا وأسبوعًا وأسبوعًا، وضاع على الطلاب والتلاميذ من عامهم الدراسي شهران. ثم أذن لهم في أن يتعلموا، ولكن حالت ظروف الحياة الاجتماعية بين أكثرهم وبين التعليم؛ لأن الدولة طالبتهم بثمن العلم، فلما عجزوا عن أدائه أبت أن تبيحه لهم، وأضاع الطلاب والتلاميذ وقتًا آخر طويلًا يطلبون العلم ولا يقدرون على ثمنه، وتريد الوزارة أن تعلمهم ولكن بعد أن تأخذ ثمن العلم معجلًا لا نسيئة.

    واستقرت أمور التعليم أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقررت الوزارة إلغاء الإجازة التي تُمنح للمعلمين والمتعلمين في الشتاء، فقرر الطلاب والتلاميذ أنهم سيمنحون أنفسهم هذه الإجازة وإن كرهت الوزارة. وهمَّت الوزارة أن تقاوم ولكنها استسلمت آخر الأمر، وضاع على الطلاب والتلاميذ أسبوعان. ثم لم يكادوا يستأنفون الدرس حتى أظلهم الصيف، فدُفعوا إلى امتحان لا أدري كيف كان ولا أعرف كيف نفذوا منه؛ لأني لا أعرف فيمَ امتحنوا وهم لم يكادوا يتعلمون شيئًا؟! وينقضي الصيف وتتهيأ المعاهد للتعليم، ويتهيأ الطلاب والتلاميذ للاختلاف إليها، وتبذل الأسر ما تملك وما لا تملك من الجهد لتدبر ما يحتاج إليه هذا كله من المال. ولكن الوباء يقبل من حيث لا يعلم أحد إلى الآن، فتظل المعاهد مغلقة ويظل الشباب معطلين. ولا يكاد المعلمون والمتعلمون يتهيئون لاستئناف نشاطهم حتى تنشأ أزمات خطيرة لا يجد المعلمون ولا المتعلمون ولا الحكومة ولا الأسر لها حلًّا.

    فالدولة مصرة على أن تبيع العلم، والشعب عاجز عن أن يشتريه، فهذه أزمة. وقد أضاع الوباء وتشدد الدولة في ثمن العلم ثلاثة أشهر على المتعلمين، وأحس الشباب أن برنامج الدراسة أطول من الوقت الذي بقيَ لهم، فهم يطالبون بتقصير هذا البرنامج، وتأبى الوزارة إلَّا إنفاذ القوانين، فيُضرب الشباب ويُضاف إلى الوقت الضائع وقتٌ ضائعٌ آخر.

    ثم يشكو المعلمون في مدارس التعليم الحر ويلحون في الشكوى، فتسمع الوزارة لهم بإحدى أذنيها وتصم عنهم أذنها الأخرى؛ فيُضرب المعلمون ويتعطل المتعلمون، ويقيم المعلمون في المدارس معتصمين بها، وسيهيم الشباب والصبية في الشوارع متسكعين فيها، ويضيع وقت آخر إلى الوقت الطويل الذي ضاع. ولست أدري أتنتهي هذه الأزمات وأزمات أخرى تشبهها في وقت قريب أم في وقت بعيد؟ ولكن المحقق أن الطلاب والتلاميذ قد أضاعوا أو أضاعت عليهم الظروف نصف العام الدراسي، فإذا افترضنا أن نصفه الآخر سيبقى لهم لا تعوقهم عوائق أخرى عن الدرس، فليس من شك في أنهم سيتعلمون أقل مما تعودوا أن يتعلموا، وليس من شك في أن تكوين عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم سيتأثر بهذا كله تأثرًا منكرًا خطيرًا. وليس من شك أن الامتحان سيكون بين اثنتين ليس لهما ثالثة: فإما أن يكون امتحانًا جادًّا؛ فترسب الكثرة الكثيرة من الشباب، وأنت تعرف أثر الرسوب في حياة الشباب وأسرهم. وإمَّا أن يكون الامتحان هازلًا فيضيع الناجحون والراسبون جميعًا.

    وكذلك ضاع العام الماضي على الشباب، ويريد هذا العام أن يضيع عليهم أيضًا، وليس أخطر على الشعب من أن يضيع على صبيته وشبابه عامان من أعوام الدرس والتحصيل. وقد لا نحسُّ نحن من آثار هذا الخطر إلَّا أيسرها، وقد لا نحسُّ منها إلَّا فراغ الشباب وتبطله وتعرضه لما في الفراغ والتبطل من آفات تتصل بالأجسام والعقول والأخلاق جميعًا.

    ولكن انتظر بهذا الجيل أعوامًا، وانظر إليه حين يذهب إلى الجامعة وحين يخرج منها، وحين يستمع لدروسه غير مهيأ لفهمها، وحين يحتمل تبعات الحياة غير مهيأ لاحتمال هذه التبعات، وقدِّر نتائج هذا كله في حياة الشعب ومستقبله وفيما ينتظره من المشكلات.

    لست أدري، أيفكر المشرفون على أمور التعليم في هذا كله، أم يشغلون بهذه السخافات التي يشغل بها الموظفون عادة؟ وإذا كانوا يفكرون في هذا كله، ويقدرون نتائجه وآثاره وخطره على الحياة المستقبلة للشعب، فهل تراهم يرضون عن أنفسهم ويطمئنون إلى سياستهم، وينامون ملء جفونهم؟ أم هل تراهم قلقين وجلين تؤنبهم ضمائرهم إذا أمسوا، وتصور لهم ضمائرهم هول هذا المنكر فيما يلم بهم من أحلام الليل!

    لم يكن من الضروري أن يذعن وزير المعارف لشهوة صدقي باشا حين أضاع على الطلاب والتلاميذ شهرين، لا لشيء إلَّا أنه كان يريد أن يفاوض الإنجليز على رغم الشعب، وإنما كان الحق على وزير المعارف وأعوانه إذ ذاك أن يحزموا أمرهم ويخلوا بين العلم والمتعلمين، ويمتنعوا على شهوة صدقي باشا مهما يكن حظها من الجموح. ولم يكن من الضروري، وليس من الضروري أن تتشدد الدولة في بيع العلم، حتى ينتهي هذا التشدد إلى إضاعة الوقت وتعطيل الدرس وإذلال الناس وإفساد الأخلاق وإهدار جيل من أجيال المصريين.

    ليس من شك في أن هناك ضرورات لا سبيل إلى اتقائها، فليس يطلب إلى وزارة المعارف أن تفتح معاهد العلم أثناء الوباء، فوزارة المعارف ليست مسئولة عن الوباء، وإنما هناك وزارة أخرى تُسأل عنه وتُلام فيه، وهناك نظام اجتماعي يُسأل عنه ويُلام فيه. ولكن من الحماقة وقصر النظر إذا أضاع الوباء على الشباب شهرين ألَّا تسلك وزارة المعارف كل طريق حتى لا يضيع على الشباب يومٌ أو بعض يومٍ. ولكنا ننظر فنرى ويا شرَّ ما نرى! نرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون ثمن العلم، ونرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون المعلمين، ونرى شبابًا يمتنعون عن المدارس؛ لأنهم يشفقون من طول البرنامج وعسر الامتحان، ونرى وزارة المعارف لا تشغل نفسها بالتعليم، وإنما تشغل نفسها باتقاء المعلمين والمتعلمين جميعًا!

    فوزارة المعارف في هذه الأيام ليست مشغولة ببرامج التعليم ونظمه وكتبه وتيسير وسائله وأسبابه وترقية مادته وطرائقه، وإنما هي مشغولة بدعاء الشرطة لحمايتها وحماية معاهدها من المعلمين والمتعلمين الذين يتظاهرون ويضربون أو يعتصمون. وكذلك تشغل وزارة التعليم بنفسها عن التعليم، وكذلك يصل الاضطراب إلى آخر شيء يمكن أن يصل إليه الاضطراب والفساد، وهو تربية الشباب وتنشئة الجيل الذي سيتلقى التبعات وينهض بالأعباء العامة بعد وقت يقصر أو يطول.

    وزارة المعارف في حربٍ متصلة مع المعلمين والمتعلمين جميعًا، على حين أنها إنما أنشئت لتعين المعلمين والمتعلمين جميعًا، لا لتكون عليهم حربًا ولا ليكونوا لها عدوًّا.

    ويجب أن يُقال الحق مهما يكن مرًّا بغيضًا، فتبعة وزارة المعارف في هذا النكر أقل جدًّا مما يظن الذين يخاصمونها؛ لأن وزارة المعارف ليست هي التي أرسلت صدقي باشا إلى لندرة، وليست هي التي أغرته بتعطيل التعليم، وليست هي التي تتشدد في بيع العلم، وليست هي التي دعت الوباء، وليست هي التي تضطر المعلمين إلى الحياة السيئة التي يحيونها. وإنما المسئول عن هذا كله هو النظام الاجتماعي الذي يجب أن يمسَّه الإصلاح من جميع جوانبه، والنظام السياسي الذي يجب أن يتغير من جميع جوانبه أيضًا.

    النظام الاجتماعي هو الذي أعجز الأسر عن شراء العلم لأبنائها، وهو الذي أرسل الوباء إلى مصر كلها، فأضاع ما أضاع من الوقت على المتعلمين كما أضاع ما أضاع من الجهود والنفوس والأموال على المصريين.

    والنظام السياسي هو الذي أغرى صدقي باشا بعبثه ذلك السخيف، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على أن تبيع العلم بيعًا، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على ألَّا ترضي المعلمين، وعلى ألَّا تُتيح لهم أيسر الحياة الكريمة التي تنبغي لمن يُكلَّف تنشئة الأجيال.

    لو صلح النظام الاجتماعي لما عجزت الأسر عن دفع أجور التعليم، بل لما احتاجت الأسر إلى دفع أجور التعليم. ولو صلح النظام الاجتماعي لما تعرضت مصر للوباء. ولو صلح النظام السياسي لما تحكم صدقي باشا وأشباهه في حياة الشباب. ولو صلح النظام السياسي لفرض البرلمان على وزارة المعارف أن تبيح التعليم بغير أجر لكل المتعلمين. ثم لو صلح النظام السياسي والاجتماعي لما كانت هذه التفرقة المنكرة المخزية بين معلمين ومعلمين، وبين متعلمين ومتعلمين.

    فمما يؤذي القلوب ويحزن النفوس ويخزي مصر، أن يكون المعلمون الساخطون أكثر من المعلمين الذين لا يرضون إلَّا كارهين، وأن يكون المتعلمون المشردون أكثر جدًّا من المتعلمين الذي يُضربون عن التعليم.

    نعم، فساد النظام الاجتماعي والسياسي هو أصل الشر ومصدر البلاء، وقد يكون هناك فساد آخر ليس هينًا ولا قليل خطر: وهو فساد يتصل ببعض الأخلاق. فلو قد استطاع بعض الوزراء وبعض كبار الموظفين من رجال التعليم أن يقولوا لا وأن يطالبوا بالإصلاح أو يستقيلوا، لاستطاعت مصر أن تُجنب شبابها شرًّا كثيرًا. فأمَّا والنظام الاجتماعي والسياسي من الفساد بحيث هما الآن، فأمَّا وأخلاق الوزراء وكبار الموظفين من الضعف بحيث هي الآن؛ فقد ينبغي لمصر أن توطِّن نفسها، لا على أن يضيع من أجيالها جيل أو جيلان، بل على أن تضيع أجيالها كلها حتى تعمد إلى الإصلاح جادة لا هازلة.

  • هؤلاء المعلمون … المضربون!

    هؤلاء المعلمون … المضربون!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١١ أبريل ١٩٤٧
    تحدث الناس في هذه الأيام بأن المعلمين في المدارس الحرة قد أضربوا عن إلقاء الدروس وأقاموا في مدارسهم لا يريمون ولا يعملون شيئًا، ليظهروا للحكومة وللشعب أن لهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إليهم؛ لأنهم رأوا في أكبر الظن أن الرفق لم يُغْنِ عنهم شيئًا، وأن الإلحاح في المطالبة لم يَقضِ لهم حقًّا!
    وليس المهم أن نبحث عن أن هذه الخطة التي آثرها المعلمون ملائمة أو غير ملائمة لكرامة المعلمين من جهة، ولمصلحة المتعلمين من جهة أخرى. فقد نستطيع أن نفترض أسوأ الفروض، وأن نقدِّر أن المعلمين قد أقدموا على خطة لا تلائم كرامتهم، ولا تحقق مصالح تلاميذهم. ولكننا نعلم أن المعلم الذي يذهب إلى مدرسته فيقيم فيها ليشعر الدولة والشعب بأنه حريص على عمله مستمسك بمنصبه، ثم يمتنع عن الدرس ليشعر الدولة والشعب بأن له حقًّا يريد أن يصل إليه؛ لأن الحياة قاسية عسيرة، ولأنه لا يستطيع أن يبلغ منها لنفسه ولأهله ولأبنائه وبناته حقهم المعقول من هذه الحياة، إلا إذا أُديت إليه هذه الحقوق. هذا المعلم قد ألجأته الضرورة إلى خُطة يكرهها فيما بينه وبين نفسه أشد الكُره، ويعلم أن الناس يكرهونها أشد الكره، وأن الحكومة تمقتها أشد المَقت، وأن القوانين قد تعاقب عليها أشد العقاب. ولكنه يعلم من جهة أخرى أن الله قد أباح للجائعين الذين لا يجدون ما يدفعون به الجوع أن يقارفوا ما حُرِّم عليهم من ألوان الطعام، وهو يعلم كذلك أن الشاعر العربي قد قال:
    إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا فلا رأي للمضطر إلا ركوبها
    ثم هو يعلم بعد هذا كله أن الفقهاء قد اختصروا هذه القصة الطويلة المعقدة في جملة يسيرة قصيرة سهلة، فقالوا: «إن الضرورات تبيح المحظورات!»
    وهؤلاء المعلمون يقدِّرون فيما بينهم وبين أنفسهم أن عليهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إلى التلاميذ الذين لا ينبغي أن يُسألوا عن تقصير الدولة في ذات المعلمين. ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وهو إذن لا يكلف المعلم الجائع أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي يشعر بالجوع قد استقر فى داره، وأخذ يعذب أهله وبنيه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي تشغله الهموم المتصلة، والآلام المُلِحَّة عن العلم والتعليم؛ لأن له أسرة يجب أن تعيش، ولأن له كرامة يجب أن تُحفظ، ولأن له مكانة يجب أن تُرعى، لا يكلفه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. والدولة وحدها هي المُكلَّفَة أن تمكن المعلمين من أن يعلِّموا، وأن تمكن التلاميذ من أن يتعلموا، وأن تتيح للآباء والأمهات أن يطمئنُّوا إلى أن أبناءهم لن يتعرضوا للجهل بإغلاق المدارس من دونهم، ولن يتعرضوا لضياع الوقت بامتناع المعلمين عن تعليمهم.
    لهذا ولمثل هذا أُنشِئَت الدولة. فإن لم تُرْضِ حاجة الناس إلى هذا ومثل هذا، فليس لها في أعناقهم حق، وليس لها عليهم طاعة! هذه أوَّلِيَّات كان يجب أن تستقر في نفوس المصريين جميعًا، وفي نفوس الوزراء وأعوان الوزراء قبل غيرهم من الناس.
    ولن يفلح المصريون، ولن تصلح أمورهم، ولن يصيروا أهلًا للحرية والاستقلال والكرامة، إلا إذا استقرت هذه الأوليات في قلوبهم وعقولهم، وامتزجت بدمائهم، وأصبحت قِوامًا لحياتهم حين يقولون وحين يعملون … وهناك أوَّليات أخرى لم تفطن لها الدولة. وما أقل ما تفطن الدولة له من الأوليات! فالتلميذ الذي يذهب إلى المدرسة الحرة مصري كالتلميذ الذي يذهب إلى مدرسة الدولة، له حقوقه كلها … والمعلم الذي يعلِّم في المدرسة الحرة مصري كالمعلم الذي يعلِّم في مدرسة الدولة، له حقوقه كلها. وبغير هذا تنهدم المساواة التي قررتها طبيعة الأشياء، وجعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.
    فليست الدولة إذن مَدِينَةً لتلاميذها ومعلميها بدَيْن خاص، وإنما هي مدينة للتلاميذ جميعًا وللمعلمين جميعًا وفي المدارس جميعًا بدَيْن واحد، وهو أن يُقَدَّمَ إلى أجيال الشعب تعليمٌ ملائم لحاجة الشعب، لا فرق في ذلك بين معلم ومعلم ولا بين مدرسة ومدرسة ولا بين تلميذ ولا تلميذ.
    والشيء المعروف أن المعلم في مدارس الدولة مظلوم في مصر، وأن الدولة بعيدة كل البُعد عن إنصافه وعن تأدية حقوقه إليه كاملة. فكيف إذا لاحظنا أن بينه وبين المعلم في المدارس الحرة فروقًا لا ينبغي أن توجد بين أبناء الوطن الواحد، ولا ينبغي أن توجد بين أبناء المهنة الواحدة؟ إن أيسر العدل أن يُسوَّى بين الناس فيما تَفرض عليهم ظروف الحياة من الظلم. فأمَّا أن يُظلم بعضهم ظلمًا يسيرًا، وأن يُظلم بعضهم الآخر ظلمًا غليظًا، فهذا هو الشيء الذي لا يمكن أن يُقبل، ولا ينبغي أن تتورط الدولة فيه.
    وقد رأيت منذ زمن بعيد — وما زلت أرى، وسأرى دائمًا — أن أول واجبات الدولة أن تسوِّي بين المعلمين في الحقوق كلها وفي الواجبات كلها، إذا تساوى المعلمون في المؤهلات التي تبيح لهم التعليم. ويجب أن يكون المعلمون جميعًا موظفين في الدولة لهم كادر واحد، ولهم نصيب واحد في عناية الدولة بهم، يتقاضَوْن مرتباتهم بمقياس واحد، وينتظرون ترقياتهم وعلاواتهم بمقياس واحد، ويطمئنُّون إلى معاشهم بمقياس واحد. تنهض الدولة بهذه الأعباء في غير تردُّد ولا تحرُّج؛ لأنها أعباء تفرضها حاجة الشعب إلى التعليم، وحقوق الشعب في التعليم والمساواة التي جعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.
    فأمَّا أن يطمئن بعض المعلمين إلى نظام من الحياة تكفله قوانين الدولة، ويظل الآخرون عُرضة للأحداث والخطوب وعبث الظروف وأهواء أصحاب الهواء؛ فهذا هو الإثم الذي لا ينبغي أن تتورط فيه حكومة تقدِّر ما عليها للشعب من الواجبات.
    وما ينبغي أن يقوم تعليم الشعب على التفرِقة بين المعلمين في عناية الدولة بهم، أو على التفرقة بين التلاميذ في عناية الدولة بمعلميهم ومدارسهم. وإذا نهضت الدولة بهذا العبء وأدَّت هذا الحق؛ فمن الطبيعي أن تبسط يدها على المدارس كلها، وأن تفرض عليها مراقبة واحدة لأنها منحتها عناية واحدة.
    وقد حاولت وزارة المعارف ذات يوم أن تحقق هذا كله، فحالت بينها وبين ذلك موانعُ جاءت من وزارة المالية. وكانت تريد أن تعرض الأمر على البرلمان أثناء عرض الميزانية عليه سنة ١٩٤٥. فليس على الوزارة بأس من أن تستأنف هذا السعي من حيث تركناه، وهي الآن تعرض الميزانية على البرلمان؛ لتسوِّي بين المعلمين في الحقوق لتستطيع أن تسوِّي بينهم في الواجبات، وتستطيع أن تسوي بين التلاميذ فيما نقدِّم إليهم من تعليم، وفي إشرافها على هذا التعليم.
    فأمَّا أن يُقال للمعلمين في المدارس الحرة عليكم أن تفعلوا وأن تفعلوا، وعليكم أن تتركوا وأن تتركوا، وليس لكم أن تطلبوا ولا أن تحتجُّوا، ولا أن تلحوا في الطلب والاحتجاج، فهذا هو الشيءُ الذي أَوَدُّ لو بَرِئت الدولة منه وتنزهت عن الإقدام عليه.

  • تبعات الأجيال

    تبعات الأجيال

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٣ مارس ١٩٤٧

    نشرنا في العدد الماضي كلمة عن «الطلبة» للأستاذ الكبير أحمد أمين بك، تضمنت وجهة نظر جامعي بارز.

    واليوم ننشر مقالًا لكاتبنا الكبير الدكتور طه حسين بك يتضمن رأيًا جامعيًّا آخر. و«المصور» إذ ينشر مختلف الآراء في هذا الموضوع الخطير يستعرض كل وجهات النظر، ويفتح الباب لذوي الرأي:

    لا أريد أن أذهب مذهب الأستاذ أحمد أمين بك، فأرجو كما رجا في المقال الذي نشره له «المصور» في الأسبوع الماضي أن تتسع صدور الطلبة والآباء والأحزاب لما أريد أن أقول في هذا الحديث، فلست أرى بأسًا بأن تضيق صدور الطلبة والآباء والأحزاب والحكومات أيضًا بما أريد أن أقول. وقد تعودت أن يغضب الناس عليَّ وأن يرضوا عنِّي، فلم يخفني غضبهم من شيء، ولم يطمِّعني رضاهم في شيء. وإنما قلت وسأقول ما أعتقد أنه الحق؛ لأني أعتقد أنه الحق، ولأنَّ من الخير أن يُقال الحق دائمًا وإن كان مرًّا بغيضًا!

    ثم لأني من ناحية أخرى لا أخص بهذا الحديث حزبًا دون حزب، ولا طائفةً من المصريين دون طائفة، وإنما أسوقه إليهم جميعًا لا أفرق بين أحدٍ منهم.

    ثم لأني من ناحية ثالثة لا أريد أن أنظر إلى قضية الطلبة نظرة كئيبة يائسة كما تعودنا أن ننظر إليها منذ أعوام، وإنما أريد أن أنظر إليها نظرة مشرقة باسمة، فيها كثيرٌ جدًّا من الأمل، وفيها كثيرٌ جدًّا من الدعابة أيضًا. فربما كان من الأشياء التي أفسدت على المصريين حياتهم في كثيرٍ من الأحيان أنهم ينظرون إلى الأشياء في كآبةٍ وبؤسٍ ويأسٍ، كأنما الكوارث تنذرهم بين ساعة وأخرى، وكأنما حملوا على عواتقهم أثقال الدنيا والآخرة، فهم لا يستطيعون حركةً ولا انتقالًا. وكأن كل ساعة تقبل عليهم من ساعات الليل أو من ساعات النهار، إنما تقبل عليهم بالأنباء المنكرة والأحداث الجسام. فهم متشائمون إذا قالوا، متشائمون إذا عملوا، متشائمون إذا حكموا على الأشياء. وحسبك بهذا مثبطًا للهمم، مفترًا للعزائم، مشيعًا للظلمة في النفوس والقلوب والعقول، مانعًا من النشاط الخصب والإنتاج المفيد.

    والطلاب في جميع أقطار الأرض يرضون ويسخطون، ويقبلون على الدرس ويضربون عنه، ويعبرون المدن الكبيرة والصغيرة في مظاهرات صاخبة، يتصايحون ويتهافتون، فلا تضيق بذلك النفوس ولا تحرج له الصدور، ولا تظلم له الحياة في وجه الأحياء!

    والطلاب في جميع أقطار الأرض شبابٌ يسرعون إلى الرضا، ويسرعون إلى السخط، ويندفعون إلى الجد، ويندفعون إلى اللعب. ذلك شيءٌ ملائمٌ لطبعهم ولهذا الطور من أطوار حياتهم … عُرِف ذلك منذ أقدم العصور، وصوره أرسطاطاليس تصويرًا رائعًا بارعًا في كتاب «الخطابة»، فمن الطبيعي أن نأخذ الشباب كما هم، وكما يريد اللَّه أن يكونوا، فلا نملأ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، ولا نملأ الجو صياحًا ونواحًا، ولا نجند الجيش، ولا نلغي إجازات الشرطة، ولا نعمل العصي في الرءوس، ولا نصوب البنادق إلى الصدور. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد ضاع؛ لأن الطلاب أضربوا ذات يوم جادِّين أو لاعبين. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد أصبح مكفولًا مضمونًا؛ لأن الطلاب قد أقبلوا على الدرس وألحوا في الاستذكار!

    كل هذا غلو في غير موضع للغلو، وإسراف في غير حاجة إلى الإسراف.

    على أن هناك أمورًا يحسن أن نقف عندها وقفة قصيرة، ونسأل عنها أنفسنا فيما بيننا وبين ضمائرنا. فمنذ ربع قرن حين كانت الحركة الوطنية، كان لوم الطلاب على الإضراب جريمة لا تُغفر، وتقصيرًا في ذات الوطن؛ لأن الطلاب كانوا يضربون محتجين على عبث الإنجليز بحقوق الوطن. وكان كثيرٌ من وزرائنا القائمين ومن النواب والشيوخ الذين يسندون هؤلاء الوزراء طلابًا يضربون، ويرون الإضراب واجبًا وطنيًّا، ويتظاهرون ويرون التظاهر جهادًا في سبيل الوطن، ويتلقون من القادة والساسة تشجيعًا على التظاهر والإضراب. ويُخيَّل إليَّ أننا من هذه الأيام نقف من الإنجليز موقفنا من قوم يعبثون بحقوق الوطن، يحاولون أن يقروا فيه جيوشهم وأن يشطروه شطرين، على حين جعله اللَّه واحدًا لا يقبل القسمة. فما الذي حدث حتى يصبح ما كان وزراؤنا يرونه واجبًا وحقًّا وعدلًا، وإذا هو قد أصبح باطلًا وحرامًا وجورًا؟! لم يتغير الإنجليز ولم يتغير المصريون، وإنما ارتقى إلى الحكم من كانوا يسعون في الشوارع مضربين ومتظاهرين. فالإضراب يسوءهم؛ لأنه يضايقهم، والتظاهر يؤذيهم؛ لأنه يكلفهم مشقةً وجهدًا!

    وما ينبغي أن تفهم الحكومة ولا أن تفهم النيابة ولا أن يفهم الطلاب أني أدعو إلى الإضراب أو أغري به أو أحرض عليه، فأنا أحرص الناس على أن يفرغ الطلاب لدروسهم. ولكني أحب أن أقرر الحق، وأن أدعو الحكام وقادة الرأي إلى أن يأخذوا أمور الشباب بالابتسام والإسماح، لا بالعبوس والتقطيب وانتظار الكوارث والإشفاق من الملمات!

    وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد فُصِل أستاذ من أساتذة الجامعة ذات يوم؛ لأنه حاول أن يؤلف من الطلاب في إحدى الكليات — أو في غير كلية — جماعةً تدافع عن حقوق مصر حين كان الإنجليز يؤيدون نظام صدقي باشا، ويأبون على مصر أن تستردَّ دستورها الصحيح. وقد رأينا تصرف الحكومة مع هذا الأستاذ ظلمًا أي ظلم ونكرًا أي نكر! وهاجمنا صاحب المعالي وزير التقاليد في عنف أي عنف! ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا هذا الأستاذ الذي فُصِل؛ لأنه كان يشجع الطلبة على مقاومة الظلم الداخلي والخارجي قد أصبح وزيرًا للمعارف، وإذا هو يضيق بإضراب الطلاب ومظاهراتهم كما كان يضيق بها وزير التقاليد.

    وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد ذهب بعض كبار الساسة ذات صباح إلى ميدان الجامعة أو إلى الحرم الجامعي كما يُقال، وخطب في الطلاب قائلًا: «لقد أدَّينا واجبنا فأدُّوا واجبكم.» وقد أدى الطلاب يومئذٍ واجبهم كأحسن ما يكون الأداء، فهجموا على عميد من عمدائهم وهمُّوا بإلقائه من حالق! ويذكر هذا العميد أنه غضب يومئذٍ وأقام في داره، وأن صديقًا من أصدقائه أقبل عليه متلطفًا مواسيًا ناصحًا له بألا يقاوم حركة الطلاب. ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا الخطيب الذي حثَّ الطلبة على أن يؤدوا واجبهم يصبح رئيسًا لمجلس الشيوخ، وإذا الصديق الذي نصح للعميد بألا يقاوم حركة الطلاب يصبح رئيسًا لمجلس الوزراء!

    وأؤكد للقراء أني لا أذكر هذه القصص مغضبًا ولا عابسًا، وإنما أذكرها باسمًا بل متضاحكًا! فالمصريون لم يتغيروا، والإنجليز لم يتغيروا. وما زالت مصر تشقى بظلم يأتيها من بعض أبنائها كما يأتيها من حلفائها، وقد كدت أملي «من أعدائها»! وإنما الذي تغير هو أن المحكومين في تلك الأيام قد أصبحوا حاكمين في هذه الأيام!

    والأيام تدور كما يعرف القراء، وسيأتي يوم يعود فيه الحاكمون إلى الصف ويصبحون محكومين. ومن يدري لعلهم حينئذٍ أن يقولوا للطلاب: قد أدينا واجبنا فأدُّوا واجبكم، وأن ينصحوا لبعض العمداء بألَّا يقاوموا حركات الطلاب! المهم هو ألَّا نبتئس لما لا يدعو إلى الابتئاس، وألَّا نكتئب لما لا يقتضي الاكتئاب، وألَّا يشغلنا جد الطلبة ولعبهم عن مقاومة الإنجليز والفراغ لما يسلطون علينا من ظلم، وما يدبرون لنا من كيد!

    وما من شك في أن الخير كل الخير في أن يقبل الطلاب على دروسهم، ولا يُشغلوا عن هذه الدروس بما يضيِّع عليهم أوقاتهم وجهودهم. ولكن مَن المسئول عن هذه المحن التي يتعرض لها الطلاب حين يصرفون عن الدرس، ويتعرض لها الشعب حين يرى أبناءه يُصرفون عن الدرس؟! أهم الكبار الذين يدبِّرون الأمور فيسيئون تدبيرها؟ أم هم الشباب الذين يندفعون مع طبائعهم؛ لأن الله خلقهم مندفعين مع طبائعهم؟!

    الشيءُ المحقق أن الطلاب لم يتقدموا إلى صدقي باشا في تعطيل الدراسة شهرًا ونصف شهر؛ لأنه أراد أن يسافر إلى لندرة. والشيء المحقق هو أن الطلاب لم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في محاصرة الجامعة وفي منع العاجزين عن أداء المصروفات من الاختلاف إلى دروسهم، ولم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في اتخاذ هذا القرار العجيب الذي يلغي الإجازة في نصف العام! أليس من الظلم أن يخطئ الكبار، وأن يحمِّلوا الصغار تبعة ما تورطوا فيه من خطأ؟!

    يجب أن يحاسب الكبار أنفسهم وضمائرهم قبل أن يقدموا على كثيرٍ من الأعمال وقبل أن يتخذوا كثيرًا من القرارات … ثم يجب ألَّا يتخفف الكبار من أثقال تبعاتهم على الصغار!

    إن الطلاب لا يتمنون إلَّا أن يفرغوا للدرس كما يفرغ الشباب للدرس في جميع أقطار الأرض، جادِّين حينًا ولاعبين حينًا آخر؛ لأن من الحق عليهم أن يجدُّوا، ولأن من الحق عليهم أن يلعبوا. فلنيسر لهم وسائل الفراغ للدرس، ولنتجنب خلق المشكلات التي تصدهم عنه وتزهدهم فيه. ولنحتمل تبعاتنا كما ينبغي أن يحتمل الرجال تبعاتهم. ولنضن بأنفسنا على هذا العبث الذي يثير الضحك ويغري بالرثاء حين نحمل على الشباب تبعة أغلاط الشيوخ!

  • سمعة مصر

    سمعة مصر

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٢٦ سبتمبر ١٩٤٦

    نظيف المظهر لطيف المخبر، يُبرق ويُرعد، ويقصف ويعصف، ولكن سماءه دائمًا صاحيةٌ صافيةٌ، ونفسه دائمًا مشرقةٌ متألِّقةٌ، وقلبه دائمًا رقيقٌ رفيقٌ. وقد يظن كثيرٌ من الناس أن سيف الأحكام العربية العرفية المسلولة في يده يحيطه بسياج مفزع مفظع، ولكن السياج الذي يحيط برئيس الوزراء سياج أنيق، ظاهره فيه القسوة والعنف، وباطنه من قبله الرحمة واللين.

    ولست أدري أتسرُّه هذه المقدمة أم تسوءه، ولكني أعلم أني لا أكتب لأسرَّه أو لأسوءه، وإنما كتبت لأسوق إليه بعض الحديث، مطمئنًّا إلى أنه لن يمنع نشره كما كان يفعل غيره من رؤساء الوزارات الذين سبقوه، ولن يصادر الأهرام إذا نشرته كما كانت تفعل وزارة الداخلية قبل عهده، وكما فعلت بعد عهده عن رضًا منه أو عن سخط لا أدري.

    بل أنا أكتب لأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أنه لن يمد إليه يده بما أكره، ولو قد أراد لم تصل إليَّ يده، فقد تقصر يده وقد تطول، ولكنها لن تبلغني من وراء بحر الروم. وهو كما يعلم وكما يقول قصَّاص ألف ليلة وليلة: بحر عجاج متلاطم الأمواج. بل أنا أزعم أني سأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أن يده لن تنالني بما أكره حين أعود إلى مصر إن شاء الله. وليس من شك في أني حين يأذن الله لي بالعودة إلى مصر سأزوره، وليس من شك كذلك في أنه سيلقاني في عنف وعبوس، ثم يستحيل عنفه إلى رفق، وعبوسه إلى الابتسام، فأمكث معه ما شاء الله أن أمكث، ثم أخرج من عنده إلى داري لا إلى السجن.

    ليس عليَّ بأس إذن من أن أقول في صراحة ما أريد أن أقول، وأول ذلك أن من بين زملائه وزيرًا لا تعجبني سياسته. وليس معنى هذا أن سياسة غيره من الوزراء تروقني أو تشوقني، بل معناه أن سياسة غيره من الوزراء لا تكاد تعنيني ما دمت بعيدًا عن مصر. فأمَّا سياسة زميله ذاك فإنها تُحْفِظني وتُغِيظني، غائبًا وشاهدًا. وأحسبها تحفظ وتغيظ من المصريين كلَّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وسياسة هذا الوزير الخطير لا تحفظني ولا تحفظ غيري من المثقفين لأنها تأتي أمورًا لا ينبغي أن تؤتى وتترك أمورًا لا ينبغي أن تُترك فحسب، وإنما هي تُحفظ وتغيظ لأنها تضرُّ ولا تنفع، وتسوء ولا تسر، ولأنها عبث لن يغير من حقائق الحياة المصرية شيئًا، ولكنه يضايق الناس في غير حاجة إلى المضايقة، ويؤذي سمعة مصر وهي في حاجة إلى ألَّا تُؤذى.

    وقد فهم رئيس الوزراء بالطبع أني أريد أن أتحدث عن وزير المعارف وعن سياسته هذه التي لا تمتاز حتى بالطرافة أو الفكاهة، والتي كانت تُضحِك وتدعو إلى المزاح منذ عشرين سنة، ولكنها الآن لا تضحك ولا تدعو إلى مزاح، وإنما تملأ الصدور حرجًا والنفوس ضيقًا؛ لأنها تضيع الوقت والجهد وتؤذي سمعة مصر، ولا تغني عن الوزير ولا عن غيره من الناس شيئًا. تشدد الوزراء قبل وزير المعارف القائم في المحافظة، فلم يقدموا ولم يغيِّروا من حقائق الحياة الحديثة في مصر شيئًا. فما استئناف عبث قد مضى وانقضى؟ وما الرجوع إلى سيرة قد ظهر أنها لا طائل تحتها، وأنها لا تزيد على أن تضيع من وقت مصر وجهدها ما هي في حاجة إليه؟!

    ولقد نقدت سياسة الوزير الخطير مداعبًا له منذ حين، فأمَّا الآن فإني لا أجد حتى الميل إلى الدعابة، إنما أبذل كثيرًا من القوة، وأُنفِق كثيرًا من الجهد حتى أملك نفسي، وحتى لا يخرجني الغضب عن الطور الذي لا ينبغي أن أتعداه حين أتحدث إلى رئيس الوزراء عن بعض زملائه الوزراء.

    هناك فرق بين العبث الذي يمعن فيه المصريون حتى يغرقوا فيه إلى أذقانهم، أو إلى آذانهم، دون أن تتجاوز أنباؤه الحدود المصرية وتعبر البحر إلى أوروبا وأمريكا، وبين العبث الذي لا يكاد المصريون يأخذون فيه حتى يذيعه البرق والبريد في أقطار الأرض كلها، وحتى يتحدث به الناس في العالمين القديم والجديد. المصريون يغرقون في العبث مثلًا حين يضيعون جهودهم وأوقاتهم، ويملئون صحفهم مصبحين وممسين بقصة الدوائر وتقسيمها الجغرافي أو الاجتماعي، وبعمر مجلس النواب الذي ينبغي أن يقصر أو ينبغي أن يطول. ولكن أنباء هذا العبث لا تعني العالم الخارجي، وهي من أجل ذلك لا تنقل إليه، فليغرق المصريون فيه إلى أذقانهم أو إلى آذانهم، ولينفقوا فيه بياض أيامهم وسواد لياليهم، فذلك شيء يعنيهم وحدهم من دون الناس، وليس على المصريين بأس إن أحبوا أن يستبقوا هذه الحمَّى وما تستتبع من الخطرفة والهذيان.

    ولكن عبث وزير المعارف لا يكتفي بأرض مصر ولا بأهل مصر، وإنما هو يتجاوز تلك الأرض وهؤلاء المصريين إلى أوروبا وأمريكا، فيجعل مصر وأهلها وحكومتها فكاهة لمن أراد أن يتفكَّه، وموضوع دعابة ومزاح للذين يحبون الدعابة والمزاح. هل يعلم رئيس الوزراء أن شركة من شركات الأنباء أذاعت في أوروبا وأمريكا أن وزير المعارف المصري يشتد أعظم الشدة وأقساها في حماية التقاليد العتيقة، فيمنع الفتاة المصرية أن تعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا وأمريكا؛ لأنه يخاف عليها الفساد، ثم هو لا يفعل ذلك بالقياس إلى الفتيات المصريات كافة، وإنما يفعله بالقياس إلى الفتيات المسلمات دون المسيحيات، كأن الفساد خطر على المسلمات خاصةً أو كأن المسيحيات لا يستأهلن من عناية الوزير أن يصدهن عن الشر ويردهن عن الإثم ويحميهن من الفساد.

    وهل يعلم رئيس الوزراء أن العالم الخارجي قد عرف أن وزير المعارف المصرية يتقدم إلى المعلمات في أن يطلن الأكمام ولا يقصرنها، وفي أن يتجنبن الأصباغ، وفي أن يكنَّ قدوة حسنة لتلاميذهن في الاحتشام والمحافظة على التقاليد، وأن وزير المعارف المصرية يتقدم في إلغاء الرقص التوقيعي في مدارس الدولة ومعاهدها، ولا يرى بأسًا من أن تتعلم الفتاة من الرقص ما شاءت في بيتها وعلى نفقة أسرتها، كأن الرقص التوقيعي إثمٌ في المدرسة ومباح في البيت. ورئيس الوزراء يعرف العالم الخارجي خيرًا مما يعرفه وزير المعارف، وهو من أجل ذلك يتصور الفرنسيين والإنجليز والأمريكان حين يقرءون هذه الأحاديث، وحين يتندرون بها ويتخذونها موضوعًا للفكاهة، وينتهون منها إلى أن مصر ما زالت في القرون الوسطى، وما زال حظها من الرقي بعيدًا كلَّ البعد عما يزعمه ساستها وفقهاؤها والذين يدعون لها من الكتَّاب.

    وما أحب أن أغضب المحافظين، وما أحب أن يظن بي أني أبيح التبرج والخروج عمَّا ينبغي للفتاة من الاحتشام والتحفظ والوقار، ولكن وزير المعارف كان يستطيع فيما أظن أن يتأتى لذلك في شيء من التحفظ والقصد، وفي شيء من المهل والرفق. وفي غير هذا الإعلان الذي يشعر بأن الوزير يحرص على أن يعرف الناس أنه حريص على التقاليد أكثر مما يحرص على حماية التقاليد نفسها. فحماية التقاليد لا تكون بالإعلان، ولا بالتحدث إلى الصحف، ولا بنشر القرارات فيها، وإنما تكون بإحدى اثنتين: أولاهما، لا يستطيع الوزير إليها سبيلًا، ولا يستطيع رئيس الوزراء إليها سبيلًا، ولا يستطيع أحد من الساسة إليها سبيلًا، وهي إقرار الفتيات في بيوتهن، وصدُّهن عن الاختلاف إلى المدارس والمعاهد والجامعات، وأخذهن بألا يخرجن من بيوتهن إلَّا حين تقضي الضرورة الملجئة، وفي الحدود الضيقة التي يبيِّنها المتشددون من المحافظين. وأنا أتحدى وزير المعارف هذا القائم، ومن يمكن أن يأتي بعده من الوزراء، وأزعم أن أيهم يحاول ذلك، أو يهم بمحاولته، سيضطر إلى أن يترك الوزارة وإلى أن يعود إلى داره ليستقر فيها بعيدًا عن الحكم وعن تصريف الأمور.

    أمَّا الطريقة الثانية التي تُحمى بها التقاليد، وهي الطريقة المجدية التي لم يسلكها وزير المعارف، وما أظن أنه يستطيع سلوكها؛ لأنه فيما يظهر يؤثر القول على العمل، ويؤثر السرف على القصد، ويؤثر العنف على اللين؛ هذه الطريق هي الدعوة إلى المحافظة على الاحتشام والوقار بالحكمة والموعظة الحسنة، والنصح الرفيق، والتعليم المستقيم. ليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن في حياة الناس لسخفًا كبيرًا، إن الفتاة المصرية لا تتعرض للخطر في أوروبا أكثر مما تتعرض له في مصر، ولا تتعرض للخطر في القارة الأوروبية أكثر مما تعرض له في الجزر البريطانية. وإن الفتى المصري ليس أقل استحقاقًا لعناية الوزير ورعايته وحماية الوزير من الفتاة. والفتى المصري يتعرض لفتنة عظيمة حين يعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا أو أمريكا، فلماذا لا يقوم الوزير عند ثغر الإسكندرية وبورسعيد، فيصدُّ الفتيان عن السفر إلى أوروبا وأمريكا حمايةً لهم من الفتن والآثام والموبقات؟ أم يظن الوزير أن الآثام حين يقترفها الفتيان أهون شرًّا وأقل خطرًا على الأخلاق والفضيلة والدين منها حين تقترفها الفتيات؟

    وليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن الشاعر ليقول إن سوء الظن من حسن الفطن. وأخشى أن يكون هذا القول وأمثاله هو الذي يُغري وزيرنا بسوء الظن وبالإسراف فيه.

    وما دام وزير المعارف يريد أن يحمي التقاليد والفضيلة والدين، فأول ما ينبغي له من ذلك يقرأ ويفهم وينفذ قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللهَ ۚ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ).

    أمَّا بعد، فإن من الإساءة إلى مصر كلها أن يسوء ظن وزير من وزرائها بالفتاة المصرية والمرأة المصرية، ومن الإساءة إلى مصر كلها أن يتخذها الناس هزؤًا ولعبًا في العالم الخارجي؛ لأن وزيرًا من وزرائها لم يحسن أن يأخذ لنفسه بالقصد والاعتدال.

  • أزمة التعليم

    أزمة التعليم
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٥

    لو أتيح لوزير المعارف أن تُكشَف له الحجب، وتُرفع له أستار الغيب، لرأى ما لا يرى، ولسمع ما لا يسمع، ولعلم أن في أمور التعليم أشياء كثيرة تحتاج إلى أن يمنحها عنايته، ويقف عليها جهده، ويبذل في سبيلها من الجهد المخلص الصادق ما يردُّ كثيرًا من القلوب إلى الأمن بعد الخوف، وإلى الاطمئنان بعد القلق، وإلى الأمل والرجاء بعد اليأس والقنوط. وأكبر الظن أن ما فسد من شئون التعليم، إنما جاءه الفساد من مصادر مختلفة؛ أولها: أن وزير المعارف غلا في الثقة بنفسه والاستجابة لمواطنيه، فدفعه هذا كله إلى أن غَيَّر ما كان حقه أن يبقى، واستحدث ما كان ينبغي ألَّا يستحدث إلَّا بعد كثير من الأناة والريث وكثير من التمهل والتفكير. فليس يكفي أن تتغيَّر الحكومة لتهدم الحكومة الطارئة ما بنته الحكومة السابقة؛ لأن الوطن ليس ملكًا لحكومة دون أخرى، بل هو ليس ملكًا لحكومة من الحكومات، وإنما هو ملك لأجيال الشعب قديمها وحديثها، ما وجد منها في العصر القديم، وما هو موجود في العصر الحاضر، وما سيوجد في العصور المقبلة.

    وإذا لم يَجُزْ لجيل من الأجيال أن يقطع الطريق على الأجيال المقبلة، ولا أن يمحو الصالح من آثار الأجيال الماضية، رعايةً لحق أولئك وحرمة هؤلاء، فأجدر بالحكومة — مهما يكن حظ أعضائها من الفطنة والذكاء — ألَّا تتمِّم هدم ما بنته الحكومات السابقة، لا لشيء إلَّا لمجرد الثأر والانتقام.

    وقد جاء وزير المعارف إلى وزارته، فرأى نظامًا لم يحدثه وزير بعينه، وإنما أقامته الحكومات المختلفة شيئًا فشيئًا، تقيم هذه بعضه، وتضيف إليه هذه بعضه الآخر. وقد أضافت إليه الوزارة الوفدية الأخيرة شيئًا كثيرًا، فوسعته بعد ضيق ويسَّرته بعد عسر، وبسطته بعد انقباض. لم تهدم مما بنته الوزارة التي سبقتها شيئًا، وإنما أصلحت في رفق، وجددت في كثير من الاحتياط، وقهرت كثيرًا من صعوبات الحرب، واستعدَّت لقهر ما بقي منها؛ فاستكثرت من المدارس، واستكثرت من قبول التلاميذ في المدارس، واستعدت لسياسة المستقبل، وجعلت التعليم الابتدائي مجانيًّا، وتهيأت لجعل التعليم الثانوي مجانيًّا أيضًا، ولم تشقَّ على الناس في تحصيل الأجور، ولم تحمِّل الأبناء تَبِعَة العسر الذي يضطر إليه آباؤهم أو تبعة المماطلة التي يعمد إليها آباؤهم أيضًا، وإنما أباحت لهم التعليم، وأباحت لهم الامتحان، وفتحت أمامهم أبواب الأمل الواسعة. وكان رأيها أن شيئًا خيرٌ من لا شيء، وأن التعليم الناقص خيرٌ من الجهل، كما أن الطعام القليل خيرٌ من الجوع، وكما أن ماء النيل — على ما فيه من كدر — خير من الموت ظمأً في انتظار الوسائل التي تقدمه إلى الناس صفوًا نقيًّا.

    ولم تمضِ وزارة الوفد في سياستها هذه مستبدة ولا مرتجلة، وإنما فكرت وقدرت واستأذنت البرلمان فأذن لها. فكان الحق على وزير المعارف ألا يستبد بتغيير هذه السياسة، وألَّا ينحرف عنها دون أن يأذن له البرلمان في هذا الانحراف، ولكنه أسرف في الثقة بنفسه، الاعتداد بقوته، فاندفع في غير أناة، وغيَّر من غير روية، وتجاوز سلطان البرلمان بعد أن وعد بألا يتجاوزه، واستجاب لهذه العاطفة البغيضة التي ينبغي ألَّا يستجيب لها القائمون على أمور الشعب، وهي عاطفة الاستئثار والرغبة في هدم ما بناه السابقون …

    ثم لم يكتف وزير المعارف بهذا، ولكنه أضاف إلى ثقته بنفسه ثقته بطائفة من الأعوان لم يكونوا أقل منه ثقة بأنفسهم، فاندفعوا كما اندفع، وشطوا كما شطَّ، وانتهوا كما انتهى إلى إحداث هذا الاضطراب الذي نشأت عنه أزمة التعليم في هذه الأيام. وقد كانوا يستطيعون أن يسيروا، كما سار الوزراء من قبلهم، في شيءٍ من التمهل والأناة وحسن التدبير.

    توسعت وزارة الوفد في التعليم بمقدار، فكانوا يستطيعون أن يتوسعوا بمقدار أيضًا، ولكنهم وسعوا من جهة وضيقوا من جهة أخرى، فاختلط الأمر اختلاطًا شديدًا.

    فالتعليم الإلزامي ما زال بعيدًا كل البعد عن أن يلائم حاجة مصر وطاقتها: مدارسه أقل مما ينبغي، ومنهاجه في حاجة إلى كثير من الإصلاح، فكان الخير في أن يُعْنَى وزير المعارف وأعوانه بإصلاح المنهاج من جهة، وإنشاء المدارس من جهة أخرى. ولكنهم أرادوا أن يتوسَّعوا في التعليم الابتدائي، فألغوا نحو مائة من المدارس الإلزامية، ثم لم ينشئوا بعدُ مدارسَ أخرى تقوم مقامها، ونشأ عن ذلك أن رُدَّ كثيرٌ من أبناء الشعب عن التعليم الشعبي، واضطروا إلى بطالة ثقيلة عليهم وعلى آبائهم، مؤذية لهم ولآبائهم. ثم لم ينشأ عن هذا توسع ذو خطر في التعليم الابتدائي؛ لأنهم قبلوا في هذه المدارس بمقدار، وبمقدار ضئيل جدًّا، ولأنهم ألغوا من بعض المدارس الابتدائية القديمة فصولها الأولى، ولأنهم عنوا عناية خاصة بالاستكثار من رياض الأطفال التي يقدم فيها التعليم بالأجر لا بالمجان. وكانت النتيجة أن ضيق على الناس في التعليم الشعبي الإلزامي، ولم يوسَّع عليهم في التعليم الابتدائي؛ فشكا العاجزون لأنهم لا يجدون المدارس التي يتعلم فيها أبناؤهم بالمجان، وشكا القادرون لأنهم لا يجدون الرياض التي يتعلم فيها أبناؤهم بالأجر. وقد نشأ عن هذا كله أن عبثت وزارة المعارف بالأطفال كما يعبث الصبي بما بين يديه من اللعب، فجعلت تنقلهم من مدرسة إلى مدرسة، ومن حيٍّ إلى حيٍّ، لا تنظر في ذلك إلى أسنانهم، ولا إلى قدرتهم على الانتقال، ولا إلى قدرة أسرهم على رعايتهم والعناية بهم.

    وشرٌّ من هذا كله أنها أقامت نفسها مقام أولياء الأمور، فلم تستشرهم في شيء، ولم تؤامرهم في تدبير هذه المرافق التي تمسُّ بناتهم وأبناءهم من قريب. ونظرت الأسر فإذا بناتها وبنوها يفرقون في أنحاء المدن بغير حساب، وفي غير نظام، كما يريد المشرفون على شئون التعليم، لا كما يريد الآباء والأمهات، ولا كما يُطيق الآباء والأمهات. وأسباب المواصلات في مصر قصيرة جدًّا في هذه الأيام، عسيرة جدًّا في هذه الظروف، فكان النظر اليسير إلى مصالح الصبية، والرعاية القليلة لطاقتهم وطاقة أسرهم، والرفق القليل بالشعب؛ كل ذلك كان خليقًا أن يحمل وزارة المعارف على التمهل والتدبر قبل أن تنثر الأطفال في أنحاء المدن نثرًا.

    وأغرب من هذا أن وزارة المعارف استحدثت فصولًا ثانوية في بعض المدارس الابتدائية، فزادت في آخر هذه المدرسة، ونقصت من أولها … جعلت لها رأسين، ولكنها قطعت رجليها! ثم لم تكتفِ بهذا، ولكنها خالفت منطق الحقائق مخالفة مدهشة. فقد كانت طبيعة الأشياء تقضي بأن الذين تخرجوا في مدرسة ابتدائية، يجب أن يلتحقوا بالفصول الثانوية التي أنشئت فيها، فتمضي أمورهم هينة يسيرة لا مشقة فيها ولا عسر، ولكن الوزارة أهملت هذا المنطق إهمالًا، ولعبت بالتلاميذ كما يلعب الناس بقطع الشطرنج، وفرقتهم في الأحياء والأنحاء كما فرقت الأطفال الصغار طبقًا لخطة موضوعة — كما كان يُقال — في بلاغات الحرب، لا وفقًا لمصالحهم وقدرتهم على الذهاب والإياب. فإذا لاحظت أن الذين عبثت بهم الوزارة هذا العبث إنما هم أطفال وصبية، تختلف أسنانهم بين الرابعة والثانية عشرة، وأن هؤلاء جميعًا لا يمكن أن يوكلوا إلى أنفسهم، وأن الوزارة لا تملك من أدوات النقل ما يمكنها من أن ترعى وحدها هؤلاء الأطفال؛ عرفت أن الوزارة قد كلفت الآباء شططًا وأرهقتهم من أمرهم عسرًا بهذا العبث الذي لم يدعُ إليه إلا مجرد الرغبة في التجديد.

    وقد كنت أظن أنْ قد انقضى ذلك العصر الذي يخلو الناس فيه إلى أنفسهم، فيرسمون الخطط على الورق، ثم يعتقدون أنهم قد رسموها للحقائق الواقعة. ولكن ما عملته وزارة المعارف في هذا العام قد أثبت أن هذا العصر لم ينقضِ بعد، وأن مصر ما زال فيها قوم يحلمون ويظنون أنهم يعملون، ويتمنون ويظنون أنهم يحققون الأماني! وليس أدلَّ على ذلك من أن وزارة المعارف وثقت، وملأت قلوب الناس ثقة بأن أمور التعليم ستجري في هذا العام الجديد على خير حال ممكنة، بل على خير حال عرفتها مصر في تاريخها الحديث. ثم استؤنف العام الدراسي فإذا أمور التعليم تشهد اختلاطًا واضطرابًا لم تشهدهما قط.

    أطفال يشردون إلى غير مدرسة، وآخرون يفرَّقُون على المدارس بغير نظام، مدارس تُلْغَى ولا تنشأ بدلها مدارس أخرى، ومدارس تنشأ في خيال الوزارة ولا تزال الحقائق الواقعة تنتظر وجودها، ومعلمون ينقلون مرتين في يوم واحد، وقد ينقلون مرات في اليوم الواحد، ومدارس تحمل ما لا تطيق، وفصول تكتظُّ بالتلاميذ كما كانت تكتظ فيما مضى، وأدوات كان يظن أنها ستسبق التلاميذ إلى المدارس فإذا التلاميذ ينتظرونها، ويظهر أن انتظارهم لها سيطول، ومناهج تُغَيَّر فجأة دون أن يستعد المعلمون لهذا التغيير. وكل هذا لم يحدث إلَّا لأن وزير المعارف أسرف في الثقة بنفسه وبأعوانه، وتعجَّل الهدم قبل أن يستعد للبناء، ووعد قبل أن يقدر على البر بما وعد، ولو أنه اصطنع الأناة والتمهل، وسار في الطريق المرسومة، وحفظ للقوانين حرمتها وللبرلمان حقه، واستعدَّ لما يراه إصلاحًا قبل أن يهجم عليه؛ لجنَّب نفسه، ولجنَّب الوزارة والمدارس والتلاميذ وأولياء الأمور كل هذه المغامرات التي يعرف أولها ولا يعرف آخرها، والتي نرى الآن شرها العاجل، ولا نتبيَّن نتائجها الخطيرة التي سيتكشف عنها آخر العام.

    وإذا كان هناك شرٌّ يجب أن يُتَّقى فهو التعجل في أمور التعليم، والإسراع إلى التغيير والتبديل فيها بغير حساب، وفي غير تدبر للعواقب وتقدير للنتائج.

    وكانت وزارة الوفد قد قررت مجانية التعليم الابتدائي، وقدَّرت أن هذه المجانية سترغب الناس فيها، وتدفعهم إليها دفعًا، فأنشأت إلى جانب هذه المدارس مدارس ليست أقل منها نفعًا، ولعلها أن تكون أكثر منها غناءً، وهي المدارس الريفية. وأنشأت من هذه المدارس عشرات كثيرة في أقل من عامين، وكانت تستعد لإنشاء الطريق التي تصل بين هذه المدارس وبين مدارس التعليم العام؛ ليستطيع النابهون من تلاميذها أن ينفذوا إلى هذا التعليم، ثم إلى التعليم العالي. وكانت الوزارة القائمة خليقة أن تتم ما أعجلت وزارة الوفد عن إتمامه، فتستكثر من هذه المدارس، وتحقق الصلة بينها وبين التعليم العام. ولكن الوزارة رجعت أدراجها، وأعرضت عن كل ما أقام الوفد ليُقال إنها جددت، وليُقال أيضًا إنها هدمت ما بنى الوفد، فلم تربح الوزارة شيئًا، ولم يخسر الوفد شيئًا، وإنما احتمل الشعب وحده نتيجة هذا الاضطراب.

    وكانت وزارة الوفد قد رسمت السياسة لنظام التعليم الجديد، واستأنفت بتنفيذ هذه السياسة بعد أن أقرها البرلمان، فلم تتعجل وضع القوانين الجديدة حتى تهيئ للنظام الجديد ما يحتاج إليه من المدارس والمعامل والأدوات، ورسمت الخطة لهذا كله في مشروع السنوات الخمس. ولكن الوزارة القائمة انحرفت عن هذه السياسة لا لشيء إلَّا ليُقال إنها مجددة، فوعدت بألا تغير نظم التعليم دون موافقة البرلمان، وغيَّرتها بالفعل دون موافقة البرلمان … خلطت مراحل التعليم خلطًا، وضيقت مناهج التعليم من بعض نواحيها، ووسعتها من بعض نواحيها الأخرى دون أن يعرف البرلمان من ذلك شيئًا، ودون أن يأذن البرلمان من ذلك بشيء. وكانت نتيجة هذا كله أن اضطرب الأمر أشد الاضطراب، وانتشر السخط أشد الانتشار.

    وتستطيع الألسنة الرسمية للوزارة أن تقول ما تشاء، فلن تغير الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع هو أن الموظفين في ديوان الوزارة ساخطون؛ لأنهم دفعوا إلى عمل لا يؤمنون به، وأن المعلمين ساخطون؛ لأنهم كلفوا نظمًا لا يطمئنون إليها، وأن التلاميذ والطلاب ساخطون؛ لأنهم أصبحوا كأدوات الشطرنج، يلعب بها اللاعبون في غير تدبُّر للعواقب ولا رعاية للمصلحة ولا عناية بصحة العقول والأجسام. وأولياء الأمور ساخطون؛ لأن الناس لا يحبون أن يُدفع أبناؤهم إلى الجهل، ولا أن يكونوا موضوعًا للعبث. وليس من شك في أن هذا كله محتاج إلى الإصلاح، ولكن سبيل هذا الإصلاح ليست ميسرة لوزارة المعارف كما هي الآن. فليس من المعقول أن يُقال للذين أحدثوا هذا الاختلاط: أصلحوا بأيديكم ما أفسدته أيديكم، وإنما المعقول أن يقال لهؤلاء الناس: دعوا شئون التعليم لقومٍ آخرين يحسنون فهمها، ويحسنون رعايتها، ويستجيبون — في تدبير شئون التعليم — للعقل والمنفعة العامة، لا للعلم الناقص ولا للأهواء الجامحة.

    وواضح جدًّا أن هذا الكلام إذا لم يُقَل اليوم فسيُقال غدًا، ولكن من الواضح جدًّا أن الشعب هو الذي يدفع وحده ثمن الآنية المحطمة.