النصح الضائع
طه حسين
جريدة البلاغ
٧ يونيو ١٩٤٥
هو الذي ألحَّ في تقديمه إلى وزارة المعارف ألَّا تشق على نفسها ولا على الناس بالغلو في الاستماع للبيداجوجيا، والإغراق في الاستجابة إلى ما تدعو إليه من هذا التحذق الذي لا يغني، والتألق الذي لا يُجدي، والتلكؤ الذي لا يفيد. فليست البيداجوجيا في آخر الأمر إلَّا فنًّا ناشئًا لم يبلغ بعدُ أن يكون علمًا، ولا أن يستكشف القوانين التي يمكن أن تطمئن إليها أجيال الناس على اختلاف البيئات والظروف، وإن كثر الكلام في البيداجوجيا منذ قرون وقرون.
فكرت في هذا حين قرأت حديثًا أذاعته الأهرام يوم الثلاثاء لوزير المعارف، وكنت قد فكرت في هذا منذ أسابيع حين قرأت حديثًا أذاعته الأهرام لموظف مسئول من موظفي وزارة المعارف، ثم عدلت عن ذلك التفكير لأن وزارة المعارف كذبت ذلك الحديث تكذيبًا قاطعًا عنيفًا. وكنت أقدِّر أن وزارة المعارف ستكذِّب الحديث الثاني كما كذبت الحديث الأول، ولكنها لم تفعل مع أن الحديثين يلتقيان التقاءً غريبًا لا يكادان يختلفان إلَّا في تعليم اللغة الأجنبية متى يبدأ وأين يكون.
وأكبر الظن أن الموظف المسئول لو ترك الإشارة إلى اللغات الأجنبية لما تعرض حديثه للتكذيب؛ فتعلم اللغات الأجنبية أمرٌ شائك يحسن ألَّا تتعرض له الوزارة إلَّا بعد البيان المفصل والتمهيد الذي يحسن الاطمئنان إليه. والشيء المهم هو أن وزير المعارف تحدَّث إلى الأهرام عن أمور التعليم، وقسَّم هذه الأمور إلى أمورٍ عاجلة يحسن الفصل فيها في جزم وإسراع، وأمور آجلة يحسن النظر إليها في روية وأناةٍ.
ووزير المعارف ساخطٌ أشد السخط على الأمور العاجلة، مرتاع أشد الارتياع لما تعرض له التعليم من فساد؛ لأن وزارة المعارف — فيما يظهر — قد عالجت أمور التعليم في تسرُّع وارتجال، فأجرت الأمور كما يقتضي التسرُّع لا كما تقتضي المصلحة.
ويكفي أن تعلم أن بعض المدارس قد أنشئ لخمسمائة من التلاميذ، فحشر فيه أكثر من ألف، وأن الفصول التي لا ينبغي أن يزيد التلاميذ فيها على ثلاثين قد نيف التلاميذ فيها على الخمسين، وأن الأدوات المدرسية والكتب لم تقدم إلى التلاميذ في إبانها، وأن الأساتذة كانوا أقل مما ينبغي بالقياس إلى عدد التلاميذ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن التلاميذ لم يكونوا يجلسون على الكراسي ما ينبغي أن يجلسوا عليه من المقاعد النظامية الثابتة، وإنما كانت تُجلب لهم الكراسي من هنا وهناك، وأنهم لم يكونوا يجدون من الشوَك والسكاكين ما يمكنهم من أن يأكلوا كما ينبغي أن يأكل المترفون.
وأظنك توافقني على أن الموظف المسئول الذي كُذِّب حديثه تكذيبًا عنيفًا، والوزير الذي لم يُكذَّب حديثه، وأصحاب النشرات التي كانت تذاع هنا وهناك بين حين وحين، لم يقولوا شيئًا جديدًا؛ فالشكوى من ضيق المدارس، وازدحام الفصول، وقلة المعلمين، وعجز الدولة عن مواجهة الحاجة المتزايدة إلى التعليم؛ كل ذلك شيءٌ قديم، أقدم جدًّا من نهوض وزير المعارف وأعوانه بشئون التعليم. تراه مسطورًا في تقرير صاحب السعادة، حافظ عفيفي باشا، على هامش السياسة الذي نشره بعد ذلك التقرير بوقت قصير، وتراه مسطورًا في مئات من المقالات وعشرات من التقارير نشرت منذ نهضت مصر بشئون التعليم. فالكلام في هذا كله حديث معادٌ، كالكلام في أن قرى الريف لا تشرب الماء النقي، ولا تأكل الطعام الشهي، ولا تلبس الثياب التي تأمن البلى، وتقي الأجسام عادية الحر والبرد.
ومصدر الإعادة والإبداء في هذه الأحاديث التي لا تريد أن تنقضي ولا تعلم الناس جديدًا، هو التناقض بين ما تريد البيداجوجيا وما تريده الحياة المصرية، فالبيداجوجيا تريد أن تكون شئون التعليم مفصلة تفصيلًا دقيقًا على قد هذا النظام الذي وضعه هذا المربي أو ذاك، معتمدًا في وضعه على خياله الخصب، أو على تفكيره الصحيح، أو على تجربته الناقصة، أو على كل أولئك جميعًا، والحياة المصرية تريد أن يتعلم الشعب، وأن يتعلم الشعب كله، وأن يتعلم في أسرع وقت، وأن يخرج من الجهل مهما تكن الوسيلة التي تخرجه من هذا الجهل. فالفرق بيننا وبين وزير المعارف وأعوانه، هو أننا نستجيب للشعب، ونرضي حاجته إلى التعليم ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، وأنهم يستجيبون للبيداجوجيا، ويرضون حاجتها إلى التأنق والتحذق ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
ولست أدري ماذا يقول الجائعون من المصريين لو أصدرت إليهم الدولة أمرًا ألَّا يأكلوا حتى يقدَّم إليهم الطعام الملائم، وماذا يقول الظامئون من المصريين إن أصدرت إليهم الدولة أمرًا ألَّا يشربوا حتى يقدم إليهم الماء النقي! أيذعنون لهذا الأمر أم يجدونه شططًا وعبثًا ولغوًا من القول، بل أنا أعلم أن الدولة لن تتقدم إلى الجائعين والظامئين في شيءٍ من ذلك؛ لأن الدولة أعقل من أن تتقدم إليهم في أن يموتوا، ولكن أصحاب البيداجوجيا يخيلون إلى وزير المعارف أن الدولة تستطيع أن تتقدم إلى الناس في ألَّا يُعلِّموا أبناءهم حتى تُهيَّأ لهم المدارس والفصول والمقاعد والشوَك والسكاكين كما تريد البيداجوجيا أن تكون كل هذه الأشياء.
وتعليل ذلك يسير، فالجائعون والظامئون معرضون للموت إن طال عليهم الجوع والظمأ، ولذلك لا يستطيع أحدٌ أن يأمر الجائعين والظامئين بالانتظار، والجاهلون غير معرضين للموت إن طال عليهم الجهل، ولذلك يمكن أن يؤمروا بانتظار التعليم الذي يلائم تأنق البيداجوجيا وتحذقها، وفي هذا الانتظار مزية لا يستهان بها، فهو يؤجل انتشار التعليم، وانتشار التعليم خطرٌ كما تعلم؛ لأنه يعصم الشعب من الاستغلال والاستذلال. وإذا صبر الجائع على الجوع، وصبر الظامئ على الظمأ مات موتًا معنويًّا لا تراه البيداجوجيا ولا تنكره؛ لأن البيداجوجيا لا تُعنى بالإنسان إلَّا حين يذهب إلى المدرسة، وما دام الإنسان بعيدًا عن المدرسة، فالبيداجوجيا مستريحة مطمئنة تداعب الخيال، وتبني القصور في إسبانيا، وترسم المناهج والبرامج والخطط لتعليم ليس من الضروري أن يُنشر الآن، ولكن من الممكن أن يُنشر في يوم من الأيام.
وأغرب ما في هذا الأمر أن الذين يفرغون لهذه البيداجوجيا، ويريدون أن يضطروا الشعب إلى الجهل والغفلة حتى ترضى، ينسون أن أجيالًا كثيرة جدًّا من الناس لم تتعلم على أصول هذه البيداجوجيا؛ لأن هذه الأصول تتغير وتتجدد في كل جيل، ولو انتظر الناس أن تُهيأ لهم البيداجوجيا المغرورة تعليمًا صحيحًا لطال الانتظار، ولسيطر الجهل والغباء على العقول، ولكن الناس لم ينتظروا ولن ينتظروا، وإنما تعلموا وتركوا البيداجوجيا تقول ما تشاء، واستمعوا لها حينًا، وأعرضوا عنها في أكثر الأحيان.
فليصنع وزير المعارف كما صنع الناس، وليستمع للبيداجوجيا قليلًا، وليعرض عنها كثيرًا، فليس كل ما تقوله نافعًا ولا مفيدًا. وقد وعدنا وزير المعارف بأنه قد هيأ للتعليم كل شيء، وأنه واثقٌ بأن أمور التعليم ستجري على خير ما تحب البيداجوجيا منذ السنة المقبلة. ووزير المعارف متفائلٌ جدًّا، وما دام هذا التفاؤل يرضيه فلن نصده عنه. والشيء المحقق أن العام المقبل سيكون كالعام الماضي وكالأعوام الماضية، وسيزدحم التلاميذ على المدارس حتى تضيق، وعلى الفصول حتى تكتظ، وعلى الأساتذة حتى يكلوا. ولسنا نرى بذلك بأسًا، وإنما ننظر إليه كما ننظر إلى إقبال الجائعين على الطعام الذي لا يكفي، وكما ننظر إلى إقبال الظامئين على الماء الذي لم يَصْفُ، ولا نرى لهذه المشكلات كلها حلًّا إلَّا أن تأخذ الدولة أمرها بالحزم، فتفرض الضرائب التي تُمكِّن من محاربة الجهل والفقر والمرض حربًا مجدية.
وأظرف ما في حديث وزير المعارف آراؤه في أمور التعليم الآجلة التي يمكن أن تدرس في روية وأناة؛ فوزير المعارف متفائلٌ جدًّا، يريد أن يرسم للتعليم سياسة تسير عليها مصر ربع قرن، ولم لا تسير عليها نصف قرن، ولم لا تسير عليها قرنًا أو قرنين؟ كل شيءٍ ممكن، ومن الممكن أن يرسم للتعليم سياسة لا تسير عليها مصر يومًا واحدًا، فوزير المعارف قد نسي أن وزيرًا سبقه، فرسم للتعليم سياسةً لم يحدد لها زمنًا طويلًا أو قصيرًا، وعرض هذه السياسة على مجلس البرلمان فناقشها وأقرَّها، وكان المنتظر أن تُجرِّبها مصر ما دامت قد صدرت عن اتفاق الحكومة والبرلمان، ولكن وزير المعارف القائم لم يرضَ عن هذه السياسة، ولم يحفل بإقرار الحكومة والبرلمان لهذه السياسة، فعدل عنها دون أن يجربها، وأخذ يرسم سياسته الجديدة التي ستسير عليها مصر ربع قرن، فهل يأمن وزير المعارف أن يكون مصير سياسته الجديدة كمصير السياسة التي أقرها البرلمان، وأن تأتي حكومة بعد وقت يقصر أو يطول فتعدل عن هذه السياسة التي يرسمها كما عدل هو عن السياسة التي رسمها غيره، وما دامت قرارات البرلمان لا تلزم الحكومات، فالحكومات في حلٍّ من أن تصنع ما تشاء. والشيء الذي أؤكده لوزير المعارف هو أنه حين يرسم سياسته إنما يكتب على الريح، وينقش على الماء، وستغير الحكومة المقبلة كل ما صنع إلَّا أن يأخذ على الأيام عهدًا بأنه سيظل في الحكم ربع قرن.
وبعدُ، فإن السياسة التي يرسمها، والتي تحدث بجملتها إلى الأهرام لا ينبغي أن تعيش ربع قرن، ولا خمس سنين، ولا سنة واحدة، ولا ينبغي أن يبدأ فيها؛ فإصلاح التعليم الإلزامي شيءٌ قد اتفق الناس جميعًا عليه، فليس هو من السياسة الجديدة، ولكن وزير المعارف يريد أن يحوِّل هذا التعليم إلى تعليم ابتدائي، وأن يجعله شعبيًّا واحدًا للناس جميعًا. وما دامت وزارة الوفد قد قررت مجانية التعليم الابتدائي، فليس لذلك معنًى إلَّا أن التعليم الابتدائي قد أصبح تعليمًا شعبيًّا.
والذين أشاروا على وزير المعارف بهذا كله قد جاروا به عن القصد، وانحرفوا به عن سواء السبيل. ولست أدري أنصحوا له في ذلك أم لم ينصحوا، فوزارة الوفد حين قررت المجانية في التعليم الابتدائي إنما أرادت قبل كل شيء إلى تقرير المجانية في التعليم الثانوي، ثم في التعليم العالي؛ لأنها أرادت أن يكون التعليم كله شعبيًّا مهما تختلف فروعه ودرجاته، وأن يكون التحاق الناس بفروع التعليم ودرجاته حرًّا طلقًا لا تقيده إلَّا الكفاية، ولا يحده إلَّا الاستعداد.
فالذين خيلوا لوزير المعارف ما خيلوا إنما أرادوا أن يلغوا المجانية التي قررتها وزارة الوفد، فهم يدعون أنهم سيحوِّلون التعليم الإلزامي إلى تعليم ابتدائي، ومن حيث إن التعليم الإلزامي مجاني بحكم الدستور فما عملته وزارة الوفد لا حاجة إليه.
ولكن هذا التعليم الابتدائي لن يُلغى في حقيقة الأمر، فسينشأ مكانه التعليم المتوسط، وسيكون هذا التعليم بالمصروفات. وسنعود إذن إلى وجود تعليم لا هو بالإلزامي ولا هو بالثانوي، ولكنه شيءٌ بين ذلك. وليس هذا هو المهم، وإنما المهم أنه سيكون بالمصروفات، وستُمحى هذه الخطوة التي خطتها وزارة الوفد.
وأظرف من هذا أن الذين أشاروا على وزير المعارف كانوا يرون منذ زمن بعيد أن يُلغى تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الابتدائية لأسباب تقتضيها البيداجوجيا، وكأنهم همُّوا بذلك فاعترضتهم بعض العقاب فوجدوا الحل، وأي شيءٍ أيسرُ من وجود الحلول؟ سيسمى التعليم الإلزامي تعليمًا ابتدائيًّا، وليس في التعليم الإلزامي لغة أجنبية، فليس في التعليم الابتدائي الجديد لغةٌ أجنبيةٌ. وكذلك ترضى البيداجوجيا بالألفاظ إن لم تستطع أن تظفر بالحقائق، وسينشأ التعليم المتوسط ليقوم مقام التعليم الابتدائي، وستدرس فيه اللغات الأجنبية كما تدرس الآن في التعليم الابتدائي، وسيرضى أنصار هذه اللغات الحقائق الواقعة وما يعنيهم أن تغير بالألفاظ والأسماء.
ليصدقني وزير المعارف أن أمور التعليم في مصر أيسرُ جدًّا مما تخيل إليه البيداجوجيا المعقدة! شعبٌ يشكو الجهل ويريد أن يخلص منه في ظل الديمقراطية الصحيحة، فهو محتاج إلى تعليم إلزامي صالح منوع كما رسمه نجيب الهلالي باشا، وهذا التعليم مجاني بحكم الدستور، ثم هو محتاج إلى تعليم عام صالح يجب أن يمكن منه، وألَّا يُرد عنه لأسباب تتصل بالثروة أو بالطبقة، فليكن مجانيًّا كما أراد الوفد أن يكون، وكما يريد الشعب أن يكون. وهو محتاج إلى تعليم عالٍ يكون له الصفوة التي تدبر أمره، وتنهض بمصالحه، فليكن له هذا التعليم، وليكن مجانيًّا أيضًا؛ لأن هذا هو الاتجاه الديمقراطي الذي تتجه إليه الدنيا كلها.
وهو محتاج إلى تعليم فني منوع كما رسمه نجيب الهلالي باشا، فلينشأ له هذا التعليم، وليكن مجانيًّا كما هو في أقطار الأرض كلها. وإذا لم يكن بدٌّ من أن تتعب وزارة المعارف، فلتتعب في رسم المناهج والبرامج الملائمة للحياة الجديدة، ولتأخذ الأمور من حيث تركها نجيب الهلالي باشا، فهي إن فعلت احترمت قرار البرلمان أولًا، وضمنت لسياسة التعليم الارتفاع عن الحزبية ثانيًا، وضمنت لها الاتصال ثالثًا، وعصمت مصر من ضياع الوقت والجهد، فأمور مصر صائرة دائمًا إلى الشعب، وكلمة الشعب آخر الأمر هي العليا.
فالخير أن نواجه الأمور في صراحة واستقامة وإخلاص، فلا بدَّ مما ليس منه بد، والشيء الذي ليس منه بدٌّ سواء أردنا أو لم نرد هو أن الشعب يريد أن يتعلم، وأن يتعلم في أسرع وقت ممكن، وألَّا يجد في سبيل هذا التعليم صعابًا ولا عقابًا، فإن وجدها سيقتحمها، وسيظهر عليها كما يظهر السيل آخر الأمر على ما يعترضه من الصخور.
Tag: educational policy
-
وزارة الشعب ترد إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه
وزارة الشعب ترد إلى الشعب
أمواله على أحسن وجه وأنفعه
طه حسين
جريدة المصري
١٠ أغسطس ١٩٤٣
توجه مندوبنا بوزارة المعارف إلى دار الدكتور طه حسين بك لزيارته بمناسبة قرب سفره إلى فلسطين، ولكن لا بدَّ لأي صحفي أن يستغل فرصة اجتماعه بمعجم وزارة المعارف، فقال مندوبنا: حضرنا الحفلة الصامتة التي أقامتها جامعة فاروق الأول يوم السبت الماضي تكريمًا لمعالي وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة، وكنا نودُّ لو نسمع منكم كلمة تصور شعوركم وشعور الجامعيين الفاروقيين بعد انتهاء العام الدراسي الأول. فأجاب سعادته بقوله: «ألم ترَ من ابتهاج الذين شهدوا الحفلة من الجامعيين ما يُغنيك عن الخُطَب كما أغنى غيرك من الذين تفضَّلوا فشهدوا الحفلة؟! ولكنك صحفي لا يرضيك إلا الكلام الذي تُطالع به قراءك وترضي به صحيفتك. وربما كان أصدق تصوير لشعور الجامعيين أنه شعور الرضى والأمل والثقة. فقد لقيت الجامعة الناشئة من تأييد الحكومة ومعونتها أكثر جدًّا مما كانت تنتظر، وأطمعها هذا التأييد في المزيد منه فطلبت إلى الحكومة كثيرًا، ولكنها لم ترد يومًا عن شيء طلبته ولم تسمع بعدُ كلمة «لا». وأنا واثق بأنها لن تسمعها ما دام حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيسًا للحكومة وحضرة صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي باشا وزيرًا للجامعة. والجمهور بالطبع لا يعرف إلا قليلًا جدًّا من تأييد الحكومة للجامعة الناشئة، ويكفي أن أضرب لك بعض الأمثال؛ فقد كانت ميزانية المعامل هذا العام ستة عشر ألفًا من الجنيهات، وهي كما ترى ضئيلة بالنسبة لجامعة يُراد تأثيثها، ولكني تحدثت بذلك إلى رئيس الحكومة ووزير المعارف فطمأناني. ثم أصبحت ذات يوم وإذا مجلس الوزراء يأذن لجامعتنا في أن تَشتري من أدوات المعامل ما تجِد إلى شرائه سبيلًا، ويقدِّم بين يدي هذا الإذن مبلغ خمسة وأربعين ألفًا من الجنيهات، فترتفع الأموال التي خُصصت للمعامل إلى أكثر من ستين ألف جنيه. وأكبر الظن أننا سنحتاج إلى أكثر من هذا، وأننا لن نجد من رفعة رئيس الحكومة وزملائه إلا كل عون وتأييد. وما رأيت هؤلاء الناس يواجهون أمرًا من أمور الشعب إلا ذكرت ما كان يقوله بركلاس في القرن الخامس قبل المسيح، وهو: «يجب أن تُردَّ أموال الشعب إلى الشعب». فهم يردون إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه وأضمنه للإصلاح الذي لا يذهب مع الريح، ولكنه يبقى مع الزمن، وينتج آثارًا خالدة. وأي شيء أنفع وأبقى مما ينفق على التعليم على اختلاف فروعه؟! وهل رأيت حكومة قدرت التعليم قدره وطابت نفسها بالإنفاق عليه كما فعلت هذه الحكومة؟ على أن ما فعلته الحكومة فيما يتعلق بالمعامل ليس إلا شيئًا قليلًا إذا قيس إلى ما تفعله فيما يتعلق بمباني الجامعة. وإني لن أبلغ من شكر الحكومة ومعالي وزير الأشغال خاصة ما أريد مهما أَقُلْ. ويكفي أن تعلم أن المباني التي تحتاج إليها الجامعة للسنة المقبلة قد تتكلف نحو مائة ألف من الجنيهات، ولم تبخل الحكومة بشيءٍ من هذا ولن تبخل بأكثر منه إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنها تعلم أن خير الادِّخار هو الإنفاق في سبيل التعليم. ذلك فضلًا عمَّا تحتاج إليه هذه المباني من جِدٍّ وحزم وإسراع في العمل حتى لا يتأخر بَدءُ العام الدراسي عن أوانه. وهنا يكفي أن نذكِّر وزير الأشغال ونذكُر البيت العربي القديم:
إذا أيقظتك خطوب الزمان فنَبِّهْ لها عمرًا ثم نَمْ
وقد نبهنا وزير الأشغال لحاجة الجامعة، ولكننا لن ننام، وإنما نتفرغ للراحة والاستجمام على حين يتعب هو ويجِد. فإذا عدنا أول العام وجدنا الجامعة قد استوفت ما كانت تحتاج إليه. ألست ترى أن الذين يقدمون إلى الجامعة مثل هذه المعونة خليقون بالشكر والتقدير في الحفلات الصامتة والحفلات الناطقة جميعًا؟»
وسأله مندوبنا عن الغرض من إنشاء معهد الآداب والفنون، وصلته بين الهيئات العلمية المختلفة بمصر وبينه وبين الحكومة. فأجاب بقوله: «إن الغرض من هذا المعهد تنسيق البحث العلمي والإنتاج الأدبي والفني في مصر، وإظهار الشعب المصري والبلاد العربية على نتائج النشاط العقلي في مصر. وواضح أن هذا كله لا يتأتَّى إلا بالاجتماعات المنظمة والمحاضرات التي تُلقى بين حين وحين والمجلات والنشرات المختلفة التي تُنشر بنظام. وسيتألف المعهد من شُعَبٍ خمس، سيكون لكل واحدة منها وجودها الخاص ومجلتها ومحاضراتها، وهي شعبة العلوم وشعبة الطب وشعبة الآداب وشعبة العلوم السياسية والتشريعية، وشعبة الفنون الجميلة. وسيكون اتِّصال المعهد وثيقًا بالجامعتين والهيئات العلمية المختلفة. وسيكون له حق منح الإجازات والإعانات للباحثين أفرادًا وجماعات. وسيشير المعهد على الحكومة في كل ما تستشيره فيه، ويرفع إليها ما يعرض له من الرغبات والاقتراحات التي تمَس حياة العلم والعمل جميعًا. أمَّا موعد إنشائه فسيكون في أول الدورة البرلمانية بمشيئة الله، ولولا أحداث السياسة التي شغلت الحكومة والبرلمان لتمَّ إنشاؤه في الدورة الماضية، فقانونه مُعَدٌّ لم يبقَ إلا أن يُرسَل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء لاستصدار المرسوم الملكي لعرضه على البرلمان.»
مجمع اللغة العربية وسأله مندوبنا عمَّا يُراد إدخاله من تعديل على نظام مجمع فؤاد الأول للغة العربية. فقال سعادته إن الفكرة الأساسية هي تقوية المجمع وترقيته وزيادة حظِّه من الاستقلال، وتمكينه من أن يفرغ لما أُنشئ له من المحافظة على سلامة اللغة العربية، ووضع ما تحتاج إليه من المعاجم. وسيستفيد المجمع فائدة محققة من إنشاء المعهد المصري للآداب والفنون؛ لأن هذا المعهد سيضع علم وفن ما يحتاج إليه من الاصطلاحات، يقوم بذلك الأخصائيون من العلماء والفنانين، فيُسهِّل مهمة المجمع اللغوي ويحصرها في الناحية اللغوية الخالصة. فأنت ترى أن التعاون بينهما سيكون متصلًا ومنتجًا.
التعليم الحر وسأله مندوبنا عن مشروعات التعليم الحر. فقال سعادته إن ما يستطيع أن يقوله الآن عن التعليم الحُرِّ هو أن مشروع القانون الجديد للتعليم الحر مُهيَّأٌ للعرض على البرلمان، وهو الآن بين يدي حضرة صاحب المعالي وزير المعارف. وهو يضمن ثلاثة أشياء أساسية؛ الأول: تمكين الدولة من الإشراف على التعليم الحر كله لترقيته وتقويته، وجعله ملائمًا لتعليم الدولة. والثاني: حماية حقوق المعلمين وتيسير الأمر لهم بحيث لا تكون حياتهم عُرضة للاضطراب. والثالث: تمكين هذا التعليم من أن يكون مساعدًا حقيقيًّا لوزارة المعارف فيما ترمي إليه من نشر التعليم والثقافة في جميع طبقات الشعب إلى أبعد حدٍّ ممكن.
شئون أخرى وسأله مندوبنا عن مشروعات أخرى تتعلق بالتعليم الفني وتعديل المناهج في التعليم العام. فقال: دع هذا إلى شهر سبتمبر المقبل … -
تنظيم النهضة
تنظيم النهضة
طه حسين
مجلة مجلتي
١ يونيو ١٩٣٦
ولست أريد إلَّا النهضة العقلية، فهي التي أستطيع أن أتحدث عنها مع بعض العلم بشيءٍ من شئونها، وهي فيما أظن قوام غيرها من أنواع النهضات مهما تختلف. فالحضارة الإنسانية الآن أثرٌ من آثار العقل، ومظهر من مظاهر النشاط في الإحساس والشعور والتفكير. ومعنى ذلك أنها تقوم على الثقافة أكثر مما تقوم على شيءٍ آخر، فإذا استقامت الثقافة استقامت الحضارة، وإذا انحرفت الثقافة عن طريقها المعقول انحرفت معها الحضارة أيضًا، وإذا ضعفت الثقافة شاركتها الحضارة في هذا الضعف. وعلى هذا النحو تستطيع أن تقيس حضارة الشعب بثقافته، كما تستطيع أن تقيس ثقافة الشعب بحضارته.
والحضارة بناءٌ تقيمه الشعوب في أوطانها، وتقيمه الإنسانية في الأرض. فإذا كان العمَّال الذين ينهضون بإقامة هذا البناء مثقفين حذاقًا متقنين؛ كان بناؤهم متينًا جميلًا قريبًا إلى الخير والكمال، وإذا كانوا جهالًا غلاظًا مقصرين؛ كان بناؤهم مضطربًا واهنًا سيء الشكل، بعيدًا كل البعد عن أن يلائم جمالًا أو يُذكر بكمال.
هذه أوليات نقولها فلا نقول شيئًا؛ لأن الناس جميعًا يعرفونها، ونجادل فيها فنضيع الوقت في غير طائل؛ لأن الناس جميعًا يؤمنون بها. ولكننا مع ذلك محتاجون إلى أن نعيدها من حين إلى حين؛ لأن الناس ينسونها أحيانًا، ولأن مصر بلد يحب أهله الجدال في الأوليات والمناقشة فيما لا يحتمل مناقشةً ولا خصامًا. وأنت تستطيع أن تنتقل مع الزمن في التاريخ، أو أن تنتقل مع أي شيءٍ آخر في الجغرافيا؛ فسترى دائمًا أن بين الحضارة والثقافة هذه الصلة المطردة التي أشرت إليها كارهًا. فإذا فكرنا في تنظيم النهضة العقلية أو تحدثنا عن هذا التنظيم، فإنما نفكر في ترقية الحضارة المصرية، ونتحدث عن إصلاحها، وأنا أريد أن أُكبر المصريين عن أن يغرهم بأنفسهم الغرور، وتملك عليهم الكبرياء أمرهم، ويخيَّل إليهم أن حضارتهم راقية لا تحتاج إلى ترقية، صالحة لا تحتاج إلى إصلاح، فهم إن قضي الله عليهم بهذه المحنة في تقديرهم لأنفسهم لا يزيدون على أن يقضوا؛ لأنهم قد بلغوا من الحياة أقصى ما يستطيعون أن يبلغوا، ولم يبق لهم إلَّا أن ينتظروا الفناء، ولست أزعم أن المصريين جميعًا معصومون من هذا الغرور أبرياء من هذه الفتنة.
قد يكون في هذا الزعم شطط كثير، فمنَّا — والحمد لله على الخير والشر — قوم يؤمنون بأنهم قد بلغوا الغاية وانتهوا إلى أقصى الأمد، ويؤذيهم كل الإيذاء مثل هذا الحديث الذين نحن فيه، يظنُّون بصاحبه الظنون، ويتهمونه بالإثم في ذات الوطن، ويصمونه بالافتتان بما ليس مصريًّا، والإزدراء لما كان مصريًّا صميمًا.
وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى غضب جماعة من الناس؛ لأني تحدثت في الراديو — أو في المذياع كما يريد المجمع اللغوي منذ حين — بأن لغتنا العربية كانت مثقفة في العصور الأولى؛ لأن أصحابها نقلوا إليها علوم الأمم الأخرى وأدبها، وهي الآن غير مثقفة لأننا لا ننقل إليها ما عند الأمم الأخرى من علوم وآداب. غضبوا من ذلك، ومن أنني قلت إن الذين يكتفون الآن من العلم والأدب بما تشتمل عليه لغتنا العربية لا يبلغون من الثقافة ما ينبغي للرجل في هذا العصر الحديث، فلا بدَّ لهم من أن يلتمسوا حظَّهم من الثقافة في لغة أوروبية حية، أو من أن تنهض الدولة فتترجم لهم هذه الثقافة ترجمة منظمة مطردة إلى اللغة العربية. غضبوا من هذا، وقالوا رمى أمته بالجهل، وعاب نصف المستنيرين فيها بالقصور، وزعم أن كل متعلم لا يحسن لغة أجنبية ليس مثقفًا، وحسبك بهذا إثمًا وحسبك به إسرافًا في النكر والشناع. وقال قائلهم: أقسم لئن دُعيت إلى الاختلاف إلى ما يلقى في الجامعة من دروس، وخيِّرت بين هذا وبين التعرض للشر، لآثرت الثانية على الأولى، ولأبيت أن أذهب إلى معهد فيه رجل يجهل العلماء، ويغض من قيمة أهل الفضل، ويجعل الثقافة رهنًا برطانة الأجانب لا بلغة الضاد.
سأنسى أشياء كثيرةً قبل أن أنسى هذا الحديث الذي نُقِل إليَّ، وقبل أن أنسى حديثًا آخر ألقاه إليَّ صديق عزيز يلومني فيه لومًا رفيقًا؛ لأني زعمت أن الذين يلتمسون ثقافتهم في اللغة العربية، لا يجدون ما يكفيهم ولا ما يلائم حظَّهم الذي ينبغي لهم في القرن العشرين. ذلك أن طبقات ضخمة من المستنيرين في مصر لا تعرف لغة أجنبية، ولا تستطيع أن تلتمس فيها مزيدًا من علم أو أدب، فهي مضطرة إلى أن تكتفي بما تجده في لغتنا العربية، وما ينبغي لنا أن نصف هذه الطبقات الضخمة التي نحبها ونعطف عليها ونُكبر منها أفذاذًا يستحقون الإجلال والإكبار؛ بقلة الحظ من الثقافة الملائمة لهذا العصر. وإذن فينبغي أن نرضى بما قسم الله لنا، وألَّا نلتمس مزيدًا من خير ولا فضلًا من رقي. ولست أدري ماذا تكون الحال لو أننا سلكنا هذه الطريق نفسها في فروع حياتنا الأخرى، فقلنا إن نظامنا الاقتصادي على نقصه وعلى قعوده بكثيرٍ منَّا عن النهوض بجلائل الأعمال الاقتصادية لا يبتغي أن يُعاب ولا أن يُلتمس إصلاحه؛ لأن في ذلك عيبًا لكثير من المصريين الذين لا يحسنون من الشئون الاقتصادية إلَّا ما بعد العهد وطال عليه القدم، وأصبح غير ملائم لظروف العصر الحديث. وماذا تكون الحال لو قلنا مثل ذلك في حياتنا الاجتماعية، وماذا تكون الحال لو أشفقنا من الإصلاح وكرهنا الدعوة إليه؛ لأن كل دعوة إلى الإصلاح إنما هي إنكار لقديم يجب العدول عنه، وشكوى من نقص تجب البراءة منه. كلَّا إن الذين يضيقون بالدعوة إلى الإصلاح لا يضيقون بالإصلاح نفسه؛ لأنهم يطمحون إليه ويأخذون بأسبابه ويدفعون إليه دفعًا، ولكنهم في الوقت نفسه يحبون أنفسهم ويكبرونها، ويشق عليهم أن يلفتوا إلى ما ينقصهم، أو أن يُذكرهم مُذكِّر بما ينبغي لهم من كمال. وآية ذلك أن الأزهر الشريف مثلًا ينبذ نُظمه القديمة كلها نبذًا، ويستأنف حياة جديدة ليس بينها وبين قديمه القريب فضلًا عن قديمه البعيد صلة. ويُصدق كل ما أنبأناه به منذ أعوام طوال من أن في أوروبا علمًا يُمكن أن يُطلب، وفلسفةً يمكن أن تُدرس، وأدبًا يمكن أن يُحصَّل. وهو لا يكتفي بالتصديق بل يُجيبنا إلى ما دعوناه إليه منذ أعوام طوال، فيأخذ في السعي إلى تحصيل العلم الأوروبي والأدب الأوروبي والفلسفة الأوروبية. يُحصِّل شيئًا من ذلك في مصر، ويرسل جماعة يبتغون له ذلك في فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فإذا أبيت عليه ذلك أغضبته وأحفظته لأنك تحاول أن تصده عن الحياة وتبعد به عن الرقي، وإذا قلت له إن علمه القديم لا يكفيه وإن ثقافته العربية الحاضرة لا تغني عنه شيئًا أغضبته وأحفظته لأنك تؤذيه في كبريائه. وإذن فهو يجمع بين هذين النقيضين، يطلب الثقافة الأوروبية ويغلو في طلبها من جهة، ويكره أن يُقال له إن في هذه الثقافة خيرًا أو نفعًا من جهة أخرى. ودار العلوم توشك أن تشبه الأزهر من هذه الناحية، فهي تُرغِّب في الإصلاح وتجهر بهذه الرغبة وتُلح فيها وتستزيد من الثقافة الأوروبية، وتطالب بدرس اللغات الأجنبية فيها، فإذا قيل إن ما هي عليه الآن من اكتفاء بالقديم وقلة حظٍّ من الجديد لا يلائمها ولا يلائم مكانتها ولا يلائم ما يُنتظر منها غضبت وأخذتها الحفيظة؛ لأن هذا القول يؤذي كبرياءها.
وكم أحب أن نفهم الكبرياء فهمًا أصح وأصوب وأقوم من هذا الفهم، فليس يؤذيني أن يُقال إني أجهل هذا النحو من العلم أو ذاك إذا كنت أجهله، وإنما يؤذيني أن يُقال إني أعلم هذا النحو من العلم أو ذاك وأنا لا أعلم منه شيئًا.
وأؤكد لهؤلاء السادة أني أتأذى حين أسمع محاضرة بالألمانية ولا أفهمها، وحين أجد كتابًا بالألمانية ولا أفهمه إلَّا من طريق المترجم، أتأذى بذلك وآلم له وأشكو منه وأحزن لأني لا أجد من الوقت أو من مواتاة الظروف ما يمكنني من إصلاح هذا النقص، ولا يؤذيني بحال من الأحوال أن يقول عني قائل إني أجهل الألمانية ولا أستطيع أن أصل إلى ما فيها من العلم إلَّا من طريق الترجمة والنقل.
وبعد فإنَّا لا نعيب هؤلاء السادة بما نقصهم، كما لا نعيب أنفسنا بما ينقصنا، وما أكثره، وإنما نريد أن تكون حال الجيل المقبل خيرًا من حال هذا الجيل، وأن يكون نقص الجيل المقبل أقل من نقص هذا الجيل، ونريد أن نفهم أمور النهضة على وجهها، وأن نصلح خطأً شائعًا قبيحًا يتورط فيه كثيرٌ من الذين يشرفون على أمور التعليم ويخوضون فيها. فكثيرٌ من الناس يريدون أن يشيع العلم باللغات الأجنبية في مصر، ويظنُّون أن هذا هو سبيل الثقافة، فنحب أن يعلم هؤلاء الناس أن شيوع اللغات الأجنبية في مصر لا بأس به، ولعل فيه خيرًا كثيرًا، ولكنه ليس سبيل الثقافة، أو ليس هو السبيل المستقيمة المنتجة إلى الثقافة، وإنما السبيل أن تُنقل الثقافة للمصريين في لغتهم، وأن يلتمسوها في هذه اللغة قبل أن يلتمسوها في أي لغة أخرى.
إنما اللغات الأجنبية أدوات للاستزادة من العلم لا لتحصيل الضروري منه. وما دمنا نعتمد على اللغة الأجنبية لنحصِّل من طريقها الضروري من العلم والثقافة، فنحن عالة على الأجنبي، ونحن مقصرون في ذات أنفسنا وفي ذات لغتنا وفي ذات وطننا نفسه. وقد كان الجاحظ رجلًا مثقفًا فيما أظن، ولعله كان من أوسع الناس في عصره وأعمقهم ثقافة، وما أظنه عرف اليونانية أو السريانية، ولكنه عرف ما كان في اليونانية والسريانية من علم؛ لأنه نُقل إلى اللغة العربية، ولأن رجال الحكم في ذلك الوقت كانوا يفهمون الثقافة خيرًا مما نفهمها نحن الآن، ويقدِّرون ما يجب عليهم لتثقيف اللغة والشعب خيرًا مما نقدِّره نحن الآن.
أفئن طالبنا بأن تنقل علوم أوروبا وآدابها إلى اللغة العربية لتكون اللغة في نفسها غنية مثقفة، وليستطيع أبناؤها أن يجدوا فيها العلم دون أن يلتمسوه ضد الأجنبي ومن طريق اللغة الأجنبية، أفئن طالبنا بذلك؛ كنَّا مُجهلين للأمة، مزدرين للعلماء، عائبين للمستنيرين، مقصرين في حق الوطن؟ اللهم إني لا أكره هذا التقصير ولا أتردد في احتمال تبعاته مهما تثقل، ولا أتردد في أن ألح على وزارة المعارف في شيئين لا بدَّ منهما لتنظيم الثقافة في مصر: الأول إنشاء مكتب للترجمة العلمية ينهض بنقل أمهات العلم والأدب والفلسفة إلى هذه اللغة التي كانت غنية قديمًا وما ينبغي أن تكون فقيرة الآن. والثاني أن ترصد في ميزانيتها مقدارًا حسنًا من المال تكافئ به الذين ينهضون بنقل الكتب القيمة في مختلف العلوم والفنون من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.
وأؤكد لوزارة المعارف أن إرصاد عشرة آلاف من الجنيهات في كل عام لمكتب الترجمة وتشجيع المترجمين أنفع لمصر وأجدى عليها وأنهض بالواجب الوطني من مئات الألوف التي تُنفق في أنواع الترف المادي، الذي قد نستطيع أن نستغني عنه، وقد يكون من الخير ألَّا نفكر فيه قبل زمن طويل. -
في التعليم والمعلمين
في التعليم والمعلمين
طه حسين
مجلة مجلتي
١٥ مايو ١٩٣٥
أظن أن حديث الناس في هذه الأيام سيكثر عن التعليم والمعلمين، إلَّا أن تشغلهم أحداث السياسة كما تعودت أن تفعل فتصرفهم عن كل قول نافع وعمل مفيد. وإذا قدرت أن حديث التعليم خليق أن يشغل الناس في هذه الأيام، فمصدر ذلك هذه القنبلة الرسمية، إن صح هذا التعبير. فقد ألقى وزير المعارف قنبلة (وإن لم يتعود الوزراء إلقاء القنابل) حين أصدر تقريره عن التعليم الثانوي، مبيِّنًا فيه عيوب هذا التعليم، مقترحًا ما يرى من أسباب الإصلاح. وليس من شأني أن أعرض لهذا التقرير بنقد أو تقريظ، ولا أن أناقش هذه العيوب التي سجلها الوزير تسجيلًا، ولا أن أناقش هذه الاقتراحات التي يعرضها الوزير ليعرف فيها رأي الناس. ليس من شأني أن أعرض هنا لهذه الأشياء، فقد يكون لي فيها موقف آخر يومًا ما في غير الصحف والمجلات. وإنما الذي يعنيني الآن، هو أن ألاحظ أن وزارة المعارف قد حكمت على نفسها في هذا التقرير، أو أن وزير المعارف قد حكم على وزارته، حكمًا أو أحكامًا كان الرأي العام قد أصدر كثيرًا منها منذ زمن طويل، وكانت الحكومة تأبى أن تقبلها أو تعترف بها. فلنحمد لوزير المعارف شجاعته على قول الحق، ولنحمد له — قبل كل شيء — هذا الدرس القيم الذي ألقاه على وزارته حين بيَّن لها في غير تردد وفي غير إيماء، بل في حزم وعزم وتصريح، أن الرجل الذي يستحق هذا الاسم هو الذي لا يكره أن يعترف على نفسه بالعيب، وأن يلتمس إصلاح هذا العيب بعد أن يتبينه ويتعرف أسبابه وآثاره.
ونحن نرجو أن تنتفع وزارة المعارف بهذا الدرس الذي ألقاه الوزير، وأن تتعود منذ الآن مواجهة أمور التعليم في شجاعة وحزم، والاعتراف بما اقترفت من أغلاط، وما تورطت فيه من خطأ، والاجتهاد في إصلاح هذا الخطأ وتلك الأغلاط.
ونحن نرجو أيضًا أن يدرس وزير المعارف فروع التعليم الأخرى كما درس التعليم الثانوي، ويصدر في أمر كل فرع منها تقريرًا كهذا التقرير الذي أذاعه في أمر التعليم الثانوي، فهو إن فعل أحسن إلى المصريين وإلى وزارة المعارف من وجوه.
منها أنه يستكشف عيوب التعليم ويدعو الناس إلى درسها والنظر في إصلاحها، ومنها أنه يضع بكل تقرير تاريخًا صحيحًا دقيقًا متقنًا لفرع من فروع التعليم. فإذا استوفى وضع تقريراته كلها، فقد وضع تاريخًا ممتعًا للتعليم المصري في هذا العصر الحديث، ينتفع به هذا الجيل كما تنتفع به الأجيال المقبلة. ومنها أنه يخرج من هذه العادة المنكرة التي ألفها الوزراء، فأفسدت عليهم أمرهم كل الإفساد، وأفسدت على البلاد نفسها أمرها كل الإفساد، وعرضت الحق لخطر عظيم، وجعلت الحقائق الرسمية في ناحية هي ناحية الشك والريبة، والحقائق الواقعة في ناحية أخرى هي ناحية الصدق واليقين والخوف من الجهر بها في كثير من الأحيان. وهذه العادة المنكرة هي هذه التي تحمل الوزراء على أن يعتقدوا أن أول ما يجب عليهم لوزاراتهم إنما هو تصويرها في صورة الكمال الذي يفرض لها الصواب فرضًا، ويعصمها من الخطأ؛ فهي لا تقول إلَّا حقًّا، ولا تأتي إلَّا خيرًا، ولا يعرض لها الضعف من وجه من وجوهها، ولا يدركها الزلل في طريق من طرقها.
فوزير المعارف حين خرج على هذه العادة، فاعترف على وزارته بأغلاطها، واجتهد في إصلاح هذه الأغلاط؛ فتح بابًا جديدًا نرجو أن يلجه الوزراء، ولا سيما وزراء الإصلاح.
على أني لم أكتب لأتحدث في هذا التقرير كما قلت، وإنما اتخذته وسيلة للحديث في شيء آخر: هو نشاط المعلمين وعنايتهم بصناعتهم في البلاد الأجنبية، واضطرارهم في مصر إلى فتور يشبه الموت. ولقد انتهى إليَّ بريد فرنسا في اليوم الذي انتهى إليَّ فيه تقرير وزير المعارف عن التعليم الثانوي، فلما أخذت أنظر في الصحف الفرنسية رأيت من ألوان النشاط الذي ينشطه المعلمون الفرنسيون أثناء ما يُتاح لهم من الإجازات أمرًا عجيبًا، ثم رأيت في تقرير وزير المعارف هذه الحقيقة المؤلمة التي سجَّلها تسجيلًا، وهي أن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، ولكنه يضعف شخصية المعلمين، ونظَّار المدارس، ويوشك أن يمحوها محوًا. وقد يكون من الخير أن يظهر القارئ المصري على شيء من نشاط المعلمين الفرنسيين أثناء الإجازات. وقد يكون من الخير أن يظهر وزير المعارف نفسه على شيء من هذا النشاط أيضًا؛ ليستيقن أنه لم يكن مخطئًا ولا مسرفًا حين رثى للمعلمين المصريين، وأن المعلمين المصريين هؤلاء يلقون من وزارة المعارف شططًا لا يشبهه شطط، ويحتملون منه ظلمًا عظيمًا، وأن إصلاح التعليم لا سبيل إليه مهما تنفق الجهود وتبذل القوى وتصرف الأموال إذا لم يظفر المعلمون بهذه الحرية التي تفتح لهم أبواب النشاط في مصر، والتي قد ضربت بينهم وبينها حجب صفاق.
كان المعلمون الفرنسيون منذ أيام يتمتعون بإجازة الفصح، فلم يلهوا ولم يلعبوا، ولم يتهالكوا على النوم والكسل، والاختلاف إلى الملاعب والقهوات، وإنما أنفقوا إجازاتهم — أو بعض إجازاتهم — على أقل تقدير في عقد المؤتمرات المختلفة، يفدون إليها من أقصى الأرض، ويعرضون لدرس الموضوعات المختلفة التي تمس التعليم والمعلمين من قريب أو بعيد. وثق بأنهم يعقدون مثل هذه المؤتمرات في الصيف من كل عام أيضًا، يعقدونها مرة في باريس ومرة في غير باريس من مدن فرنسا في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب.
ولست أريد أن أتحدث عن نقابات المعلمين وجماعاتهم المختلفة، ولا عن مجلاتهم التعليمية التي لا تُحصى، ولا عن الموضوعات التي يتناولونها بالدرس في هذه المجلات، ولا عن اشتراكهم في المؤتمرات الدولية المختلفة، وإنما أتحدث عن مؤتمراتهم الخاصة التي يعقدونها في بلادهم كل عام، وعن الموضوعات التي يعرضون لها في هذه المؤتمرات.
وحسبي أن أذكر هنا مؤتمرات ثلاثة عقدها رجال التعليم في باريس أثناء إجازة الفصح، فأمَّا أولها فمؤتمر اتحاد المعلمين الأوليين، وقد عقدوها في التاسع عشر من شهر أبريل، وتناولوا فيها موضوعات مختلفة أهمها هذه الموضوعات الثلاثة:
الأول: الصلة بينهم وبين الحكومة منذ سنة ١٩٣٣. فقد دعت الأحداث السياسية الفرنسية، وما أثير من خصومات عنيفة بين الأحزاب إلى أن يسوء ظن الحكومة برجال التعليم الأولي، فتشفق منهم على النظام الجمهوري لمكانهم من التطرف إلى الشمال، ثم صلحت الأمور واستقرت الأحوال، وسجَّل هؤلاء المعلمون في مؤتمرهم هذا أن العلاقات قد حسنت بينهم وبين السلطان، وأكدوا أنهم لا يعنون بالسياسة ولا يحفلون بالإضراب، ولا يفكرون حين يُعلِّمون إلَّا في الوطن ورقيه واستقلاله، وحمايته من غارة الأجنبي. الثاني: رقي المعلمين أنفسهم، وما يجب لهم من الاستعداد لأداء واجبهم الفني على أحسن وجه ممكن، وهم ينتهون إلى قرار إجماعي له خطر عظيم في الحياة الفرنسية. ومن الخير أن تلتفت إليه وزارة المعارف المصرية. فهم يريدون ألَّا يشتغل بالتعليم الأولي إلَّا من ظفر بالشهادة الثانوية قبل أن يدخل مدرسة المعلمين الأولية. وهم لا يريدون الشهادة الثانوية السهلة اليسيرة التي يسمونها الشهادة الثانوية الحديثة، وإنما يريدون هذه الشهادة العسيرة، التي لا بدَّ فيها من اللاتينية؛ لأنهم يؤمنون بأن العلم بلغتهم، وتعليم هذه اللغة موقوفان على العلم باللاتينية، ولأنهم يؤمنون بأن للاتينية أبعد الأثر في تكوين عقول الشباب. وخطر هذا القرار يأتي من أن رجال التعليم الأولي، وهم يعدون في فرنسا بعشرات الألوف، ومعهم الاشتراكيون والديمقراطيون من أهل الشمال كانوا دائمًا خصومًا للغة اللاتينية، يمانعون في تعميمها كل الممانعة. وقد تأثر بهم البرلمان الفرنسي في كثير من الأوقات، فخفف تعليم اللاتينية تخفيفًا، وأنشأ شهادات ثانوية لا تشترط فيها اللاتينية، فتحول رجال التعليم الأولي عن هذا الرأي. ومطالبتهم باللاتينية بعد أن كانوا يلحون في أن يُباح لهم دخول الجامعة ونيل درجاتهم دون علم باللاتينية دليل على أن الحياة الفرنسية تتطور تطورًا خطيرًا نحو التعمق في العلم، والنظر إليه على أنه وسيلة إلى تكوين الرجل لا إلى اكتساب العيش. الثالث: أمر المعاشات. فهم يطالبون بأن تنظم قوانين المعاشات للمعلمين الأوليين تنظيمًا يكفل لهم شيخوخة هادئة بعد أن أنفقوا شبابهم وكهولتهم في خدمة الدولة والوطن.
وليس المؤتمر الثاني الذي عقده نظار المدارس الأولية وناظراتها في اليوم نفسه بأقل خطرًا من هذا المؤتمر، فالنظار والناظرات يطالبون باللاتينية كما يطالب بها المعلمون، والنظار والناظرات يطالبون بحرية المعلم وحمايته من أهواء الأحزاب السياسية وشهوات الوزراء، والنظار والناظرات يطالبون بإصلاح نظام المعاش كما يطالبون بإصلاح الحياة الاجتماعية والصحية لصغار التلاميذ. والذي يستحق العناية أن رجال الحكومة والبرلمان يشهدون هذه المؤتمرات ويشتركون في مناقشتها. فمدير التعليم الأولي يشهد هذا المؤتمر، ويجيب على ما يوجه إليه من سؤال، ويعد برفع قرارات المؤتمر إلى الوزير، وبالجد في تحقيق ما يمكن تحقيقه منها. وعضو من أعضاء مجلس الشيوخ يشهد ذلك المؤتمر، ويشترك في مناقشاته، ويبيِّن للمؤتمرين مسلك مجلس الشيوخ بالقياس إلى التعليم الأولي، ويعد بالدفاع عن آمالهم ومطالبهم أمام لجنة التعليم وفي المجلس نفسه، ويكون هذا كله في بناء السوربون.
وهناك مؤتمر ثالث لعله أعظم خطرًا من هذين المؤتمرين، وهو الذي عقده رجال التعليم العام، وخصصوا في الثامن والعشرين من شهر أبريل جلسة من جلساته لتحديد معنًى من المعاني الخطيرة التي يحرص عليها الفرنسيون أشد الحرص، ونريد نحن أن نتخذه مثلًا أعلى للتعليم في مصر، وهو حيدة التعليم العام بالقياس إلى السياسة والدين. فهم يسجلون أن الدولة لا تفرض ولا ينبغي لها أن تفرض على طلابها رأيًا ما في سياسة أو علم أو خلق أو فلسفة أو دين. وإنما محور التعليم يجب أن يكون الحق والحق وحده. وهم يسجلون أن الدين يجب أن يعلم، على أن يقوم بتعليمه رجال الدين أنفسهم في يوم من أيام الأسبوع، وأن لكل معلم أو أستاذ حريته الكاملة في مذهبه السياسي والديني والخلقي، بشرط ألَّا يقحم ذلك في التعليم، وألَّا يتكلف حمل المتعلمين بالعنف أو باللين أو بالتصريح أو بالتلميح على رأي من آرائه أو مذهب من مذاهبه. وهم يطالبون بأن ينظم القانون في غير لبس ولا غموض حقوق المعلمين وواجباتهم، وبأن يحمي القانون معاهد العلم من كل عبث يصدر عن الشهوات السياسية أو المذهبية مهما تكن. وكان الذي أعلن هذه المطالب وجهر بها وانتهى إلى التأييد الإجماعي من المؤتمرين، أستاذًا معروفًا من أساتذة التعليم العالي في الكوليج دي فرانس، هو الأستاذ لوروا.
فأين هذه الحرية التي يستمتع بها المعلم الفرنسي في الاجتماع والتفكير وإعلان الرأي من حرية المعلم المصري؟ وأين هذا النشاط الذي يبذله المعلم الفرنسي فيما يمس شئون التعليم وشئون المعلم من نشاط المعلم المصري؟ ولعلك تسأل بعد ذلك عن مصدر فتور المعلمين المصريين، وإحجامهم عن مثل هذا النشاط، وإشفاقهم من درس مثل هذه الموضوعات، وإعلان آرائهم فيها! فلا توجه إليَّ هذا السؤال، ولكن وجهه إلى وزارة المعارف، ولا تنتظر جواب وزارة المعارف، فهو موجود صريح في التقرير الذي أذاعه الوزير في هذه الأيام.
أليس الوزير يعترف بأن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، وإنما يضعف شخصية المعلمين والنظَّار، ويوشك أن يمحوها محوًا؟!
وكيف ينشط المعلم، وكيف يفكر، وكيف يعلن رأيًا من الآراء ونظام التعليم نفسه حرب على شخصيته، يحول بينها وبين كل نشاط؟! -
أخلاق سياسية
حديث الوادي
أخلاق سياسية
وزير التقاليد يعبث بالنظم والقوانين فيعفي من نفقات التعليم قوما لا ينبغي إعفاؤهم منها، ويفرض هذه النفقات على قوم لا ينبغي أن تفرض عليهم، أولئك أغنياء يملكون الأرض الواسعة التي تغل لهم المال الكثير، أو موظفون يتقاضون المرتبات الضخمة التي تبلغ الألف أو تزيد على الألف، ولكن أبناءهم يتعلمون على حساب الدولة، لأنهم أبناء الأغنياء، أو أبناء كبار الموظفين، ولأن للوزير أرباً في إرضاء آبائهم، أو التقرب إليهم، وهؤلاء معسرون قد ألح عليهم الفقر، واشتد عليهم الضيق، وسدت أمامهم مسالك الحياة، فهم لا يجدون ما ينفقون، ولكن الوزير يخيرهم بين التعليم تدفع نفقاته وبين الجهل لأنهم فقراء لا يستطيعون أن يتوسلوا بثروة، ولا أن يستعينوا بوظيفة، ولا أن يعتزوا بجاه.
وهذا كله يقع في عهد كان يقال إنه عهد دستوري قوامه احترام القانون والدستور. وهذا كله يقع من وزير كان يقال له إنه مثقف ثقافة عالية حتى أنه ألف كتاباً في البيع، وكان يقال له الرئيس الأعلى للجامعة، وكان يقال له المثل الأعلى في النزاهة والأخلاق للمتعلمين والمعلمين جميعاً.
وهذا كله لا يقع من الوزير وحده وإنما يعينه عليه موظفون منهم الكبير ومنهم الصغير، وكلهم يفرض عليه العدل، ويفرض عليه الضمير، ويفرض عليه الواجب الوطني، أن يكون نزيهاً منصفاً، نقي اليد والقلب واللسان، وألا يسرق أموال الفقراء، ليعطيها لأبناء الأغنياء. فإذ وقع هذا كله، إذ سرقت أموال الفقراء المعوزين، ودفعت إلى الأغنياء المترفين، وأشرف على هذه السرقة جماعة من المثقفين، الذين اتخذتهم الدولة حماة لنظمها، أمناء على قوانينها، حراساً لأموالها، إذ وقعت هذه السرقة وأشرف عليها هؤلاء المثقفون عالمين بها، راضين عنها آمنين إليها، ثم أقبل وزير المعارف الجديد، فأراد رد الحق إلى أهله، وأراد إنصاف الفقير المعوز من عدوان الغني المترف، قيل إنه غير مجامل، وأن المجاملة كانت تفرض عليه فلا يأتي من ذلك شيئاً، فليس يليق بنجيب الهلالي أن يحرج موقف حلمي عيسى.
كل هذا دليل على فساد في الخلق السياسي عظيم، فساد يدعو إلى العبث بالحق، والاستهانة بالإثم، وإيثار الغني الذي لا يحتاج على الفقير الذي يحتاج، واختلاس أموال الدولة، لإنفاقها في غير وجهها، وفرض الجهل على الفقراء فرضاً، ثم فساد يدعو إلى الرضى بهذا كله، والمضي في هذا كله، وضرب المثل في هذا كله، ثم فساد يدعو إلى لوم الذين يحبون أن يعدلوا، ومعاتبة الذين يريدون أن ينصفوا وإيثار الأشخاص على الحق والعدل، وأخذ الوزراء بأن يتستروا على الآثمين، في سبيل المجاملة وإرضاء المودة والهوى. لقد أحسن وزير المعارف حين قال لمندوب إحدى الصحف إنه لا يستطيع أن يجامل بذمته، فليست الذمة الإنسانية شيئاً يؤخذ ويعطى، أو يباع ويشرى، أو يتأثر بالمودة والمجاملة. فليت شعري هل يرضى وزير التقاليد بل ليت شعري هل يفهم وزير التقاليد هذا المعنى، وهل يقدر قيمة هذه الحكمة وهل يعرف أن ذمم الوزراء خاصة، يجب أن تكون فوق كل شيء، حتى المجاملة؟.
وجماعة من الموظفين في المعاهد الدينية يرون إضراب الطلاب الأزهريين ويعلمون أن المضي في هذا الإضراب مناقض للمصلحة العامة، مسيء إلى ما يريد الشعب من تحقيق آماله في الحرية السياسية الصحيحة، مخالف لما يجب أن يعين رجال العلم عليه من الإخلاد إلى الهدوء والنظام، حتى تمضي الأمور على وجهها، وحتى تأخذ الوزارة في الإصلاح وهم يعلمون أن الوزارة لا ترضى عن المضي في هذا الإضراب، ولا تحبه للطلاب، وهم يعلمون أن الموظفين لن يوضعوا في مناصبهم ليحرضوا على الإضراب أو ليشيروا به أو ليؤلبوا الناس على الوزارة، أو ليغروا الناس بتجاوز النظام. ولكن الصحف تنبئنا مع هذا بأنهم كانوا يسعون بين الأزهريين، يغرونهم بالإضراب ويرغبونهم فيه ويدفعونهم إليه، ويحثونهم عليه، ولعل منهم من كان يلوح بألوان الترغيب والترهيب. فهؤلاء الموظفون الذين تحدثت عنهم الأهرام صباح اليوم مرضى بفساد الخلق السياسي لا يقدرون واجبهم ولا يقدرون حقهم وإنما هم قوم قد نزلوا عن إرادتهم وجعلوا ضمائرهم تجارة لا قدر الناس على الدفع وأنشطهم إلى البذل، وأسخاهم بالأماني والوعود، وهؤلاء الموظفون يعملون في المعاهد الدينية حيث يجب أن يكون الطهر الشامل والنقاء التام، وحيث يجب أن ترتفع الأخلاق عن الدنيات، وحيث يجب أن تلتمس المثل العليا لسيرة الأفراد والجماعات، والشر لا يقف عند هؤلاء الموظفين، فأمرهم هين لأنهم ضعاف، ولكنه يتجاوزه إلى السادة الذين جبنوا فلا يظهرون وخافوا فلا يبرزون، وعملوا مع ذلك من وراء ستار فاتخذوا هؤلاء الضعفاء أدوات للفساد.
والأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر يعلم حق العلم أن الأزهر كله مجمع على الانصراف عنه والزهد فيه، والضيق بمكانه من الرياسة لهذه المعاهد الدينية، لأن العلماء والطلاب يحصون عليه وعلى سياسته أموراً ينكرونها وينكرها معهم الناس جميعاً وينكرها معهم الدين أيضاً، وهو يعلم بعد هذا كله أنه قد ظاهر في العهد البغيض، وأعان على إقامة النظام الزائل واشترك في بعض آثامه، ويعلم بعد هذا أيضاً، أنه قد حمل ضميره، وحمل الأزهر معه عبئاً ثقيلاً حين فصل هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، وحين فصلهم في غير سؤال ولا تحقيق، ولا التماس للمنفعة، ولا إيثار للعدل ولا خوف من سخط الله، وهو يعلم بعد هذا كله أن بقاءه في منصبه مناقض كل المناقضة لروح العهد الجديد، وأنه لن يستطيع أن يبقى وإنه خارج أما غداً أو بعد غد، طبيعة الأشياء تريد هذا، وطبيعة الإصلاح تفرضه فرضاً، ولكنه مع هذا كله لا يستقيل ولا يظهر استعداداً للاستقالة، أما لأنه لا يشعر بشيء من هذا كله ولا يقدره، وأما لأنه لا يحفل بشيء من هذا كله ولا يريد أن يخرج إلا إذا أمر بالخروج، ومن الناس من يقول شيئاً غير هذا وذاك، ويزعم أن الشيخ مقيم حيث لا تنبغي له الإقامة، لأن هناك خطة مرسومة يجب أن تنفذ، وإقامة الشيخ بعض هذه الخطة، ومهما يكن من شيء فأخلاق الشيخ السياسية في حاجة إلى كثير جداً من الاستقامة والاعتدال، فما ينبغي له أن يبقى وهو يعلم أن بقاءه مستحيل، وما ينبغي له أن يبيح للناس ما يقولون فيه من الأقاويل، ولا أن يسمح بأن يكون موقفه غريباً شاذاً يذهب الناس في تأويله المذاهب، ويظن الناس به الظنون، ورؤساء الدين يجب أن يكونوا قدوة في الكرامة والزهد والارتفاع عن الظنة وسوء الرأي، ولكن الشيخ لم يرتفع عن الظلم، فليس عليه بأس مما هو فيه.
وأمثال هذه الهنات التي أحصيناها في وزارة المعارف وفي إدارة المعاهد وفي مشيخة الأزهر كثيرة لا تحصى، وهي منبثة في جميع المصالح والوزارات والدواوين فلن تجد مصلحة تخلو من رجل أفسد وهو يعلم أنه مفسد ومن رجل قبل أن يسخر لغير ما ينبغي أن يعمل فيه الموظفون ومن رجل يعلم حق العلم أن بقاءه في منصبه شيء غير مرغوب فيه، وأنه إن احتمل اليوم فلن يحتمل غداً، ولكنه مع ذلك لا يخرج ولا يفكر في الخروج، لن تخلو مصلحة من هؤلاء الناس لأن العهد البغيض قد بث فساد الخلق السياسي في كل بيئة وفي كل مصلحة وفي كل ديوان، فما أشد حاجة الوزارة القائمة إلى الحزم والعزم وما أشد حاجتها إلى ألا تقتنع بالنزاهة الهادئة المطمئنة والارتفاع عن المجاملة بالذمم، وما أشد حاجتها إلى أن تأخذ في الإصلاح بقطع أسباب الفساد وقطع دابر المفسدين.
طه حسين
الوادي، ٢٥ نوفمبر ١٩٣٤. -
عيسويات١
حديث الوادي
عيسويات …
ولم يكن بد من أن تكون لوزير التقاليد عظائم تنسب إليه، وتوسم بسمته، وتضاف إلى اسمه الكريم، كما أن لوزير المالية أعمالا جساما، وأمورا عظاما، تبقى على الدهر وتنبت في ذاكرة الزمان مضافة إلى اسمه العظيم. فما ينبغي لوزير التقاليد أن يكون أيسر خطراً، ولا أهون شأنا، ولا أقل شجاعة وجرأة من وزير المالية. وقد يجوز لوزير المالية أن يسبق زملاءه جميعاً ويتفوق عليهم جميعاً، إلا وزير التقاليد، فما ينبغي لأحد أن يسبقه أو يتفوق عليه. هو مبرز دائما، مهما تكن الظروف، ومهما تكن الأحداث. ولعل وزير المالية وزملاءه جميعاً، وعلى رأسهم صاحب الدولة الرجل الطيب، يعترفون في غير تردد ولا تحفظ، بأن زميلهم وزير التقاليد قد سبقهم وبرز عليهم في هذه المرة، وقد استحق رضى الإنجليز، وتقدير المندوب السامي، وأصبح خليقا أن يظفر من التأييد الكامل الشامل المطلق، بما لا بد منه، ليكون رئيسا للوزراء في يوم قريب أو بعيد، فما أظن أن لوزير المالية، أو لواحد من زملائه، آية كهذه الآية الخالدة التي سجلها وزير التقاليد لنفسه، في كتابه التاريخي العظيم، الذي أرسله إلى مدرسة الهندسة، ونشرناه في الوادي منذ يومين. ما نظن أن واحداً من هؤلاء الوزراء، يستطيع أن يزعم أنه سجل لنفسه آية كهذه الآية، أو اصطنع عند الإنجليز يدا كهذه اليد، أو أقام للمندوب السامي دليلا على أنه يعرف كيف يسبق الإنجليز إلى إجابة مطالبهم، قبل أن يطلبوها، بل دون أن يطلبوها، إلا أن تكون هناك أسرار خطيرة تخفى علينا ولا تظهر لنا كما ظهر لنا هذا السر الخطير من أسرار وزير التقاليد. ومهما يكن من شيء فنحن مضطرون إلى أن نسجل السبق إلى رضى الإنجليز، وغضب المصريين لوزير التقاليد حتى تتكشف الأيام، وما نظنها تتكشف عما يثبت أن له من زملائه شبيها أو نظيرا.
وقد يكون من الخير، أو من الشر لا أدري، أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الفذة، فهي قد تغضب عليه المصريين، ولكن المصريين ليسوا شيئا، وغضبهم لا ينبغي أن يحفل به كبار الناس، وعظماء الرجال، وهي ترضي الإنجليز من غير شك، والإنجليز كل شيء، ورضاهم خير ما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، ويعمل له العاملون، ويفوز به الفائزون. والدليل على ذلك أن صدقي باشا قد أغضب المصريين، وأذاقهم من العذاب أشكالا وألوانا، ومن الحرمان ضروباً وفنوناً، ومن الإذلال ما لم يذوقوا أمثلة في هذا العصر الحديث، فلم يمنعه ذلك من أن يحتفظ برياسة الوزارة وسلطانها أكثر من ثلاثة أعوام، ولم يمنعه ذلك بعد أن هوى عن منصبه، أن يظل فوق القانون، وفوق الدستور، لا يسأل عما عمل، ولا يسأل عما قال، وإنما يستمتع بالحرية والنعيم، على حين لم يفق المصريون من آثار ما سلط عليهم من الذلة والشقاء. والدليل على ذلك أيضا أن صدقي باشا أرضى الإنجليز، فظفر بتأييدهم له في الحكم ومعونتهم له على إذلال الشعب، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم ما يزال ظافرا بحبهم له وعطفهم عليه، وقيامهم دونه أن يصيبه مكروه، أو يمسه سوء، وإن كانوا زاهدين في حكمه، راغبين عن نهوضه بتصريف الأمور.
فغضب المصريين لا يخيف مهما يعظم، ورضى الإنجليز لا يزهد فيه مهما يهن، فنستطيع إذن أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الخالدة التي ستسجل له عند الإنجليز، وستجعل له من نفوسهم مكانا محمودا، وستسوق إليه الوسام، أو ما هو خير من الوسام، في يوم من الأيام. وأظنك توافقني على أن الإنجليز ليسوا حمقا ولا بلها، ولا أغمارا ولا أغرارا، وإنما هم قوم يعرفون أين يضعون ثقتهم، وكيف يحبون أنصارهم، وما لهم لا يثقون الثقة كلها بهذا الوزير الخطير الذي يعرض عليه مجلس مدرسة الهندسة تعيين مصري كفء مكان إنجليزي، فيأبى كل الإباء، ويرفض كل الرفض، ويصدر من مكتبه كتابا يمضيه بيده، ويأمر فيه بأن يعين مكان الأستاذ المصري أستاذ بريطاني.
والأستاذ المصري كفء من غير شك، ظفر بأعلى الشهادات من مصر، ثم ظفر بأعلى الشهادات من أوروبا، ولو لم يكن كفؤا حقا لما اختاره مجلس المدرسة لهذا المنصب، وفي هذا المجلس الفنيون من الأجانب، وفيه كبار الدولة من المصريين. ولكن ذنب هذا المصري الكفء أنه ليس إنجليزيا، أو قل إنه ليس بريطانيا كما يقول وزير التقاليد. أو قل إن ذنبه أنه مصري كفء يزاحم البريطانيين، وأنت تعرف ظروف السياسة، وحاجة الذين يحبون السلطان إلى رضى الإنجليز في هذه الأيام. فليبعد المصري إذن عن هذا المنصب، وليصبر المصري إذن على الضيم، وليرض المصري بما قضي عليه من الذل، وليسجل الأجانب علينا أننا قوم تراد بنا الكرامة فنأبى إلا الهوان، ويؤدى إلينا الحق فندفعه بأيدينا دفعا، ليظفر وزير من وزرائنا برضى الإنجليز وليحظى وزير من وزرائنا بابتسامة من ابتسامات المندوب السامي.
ثم يتحدث الإنجليز بعد ذلك، بأنهم قد أحسنوا إلينا ورقونا، ووصلوا الأسباب بيننا وبين الحضارة الحديثة. ومن ذا الذي يستطيع أن يشك في ذلك؟ أليس الإنجليز يتحدثون باللورد كرومر، وأيام اللورد كرومر وما أسبغ من نعمة على المصريين؟ أليس الإنجليز يتمنون أن تعود إلى مصر وإليهم تلك الأيام الغر التي كان كرومر يفيض فيها الخير والبركة على مصر، ويحفظ فيها للدولة البريطانية كرامة الآمر المسيطر الذي لا يرد له أمر، ولا يخرج عن طاعته خارج؟ أليس الإنجليز يمنون علينا بأن اللورد كرومر قد رد إلى أرضنا الخصب بعد الجدب، وأصلح إدارتنا بعد الفساد، ونظم ماليتنا بعد الاضطراب؟ بلى. ولكن الإنجليز ينسون، نستغفر الله، بل يتناسون أن عهد كرومر قد محا القومية المصرية محوا، وأفنى الشخصية المصرية إفناء، وأخرج لنا وزراء وموظفين يعرض عليهم تعيين المصري الكفء، مكان الإنجليزي في مدرسة مصرية، وفي عهد نهضة واستقلال فيأبون، ويرفضون، ثم يداورون، ويناورون، ثم يطلبون بعد التفهيم أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني. يطلبون ذلك إلى مدرسة الهندسة، وعلى رأسها رجل أجنبي كان يظننا أباة، فإذا نحن نفضل رضى الإنجليز على الإباء، كان يظننا حراصا على الحق فإذا نحن نحرص على رضى الإنجليز، أكثر مما نحرص على الحق. يطلبون ذلك إلى هذا الأستاذ الأجنبي مدير مدرسة الهندسة، لا يخشون انتقادا منه، ولا من زملائه الأجانب، ولا يخشون اعتراضا من أنفسهم، ولا من مواطنيهم، لأن رضى الإنجليز آثر عندهم من رضى أولئك جميعا. هذه هي الآثار الباقية في نفوسنا من عهد اللورد كرومر. ينساها الإنجليز، ويتناسونها، أما نحن فلن ننساها، ولن نتناساها، ولكننا سنضعها دائما بإزاء هذا الإحسان المادي الذي أهداه إلينا اللورد كرومر، وسنوازن بين قوميتنا التي قتلها، وعزتنا التي أفناها، وشخصيتنا التي محاها، وبين أرضنا التي أخصبها، وإدارتنا التي نظمها، وماليتنا التي أصلحها، وستمتلئ قلوبنا حزناً وحسرة وأسى بأننا نؤثر ألف مرة ومرة، قوميتنا وعزتنا وشخصيتنا على الأرض والإدارة والمالية، ولأننا نود ألف مرة ومرة أن نعيش رجالا لهم حظهم من القومية والعزة على أرض جدبة وفي ظل إدارة مضطربة ومالية فاسدة، نؤثر هذا، ونفضله على أن نعيش كالأنعام في أرض خصبة كثيرة العشب، وتحت سلطان راع يعرف كيف يخضعنا للسوط والعصي.
إن الذين يثنون على عهد كرومر ويودون لو يعود، خليقون أن ينظروا في هذه الآية العيسوية الخالدة، ليروا آثار هذا العهد، وليسألوا أنفسهم بعد ذلك: ماذا يريدون؟ أما الإنجليز فهم يعرفون ماذا يريدون. هم يريدون في مصر أرضاً خصبة، وأنعاما يستغلون بها هذه الأرض، فهم لذلك يحبون عهد كرومر، ويحنون إليه. وأما نحن فنريد في مصر رجالا كراما مستقلين يعيشون في وطن حر عزيز، ونحن لذلك نكره عهد كرومر، ولن نرضى أن يعود.
طه حسين
الوادي، ١٥ يونية ١٩٣٤. -
ثقافة٢
حديث اليوم: ثقافة
طه حسين
جريدة السياسة
٢٥ يوليو ١٩٣٢
بين الذين يفهمون التعليم على وجهه، ويقدِّرون عمله في تكوين الشعب، ويقدِّرون كذلك الصلة بينه وبين ما للشعب من مثل عليا. بين هؤلاء الناس وبين وزارة المعارف خلافٌ واسع، بعيد عميق في الثقافة المصرية: ما هي؟ وعلى أي شيء تعتمد؟ وماذا يجب أن تكون؟
ومصدر هذا الخلاف أن وزارة المعارف لم تضع هذه المسائل يومًا ما موضع البحث والتفكير؛ لأنها فيما يظهر أضيق عقلًا من أن تستطيع التفكير في مثل هذه الموضوعات، وهي ترى الذين يفكِّرون في الثقافة المصرية وفي دعائمها وفي مستقبلها جماعة من المتحذلقين الذين يفلسفون في الهواء، ويضيعون وقتهم ووقت القرَّاء فيما لا يُغني ولا يفيد.
وأنا أحدثك عن تجربة، حين أقول لك: إنك ستشعر بشيءٍ كثيرٍ من السأم والملل، ثم من اليأس والقنوط، حين تتحدث إلى رجال التعليم في وزارة المعارف في هذه المسائل التي أشرت إليها آنفًا؛ لأنك ستجد قومًا لا يفهمونك، ولا يستطيعون أن يفهموك. ومن العسير على من لم يفهمك أن يستمع لك، وإذن فستجد إعراضًا وازورارًا. فإن كان محدثك على شيءٍ من الأدب وحسن الذوق، صرفك عن هذا الحديث للفكاهة والمزاح، وقدَّم إليك السيجارة، وطلب لك القهوة، وقال لك ضاحكًا: «هذه مسائل سابقة لأوانها، والخير أن ينتظر بها حتى يتم الاستقلال.» وإن كان يحدثك جافيًا، صفيق النفس غليظ الذوق، تركك تقول، وتثاءب وتمطَّى ولعب بما يجد أمامه على المائدة من قلم أو ورق أو كتاب، حتى تشعر بأنك إنما تتحدث إلى نفسك؛ لأن جليسك لا يُصغي إليك، فتغير موضوع الحديث، وحينئذٍ يقبل عليك صاحبك طلق الوجه وضَّاح الأسارير.
وقد لقيت الرجلين في وزارة المعارف، وبلوتهما، وحاولت أن أصل معهما إلى شيء، فلم أوفق في ذلك إلى خيرٍ قليلٍ أو كثيرٍ.
ذلك أن وزارة المعارف منذ الاحتلال مضت على أن التعليم وسيلة لتكوين الموظفين. ثم كثر عدد المتعلمين حتى تجاوز عدد الوظائف، وأخذت الصحف تنشر فصولًا ومقالات تبيِّن فيها أن وقف التعليم على تكوين الموظفين سيئة من سيئات الاحتلال، وأصبح مما يتحلى به الرجل المستنير أن يسجِّل على الإنجليز هذه السيئة، ويؤكد أن للتعليم أغراضًا أخرى غير هذا الغرض اليسير. فمشت وزارة المعارف وراء الصحف، وقال رجالها بهذا الرأي — لأنهم مستنيرون — ولكنهم لم يبحثوا عن هذه الأغراض الأخرى، ولم يحاولوا لها تحديدًا. ولقد دُهشت في أول هذه السنة الدراسية لحديث كان بين وزير المعارف وبيني في أمر الطلاب الذين كانت وزارة المعارف تحشدهم حشدًا في مدرسة التجارة العليا. سألت الوزير: «وماذا يصنع هؤلاء الطلبة الذي يُحشرون مئات في هذه المدرسة إذا أتموا دروسهم. فالذي نراه في البلاد الأخرى أن المدارس الفنية الخصوصية العليا لا تقبل الطلاب إلَّا بمقدار، وأن الجامعات وحدها هي التي تقبلهم بغير حساب؛ لأن الجامعات تبيح العلم للناس ليس غير. أمَّا هذه المدارس فتهيئ طلابها لأعمال خاصة، فيجب أن يكون عدد هؤلاء الطلاب ملائمًا للحاجة». قال الوزير: إنما الذي يعنيني هو أن أخفف الضغط على الوزارة، وأزيل سخط الناس الذين لا يعرفون أين يضعون أبناءهم بعد أن ظفروا بالبكلوريا. فأمَّا مستقبلهم بعد أن يتموا دراستهم فلا شأن لي به، وإنما ينبغي أن يتعلم الناس على حسابهم هم. إن التعليم العالي ليس كنزًا ينبغي أن يتهالكوا عليه!
فوزير المعارف إذن كان يشتغل بالسياسة لا بالتعليم حين كان يحشد الطلاب في مدرسة التجارة حشدًا. كان يريد أن يريح الحكومة — ولو مؤقتًا — من سخط الساخطين واحتجاج المحتجين. فأمَّا مستقبل هؤلاء الطلبة، فأمَّا تعليمهم فشيءٌ لا يعنيه. وقد نتج عن هذا أن أصبحت مدرسة التجارة مدرستين: تعمل إحداهما في وجه النهار، والأخرى في قفاه، ولم يكد يزاد عدد الأساتذة. فأشفق معي على هؤلاء الأساتذة المساكين الذين يرددون الكلام الواحد في اليوم الواحد مرات عدة، ووزير المعارف مع ذلك أوسع الناس في وزارته عقلًا، وأبعدهم أفقًا، وأكثرهم حديثًا في مثل هذه الأشياء، فاحكم بعد هذا على حظِّ وزارة المعارف من سعة العقل وبُعد الأفق وصحة التفكير.
ومضت وزارة المعارف منذ الاحتلال على أن التعليم يجب أن يكون إنجليزيًّا؛ لأن الإنجليز أرادوا هذا، وقاوموا الثقافة الفرنسية حتى طردوها من مدارس الحكومة، ثم أعلن الاستقلال وتحدثت الصحف بأن الثقافة الإنجليزية وحدها لا تكفي، وأن شيئًا من اللغة الفرنسية لو أُعيد إلى المدارس لكان مفيدًا. فقاومت وزارة المعارف هذه الفكرة ما استطاعت إلى مقاومتها سبيلًا لترضي هذه الناحية التي أشرت إليها في مقال أمس. وأنا أعرف وزيرين لقيا من هذه المقاومة شرًّا كثيرًا عرَّضهما لكثيرٍ من المكروه. فأمَّا أحدهما فعلي ماهر باشا، الذي أقبل إلى وزارة المعارف متحمسًا للثقافة اللاتينية، مدافعًا عنها، مُصرًّا على تقويتها، وخُيِّل إليه أنه يستطيع ذلك، وأنه مستقل بشئون التعليم، واندفع فأمر بتعليم اللاتينية في بعض المدارس الثانوية، واليونانية في بعضها الآخر، والفرنسية فيها جميعًا. فلم يلبث حتى عرف أن استقلاله مشكوك فيه، وأن اليونانية واللاتينية ضربٌ من الترف يجب أن يُباح للأوروبيين دون المصريين، وأن الفرنسية يجب أن تُعلَّم، ولكن بمقدار. ورأى الرجل نفسه بين الاستقالة أو الإذعان، فأذعن ومحيت اللاتينية واليونانية، وفرق أساتذتهما في الأقاليم يعلِّمون الفرنسية تعليمًا متواضعًا.
وأمَّا الوزير الآخر، فمراد سيد أحمد باشا. أقبل مؤمنًا بالثقافة اللاتينية، مشجعًا لها، وللغة الفرنسية بنوع خاص. وقد راعه وراع رئيس الوزراء أن الحكومة عندما أتمت الدستور الجديد لم توفق إلى من يترجمه إلى العربية والإنجليزية إلَّا بعد مشقة وعناء. فأراد مراد باشا أن يقوِّي دراسة اللغات، وأن يشجع تعليم اللغة الفرنسية. ولم يزد الرجل على أن فكر وقدر، وعرض تفكيره وتقديره على رئيس الوزراء، فكاد يوافقه ويؤيده، ولكن الذين وقفوا لماهر باشا عادوا فوقفوا لمراد باشا. وقد قيل لي: إن إصلاح الشطط الذي تورط فيه مراد باشا قد كلَّف رئيس الوزراء تعبًا غير قليل. والذين وضعوا العقاب في سبيل الوزيرين المتحمسين للثقافة اللاتينية ليسوا بعيدين عن وزارة المعارف، وليسوا كارهين للثقافة اللاتينية، ولا محبِّين للثقافة الإنجليزية؛ لأنهم يجهلون الثقافتين جميعًا، وإنما هم قوم لا يقبلون على أمر من أمور التعليم حتى يتساءلوا: ماذا ترى هذه الناحية في هذا الأمر؟ وماذا ترى تلك الناحية في هذا الأمر؟ وهم لا يسألون أنفسهم: أين منفعة الأمة في هذا الأمر؟
ولست أعرف بيئة من بيئات الحكومة المصرية ضعف فيها الشعور بالاستقلال منذ إعلانه، واشتد فيها الحرص على تعرف رأي الإنجليز في جملة الأشياء وتفصيلها كوزارة المعارف. وحديث ذلك يطول، وتفصيله ليس مما يرفع رأس المصري أو يحقق كرامته.
في وزارة المعارف إذن سياسة ترمي إلى فرض الثقافة الإنجليزية على هذا البلد، ووزارة المعارف تؤيد هذه السياسة؛ لأن تأييدها يرضي الإنجليز، ولأن الثقافات جميعًا تستوي عند وزارة المعارف، لا يُرجَّح إحداها على الأخرى، إلَّا ما يحقق نفعًا قريبًا. وأي شيءٍ أدنى إلى تحقيق النفع القريب من إرضاء الإنجليز؟ ومع ذلك فمن الإثم الوطني، ومن الجناية على هذا الشعب، أن تُفرض على المصريين ثقافة بعينها. إنما يجب أن تكون للمصريين ثقافتهم المصرية الخالصة. وهذه الثقافة المصرية الخالصة إنما توجد يوم يُباح للمصريين أن يردوا ما يشاءون من الثقافات، وأن يأخذوا العلم حيث يريدون هم لا حيث يُراد لهم.
يُباح للمصريين أن يشتروا ما يحتاجون إليه من المتاع الأجنبي من الإنجليز والفرنسيين والألمان والإيطاليين، لا يقيد حريتهم في هذا شيء إلَّا التنافس بين هذه الأمم، أيها يستطيع أن يرضي المشتري بجودة المتاع وقلة الثمن وحسن المعاملة. فيجب أن يُباح لهم أخذ ما يحتاجون إليه من الثقافات عند هذه الأمم كلها، يختارون هم ولا تختار لهم الحكومة.
وماذا يكون رأيك لو أن الحكومة فرضت علينا ألَّا نشتري إلَّا من الإنجليز، ولا نتصل إلَّا بالإنجليز، ولا نسافر إلَّا لبلاد الإنجليز؟ هي لا تستطيع أن تفرض علينا هذا، ولكنها استطاعت إلى الآن بفضل الاحتلال من جهة، وبفضل مصالح الإنجليز بعد الاستقلال من جهة أخرى، وبفضل إهمالنا للتعليم من جهة ثالثة، استطاعت أن تفرض علينا اللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية. فمن أراد منَّا لغة أخرى أو ثقافة أخرى، فليس له أن يطلبهما في مدارس الدولة، وإنما عليه أن يطلبهما في المدارس الحرة الأجنبية.
أيسر مبادئ الحرية السياسية يلزم الحكومة بألا تفرض على البلاد ثقافة أجنبية بعينها في التعليم العام، ويلزمها بأن يكون التعليم باللغة العربية في جميع فروعه، وأن تكون اللغات الحية الراقية كلها أو على الأقل أرقاها ممثلة في مدارس الدولة، يختار منها التلاميذ والآباء ما يشاءون. وأيسر حظ من الفطنة والتقدير للمنفعة الوطنية يلزم الحكومة ألَّا تفرض الثقافة الإنجليزية على البلاد فرضًا، فنحن نريد الاستقلال، ونريد أن نستخلصه من الإنجليز، فمن الخير أن تكون أمام تلاميذنا مُثُل عليا للفن والأدب والعلم والحياة غير المثل الإنجليزية.
أعتقد أن مما لا خير فيه أن نفاضل بين ثقافة وثقافة، فلكل ثقافة قيمتها ومميزاتها. ونحن في حاجة إلى أن نأخذ من كل شيءٍ أحسنه. فلننصرف إذن عن هذه المفاضلة السخيفة بين الثقافة اللاتينية والإنجليزية، ولنوجه جهودنا إلى تكوين ثقافة مصرية خالصة تستمد غذاءها من العلم الحر بالثقافات الإنسانية القديمة والحديثة عامة.
وإني لأسعد الناس يوم أرى حكومة مصرية تأخذ من الشجاعة حظًّا يمكنها من أن تسوي بين اللغات والآداب الإنجليزية والفرنسية والألمانية في مدارس الدولة، وتدع للتلاميذ وآبائهم حق الاختيار. ولكني واثقٌ بأن هذه الحكومة لن تكون حكومة صاحب الدولة صدقي باشا. -
حياتنا العقلية في التعليم العالي
حياتنا العقلية في التعليم العالي
طه حسين
جريدة الجديد
٢٨ أكتوبر ١٩٢٩
لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى؛ لما شهدنا هذه الحركة العنيفة التي نشهدها في هذه الأيام حول الجامعة ومدرسة المعلمين العليا ومعهد التربية. ولكن الأمور تسلك في مصر طريقًا شاذةً بعض الشذوذ، ذلك بأن العصر الذي نحن فيه ليس عصر انتقال زمني فحسب، وإنما هو عصر انتقال زمني ومكاني إن صحَّ هذا التعبير.
فمصر لا تنتقل من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين كما تنتقل البلاد والأمم الأخرى، ولكنها إلى ذلك تنتقل من الشرق إلى الغرب، أو من أفريقيا إلى أوروبا، أو بعبارة واضحة تستبدل حضارةً بحضارة وحياةً بحياة؛ تدع الحياة الشرقية الخالصة إلى حياة غربية توشك أن تكون خالصة، وتدع الحضارة الشرقية الصرفة إلى حضارة غربية توشك أن تكون صرفة. وإذا كان الانتقال الزمني وحده خليقًا أن يستتبع الحركات العنيفة والاضطراب الشديد في أصول الحياة وفروعها، فالانتقال المكاني أشدُّ استدعاءً لتلك الحركات واستتباعًا لهذه الاضطرابات.
فنحن معذورون إذا لم نستقبل ضروب الإصلاح بما تستقبل به في البلاد الأخرى من الهدوء أو الاضطراب الصحيح المنتج. نحن معذورون لأن كثيرًا منَّا يفهمون الحياة الغربية والإصلاح الغربي بعقول شرقية لم تُهيأ بعد لفهمهما على وجههما.
لم يَكَدْ يتغيَّر النظام السياسي في هذه الأيام بعضَ التغير حتى ثارت هذه الثائرة حول التعليم العالي، وحتى انتهز كثيرٌ من الناس فرصة التطور السياسي ليُفْسِدوا من أمر التعليم ما لم يصلح إلَّا بعد مشقة عظيمة وعناء شديد؛ ذلك أن مسألة الجامعة ومدرسة المعلمين ومعهد التربية ليست مسألة هذا الأسبوع أو هذا الشهر أو هذه السنة أو هذا النظام السياسي دون ذلك النظام، ولكنها مسألة قديمة كان حقها أن تُحَلَّ منذ أعوام لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى دون إضاعة للأوقات والأموال والجهود.
كان حق هذه المسألة أن تُحَلَّ يوم إنشاء الجامعة الأميرية، فتَّتَخِذ الجامعة المصرية القديمة والقسم الأدبي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية الآداب، ويَتَّخِذ القسم العلمي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية العلوم، كما اتُّخِذَتْ مدرسة الحقوق ومدرسة الطب نواتين لكلية الحقوق وكلية الطب.
وكان الحق يومئذ أن ينشأ معهد التربية بمجرد استعداد كلية الآداب والعلوم لتخريج الطلاب على النظام الجديد. ولكن ذلك لم يتم؛ لأن الذين كانوا يُشْرِفون على التعليم سنة ١٩٢٥ كانوا منقسمين إلى فريقين مختلفين أشدَّ الاختلاف؛ فريق ينكر مدرسة المعلمين ويراها قديمة سيئة النظام، ويُشفِق منها على الجامعة الجديدة، وفريق آخر يخاف الجامعة ويراها جديدة مسرفة في الجدة، ولا يطمئنُّ إليها في تخريج أساتذة الغد. فمضى أصحاب الجامعة في طريقهم وأنشئوا جامعتهم جديدة من كل وجه، ومضت وزارة المعارف في طريقها واحتفظت بمدرسة المعلمين كما كانت، وأخذت الدولة تنفق المال على المعهدين كريمة به غير مقتِّرة ولا مترددة.
ولعلي أول من نبَّهَ إلى هذا النحو من التناقض في حياتنا العلمية، وإلى هذا النحو من الإسراف في أموال الدولة؛ فدعوت إلى تنظيم العلاقة بين الجامعة ومدرسة المعلمين، وألححت في الدعاء كاتبًا في الصحف، متحدثًا إلى رجال التعليم من المعهدين، ساعيًا عند وزير المعارف وأعوانه. وأخذت المسألة طريقها حتى أُلِّفت لجنة تمثِّل الجامعة ومدرسة المعلمين ووزارة المعارف، فدرست المسألة درسًا دقيقًا، وانتهت إلى وجوب الاقتصاد في الجهد والوقت والمال، وإلى أن يكون التعليم الأدبي والعلمي في الجامعة، وإلى أن تصبح مدرسة المعلمين معهدًا فنيًّا للتربية، ورفعت اللجنة تقريرها إلى معالي الأستاذ علي باشا الشمسي. ولكن وزارة المعارف كانت لا تزال محتفظة برأيها القديم في مدرسة المعلمين وإشفاقها من الجامعة، فنصح أعوان الوزير له في ألَّا يتعجَّل الأمر ولا يقضي فيه حتى يستشير الخبراء من الأوروبيين.
وعجبت أنا من هذه المشورة التي لم تكن تقدِّم ولا تؤخر؛ فقد كانت لجنتنا درست الموضوع من كل وجوهه، واستقصت بين مدارس المعلمين والجامعات في البلاد الراقية التي تعودنا أن نتأثَّر بها في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكان تقديرنا أن هذه المشورة التي قدمت إلى وزير المعارف إنما كانت كعلة يُراد بها كسب الوقت وتأخير ما لا بدَّ من وقوعه. على أن وزير المعارف قَبِل المشورة ودعا خبيرين أحدهما من إنجلترا والآخر من سويسرا، وأنفقت الدولة على هذين الخبيرين آلافًا من الجنيهات لعلها كانت تستطيع أن تسدَّ حاجة من حاجات التعليم الكثيرة في هذه البلاد. وقضى الخبيران أشهرًا في مصر يتنقَّلان في أقطارها، يصعدان في الشتاء ويهبطان في الربيع، يقيس أحدهما ذكاء الأطفال والشبَّان، ويتحدث أحدهما الآخر إلى أولئك وهؤلاء من رجال التعليم، وكانت نتيجة هذا كله أن طلب إلى وزير المعارف الأستاذ أحمد لطفي السيد بك ما طلبته اللجنة إلى وزير المعارف الأستاذ علي الشمسي باشا.
ولكن وزارة المعارف كانت ما تزال مترددة مشفقة، فلم تقبل ما قبلته منه في غير تحفظ، وإنما قبلت فصل الدراسة العلمية من الدراسة الفنية، وأن تكون هذه الدراسة العلمية في الجامعة بشرط أن تُعِيد الجامعة درس الموضوع، وتلائم بين نظامها الجامعي وحاجات التعليم الثانوي. وقد فعلت الجامعة هذا تيسيرًا للأمر وتعجيلًا لشيء لا بدَّ من تحققه؛ لأنه يلائم المصلحة العلمية والاقتصادية معًا.
وأبت وزارة المعارف أن تترك معهد التربية إلى الجامعة كما كان يطلب الخبيران أحدهما أو كلاهما، ولم تتشدد الجامعة في هذا لأنها لم تكن تريد التوسع أو بسط السلطان.
هذا تاريخ المسألة فصَّلناه تفصيلًا، وهو يدلُّ على أن هذه المسألة قديمة، وعلى أن إعادة التنظيم لمدرسة المعلمين كانت شيئًا طبيعيًّا تحقق هذه السنة، وقد كان يجب أن يتحقَّق منذ سنين، وهو متحقق من غير شك، حتى لو سمعت الحكومة القائمة لأنصار النظام القديم، فردَّت الأمر إلى ما كان عليه. وهذا التاريخ الذي فصَّلناه يدلُّ أيضًا على أن الناحية السياسية التي يلجأ إليها ويستغل مكانتها أنصار النظام القديم لم تفاجأ بهذا الإصلاح، بل سعت إليه وجدَّت فيه وكادت تحققه.
فالأستاذ علي باشا الشمسي لم يؤلف اللجنة عبثًا، ولم يدع الخبيرين عبثًا، وإنما كان يريد أن يعتزَّ برأي اللجنة ورأي الخبيرين ليضع النظام الجديد ويعرضه على البرلمان. سيقولون ولكن هذا النظام لم يُعرض على البرلمان ولم يُعرف رأي نواب الشعب فيه، فنقول يجب إذن أن تعطل أكثر مدارس الحكومة، وأن توقف أكثر فروع التعليم لأن هذه المدارس وهذه الفروع من التعليم تسير على نُظُمٍ لم يقرها البرلمان؛ منها ما وضع في غيبته، ومنها ما وضع في حضوره، وكلها لم يتسع وقت البرلمان لدرسه.
على أن وزارة المعارف قد أنشأت هذا المعهد الجديد على أنه تجربة قابلة للتغيير والإصلاح. أليس الخير أن يدرس نظام المعهد وينقد ويُشار على الحكومة والبرلمان بما قد يظهر من وجوه إصلاحه وتغييره. ولكن قلت لك إن الأمور لا تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى، وما أشدَّ حاجتنا إلى الاقتصاد في القول والوقت والجهد والمال.