Tag: educational policy

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد٢

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (٢)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٤ أغسطس ١٩٢٤

    كنت أريد أن أخصص هذه الكلمة لطائفة من الخواطر عرضت لي أثناء سياحتي هذه. لكني أُنفِق جزءًا من الوقت في قراءة الصحف المصرية التي تصل إليَّ. ولذيذةٌ جدًّا قراءة هذه الصحف المصرية في هذا الجو الذي أعيش فيه الآن، حيث لا أسمع كلمة عربية إلا من صاحبي، وحيث لا أشعر بما يشعر به المصري في مصر من اشتراك الحس والعاطفة والرأي بينه وبين مواطنيه، وحيث أشعر بالعزلة المطلقة في كثير من الشئون، وحيث أسمع الفرنسيين من حولي يتناقشون في شئونهم المختلفة في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، في رفق إذا تناقشوا في أدب أو علم أو فن أو في شيء يقرب من ذلك، وفي عنف إذا تناقشوا في السياسة. والفرنسيون يتناقشون في السياسة كثيرًا هذه الأيام؛ لأن موقفهم السياسي يدعو إلى المناقشة، فهناك أحزاب كانت تحكم فنالتها الهزيمة الانتخابية، وهناك أحزاب كانت تعارض فنالها النصر الانتخابي، فهي الآن تصرِّف أمور الحكم، فحكَّام الأمس معارضو اليوم، ومعارضو أمس حكَّام اليوم. ولذيذٌ جدًّا أن تسمع هؤلاء الناس يتناقشون، ولكني سأحدثك عن هذا في غير هذا المقال.

    قلت إني أقرأ الصحف العربية التي تصل إليَّ من مصر، وقد قرأت فيما قرأت نبأً دعاني إلى التفكير ففكرت، واضطرني إلى الكتابة فأنا أكتب الآن.

    قرأت أن البرلمان المصري قد أقرَّ وزارة المعارف على إلغاء مجلسها الأعلى وإنشاء لجنة فنية تقوم مقامها. وقرأت المرسوم الذي صدر بإنشاء هذه اللجنة وتنظيمها، وقرأت فصولًا في «السياسة» تناول كاتبها هذا الموضوع بالبحث والنقد.

    وفي الحق إن هذا النبأ لم يدهشني في نفسه، فأنا أعلمه منذ وثبت الوزارة السعدية إلى مناصب الحكم! نعم، لم يكد رئيس الوزراء يؤلِّف وزارته ويذيع برنامجه ويتقبل تهنئة المهنئين حتى لقيت صديقًا من السعديين المخلصين الذين لا تمنعهم سعديتهم الخالصة أن يكون بينهم وبين غير السعديين ولاء، وكان صديقي هذا من أصحاب المكانة في وزارة المعارف، فتحدثنا عن وزارة المعارف.

    وعلمت من هذا الحديث أن الوزارة السعدية تكره نظام التعليم، أو بعبارة أصح تكره النظام الذي بدأ في إيجاده زكي باشا أبو السعود في وزارة التعليم، وأنها تريد أن تنقض هذا النظام كله فتلغي ما تم منه وتعدل عما لم يتم. وكان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه سياسة التعليم إلى وجهتين قيمتين: الأولى أنه أنشأ المكتب الفني، الثانية أنه اعترف باستقلال التعليم العالي، أو اعترف بحق هذا التعليم العالي في الاستقلال، وأخذ يهيئ له الوسائل ويمهد إليه السبل. فلم يكن بدٌّ للوزارة السعدية من أن تنقُضَ هذا النظام وتستبدل منه نظامًا آخر.

    فبدأت بهذا المكتب الفني فشلَّته وحرمته من كل سلطان، حتى إن أعضاءه كانوا لا يجدون لأنفسهم في الوزارة عملًا، ثم تحوَّلت أعمال المكتب الفني كلها إلى وكيل الوزارة وسكرتيرها العام. ثم فكرت الوزارة السعدية في أن تخلص من استقلال التعليم، فسلكت إلى ذلك سُبُلًا مختلفة: الأولى أنها أسدلت على مشروع الجامعة ستارًا كثيفًا، وراوغت كلما سئلت عنه في البرلمان. وليس لهذا كله سبب إلا أن مشروع الجامعة كان يقضي بالاستقلال التام للتعليم العالي، وأن وزارة المعارف السعدية لم تكن تستطيع أن تتصوَّر استقلال التعليم، وإنما كانت تريد أن يخضع لها كل شيء خضوعًا تامًّا، لا فرق في ذلك بين التعليم وغير التعليم من مرافق الدولة، ولا فرق في ذلك بين التعليم العالي وغيره من أنواع التعليم.

    ولعل القارئ يذكر هذه الكلمة الغريبة التي قالها في مجلس النوَّاب صاحب الدولة رئيس الوزراء حين ذُكرت الجامعة. وهي أنه لا يفهم معنى الجامعة، ولا يفهم فائدة الجامعة للأمة … ولعل القارئ يذكر أنَّا كتبنا حول هذه الكلمة فصلًا فسَّرناها فيه تفسيرًا نعتقد أنه لا يحتمل الشك، ونعيده الآن تذكرةً وتبصرةً، وهو أن الوزارة السعدية تكره الجامعة وتتلكأ في إنشائها، لا لشيء إلا لأن الجامعة بطبيعتها مستقلة في أمر التعليم، كما أن المحكمة لطبيعتها مستقلة في أمر القضاء. وكل وزارة نشأت وقامت على هذا النحو الذي نشأت عليه الوزارة السعدية فهي منصرفة بطبعها عن هذه الهيئات المستقلة التي لا تخضع لسلطان الحكومة خضوعًا تامًّا. ولكن زكي باشا أبو السعود كان قد مضى في تحقيق الاستقلال للتعليم العالي إلى أمدٍ غير بعيد؛ فأنشأ المجالس الإدارية للمدارس العليا ومنحها استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا، وأصدر بذلك قوانين لم يكن بدٌّ من إلغائها أو من إيجاد طريقة للتخلص منها، فلم يكن لوزارة المعارف السعدية بدٌّ من أن تخلص من هذا الاستقلال الداخلي الذي منحه زكي باشا أبو السعود للمدارس العليا. وكيف تخلص من هذا الاستقلال؟ الأمر يسير! فيكفي أن تقرأ المرسوم الذي صدر بإنشاء اللجنة الفنية التي تخلف المجلس الأعلى لتفهم كيف قضت الوزارة السعدية على استقلال التعليم.

    ذلك أن قرارات هذه المجالس الإدارية للمدارس العليا تعرض بحكم هذا المرسوم على هذه اللجنة الفنية فترى فيها رأيها. وهذه اللجنة الفنية نفسها ليست مستقلة وإنما آراؤها وقراراتها جميعًا خاضعة كل الخضوع لإرادة الوزير. وإذن فقرارات المجلس الأعلى خاضعة للجنة الفنية، وقرارات هذه اللجنة خاضعة للوزير. وإذن فالوزير هو كل شيء، لا في المسائل الإدارية ولا في المسائل المالية ولا في نحو هذه المسائل مما يمس نظام التعليم عن بعد، بل في نظام التعليم نفسه، بل في جوهر التعليم. وإذن فهذا الوزير البرلماني الذي هو بحكم الدستور وبحكم الحياة البرلمانية خاضع للظروف السياسية وصروفها، يرقى اليوم إلى منصب الوزير ليتركه غدًا. هذا الوزير الذي لا يستطيع أن يضمن البقاء في منصبه يسيطر على سياسة التعليم في جميع فروعه. فإذا كان الوزير من أولي الرأي في التعليم فوضع له سياسة ما وأخذ في تنفيذها ثم أصابته المحن البرلمانية فنزل عن منصبه فليس ما يضمن أن الوزير الذي سيخلفه سيمضي في تنفيذ سياسته. وأكبر الظن أن هذا الوزير سيلغي ما أقرَّ الوزير السابق كما ألغى صاحب الدولة سعيد باشا ما أقر صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود.

    يجب أن نكون منصفين وأن نرد الأمور إلى نصابها، وأن نقول الحق، ولكن في رفق ولطف. فنحن مدينون بهذا الرفق واللطف للمرحوم عاطف باشا بركات. الناس جميعًا يعلمون أن عاطف باشا بركات كان رأس وزارة المعارف وقلبها، به تشعر وزارة المعارف، وبه تفكر وزارة المعارف، وإليه تنتهي أمور وزارة المعارف. وإن صاحب الدولة سعيد باشا كان يقوم من هذه الوزارة مقام غيره من الوزراء الدستوريين. كان يؤمن بكفاية عاطف باشا بركات ومقدرته الفنية، فيكل إليه الأمور الفنية كلها ويمثل هو وزارته في مجلس الوزراء وفي البرلمان تمثيلًا سياسيًّا لا أكثر ولا أقل.

    وإذن فالذي أحدث هذا التغير في وزارة المعارف هو في حقيقة الأمر عاطف باشا بركات، وإن كان المسئول عنه هو صاحب الدولة سعيد باشا بركات، كان رجلًا يمتاز بالقوة والحزم، أو شيء أكثر من الحزم، وكان تحت السلطان والسيطرة، كان يجب إذا أشرف على شيء أن ينتهي إليه كل شيء، وكان رجلًا خُلِقَ للإدارة، ولعلنا لا نظلمه إذا قلنا إنه لم يكن قد خُلِقَ للتعليم، فأراد أن يشرف حقًّا على وزارة المعارف، فهيأ لذلك من الأسباب ما هيأ، ثم استأثرت به رحمة الله قبل أن يبلغ من هذا الإشراف ما كان يريد. وترك لخلفائه في وزارة المعارف عبئًا ثقيلًا جدًّا نعتقد أنهم قد لا ينهضون به، وأنهم قد لا يحبون أن ينهضوا به. وأصبحت بذلك وزارة المعارف بين اثنتين: إمَّا أن تمضي في هذه السياسة التي وضعها عاطف باشا بركات رحمه الله؛ وإذن فلا بدَّ لها من عاطف باشا بركات، وهي إن ظفرت بعاطف باشا بركات، فلن توفق من هذه السياسة إلى خير؛ لأنها سياسة سيئة شديدة الخطر على التعليم؛ فقد نفهم المركزية في كل شيء، نفهمها في المسائل الإدارية، ونفهمها في غير هذه المسائل. ولكنَّا نزعم أن فهمها في التعليم مستحيل؛ لأن التعليم فن خالص أو هو فنون مختلفة لا يمكن أن تجتمع لرجل واحد، ولا لهيئة واحدة، وإنما يجب أن يشرف عليها الفنيون المختلفون وأن يكون لهؤلاء الفنيين حظٌّ موفورٌ من الاستقلال يضمن لهم التوفيق إلى ما يريدون، وإمَّا أن تعدل وزارة المعارف عن السياسة المركزية التي كانت مسيطرة على شئون التعليم أيام الإنجليز، والتي تريد أن تسيطر على شئون التعليم أيام الوزارة السعدية.

    وإذن فلا بدَّ لوزارة المعارف من أن تنقض ما أبرمه عاطف باشا بركات، وأن تطلب إلى البرلمان نقض ما أبرم في أمر اللجنة الفنية، وأن تضع سياسة جديدة للتعليم هي نفس السياسة التي كان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه إليها وزارة المعارف، وإذا فعلت وزارة المعارف هذا فحدِّث عن هذا الوقت الضائع، وعن هذه القرارات المضطربة التي ينقض بعضهًا بعضًا، ولكننا نرجِّح أن وزارة المعارف لن تسلك هذه الطريق، فقد يكون الخير في أن تسلكها، ولكن الوزارة ستجد شيئًا من الغضاضة في الاعتراف بهذا الخطأ العظيم، وفي أن تنقض اليوم ما أبرمت أمس.

    هناك قاعدة هي المثل الأعلى في أمر التعليم، ولكنها بعيدة كلَّ البعد عن الحقيقة الواقعة. لم تقتنع بها الأمم الراقية في أوروبا بعد، فمن المعقول ألا تفهمها مصر. هذه القاعدة هي أن يكون التعليم كالقضاء مستقلًّا الاستقلال كله عن السياسة لا تناله صروفها ولا تعبث به خطوبها، وأؤكد لك أن التعليم أحقُّ بالاستقلال من القضاء: لِمَ يستقل القضاء؟ لتكون حقوق الأفراد بمأمن من الأهواء السياسية. حقوق الأفراد … أمَّا التعليم فهو لا يتناول حقوق الأفراد، وإنما يتناول حياة الأمم كلها، يتناول حياتها الحاضرة ويتناول حياتها المستقبلة، يتناول كلَّ موقفها، ويتناول كل آمالها. فإذا كان القاضي خليقًا بالاستقلال ليبيع الناس وليشتروا في أمنٍ ودعةٍ، أفلا يكون المعلم خليقًا بالاستقلال لتحيا الأمة وتنمو وترقى بمأمن من الشهوات السياسية التي لا تنتج في التعليم إلا شرًّا؟ … وبين يدي مثلٌ قائم أختم به هذا الفصل، وهو أمر التعليم الثانوي في فرنسا.

    في السنة الماضية أصدرت وزارة بوانكارية — وأقرتها كثرة البرلمان — نظامًا لهذا التعليم يقضي بتعليم اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية للبنين والبنات، وأخذت وزارة المعارف في تنفيذ هذا النظام منذ أكتوبر الماضي، ثم كانت الهزيمة الانتخابية التي أصابت بوانكاريه وأصحابه، وكان انتصار الاشتراكيين وأصحابهم، وهم يكرهون اللاتينية واليونانية، ويؤثِرون التعليم الذي يُسمَّى تعليمًا حديثًا. فلم يكد يجتمع مجلس النوَّاب الاشتراكي حتى قررت لجنة التعليم فيه إلغاء النظام الذي وضعته الوزارة السابقة وأقره المجلس السابق. ولن يدوم السلطان لهذا المجلس، بل لا بدَّ أن يعود السلطان لأصحاب بوانكاريه، ويومئذ يقرر مجلس النوَّاب إلغاء هذا النظام والعودة إلى اللاتينية واليونانية. وموضوع هذا العبث ليسوا ألفًا أو آلافًا من الموظفين كما هو الأمر في مصر، وإنما موضوع هذا العبث هو الجيل الناشئ كله عن هذه الأمة الفرنسية. فهل نستطيع أن نعتبر؟ وهل نستطيع أن نسبق إلى جعل التعليم فوق السياسة أو بمعزل عن السياسة على أقل تقدير؟

    بوليجين، في ١١ أغسطس سنة ١٩٢٤

  • وزارة المعارف إصلاح التعليم الثانوي

    وزارة المعارف: إصلاح التعليم الثانوي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٢ ديسمبر ١٩٢٣

    كنَّا عند وزير المعارف منذ أسبوع، وكنَّا نتحدث في أمر التعليم العالي، ولست أدري كيف عرضنا للتعليم الثانوي والابتدائي. قلت: أمَّا هذا الموضوع فسيكون لي فيه مع معالي الوزير حديث طويل. قال الوزير: وسيسرني أن أسمع هذا الحديث وأقدِّره. ويظهر أن قد حان الوقت لأبدأ مع معالي الوزير طرفًا من هذا الحديث، فقد نشرت الصحف أن وزارة المعارف تشرع في إنشاء الجامعة الأميرية. وأي فرصة للتحدُّث إلى وزير المعارف في أمر التعليم الثانوي أحسن وأنفع من فرصة إنشاء الجامعة الأميرية؟ فالوزير يعلم أن الجامعة بناء ضخم قوي، يحتاج إلى أساس متين، وليس له من أساس إلا التعليم الثانوي. فإذا لم يكُن هذا التعليم الثانوي من القوة والمتانة بحيث يُعَدُّ عقل الشاب إعدادًا صحيحًا للدرس النظري العالي، فلا قيمةَ لهذا التعليم الثانوي في نفسه من جهة، ولا قيمة تُبنى عليه من الدرس النظري العالي من جهة أخرى. وأحسَب أني غير محتاج إلى أن أقيم الدليل على أن الصلة قوية بين المدرسة الثانوية وبين الجامعة؛ فإن هذه الصلة ملموسة، وحسبُك أن الغرض الأول من إنشاء المدرسة الثانوية إنما هو إعداد الطالب، يخرج من المدرسة الثانوية ليدخل الجامعة. بل حسبك أن بعض بلاد أوروبا جعلها أشد البلاد خبرة بالتعليم وتفوُّقًا فيه، وتجعل المدرسة الثانوية جزءًا متصلًا من بالجامعة لا معهدًا منفصلًا عنها، بحيث تكون الإدارة المشرفة على التعليم العالي الملمة بطبيعته وحاجاته هي نفسها المشرفة على التعليم الثانوي؛ لتلائم بين هذين النوعين من التعليم، ولتعدَّ العقل إعدادًا صالحًا منتجًا للاستفادة من دروس التعليم العالي. والتعليم الثانوي في فرنسا ليس مستقلًّا عن الجامعة، وإنما هو جزءٌ منها. وإذا أطلق لفظ الجامعة في فرنسا فُهم منه التعليم العالي والتعليم الثانوي. وليست جامعة باريس مقصورة على أقسام الآداب والعلوم والطب والحقوق، وإنما هي تتناول إلى هذه الأقسام وما يتصل بها من فروع التخصُّص في هذه العلوم العالية جميع المدارس الثانوية المنبثَّة في محافظة «السين»، وقُل مثل ذلك في جامعات «بوردو» و«ليون» و«ديجون» وغيرها من جامعات فرنسا.

    والتعليم الثانوي إذن أساس التعليم العالي، والمدرسة الثانوية أساس الجامعة. فإذا أَرَدْنَا أن يكون التعليم العالي منتجًا، وأن تكون لنا جامعة حقًّا تلائم حاجاتنا وآمالنا وكرامتنا؛ فأول ما يجِب علينا أن نفكر فيه إنما هو إصلاح التعليم الثانوي؛ بحيث يصبح أساسًا للتعليم العالي الصحيح. وليس معنى هذا أن نمانع في إنشاء الجامعة أو ننتظر بإنشاء الجامعة إصلاحَ التعليم الثانوي؛ فإن لدينا مدارسنا العالية، ونحن في حاجة إلى هذه المدارس، ولن نستطيع وقفها أعوامًا حتى يتم إصلاح التعليم الثانوي، بل نحن نعتقد أن الخير كل الخير إنما هو في إنشاء هذه الجامعة، ولو لم يكن لإنشائها نتيجة الآن إلا توحيد إدارة التعليم العالي وضمان الاستقلال لهذا التعليم، لكان ذلك شيئًا خليقًا بالرغبة فيه والحرص على الوصول إليه. لا نمانع إذن في إنشاء الجامعة، ولا نطالب بتأخيره، وإنما نسجِّل منذ الآن أن نتيجة التعليم في الجامعة ستظل كنتيجة التعليم في المدارس العالية غير مُرضِيَة ولا مقنعة ولا ملائمة لحاجات البلاد وكرامتها إذا لم يصلح التعليم الثانوي ليقوم التعليم العالي منه على أساس متين. وقد شعرت بذلك اللجنةُ التي أُلِّفت منذ أعوام لتضع مشروع الجامعة الأميرية، ففصَّلت وجوهًا من نقص التعليم الثانوي، واقترحت طريقة لتكميل هذا النقص، وهي إنشاء قسم للتعليم المتوسط بين التعليم الثانوي والتعليم العالي يكون الغرض منه إصلاح نقص التعليم الثانوي، واستدراك ما فات الطالب في المدرسة الثانوية، حتى إذا وصل إلى التعليم العالي كان قد وصل إليه مستعدًّا استعدادًا حسنًا. ويظهر أن وزارة المعارف قبِلت هذه الفكرة واقتنعت بها، بل يظهر أنها أخذت في تنفيذها عصرًا ما، وأنها تريد أن تنفِّذها إذا أُنشئت الجامعة الأميرية في هذه الأيام كما يُقال. وليست وزارة المعارف هي التي انفردت بهذه الفكرة؛ فقد شعرت الجامعة المصرية أيضًا بنقص التعليم الثانوي، وشكا أساتذتها ضَعفَ الطلاب الذين يتقدمون لاستماع الدروس العالية في الأدب والفلسفة والتاريخ، واقترحوا على مجلس إدارة الجامعة إنشاء قسم تحضيري لقسم الآداب. فالفكرة في نفسها مقبولة، ولكن على شرط أن تكون مؤقتة حتى يتم إصلاح التعليم الثانوي. فإذا اتُّخذت هذه الفكرة على أنها فكرة صالحة، وأُقيمت في التعليم المصري هذه القاعدة — قاعدة إنشاء التعليم المتوسط بين الجامعة والمدرسة الثانوية — فذلك شر من غير شك، شرٌّ لأن التعليم المتوسط لا قيمة له في نفسه؛ فهو ليس بالتعليم الثانوي ولا بالتعليم العالي، وشرٌّ لأنه سينتج نتائج رديئة، فسيقنع بعض طلاب المدارس الثانوية بشهادة الدراسة الثانوية وينصرفون إلى الأعمال، وإذن فسيكون هؤلاء الطلبة الذين يحملون الشهادة الثانوية ويقنعون بها بعيدين كل البُعد عن تحصيل ما لا بدَّ من تحصيله لمن يريد أن يتعلم تعليمًا ثانويًّا صحيحًا. ثم سيمضي آخرون إلى التعليم المتوسط حتى إذا نالوا إجازته انصرفوا عن التعليم العالي وقنَعوا بهذه الإجازة. وتنشأ حينئذٍ طبقة من الشباب لا عهد لنا بها، ليست طبقة الذين يحملون الشهادة الثانوية وليست طبقة الذين يحملون الشهادة العالية، وإنما هي طبقة بين بين. ونتيجة هذا كله إكثار عدد هؤلاء الذين نستطيع أن نسمِّيهم أنصاف المتعلمين. فسيُخرج لنا التعليم الابتدائي فريقًا والتعليم الثانوي فريقًا والتعليم المتوسط فريقًا، وكل هذه الطوائف تتفاوت في قوة العقل وحسن الإدراك بمقدار تفاوُتها فيما حصَّلت من العلم في مدارسها المختلفة. وخطر هذا على حياتنا الاجتماعية عظيم.

    إذن فمصلحة التعليم العالي في نفسه تقتضي إصلاح التعليم الثانوي، ومصلحتنا الاجتماعية تقتضي إصلاح هذا التعليم الثانوي أيضًا. وليس من شَكٍّ في أن وزارة المعارف تحسن الإحسان كله إذا اتَّخذت هذه القاعدة إمامًا، وهي أن تكون كل درجة من درجات التعليم صالحة من وجهين، تكفي وسيلة للدرجة التي تليها من جهة، ويستطيع صاحبها أن يكتفي بها من جهة أخرى. وظاهرٌ أن تعليمنا الثانوي يفقد هاتين الخَصلتين؛ فهو لا يكفي وسيلة للتعليم العالي والحكومة نفسها معترفة بذلك، وهو لا يغني من أراد أن يكتفي به. وحياة أصحاب الشهادة الثانوية في دواوين الحكومة تشهد بذلك، ومنزلتُهم في الحياة العامة تشهد بذلك أيضًا، والمقارنة بين ما يدرسون وما يدرس إخوانهم في أوروبا من جهة الكَمِّ ومن جهة الكيف — كما يقول المنطقيون — تشهد بذلك، ولا تترك سبيلًا للشك فيه. وإذن فلا بدَّ من إصلاح التعليم الثانوي، من الشروع في هذا الإصلاح الآن لا غدًا ولا بعد غدٍ، بحيث لا تمضي أعوام قليلة حتى يكون الإصلاح قد تم، وحتى تجِد الجامعة من حمَلة الشهادة الثانوية طلابًا أَكْفَاءً؛ فتنصرف عن التعليم المتوسط إلى التعليم العالي الخالص.

    ولكن ما طريقة هذا الإصلاح؟ هنا أعترف بأني لا أستطيع وحدي أن أدلَّ على هذه الطريقة، بل أرجو أن يشاركني وزير المعارف وأعوانه في الاعتراف بأننا لا نستطيع وحدنا أن نجِد هذه الطريقة أو ندلَّ عليها، ولا بدَّ لنا من الاستعانة بالفنيين من أهل أوروبا. والآن نرجع إلى ما طلبناه في الصيف الماضي إلى معالي وزير المعارف، وهو الاستعانة بالمستشارين الفنيين من أهل أوروبا في أمور التعليم على اختلاف درجاته. فليس بغض ما أن نعترف بما فينا من نقص إذا عملنا على إكماله، وليس معنى الاستقلال أو الرغبة في الاستقلال أن نزعم لأنفسنا العصمة ونكتفي بما عندنا حتى تقوم الأدلة الواضحة على أن ما عندنا لا يكفي. لا بدَّ إذن من استشارة الفنيين. ولو أن لي أن أقترح على وزير المعارف لطلبت إليه أن يفكر في نظم التعليم الثانوي في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يقارن بينها وبين حاجاتنا، وأن يختار من هذه النظم أشدَّها ملاءمة لهذه الحاجات. فإذا تم له الاختيار ندب فنيًّا أو فنيين من الذين أتقنوا هذا النظام ليدرسوا مع الفنيين من وزارة المعارف نظام التعليم الثانوي في مصر، ويقترحوا ما يرون من وجوه الإصلاح لهذا التعليم.

    أرى أن هذا النحو وحده هو الذي يكفُل إصلاح التعليم الثانوي وإقامة بناء الجامعة على أساس متين. أرى هذا وأدعو إليه، وأعتقد أن الوزير يُحسِن الإحسان كله إذا بدأ في العمل من فوره بحيث لا تمضي أسابيع حتى يكون في مصر ذلك الفني أو أولئك الفنيون، وحتى يُتاح البَدء في تنفيذ النظام الجديد للتعليم الثانوي منذ السنة المقبلة. ولست أريد أن أختم هذا الفصل دون أن أقدِّمَ إلى وزير المعارف أصدق التهنئة بهذا الفوز الذي انتهى إليه؛ فقد وُفِّق إلى ما كان يريد من ضم المدارس العليا كلها إلى وزارته، وقد بيَّنَّا نفع هذا وضرورته في غير هذا الفصل.

  • أمر ذو بال (حول تعليم اللغات القديمة في مصر)

    حديث الأربعاء: أمر ذو بال (حول تعليم اللغات القديمة في مصر)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٢ سبتمبر ١٩٢٣

    لا أريد الآن أن أكتب في هذا الموضوع مقترحًا، فالموضوع كما سنراه أجلُّ خطرًا وأشدُّ تعقدًا
    من أن يكتب فيه كاتب واحد، أو يستقل بالاقتراح فيه باحثٌ واحدٌ. وإنما هو في حاجة إلى أن يتطلع
    الكتَّاب والباحثون على درسه والتفكير فيه، والبحث عما يلائم منفعة مصر فيه من حل. ولقد كنت أظن
    أن مثل هذا الموضوع خليقٌ أن يخطر ببال وزارة المعارف، فتدرسه درسًا منظمًا؛ نسأل الناس رأيهم
    فيه استعدادًا لما سنضع للتعليم من نظام جديد. ولكني أرى وزارة المعارف معرضة عن مثل هذه
    المباحث، أو هي تستقبلها على نحو غير الذي ينبغي أن تستقبل به المباحثُ ذات الخطر. ذلك لما قلته
    لك غير مرة من أن وزارة المعارف ليست لها سياسة معينة بينة في التعليم، وإنما هي تنهج في
    سياستها التعليمية منهج المصادمة — إن كان للمصادمة منهج — أو منهج التضييق الدنلوبي القديم
    الذي لم يبقَ بدٌّ من العدول عنه الآن.

    وأنا أريد أن أكتفي في هذه الكلمة بعرض المسألة وبسطها، وأن أرجو من الكتَّاب الذين يعنيهم
    مثل هذا الموضوع، ويستطيعون أن يكوِّنوا لأنفسهم رأيًا فيه أن يدرسوه درسًا دقيقًا، ويعرضوا على
    الناس نتيجة هذا الدرس.

    لهذا الموضوع خطرٌ في مصر، ليس له في غيرها من البلاد؛ ذلك لأن مصر، أو قل: لأن الحياة
    العلمية والتاريخية والسياسية في مصر، متصلة بطوائف ثلاث من طوائف الحضارة. فليس لمصر بدٌّ من
    أن تفهم هذه الحضارات فهمًا صحيحًا، ومن أن تتصل بها اتصالًا قويًّا.

    مصر متصلة بحضارة الفراعنة، ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال أو أقيم الدليل عليه. وهي
    متصلة بحضارة العرب، ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال أيضًا. وهي متصلة بحضارة أوروبا،
    ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال، كما أني لست في حاجة إلى أن أصف اتصالها بالحضارتين
    السابقتين. وإذن، فحياة مصر القومية تضطرها إلى أن يشتد اتصالها بحضارة الفراعنة؛ أي إلى أن
    نفهم هذه الحضارة دون ترجمان، أي إلى أن نفهم اللغة الهيروغليفية واللغة القبطية. وما أحسب أن
    أحدًا ينازع في مثل هذه النظرية، وربما خشيت إسراف الناس في إكبار هذه النظرية؛ لأن الناس
    جميعًا مقتنعون باشتداد الحاجة إلى درس هاتين اللغتين. وحياة مصر القومية تضطرها إلى أن نتصل
    بالحضارة العربية اتصالًا متينًا؛ أي إلى أن نحسن فهم اللغة العربية وكتابتها وتكلمها. وليس هذا
    الأمر من اليسر بحيث تظن، فقد نعرض في يوم من الأيام لإثبات أننا لا نفهم العربية ولا نحسن
    كتابتها ولا تكلمها. ولكن الأمر لا يقف عند درس اللغة العربية وحدها، فإن اللغة العربية وحدها
    لا تفهم حقًّا، ولا بدَّ من أن تدرس معها لغات أخرى يتوقف عليها فهمها، لا بدَّ من أن ندرس معها
    اللغات السامية. وإذن، فهذه طائفة أخرى من اللغات ليست أيسر من الطائفة الأولى درسًا، وليست
    حاجتنا إلى درسها أقل من حاجتنا إلى درس الطائفة الأولى، بل أزعم أنها أشد، وأشد جدًّا. فاللغة
    العربية هي لغتنا القومية بالفعل.

    وحياة مصر القومية ومستقبلها ورقيها، كل ذلك يضطرها إلى أن تتصل بالحضارة الأوروبية؛ أي إلى
    أن تقيم لغات أوروبا. وليس فهم لغات أوروبا وحضارتها مقصورًا على فهم الإنجليزية والفرنسية
    والألمانية، وما إليها من اللغات الأوروبية. بل لا بدَّ مع ذلك من درس اللغات أو اللغتين
    القديمتين، والحضارات أو الحضارتين القديمتين اللتين ترجع إليها أوروبا وحضارتها الحديثة. أريد
    اللغة اللاتينية واليونانية والحضارة اللاتينية واليونانية. وإذن، فهذه طائفة ثالثة من اللغات
    القديمة تضطرنا إلى درسها حياتنا القومية نفسها إذا كنَّا نريد أن نكون أصليين في الحضارة
    الحديثة، نصطنعها عن فهم وبصيرة لا مقلدين ولا متكلفين.

    هذه هي الطوائف الثلاث التي لا بدَّ لنا من أن ندرسها من طوائف اللغات. ومن الواضح أن من
    المستحيل أن يدرس المصري مهما يكن نابهًا، ومهما يكن ذكيًّا هذه اللغات جميعًا. وأن من السخف أن
    يطلب إلى كل مصري متعلم تعليمًا عاليًا أو ثانويًّا درس هذه اللغات جميعًا. ولكن من الواضح
    أيضًا أن من الحمق وسوء الرأي والخطر على الحياة القومية أن يهمل المصريون جميعًا هذه اللغات
    كلها أو بعضها، فلا بدَّ إذن من أن يكون فينا قوم يحسنون العربية واللغات السامية، وآخرون
    يحسنون اليونانية واللاتينية.

    لا بدَّ من أن توضع في مصر سياسة تعليمية تكفل توزيع هذه اللغات — إن صح هذا التعبير — على
    المصريين المتعلمين، بحيث يستطيع هؤلاء المصريون المتعلمين بحكم التعاون الاجتماعي العلمي أن
    يمدَّ بعضهم بعضًا، ويكملَ بعضهم نقص بعض. فما عسى أن تكون هذه السياسة التعليمية، وما عسى أن
    تكون الطريقة التي يمكن اتخاذها لدرس هذه اللغات وتعميم هذا الدرس على القدر المستطاع؟

    لا ينبغي أن يعتمد في ذلك على المدارس العالية وحدها، فإن المدارس العالية لا تنشأ لدرس
    اللغات، وإنما تنشأ للتخصص في هذه اللغات. وأعترف بأني لا أتصور طالبًا قد نال الشهادة
    الثانوية، ثم أخذ يدرس مبادئ اللاتينية أو اليونانية في مدرسة عالية؛ لأن ذلك على صعوبته ليس
    عظيم الفائدة، فهو يضطر الطالب أن يضيع وقته في درس مبادئ اللغة حين كان يجب أن ينفق هذا الوقت
    في درس آداب هذه اللغة وما اشتملت عليه من آيات البيان.

    ولا ينبغي أن يُعتمد في درس هذه اللغات على مدارس خاصة تنشأ له، فإن هذه المدارس الخاصة
    بطبيعتها لن يقصد إليها إلَّا عدد قليل من الطلاب، ذلك بحكم أنها مدارس خاصة، وبحكم أن شهادتها
    لن تكون ذات قيمة مالية تحمل على الرغبة فيها أو التهالك عليها.

    ولا ينبغي أن يعتمد في درس هذه اللغات على المدارس الأولية، فحسب الطفل أن يحسن الكتابة
    والقراءة باللغة العربية، وما إلى ذلك مما يدرس في المدارس الأولية. وإذن، فلم يبقَ أمامك إلا
    المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية. ولكن أخذ الدرس في هاتين المدرستين محدود، وهو أضيق من
    أن يسع درس هذه اللغات كلها أو بعضها مع ما يجب أن يدرس في هذه المدارس من المواد العلمية
    والأدبية والعملية الأخرى التي لا يمكن أن يُستغنى عنها في هذا النوع من التعليم. وإذن، فقد
    وصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أن المدرسة الابتدائية والثانوية هما اللتان تستطيعان أن تدرسا هذه
    اللغات، وأن الوقت في هذه المدارس أضيق من هذا الدرس. فلا بدَّ إذن من التقسيم، ولا بدَّ إذن من
    التوزيع. فكيف يكون هذا التقسيم وكيف يكون هذا التوزيع؟

    هذه هي المسألة ذات الخطر التي أودُّ لو عُنيَ بها المفكرون، والذين لهم رأي في مثل هذه
    المسائل التعليمية. وأعتقد أنها أجلُّ خطرًا وأشدُّ نفعًا من كثيرٍ جدًّا من هذه المسائل التي
    يتكلف خوض غمارها الكتَّاب والمفكرون في هذه الأيام.

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات

    في وزارة المعارف: مدرسة اللغات

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٦ يوليو ١٩٢٣

    يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به. يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتَّاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها، وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها. تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.

    أقرأت ما نشرته «المقطم» حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف، وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء «المقطم» يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وُزِّع توزيعًا حسنًا، فأصاب من ليس لهم في التعليم حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك؟! بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًّا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك شأن بعض العمد الأميين في عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر، فهي تشتري الثناء ولو كلَّفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جديًّا منتجًا، وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج.

    لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتُثني عليها، ووزارة المعارف تُبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتَّابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتَّاب الآخرين؛ ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق، والكتَّاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن، فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب، ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.

    تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتَّابها الرسميين بأسرارها ودخائلها، وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في «المقطم» تاريخ مدرسة اللغات، وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير، وما اتخذ من قرار في هذا الاجتماع. وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلَّا عن وحي … ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف، ولا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القرَّاء. نعتقد ذلك، ونريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ، وقرروا أن تدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف، وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية، والآخر في هذا الاجتماع الأخير.

    على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، وإنما تُضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يُهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة، شرُّها أكثر من خيرِها، وضرُّها أكبر من نفعِها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري، وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنَّا نحب ألَّا نعرض لها؛ لأنها لا تلائم الكرامة، ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مريت» و«مسبيرو» وأمثال «مريت» و«مسبيرو»، وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت — أو يريد أبواقها أن يثبتوا — أن كمال باشا قد نفع وأفاد، فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيءٍ، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال. وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم، فعلَّمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.

    نعم، نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.

    نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر، وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد. ولكن مضيها هذا لن يغير في الأمر شيئًا، ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية، فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد، ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين، كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بدُّ من النقص في العناية. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية، ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون، وما أحدثت من ضجة. كلا، إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف، وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها، وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر، ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًّا وإنما هو مصري مثلك ومثلي؛ هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط، ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب، وعنيَ بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله، وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية، وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية؟! وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط، مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلِّف وزارة المعارف عُشْر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار، وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة، وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور؛ فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها. واستغلال عواطف الجمهور؛ لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة، ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة محققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن، فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري، فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكْفَاءُ من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة، والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسِّن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية، وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر، فإن ذلك ضربٌ من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.

    ثم نعود فنلفتك — يا معالي الوزير — إلى أنك تريد أن تبني بناءً، فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب، وَكِلْ أمرها إلى الأخصائيين، ثم كلِّف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًّا، وإذن توفق حقًّا إلى صواب.