Tag: Egypt

  • عزة

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

  • استقالة

    استقالة
    لم يقدمها رئيس الوزراء، وما ينبغي لرئيس الوزراء أن يقدمها، فصحته — والحمد لله — موفورة، والشفاء مقبل عليه — والحمد لله — في خطى واسعة سراع. وما ينبغي لرئيس الوزراء أن يقدمها حتى ولو كانت صحته من الضعف والوهن بحيث لا تسمح له أن ينهض بهذه الأعباء الثقال التي يسمونها أعباء الحكم. فاسم رئيس الوزراء يغني عن صحته، واسم رئيس الوزراء خليق أن ينهض الوزراء بأثقال الحكم، فيتحملوا جهده، ويصرفوا أموره كأحسن ما يُحتمل الجهد وتُصرف الأمور!!
    فاسم رئيس الوزراء قوة تُدك لها الجبال، وتُزلزل له الأرض. وفي اسم رئيس الوزراء بركة يستحيل لها الجدب خصبًا، وتصبح بها الأزمة ثروة، ويصير بها الشقاء والبؤس سعادة ونعيمًا. وإذا اجتمعت للوزارة من أسباب الحياة والبركة في اسم رئيس الوزراء، فقد اجتمعت للوزارة من أسباب الحياة وطول البقاء أمتنها وأقواها. وإذن فليس رئيس الوزراء هو الذي قدم الاستقالة، لأنه ليس في حاجة إلى تقديمها، ولأنه واثق كل الثقة، ونحن واثقون معه كل الثقة، بأنه سينفع مصر صحيحًا وعليلًا، وسيخدم مصر قريبًا وبعيدًا، وسينقذ مصر مشتركًا في الحكم بالفعل وغير مشترك فيه. ولو قد أزمع رئيس الوزراء أن يرفع استقالته إلى جلالة الملك لأنه مريض عليل، أو لأنه ناءٍ بعيد، لسعت مصر كلها سعيًا تلح عليه وتتوسل إليه في أن يمسك استقالته أو يستردها. فمصر حريصة على رئيس الوزراء، ومصر مشغوفة برئيس الوزراء! تحبه حب الأم الشفيقة البرّة لابنها الوفيّ الوحيد! مصر قد ذاقت من ألوان السعادة والنعيم في عهد رئيس الوزراء ما تستعذبه وتستلذه، وتحرص كل الحرص على أن يدوم ويتصل. وهل ذاقت مصر لذة الحرية قبل رئيس الوزراء؟! وهل استمتعت مصر بالعزة والكرامة قبل رئيس الوزراء؟! وهل عرفت مصر الرخاء والثروة قبل رئيس الوزراء؟ وهل شكت مصر من كثرة المال حتى كادت تكتظ به قبل رئيس الوزراء؟ فكيف تريد أن تفرط مصر في رئيس الوزراء؟ أو أن تسمح مصر لرئيس الوزراء بأن يستقيل؟ كلا، لن يستقيل رئيس الوزراء، ولن تأذن مصر في ذلك! ولن تشك في أن رئيس الوزراء إن قدم استقالته أو أوهم بتقديمها فلن يفعل ذلك إلا مكرهًا عليه، مضطرًا إليه من هؤلاء الإنجليز الذين لا يحبون مصر، ولا يحبون لها الخير، والذين يظهرون التأييد لرئيس الوزراء، ويسرّون الكيد له والجد في تأييد الوفديين!! ولا بد لمصر من أن ترد إلى الإنجليز كيدهم، وتصرف عن نفسها شرهم، وتحوط رئيس وزرائها بالنفوس والقلوب، وتألى على الإنجليز إكراههم إياه على أن يستقيل. فذلك ليس من شؤون الإنجليز، وإنما هو من شؤون مصر وحدها. وقد ضرب رئيس الوزراء لمصر في العزة والكرامة، وفي الأنفة والإباء مثلًا لن تنساه، يوم أفحم المستر مكدونالد ووقفه عند حده، حين أراد أن يعرض لشؤون مصر الخارجية. وقد انتفعت مصر بهذا المثل، واستفادت مصر من هذا الدرس، فستقول للإنجليز يوم يريدون رئيس وزرائها على الاستقالة: مكانكم، لا تتقدموا، بل تأخروا. وإن شئتم فلن تسمح لكم مصر القوية العزيزة أن تمسوا بسوء رئيس وزرائها القوي العزيز!
    لم يقدم رئيس الوزراء إذن هذه الاستقالة التي عنونا بها هذا الحديث، وإنما قدمها رجل آخر ليس له خطر رئيس الوزراء، ولا يمكن أن يكون له خطر رئيس الوزراء، وإنما هو رجل كغيره من الناس، لا يشارك رئيس الوزراء إلا في شيئين: في الوزارة، وفي المرض.
    فهو وزير الخارجية كما أن رئيس الوزراء وزير المالية، وهو مريض كما أن رئيس الوزراء مريض، ولكن الحوادث أظهرت أن رئيس الوزراء قد أخطأ، وأي الناس لا يخطئ؟ وهل أكثر خطأ من عظماء الرجال حين اختار نخلة باشا المطيعي ليكون له زميلًا في الوزارة وشريكًا في الحكم؟ أخطأ لأن وزير الخارجية لم يكد يصيبه المرض حتى استقال أو تحدث في الاستقالة. وقد تقدم إليه من تقدم في أن الاستقالة لا تليق بوزراء هذا العهد لأنها ضعف في النفوس وخور في الطبيعة. فقبل النصيحة وعدل عن حديث الاستقالة، ثم طال عليه المرض بعض الشيء فعاد إلى هذا الحديث، وعاد ناصحوه يذكرونه بأن الاستقالة آفة قد برئ منها وزراء هذا العهد السعيد. فسكت الرجل على مضض، ثم طال عليه المرض فاضطر إلى أن يخرج من الصمت ويذكر الاستقالة من جديد. وأظهرت التجارب أن النصح لا ينفعه، وأن الموعظة لا تعني عنده شيئًا، وأنه لم يكن من الرجال الذين يصلحون لهذا العهد، وإنما هو من رجال العهد القديم الذي كان يستقيل فيه الوزراء إذ مرضوا وألم بهم من العلة زائر ثقيل.
    وقوم آخرون فيهم مكر وفيهم شدة حتى في الدعاية، يزعمون أن وزير الخارجية لم يستقل أول الأمر، وإنما أثبت أنه من رجال هذا العهد، وأنه قادر كرئيس الوزراء على أن يجمع المرض والحكم في غمد، لكنه أراد أن يسافر ليستشفي كما سافر رئيس الوزراء ليستشفي، واستأذن في ذلك فلم يؤذن له، فغضب لكرامته وغضب لصحته واستقال. وإذ كان هذا النبأ صحيحًا فهو دليل أيضًا على أن وزير الخارجية لم يكن من رجال هذا العهد، وإنما هو من رجال العهد القديم الذين كانوا يغضبون إذ استأذنوا فلم يؤذن لهم، أو طلبوا شيئًا فلم يجابوا إليه، والذين كانوا يستقيلون إذ أبى عليهم رئيس الوزراء بالأصالة فضلًا عن رئيسهم بالنيابة بعض ما كانوا يطلبون.
    أثبت وزير الخارجية أنه من تلك الدقة القديمة التي تمرض فتستقيل، وأي خطر تتعرض له مصر لو أن جميع الوزراء كانوا من تلك الدقة القديمة يستقيلون للمرض ويستقيلون للغضب! ومع ذلك فقد خلت المثلات من قبل وزير الخارجية، وكان عليه أن يستفيد من وزراء قبله غضبوا وألح عليهم الغضب فلم يستقيلوا، وإنما ثبتوا في أماكنهم حتى استقال رئيس الوزراء نفسه فأخرجهم من الحكم، وهم يعلمون أو لا يعلمون. ثم ألّف وزارته الثانية فلم يردهم إلى الحكم وهم يريدون أو لا يريدون.
    والغريب أن وزير الخارجية غير موفق حتى في مرضه، فهو مشارك في هذا المرض لرئيس الوزراء، ولكنه أراد أن يمضي بهذه الشركة إلى أبعد حدودها، فظن أنه يستطيع هو أيضًا أن يسافر إلى أوروبا كرئيس الوزراء، وأن الذي يؤذن فيه للوزراء إنما هو الراحة إذ تعبوا وهم أصحاء، كما يستريح وزير التقاليد بعد أيام لأنه متعب لا لأنه مريض. وعلى كل حال فقد كان مرور نخلة باشا المطيعي بالوزارة درسًا إن لم ينفعه هو فقد ينفع زملاءه، وقد ينفع الوزير الذي سيخلفه على وزارة الخارجية.
    وخلاصة هذا الدرس أن الوزير الذي يفكر في أن يقيس نفسه برئيس الوزراء لا يصلح للوزارة، وإنما الوزير الذي يصلح للوزارة حقًا هو الذي يضعه رئيس الوزراء على كرسيه فلا يبرحه حتى يدفعه عنه رئيس الوزراء دفعًا! والوزير الذي يصلح للوزارة هو الذي يعرف أن للناس مقامات، وأن مقام الوزير رفيع بالقياس إلى موظفيه، ولكنه على كل حال لا ينبغي أن يرقى إلى ما فوق ذلك أو أن يسامي مقام رئيس الوزراء.
    فلعل المصريين أن يشاركوا الوزراء والمستوزرين في الانتفاع بهذا الدرس السياسي القيم الذي تلقيه عليهم ظروفنا السعيدة في هذا العهد السعيد.
    كوكب الشرق في ٩ – ٧ – ١٩٣٣.

  • عجز

    عجز
    لو أنه ظهر على أي وزارة من الوزارات في أي بلد من البلاد الحرة لما استطاعت أن تبقى ولا أن تسيطر على تصريف الأمور، ولكنه في مصر سبب من الأسباب التي تمد حياة الوزارة القائمة، وتطيل بقاءها. ولعله أن يكون السبب الأول لما تستمتع به الوزارة من حياة متصلة، وبقاء طويل. فلو قد كان لهذه الوزارة حظ من قوة أو نصيب من قدرة أو استعداد للحزم ومضاء العزم ومقاومة الأجنبي والذود الصحيح عن المنافع المصرية لضاق بها مؤيدوها من الإنجليز وأصدقاؤها من الأجانب ولتألب عليها أولئك وهؤلاء، ولخلقوا لها المصاعب وبثوا أمامها العقاب، واضطروها إلى أن تستقيل. ولكنهم – والحمد لله على الخير والشر – راضون عنها كل الرضا، مغتبطون بها كل الاغتباط. فمن الطبيعي أن يحرصوا عليها كل الحرص، وأن يحوطوها بالعناية والرعاية ويقرأوا عليها العزائم ويهيئوا لها التمائم كلما اشتد بها الضعف أو تعرضت لخطر السقوط. وماذا يكرهون من وزارة نهضت فيما يقال لحماية مصر وتحقيق منافعها، والذود عن مرافقها بإزاء الأجانب قبل كل إنسان فلم تستطع أن تحتفظ لها من دون الأجانب بشيء، ولم تستطع أن ترد عنها عادية ولا أن تصرف عنها مطمعا. وإنما حققت للأجانب وما زالت تحقق لهم ما أرادوا وعجزت كل العجز عن أن تحقق لمصر مصلحة ما عند الأجانب هؤلاء.
    دارت وأطالت الدوران حول وزارة الخارجية البريطانية لتظفر بالمفاوضة فلم تجد إلا ردا كان رفيقا أول الأمر، ثم أخذ يشتد شيئا فشيئا حتى انتهى إلى العنف وأصبح أشبه شيء بإغلاق الأبواب في الوجوه. وثارت بعض المسائل بينها وبين الإنجليز فلم تستطع فيها إلا التسليم المطلق، والإذعان الذي لا حظ فيه لمقاومة أو ثبات. وثارت بعض المسائل بينها وبين غير الإنجليز من الأجانب فلم يكن موقفها منهم خيرا من موقفها من الإنجليز، وهي مع ذلك فيما تزعم وزارة العزة والكرامة، ووزارة الإباء والاستقلال. وإن المصريين ليشهدون موقفها من مسألة الدين منذ ثارت فيستحون لها ويستحون لأنفسهم من هذا الضعف الذي لا يليق بوزارة تشعر لنفسها بشيء من الكرامة في هذا العصر الحديث.
    أعلنت منذ ثارت مسألة الدين أنها لن تؤدي إلا ورقا، وكان من الحق عليها لنفسها ولمنفعة البلاد التي جعلت الظروف أمرها إليها أن تتبع هذا القول بالعمل، وأن تجعل الأداء بالورق أمرا واقعا لا يحتمل جدالا ولا نزاعا. ولكنها لم تصنع شيئا وما كان لها أن تصنع شيئا وليس لها حظ من قوة ولا نصيب من قدرة على المقاومة والثبات للأجنبي.
    لم تصنع شيئا – نستغفر الله – بل صنعت ما يجعل إعلانها عبثا من العبث، وكلامها لغوا، لا يخيف ولا يفيد. قبلت الخصومة أمام المحاكم المختلطة وهي تعلم حق العلم، وتصيح ما وسعها الصياح أن هذه المسألة لا تصلح موضوعا للخصومة أمام المحاكم ولكنها على ذلك قبلت هذه الخصومة ومضت فيها. والغريب أنها مضت في هذه الخصومة ومضت في الوقت نفسه في مفاوضات سياسية فأتاحت للدول أن تقول لها: لم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ثم قضت عليها المحاكم فمضت في الخصومة واستأنفت ومضت أثناء ذلك في المفاوضات وأتاحت للدول أن تقول لها مرة أخرى ولم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ولا سيما وقد ظهر الحكم الابتدائي مؤيدا لرأينا مغنيا لنا على ما نريد.
    كذلك أوحت إليها الكفاية الخارقة والمهارة البالغة والبراعة الفائقة في تصريف أمور السياسة والمال جميعا أن تقول ولا تفعل، وأن تعد ولا تفي، وأن تخاصم أمام القضاء وتزعم أنها لن تنفذ أحكام القضاء، وأن تذهب إلى المحكمة وتذهب في الوقت نفسه إلى وزارات الخارجية. مواقف أقل ما توصف به أنها متناقضة مضطربة لم تصدر عن خطة مستقيمة واضحة وإنما صدرت عن حيرة وتردد وعجز.
    وهذه المفاوضات لقد طالت ويظهر أنها ستطول وستسرف في الطول. بدئت في مصر واستمرت في أوروبا حين سافر رئيس الوزراء في العام الماضي للرياضة والراحة، ثم اتصلت في مصر، ثم استمرت في أوروبا حين وفد كبير المستشارين الملكيين إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، ثم اتصلت في مصر واستمرت في باريس حين سافر مدير البنك العقاري إليها ثم اتصلت في باريس حين ذهب رئيس وزرائنا ليستشفى ويستريح، ثم استؤنفت في لندن والله يعلم متى تنتهي وإلى أي نتيجة تنتهي، ولكن الشيء الذي لا يقبل شكا ولا جدالا هو أنها لن تنتهي إلى ما يحقق المنفعة المصرية أو يحفظ الكرامة المصرية. فإن المفاوضة في هذه المسألة معناها المساومة، معناها الأخذ والعطاء، معناها أن تنزل مصر عن بعض حقها وينزل الأجانب عن بعض ما يزعمون لأنفسهم من حق فيلتقي المختصمون في وسط الطريق، وقد كان يجب ألا تنزل لهم عن شيء.
    كان يجب ذلك لو أن في مصر وزارة قوية قادرة على أن تقول فتعمل وتعد فتفي، وتريد فتنفذ ما تريد. ولكن في مصر – والحمد لله على الخير والشر – وزارة قوية مسرفة في القوة بالقياس إلى المصريين، ضعيفة مسرفة في الضعف أمام الأجانب. ولذلك لا تريد هذه الوزارة من المصريين شيئا إلا جدت في تنفيذه، وأنفقت من الجهد ما يطاق وما لا يطاق، وانتهت أحيانا إلى أن تثير الضحك والابتسام. فإذا أرادت من الأجانب شيئا فسل عن اللين والرفق، وسل عن الظرف واللطف، وسل عن الخفة والمجاملة، ثم سل بعد ذلك عن الإذعان والتسليم.
    ولو أن وزارتنا اصطنعت مع المصريين بعض ما تصطنع مع الأجانب من الظرف والمجاملة لهان احتمالها بعض الشيء ولكن أنى لها ذلك، وهي إن فعلته عرضت نفسها للفشل وخطر الاستقالة. لو أنها صبرت وصابرت في أمر جبل الأولياء، لو أنها تمهلت واصطنعت الأناة في أمر بحيرة تانا، لو أنها فكرت وتروت في غير هذين الأمرين من أمور الشركات، لو أنها تريثت في أمر التعليم لأمكن احتمالها بعض الشيء ولكنها متعجلة شديدة التعجل حين تطلب إلى المصريين شيئا وهذا معقول فليس للمصريين من القوة والبأس مثل ما للأجانب وليس المصريون قادرين قدرة الأجانب على إحراج الوزارة واضطرارها إلى ترك الحكم. فمن الحق على الوزارة أن تحاسن الأجانب وتخاشن المصريين. والإنصاف يقضي بأن نسجل لها أنها قد بلغت من ذلك أقصى ما تريد، وظفرت للأجانب من المصريين بكل شيء، ولم تظفر للمصريين من الأجانب بشيء. وستنتهي مسألة الدين هذه إن مدت للوزارة أسباب الحياة إلى ما لا يحب المصريون. وستؤدي مصر ذهبا أو ستؤدي مصر ورقا بشرط أن ترفع الفوائد ويعوض على الأجانب بعض ما يخسرون من العدول عن الذهب في الأداء.
    وليس للمصريين أن يقولوا شيئا ولا أن ينكروا شيئا فقد أنعم الله – عز وجل – عليهم بأعظم الوزارات حظا من القوة والكفاية وأوفرها نصيبا من الرفق بهم والعطف عليهم والرعاية لمصالحهم. فمن قال غير هذا فقد ألغى عقله وتعلق بالأماني والآمال.
    وأي غرابة في هذا؟ أليس من الواجب على المصريين أن يؤمنوا بأن لهم وزارة تدبر أمورهم وتشرف على منافعهم وإن كان رئيسها عاجزا عن تصريف الأمور وتدبيرها منذ أشهر طوال، وسيظل عاجزا عن تصريف الأمور أشهرا أخرى، وهو يستشفى في القاهرة، ويستشفى في فرنسا، ويستشفى في سويسرا دون أن يجد أحد بذلك بأسا، لأن الأمور تجري هادئة مطمئنة، لا عوج فيها ولا اضطرابا. وإذا كان العجز السياسي المطلق لم يضطر رئيس وزرائنا إلى أن يستقيل، ولم يضطره العجز المادي إلى أن يستقيل؟ ومن يدري؟ لعل قوما يرون من الخير ألا تكون لمصر إلا وزارة صورية يختلف فيها الوزراء إلى الدواوين ويجلسون إلى المكاتب ولا يعملون شيئا. من يدري؟ لعل قوما يرون في هذا خيرا لأنه يقضي لهم المآرب ويحقق لهم المنافع ولا يكلفهم احتمال التبعات ولكن هذه التبعات قد تكون ثقيلة خطيرة في يوم من الأيام حين يفسد كل شيء ولا بد من أن يفسد كل شيء إذا حكمت مصر على هذا النحو الذي تحكم عليه الآن، وأهملت مرافقها على النحو الذي تهمل عليه الآن، وظل العجز السياسي والمادي قواما لحياة وزرائها كما هو الآن.
    يومئذ يفكر الذين يرضون عن حالنا الحاضرة فلا يجدون فائدة للتفكير. ويومئذ يقدرون فلا يجدون نفعا للتقدير. ويومئذ يلتمسون الإصلاح فلا يجدون إليه سبيلا. والله وحده قادر على أن يعصم مصر من أن تصل من السوء إلى هذه المنزلة فيلهم رئيس الوزراء، أو يلهم من ينصح لرئيس الوزراء بأن يستقيل قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه استقالة ولا إقالة.
    كوكب الشرق ٨ – ٧ – ١٩٣٣

  • إذن

    إذَن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣

  • عناء

    عناء
    عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة فيما تحاول من إزهاق الروح الوطني وإخماد هذه الجذوة التي كان يجب على كل وزارة أن تتعهدها وترعاها، وتحرص ما وسعها الحرص على ألا يزيدها مر الأيام إلا قوة واضطرابًا.
    عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة في إزهاق هذا الروح وإخماد هذه الجذوة، ولعل ثقله يزداد من حين إلى حين، ويشتد من يوم إلى يوم، ولعله أن يبلغ الازدياد والشدة أن ينوء بالوزارة كما ناء بغيرها من الوزارات، وأن يضطرها كما اضطر غيرها من الوزارات إلى الإذعان والتسليم. فقد حورب هذا الروح وحوربت هذه الجذوة وسلك الإنجليز وسلكت الوزارات المؤيدة للإنجليز في حربها كل طريق. واتخذ الإنجليز واتخذت الوزارات المؤيدة لهم إلى القضاء عليهما كل وسيلة، فلم يفلح الإنجليز ولم تفلح الوزارات التي أيدتهم، وظل هذا الروح قائمًا قويًا، تشتد أيده، ويعظم بأسه، وينبسط سلطانه، ويستأثر بالقلوب والنفوس كلما طال الكيد له، وكلما اشتدت الحرب عليه. وظلت هذه الجذوة مضطرمة تبعث لهبها الخالد إلى القلوب المريضة فيطهرها، وإلى النفوس الضعيفة فيقويها، وإلى الضمائر المرتابة فيمحو منها كل شك، ويزيل منها كل ريب. لو أن الوزارة القائمة اعتبرت بالحوادث واتعظت بما أصاب الوزارات من قبلها لما قامت، ولو أنها إذ أهملت الحوادث ولم تنتفع بما خلا قبلها من المثلات فنهضت بأعباء الحكم، عرفت كيف تبتكر من أساليب الحرب لهذا الروح الوطني، ووسائل الإخماد لهذه الجذوة الوطنية ما لم تسبق إليه، لكان من الممكن أن تريح نفسها من هذا العناء الثقيل الطويل الذي تلقاه، وتشقى به دون أن تستفيد منه خيرًا قليلًا ولا كثيرًا. ولكن الإنسان ضعيف وسلطان الغرور على النفوس عظيم، وعبث الآمال الكاذبة بالقلوب والعقول لا حد له، وحب الحكم والتسلط يغري وينسي ويصرف عن العبر والعظات.

    لقد نهضت هذه الوزارة منذ ثلاثة أعوام، قوية شديدة القوة، نشيطة موفورة النشاط. وقد تهيأ لها من البأس والسلطان ما لم يتهيأ لأحد من قبلها، ومد لها الأمل وطول البقاء ما لم يمد لأحد من قبلها، وأطلقت يدها في أمور هذا البلد كما لم تطلق يد أحد من قبلها. فإذا برلمان يصرف، ودستور يغير، ونظام جديد يقام، وبأس عظيم ينفق لتأييد هذا النظام، وطغيان يصطنع في غير تحرج ولا احتياط، لإكراه الناس على أن يذعنوا للوزارة القائمة ويؤمنوا لها. وإغراء لا حد له يسلط على النفوس، وتنتهز به الفرص، ويتلمس مواضع الحاجات من الناس، ويتعرف مواقع الضرورات من المأزومين. وإذا خروج على النظام الجديد نفسه، وتجاوز لقواعده وأصوله، وتضييق على الناس فيما وسع لهم فيه. يريدون أن ينتقلوا فإذا هم يكرهون على البقاء، ويريدون أن يتكلموا فإذا هم يكرهون على الصمت، يريدون أن يكتبوا فإذا أقلامهم تعقل وصحفهم تعطل. ويريدون أن يعيشوا فإذا عيشهم نفسه تؤخذ عليه السبل وتقام من دونه العقاب.
    كان كل هذا ليس له إلا غاية واحدة، وهي أن يتحول الناس عن هذا الروح الوطني الذي أحيا نفوسهم وقلوبهم، وجرى مع دمائهم وأصبح مقومًا لحياتهم. فلم توفق الوزارة إلى شيء مما أرادت، ولم تظفر الوزارة بشيء مما أحبت، ولم تستطع الوزارة أن تقنع أصدقاءها الإنجليز بأن الأمر قد تم لها ولهم، وبأن الرؤى قد طابت لها ولهم، وبأن سفينتها وسفينتهم تستطيع أن تجري بها وبهم على بحر هادئ مطمئن، بها وبهم يومًا ما، إلى ما تبتغي وما يبتغون من المفاوضات، وإمضاء المعاهدة التي يريدون أن يأخذوا بها مصر أخذًا، ويفرضوها على مصر فرضًا.
    نعم، ما زال الروح الوطني اليوم كما كان يوم نهضت الوزارة بأعباء الحكم. لم يمسسه ضعف ولم يصبه وهن، ولم ينقبض سلطانه، نستغفر الله، بل لقد اشتدت قوته، وازداد سلطانه انبساطًا، وظله امتداد. وآية ذلك أن الوزارة لم تستطع ولن تستطيع أن تغير أساليبها في الحكم، ولا أن تأخذ الناس بغير ما تعودت أن تأخذهم به من العنف، ولا أن تنفذ الدستور على وجهه، وتجري أحكامه في غير مخالفة لها، ولا خروج عليها. فما زال خصومها السياسيون يعاملون معاملات شاذة لا تلائم الحياة الهادئة في بلد هادئ، بيوتهم يطوف بها الجند، وأشخاصهم يبث من حولهم الأرصاد والعيون، وانتقالهم يخفق له قلب الوزارة وتضطرب له نفسها، ويختل له حسابها. وكلامهم ممنوع، واتصالهم بالناس أمر يجب أن تأخذ عليه الوزارة كل سبيل. ماذا؟ بل إن الوزارة لا تتحرج، لا نقول من مخالفة القانون والنظام، بل من مخالفة المألوف، والتورط فيما يضحك ويدعو إلى هز الرءوس ورفع الأكتاف. فمن خطف في القطار السريع، إلى تسليح للقطر، وتعبئة للجند، وتسوير للمدن، واحتفار للخنادق، ونصب للمتاريس، إلى ما شئت مما تتخذه البلاد الجادة حين تتعرض الأوطان للخطر الداهم يأتيها من الخارج أو يصيبها من ثورة داخلية مهلكة.
    ومصر – والحمد لله – آمنة، لا يغير عليها عدو أجنبي، ولا تشب فيها حرب أهلية. ولكن وزارتها قامت على أن تزهق هذا الروح الوطني، فهي تتخذ هذا الروح عدوًا تنصب له الحرب، وتعبئ له الجند، وتدبر له ألوان الكيد، ولا توفق مما تريد إلى شيء، لأن الروح الوطني لا يحارب بالعدد والعدة، ولا يقاوم بالبأس والسلاح، ولا يؤخذ بالإغواء والإغراء، وإنما الوزارة الحازمة الموفقة هي التي تجاريه ولا تقاومه، وتؤيده ولا تحاربه، وتقويه ولا تحاول له إضعافًا ولا إخمادًا.
    لقد جرب رئيس الوزراء، حين كان وزيرًا للداخلية، نصب الحرب لهذا الروح الوطني، فلم تغن عنه كفايته وبراعته وبأسه شيئًا، بل قوي هذا الروح الوطني، وضعف رئيس الوزراء، وما زال الروح الوطني يقوى، ورئيس الوزراء يضعف، حتى انتهى أمر رئيس الوزراء إلى المرض فلزم الفراش، وأقام على هذه الحرب وزيرًا آخر، وكانت أنباء الصراع بين الوزير الجديد وهذا الروح الوطني تلقى إلى رئيس الوزراء في سرير مرضه، فلا ترد إليه قوته ولا تدنيه من الشفاء. وما زال الروح الوطني يقوى، ومقاومة الوزارة له تضعف، حتى مضى رئيس الوزراء إلى أوروبا ليستريح ويستشفي، وبقي وزير الداخلية الجديد في مصر على حرب هذا الروح، يبذل من الجهد ما كان يبذله صاحبه، وينفق من الحيلة ما كان ينفقه صاحبه، ويحتمل من العناء ما كان يحتمله صاحبه. والله وحده قادر على ألا يلقي وزير الداخلية من الأعباء في هذه الحرب مثل ما لقيه صاحبه. والله وحده قادر على أن يلهم الوزارة التسليم للروح الوطني، والانصراف عن حربه والكيد له، قبل أن ينتهي الجهد بوزير الداخلية الجديد إلى مثل ما انتهى إليه وزير الداخلية القديم، فإن قوة الأمم لا تغلب، وليس إلى قهرها من سبيل. وإن الروح الوطني يُفني الناس ويعجز عن إفنائه الناس. ذلك بأنه لا يقوم على منفعة عاجلة، ولا على أمل كاذب، ولا على حب للجاه، ولا على كلف بالسلطان، بل لا يقوم على حب للحياة، وإنما يقوم على إيمان خالص قوامه الصبر والاحتمال والتضحية.
    لقد أنفق وزير الداخلية جهدًا عظيمًا يوم السبت ويوم الأحد، فزج بالناس من أهل الإسكندرية في السجن، لا لشيء إلا لأنه أشفق على هؤلاء الناس أن يلقوا رئيس الوفد وصاحبه حين يذهبان إلى الإسكندرية، وحشد ما استطاع حشده من قوة الدولة وجنودها في هذا الثغر الذي كان أمينًا سلمًا، فأصبح مخوفًا حربًا. ولكن وزير الداخلية لم يظفر بشيء، ولم ينتهِ إلى شيء، فوصل رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية، واستقبلهما الشعب، وأي شعب! ومتى استطاع الوزراء أن يسجنوا شعبًا كاملًا؟ هنالك وقف الجند يراقبون، ومضى الجند يطاردون، وعملت عصي الجنود وسياطهم في الأجسام، ولكن وزير الداخلية رغم هذا كله لم يصنع شيئًا ولم يمنع شيئًا. فقد دخل رئيس الوفد الإسكندرية، ولقي رئيس الوفد أهل الإسكندرية، وتحدث رئيس الوفد بعد ذلك في الناس جميعًا، وخيل إلى وزير الداخلية وزملائه بعد ذلك أن الصراع قد انتهى، وأن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن الله قد كتب لهم النصر، وضمن لهم الفوز، لأن حدثًا منكرًا لم يحدث، ولأن الأمن والنظام لم يتعرضا لخطر، ولم يلحقهما أذى.
    ومن الذي كان يريد أن يحدث حدثًا منكرًا، أو أن يفسد الأمن والنظام؟ إنما هي أوهام وأحلام تخيف قومًا يخافون من كل شيء، وتفزع قومًا يفزعون من كل شيء.
    لقد ترك الوزراء جميعًا مدينة الإسكندرية إلا وزير التقاليد. أقلوا هم إلى القاهرة ليحتفلوا فيها بالمولد النبوي، وكأنهم تركوا وزير التقاليد في الإسكندرية لينبئهم بما سيكون. وإن عند وزير التقاليد لأنباء سيقصها على زملائه الوزراء، أنباء هذا اللقاء الذي كان بين الشعب وزعيمه أمس أثناء الاحتفال بالمولد في ثغر الإسكندرية. لقد همت الشرطة أن تمنع هذا اللقاء، وجدّت في ذلك، وحشدت له، ولكنها لم تمنع شيئًا، ولم توفق إلى شيء. وتستطيع أن تقرأ أنباء هذا اللقاء في غير هذا المكان، فسترى أنه كان أروع وأبدع مما كانت تقدر الوزارة، ومما كانت تقدر الشرطة. وسترى مع ذلك أن الأمن لم يضطرب، وأن النظام لم يتعرض لخطر، وأن الوزارة مسؤولة حقًا عن هذه الجهود التي تنفقها في غير حاجة إلى إنفاقها، وعن هذه الجنود التي تحشدها في غير حاجة إلى حشدها. فهو عناء ضائع، وتعب لا خير فيه، يكلف مالًا ويحمل مشقة، ويضحك الأجانب ويلهيهم. وهو لا يدفع شرًا، فليس في الأمر شر، ولا يرد خطرًا فليس في الأمر خطر، ولا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن كل هذه الجهود التي بذلت منذ أعوام قد ضاعت في غير طائل، كما ضاعت الجهود التي بذلت من قبل. وأن هذا الروح الوطني الذي يراد إزهاقه أو إضعافه لم يزهق ولم يضعف، وإنما قوي واشتد وعظم أمره، حتى أصبح لا يلقى ما ينصب له من الحرب إلا بالضحك والابتسام.
    ما أجدر الوزارة أن تريح نفسها وتريح الناس، وأن تذعن لقضاء الله فيها، وتكف عن هذا الجهد الضائع، وتلقي عن نفسها هذا العناء الطويل الثقيل، وتكتفي بتصريف الأمور حتى يأذن الله لها في أن تستقيل.
    كوكب الشرق ٥ – ٧ – ١٩٣٣

  • قوة

    قوة
    قوة بالغة تمثل عظمة الدولة وجلالها، وعز الدولة وإقبالها، ومجد الدولة واستقلالها في مدينة الإسكندرية حين انتهى إليها أمس رئيس الوفد وصاحبه، وضعف بالغ في بورسعيد يمثل حلم الدولة ورضا الدولة وامتثالها، وصبر الدولة واحتمالها إذ طغى المبشرون واحتال المحتالون، واعتدى المعتدون على الدين والأخلاق، وعلى الكرامة والأعراض.
    أما في الإسكندرية فيضرب الحصار حول المحطة ويحشر الجند والشرطة من داخل المحطة، ولا يؤذن للناس باستقبال زعيمهم إلا بمقدار. فإذا خرج رئيس الوفد وصاحبه من المحطة فحدث عن الجند والشرطة، وحدث عن القوة والبأس، وحدث عن العدد والعدة، وحدث عن أخذ الطرق واحتلال المواقع وصد الجماهير ورد المستقبلين، وحدث عن العصي والسياط، وحدث عما شئت مما يمثل البأس والسلطان والقوة التي لا تشبهها قوة، ولا تبلغ بالجنود مائة ولا مئات، ولا ترتفع بها إلى الألف ولكن ارفع بها إلى الآلاف. ولم يكن في الإسكندرية مع ذلك عدوان على دين ولا اقتراف ولا اجتراح لسيئة، ولا ارتكاب لمنكر، ولا خروج على أمن، ولا إفساد لنظام، وإنما كان زعيمان من زعماء مصر يقصدان إلى مدينة من مدن مصر فيستقبلهما فيها الناس من أهل مصر، ليس في الأمر أكثر من ذلك.
    وأما في بورسعيد فتظهر السياسة والكياسة، ويظهر الهدوء والأناة، ويظهر ضبط النفس وأخذها بالصبر والانتهاء بها من الاحتمال إلى أقصى ما يصل إليه الاحتمال أمام قوم من الأجانب أقبلوا علينا ضيوفاً فأحسنا لقاءهم، وأكرمنا ضيافتهم ومنحناهم الحماية ومنحناهم المعونة، ويسرنا لهم كل شيء، ومهدنا لهم كل سبيل فكافأونا أحسن مكافأة، وجزونا أجمل جزاء، وعمدوا إلى فتياتنا وفتياننا، وإلى رجالنا ونسائنا يغوونهم ويغرونهم ويفتنونهم في دينهم ويكرهونهم على الخروج منه والارتداد عنه إن دعت الحاجة إلى الإكراه.
    ونحس نحن ذلك ونألم له ونشكو نحن من ذلك ونضيق به، ونلجأ نحن في ذلك إلى حكومتنا القوية ذات الحد والجد، وذات العدد والعدة، وذات البأس والسلطان، وذات الحرص الشديد على الاحتفاظ بالكرامة، وحماية الأنفس والأموال وصيانة العقائد والأخلاق والأغراض، نلجأ نحن إلى حكومتنا هذه فنستعديها على ضيوفنا هؤلاء فلا تبلغها أصواتنا إلا بعد الجهد والمشقة ولا تحركها شكاتنا إلا بعد الإلحاح وطول العناء، فإذا بلغتها الأصوات وحركتها الشكوى أظهرت من الاقتصاد في الجهد والاحتفاظ بالرزانة والحلم ما يضرب به المثل وتحسن به القدوة لهذه الأمم الجامحة التي تسمى نفسها أمماً حرة مستقلة.
    هناك تطاول الحكومة وتماطل وتصبر الحكومة وتصابر، وتتكشف الحكومة عن فنون من الذكاء وألوان من سعة الحيلة، لا لتصد هؤلاء المبشرين عن عدوانهم، ولا لتردهم عن طغيانهم، فذلك شيء فوق طاقة المطيق، بل لتنقذ منهم ما يمكن إنقاذه من ديننا وكرامتنا وأخلاقنا وأعراضنا وحريتنا ولنخلص منهم من يمكن تخليصه من أبنائنا وبناتنا في هدوء كامل وسلم شامل ومجاملة موفورة وابتسام حلو جميل. ولا يقف أمر حكومتنا في الهدوء والدعة وفي حب السلم وفي مجاملة المبشرين وملاطفتهم عند هذا الحد فتدع مدارسهم ومعاهدهم قائمة مفتوحة الأبواب، مبسوطة الرحاب لمن يجرهم إليها الإغراء والإغواء، ولكنها تملي لهم وتمد لهم في أسباب العدوان والطغيان حتى يداوروها ويحاوروها وحتى يستأنفوا السعي في استرجاع بعض من أفلت منهم وخرج عن سلطانهم، وحتى يحاولوا تعطيل أحكام القضاء ويعطلوها وقتاً طويلاً أو قصيراً، لا يقف الأمر بحكومتنا عند هذا الحد ولكنه يتجاوزه إلى ما هو أدل على الاتساع وسعة الصدر ورجاحة الحلم، والحرص على مجاملة الأجانب والتلطف لهم، وعلى مصانعة الأجانب والرفق بهم. فقد كتب إلينا كاتب من بورسعيد ينبئنا بأن الحكومة تراقب نفسها بنفسها وتعطل أمرها بأمرها وتغل يدها بيدها. نعم كتب إلينا كاتب ينبئنا بأن الحكومة تأتي هذا في بورسعيد مبالغة في مجاملة الأجانب وغلواً في الاحتياط أن يصيبهم من الحكومة أذى أو ينالهم من الحكومة مكروه.
    زعموا أن وزارة الأوقاف وهي فيما نعلم وزارة من وزارات الحكومة أعدت خطبة منبرية في أمر المبشرين، وأذاعتها على أئمة المساجد لتلقى على المسلمين يوم الجمعة. وفي هذه الخطبة دعوة معتدلة إلى الله، ودعوة مسرفة إلى الحكومة، وتهوين لأمر المبشرين. قالوا: وانتهت الخطبة إلى بورسعيد ووقعت إلى إمام من أئمة المساجد، واستعد الرجل لإلقائها، واستعد المسلمون لاستماعها، ولكن يداً حكومية أخذت في عنف ما أرسلته يد حكومة أخرى، وامتدت يد وزارة الداخلية فأخذت ما أعطته يد وزارة الأوقاف. ولم يستطع الإمام الرسمي أن يلقي الخطبة الرسمية بأمر رسمي، فألقى خطبة ما وسعها الناس وتساءلوا وأكثروا من التساؤل وألحّوا فيه. فلما قُضيت الصلاة ومضى على قضائها وقت طويل رُدّت الخطبة إلى الإمام ليلقيها إن أراد بعد أن فات موعد إلقائها.
    قالوا: وكان الذي مثل وزارة الداخلية في الحجر على وزارة الأوقاف هو الحكمدار الإنجليزي لا المحافظ المصري. قالوا: وأكبر الظن أن هذا الحكمدار الإنجليزي متصل بوزارة الداخلية وبإدارة الأمن العام الأوروبية، ولعل اتصاله بها أن يكون أشد وأمتن من اتصاله بإدارة الأمن العام المصرية. قالوا: ومعنى ذلك أن إدارة الأمن العام الأوروبية هي التي راقبت مسجداً من مساجد المسلمين، وحجرت على إمام من أئمة المسلمين، وتدخلت في أمر من أمور المسلمين، وغُلّت يد وزارة هي أشد الوزارات اتصالاً بحياة المسلمين وشعائر الإسلام.
    قالوا هذا كله وكتبوا إلينا بهذا كله، وأشرنا إلى هذا كله يوم السبت، وسألنا الحكومة أن تكذبه أو تنفيه، فمضى مساء السبت وليله، ومضى نهار الأحد وليله، وانتصف يوم الاثنين ولم تقل الحكومة في ذلك حرفاً، ولم تنف الحكومة من ذلك شيئاً. إما لأن الوزارة كانت مشغولة برئيس الوفد وصاحبه ورحلتهما إلى الإسكندرية واحتشاد الناس لاستقبالهما فيها، وصرف الناس عن هذا الاحتشاد ومراقبتهم حين عجزت عن أن تصرفهم، ومراقبة رئيس الوفد وصاحبه فيما يأتيان من حركة وما يلقيان من خطب. وإما لأن الوزارة نفسها كانت متنقلة إلى الإسكندرية تبدأ عملها في العاصمة الثانية، فكان الوزراء مشغولين عن التبشير والمبشرين، وعن الأئمة والمصلين، وعن الخطباء والحكمدار، بالنظر في مكاتبهم وإصلاح أمرها وترتيب أثاثها ووضع مجالسهم من حيث يقبل الهواء أو يدبر، وبما يتبع ذلك من النظر في بيوتهم ومنازلهم من الفنادق وملاءمة هذا كله لحاجتهم وراحتهم. وأي غرابة في هذا؟ فحاجة الوزراء هي حاجة الدولة، وراحة الوزراء هي راحة الدولة. ومن المعقول أن يُشغل الوزراء ببعض أمور الدولة عن بعضها الآخر. وإما لأن الحكومة لا تجد ما تقول.
    والأنباء التي انتهت إلينا من بورسعيد صحيحة ليس إلى تكذيبها أو نفيها من سبيل. وهذا هو الذي نخافه، وهو الذي نتمنى على الله ألا يكون، فكثيراً جداً على وزارة الداخلية أن تغل يد وزارة الأوقاف إلى هذا الحد، وكان من اليسير، بل كان من اللازم، أن تتفق وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف على نص هذه الخطبة قبل أن تُذاع. وأكثر منه أن يكون الحكمدار الإنجليزي قد أتى هذا الأمر من عند نفسه، فراقب وزارة الأوقاف وغَلّ يداً من أيدي الدولة، وتدخل في أمر الدين والحكومة لا تعلم شيئاً من هذا ولا تسمع به. وأكثر من هذا وذاك أن تصح هذه الأنباء وتسكت عليها الحكومة كأنها لم تكن، أو كأنها لا تخالف ما يجب للدولة من كرامة، وما يجب للدين من الصيانة، وما يجب للشعائر من الاحترام. إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا النبأ صحيحاً فيجب أن تتخذ فيه الحكومة إجراءً يلائم الكرامة والعزة القومية، أو يجب أن تفسر لنا موقفها منه على كل حال. وإما أن يكون هذا النبأ غير صحيح فيجب على الحكومة أن تكذبه تكذيباً قاطعاً وتنفيه نفياً لا يدع سبيلاً إلى الشك والريب.
    وما نظن الحكومة ترضى أن يعلم الناس عنها بمثل هذا التسليم والإذعان، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يعلم الناس عنه أن موظفاً من موظفيه يأتي مثل هذا الأمر دون أن يرجع فيه إلى الوزير، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يظن الناس به أنه أذن لحكمدار بورسعيد في أن يأتي مثل هذا الأمر، وما نظن وزير الأوقاف يرضى أن تصبح خطب المساجد خاضعة هي أيضاً لمراقبة الإنجليز، ولا سيما حين تكون هذه الخطب صادرة عن الحكومة، لا عن الشعب، ولا عن زعماء الشعب. ومهما يكن من شيء فإنا نستطيع أن نؤكد للحكومة أن قصة هذه الخطبة وغيرها من قصص المبشرين أحق بعنايتها وأولى برعايتها وأجدر أن تشغلها في النهار وتؤرقها في الليل، وأحرى أن تُظهر قوتها وسلطانها من رحلة رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية ومن لقاء الناس لهما بما هما أهل له من تحية تصور حبهم الصادق وإجلالهم العظيم.
    كوكب الشرق، ٣ – ٧ – ١٩٣٣

  • تكريم

    تكريم
    ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد.
    وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين.
    ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه.
    ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية.
    فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء.
    لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل.
    بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد.
    فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها.
    واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام.
    رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣.

  • واجبات

    واجبات
    هي هذه التي سجلها صاحب الفضيلة الأستاذ المراغي في كتابه إلى نائب رئيس الوزراء باسم جماعة الدفاع عن الإسلام ، يطالب الحكومة فيه بأن ترد عن المصريين جميعا عدوان هذه الهيئات الأجنبية التي تنهض بأعمال التبشير . ومن المحقق أن الأستاذ الجليل قد وفق في كتابه كل التوفيق ، ووضع الأشياء في مواضعها ، وأقر الأمور في نصابها ، واصطنع صراحة لا تدع سبيلا إلى الغموض ، ولا طريقا إلى التأويل ، وحزما لا يمكن أن يتهم معه بالضعف أو الفتور . والأستاذ لا يتحدث عن نفسه وحدها ، وإنما يتحدث عنها وعن الجماعة التي اختارته لها رئيسا . وهو يتحدث عن المصريين جميعا مهما تختلف أهواؤهم ومذاهبهم ، ومهما تكن دياناتهم ونحلهم .
    وأول ما يجب أن يهنأ به الأستاذ أنه قد ارتفع بهذه القضية عن أن تكون طائفية يختص بها فريق دون فريق ، ويلح فيها بعض المصريين دون بعضهم الآخر ، وجعلها قضية مصرية خالصة تنهض بها مصر في وجه الأجنبي الذي يغزوها في أرضها ، ويعتدي على مرافقها وعقائدها .
    فالأستاذ ومن ورائه جماعة الدفاع عن الإسلام لا يذود عن الإسلام وحده ، ولكنه يذود عن المسيحية أيضا ، بل هو يذود عن الحرية المصرية كلها . وما كان لعلماء الإسلام أن يسلكوا غير هذا الطريق أو يتحدثوا بغير هذه اللهجة ، فدينهم يلزمهم الذود عن حرية الرأي ، ودينهم يلزمهم أن يتوخوا الحق في كل ما يقولون وما يعملون . والحق إن الإسلام دين الدولة ، ودين كثرة المصريين ، فيجب أن يحميه المصريون جميعا ، وأن تكون الحكومة أول من يحميه . والحق إن المسيحية دين جماعة من المصريين ، وأن الكنيسة القبطية مظهر من مظاهر المجد المصري المؤثل ، فيجب أن يحميها المصريون جميعا ، وأن تكون الحكومة أول من ينهض بحمايتها . والحق أن لا إكراه في الدين ، فيجب على المصريين جميعا أن يحموا كل دين قائم في مصر من الإكراه مهما يكن . يجب أن تحمى الديانات من أن يخرج الناس منها مكرهين . ويجب أن يستبين للناس جميعا أن الإكراه في نفسه إثم يمقته الدين ، ويمقته القانون . ولم تنشأ الحكومات إلا لتمحوه وتقضي عليه وتعاقب الذين يقترفونه أو يدعون إليه .
    بهذا كله تقول جماعة الدفاع عن الإسلام ، وبهذا كله تقول هيئة كبار العلماء ، وبهذا كله يقول إخواننا الأقباط . فليست المسألة إذن مسألة اعتداء على الإسلام وحده ، وإنما هي مسألة اعتداء على الحرية الإنسانية ، مسألة اعتداء على الحضارة كما أشار إلى ذلك الأستاذ المراغي في كتابه إلى رئيس الوزراء بالنيابة . فإذا كان التبشير مباحا أو مستحسنا في البيئات الهمجية التي لم تأخذ بحظ من رقي ولم تنل نصيبا من ثقافة ، كان من القبيح الممقوت أن يتخذ التبشير وسيلة إلى محاربة حضارة قائمة لها مجدها ، ولها حظها الرفيع من الرقي ، ولها أثرها البعيد في تهذيب الناس .
    أشار الأستاذ المراغي في كتابه إلى هذا كله ، فهو خليق أن يهنأ به ، والناس خليقون أن يسمعوا لما قال في هذا كله ، والحكومة خليقة أن تستجيب لدعائه ، وتنهض بهذه الواجبات التي أحصاها كتاب الأستاذ في دقة وصراحة واستقامة وصرامة معا .
    ما أكثر هذه الواجبات وما أيسرها لو أن الحكومة أرادت حقا أن تؤدي عملها في قوة وحزم على يقين لأنها لم تنشأ لنفسها وإنما أنشئت لخدمة الأمة التي تقوم فيها . فمما لا شك فيه أن القوانين لم تشرع عبثا ، وإنما شرعت القوانين لتأخذ الناس بما فيها من أحكام ، وأقيم القضاء لينصف المظلوم من الظالم . فمن حق الأستاذ المراغي ومن حق الناس جميعا أن لا يرضوا من الحكومة بالإجراءات المؤقتة ، وأن يطالبوها بأن تحيل بالفعل إلى القضاء ما يستكشف من آثام المبشرين الأجانب . ولو أن عدوان هؤلاء المبشرين وقع من المسلمين على الأقباط ، أو من الأقباط على المسلمين ، لما ترددت الحكومة في أن تنفذ القانون ، وترفع أمر الآثمين إلى القضاء ، لأن هؤلاء الآثمين سيكونون يومئذ من المصريين الذين لا تحميهم الامتيازات ، ولا تتحرج الحكومة من أخذهم بالشدة حتى يقضي العدل بذلك .
    وليس من شك في أن وزارات الخارجية والمفوضيات السياسية لم تنشأ لتكون زينة ، وإنما لتحقق الصلات الصادقة المتينة بين الأمم والشعوب ، فإذا جنى الأجانب في مصر جناية أو اقترفوا إثما وأخلوا بواجبات الضيافة ، فمن الحق على وزارة الخارجية المصرية أن تستخدم نفوذها السياسي لتقوم هذا العوج وتصلح هذا الفساد ، وبهذا تطالب جماعة الدفاع عن الإسلام .
    فإذا غلا الأجانب في العدوان وتجاوزوا واجبات الضيافة وانتهكوا حرمات البلاد التي يعيشون فيها ، فمن الواجب على الحكومة لكرامتها وكرامة الأمة أن تكفهم عن ذلك وتقطع عليهم الطريق إليه ، وتغلق معاهدهم ومدارسهم حيث يثبت أنها تتخذ وسائل إلى الإثم والإجرام . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ، وتؤيده جماعة الدفاع عن الإسلام ، ويؤيدها المصريون جميعا .
    ومن الحق على الحكومة ألا تنفق أموال الشعب إلا فيما ينفع الشعب ، فإذا ثبت أن الأجانب الذين تعينهم الحكومة بأموال الشعب يسيئون إليه ويعتدون عليه ، فمن الإثم أن تمضي الحكومة في إعانتهم ، وأن لا تكف عنهم ما تمنحهم من المال ، وأن لا تقتضيهم ما تنزل لهم عنه من المال ، وألا تطالبهم بما تحط عنهم من الضرائب . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ، وتؤيده جماعة الدفاع عن الإسلام ، ويؤيدها المصريون جميعا .
    وقل مثل ذلك في هذه الأرض التي تمنحها الحكومة للأجانب بلا ثمن أو بثمن يسير على أن يقيموا عليها المدارس والمعاهد النافعة ، فإذا هم يقيمون عليها معاهد ومدارس تضر ولا تنفع ، وتسوء ولا تحسن ، فيجب أن تسترد منهم هذه الأرض .
    وقل مثل ذلك في هذه الامتيازات التي تمنح لرجال الدين من الأجانب ، فتبيح لهم السفر بلا أجر ، فإن الواجب على الحكومة أن تلغي هذه الامتيازات إذا ثبت أن هؤلاء الناس لا يسافرون ليذيعوا الخير ويأمروا بالمعروف ، وإنما يسافرون ليذيعوا الشر ويأمروا بالفساد .
    وليس من يستطيع أن ينكر على أي دولة تستحق أن تسمى بهذا الاسم أن تصدر من القوانين ما يمكنها من أن تراقب كل ما يقع في أرضها لتتقي شره ، وتدفع نكره ، وتحمي الشعب من آثاره . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ويطالب معه المصريون جميعا . وهم لا يطلبون شططا ولا يكلفون الحكومة عسيرا من الأمر ، وإنما يطلبون إليها أيسر ما يجب أن تنهض به الحكومات . وإنما الغريب أن تنتظر الحكومة حتى يطلب إليها ذلك ، وألا تنهض به وحدها ومن تلقاء نفسها دون أن تحتاج إلى من يذكرها به أو ينبهها إليه .
    لقد نهض الشعب المصري كله بما يجب عليه لنفسه ولكرامته وللحرية الإنسانية والحضارة الإنسانية ، وقال الشعب المصري كله في ذلك كلمة الحق التي لا لبس فيها ولا غموض . فاللهم وفق حكومة مصر إلى أن تنهض بواجبها كما نهضت به مصر .
    كوكب الشرق في ٢٩ – ٠٦ – ١٩٣٣

  • فوز

    فوز
    الناس مصروفون في هذه الأيام بالأحداث السياسية وبما يصيبهم من المحن المختلفة في حياتهم العامة والخاصة عن أشياء ما كانوا لينصرفوا عنها لو أنهم يحيون حياة طبيعية قوامها الهدوء والاطمئنان ولكنهم قد حرموا هدوء النفوس وحيل بينهم وبين اطمئنان القلوب فهم لا يخرجون من خطب إلا إلى خطب، وهم لا يخلصون من حدث إلا إلى حدث. وهم لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا، وخلا بعضهم إلى بعض إلا عن هذه الكوارث الملمة والحوادث التي لا تُرى ولا تُسر. فكيف يتاح لهم مع ذلك من رضا النفوس وفراغ البال ما يمكنهم من أن يفرحوا بما يوجب الفرح ويغتبطوا بما يبعث الغبطة ويبتهجوا بما يدعو إلى الابتهاج. ومع ذلك فالله – عز وجل – لا يريد أن تكون حياة الناس شرًّا كلها ولا حزنًا كلها، وهو لا يريد أن يخليها مما يسر ويبعث على الرضا.
    ولقد حدث في الحياة المصرية منذ أسابيع حدث لو أن المصريين ينعمون بحياتهم الطبيعية لما مر في هذا الصمت العميق الذي مر فيه. فهذه الجامعة المصرية قد أهدت إلى مصر لأول مرة الطبقة الأولى من الفتيات اللاتي أتممن دراسة الآداب والحقوق، وظفرن فيها بدرجة الليسانس. ولو قد حدث هذا الحادث منذ ثلاثة أعوام لاغتبطت به مصر أشد الاغتباط، ولأثار في مصر أشد ما تثيره الحوادث من عناية الأفراد والجماعات، ولكنه لم يثر شيئًا في هذا العام، لأن الناس عن الخير القليل في شغل بهذا الشر الكثير الذي يأخذهم من كل ناحية، ويفسد عليهم حياتهم كلها.
    لأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة مصرية قد درست اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها، وظفرت بدرجة الليسانس، وهي الآنسة سهير القلماوي، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة درست اليونانية واللاتينية وآدابها وظفرت فيهما بدرجة الليسانس وهي الآنسة فاطمة سالم، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاتين درسَتا الفلسفة وعلوم الاجتماع ونالتا فيها درجة الليسانس وهما الآنسَتَان زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي.
    ثم لأول مرة أخرجت كلية الحقوق فتاة درست علوم القانون وظفرت فيها بدرجة الليسانس وهي الآنسة نعيمة الأيوبي. وعما قليل تخرج كلية العلوم وكلية الطب فتيات أخريات درسن العلوم الخالصة ودرسن الطب وفروعه وظفرن في هذا كله بالدرجات الجامعية.
    فأي حدث خطير هذا الحدث في حياتنا المصرية العقلية والاجتماعية، وأي فوز عظيم هذا الفوز لأنصار الرقي والنهوض وأصحاب تحرير المرأة والتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وأي أمل عظيم يبسط هذا الحادث أمام المصريين في أن يروا أنفسهم كغيرهم من الأمم الراقية، لا يختص فيهم بالعلم فريق دون فريق، ولا يحتكر الثقافة فيهم جنس دون جنس، ولا يحتفظ الرجل فيهم بما كان يحتفظ به من أسباب التفوق والعلو والسلطان.
    رحم الله قاسمًا فلو قد عاش إلى هذه الأيام لسعد حين يرى جهوده قد وُفّقت، وآماله قد حُقّقت، وكفاحه قد انتهى إلى غايته. رحم الله قاسمًا لو عاش إلى هذه الأيام لوجد في هذا الفوز العظيم عزاء عما لقي في حياته من أذى وما احتمل في دعوته من مكروه، ولكن الله – عز وجل – يريد أن يبتلي المصلحين بالفتنة والمحنة، وقلما يتيح لهم أن يتعزوا في حياتهم عما يصيبهم من فتنة ومحنة كأنه يؤثرهم بإعظام الأجر لهم في حياتهم الثانية هذه التي لا يتعرض فيها النعيم لما يشوبه في حياتنا الأولى من كدر أو سوء.
    هؤلاء فتياتنا قد ظفرن بما يظفر به فتياننا من التعليم العالي، وانتهين إلى ما ينتهي إليه فتياننا من نيل درجاته والنجاح فيه فلنهنئ مصر بهذا الفوز ولنهنئ المرأة المصرية بهذا التوفيق ولنهنئ الجامعة المصرية بأنها هي التي مهدت السبيل إلى هذا الفوز والتوفيق، ولكننا لا نحب أن نكتفي بتسجيل الفوز، ولا نريد أن نقف عند تهنئة مصر والمرأة المصرية وآنساتنا الناجحات، وإنما نريد أن نعرف ماذا أعدت مصر، أو ماذا تريد أن تعد لهؤلاء الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة واللاتي سيخرجن منها يتبع بعضهن بعضا. فقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها، ولم تصبح المرأة فيها كما كانت ترفًا وزينةً، وإنما أصبحت مقومًا لها كالرجل، ليس بينهما في ذلك فرق قليل ولا كثير. وقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها وأصبحنا لا نعلم الفتاة على أن يكون تعليمها ترفًا وزينةً لها ولأسرتها وبيئتها، وإنما نعلمها لتنتفع بالعلم كما ينتفع به الفتى فترقى كما يرقى، وتعمل في الحياة كما يعمل، وليس يكفينا أن يقال إن فتياتنا قد ظفرن بالدرجات الجامعية، وإنما نريد أن ينفع ظفرهن بهذه الدرجات وأن تفتح هذه الدرجات لهن أبواب النشاط في فروع حياتنا المختلفة. وكانت الجامعة قد فكرت في بعض ذلك منذ عامين فاتفقت مع وزير المعارف السابق على أن تفتح للجامعيات أبواب معهد التربية كما فتحته للجامعيين. وكانت هذه الفكرة قد وجدت من وزير المعارف السابق استعدادًا حسنًا، فألف لجنة نظمتها ووضعت لها الحدود، وبالغ في العناية بهذه الفكرة فقرر أن يأخذ على الطالبات عهدًا بالالتحاق بهذا المعهد، وأن يعتبرهن بعثةً في الجامعة، تعينهن وزارة المعارف بالمكافآت. ومضى وزير المعارف السابق في تنفيذ هذه الفكرة إلى أقصى حدوده، فقدم الطالبات إلى الكشف الطبي، وأخذ على بعضهن تلك العهود فلما ترك وزارة المعارف، وجاء الوزير القائم غير ما كان قد اتخذ من قرار، وفكر في أن يُنشِئ للفتيات معهدًا خاصًا، غلوًا منه في المحافظة، وإصرارًا منه على التقاليد، وأنكرنا عليه تلك الخطة لأن فيها عبثًا وإسرافًا، ولأن فيها تناقضًا واضطرابًا. فما دامت التقاليد قد أذنت أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في الجامعة فإنها تأذن – من غير شك – في أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في معهد التربية على أن وزير المعارف لم يصنع شيئًا، فلا هو أنشأ معهدًا للفتيات، ولا هو أذن لهن في الالتحاق بالمعهد القائم، ومع ذلك ففي مصر تعليم ثانوي للبنات. وهذا التعليم محتاج إلى معلمات. وهؤلاء المعلمات تخرجهن الجامعات الأوروبية التي ترسل إليها وزارة المعارف فتيات مصريات يتعلمن فيها ويظفرن بدرجاتها. وقد أخذت الجامعة المصرية تمنح درجاتها لفتيات مصريات. فأيسر أصول الحق والعدل والمنفعة والاقتصاد تقضي على وزارة المعارف بأن تعتمد على هؤلاء الفتيات في إمداد المدارس الثانوية للبنات بمن يقمن فيها بأمور التعليم، وليس على التقاليد حرج في هذا، فمن اليسير أن تُقبل هؤلاء الفتيات في معهد التربية على ألا يخضعن لنظامه الداخلي حتى تستطيع وزارة المعارف أن تُهيئ ذلك لهن على ما يلائم التقاليد والدين والآداب، أي تستطيع وزارة المعارف أن تجد لهن دارًا يأوين إليها وحدهن إذا فرغن من الدرس.
    وقد ظفرت الفتاة الفرنسية خلسة منذ أعوام بالنجاح في مسابقة مدرسة المعلمين العليا، فاضطرت وزارة المعارف الفرنسية أن تفتح لها هذا الباب الذي كان مغلقًا في وجهها من قبل. وقبلت الفتاة في هذه المدرسة على ألا تخضع لنظامها الداخلي فليخط وزير المعارف هذه الخطوة فإن فيها الخير كل الخير، وليس فيها على التقاليد بأس ولا جناح.
    كوكب الشرق ٢٦ – ٦ – ١٩٣٣

  • تجن

    تجن
    إذا أخطأت الحكومة فبين المعارضون خطأها، وطلبوا إليها أن تصلحه، وإذا قصرت الوزارة فأظهر المعارضون تقصيرها وطلبوا إليها أن تنصرف عنه، وإذا شطت الوزارة فبين المعارضون شططها وطلبوا إليها أن ترتد إلى شيء من القصد والاعتدال، غضبت الوزارة واشتد غضبها، وشكت الوزارة واشتدت شكاتها، وفكرت الوزارة في البأس والبطش وهمت بهما، واندفعت فيهما ما وجدت إليهما سبيلاً، وقال أنصار الوزارة وأعوانها في هؤلاء المعارضين إنهم يتجنون ويتكلفون اللوم، ويأبون إلا النقد، لا يريدون به خيراً، ولا يبتغون به منفعة، وإنما يذهبون به إلى إحراج الوزارة وأخذ الطرق عليها واضطرارها إلى أن تدفع عن نفسها بالشدة فتغلو في الدفاع. وإذا عمد رئيس الوزراء إلى دستور كان قائماً يؤمن له الناس ويحبونه ويرون الطاعة له فرضاً لأنهم عاهدوا الله على ذلك، وأقسموا عليه بمحرجات الأيمان، إذا عمد رئيس الوزراء إلى هذا الدستور فأقام مكانه دستوراً آخر، ولم يسلك إلى ذلك الطريق الدستورية المنصوص عليها فيه والتي كانت مشروعة مفروضة فأنكر الناس ما فعل رئيس الوزراء، ورغب الناس في أن يعود إليهم هذا الدستور، ولم يسلكوا إلى ذلك إلا الطريق المشروعة المباحة التي لا إثم فيها ولا تريب، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وقال أعوانه وأنصاره معه: نعم، إنهم ثائرون. وإذا أباح الدستور القائم للناس أن يقولوا ما وسعهم القانون، وأن ينتقلوا ما وسعهم القانون، وأن يستمتعوا بحريتهم كما يستمتع بها رئيس الوزراء وأصحابه، قال رئيس الوزراء إنهم ثائرون، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين القول، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الانتقال، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الاجتماع، وصدهم رئيس الوزراء عن أسفارهم وعن أنديتهم بأيدي الشرطة وعصيها وسياطها. وأبى رئيس الوزراء عليهم أن يلقى بعضهم بعضاً أو يزور بعضهم بعضاً، أو يتحدث بعضهم إلى بعض، وأرصد رئيس الوزراء لهم الشرطة تطوف حول بيوتهم، وتقوم على أبوابهم وتتبعهم إذا بكروا وتتعقبهم إذا راحوا وتقتحم عليهم مساجد الله إذا أدوا فيها الصلاة، وسكت الأجانب على هذا كله، واطمأن الأجانب إلى هذا كله، ورضي الإنجليز عن هذا كله وقالوا: مصر بلد مستقل فلا ينبغي أن ندخل بين حكومته وأهله، وأثنوا على رئيس الوزراء وعلى أعوانه وأنصاره، لأنهم يثبتون النظام بهذه السيرة، ويقرون الأمن بهذه الخطة. وإذا طغى الأجانب على المصريين فتحكموا في منافعهم ومرافقهم، وازدروا حريتهم وكرامتهم وعرضوا فريقاً منهم للجوع والحرمان. وأظهر المصريون شيئاً من استنكار ذلك أو السخط عليه، غضب الأجانب وأسرفوا في الغضب، وشكا الأجانب وألحوا في الشكوى، وقال الأجانب إن في مصر بغضاً لهم، وائتماراً بهم وتحريضاً عليهم. واستعان الأجانب على المصريين بالإنجليز، وشكا الأجانب من المصريين إلى الوزارة المصرية. وإذا اعتدى المبشرون من الأجانب على صبيان المصريين من أبنائهم وبناتهم ففتنوهم في دينهم لا يفرقون في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي، وسلكوا إلى ذلك طريق الإكراه والتعذيب حيناً، وطريق الإغواء والإغراء حيناً آخر، وطرق العبث والخداع وإفساد الإرادة بالتنويم المغناطيسي مرة ثالثة. إذا فعل المبشرون هذا كله وقامت عليه الحجة الواضحة ونطقت به الحقائق الواقعة، واعترف به المبشرون أنفسهم، واعترفت به الوزارة نفسها، واعترف به البرلمان نفسه، ثم أنكره المصريون، واحتجوا عليه وطلبوا أن يصرف عنهم هذا الشر، ويرفع عنهم هذا الضر، غضب الأجانب وسخط الإنجليز وقالت التيمس إن المعارضين يتخذون قضية التبشير وسيلة إلى إحراج الحكومة والكيد لها، ولم يتحرج أنصار الوزارة نفسها من أن يقولوا كما تقول التيمس ويتهموا المعارضين بمثل ما تتهمهم به التيمس، ويزعموا أن المعارضين لا يقولون ولا يعملون إلا ليحرجوا الوزارة ويكيدوا لها ويسلطوا عليها أنواع الإحراج والتعجيز. ومعنى هذا كله أن المصريين يجب أن ينكروا أنفسهم وينزلوا عن حقهم في الحياة الحرة ويرضوا بما قسم الله لهم من الذلة والخضوع، لا ينبغي لهم أن يلوموا الوزارة إن أخطأت أو قصرت أو شطت لأن ذلك إحراج للوزارة وتجن عليها. ولا ينبغي لهم أن يشكوا أو يتبرموا إن طغى الأجانب على مرافقهم، واستأثروا من دونهم بالخير في بلادهم، لأن ذلك بغض للأجانب وكيد لهم، ولا ينبغي أن يسخطوا ولا أن يستعدوا الوزارة على المبشرين إذا اعتدى هؤلاء المبشرون على الأطفال في الدين والأخلاق والأعراض، لأن ذلك إغراء بالفتنة، وتحريض عليها، ولأن ذلك إحراج للوزارة، وخروج على النظام.
    يجب إذن ألا يكون المصريون ناساً من الناس فلا يحسوا شيئاً ولا ينكروا شيئاً، ولا يشكوا من شيء، لأنهم إن أحسوا شكوا وأنكروا، وهم إن شكوا أو أنكروا ثائرون أو كائدون أو محبون للفتنة وراغبون فيها. ولا تقل إن هذه الحال التي تريد الوزارة وأنصارها، والتي يريد الأجانب والإنجليز أن يردوا إليها المصريين غير ملائمة لطبيعة الأشياء، ولا ملائمة للحق والعدل والإنصاف ولا ملائمة للكرامة الإنسانية اليسيرة، فإن الأمر في هذه الأيام ليس إلى طبيعة الأشياء، ولا إلى الحق والعدل والإنصاف، ولا إلى الكرامة الإنسانية، وإنما هو إلى المنافع وإلى منافع الأقوياء خاصة. فيجب أن تجري سفينة الوزارة على بحر هادئ مطمئن مستقر، لا تعصف به الريح، ولا يضطرب فيه الموج. وإنما يداعب صفحته النسيم. ويجب أن تضطرد أمور الأجانب على خير ما يحبون، لا يجدون من المصريين مقاومة، ولا شيئاً يشبه المقاومة. ويجب أن تجري أمور المبشرين على أحسن ما تجري عليه في أي بلد من الأرض فلا يغضب الآباء والأمهات إذا خضع أبناؤهم وبناتهم لأنواع العدوان.
    يجب أن يكون المصريون كقطعة العجين يشكلها الأقوياء كما يحبون فلا يجدون منها مقاومة ولا امتناعاً، وإنما يجدون منها مرونة وطاعة وليناً. ولا تقل إن الأجانب أنفسهم في بلادهم يعارضون الوزارات وينصبون لها الحرب، ولا تقل إن الأجانب في بلادهم لا يرضون بحال من الأحوال أن يعتدى على الدين والأخلاق والأعراض، وأن يكون المعتدون من الغرباء. لا تقل شيئاً من هذا، فهذا كله حق لا شك فيه، ولكنه حق في أوروبا وأمريكا، فلا ينبغي أن يكون حقاً في مصر، لأن في أرض مصر وسمائها، وفي هواء مصر ومائها عناصر خاصة لا تكاد تتسلط على الحق حتى تجعله إجحافاً. في إقليم مصر عناصر خاصة تفرض على المصريين أن يحتملوا بما لا يحتمل أحد غيرهم وأن يتعرضوا لما لا يتعرض له أحد غيرهم وأن يؤخذوا بما لا يؤخذ به الناس.
    هؤلاء الأجانب من المبشرين وغير المبشرين يخشون الفتنة ويشفقون منها، ولكنهم يثيرونها ويلحون في إثارتها فمن المحقق أن المصريين لم يدعوهم إلى مصر، وإنما هم الذين جاءوا مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين قد شكوا إلى حكومتهم واستعانوا بهذه الحكومة، وما زالوا يشكون إليها، ويستعينون بها على اتقاء الفتنة قبل وقوعها والاحتياط للشر قبل أن يصيب الآثم والبريء. ومن المحقق أن المصريين – على كثرة ما يجدون من الشر، ويحتملون من الضر – يتواصون بالصبر، ويتواصون باللين، ويتواصون بالمحافظة على الأمن والنظام، ولكن هؤلاء المبشرين لا يقفون عند شيء من ذلك ولا يحفلون بشيء من ذلك، وإنما يريدون أن يباح لهم كل شيء، ويؤذن لهم في كل شيء، وألا يقاوموا في شيء فإن رضي المصريون بهذا فذاك وإلا فهم أصحاب الفتنة والدعاة إليها، وهم أعداء الأمن، والخارجون على النظام.
    هذا كثير وأكثر منه أن تقبله الوزارة وتصبر عليه، فالوزارة مصرية على كل حال. ومهما يكن مذهبها في الحكم، ومهما يكن رأيها في سياسة الشعب فإن من الحق عليها لنفسها أن لا ترضى أن يقال عن المصريين إنهم أصحاب فتنة مع أنهم أبعد الناس عنها، وأحرص الناس على ألا تكون.
    ليس من الحق (والوزارة نفسها تعلم أن ليس من الحق) أن المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها. وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا وما زالوا يريدون وسيريدون دائماً أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد، وليس حماية للمواطنين من العدوان الخارجي أن يترك المبشرون يفدون عليهم من كل مكان فيعبثون بصبيانهم ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق، وليس من إقرار الأمن وتثبيت النظام أن يُخلى بين هؤلاء المبشرين وبين القصّر والضعفاء يعبثون بهم كما فعلوا إلى الآن.
    فالمصريون لا يثورون بأحد، ولا يريدون شراً لأحد، ولا يضمرون مكراً بأحد، آمنين مطمئنين على ما يحب الناس أن يأمنوا عليه من الدين والكرامة والأخلاق والمنافع، وهم يطلبون إلى وزارتهم أن تنهض بهذا الواجب على وجهه أو تستقيل.