Tag: Egypt

  • أحجار

    أحجار
    هم المصريون جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وعلى تباين آرائهم وأهوائهم، وعلى افتراق شيعهم وأحزابهم، كلهم أحجار في رأي «صحيفة الوزارة» التي صدرت صباح اليوم، ومن بينهم الوزراء وأشباه الوزراء، والقادة وأشباه القادة، وزعماء النظام الحاضر وأصحاب النظام القديم.
    هؤلاء أحجار، ولكن هذه الأحجار تختلف فمنها الأحجار الصلدة العوجاء، ومنها الأحجار الكريمة النفيسة. وواضح كل الوضوح، وجلي كل الجلاء، وبين كل البيان أن الوزراء وأشباه الوزراء وأن أنصار الوزراء وزعماء هؤلاء الأنصار ليسوا من تلك الأحجار الصلدة العوجاء وإنما هم جواهر ممتازة، لا يعرض لها النقص ولا يطرأ عليها الفساد، ولا يصيبها ما يصيب الأحجار الخسيسة من التغير والتبدل ولا تتعرض لما تتعرض له هذه الأحجار الخسيسة من الامتهان والازدراء، إنما الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزارة وزعماء هؤلاء الأنصار أحجار كريمة نفيسة غالية عزيزة، فمنهم من صيغ من زمرد، ومنهم من خلق من ماس، ومنهم من صور من مرجان كما تقول «صحيفة الوزارة».
    وتستطيع أن تحصى الجواهر الغالية كلها سواء منها ما يخرج من البحر وما يقطع من الجبل، وما يلتمس في أي مكان شئت. تستطيع أنت أن تحصى هذه الجواهر الغالية فتلائم بينها وبين سادة اليوم فتوزعها عليهم أو توزعهم عليها، فستجد منهم اللؤلؤ والدر، وستجد منهم الزبرجد والعقيق، كما وجدت «صحيفة الوزارة» منهم الزمرد والماس والمرجان.
    وأنا مؤمن بأن سادة اليوم من الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزراء أحجار كريمة نفيسة ولكن المسألة التي تحتاج إلى التفكير والتقدير هي حاجة مصر الماسة وضرورتها الملحة في هذه الأيام. فهل مصر في حاجة إلى الأحجار الكريمة التي تتخذ للزينة والتجمل؟ أم هل مصر في حاجة إلى الأحجار الصلبة القوية التي تتخذ للبناء والإنشاء والتي لا تعمل فيها المعاول ولا الفؤوس، ولا تفنيها الأحداث ولا الخطوب، والتي تبقى على الدهر بقاء الأهرام وما يشبه الأهرام من الآثار الخالدة؟
    أنا أرضى لخصوم الوزارة أن يكونوا هذه الأحجار، وأكره لخصوم الوزارة أن يكونوا من أحجار الزينة والبهرج والتجمل. فمصر في حاجة إلى أن يقام لها بناء منيع عزيز من المجد والعزة حتى إذا فرغت من إقامة هذا البناء واستوثقت من عزته ومناعته، ومن قوته ومتانته، ومن أنه كما تقول «صحيفة الوزارة»، أو كما تستشهد بقول القدماء: أبقى على الزمن الباقي من الزمن، جاز لها أن تفكر في تزيين هذا البناء وتحسينه وفي ترصيعه وتجميله، وفي تحليته بالأحجار الكريمة والجواهر النفيسة.
    ومن غريب الأمر أن «صحيفة الوزارة» قليلة التوفيق فيما تقصد إليه من تفكير، وفيما تتورط فيه من تشبيه، ولكنها في هذه المرة أو قل في هذه الجملة فكرت وأجادت التفكير، وشبهت فأحسنت التشبيه، وما أظن أن الناس قد نسوا تشبيهها وزراء الدولة أول هذا العام بالخمر المعتقة والنبيذ القديم. أما في هذه المرة فلم يخطئها التوفيق وكأنها دفعت إليه دفعًا، فوزارتنا القائمة زينة لمصر من غير شك لا تمثل حاجة من حاجاتها، ولا تصور ضرورة من ضروراتها. ولولا أنها زينة عارضة يمكن الاستغناء عنها، والتخفف من ثقلها لما جرت أمور مصر كما تجري الآن.
    ورئيس وزرائها مريض منذ أشهر طوال، مريض لا يستطيع العمل، ولا يقدر على التفكير فيه، يقيم في مصر فيستريح، ويرحل إلى أوربا فيستريح، وتجري أمور مصر كما تستطيع. فرئيس وزرائنا حلية من الماس أو من أي جوهر أكرم من الماس، ولكنه حلية على كل حال، يمكن أن نتخذها حين نريد أن نباهي الدول، ونعلن إليها أن لنا رئيس وزارة كما لها رؤساء وزاراتها، وأن رئيس وزارتنا نفيس كريم، أنفس وأكرم من رؤساء وزاراتها، فهو من الماس الذي نتزين به ونتحلى.
    وليس من الأحجار الصلدة العوجاء التي يختل بافتقادها البناء، وليس مما يقبل الشك أن «مكدونالد» و«موسوليني» و«هتلر» و«دلادبيه» وأشباههم من رؤساء الوزارات الأجنبية لا تنظر إليهم بلادهم كما تنظر إلى الأحجار الكريمة التي نتخذها للحلية والزينة، وإنما تنظر إليهم كما تنظر إلى الأحجار الصلبة المتينة التي تتخذ للبناء وإقامة المجد. حتى إذا فرغنا من المفاخرة والمكاثرة، ومن التنافس والمسابقة استطعنا أن نريح «رئيس الوزراء» وندعه في داره أو في مصطافه يستشفي ويتزيد من صحته الغالية، ووزراؤنا كذلك زينة من غير شك نستطيع أن نباهي بهم الأمم. فلنا وزير تقاليد كما لهم وزراء تقاليد، ولكن وزراء التقاليد عندهم أحجار صلبة متينة، لا يسافرون ولا يستريحون إلا أن تضطرهم إلى ذلك الضرورات القاسية، وهم حينئذ يدعون إلى العمل ليقوم مقامهم من يستطيعون العمل في غير حاجة إلى السفر، ولا إلى التنزه في العواصم ومدن الاستجمام.
    وأوضح من هذا كله في الدلالة على أن وزراءنا زينة وحلية ومظهر الجمال أكثر من أي شيء آخر، أن مصر لم تشغف بالإعلان عن نفسها ولم تتهالك على المفاخرة والمكاثرة، ولا على إظهار العظمة التي لا تلائم حاجتها وطاقتها، ولم تكلف بدعوة الأجانب إليها وإرسال أبنائها إلى الأجانب بمقدار ما يظهر من أمرها في هذه الأيام. فهذه المؤتمرات التي تدعى بحساب وبغير حساب إنما تدعى في أكبر الظن لترى وزراءنا وتستمتع بالنظر إليهم والحديث معهم والتنعم بما يقيمون لها من حفل وما يغدقون عليها من معروف. وهؤلاء الحاضرون وهؤلاء الخبراء الذين يدعون حين نحتاج إليهم وحين لا نحتاج إليهم، إنما يدعون ليشهدوا ما عندنا من زينة وما نغيظ به الأمم الأخرى من هذا الحلي البديع, حتى إذا انقلبوا إلى بلادهم ورجعوا إلى أوطانهم تحدثوا بما يملأ أيدينا من الغنى والثروة وما يزين رؤوسنا وصدورنا من هذه الأحجار الكريمة والجواهر الغالية العزيزة فخلبوا أمم الغرب بهذا الحديث حتى أصبحت مصر في هذه الأيام مضرب المثل في الغنى والثراء، وفي اليسر والنعيم.
    ولكن بين وزرائنا وبين هذه الأحجار الكريمة النفيسة التي يشبهون بها في «صحيفة الوزارة» فرقًا يضعف التشبيه ويفسده ويجعله على أقل تقدير ناقصًا غير مستقيم. فليست الأحجار الكريمة زينة فحسب ولكنها ذخر في الوقت نفسه ومادة من مواد الثروة الباقية تنفع حين تشتد الأزمة، ويتحرج الأمر، ويعظم الضيق. وظاهر أن النقد يتغير ويتبدل فيصعد حينًا حتى يضطرهم إلى الفقر والإعدام. فأصحاب الأحجار الكريمة في هذه الحال سعداء آمنون من الجوع والمتربة، لأنهم يستطيعون أن يبيعوا بعض هذه الأحجار فيفيدوا من بيعها مالًا كثيراً. ووزراؤنا – والحمد لله – لا يمكن أن يقوموا مقام هذه الأحجار إذا اشتدت الأزمة وضاق الأمر، وأوشك الجوع أن يهلك الناس، ويفسد عليهم كل شيء. فهم زينة ليس غير، بينما الأحجار الكريمة زينة وذخر معًا.
    وما رأي «صحيفة الوزارة» في أن مصر قد أخذت في هذه الأيام تحتاج إلى الطعام أكثر مما تحتاج إلى الزينة؟! وماذا يغني عن مصر الآن أن لها وزارة من الزمرد والماس والمرجان ما دام كثير من أهلها لا يجدون الخبز والملح أو ما يشترون به الخبز والملح؟!
    على أن توفيق هذه الصحيفة في هذا التشبيه ليس مقصورًا على هذه الناحية التي تمس سادتها وأولياءها، وإنما هو كامل شامل بالقياس إلى خصومها من المعارضين. فهم من هذه الأحجار الصلبة، وأي دليل على صلابتها أوضح من أن «وزارة الزينة» قد قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وجدت ما استطاعت في أن تحطم من هذه الأحجار حجرًا فلم تظفر بشيء، ولم تقدر على شيء. وما زالت هذه الأحجار كما كانت يوم قامت وزارة الزمرد والماس والمرجان. لم تعمل وحدها في تحطيم هذه الأحجار الصلبة وتقويم هذه الأحجار العوجاء، وإنما عمل معها قوم آخرون ليسوا من الزمرد والماس والمرجان ولكنهم من الحديد والنحاس وما شئت من المعادن ومن غير المعادن. هم من هذه الجواهر العنيفة الخطرة التي تقدر على تحطيم كل شيء وتقويم كل عوج إلا تحطيم الأحجار الصلبة، لأن صلابتها صورة من حب الوطن والإيمان بقوته وبقائه وحقه الخالد في القوة والبقاء، وإلا تقويم هذه الأحجار المعوجة لأن اعوجاجها صورة من مضاء العزم وشدة البأس وإباء الضيم والإلحاح في المطالبة بالحق حتى ولو تألبت عليها كل الأحجار الكريمة والمعادن النفيسة.
    لست أدري أتحمد الوزارة لصحيفتها هذا التشبيه الذي جعلها من الزمرد والماس والمرجان؟ أم تنقمه منها وتنكره عليها؟ أما نحن فنقبل هذا التشبيه الذي يجعلنا حجارة صلبة لا سبيل إلى تحطيمها، عوجاء لا سبيل إلى تقويمها. ونؤكد أن هذه الصلابة التي أعيت كل من حاول أن ينال منها ستبقى كذلك إلى آخر الدهر، وقد تحطمت عليها قرون وستتحطم عليها قرون أخرى، ولكنا نعود فنقترح على الوزارة كما اقترحنا غير مرة أن تكلف «وزارة المعارف» تعليم كتابها وأنصارها فن البيان وحسن الكتابة وإجادة التشبيه فهم في حاجة شديدة إلى هذا التعليم.
    كوكب الشرق في ١١-٨-١٩٣٣.

  • صحة

    صحة
    صحة رئيس الوزراء جيدة، والله عز وجل خليق أن يُحمد على ذلك. والله عز وجل خليق أن يَمُنَّ على رئيس الوزراء من هذه الصحة الجيدة بالمزيد، ولكن رئيس الوزراء ما زال بعيدًا عن مصر، معتزلاً للعمل، يتنقل في طلب الراحة بين المدن والقرى في فرنسا وسويسرا، برغم صحته الجيدة، لأن حظه من هذه الصحة الجيدة لم يبلغ بعد أن يُمكِّنه من العودة إلى مصر والنشاط للعمل، والأخذ في تصريف الأمور.
    وصحة وزير التقاليد جيدة، ولكنه مقيم الآن في فيتل، يستحم في الصباح، ويستحم في المساء طلبًا للراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الزراعة جيدة، ولكنه يطوف أقطار الأرض في رحلة بعضها للاستشفاء وبعضها للاستكشاف. وقد حدثتنا الأنباء بأنه في بودابست يلقى ما هو أهل له من الإكبار والتكريم قبل أن يسعى إلى تلك المدينة أو إلى تلك القرية التي يجد فيها ما هو في حاجة إليه من الراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الداخلية جيدة، ولكنه مقيم في داره، لازم لها منذ أيام، يصرف منها الأمر، ويُدَبِّر منها شئون وزارته بمقدار ما تسمح له صحته الجيدة.
    فأربعة من وزرائنا بينهم صاحب الدولة الرئيس يستمتعون – والحمد لله – بصحة جيدة ولكن ثلاثة منهم لا يعملون، لأنهم في حاجة إلى الراحة التامة وقتًا طويلًا أو قصيرًا. ورابعهم يعمل نصف عمل أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا. وأمور الدولة في حاجة واضحة ملحة إلى أن يُفرغ لها وزراؤنا العشرة بياض النهار ونصف سواد الليل، أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا.
    فالأمن مع الأسف مضطرب أشد الاضطراب، يُقتل الناس ويُصرعون، وتقتحم الدور، ويُؤخذ ما فيها، والنهار مبصر، وعدد الجند قليل. والأجنبي باسط يديه إلى أقصى ما يستطيع أن يبسطهما، يعتدي على المصريين في دينهم وأخلاقهم وأعراضهم وقوميتهم. والناس يصيحون فلا يُسمع لهم أحد، ويستغيثون فلا يستجيب لهم مُغيث. وفرنسا تأبى وتشارك إيطاليا في هذا الإباء إلا أن تؤدي مصر دينها ذهبًا، لا تقبلان كلامًا في الورق، ولا تُظهران ميلًا إلى ذكره أو التحدث فيه. وتستطيع أن تُحصي ما شئت من هذه الأخطار والمعضلات التي يكفي بعضها لتُفرغ له الوزارة بياض النهار وسواد الليل. فكيف بها إذا اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض، وزاد بعضها في تعقيد بعض.
    فإذا أضفت إلى هذه المعضلات أعظمها شرًا وأشدها نكرًا، وهو هذه الأزمة الاقتصادية التي لا تريد أن تنحل حتى تأتي في مصر على كل شيء، عرفت أن جهود الوزراء مهما تكن فهي أيسر وأضعف من أن تكفي لعلاج ما نحن فيه من الشر، فكيف إذا كانت هذه الوزارة عاجزة حتى عن بذل الجهد، ممنوعة بحكم المرض والسفر والرغبة في الراحة والسياحة حتى من أداء واجبها على النحو اليسير المألوف الذي تؤدي عليه الواجبات في الأيام العادية التي لا تتعرض فيها البلاد لشر، ولا يأخذها الخطر من كل مكان.
    ولكن الوزارة – والحمد لله – راضية عن نفسها، مطمئنة إلى هذا التوفيق الذي ظفرت به في دفع هذه الأخطار، وحل هذه المشكلات. وأي دليل أوضح، وأي برهان أجلى على أنها قد وفقت كل التوفيق من أنها لا تزال قائمة مستمتعة بمناصب الحكم، مسيطرة على أمور الدولة وشئونها كلها كأحسن ما تسيطر الوزارات على الأمور. فليس المهم فيما يظهر أن يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، ولا أن تأمن مصر على ميزانيتها، ولا أن تأمن مصر على كرامتها وحُرماتها، ولا أن تنفرج الأزمة عن المصريين قليلًا أو كثيرًا. ليس هذا هو المهم فيما يظهر، وليس هذا هو المقياس الذي به نجاح الوزارات وتوفيقها. وإنما المهم الذي ليس فوقه مهم، والمقياس الذي ليس يشبهه مقياس لصلاح الوزارات ونجاحها هو بقاؤها في مناصب الحكم. فما دامت وزارتنا باقية فهي موفقة كل التوفيق، فائزة كل الفوز، كذلك تقول صحيفة الوزارة صباح اليوم.
    وصحيفة الوزارة مصيبة فيما تقول، مصيبة حقًا لا شك في ذلك ولا ريب. فإذا لم يكن بد من أن نقيم لك الدليل على أنها مصيبة جد مصيبة فينبغي أن نذكر هذه النظرية
    التي مهما ينكرها رجال الدين فهي نظرية علمية على كل حال، وهي نظرية داروين في بقاء الأصلح، فلولا أن الوزارة صالحة ما بقيت، ولولا أن الوزارة قد وصلت إلى أقصى حدود الصلاح ما طال بقاؤها. وإذن فينبغي أن تستحي المعارضة وأن يستحي المعارضون، وأن يؤمنوا بأن الوزارة القائمة إنما هي ضربة لازب على مصر، لا مهرب منها، ولا سبيل إلى التخلص من بقائها؛ لأنها نتيجة طبيعية لتنازع البقاء ولبقاء الأصلح. بل ينبغي أيضًا فيما ترى صحيفة الوزارة أن تقدر المعارضة والمعارضون لرئيس الوزراء ولزملائه جهادهم في سبيل مصر وما بذلوا وسيبذلون من التضحية في هذا الجهاد. فلو قد كانت أمور مصر إلى رجل غير صدقي باشا لآثر الراحة على العمل، والصحة على المرض، والاستقالة على النهوض بأعباء الحكم بعد أن ألم به هذا الطارئ الثقيل الذي اضطره إلى داره شهرًا، والذي يضطره الآن إلى الاستشفاء من وراء البحر.
    ولكن رئيس الوزراء يؤثر الشعب على نفسه، ويؤثر سعادة مصر على سعادته، وراحة مصر على راحته فيتحمل المرض الطويل ولا يستقيل، وإن لم يعمل شيئًا أثناء هذا المرض الطويل. وأن يتقاضى أجره على الراحة أثناء هذا المرض الطويل وإن كلف الدولة أموالًا للاستشفاء من هذا المرض الطويل؛ فيكفي أنه جمع بين المرض والاحتفاظ بالمنصب ليكون مؤثرًا لمصر على نفسه، مضحِّيًا في سبيل مصر بأحب الأشياء إليه وأعزها عليه.
    وأبلغ من هذا كله أن رئيس الوزراء سيعود إن شاء الله موفور الصحة في آخر الشهر المقبل فيستأنف العمل في الإسكندرية. وقد حدثتنا الصحف أنه تقدم أو سيتقدم إلى زملائه بأن تبقى الحكومة في الإسكندرية ما أقام فيها حضرة صاحب الجلالة الملك حتى لا يتكلف الرئيس الانتقال إلى القاهرة قبل أوانه، ولا يحتمل السفر قبل إبانه. ومعنى ذلك أن الدولة ستتكلف ما تتكلف من الإنفاق عليه وعلى زملائه هذه النفقات الإضافية التي تستلزمها إقامة الحكومة في الإسكندرية حرصًا على صحته وتمكينًا له ولزملائه من التضحية في سبيل مصر والاستمرار في إيثار مصر على أنفسهم وراحتهم.
    فإذا كانت هذه الجهود الموفقة، وإذا كانت هذه التضحيات المرهقة لا ترضى مصر ولا تكفيها، فويل لمصر من الجحود، وويل لمصر من العقوق، وويل لمصر من إنكار الجميل.
    أما أنا فأشهد أن الوزارة مجاهدة، وأن الوزارة مضحية، وأن مصر خليقة أن تعرف لها هذا الجهاد وتحمد لها هذه التضحية، وتمد لها في أسباب هذا البقاء المريح الطويل لتضيف جهادًا إلى جهاد، وتضحية إلى تضحية.
    وإذا عاد رئيس الوزراء سالمًا موفورًا إن شاء الله فإن مصر خليقة أن تحوطه وترعاه، وتسهر على راحته في الإسكندرية حتى إذا لم يبقَ بد من عودة الحكومة إلى القاهرة فإن مصر خليقة أن تضرع إلى رئيس الوزراء في أن يعود إلى أوروبا ليستريح في الشتاء كما استراح في الصيف. وما أجمل الشتاء في «نيس»! وما أشد عقوق مصر إذا لم تلقَ الجميل بالجميل، والخير بالخير، ولم تبذل ما تملك وما لا تملك لتمكن رئيس وزرائها من أن يجاهد في سبيلها جهادًا متواصلًا، ويضحي في سبيلها تضحية لا آخر لها.
    يجب أن يطمئن أنصار الوزارة فمصر أكرم على نفسها من أن تأثم في حق المجاهدين، ومصر أعز على نفسها من أن تنكر فضل المضحين. ومصر تعرف كيف تكافئ الذين أخلصوا لها وتجزي إخلاصًا بإخلاص، وتضحية بتضحية فيستمر رئيس الوزراء محتفظًا بمنصبه أعوامًا وأعوامًا. ومهما يحاول رئيس الوزراء أن يستقيل فلن تقبل مصر أن يستقيل. وكيف تقبل مصر أن يستقيل؟ ومتى بلغت مصر من السذاجة والغفلة أن تفرط في رجل جاهد في سبيلها وضحى كما يجاهد رئيس الوزراء، ويضحي منذ ألم به هذا المرض البغيض الثقيل.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٨ – ١٩٣٣

  • استعداء

    استعداء
    في صحف الوزارة منذ اليوم وقبل اليوم سخط شديد على الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة بغض شديد لهؤلاء الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة تصريح وتلميح بأن الذين يخاصمون العلماء إنما يخاصمون الإسلام، لأن العلماء هم مظهر الإسلام، ومظهر كرامته، وهم حماة الإسلام والذادة عنه. فمن شك فيهم فقد شك في الإسلام، ومن أثار حولهم الشك فقد أثاره حول الإسلام.
    وفي صحف الوزارة استعداء لأولي الأمر على هؤلاء الذين ينالون بالنقد الهين أو الشديد علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى لأن حماية العلماء هؤلاء حماية للإسلام.
    وفي صحف الوزارة مع هذا الصياح الطويل الملح صمت ليس أقل منه طولاً، ولا إلحاحاً عما تورط فيه علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى من الصمت على تعطيل الأحكام الشرعية وبقاء امرأة مسلمة عند رجل من غير المسلمين، لا يحل له أن يمسكها ولا يحل لها أن تبقى عنده. ولا يحل لحكومة إسلامية أن تقر اتصالها به، وخضوعها له. ولا يحل لعلماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى أن يقروا الحكومة إن صبرت على هذا الإثم أو عجزت عن رفع هذا الشر، لأن نص القرآن صريح لا يحتمل تأويلاً ولا تبديلاً. ولأن نص القرآن واضح لا سبيل إلى الفرار منه. فيجب أن نعلم أي الناس أشد إثماً: أهم الذين يريدون أن يقوموا ما في علماء الإسلام من عوج ويسلكوا بهم الطريقة الواضحة المستقيمة للدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله؟ أم هم الذين يظاهرون العلماء على ما لا يرضاه الله ورسوله والمسلمون؟ وأي الناس أحق أن يستعدى عليه أولو الأمر في بلد إسلامي يعلن أن الإسلام هو دينه الرسمي: أهم الذين يدعون إلى أن تنفيذ أحكام الله دون أن يعترضها معترض وإن كان المجلس الإنجيلي؟ أم هم الذين يسكتون على تعطيل هذه الأحكام وقيام المجلس الملي من دونها، ويطلبون إلى الحكومة الإسلامية أن تبطش بالمدافعين عن الإسلام؟
    صحف الوزارة منطق خاص تقدم به الأشياء إلى وراء، وترفع به الأشياء إلى تحت، ولكن منطق هذه الصحف لا يعنينا، ولغو هذه الصحف أيسر عندنا وأهون علينا من أن نقف عنده ونلتفت إليه. وإنما الذي يعنينا ويدعونا إلى التفكير هو منطق الوزارة وهيئة كبار العلماء. فقد قلنا لهما ومازلنا نقول إن المصريين لن يرضوا أن تمضي قصة نظلة غنيم كما يراد أن تمضي فريسة للصمت العميق والسكوت الطويل، بل سيذكرونها وسيذكرون بها حتى يعلموا ماذا فعلت الوزارة والهيئة في أمرها.
    فأما الوزارة فمسؤولة عن شيئين: الأول حماية الإسلام الذي أخذت نفسها بحمايته. والثاني تنفيذ القانون الذي أنشئت لتنفيذه. فنحن نريد أن نعلم إلى أي حد وصلت من حماية الإسلام وتنفيذ القانون في قصة نظلة غنيم. ونحب أن نعلم: أراضية هي بخضوع هذه الفتاة المسلمة لغير المسلمين برغم أحكام الإسلام أم ساخطة؟ فإن كانت راضية -ونحن نؤكد أنها غير راضية- فقد وعدت بحماية الإسلام، ثم لم تحمه، وأقيمت لتنفيذ القانون ثم لم تنفذه. وإن كانت ساخطة – ونحن نؤكد أنها ساخطة – فماذا فعلت لترفع أسباب هذا السخط؟ وما الذي يمنعها أو يعجزها عن رفع هذه الأسباب؟
    وأما هيئة كبار العلماء فنؤكد أن المسلمين لم يضربوها على يدها – كما يقول العامة – لتأخذ على نفسها هذا العهد الغليظ الذي أعلنت فيه إلى الناس أنها قامت للدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، إنما أخذت على نفسها هذا العهد حرة مختارة، لا مدفوعة إليه، ولا مكرهة عليه. والله – عز وجل – يأمر المسلمين أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، ولا ينقضوا الأيمان بعد توكيدها. وإذن فمن حق المسلمين أن يطالبوا الهيئة الموقرة بالوفاء، وأن يضنوا بالهيئة المقصرة على أن تنقض العهد أو تحنث في اليمين.
    والإسلام الذي نهضت الهيئة لحمايته والذود عنه في حاجة إلى حماية سريعة من الهيئة، فماذا فعلت في أمر هذه المرأة المسلمة التي تنتظر من يخلصها من الأسر ويردها إلى ولاية المسلمين. نص من نصوص القرآن الكريم معطل في بلد إسلامي، وليس القانون هو الذي يدعو إلى تعطيله، وليس الدستور هو الذي يدعو إلى تعطيله .. وإنما القانون والدستور يلحان في تنفيذه واحترامه. فنحب أن نعلم أيهما آثر عند هيئة كبار العلماء، وعند حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر: أن يظل هذا النص الكريم معطلا أم أن تسعى الهيئة عند الوزارة سعياً حازماً في تنفيذه، وأن تؤكد الهيئة للوزارة أن تعطيل هذا النص الكريم إذا استمر سيضطرها إلى أن تستقيل.
    نحب أن نعلم أي الأمرين آثر عند الهيئة: أتعطيل نص من نصوص القرآن الكريم وحكم من أحكام الإسلام؟ أم بقاؤها في مناصبها عاجزة عما يجب أن تنهض به؟
    ونحن ننتظر جواباً، وسنلح حتى نظفر بهذا الجواب، ونؤكد للهيئة أن الاستعداء علينا سواء أصدر منها أم من صحف الوزارة لن يخيفنا ولن يثنينا عن هذا الإلحاح.
    كوكب الشرق ١٠\٨\١٩٣٣

  • إلحاح

    إلحاح
    يظهر أنه سيتصل وسيتصل حتى يفتح الله على الوزارة وعلى هيئة كبار العلماء بما يخرجها من هذا الصمت المريب، ومن هذا السكون الذي لا يستطيع مسلم ولا مصري أن يرضى عنه أو يطمئن إليه. فقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الشعب المصري ليس طفلاً يمكن أن يكسب رضاه وينال إقراره بالمطاولة والمماطلة، أو بالتعلة والتلهية والاستعانة بالنسيان. وقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الذين يخاصمونها في أمر التبشير والمبشرين لا يريدون لهواً ولا لعباً، ولا يريدون كلاماً ينفق الوقت في كتابته وينفق مع هذه الأشياء التي يمضي بها كر الغداة ومر العشي دون أن ينتج أثراً، إنما هم يريدون الجد كل الجد، ويكتبون ليروا نتيجة ما يكتبون. فإن ظفروا بهذه النتيجة فذاك وإلا فهم ماضون في المطالبة بالحق والدعوة إلى أداء الواجب، وليس يضرهم أن تضع الوزارة أصابعها في آذانها، ولا أن تعرض هيئة كبار العلماء كأنها لا تسمع ولا تقرأ، فهم إن فاتهم استماع الوزارة والهيئة لهم فلن يفوتهم أن الناس يقرأون ويفقهون ويعلمون بعد القراءة والفقه، وبعد التدبير والتفكير أين يكون الدفاع عن الحق والنهوض بأداء الواجب وصون الحرمات، والذود عن الكرامة. أعند الذين يعلنون أنهم ناهضون بذلك، جادون فيه ثم لا يبلغون منه شيئاً، ولا يحققون منه قليلاً ولا كثيراً. إنما هو كلام يتبعه كلام وإعلان يليه إعلان؟ أم عند الذين يطالبون بالحق وهم لا يملكون إلا المطالبة به، ويدعون إلى الواجب وهم لا يملكون إلا الدعوة إليه، ويبذلون ما يملكون من قوة وجهد لتشجيع الذين يؤدون الحق إلى أهله وتأييد الذين ينهضون بالواجب وهم مخلصون؟

    مسألة لابد من أن يتبين فيها موقف الوزارة وموقف الشيوخ على أوضح صورة وأجلاها، لأنها لا تحتمل غموضاً ولا إبهاماً، ولا تقبل مماطلة ولا التواء. فإما أن تعمل
    الوزارة والهيئة فنشكر لهما مخلصين ما تعملان. وإما أن تقول الهيئة والوزارة فنعرف مدى ما تستطيعان أن تعملا. فأما السكوت والسكون، فأما الصمت والجمود فلن يفهم الناس منهما إلا أن الوزارة والهيئة عاجزتان كل العجز عن أوجب ما ينبغي أن تنهضا به أو مقصرتان كل التقصير عن النهوض بأوجب ما أنشئتا من أجله. وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين خليق أن يلزم الوزارة والهيئة التنحي عن هذا العمل الذي لا تستطيعان أو لا تريدان أن تنهضا به.

    نريد أن نعلم أكانت باطلة هذه الأحكام الشرعية التي أصدرها القضاء الإسلامي في أمر نظلة غنيم أم كانت صحيحة؟ فإن تكن باطلة فما بال الوزارة وهيئة كبار العلماء لا تعلنان بطلانها إلى الناس ليعلموا أن سكوتهما ليس عن عجز ولا عن تقصير، وإنما هو عن بغض للباطل وحب للحق وحماية للعدل وصيانة للقانون؟ وإن كانت صحيحة فما بالها لم تنفذ إلى الآن؟ وما هذه القوة الغريبة القاهرة التي تشل يد الوزارة وتحول بينها وبين إنفاذ هذه الأحكام؟ ثم نريد أن نعلم فيم وجد القضاء في مصر؟ أوجد ليصدر أحكاماً تعطل أم وجد ليصدر أحكاماً تنفذ؟ فإن تكن الأولى فما بال الوزارة لا تعلنه إلى الناس حتى لا يمنوا أنفسهم بالإنصاف والعدل اللذين يطلبونهما عند القضاء ما دام القضاء يؤدي واجبه فيقضي بالإنصاف والعدل ثم لا تمضي السلطة التنفيذية ما قضى به، وإن تكن الثانية فما بال هذه الأحكام التي أصدرها القضاء معطلة تنتظر التنفيذ، مهملة تنتظر الاحترام؟ أعطلت عن عمد أم عطلت عن كره من الوزارة؟ ومن الذي يكره الوزارة على أن تعطل أحكام القضاء؟ وتهمل تنفيذ القانون؟ أمصري هو أم أجنبي؟ فإن يكن مصرياً فمن هو؟ وما سلطانه؟ وكيف يتاح لمصري أن يكون سلطانه فوق سلطان الدولة؟ وأن يكون قادراً على تعطيل الأحكام وإهمال القانون؟ وإن يكن أجنبياً فمن هو؟ وبأي قوة يستطيع الأجنبي كائناً من كان أن يدخل بين المصريين إلى هذا الحد، وأن يكره الوزارة المصرية على إهمال قوانينها وتعطيل أحكام القضاء؟

    كل هذه مسائل لابد من أن تجيب عنها الوزارة، ولابد من أن يجيب عنها الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الوزارة، والدعوة لها وإليها. فإن من العسير أن تعلن الوزارة ألف مرة ومرة في البرلمان وبعيداً عن البرلمان أنها ستحمي الإسلام من كل عدوان، وستقف أمر المبشرين عند حده، وستؤدي من ذلك ما يرضى الله ويرضى المسلمين. كل هذا يسير، ولكن الشيء الذي يريده الناس ولا يؤمنون إلا به ولا يطمئنون إلا إليه هو أن تبر الوزارة بالوعد حين تعد وأن تعمل الوزارة حين تقول. ومهما يقل دعاة الوزارة
    وأنصارها إنها قد أخذت في إنشاء الملاجي وبثها في أقطار مصر فلن يبلغوا من رضا الناس ولا من صرفهم عن هذه القصة التي بين أيدينا شيئاً. فإنشاء الملاجي كما قلنا واجب اجتماعي لا مندوحة لأي وزارة من الوزارات عن أن تنهض به سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، فهو ليس مقاومة للمبشرين، وإنما هو احتياط لابد منه لاتقاء المبشرين وغير المبشرين من الآفات الاجتماعية. إنما المقاومة الصحيحة للمبشرين هي هذه التي نطلبها حين نلح في فرض المراقبة عليهم، وفي رفع أيديهم عن أبناء المصريين وبناتهم، وفي استنقاذ هذه الأسيرة التي لم يجعل الله لغير المسلمين عليها سبيلاً.

    فليظهر وزير الداخلية ووزير الحقانية أنهما جادان حقاً في مقاومة التبشير، ناهضان حقاً بما يفرض عليهما منصب الوزارة من إمضاء أحكام القضاء، ومن إنقاذ القانون وحماية النظام. وإنه لكثير جداً أن نلح نحن في ذلك، وأن يلح فيه غيرنا من الكتاب الذين لم يحتكر لهم أحد حماية الإسلام، ولم ترزقهم الدولة أجورهم على أنهم علماء الدين وحماة الإسلام، وأن يظل هؤلاء الحماة من العلماء في هذا الصمت الرائع والسكوت العميق.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يعتقد العلماء أن الناس سيسمعون لهم إذا قالوا إنهم حماة الإسلام، وسيؤمنون لهم إذا قالوا إنهم ورثة الأنبياء.
    حماة الإسلام وورثة الأنبياء المستأثرون بالدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله. هم هؤلاء الذين يلحون على الوزارة ويلحون، ويمضون في الإلحاح حتى تنفذ الوزارة أحكام القضاء الإسلامي فإن أعياهم ذلك أعلنوا إلى الناس أنهم قد أدوا الواجب وأبرأوا الذمة ونصحوا لله ورسوله وللمسلمين.

    فلتفكر الوزارة في هذا كله، وليفكر العلماء في هذا كله، ولتعلم الوزارة والعلماء أن المصريين لن يناموا ولن ينسيهم الصمت والإعراض ولن يرضوا إلا أن يعلموا عن ثقة ويقين أهم من أمر التبشير والمبشرين في هزل أم في جد.
    كوكب الشرق ٩\٨\١٩٣٣

  • عوجاء

    عوجاء
    نعم عوجاء، شديدة العوج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريق التي تعلن فيها إلى الناس أنك ستسلكها إلى الخير والإحسان، وإلى البر والمعروف، حتى إذا مضيت فيها تقطع الآماد والأشواط، وتنهب الأرض نهبًا، تبيّن للناس أنك لا تسلكها إلى الخير والإحسان، ولا إلى البر والمعروف، وإنما تسلكها إلى الإذاعة عن نفسك ونشر الدعوة لما تحب أن يظن الناس بك ويرون فيك، والتخييل إلى الناس أنك رفيق بهم على حين أنك رفيق بنفسك، حريص على منفعتهم على حين أنك حريص على منفعة نفسك، جادّ في خدمتهم على حين أنك جادّ في أن تخدعهم عن نفسك وتلهيهم عمّا كان يجب أن ينهضوا به من السعي إلى الخير والاجتهاد في الإصلاح، تُخيّل إليهم أنك ستقوم بذلك عنهم وستكفيهم مؤنته ومشقة الجد فيه والسعي إليه، فإذا صدّقوك واطمأنّوا إليك وأولوك ما تطلب من ثقة ومنحوك ما تريد من تأييد، أعرضت عنهم وعن آمالهم، ولم تصنع لهم شيئًا، كأنك لم تعدهم بشيء وكأنك لم تعاهدهم على شيء.

    نعم، عوجاء شديدة الاعوجاج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريقة التي يسلكها بعض الناس، يعلنون أنهم يبتغون بسلوكها وجه الله، فإذا هم يمضون إلى ما لا يلائم رضا الله ولا رضا الناس، وإنما يلائم أغراضًا غير واضحة، وأعراضًا غير بيّنة، وأهواء أقل ما توصف به أنها لا تليق بكرام الناس.

    وما أكثر ما يسلك الناس هذه الطرق المعوجة، وما أكثر ما يمضي الناس في هذه السبل الملتوية إذا فسدت أمور الحياة العامة واضطرب رأي الناس فيها وتقديرهم لها وحكمهم عليها. هنالك يظهر المنتفعون والمنتهزون للفرص، وهنالك يظهر العابثون واللاعبون بالعقول. وهنالك تصبح المنافع العامة خدعة من الخدع، وتعلّة من التعلات، ووسيلة إلى تحقيق المآرب الخاصة، وسببًا إلى قضاء الحاجات. وهنالك يكثر الفساد، ويزداد انتشارًا، وتعظم الأثرة وتشتد سيطرتها على القلوب والنفوس. وهنالك يضعف تقدير الناس للمنفعة العامة وتفكيرهم فيها ورعايتهم لحرمتها. وهنالك يصبح الناس فرديين، لا يعني كل واحد منهم إلا بنفسه، يدفع عنها ما يستطيع دفعه من الشر، ويجر إليها ما يستطيع جره من الخير. وهنالك يضعف الروح الوطني وتنحل قوة التضامن، ويصبح الناس وقد لهوا عن قوميتهم، وشُغلوا عن وحدتهم، وأصبح كل طامع قادرًا على أن يذلهم فيمعن في إذلالهم، ويستغلهم فيغرق في استغلالهم، ويسخرهم لما يريد دون أن يخشى رقيبًا ولا حسيبًا.

    هذه ظاهرة من ظواهر الحياة العامة في كل بلد من البلاد يُصاب بمثل هذه الأزمات السياسية والخلقية والاقتصادية التي تشقى مصر بها في هذه الأيام. وإنك لقادر على أن تشهد هذه الظاهرة وتحققها، وتأسف أو لا تأسف حين تشهدها وتحققها في كثير من أنحاء الحياة المصرية. فما أعظم الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، وما أبعد الأمد بين ما يظهر كثير من الناس وما يضمرون. كل الناس إذا تحدثت إليهم محبّ لمصر، عطوف عليها، رؤوف بها، مؤثر لها على نفسه. فإذا بلوت أعمال الناس فكثير منهم من يحب نفسه ويعطف عليها، ويرأف بها ويؤثرها على كل شيء، ويؤثرها على مصر قبل أن يؤثرها على أي شيء. ولولا انتشار هذا النوع من النفاق في حياتنا الاجتماعية، ولولا انتشار هذا النوع من الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، لما شقيت مصر بهذه الحال السيئة التي شقيت بها منذ أعوام.

    وكم نحب أن يبرأ فريق من المصريين، فريق بعينه، من حب هذه الطرق الملتوية العوجاء، لأنها لا تلائم طبيعة مركزه، ولا تلائم ما يريد الناس أن يروا فيه وأن ينتظروا منه. كم نحب أن تكون طريق علماء الدين أبرأ الطرق من الاعوجاج، وأبعد الطرق عن الالتواء، وأقرب الطرق إلى الصدق والإخلاص والنصح لله وللمسلمين، والملاءمة بين ما يسرّون وما يعلنون، وبين ما يعملون وما يقولون. هؤلاء علماء الدين قد سكتوا وسكنوا، وأطالوا السكوت والسكون، فأنكر الناس عليهم ذلك. ثم قالوا ونشطوا وأكثروا القول وأمعنوا في النشاط، فحمد الناس لهم ذلك، ولكن سكوتهم وسكونهم كانا يضران ويجلبان على الناس شرًّا كثيرًا. فكان من حق الناس أن ينكروا ويلوموا، وكان من حق الناس أن ينتظروا من قول هؤلاء الشيوخ ونشاطهم خيرًا كثيرًا. فماذا أفاد الناس من قول الشيوخ حين قالوا، ومن نشاط الشيوخ حين نشطوا؟ لقد مضى شهر ونصف شهر منذ نهضت هيئة كبار العلماء تدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، وفي هذا الشهر الذي مضى وفي نصف الشهر الذي تبعه اجتمع الشيوخ واجتمعوا، وقال الشيوخ وقالوا، وعمل الشيوخ وعملوا. ثم يتساءل المسلمون اليوم عن نتيجة هذا كله، فيذكرون قول أبي العلاء حين أنشد لبعض شعراء الغرب الإسلامي، وسئل عن رأيه فيما سمع فقال: كأني أسمع رحى تطحن قرونًا، أي أنه كان يسمع جعجعة ولا يرى طحنًا.

    وكذلك يسمع المسلمون كلامًا كثيرًا من شيوخ الأزهر، ويرى المسلمون نشاطًا عظيمًا من شيوخ الأزهر، ولكنهم لا يظفرون من هذا الكلام الكثير، ومن هذا النشاط العظيم بشيء يسير.

    لقد علمت هيئة كبار العلماء أن المسلمين يفزعون إليها ويلحون في الفزع لتجدّ في إنقاذ هذه المرأة المسلمة التي تسمى نظلة غنيم، والتي ما تزال لغير المسلمين عليها سبيل، والتي لا تستطيع أحكام الله أن تنفذ فيها، ولا أن تردها إلى أهلها، ولا أن تصرف عنها المكروه، لأن حكمًا من أحكام المجلس الملي الإنجيلي يقوم دون أحكام القضاء الإسلامي فيعترض سبيلها ويحول بينها وبين النفاذ. تعلم هيئة كبار العلماء هذا كله وتسمعه في كل يوم وتقرؤه في كل يوم، وهي تجتمع وتجتمع. فنحب أن نعلم ماذا فعلت لتنفذ أحكام الإسلام في بلد من بلاد الإسلام، مع أن هذه الأحكام لا تناقض الدستور، ولا تخالف القانون، ولا تعرض مصر لخطر من الأخطار. نحب أن نعلم أي سعي سعت هيئة كبار العلماء عند الوزارة لتنفذ هذه الأحكام، ولترعى هذه الحرمات، وماذا أنتج هذا السعي عند الوزارة، وبماذا لقيته؟ أبالقبول أم بالاعتراض؟ فإن تكن الأولى فما بال هذه الفتاة المسلمة لم ترد إلى أهلها المسلمين؟ وإن تكن الثانية فما بال هيئة كبار العلماء لم تنكر ولم تحتج ولم تعلن إلى المسلمين عجزها عن حماية الإسلام، وبراءة ذمتها من هذا العبء الذي نهضت به وهي لا تقدر عليه؟ والأمر أشد خطرًا من أن يكتفى فيه بكلام يقال وصمت يطول. فلابد من أن يعلم المسلمون إلى أي حد كانت الوزارة جادة فيما وعدت به من حماية الإسلام، وإلى أي حد كانت هيئة كبار العلماء جادة فيما أخذت نفسها به من الذود عن الإسلام.

    زعموا أن مفاوضات تجري بين الوزارة ودار المندوب السامي في إصدار قانون ينظم مراقبة التبشير والمبشرين. وقد طلبنا إلى الوزارة أن تقول في ذلك فلم تسمع لنا ولم تحفل بما طلبنا. فنحب أن نعلم: أيراد أن يظل أمر هذه الفتاة المسلمة الأسيرة معلقًا موقوفًا حتى يصدر هذا القانون؟ ولعل بين مواده ونصوصه ما يجعلها خالصة للمبشرين. أم يراد أن يفصل في أمر هذه الفتاة بما يرضي الله والقانون والدستور قبل أن يصدر هذا التشريع الجديد؟ سؤال ينتظر جوابًا، وينتظر جوابًا صريحًا سريعًا من هيئة كبار العلماء ومن لجنتها التنفيذية بوجه خاص، ومن صاحبَي الفضيلة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية بوجه أخص. فقد كثر الكلام في هذا الموضوع وطال الصمت. وقد اشتد الإلحاح في هذا الموضوع، وطال الإعراض، وآن للناس أن يعرفوا: أهم من أمر التبشير والمبشرين في جد أم في هزل؟

    هناك طريقان: إحداهما واضحة مستقيمة، وهي السعي الصريح في إنفاذ أحكام الإسلام، أو الإعلان الصريح للعجز عن ذلك.

    والأخرى عوجاء ملتوية، وهي المماطلة والمراوغة والإعراض والإغضاء، وإكثار القول وإقلال العمل. وواضح أننا نحرص أشد الحرص، ونتمنى ما وسعنا التمني، أن تسلك وزارتنا وشيوخنا تلك الطريق المستقيمة، لأننا نكبر وزارتنا وشيوخنا عن التورط في كل طريق ملتوية عوجاء.

    كوكب الشرق في ٨-٨-١٩٣٣

  • عتاب

    عتاب
    نسوقه إلى زميلتنا «السياسة» الغراء، فقد بغت وطغت، وأسرفت في البغي والطغيان حتى تجاوزت كل حد، وخرجت عن كل طور. وما رأيك في صحيفة سيّارة تتتبع ما يقال عن علماء الإسلام، ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى، ونجوم الدجى، وورثة الأنبياء، فتذيعه، لا تتحرى فيه حقًا، ولا تتثبت فيه من صواب، فتسيء بذلك إلى ورثة الأنبياء؟ وأي إساءة أشد من إشاعة الشر عنهم وإذاعة الفاحشة عنهم؟ وتسيء إلى المسلمين، وأي إساءة أشد من أن تصوّر هداتهم وحماتهم في هذه الصورة المنكرة التي تذيعها في هذه الأيام؟
    أذاعت منذ شهور أن شيخًا من شيوخ الأزهر الشريف سافر في الدرجة الثانية واقتضى أجر الدرجة الأولى، فاحتاز مالًا ليس له، وإنما هو لله والمسلمين. وظلت تذيع وتشيع، وظلت تصول وتجول وتكتب وتقول، حتى ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهنا ذلك أشد الكره، وفزعنا إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر أن يكذب هذا الحديث ويرفع هذا العار، ويحمل «السياسة» على السكوت.
    ولكن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر كان حليمًا مغرقًا في الحلم، فأعرض عن «السياسة» رحمةً لها وعطفًا عليها، وثقةً أن أحدًا من الناس لن يصدقها. ومن الذي يصدق أن علمًا من أعلام الهدى، ونجمًا من نجوم الدجى، ومصباحًا من مصابيح الظلام، وإمامًا من أئمة الإسلام، يحتجز من مال الدولة قرشين أو ما ينقص عنهما قليلًا أو ما يزيد عليهما قليلًا؟ ولكن في الحلم إغراء، وفي العفو أطماع، فظنت «السياسة» أن حلم الشيخ الأكبر عجز، وظنت «السياسة» أن عفو الشيخ الأكبر ضعف، وظنت «السياسة» أن صمت الشيخ الأكبر تسليم. وقد ساء ظن «السياسة»؛ فالشيخ أكبر من العجز، والشيخ أقوى من الضعف، والشيخ أقدر من التسليم، ولكن الناس فُطروا على الطمع فيمن يعفو عنهم، والاعتداء على من يعطف عليهم.
    وهذه «السياسة» تنشر اليوم، من غير أن تتحرى ومن غير أن تتثبت، قصةً شرًّا من تلك القصة، وحديثًا شرًّا من ذلك الحديث. كوكب من كواكب الدجى وشمس من شموس الهدى، وطود من أطواد الإسلام، وركن من أركان الدين، وإمام من أئمة اليقين، وعضو من هيئة كبار العلماء التي نهضت لتدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، تتهمه «السياسة» — والعياذ بالله — بأنه كان يرأس جماعةً من جماعات العلماء، جمعت المال ثم أصابها الانحلال، فظل مالها أمانةً عند الشيخ عامًا وعامًا، ثم عامًا وعامًا، ثم أعوامًا بعد أعوام. والشيوخ يطلبون إلى الأستاذ أن ينفق هذا المال في وجه من وجوه الخير أو في سبيل من سبل البر، والشيخ عن ذلك معرض، كأن أحدًا لا يتحدث إليه، ولا يسأله عن شيء.
    كذلك قالت «السياسة» صباح اليوم. وأنا بريء إلى الله، وإلى العلماء، وإلى الناس جميعًا، مما قالت «السياسة». ولست أكتب مسجِّلًا له ولا مؤمنًا به، وإنما أكتبه منكرًا له أشد الإنكار، لائمًا «السياسة» فيه أشد اللوم، طالبًا إلى الشيخ الأكبر أن يخرج عن حلمه الحليم، وعن رحمته الرحيمة، وأن ينفي هذا الذي تذيعه «السياسة»؛ فإن من الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، أن يكون ورثة الأنبياء أصفى من الصفاء، وأنقى من النقاء. وطالبًا إلى «السياسة» نفسها أن تمحو ما سطرت، وتنكر ما نشرت، وتعتذر إلى الإسلام ومصابيحه، وإلى الدجى وكواكبه، وإلى الهدى وأعلامه، وإلى الأنبياء وورثتهم، من هذا الكلام الذي لا ينفع ولكنه يضر، ولا يحسن ولكنه يسيء. ولعل «السياسة» لا تغضب إن اشتددنا عليها في العتب، وشططنا عليها في اللوم، فما وفيناها إلا بعض حقها، وما جزيناها إلا بأيسر الجزاء.

  • إغراء

    إغراء
    كانت المسيحية تنتشر في أقطار الأرض انتشارا سريعا منذ ثمانية عشر قرنا. وكان اعتناق المسيحية في ذلك الوقت جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالموت. وكان الناس يدخلون في هذا الدين سرا، ويخفون إيمانهم به وإقامتهم لشعائره. وكان يسعى بعضهم لبعض، ويكيد بعضهم لبعض، ويدل بعضهم على بعض. فارتفعت إلى حاكم من حكام الأقاليم في آسيا سعايات كثيرة بقوم كثيرين دخلوا في هذا الدين الجديد، ووقف هذا الحاكم موقف التردد والحيرة من هذه السعايات: أيصغي إليها أم يعرض عنها؟ فكتب إلى روما يستفتيها وأجابته روما بهذا الجواب البديع: من سعى بغير فليس منا، وما ينبغي أن تكون السعاية وسيلة من وسائلنا إلى الحكم، فإن ارتفعت إليك الدعوى على أحد أنه دخل في هذا الدين وقامت عليه البينة لديك فأنفذ فيه حكم القانون. وإلا فلا تجعل لنفسك على الناس في هذا سبيلا.
    وأمضى الحاكم هذا الأمر فلم يأخذ بالسعاية ولم يسمع لوشاية الواشين ولم يبث على الناس عيونا ولا أرصادا، ولا جواسيس ليتبين من أمرهم ما كان يجب أن يتبين، فقد كان الدخول في الدين الجديد خروجا على قوانين الدولة، وإهدارا لما كان للإمبراطور في أعناق الناس من واجب العبادة والتقديس، وتحللا من واجب آخر لم يكن أقل من هذا الواجب خطرا، واجب النهوض بالدفاع عن سلامة الإمبراطورية.
    كان ذلك في عهد تراجانوس الإمبراطور، وكان الحاكم كلينيوس الصغير، وكان تاريخ القصة أول القرن الثاني للمسيح. وكان الإمبراطور وحاكمه وثنيين. ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي والحضارة ما بلغه الآن بفضل نمو العقل، وانبساط سلطانه على حياة الناس وعلى الأشياء، ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي الديني والخلقي ما بلغه في هذه الأيام بفضل انتشار الديانات السماوية وسيطرتها على العقول والقلوب، وتأثيرها في سيرة الناس وتفكيرهم وفي سياستهم العامة والخاصة معا.
    وفي هذا القرن الذي نعيش فيه بعد أن بلغ العقل ما بلغ من الرقي، وبعد أن انتشر نور الديانات السماوية بين الناس فأحيا القلوب والنفوس، وبين سبيل الخير وسبيل الشر وأوضح للناس طريق المعروف ليسلكوها، وطريق المنكر ليجتنبوها.
    في هذا القرن العشرين كثرت طائفة بعينها من الجرائم في بلد بعينه من البلاد، وعجزت حكومة بعينها من الحكومات عن قمع هذه الجرائم، لأنها عجزت عن استكشاف المجرمين. فلما ضاق بها الأمر، وأعيتها الحيلة وسدت عليها السبل، رأت أن أوضح السبل إلى أخذ المجرمين وتقديمهم إلى القضاء ليلقوا جزاءهم على ما اقترفوا من إثم، واجترحوا من سيئة إنما هو تشجيع الساعين أن يسعوا والواشين على أن يشوا، والكائدين على أن يكيدوا، والمفسدين على أن يفسدوا، والعابثين بالأخلاق على أن يعبثوا بالأخلاق.
    وكانت هذه الحكومة قد ظفرت في وقت من الأوقات بطائفة من الآثمين سعى بعضهم ببعض فقدمتهم إلى القضاء، وأجرى فيهم القضاء أمر القانون حازما صارما، ليست فيه هوادة ولا لين. فراع هذا الحكم غير هؤلاء الآثمين من الناس فانقطعت السعاية ووقفت الوشاية، وأمن الأبرياء من أن يزجوا في أعماق السجون أشهرا حتى يظهر القضاء براءتهم، وعمي أمر المجرمين على الشرطة، ولم تمكنها وسائلها الخاصة من أن تستكشف هؤلاء المجرمين بنفسها فسعت وألحت في السعي، وطلبت وألحت في الطلب حتى صدر العفو عن أشد هؤلاء الآثمين إثما، وأكثرهم إغراقا في السعاية والوشاية والكيد فحُطِّمت عنه الأغلال وانحلت عنه السلاسل، وانفرجت عنه أبواب السجون وانطلق حرا يستمتع بما يستمتع به الناس من الحياة والضوء والهواء الطلق ومُنح حظه من مكافأة كانت قد أُرصدت لمن يدل الشرطة على الآثمين.
    كان مقضيا عليه بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما، فقضى فيها أحد عشر شهرا، وخرج فإذا بألف من الجنيهات تنتظره على باب السجن أو في مكتب من مكاتب الإدارة ليذوق لين العيش بعد خشونته، ولذة الحياة بعد آلامها، وليكون غنيا بعد فقر، ناعما بعد بؤس، سعيدا بعد شقاء. والعفو فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروها ولا سيما إن آثروها وهم قادرون على البأس والبطش. فمن الحق أن يُحمد لهذه الحكومة التماسها العفو عن هذا السجين، وقد كانت قادرة على أن تبقيه في السجن. والجود فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروه، ولا سيما إن آثروه وقت الحاجة إليه. فمن الحق أن تُحمد الحكومة حين تمنح هذا البائس ألفا من الجنيهات، وقد كان محروما لا يجد ما ينفق بعد أن انفرجت عنه أبواب السجون.
    ولكن العفو فضيلة حين يُقصد لنفسه، وحين يُراد به وجه الله. والجود مأثرة حين يُقصد لنفسه وحين يُراد به رفع الكرب عن المكروبين، ورد الحرب عن المحروبين. فأما إذا طلبت العفو لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي طلبت العفو عنه من سعاية ووشاية وكيد، فأما إن أنعمت لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي أنعمت عليه من سعاية ووشاية وكيد، فأنت لم تؤثر عفوا، ولم تصطنع جودا، وإنما عرضت الأخلاق لشر عظيم، ووضعت ضمائر الناس في الأسواق للبيع والشراء، وفتحت على الأبرياء الآمنين أبوابا من الشر منكرة، لا سبيل إلى أن تُغلق إلا بعد الكد والجهد، وبعد المشقة والعناء، وبعد أن يُبلى عدل القضاء في ذلك بلاء حسنا عظيما معقدا أشد التعقيد. واتخذت الفضيلة وسيلة إلى غير الفضيلة، والمعروف وسيلة إلى غير المعروف. وأفسدت على الناس قيم الأشياء، وشككت الناس في الخير والشر، وجعلتهم خليقين أن يزدروا الاستقامة، ويؤثروا عليها الاعوجاج، وأن يعافوا البر ويؤثروا عليه النكر، وأن يسألوا أنفسهم: أيهما ينبغي أن نصدق؟ أهو ما تنبئنا به كتب الدين والأخلاق من أن البر والخير والمعروف وحسن السيرة واستقامة المسعى أمور تليق بكرامة الناس وأتقيائهم، وتضمن لهم رضا الله ومثوبته؟ أم هو ما يغرينا به مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من إيثار السعاية والوشاية وحب الدس والكيد، ونصب الحبائل للأبرياء؟ أيهما ينبغي أن نسمع له ونصغي إليه؟ أهو هذا الذي يقال من أن الحكومة في البلاد المستنيرة المؤمنة إنما أُنشئت لتقيم العدل بين الناس بالعدل، لا بالجور، ولتكشف شر الناس عن الناس بالقسط لا بالظلم، ولترغب الناس في الخير وتعينهم عليه وتمكنهم منه؟ أم هو هذا الذي يلقيه في روعنا مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من أن الغاية تبيح الوسيلة، ومن أن الحلم يمكن أن يُبذل ثمنا للكيد، ومن أن الجود يمكن أن تُشترى به السعاية والوشاية والشر.
    كل هذه الخواطر تضطرب بها نفوس المصريين جميعا منذ أمس، وتخفق لها قلوب المصريين جميعا منذ أمس، وتتحدث بها ألسنة المصريين جميعا منذ أمس. فإن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة حين استصدرت العفو عن هذا السجين البائس قد تفيد — على شك كثير في ذلك — في إعانة الشرطة على استكشاف من أعجزها استكشافه من الآثمين، ولكنها ستضر أكثر مما تنفع، وستفسد أكثر مما تصلح، وستغري الناس بالشر أكثر مما تنهاهم عنه، وسترغب الناس في الإثم أكثر مما تنفرهم منه. ويكفي أنها ستشكك الناس تشكيكا فظيعا مخيفا في هذا الذي تجري به ألسنة الوعاظ والأتقياء والمعلمين والمؤدبين من صنع الخير والثناء عليه، ومن الإشادة بحسن السيرة، ونقاء الضمير. وكم كنا نحب أن تفكر الوزارة فتحسن التفكير، وأن تروي الوزارة فتحسن التروية، وأن تسأل الوزارة نفسها أيهما أحق بالعناية وأولى بالرعاية؟ أهو استقامة الأخلاق العامة، وطهارة ضمائر الناس، أم هو إعانة الشرطة من طريق معوجة ملتوية على ما عجزت عن الوصول إليه.
    أما نحن فنعتقد اعتقادا لا يشوبه الشك أنه قد كان على الوزارة واجب قصرت فيه، وهو أن تتبين الأسباب التي دعت إلى عجز الشرطة فتغيرها. وأكبر الظن أن هذه الأسباب موجودة في الشرطة نفسها وفيما تجري عليه من نظام، فلو قد غيرت الوزارة من نظام الشرطة ما ظهر أنه سبيل إلى هذا العجز لكان هذا خيرا للأمة والحكومة معا، ولكان هذا أبقى على دين الناس وأخلاقهم ورأيهم في قيمة الدين والأخلاق.
    ما كان أجدر الوزارة بأن تعرض عن نصح هؤلاء الناصحين الذين يخيلون إليها أنها وُجدت لنفسها لا للناس، وأن كل وسيلة مهما تكن فهي مشروعة ما دامت تمكنها من الحياة وطول البقاء. إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة تضيق بشيء، فهي تريد أن تخلص من هذا الضيق دون أن تفكر في قيمة الوسائل التي تتخذها للخلاص من هذا الضيق.
    إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة أمس دليل واضح على أنها تؤثر بقاء نفسها وراحتها على أمن الناس وراحتهم واطمئنانهم إلى ما يأمر به الدين، وما تأمر به الأخلاق.
    أما وقد فتحت الوزارة هذا الباب فتستطيع أن تثق منذ الآن بأنها فتحت بابا عظيما من أبواب الشر، وبأن كثيرا من الأبرياء الوادعين سيلقون من صروف الكيد وصنوف الدس ما ينغص عليهم الحياة، وبأن القضاء نفسه سيلقى من الجهد والمشقة ضروبا وألوانا ليستنقذ الأبرياء من حبائل الساعين والواشين، وليفرق بين هؤلاء الذين قد يُقدَّمون إليه ظلما، وقد يذوقون عذاب السجن ظلما، وبين هؤلاء الذين سيُقدَّمون إليه وهم أهل لما أرصد القانون من عقاب الآثمين.
    كوكب الشرق في ٥ – ٨ – ١٩٣٣

  • اطمئنان

    اطمئنان
    إن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، فهي تتمتع بعطف جلالة الملك ورعايته كما تتمتع في الوقت نفسه بثقة البرلمان التامة.
    على أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    لا بأس على رئيس الوزراء من أن يجمع بين هذين النقيضين في حديث قصير جداً، تقرؤه في دقيقتين اثنتين؛ فرئيس الوزراء متعب لا جناح عليه إن جمع بين النقائض، ورئيس الوزراء نابغة لا حرج عليه أن يجمع بين النقائص.
    والواقع أن التأليف بين الأضداد، والجمع بين النقائض شيء لم يبحه الله إلا للمتعبين الذين يعييهم التفكير المستقيم، أو النابغين الذين يخرجون من أطوار الناس ويتحدثون بما لا يفهم ولا يحتمل التفسير.
    ورئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك ولا ريب. ورئيس الوزراء كان مريضاً وقد برئ من هذا المرض والحمد لله، ولكنه متعب مكدود ما في ذلك شك. وآية ذلك — إن كنت في حاجة إلى آية — أن الأخبار قد استفاضت به فلم ينكره أحد، وأن الإجماع كان قد انعقد على أن رئيس وزرائنا سيستقبل في حفل عظيم، وسيلقى خطبة سياسية جامعة حين يعود سالماً موفوراً إن شاء الله. ثم أصبحت خطبته السياسية شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب. ثم أقبل سكرتيره يتقدمه بأسبوع عجلان مسرعاً، فزار أشخاصاً بارزين من أساطين العهد السعيد، ولم يمضِ على مقدمه ليل كامل — نستغفر الله — بل ساعات حتى أصبح الحفل العظيم شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب، وقيل إنه أجل إلى غير أجل. وكانت الوفود قد هيئت وأخذت تحزم أمتعتها فيقال لها: مكانك تحمدي أو تستريحي.
    وكانت الخطب قد حبرت أو أخذ في تحبيرها فسيقال لها: انحلي انحلالاً، وليذهب كل لفظ من ألفاظك إلى حيث كان، وليذهب كل معنى من معانيك إلى معدنه الكريم الذي خرج منه، فلا استقبال ولا احتفال ولا استباق في حلبة الفصاحة والبيان، لأن رئيس الوزراء متعب يريد أن يستريح فلا ينبغي أن يُشق عليه، ولأن رئيس الوزراء قد برئ من مرضه ولكنه حريص، ومصر حريصة معه على أن يقف ما أنعم الله به عليه من الصحة لتصريف الشؤون العامة، واستنقاذ البلاد من هذه الأخطار المحدقة التي تأخذها من كل مكان.
    رئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك، ورئيس وزرائنا متعب ما في ذلك شك. ولأحد هذين السببين أو لهما جميعاً استطاع رئيس وزرائنا أن يلائم بين الأضداد، ويجمع النقائض، ويعلن إلى مكاتب الأهرام أمس أن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، ويعلن إلى مكاتب الأهرام في الوقت نفسه وفي الحديث نفسه أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    فالوزارة إذن قوية إلى غير حد، ومركزها متين إلى غير حد، ولكنها مع ذلك قد تعدل لأن بقاء الوزارات على الدوام في مركزها أمر لا سبيل إليه. كلام يفهمه المتعبون أو يفهمه النابغون. أما أنت فلست متعباً ولا نابغة ولست أنا أشد منك تعباً ولا أدنى منك إلى النبوغ، فلنا العذر كل العذر إذا لم نفهم هذا الكلام على وجهه، ولم ننتهِ منه إلى النتيجة التي أرادها صاحبه، وهل أراد صاحبه شيئاً؟ مثلي ومثلك من الذين أعفاهم الله من المرض والتعب إلى حين، ولم يتح لهم التفوق والنبوغ، إذا سمع مثل هذا الكلام هز رأسه ورفع كتفيه ومد شفتيه مغضباً لمخالفة أحكام العقل، أو قبض شفتيه باسماً للخروج عن أصول التفكير المستقيم، ثم غشيت وجهه سحابة رقيقة فيها ألم للمتعبين وإعجاب بالنابغين، لأن الوزارة القوية إلى غير حد، المتينة إلى غير حد، التي لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، لا يحتمل تعديلاً ولا تبديلاً، ولا تتعرض لتغيير أو تحوير، وإنما تفرضها قوتها على الناس والأيام والظروف فرضاً حتى يأتيها الضعف من بعض نواحيها. فإذا أتاها هذا الضعف لأن رئيسها مريض قد طال مرضه، أو لأن سياستها قد أخفقت إخفاقاً معيباً، أو لأن صديقاً من أصدقائها الأعزاء قد اضطر إلى الرحلة منقولاً أو معزولاً، فهي حينئذ محتاجة، لا إلى ما يسميه الناس التعديل، بل إلى ما يسمونه التغيير، لا إلى ما يسميه الناس تبديلاً في بعض الأشخاص، بل إلى ما يسمونه استقالة، وقيام وزارة أخرى مقامها. وكل شيء يدل عندك وعند الموظفون وعند أمثالنا من الذين لا يزال الله يحفظ عليهم شيئاً من الصحة ويحرمهم نصيباً من النبوغ، على أن وزارتنا في موقف من هذه المواقف الذي يجعل التغيير والاستقالة أمراً لا بد منه، وحتماً لا منصرف عنه؛ فرئيس وزرائنا قد طال عليه المرض وهو قد برئ منه الآن ولكن ليستريح، لا ليستأنف النشاط السياسي فوراً.
    وسياسة وزارتنا قد أخفقت إخفاقاً معيباً، فلا هي كسبت خصومها بحسن السياسة، أو بالإغراء، ولا هي قهرت خصومها بسعة الحيلة أو بالإسراف في البطش وألوان العنف، وإنما هي اليوم كشأنها يوم قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام أمام شعب قوي حازم، لا يعبث الآن كما لم يكن يعبث من قبل في مطالبته بالحق وإلحاحه فيه وحرصه على أن يحكم كما يريد هو، لا كما يريد غيره مهما يكن من الناس.
    نعم، وأخفقت الوزارة في غير ذلك مما عرضت له من الشؤون، فالأزمة تشتد وتشتد حتى تكاد تضطر الشعب كله إلى الجوع. والأمن يختل حتى يكاد يضطر الشعب كله إلى الاستخفاء إذا كان الليل. والأجنبي يطغى حتى يعبث فريق من المبشرين في غير حرج ولا جناح بأبناء الشعب وبناته، وحتى تتألب أوروبا علينا الآن لتكرهنا على أن نؤدي فوائد الدين ذهباً، لا ورقاً، مع أنها تخلصت هي من عبء الذهب، ومن دولها من تخلص من عبء الدين كله أو بعضه، وحتى أصبحنا غرباء في بلادنا، تعبث بنا الشركات كما تريد، وتضطر عمالنا إلى الجوع والسؤال. والوزارة تنظر إلى ذلك باسمة مطمئنة، والقوانين تشرع ثم لا تحترم، بل يتجاوز الوزراء أنفسهم حرمات هذه القوانين. والموظفون يشهدون من ألوان المحاباة والإيثار ما يفسد عليهم كل شيء وينزع من قلبها الثقة والأمل، ويبث بينهم العداوة والبغضاء. وكل شيء في مصر قد فسد حتى بلغ من الفساد أقصاه أو كاد يبلغه حتى لو قال قائل إن هذه الوزارة إنما قامت لتحليل الشعب وإظهار ما فيه من مواضع الضعف وتعريضه لكل ألوان الشر لما أخطأ ولا جار عن قصد السبيل. ولم تأخذ مصر لهذا الشر العظيم والخسران المبين ثمناً قليلاً أو كثيراً، فما زال الإنجليز كما كانوا، لم يفاوضوا ولم يعاهدوا، ولا أظهروا رغبة في المفاوضة أو المعاهدة. وإنما غلوا في التسلط على مصر سراً وجهراً، فحققوا ما أرادوا من المأرب وردوا مصر إلى مكان البقرة الحلوب من الشره والنهم الذي لا يروى مهما شرب، ولا يشبع مهما أكل، ولا بد له من أن يحلب ويحلب، ومن أن يمرى ويمرى حتى يخرج إليه لبن البقرة مشوباً بالدم.
    أفتظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا اليوم من القوة والمتانة بحيث لم تكن في يوم من الأيام؟ أم تظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا معرضة للتغيير، لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام لا سبيل إليه؟
    كلا الأمرين قاله رئيس الوزراء، وكلا الأمرين يؤمن به رئيس الوزراء فهو يرى أن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وهو يرى أن وزارته قد يصيبها التعديل. وأكبر الظن أنه لا يريد أن يجيب على سؤال لم يكن بد من أن يجيب عليه. ويقول كلاماً لم يكن بد من أن يقوله. فأما الحق الذي لا شك فيه فهو أن الأمر قد خرج من يد صدقي باشا، لأنها لم تبق قادرة على ضبطه وتصريفه.
    وأظرف من هذا التناقض ما يقوله رئيس الوزراء من أن وزارته مستمتعة بثقة البرلمان. هي إذن قوية إلى غير حد، متينة إلى غير حد. فأما ثقة البرلمان فسيستمتع بها صدق باشا ما أقام في الحكم. وأما ثقة جلالة الملك فقد نحب أن نعلم كيف يجمع رئيس الوزراء بين استمتاعه بها وبين إعلانه أن وزارته قد يصيبها التعديل، لأن بقاء الوزارة في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    وكم نحب لصدقي باشا وزملائه وأنصاره أن يقتصدوا في ذكر جلالة الملك وثقته بهم وعطفه عليهم، فنحن نعلم حق العلم أن الشعب المصري نفسه مستمتع بحب جلالة الملك له، وعطف جلالة الملك عليه، وإيثار جلالة الملك لمنافعه على الوزراء وبقائهم في مناصب الحكم. فخير الوزراء أن يرفعوا ثقة جلالة الملك عن هذه الأحاديث السياسية التي هي بطبعها موضوع للمناقشة والجدل.
    وظريف من رئيس الوزراء تأكيده أن تغيير المندوب السامي لن يغير السياسة الإنجليزية. هذا ظريف لأن رئيس الوزراء يسلك في هذا التأكيد مسلك زميله الذي خطب في حزب الشعب منذ أيام فأعلن أن المندوب السامي لم ينقل لأسباب سياسية، وإنما نقل لعامل شخصي محض. وهذا رئيس وزرائنا يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق تأكيد بأن سياسة وزارة الخارجية البريطانية لم تتغير. فسياسة وزارة الخارجية البريطانية هي هذه الدائرة التي تدور فيها منذ الثورة. وهذه الدائرة ما زالت قائمة لم تنفرج بعد، وما تزال وزارة الخارجية البريطانية تدور فيها. فإذا كانت هذه السياسة ثابتة باقية فإن ثباتها لا يستلزم بقاء الوزارة القائمة، ولعله يستلزم ذهابها كما استلزم ذهاب المندوب السامي، لأن وزارة الخارجية تدور، وقد قطعت من دائرتها مكان صدقي باشا والسير برسي لورين. فإذا كان رئيس الوزراء يظن أن ما لديه من التأكيدات يخدع أحداً، فهو مخطئ، فإن هذه التأكيدات لا تخدع إلا الذين يتعلقون بأهداب الوهم. ورئيس الوزراء نفسه غير مخدوع بهذه التأكيدات فهو يعلن أن وزارته القوية المتينة قد يصيبها التعديل لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    ما أجدر رئيس الوزراء وأصحابه أن يأخذوا بحظهم من الشجاعة وأن يؤمنوا للحق الواقع ويعترفوا به؛ فقد أخفقت سياستهم وسياسة المندوب ولا بد من تغييرهم كما تغير المندوب. والأيام حازمة صارمة، لا تعرف ضعفاً ولا تردداً، ولا تعرف رحمة ولا إشفاقاً. وهي ممضية حكمها فيهم كما أمضته في المندوب، لا يعنيها أن يرضوا بذلك أو يسخطوا عليه. فليطمئن رئيس الوزراء فإن الأيام مطمئنة أيضاً.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٨ – ١٩٣٣.


  • ثقة

    ثقة
    لكل ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية أصولها المعروفة، وعاداتها الموروثة، وقواعدها التي يلزمها الناس ولا يحيدون عنها إلا أن تضطرهم إلى ذلك ضرورة ملجئة. فإذا أقام حزب الاتحاد حفلًا لوداع وزير التقاليد وكان من الأصول أن تثور حفيظة حزب الشعب فيقيم حفلًا لوداع وزير من وزرائه كوزير الزراعة مثلًا، وكان من الأصول أن يكون الحفل الشعبي أضخم وأفخم من الحفل الاتحادي. وإذا أشرف رجل من رجال المال على الإفلاس وما يستتبعه الإفلاس كان من الأصول أن يخيل إلى الناس أنه لم يكن في يوم من الأيام غنيًا مثريًا موفور الحظ من الغنى والثروة كما هو في هذه الأيام. وما أسرع ما يقيم الحفل ويدعو إليه ويسرف في تجميله وتزيينه، ويغلو في إكرام المدعوين والترفيه عليهم وإمتاعهم بفنون من لذات الحياة، حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح كما يقول العامة قرأ الناس في الصحف أن صاحب الحفل قد فتح لنفسه طريقًا يمضي فيها الناس فلا يرجعون أو عجز عن أن يفتح لنفسه هذه الطريق ففتحت له الحكومة طريقًا أخرى إلى دار من تلك الدور التي تضيف المفلسين. وإذا أحست وزارة من الوزارات من نفسها ضعفًا، أو فتورًا، وشعرت بأن كرسيها يهتز فلا تكاد تثبت، وأن الأرض من تحت أقدامها تضطرب، حتى لكأنها تريد أن تزول، وأن نفوسًا قد انصرفت عنها ونفرت منها، وانحرفت عن طريق إلى طريق أخرى، وأن ألسنة قد انطلقت فيها بغير ما كانت تؤثرها به من الثناء والإطراء، ومن التشجيع والإغراء.
    إذا أحست وزارة هذا، أو شيئًا يشبه هذا من قريب أو بعيدٍ أظهرت القوة والبأس، وأعلنت الفتوة والبطش، وتحدثت فأسرفت في الحديث بأنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام التي يطيف بها الضعف فيها من كل مكان، ويسعى إليها الفتور فيها من كل نحو، ويأخذها الإفلاس فيها من كل طريق، حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح كما يقول العامة، نظر الناس فإذا استقالة مرفوعة أو إقالة موضوعة،
    وإذا وزارة تذهب وأخرى تُجْبَى. وأنا مؤمن أشد الإيمان بقوة الوزارة القائمة في مصر، مطمئن أشد الاطمئنان إلى ما تملك من حول وطول، وما تصرف من بأس وبطش، عالم حق العلم أن شيئًا في مصر لا يعجزها، واثق كل الثقة بأنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها أمس، وأقوى منها اليوم، وأقوى منها غدًا!!
    ولست في حاجة إلى أن أقيم لنفسي أو لغيري على ذلك دليلًا، فما زال الوزراء يذهبون إلى مكاتبهم ويعودون إلى بيوتهم ويقيم بعضهم في مصر ويرحل بعضهم إلى أوروبا. وما زال الناس يصرفون عن الوفد ورئيس الوفد بقوة الشرطة وبأس الجند. وما زال لدى الوزارة عدد وعدة تسخرهما متى شاءت في تفريق الشعب إن اجتمع وإسكات الشعب إذا نطق، ورد رئيس الوفد وأصحابه إن تحدثت إليهم أنفسهم برحلة لا ترضاها الوزارة ولا تميل إليها. فالدليل قائم – والحمد لله – على قوة الوزارة، والبرهان ناطق – والحمد لله – ببأس الوزارة. وإنا نؤمن بهذا كله إيمانًا لا يشوبه شك ولا يداخله ريب! وكم أحب أن يؤمن الناس جميعًا أو أن تؤمن كثرة الناس أو قلتهم بقوة الوزارة كما أؤمن بها. والناس يتمنون ذلك ويسعون إليه، ولكن للوزارة أصدقاء حظهم من الجهل أشد من حظهم من الحلم، ونصيبهم من الحمق أعظم من نصيبهم من الرشد والتوفيق. يريدون أن يدافعوا عن الوزارة، والوزارة في غير حاجة إلى الدفاع، ولكنهم على ذلك يدافعون عنها فيسيئون إليها، ويطمعون فيها الناس، ويخيلون إليهم أنها في الرمق الأخير. ومن هؤلاء الناس كتاب الوزارة الذين يكتبون لها في صحفها الخاصة وفي الصحف الموالية لها.
    فهؤلاء الناس يقولون على الوزارة ما لا تريد أن يقال عنها. يقولون مثلًا إنها راضية مطمئنة عن ثبات الأمن واستقرار النظام، لأن الأمن ثابت بالفعل والنظام مستقر بالفعل، ولأن هذه الحوادث التي تحدث لا سبيل إلى منعها فضلًا عن اتقائها لأن ذلك ليس في طاقة الحكومات!!
    يقولون هذا، وهم يعلمون حق العلم أن الوزارة لا ترضى هذا، ولا تحب أن يقال عنها، فهي ليست مطمئنة إلى ثبات الأمن، ولا إلى استقرار النظام. ولو قد كانت مطمئنة لما ألغت إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة ولو قد كانت مطمئنة لما ألفت لجنة لتقوية الشرطة في الأقاليم وللمقارنة بين عدد الشرطة وعدد السكان. وهي تعلم حق العلم أن الناس يقتل بعضهم بعضًا ويجرح بعضهم بعضًا، أفرادًا وجماعاتٍ تحت ضوء النهار، وفي ظلمة الليل. وهي تعلم حق العلم أن قد ظهرت في مصر ظاهرة غريبة في
    هذه الأيام وهي تنظيم الغارات والاستعداد للغزو بين القرى، بل بين الأسر في القرية الواحدة. فلم يكد الناس يقرأون أنباء موقعة «الشوبك» حتى ظهرت الصحف وفيها موقعة جديدة في سوهاج. والوزارة أعقل وأشد احترامًا لنفسها من أن تزعم أن الأمن ثابت وهو مضطرب، وأن النظام مستقر وهو يهتز ويترجح حتى يسقط عنه الناس صرعى، فيهم القتيل وفيهم الجريح، ولكن صحف الوزارة تريد أن تدافع عن الوزارة فتهاجمها، لأن الناس يظنون أن هذه الصحف إنما تكتب عن وحي من الوزارة. وهم يبيحون لأنفسهم أن يصفوا الوزارة بالضعف والتقصير إذا ظهر عجزها عن حماية الأمن وحفظ النظام، ولكنهم لا يحبون ولا يرضون أن يصفوا الوزارة بالكذب والمكابرة. والوزارة لا تكذب وإنما صحفها هي التي تكابر وتماري وتغلو في المكابرة والمماراة حتى كأنها تزدري عقول الناس.
    وهذه الصحف تريد أن تدافع عن الوزارة فتسخف، وتقول على الوزارة أشياء لو صحت لما كان بد من أن تستقيل لأن عملها قد تم، ومهمتها قد انتهت. فهذه الصحف تزعم أن الوزارة لا تخاف الوفد ولا تخشاه ولا تحسب له حسابًا، لأن الوفد قد مات! مات وشبع موتًا! مات وأصبح جثة هامدة تطؤها الأقدام ولا تنخفض إليها الأبصار!!
    كذلك تقول صحيفة من صحف الوزارة فتسيء إلى الوزارة من أنحاء كثيرة. تسيء إليها لأنها تكذب عليها، فالوزارة ما زالت تخاف الوفد وتخشاه وتحسب له ألف حساب وحساب، ولولا ذلك لما طوقت دار رئيسه بالجند ولولا ذلك لما عبأت وحشدت كلما هم رئيس الوفد بزيارة أو أداء صلاة.
    وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تجعل وجودها الآن غير نافع ولا مفيد، وتسحق الفوضى. ولعلها تتمنى للوفد طول الحياة ليتم لها طول البقاء، فالتحدث بأن الوفد قد مات مطالبة للوزارة بأن تستقيل. وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تتحدث عن خصوم الوزارة في أدب أقل ما يوصف به أنه رفيع جدًّا كهذا الأدب الذي يتحدث به وزير التقاليد ووزير الزراعة عن المعارضين.
    وليس من مصلحة الوزارة في شيء أن يضيف الناس إليها هذا الأدب الرفيع. وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تضيف إليها من الثقة بنفسها هذا النوع الذي يشبه ثقة المفلس في آخر عهده بالغنى وأول عهده بالإفلاس، وتخيل إلى الناس أن هذه الثقة
    ليست إلا متكلفة مصنوعة يراد بها التجلد والصبر وانتظار الأحداث، ولست أدري ما نفع وزارة المعارف إذا لم تعلم كتاب الوزارة كيف يدافعون عن الوزارة.
    فصحف الوزارة مرآة لها. ونؤكد للوزارة أنها تظهرها في مظهر لا يدل على قوة، ولا على أمن، ولا على استقرار. وإنما يدل على الضعف والخوف والاضطراب. فنحن نعلم حق العلم أن وزارتنا لا تنقصها الشجاعة ولا الرجولة، وأن الرجل الشجاع هو الذي لا ينكر الخطر الواقع وإنما يثبت له ويهجم عليه. وفساد الأمن أمر واقع لا تنكره الوزارة وإنما تعترف به، وتحاول أن تزيله. وليس ذنب الوزارة أنها لا تستطيع إزالة هذا الشر وتبقى مع ذلك في مناصب الحكم.
    ومثل هذا يقال عن دفاع صحف الوزارة في كل ما تحتاج الوزارة فيه إلى الدفاع. وهي محتاجة الآن إلى الدفاع في كل شيء. فكتابها يزعمون أنها قد فعلت في مسألة الدين أقصى ما تستطيع أن تفعل، وخصومها لا ينكرون ذلك، وإنما يقولون إن هذا الذي فعلته ليس شيئًا. وما دامت لا تستطيع أن تفعل خيرًا منه فيجب عليها أن تستقيل.
    حسن جدًّا أن تثق الوزارة بنفسها، وأن يثق أنصار الوزارة بها، ولكن أحسن من هذا أن تكون هذه الثقة صادقة، وأن يكون تصويرها صحيحًا وكل شيء في أعمال الوزارة وأقوال أنصارها لا يدل على ثقة صادقة ولا يصور اطمئنان النفوس. ومن أشد الخطر أن يرى الناس رأي العين عجز الوزارة حتى عن أن تثق بنفسها.
    كوكب الشرق ١ — ٨ — ١٩٣٣

  • ثأر

    ثأر
    كان الاتحاديون ثملين بهذا الفوز الباهر الذي ظفروا به حين احتفلوا بوزير التقاليد مساء الخميس، فشربوا الشاي وسقوه، وسمعوا الكلام وألقوه فهضموا ما شربوا وما أكلوا وظلوا يعالجون ما سمعوا وما ألقوا، يهضمون بعضه على عسر، ويتردد بعضه الآخر في صدورهم وحلوقهم فلا يستطيعون أن يسيغوه.
    وكان الشعبيون موتورين من هذا الفوز الذي ظفر به الحزب الشقيق، لا يستطيعون أن يقروه ولا أن يذوقوه، ولا أن يغمضوا عليه العيون، فكانوا يهيئون حفلا بحفل وأكلا خيرا من أكل وشرابا خيرا من شراب. وكانوا يهيئون الخطب الطوال يلقيها الوزير وأنصار الوزير. كلام بكلام وطعام بطعام. وليل في سان استفانو بيوم في وندسور. وكانت هيئة الوزارة تقدر ما ظفرت به من الفوز على مكاتب الديلي تلغراف وهؤلاء الأغرار الذين ضحك من ذقونهم كما قال وزير التقاليد، وتقدر ما ستظفر به من الفوز على هؤلاء المعارضين الذين أعمت بصائرهم الشهوات والمصالح الخاصة كما قال وزير الزراعة. وفي أثناء هذا كله كانت دماء المصريين تسيل فتخضب الأرض المصرية، وكانت نفوس المصريين تزهق فتصعد في السماء. وكانت الأيدي المصرية هي التي تسفك الدم المصري وتزهق النفوس المصرية. وكانت ثورة الغضب والحنق قد انتهت بجماعة من المصريين إلى أقصاها. وكانت شياطين الإثم والإجرام قد ملكت على جماعة من المصريين قلوبهم فما تشعر، وعقولهم فما تفكر، وأيديهم فهي تطلق النار وتلعب بالسيف وتغمد الخناجر في الصدور، وتعمل العصي في تهشيم الرءوس، وتريق دماء المسلمين على بيت من بيوت الله.
    كان هذا يوم الجمعة إثر الصلاة، وحين كان الناس ينصرفون من هذا المكان الذي يجب أن تخرج منه النفوس طاهرة من كل رجس، مبرأة من كل إثم. كل هذا كان يوم الجمعة ولم يكن في دقيقة ولا في دقيقتين، ولم يكن في لحظة ولا في لحظات وإنما اتصل وقتا غير قصير وانتهكت فيه حرمات وقتل فيه طفل صغير بين ذراعي أمه التي كانت تحمله.
    كل هذا كان ولم يكن فجأة ولا مصادفة وإنما كان بعد أن قدمت بين يديه المقدمات وبعد أن هيئت له الوسائل وبعد أن أرصد له المرصدون. فقد يقال إن الثأر بين المختصمين قديم، وقد يقال إن مشاجرة كانت بين أفراد من المختصمين فأنذرت بالشر ونبهت إلى أن وقوع المكروه أمر ممكن.
    كل هذا كان يوم الجمعة واستحالت قرية من قرى مصر ليست بعيدة من العاصمة إلى ميدان من ميادين القتال التي لا يقتتل الناس فيها وجها لوجه، وإنما هي مؤشبة ملتوية يكمن فيها بعض الناس لبعض ويمكر فيها بعض الناس ببعض، ويرسل فيها بعض الناس إلى بعض الموت من حيث لا يرجونه، ولا ينتظرونه. وقد حدثتنا الصحف بأن قوما من أهل هذه القرية هجموا على دار من دورها فغلق أهل الدار أبوابهم فهمّ المهاجمون بكسر الباب واقتحامه، فلما شق عليهم ذلك عمدوا إلى جدار من جدران البيت ليهدموه، ثم اقتحموا الدار وقتلوا من فيها وجرحوا.
    وأحست ثلة الشرطة المرابطة في هذه القرية هذا الشر في أوله، أو في آخره أو في إبانه فهمت بقمعه فلم تجد إلى ذلك سبيلا. فاستعانت بالسلطة المركزية وأقبل المدد وقد قتل أربعة ونيف عدد الجرحى على العشرين. وأخذت النيابة منذ ذلك الوقت في التحقيق. ومن قبل ذلك اعتدت قرية في الصعيد، ومن قبل ذلك أو من بعده، لا أدري، التحمت قرية أخرى بقرية أخرى في الصعيد أيضا. وكان في كلتا الملحمتين صرعى، منهم القتلى ومنهم الجرحى. ومن قبل ذلك ومن بعده أنبأتنا الصحف بأن الناس يصرعون على الطريق العام أحيانا، وعلى أبواب دورهم أحيانا أخرى. وفي أثناء ذلك ينبئنا مكاتب للكوكب في بعض الأقاليم بأن ضابطا من ضباط الشرطة ضرب رجلا على رأسه فقضى عليه فمنحته الإدارة إجازة ليستريح أو ليفعل ماذا؟ لا أدري. فلو أنك تحدثت بهذا أو شيء منه إلى رجل من الناس عن بلد من البلاد لما شك هذا الرجل في أنك تحدثه عن بلد قد فسد فيه كل شيء، وساء فيه كل شيء، وهانت فيه على الناس دماؤهم ونفوسهم وحياتهم وحرماتهم. وأصبح من الحق على أولي الأمر فيه أن يبحثوا بحثا جادا، لا لاعبا، عن طريق يردون بها إلى الحياة والحرمات قيمتها، وإلى القانون والسلطان هيبتهما. ولعله لن يتردد في أن يسأل: وكيف لم تتخذ الحكومة في هذا البلد إجراءات استثنائية لحماية الأمن وصيانة النظام؟ فلابد من أن تكون الإجراءات القانونية العادية عاجزة عن ذلك، مقصرة عن بلوغه والوصول إليه. فإذا نبأت صاحبك بأن أهل هذا البلد لا يكادون ينفقون أياما حتى تنبئهم صحف الصباح بأن قنبلة قد انفجرت في حي من الأحياء، على طريق من الطرق الحديدية أو قرب دار من دور المصالح العامة لم يشك محدثك في أن الحياة في هذا البلد ليست شيئا يحب أو يرغب فيه. ومع ذلك فهذه حال مصر في هذه الأيام، تقع فيها كل هذه الحوادث، وتتصل فيها كل هذه الجرائم، ويتعرض أهلها لكل هذا الخطر ويخطب وزراؤها في وندسور حينا وفي سان استفانو حينا آخر فيذكرون ضحك الإنجليز من ذقون المصريين، ويذكرون إعماء الشهوات لبصائر المعارضين، ثم يركبون السفن إلى حيث يقضون صيفا سعيدا حلوا فيه لذة وراحة وفيه ترف ونعيم.
    ووزير داخليتنا – بشهادة مكاتب الديلي تلغراف الذي يرد عليه رئيس الوزراء ووزير الأوقاف، ووزير التقاليد ووزير الزراعة وأنصارهم. وزير داخليتنا هو أقوى الوزراء وأكفأ الوزراء، وأقدر الوزراء على إرضاء الناس جميعا وكسب ثقة الناس جميعا. وهو كذلك من غير شك، فهو لا يخطب ولا يكتب ولا يذكر الإنجليز، ولا يذكر المصريين، ولا يهاجم بلسانه هذا وذاك، ولا يذود بلسانه عن هذا ولا ذاك. وهو خليق لهذا كله أن يرضى عنه الناس جميعا، لا ينقصه إلا شيء واحد ليبلغ هذا الرضا، وهو أن يوفق إلى أداء الواجب الذي من أجله ارتقى الوزارة، والذي من أجله اؤتمن على حياة الناس وحرياتهم ومنافعهم وأموالهم، فيحمي لهم الأمن، أمن الشعب، لا أمن الوزارة، ويقر لهم النظام حقا، ويمكن كل واحد منهم من أن يدخل المسجد ويخرج منه دون أن يصرع على عتبة المسجد، ودون أن تخضب عتبة المسجد بدمه الحرام.
    لهذا قبل كل شيء ارتقى وزير الداخلية إلى منصبه، وبهذا قبل كل شيء يجب أن يُعنى وزير الداخلية، وفي هذا قبل كل شيء يجب أن ينفق وزير الداخلية وقته وجهده، بل لهذا قبل كل شيء يجتمع مجلس الوزراء، وبهذا قبل كل شيء يجب أن يشتغل مجلس الوزراء، فهذا أمس بحياة مصر من إنشاء جراج لسيارات الحكومة في الإسكندرية، ومن شراء طيارات قبل أن ينعقد مؤتمر الطيران، ومن الرد على مكاتب الديلي تلغراف وبعض الكتاب المصريين في الصحف المصرية. ومن غريب الأمر أن وزير داخليتنا هو أقدر الوزراء فيما ينبغي على ضبط الأمن وإقرار النظام، فهو رجل قد أنفق حياته في الإدارة. عمل في الأمن العام دهرا، وعمل في وكالة الداخلية دهرا، وهو الآن وزير الداخلية. فهو لم يستعر لوزارته استعارة من القضاء أو من المحاماة أو من أي ناحية من نواحي الحياة العامة. وإنما تولى وزارة الداخلية على علم بشئونها وإتقان لأمورها. فهو صاحب صناعة وفن، وهو صاحب دراية وخبرة، فكيف فسد الأمن واضطرب النظام في عهده إلى هذا الحد المنكر الغريب؟ أتراه سيئ الحظ؟ أم تراه مشغولا عن الأمن والنظام بما يستنفد وقته وجهده وكفايته؟ أم ترى أن الأمر قد فسد في هذا البلد إلى حيث لم يبق سبيل إلى إصلاحه إلا إذا ذهب قوم وخلفهم قوم آخرون؟ علم هذا عند الوزراء وعند الناس جميعا وعند مكاتب الديلي تلغراف وعند المصدر الموثوق به الذي أوحى إلى مكاتب الديلي تلغراف. وماذا ينفع أن يكون هذا معلوما أو مجهولا مادام الشر يقع ويتصل وتظهر نتائجه المنكرة، فلا يحفل به أحد، أو لا يكاد يحفل به أحد حتى أصبحت مصر، نعم مصر كهذه الأجزاء التي يتحدث عنها الناس في الصحراء، والتي يغير فيها بعض القبائل على بعض ويغزو فيها بعض القبائل بعضا، ويثأر الناس فيها لأنفسهم. ماذا نقول؟ إن الأنباء مستفيضة بأن الحكومة العربية السعودية قد أقرت في صحراء جزيرة العرب أمنا لا تحلم به مصر، فبطل فيها الغزو، والغارة وأمن الناس فيها على سُرى الليل وسفر النهار، ولم لا؟ ليس عند الحكومة العربية السعودية وفد تحاربه وتطارده وتشتغل بحربه ومطاردته عن تعقب المجرمين وحماية الأنفس والأموال.
    ومهما يكن من شيء فقد استطاع أهل نزلة الشوبك أن يثأر بعضهم من بعض واستطاع حزب الشعب أن يثأر من حزب الاتحاد، واستطاعت الوزارة أن تثأر من مكاتب الديلي تلغراف. ووزير داخليتنا قادر إن شاء الله على أن ينبئنا أي هذه الثارات خليق بالعناية والتفكير.