سراب
بقلم الدكتور طه حسين
لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الأقوياء وأوهام الضعفاء، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل في الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف، ويطمئن القلق، وتستقر القلوب بين الجوانح.
لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديًا ولم تقمع باغيًا، ولم تقر أمنًا ولم تشع عدلًا ولم تزد على أن أنفقت مالًا كثيرًا وملأت الأرض كلامًا وأوهامًا، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والأقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسًا للسلم، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التي ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعًا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الأطلنطي فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه. كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك في بلاد اليونان التي كانت حليفته في الحرب، والتي اصطلت النار الألمانية، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الإنجليزية أيضًا.
لم أؤمن بشيء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الإخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشيء فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين في أحدهما الرحمة وفي الآخر صنوف العذاب. وهم يبرعون في بذل الوعود كما يبرعون في إخلافها ويمتازون في إعطاء العهود كما يمتازون في نقضها، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفًا، وأهون من أعظم الناس هوانًا.
كذلك تملق الإنجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا في البغي والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التي أعلنها في ميثاق الأطلنطي فقال: تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول.
وما كرهت شيئًا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت في شيء قط كما شككت في مجلس الأمن هذا الذي لا يؤمن أحدًا ولا يرد إلى أحد حقًا ولا ينصف مظلومًا من ظالم ولا يصد معتديًا عن عدوان والذي سميته غير مرة مجلس الخوف. ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد. ولم نر قط قويًا أعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض. وإنما الأقوياء بين اثنتين دائمًا، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون إن لم يجدوا إلى البطش سبيلًا.
وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع في كل عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال. وهذا مجلس الأمن يجتمع في كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفًا آمن ولا باغيًا كف عن بغيه، ولا مظلومًا أتيح له الإنصاف، ولا ظالمًا آثر العدل والقصد.
وإنما تجري أمور الاستعمار في ظلهما كما تعودت أن تجري لم يتغير منها شيء. شعوب تستذل وتستغل في غير رفق ولا لين وفي غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلًا إلى شيء من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروهًا. وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلى أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضي في جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين، والله خير الحاكمين.
وأروع من هذا كله وأبرع أن ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل في الدفاع عنها الجهود التي لا تحصى، وتوضع أيدي هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه في مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التي يقع فيها الظلم المنكر في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذي يقال، والجهود التي تبذل، وينتظر العالم هذا القرار الذي ستصدره الهيئة أو المجلس، والذي ينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل في حياة راضية آمنة.
ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء. هذه الدماء التي تسفك وهذه النفوس التي تزهق وهذه الحقوق التي تهدر، وهذه الحرمات التي تنتهك، وهذه الشعوب التي تصبح وتمسي في شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان. كل ذلك لا خطر له ولا ينبغي أن يكون له خطر. وإنما الشيء الوحيد الذي يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص، وتضحي في سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل اتفاق الدول المستعمرة قائمًا لا يصل إليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلًا.
فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغى بريطانيا العظمى على من تريد أن تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما، وإنما المهم أن تظل الدولتان على شيء من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعًا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التي لا توافقها في المذهب ولا في الرأي، ولا في تدبير شؤون المال.
الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء، ومنفعة الأقوياء في أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغي أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء ولا عليهم أن يضحي بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة.
ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون. فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضًا، وقد يصدم بعضها بعضًا، وقد يجب أن يضحي ببعضها في سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغي أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبي وإن كرهه الشعب الفرنسي وقد ينبغي أن تمضي فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية في غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التي لا تعرف لها غاية.
وقد ينبغي أن تضحي بريطانيا العظمى بشيء من تجارتها في الشرق الأقصى وفي شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديًا. وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنًا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم في أقطار أخرى من الأرض.
وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شيء من المصاعب أو العقبات. فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت في غير طائل، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
إذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها، صورها الشاعر العربي القديم أروع تصوير وأبرعه في بيته الخالد.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهْدَم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدًا ولا نرضى أن يظلمنا أحد.
طه حسين
الجمهورية ١١ ديسمبر ١٩٥٣.
Tag: Egypt
-
سراب
-
تشريف وتكليف
تشريف وتكليف
بقلم الدكتور طه حسين
لست أدري أيتاح لهذا الحديث أن يقرأه رئيس الجمهورية وقائد الثورة، اللواء أركان حرب محمد نجيب. وأنا مع ذلك أتمنى أن يقرأه، فإني لم أكتبه إلا مفكراً فيه أعمق التفكير ومكبراً له أصدق الإكبار، وموضوع هذا الحديث يسير جداً. قرأته الآن في صحيفة إيطالية بعيدة الصوت واسعة الانتشار. وهي صحيفة الأحد التي تصدرها الكوريري ديلا سيرا ليقرأ فيها الناس الأخبار التي يجب أن يقرأوها حين تحتجب الصحف في هذا اليوم من أيام الأسبوع.
فقد ذهب ممثل هذه الصحيفة إلى مراكش وزار مدنها الكبرى إثر الأحداث التي وقعت فيها أخيراً وتحدث إلى قرائه بما رأى وما سمع، وكان بعض ما روى لقرائه مما رأى هناك موضوعاً لهذا الحديث. فهو قد رأى أن صور السلطان الذي أقصاه الفرنسيون عن وطنه قد نزعت من مكانها وصادرتها الشرطة ولم توضع مكانها صور السلطان الجديد، وإنما تُرك هذا المكان خالياً وإلى جانبه صور لقائد الثورة ورئيس الجمهورية المصرية اللواء أركان حرب محمد نجيب.
وليس يعنيني الآن ولا يعني قُرّاء الأهرام من مقال الصحفي الإيطالي إلا هذا النبأ، فنحن نقرأ أنباء مراكش في الصحف العالمية على اختلافها مفصلةً مرةً ومجملةً مرةً أخرى، صادقةً أحياناً مغاليةً في كثير من الأحيان.
ولست أدري أيَشعر القارئ المصري بما شعرت به حين قرأت هذا النبأ وهو الفخر المؤلم والسرور الحزين، وأي فخر يجده المصري أعمق في القلوب أثراً، وأبعد في النفوس صدى، من هذا الذي يجده حين يقرأ في صحيفة أجنبية لا تتملق رئيس الجمهورية المصرية لأنها ليست في حاجة إلى أن تتملقه ولأنها لا تنتظر منه خيراً ولا تخاف منه شراً، إن صورة هذا الرئيس قد وضعت إلى جانب صورة السلطان المنفى في أسواق الأحياء الوطنية من مدن مراكش وحوانيتها، فلما نُفيت صور السلطان كما نُفي السلطان نفسه بقيت صورة نجيب رمزاً لما يحتاج المراكشيون إليه من العزاء ورمزاً كذلك لما يملأ قلوبهم من الأمل، وأي سرور يجده القارئ المصري يعدل هذا السرور الذي يجده حين نعلم أن رئيس الثورة التي حررت مصر من الطغيان وتريد أن تحررها من الاستعمار، ليست رمزاً للتحرير في مصر وحدها، ولكنها رمز للتحرير في البلاد الأخرى التي تشقى بالاستعمار وطغيان الأجنبي وخيانة بعض المواطنين.
فخر يملأ النفوس بهجةً ورضا، لولا أنه مشوب بحزن يحول بينها وبين الاستمتاع بتلك البهجة وهذا الرضا. فهؤلاء الملايين من المراكشيين الذين استبقوا صورة نجيب حين نُزعت منهم صورة السلطان الذي يؤثرونه بالحب ويختصونه بالولاء والوفاء، يجدون في نفوسهم ما لا نكاد نتصوره من البؤس والخزي والشقاء. كانوا يرون أنفسهم أحراراً، فأظهر الاستعمار لهم أن حريتهم لغوٌ من اللغو ووهمٌ من الوهم. وكانوا يرون أنهم كراماً. فأظهر الاستعمار لهم أن كرامتهم لا تثبت أمام المدفع والمتراليوز. وكانوا يرون أن لهم سلطاناً يمثل حريتهم وعزتهم وكرامتهم، فعدا الاستعمار على هذا السلطان فأقصاه عن وطنه، واتخذه واتخذ بنيه وأسرته كلها رهائن عنده في جزيرة من جزر البحر، ليس يدري أيقيم فيها إقامة المستقر أم يُنقل منها إلى حيث لا يعلم ولا يريد.
ثم لم يقص الاستعمار هذا السلطان وحده، إنما أقصى معه صوره التي كان المراكشيون يجدون فيها العزاء والأمل حين تثقل عليهم وطأة الاستعمار. وأي سرور يجده القارئ المصري يعدل هذا السرور الذي يغمر القلوب حين نقرأ في هذه الصحيفة الأجنبية أن صورة السلطان الذي كان المراكشيون يحبونه قد أُزيلت من أماكنها، وأن صورة نجيب قد بقيت في مكانها ترد على المراكشيين ما فقدوا بنفي سلطانهم ونزع صوره من العزاء والرجاء.
ولكنه سرور يشوبه ظلمٌ لاذع وحزنٌ ممض، لأن نجيباً بعيد عن هؤلاء المراكشيين، تستطيع صورته أن تقول لهم ما تشاء في صمتها الرائع البليغ، ولكنهم في حاجة إلى أكثر مما يستطيع الصمت أن يقوله. هم في حاجة إلى الكلام الحي الذي يُحيي القلوب، وهم في حاجة إلى العمل الحي الذي يميت اليأس ويمحو القنوط ويعيد إلى النفوس حب الحياة والثقة بأنها خليقة أن يحياها أصحابها، لأن فيها أكثر من الأكل والشرب والنوم. فيها الشعور بأن العزة ليست وهماً وفيها الشعور بأن الكرامة ليست أمنية، وفيها الثقة بأن هذه القيم كلها حقائق موجودة، يستطيع الناس أن يستمتعوا بها ويجنوا ثمرها، فيقولون دون أن يأخذوا بما يقولون ويعملون وينشطون مطمئنين إلى أنهم سينعمون بما يؤتي نشاطهم من ثمر لا يستأثر به من دونهم طاغٍ ولا باغٍ ولا مستعمرٍ ولا متجبر.
هؤلاء المراكشيون الذين ينظرون إلى صورة نجيب يحتاجون إلى أن يروه وإلى أن يقولوا له ليشعروه بما يجدون من ألم وإلى أن يقول لهم ليشعرهم بما يملأ نفسه من أمل وثقة بأن الاستعمار إلى زوال، وبأن الشعوب المستضعفة قد آن لها أن تقوى وتكرم وتعز على نفسها وعلى الناس، ولكن أين هم من نجيب أو أين نجيب منهم!
بهذا الفخر والسرور وبهذا الحزن والأسى شعرت حين قرأت ما قرأت في هذه الصحيفة الإيطالية. وما أشك في أن إكبار المراكشيين لصورة نجيب تشريف لهذا الرجل الذي أنقذ وطنه من بعض الشر، ويريد أن ينقذه من الشر كله.
وما أشك أيضاً في أن نجيباً سيفهم هذا التشريف وحده، فهو أبعد الناس عن الإثرة وأبغضهم لها، ولكنه سيرد هذا الشرف إلى وطنه أولاً، فهو الذي أنشأه وبعث فيه روحه القوية الذكية، ورفعه إلى حيث هو الآن، وسيرد هذا الشرف إلى أعوانه الذين جاهدوا معه ويجاهدون ليخرجوا مصر من الظلمة إلى النور ومن الضعف إلى القوة ومن الهوان إلى العزة والكرامة.
وما أشك أيضاً في أن نجيباً سيفهم هذا التشريف كما فهمته، وكما يجب أن يفهمه المصريون جميعاً، وكما ينبغي أن يفهمه الرجل الذي يجد في نفسه شعور الرجولة والمروءة. ذلك أن التشريف في نفسه ليس كلاماً يُرسَلُ إرسالاً ولا ثناءً يُكالُ كيلاً ولا تمجيداً لا يتجاوز إرضاءَ من يُساقُ إليه، وإنما التشريف تكليف قبل كل شأن، هو مطالبة بأداء الواجب كما ينبغي أن يُؤدَّى الواجب كاملاً غير منقوص.
إنما المنافقون والمراؤون هم الذين يمدحون لا يريدون من المدح إلا رضا هذا الذي يمدحونه عنهم وعنايته بهم وعطفه عليهم، فأما الصادقون المخلصون الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأعمالهم نفاقاً ولا رياءً ولا تحقيق منفعة عاجلة لأشخاصهم، فإنهم حين يشرفون من يشرفون يعترفون له ببعض فضله ويطالبونه بأن يضيف فضلاً إلى فضل. يسجلون له بعض إحسانه ويلحون عليه في أن يضيف إحساناً إلى إحسان، يقدرون له ما فعل وينتظرون منه أن يفعل أكثر مما فعل. على هذا النحو فهمت تشريف المراكشيين لنجيب. وما أشك في أنه يفهم تشريف المراكشيين له على هذا النحو، هم يحمدون له ما فعل في وطنه وينتظرون منه أن يمضي في الطريق التي سلك، وأن يتم ما بدأ بالقياس إلى وطنه، وهم يعرفون أن مصر وطن عظيم وأن نجيب رجل عظيم وأن عظمة الأوطان والرجال تنفي الأثرة أشد النفي. فالوطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير من دون غيره من الأوطان. والمواطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير ولا يؤثر وطنه بالجهد وإنما يفيض من شدة وجده وحبه للخير على كل من يحتاج إلى المعونة والتأييد.
إن في نفوس المراكشيين الآن عقدة أليمة يجب أن نعينهم على حلها؛ لأننا وجدنا هذه العقدة في أنفسنا. وهي عقدة فيها كثير من الخزي وكثير من الذل؛ لأنهم ظلموا في وطنهم وأوذوا في كرامتهم، وأكرههم المستعمر لأنهم لا يملكون من أمرهم قليلاً ولا كثيراً. فمن الحق علينا جميعاً أن نرد عليهم شيئاً من ثقةٍ ليعلموا وليخلصوا من هذه العقدة، وأن نشعرهم بأن النُّوبَ تنوب، وبأن الخطوبَ تُلِمُّ، ولكنها لا تلبث أن تزول، وإنما هي الغمرات ثم تنجلي، كما كان يقول قادة المسلمين حين كانت تلم بهم الأزمات أيام الفتح.
يجب أن نشعر المراكشيين بأنهم لا يشقون وحدهم بما نزل بهم من مكروه، وإنما يشقى به معهم إخوانهم في اللغة والتاريخ والدين.
وأنا واثق بعد هذا بأن تألُّب الأمم القوية على الأمم الضعيفة لن ينفع الأقوياء ولن يضر الضعفاء. فقد تغيرت حياة الناس وتغيرت الظروف المحيطة بهذه الحياة وأصبح من الحق الذي ليس فيه شك أن القوة الجامحة لن تُغني عن أصحابها شيئاً. وأن الشعوب إذا أحست حقوقها وطالبت بها لن يردها شيء حتى تظفر بهذه الحقوق.
يجب أن يشعر المصريون جميعاً بمثل ما يشعر به رئيس الجمهورية، من أن تشريف المراكشيين لشخصه إنما هو تشريف لوطنه، ومن أن هذا التشريف تكليف لنا أن نعمل ما نستطيع لمواساة إخواننا على ما أصابهم من البأساء والضراء، وأن نكون أهلاً لحسن ظنهم بنا وصدق رأيهم فينا.
طه حسين
الأهرام ٤ سبتمبر ١٩٥٣. -
تعقيد
تعقيد
للدكتور طه حسين
هو هذا الذي أصاب الأمم المستعمرة، منذ تكشفت الحرب العالمية الأولى، عن تنبه الأمم المغلوبة إلى حقها في أن تعيش حرة كريمة وإلحاحها في المطالبة بهذا الحق وسلوكها كل طريق إلى الظفر به.
فقد وجدت هذه الأمم المستعمرة في هذا التنبه شيئًا من التحدي لقوتها وبأسها. وكانت منتصرة على أمة عظيمة عرضتها لأخطار جسام، فكرهت أن تستجيب للأمم الضعيفة راضية، لأن هذه الاستجابة تضيع عليها كثيرًا من المنافع، وكرهت أن تؤمن لهذا العنف الذي ظهر هنا وهناك في الأمم المستضعفة، فليس من اليسير ولا من الهين على الذين قهروا ألمانيا وحلفاءها أن يؤمنوا للثورة التي تشب في الهند، وتشب في مصر أو تضطرم نارها في سوريا، أو في العراق. والذين يقهرون الأقوياء لا يحبون أن يقهرهم الضعفاء. وكذلك نشأ هذا التعقيد. تعقيد الكبرياء والغرور والاستعلاء في نفوس هذه الأمم القوية المنتصرة التي تطالبها الأمم الضعيفة بحقها في الاستقلال. فكان ما كان من تلك الخطوب التي جرت بين الحربين على الأمم الشرقية الناهضة. ثم ازداد هذا التعقيد قسوة وعسرًا حين كانت الحرب العالمية الثانية. وحين اجتاحت ألمانيا، في أول هذه الحرب، غرب أوروبا، واضطرت الإمبراطورية البريطانية إلى أقسى المواقف، وأشدها نكرًا، وأكرهتها على أن تصانع هذه الأمم المغلوبة في الشرق لتأمن جانبها أولًا، ولتستعين بها ثانيًا على كشف الغمة وجلاء الغمرة ودفع البلاء.
في ذلك الوقت كثرت الوعود المبذولة وتتابعت الأماني الرائعة وظنت الأمم الشرقية، الخاضعة للسلطان البريطاني، خضوعًا خالصًا أو خضوعًا مشوبًا أنها ستظفر باستقلالها كاملًا غير منقوص حين تنجلي غمرة الحرب.
وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة، السير ونستون تشرشل عذب الحديث حلو اللهجة، رقيق الشمائل حين يتحدث إلى هذه الأمم، أو حين يتحدث عنها وكأن العالم الشرقي يرى في تحول هذا الرجل العنيف من رجال الاستعمار إلى هذا اللين والإسماح آية من آيات الحرب وعلامة على أن الإنسانية قد أقبلت على تطور حقيقي خطير، لحياتها التي أفعمتها الكوارث والمحن والآلام.
ولم يشك أشد الناس تشاؤمًا من الشرقيين في أن العالم صائر إلى الحسنى، ومنته آخر الأمر إلى وفاق يقوم على إنصاف الضعيف من القوي، وعلى الاعتراف بالحقوق والتعاون على ترقية الحضارة في ظل ممدود من العافية والسلامة والسلام.
ولم تكن فرنسا المهيضة أقل من الإمبراطورية البريطانية تقربًا إلى الأمم الخاضعة لسلطانها ولا أقل منها بذلًا للوعود وتجلية للأماني، وتزيينًا للآمال. فأهل سوريا ولبنان يعلن إليهم الجنرال كاترو أن الانتداب قد انتهى وأهل تونس ومراكش يقال لهم في كل يوم، أن استقلالهم آت بعد الحرب لا ريب فيه. ثم تعلن المواثيق الدولية العامة التي تملأ قلوب الناس بأن الأرض ستملأ عدلًا بعد أن ملئت جورًا، وبأن الشعوب ستقرر مصيرها كما تحب، وعلى ما تشتهي، وبأن الحرية الحرة ستكون قوام العالم الجديد. ولكن الحرب لا تكاد تنتهي حتى ينكشف الأمر عن حقيقته ويستبين للضعفاء أنهم عاشوا زمنًا بالمنى والأحلام، وأن الذين وعدوهم لم يزيدوا على أن خدعوهم. وبين لحظة وأخرى عادت إلى رئيس الوزارة البريطانية السير ونستون تشرشل قسوته القديمة، وكبرياؤه تلك التي كانت يعرف بها قبل الحرب، وإذا هو يصرح ذات يوم في مجلس العموم بأن حرية الأمم الضعيفة واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها، كل هذه الخصال ألوان من المثل العليا التي يطمح الناس إليها ولكنهم لا يبلغونها ولا يحققونها إلا بعد كثير من الصبر والاحتمال والانتظار والأناة. وأن الإنسانية تسعى إلى هذه المثل العليا وقد تصل إليها في يوم من الأيام.
ولم تكد الحرب تنتهي حتى نسيت فرنسا أنها ذاقت مرارة الاحتلال الأجنبي وتجرعت من هذا الاحتلال غصصًا، ونسيت كل النسيان، وعودها الخلابة وأمانيها الرائعة التي زينتها لشمال أفريقيا ولأهل سوريا ولبنان. وقد أتيح لسوريا ولبنان بعد خطوب شداد ما أتيح لهما تحقيق الاستقلال.
أما شمال أفريقيا فظل بعد الحرب كما كان قبل الحرب مادة قيمة للجيش الفرنسي، ومرتعًا خصبًا لطائفة من الفرنسيين المستعمرين الذين استقروا في تلك الأرض، يستغلونها ويستذلون أهلها يرون ذلك حقًا لهم، لا ينبغي الجدال فيه.
ولذلك تعود الصلة بين الشرق العربي، والغرب الأوروبي، بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب، أمم مغلوبة تطالب بحقها وأمم غالبة تلتوي بهذا الحق، وألوان من الكيد والخداع، وفنون من المداورات والمناورات، وضروب من الحيل والمكر وكلام كثير، يقل فيه الصدق ويكثر فيه الكذب الذي يتعمده أصحابه تعمدًا ولا يضطرون إليه اضطرارًا.
والناظر إلى البلاد العربية في هذه الأيام يرى عجبًا أي عجب. يرى مصر ما زالت على حالها التي كانت عليها قبل الحرب وحين انتهت الحرب لم يتغير من أمرها شيء. ما زالت تدور في تلك الدائرة التي تسمى المفاوضات والمحادثات وهي لا تدور في هذا الدائرة وحدها، وإنما يدور معها الإنجليز، فالمفاوضات تبدأ لتنتهي وتنتهي لتبدأ، وتسير لتقف وتقف لتسير، والعالم يرى ويعجب، ولا يقول شيئًا أو لا يصنع شيئًا.
ويرى شمال أفريقيا على نفس الحال التي كان عليها قبل الحرب، وحين انتهت الحرب. لم يتغير من أمره شيء، تدنو منه فرنسا لتبتعد عنه، وتنأى عنه لتعود إليه، لا تستريح ولا تريح، تقول كثيرًا ولا تصدق في شيء مما تقول، وتسرف في الوعد، ولا تفي بشيء مما تعد. وممثلوها في شمال أفريقيا يلعبون هذا اللعب المر الذي يزهو النفوس، ويريق الدماء، ويملأ الأرض كذبًا وكيدًا ونفاقًا. والإنسانية المتحضرة تنظر إلى هذا كله لا تقول شيئًا ولا تصنع شيئًا، ولا تستخذي من هذه الموبقات التي ينبغي أن يستخذي منها كل رجل كريم.
فملك تونس يكره على ما لا يريد، وهو مخير بين أن يذعن وبين أن يخلع. وملك مراكش يصنع به نفس هذا الصنيع ثم تُشترى ضمائر بعض الموظفين في حكومته بالمال لتطالب الأجنبي بخلع السلطان، ولتزعم لفرنسا المسيحية أن هذا السلطان المسلم يخالف عن أمر الإسلام.
وكذلك يفسد المال بعض النفوس حتى يطلبوا إلى غير المسلمين حماية الإسلام من المسلمين. والضمير العالمي يرى هذا كله، فلا يكاد يحفل به أو يلتفت إليه. وأغرب من هذا كله أن هيئة الأمم المتحدة تجتمع بين حين وحين، ويتحدث الخطباء فيها من الإنجليز والفرنسيين وغير الإنجليز والفرنسيين عن العدل الذي يجب أن يملأ الأرض، وعن الحرية التي يجب أن تتاح للأمم، وعن المساواة التي يجب أن تتحقق بين الشعوب.
ومصدر هذا كله إنما هو هذا التعقيد النفسي الغريب المختلط الذي أصاب هذه الأمم الغربية المستعمرة، فأفسد عليها الحكم على الأشياء. وأفسد عليها تقدير ما يكون وما لا يكون. وتقدير ما يحسن وما لا يحسن، واضطرها إلى أن تعيش في عصر قد انقضى منذ زمن بعيد.
كل مطالبة بالاستقلال – تصدر عن مصر – ترى فيها بريطانيا العظمى، تصفية للسلطان البريطاني على العالم. مع أن هذا السلطان قد أخذ ينحسر عن العالم، منذ وقت غير قصير وهو في طريقه المحتومة إلى أن ينحسر عنه انحسارًا تامًا.
وكل مطالبة بالاستقلال تصدر عن تونس أو مراكش يراها الفرنسيون طمعًا في السلطان الفرنسي، وتحديًا للقوة الفرنسية. واستخفافًا بالبأس الفرنسي العظيم.
مع أن قوة فرنسا وبأسها قد تعرضا لخطر أي خطر حين انتشر فيها الاحتلال الأجنبي، وهي الآن بسبيل استرجاع شيء من هذا البأس وتلك القوة. وأيسر ما يفرضه عليها موقفها الجديد هو أن تقتصد فيما تنفق من مالها وما تريق من دماء أبنائها، لتقر وراء البحر سلطانًا لا سبيل إلى أن يستقر، لأن عصر التغلب والاستعمار قد انقضى منذ أمد بعيد.
وأغرب ما في أمر الفرنسيين والإنجليز أنك تتحدث إلى العقلاء منهم فتراهم يرون رأيك، ويثقون بمثل ما تثق به من أن سياسة الاستعمار قد أصبحت قديمة بالية لا تستطيع أن تعيش في هذا العصر الحديث.
وأمر الفرنسيين أعجب من أمر الإنجليز فقد لقيت من أدباء الفرنسيين وعلمائهم ورجال الثقافة فيهم. ولقيت من رجال السياسة والاقتصاد عددًا غير قليل قبل أن تشب الحرب الثانية. وأثناء الحرب، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها. وتحدثت إليهم في شؤون أفريقيا الشمالية فلم أجد منهم إلا من أنكر سياسة فرنسا كما أنكرها، وسخط على الاستعمار الفرنسي كما أسخط عليه.
وفي هذه الأشهر الأخيرة كتب كثير من الكتاب الفرنسيين على اختلاف أحزابهم ينكرون سياسة فرنسا في شمال أفريقيا، ومنهم من ألف في ذلك كتبًا قيمة، ومنهم من خصص لذلك أعدادًا من بعض المجلات الكبرى ومنهم من عقد الاجتماعات الضخمة في باريس لإعلان إنكارهم لسياسة الذين يمثلون فرنسا في شمال أفريقيا. ولكن هؤلاء الفرنسيين جميعًا على عظم أخطارهم وشدة تأثيرهم في البيئات الفرنسية المختلفة لا يصلون إلى شيء، وكأن حكومتهم لا تسمع لما يقولون ولا تقرأ ما يكتبون، ولا تحسب لهم ولا الذين يسمعونهم ويقرأونهم حسابًا.
وللشعب الفرنسي مع ذلك برلمان يقال إنه يمثله تمثيلًا صادقًا، ونصف هذا البرلمان على الأقل ينكر السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا كما ينكر السياسة الفرنسية في الهند الصينية، ولكن الحكومة الفرنسية على رغم هذا كله ماضية في سياستها، مصرة عليها لا تغير منها شيئًا.
وأشد من هذا كله غرابة أن وزير الخارجية الفرنسية السابق مسيو شومان قد أنكر منذ أسابيع سياسة فرنسا في شمال أفريقيا وزعم أن الممثلين لفرنسا في هذه البلاد يخالفون أمر الوزراء فيما يأتون من أعمال.
فأعجب لشعب ينكر سياسة حكومته في محافله واجتماعاته وأحاديث خطبائه ومقالات كتابه وبرلمان تكاد كثرته تنكر هذه السياسة، ثم ينظر الشعب وينظر البرلمان فإذا إنكارهما لهذه السياسة لا يغير من أمرها شيئًا.
ما مصدر هذا كله! هو من غير شك هذا التعقيد الذي أصاب نفوس طائفة من الفرنسيين منذ كانت الهزيمة في الحرب الأخيرة والذين يظنون أن الرجوع إلى الحق والاعتراف لأهل تونس ومراكش بأنهم ناس مثلهم، لهم حق في الحرية وفي أن يدبروا شؤونهم بأنفسهم ولهم الحق الكامل في أن ترعى فيهم حرمة الحقوق والأموال والدماء.
يظنون أن هذا كله يردهم إلى الضعف الذي ذاقوا مرارته حين أصابتهم الهزيمة وفرض عليهم الاحتلال.
ولست أعجب لشيء كما أعجب لهذه الظاهرة الغربية التي نشهدها في هذه الأيام. فالإنجليز والفرنسيون يثوب كثير منهم إلى المسيحية، فيدعون إليها ويحثون على الإيمان بها، ثم هم بعد ذلك يخالفون أظهر ما في الأناجيل من أصول العدل والإنصاف، فلا يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم. وإنما يؤثرون أنفسهم بالبأس والبطش والاستعلاء، ولا يستحيون بعد ذلك من الذهاب إلى كنائسهم في أيام الآحاد.
وكذلك قامت الأمور بين الشرق العربي والغرب الأوروبي على هذا التعقيد المنكر الذي يفسد من أمر الحضارة كل شيء ويضيع من المال والقوة والجهد والوقت كثيرًا مما كان يمكن أن يبذل في ترقية الحضارة وتمكين الناس من أن يعيشوا إخوانًا يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان.
ومن يدري لعل الله أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، ويمكن لهم في الأرض، ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.
طه حسين
الأهرام ١٩٥٣/٦/٦. -
الحديث المعاد
الحديث المعاد…
بقلم الدكتور طه حسين
إني لأعجب قط لشيء عجبي لأن المصريين لم يملوا المفاوضات، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب. وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافًا، وإلا بغضًا وحقدًا وفسادًا. مع أن التجربة هي خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه.
أني لأقرأ أحاديث الإنجليز في هذه الأيام عن المفاوضات التي أخذنا فيها منذ حين، فما أشك في أني أقرأ نفس الأحاديث التي كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلي رحمه الله يدير المفاوضات والتي قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين في لندرة أو في القاهرة. فأعجب كيف لا نسأم نحن، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد. وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء في مصر. فهم لا يكرهون شيئًا كما يكرهون الجلاء. وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون، فأما نحن فلا نحب شيئًا كما نحب الجلاء.
فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول؟ فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا، وكتبنا حتى ملت أقلامنا. وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير، وآن لنا أن نسدل الأستار دون هذه القصة السخيفة التي لا تريد أن تنقضي، وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل. وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرًا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها. وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الإصلاح على اختلاف ألوانه، لا في هذا الانتظار الممل الذي يميت القلب ويفل الحد ويرد إلى اليأس المرهق للنفوس، وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشؤوا أحرارًا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرًا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبي وعرف العالم له حقه في الكرامة والعزة والاستقلال.
لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابًا وشيعًا يمكر بعضها تدمير بعض. فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا، وأن نبين لهم في وضوح لا يحتمل شكًا ولا لبسًا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع، ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعًا وأحزابًا، ولن يلقي منا الآن إلا شعبًا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهي في أقصر وقت ممكن، إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطي كله، وإما إلى شر لن يؤذي المصريين وحدهم ولكنه سيؤذي الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون، قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها، وسئمنا الانتظار كما سئموه، وأصبحنا لا نريد إلا شيئًا واحدًا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل، إما في تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما في تحقيق الجلاء الذي لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب. إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلي وحده، وإنما ثارت على الطغيان الخارجي أيضًا. بل إن ثورتها على الطغيان الداخلي لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التي تجعل مصر للمصريين حقًا وصدقًا. والتي تشعر المصريين جميعًا بأنهم قد أصبحوا في وطنهم أحرارًا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعاني.
لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر، ثم مضت الأعوام ولم يتكشف إعلانهم هذا عن شيء.
فاوضهم صدقي رحمه الله فلم يصل إلى شيء، ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شيء، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء. فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عامًا، أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث.
وما لنا نتحدث إلى الإنجليز، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا، وأن نتحدث إليها حديث الجد الصارم الحر الذي لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين لا ثالثة لهما: منزلة الحياة العزيزة الكريمة، أو منزلة الجهاد العنيف الذي يجشم أصحابه الهول وقد ينتهي بكثير منهم إلى الاستشهاد.
إن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغي الخارجي والغدر الداخلي، فيجب أن يكون لقاؤهم درسًا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة. إنما تكتسب بأقصى غاية الجود، وهو بذل النفوس لها ثمنًا. ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل في سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب في ألوان النعيم، كل هذه أشياء لا ينبغي أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذي يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون.
آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم، وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابًا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي، وهي طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التي لا تغني عنهم شيئًا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئًا لأنها رحمة عقيم تجري بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة، ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا، ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة.
إنما الرحمة الصحيحة التي ينبغي أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هي هذه التي تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير، وهي رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى، وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة، ولا يطمع فيها الطامع، ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات.
بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدًا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذي يملأ الجو ويصم الآذان، ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كرامًا. وأول مظهر لهذه الكرامة أن نرفض الاحتلال الأجنبي ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه.
كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء، ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذي يقام للقائهم أم لم يشهده.
فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعي إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب. يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعًا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذي تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التي ستتلقى عنا هذا الوطن تراثًا حرًا كريمًا.
وليكن هذا اليوم الذي نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذي نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلًا، نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون. وليكن هذا اليوم يوم القسم الذي نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد، حديث المفاوضات.
طه حسين
الأهرام، ١٠\٥\١٩٥٣ -
وثبتان
وثبتان…
بقلم الدكتور طه حسين
كلتاهما بعيدة المدى، عميقة الأثر، تصور تحولا خطيرا أشد الخطورة وأقواها في حياة مصر. لأنها تصور انتقال الشعب من حياة الخضوع والتردد والإشفاق إلى حياة القوة والإقدام والثقة بالنفس والاعتماد عليها.
أما أولاهما فهي هذه التي كانت حين أعلنت الثورة في دستورها الجديد الموقوت أن أحكام القضاء ومراسيم الحكم، وقوانينه تصدر باسم الأمة. وما أشك في أن المصريين قد وجدوا في أعماق نفوسهم وضمائرهم، هذا الشعور الذي كانوا يطمحون إليه دائما ويردون عنه كلما كادوا يبلغونه، وهو الشعور بالكرامة الوطنية الخالصة، والإباء المصري الصريح، والقوة التي تتيح لمصر منذ اليوم ألا تحسب حسابا لسلطان خارج عن إرادتها فيما تقدم عليه من أمر، وفيما تدبر من خطة وفيما تتخذ من قرار، والمصريون جميعا يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم وقادتهم والمسئولين من حكامهم، كانوا لا يفكرون في أمر يأتونه أو يدعونه، ولا في خطة يضعونها، ولا في قرار يعدونه إلا سألوا أنفسهم وتساءلوا فيما بينهم ما عسى أن يقول الملك أو ما عسى أن يظن! وما عسى أن يكون موقف القصر أيكون موقف الرضى! أم يكون موقف السخط! أم يكون موقف التشكك والارتياب!
والمصريون يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم، وقادتهم، والمسئولين من حكامهم، كانوا في كثير من المواطن ذات الخطر لا يسألون أنفسهم، ولا يتساءلون فيما بينهم عن موقف الملك والقصر وحدهما وإنما يسألون ويتساءلون عن موقف الإنجليز، أيرضون أم يسخطون أم يرتابون؟ وما عسى أن تكون نتيجة الرضى أو السخط أو الارتياب! وكان هذا الخضوع يثبط الهمم ويفل الحد ويورط في التردد والاضطراب، ويلقى في روع المصريين جميعا أن أمورهم ليست إليهم وحدهم، وإنما هي دائما إلى ذلك المحجب في قصره، وهي أحيانا إلى القوة المحتلة الجاثمة على صدر الشعب تنغص عليه حياته وتوشك أن تحول بينه وبين التنفس الحر الطلق فقد انهار هذا كله
انهيارا. ومضى هذا كله إلى غير رجعة، وردت إلى مصر كرامتها الصريحة الخالصة فاستطاعت أن تقول للملك لا، واستطاعت أن تجليه وتجلي معه سلطانه إلى ما وراء البحر.
ثم استطاعت بعد ستة أشهر أن تقول للإنجليز وأن تنزلهم عند رأيها في تقرير حقوق السودانيين في أن يختاروا لأنفسهم ما يحبون أن يختاروه أحرارا كراما لا يخضعون لرغب أو رهب، ولا يتأثرون بخوف أو إغراء.
وكانت هذه هي الوثبة الثانية التي أتمت الوثبة الأولى وجعلت كرامة مصر وعزتها وإباءها واستقلالها حقائق واقعة، تراها العيون وتسمعها الآذان وتخفق بها القلوب لا أماني يخدع بها المغرورون ولا أضاليل يعلل بها العاجزون.
قالت الثورة للملك السابق: التمس لحياتك ميدانا غير مصر فلم يستطع إلا أن يسمع ويطيع.
وقالت الثورة للإنجليز: يجب أن يختار السودانيون لأنفسهم وأن يقرروا مصيرهم بإرادتهم الحرة المطلقة التي لا تشوبها شائبة. فطاولوا وماطلوا، وحاولوا أن يسلكوا تلك الطرق التي سلكوها فيما مضى وأن يلتووا بالوعود ويتعللوا بالعلل. ولكن الثورة ثبتت في مكانها وحزمت أمرها والتزمت بما قالت، ولم تحفل بمداورة ولا بمناورة، ولم تقبل مطاولة ولا مماطلة وسبقت إلى السودانيين فألقت في روعهم وأقرت في ضمائرهم ما ألقته في روع المصريين وما أقرته في ضمائرهم من الشعور بالكرامة والعزة والإباء، ونظر الإنجليز فإذا الطرق قد أخذت عليهم من جميع أقطارها وإذا وسائل المكر والحيلة والالتواء قد صرفت عنهم، وإذا أسباب المطاولة والمماطلة قد تقطعت بهم فنزلوا عند ما أراد المصريون والسودانيون، واستطاع نجيب وأصحابه أن يقولوا لا للإنجليز كما قالوا لا للملك السابق وأن يقولوها جادين حازمين صارمين، لا يجرونها على أطراف ألسنتهم، وإنما ينطقون بها قلوبهم وضمائرهم، ويستعدون لنتائجها وأعقابها مهما تكن.
فبلغوا من الملك السابق ومن الإنجليز ما أرادوا، وما أرادت مصر والسودان، وهم قاطنون في وطنهم لا يعبرون البحر ولا المحيط، وهم محتفظون بقوتهم وصبرهم وثباتهم واطمئنان نفوسهم وابتسام ثغورهم وإشراق وجوههم لا يسرفون في قول ولا عمل، ولا يسرفون في إبراق ولا إرعاد وإنما ثبتت أقدامهم فلم تتحول عن مواضعها، وقالوا: لا ولم يقولوا غيرها، وانتظروا نتائجها مستعدين لها مهما تختلف، فكان لهم ما أرادوا وكان لوطنهم ما أراد.
فلهم ولوطنهم أصدق التهنئة وأخلصها وأذكاها، ولم أحب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير والتدبر في هذا الدرس الذي ألقته الثورة عليهم فهي قد فتحت لهم به آفاقا بعيدة، وبسطت لهم به آمالا عراضا وألقت إلى نفوسهم وقلوبهم أن الكرامة والإباء والعزة ومضاء العزم، وصدق الرأي وتصميم الإرادة. كل هذه خصال لا تتحقق بالكلام الكثير ولا بالنشاط المضطرب وإنما تتحقق وتؤتى ثمرها بالثبات الصادق على الرأي والتصميم الحازم على الخطة واستقبال الخطوب في غير احتفال بها ولا التفات إليها حتى يبلغ الإنسان ما يريد متمثلا قول الشاعر القديم:
إذا هم ألقى بين عينيه غرمه
ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه
ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
وهذا الدرس الذي ألقته الثورة لم يرد على المصريين والسودانيين كرامتهم فحسب وإنما مهد لهم الطريق المستقيمة إلى حل مشكلاتهم كلها فالخطة التي أنزلت الإنجليز عند رأي مصر في أمر السودان يوم الخميس وأجلت الملك السابق عن مصر في السادس والعشرين من شهر يوليو الماضي هي وحدها التي ستجلي جيش الاحتلال عن القناة في وقت قريب لعله أقرب جدا مما يظن المتفائلون والمتشائمون جميعا.
نية صادقة وبصيرة نافذة وإرادة مصممة وقصد إلى الخير وحده بهذا كله. هذه هي الخصال التي لا تثبت أمامها المصاعب إلا ريثما تذلل ولا تقوم في سبيلها العقبات إلا ريثما تزول وكلما قوي التجاوب بين الثورة والشعب وقوي إيمان الشعب بنفسه وحقه وكرامته وثباته على رأيه وتصميمه على إرادته واستعداده للتضحية في سبيل الحق. كان بلوغ الغاية أدنى مدى وأقرب منالاً.
ها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد جدا نسمع القضاة يصدرون أحكامهم باسم الأمة ونقرأ القوانين والمراسيم تصدرها الحكومة باسم الأمة باسم كل واحد من أبناء هذا الوطن، فنحس أقوى الإحساس وأصدقه بأن الأمر أمرنا نحن وبأنا نحكم أنفسنا لا يحكمنا فرد مسلط ولا تتدخل في حكمنا قوة أجنبية وإنما يصدر الحكم من السلطة التي ائتمنت نفسها على حقوقنا والتي ائتمنناها نحن على حقوقنا، والتي ستؤدي إلينا الأمانة كاملة حين تنتهي فترة الانتقال لأنها تؤمن إيمانا صادقا لا ارتياب فيه بأن الله يأمر المؤمنين أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها.
وها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد بعيد جدا نطلب إلى الإنجليز بعد أن حزمنا أمرنا أن يجيبوا في غير مماحكة ولا مداورة بنعم أو لا. فيجيب الإنجليز بنعم غير مماحكين ولا مداورين مع أنهم أبرع أمم الأرض في المماحكة وأمهر أمم الأرض في المداورة والالتواء.
هاتان وثبتان لهما ما بعدهما من غير شك لم نقهر بأولاهما الملك السابق وحده، وإنما قهرنا بها الطغيان كله في نفس الملك السابق وفي نفوسنا نحن والانتصار على النفس هو أعظم أنواع الفوز. وأنزلنا بالثانية الإنجليز عندما أردنا في غير ضجيج ولا عجيج فلم ننتصر على الإنجليز وحدهم وإنما انتصرنا على أنفسنا قبل أن ننتصر عليهم لأننا أخذناها بالقصد في القول والثبات على الرأي والبراءة من الهوى والانتصار على النفس خير أنواع الانتصار.
وما أريد أن يخدع المصريون أنفسهم ولا أن يطمئنوا إلى ما بلغوا وإنما أريد أن يعلموا أنهم في أول الطريق وأن حياة الشعوب شيء يعرف أوله ولا يعرف آخره وأنها لا تجري دائما على ما يشتهون.
فهم قد كسبوا بهاتين الوثبتين شيئا كثيرا ولكن عليهم أن يكسبوا أكثر جدا وأكثر مما كسبوا.
يجب أن يجلي الإنجليز ويجب أن يشمل الإصلاح السريع الحاسم فروع حياتنا كلها وسبيل ذلك أن نؤمن بالحق أعمق الإيمان وأقواه وأن نمضي في سبيله غير هيابين ولا مشفقين ولا مترددين وأن ننسى أنفسنا في سبيل ما نريد من تحقيق الإصلاح وإقرار العدل ولا أن نحفل بالعواقب ولا نكترث بالخطوب.
وكنت إذا قوم رموني رميتهم
فهل أنا في ذا بالهمدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارما
وأنفا حميا تجتنبك المظالم
طه حسين
الأهرام ١٥\٢\١٩٥٣ -
ثورة حية وحياة ثائرة
ثورة حية وحياة ثائرة
بقلم الدكتور طه حسين
أحب أن تكون ثورتنا حية ، وأن تكون حياتنا ثائرة ، وأن يصبح المصريون في جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس وأن يمس المصريون في جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل.
أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة وأن يدفع المصريون إلى نشاط قوي عنيف ، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات في كل يوم . وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعا مختلفة ألوانه يمس فروع الحياة كلها ، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم في الحياة . يمس الموظف في ديوانه ، والعامل في مكتبه أو معمله والزارع في حقله ، والعامل في مصنعه .
أريد أن يشعر المصريون جميعا شعورا قويا عميقا جامحا أو كالجامح بأنهم قد دفعوا إلى جد لا راحة منه وإلى كد لا أناة فيه ، وإلى شوط لابد لهم من أن يبلغوا غايته في أسرع وقت وأقصره ليستأنفوا الاندفاع في شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط.
أريد ألا يفرغ المصريون لأنفسهم وألا تفرغ لهم أنفسهم ، وأن يشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شيء.
كذلك أريد أن أرى المصريين في هذه الأيام لأنهم فرغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ ولأنهم يعيشون في أيام ثورة . لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه .
بل هم يعيشون في أيام ثورة لا تبغض شيئا كما تبغض الفراغ لأنه عدوها الذي يفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكسل المتخاذل المريب .
ولست أعرف شيئا أخطر على الثورة ولا أضر بها ولا أشد عليها نكرا من فراغ الناس لأنفسهم وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضا وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عما كان – أن يكون غدا، وعما فعل فلان، وما لم يفعل وعما والناس حين يلقي بعضهم بعضا فارغين للحديث طالبين للراحة مفتنين فيها متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث ، ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج وإنما هم أصحاب لغو في القول ، يجدون اللذة كل اللذة والمتعة كل المتعة والحياة كل الحياة في النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك ، ينامون أيقاظا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس ينفقون أكثر أيامهم نياما والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة ، وهم في غمرة ساهون لاهون لا خير فيهم لأنفسهم ، ولا خير فيهم لأحد ، هم القادرون منهم أن يملأوا بطونهم ، بما يلقون فيها من الطعام والشراب ، وأن يملأوا أفواههم وآذانهم ، وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذي لا طائل فيه ، وهم العاجزون منهم أن يشكوا وأن يبكوا وأن يعيبوا الزمان وأهله ويحملوا غيرهم تبعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء .
قوم يضيعون حياتهم في البطر والأشر وغرور الأقوال والأحاديث وقوم يضيعون حياتهم في السخط والشكوى وفي البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس في أيديهم وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة في شيء بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة في شيء .
أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا وألا نحقق شيئا حتى ندفع إلى تحقيق أكثر وألا نبلغ غاية حتى ندفع إلى غاية أبعد منها ، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل.
أريد هذا كله وأعرف السبيل إلى هذا كله ، لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال ، وإنما هي واضحة مستقيمة قريبة يكفي أن نقصد إليها محبين لها مؤمنين بها لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد ، وهذه السبيل هي تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب . التجاوب بالعمل لا بالقول وحده ، التجاوب الذي يقتضي أن تستقر الثورة في كل ضمير وأن تضطرم جذوتها في كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد ويفكر في تدبير أمرها كل عقل ويدعو إلى بلوغ أهدافها كل لسان.
هذه السبيل هي ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم ولا على الذين استجابوا لهم من المثقفين والمفكرين ، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعا إلى أبناء الشعب جميعا تجاوزا فعليا لا تنطق به الألسنة وحدها ، وإنما تؤمن به القلوب والعقول وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده وإنما يتحقق بالأخذ السريع في أسباب الإصلاح وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط .
وأنا أعلم أن هذا يحتاج أول ما يحتاج إلى المال الذي يمكن من الأخذ في تنفيذ المشروعات الكثيرة التي تهيئ للإصلاح الصناعي والزراعي وأنواع الإنتاج المختلفة ، ولكني أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد في تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام . وهي معرضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة ، والضيق وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق .
وهذه المصادر فيما أظن ليست بعيدة ولا متعذرة وإنما هي قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئا من الجراءة وما ينبغي أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة ، فقد ينبغي أن تكون جريئة بطبعها .
ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يقرض الدولة بعض ما عنده لتبدأ في مشروعات الإصلاح ، إن الأمر يحتاج إلى شيء من الثقة والثقة لا تأتي وحدها إنما تأتي حين تدعى وحين ترغب وحين تمد للناس أسباب الأمل.
إني أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رؤوس أموالهم في مصر ، وهذا خير ما في ذلك شك ، ولكن أموال المصريين لم لا تستثمر في مصر! وأين تستثمر إذن! أليس غريبا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم في قرض واحد لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح .
إحدى اثنتين أما أن يكون في مصر مال ففيم ينفق هذا المال إذا لم ينفق في إصلاح مصر! وإما ألا يكون في مصر مال، وإذن فمن أين يأتي هذا المال الذي ينفق في ألوان من الترف السخيف الذي لا يغني؟ .
ليصدقني رجال الثورة أنهم في حاجة إلي أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل وهم لن يطلبوا منهم تبرعا ولا إحسانا وإنما يطلبون منهم إقراضا يغل عليهم ربحا ويغل على مواطنيهم عملا ويغل على وطنهم ثراء وخصبا وإنتاجا.
لتقدم الثورة إذن على كسب ثقة الشعب وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم في إصلاح مصر . لتدعو الثورة إلى بعض القروض ولتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها .
وما أشك في أن هذا الامتحان سينتهي بأصحابه إلى النجح .
وإذا رأى الأجانب أموال مصر تستثمر في إصلاح مصر وأبناء مصر يثقون بثورة مصر أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم في مصر ، هنالك يندفع الشعب إلى العمل ، وهنالك يشغل الشعب بالعمل من الفراغ ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب ، وتصبح ثورتنا حية ، وحياتنا ثائرة .
طه حسين
الأهرام ١٩٥٣/٢/٧ -
الثعبان
الثعبان
لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان. لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، وعقلا لا يرى حوله إلا شرا ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا.
وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء ويأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف.
وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء.
وكان هذا كله يفسد الجو المصري ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني. وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك. فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك. فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء.
وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية في ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من الأمر ما يشاء وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول أو عمل. وقد شارك في هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية في القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان. فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدأ من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء. والحرص على تغيير كل شيء. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين. ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها. وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها، ورأى في هذا الإعجاب وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا. وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا. ولم يكد يستقر في أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما. فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال في الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد. حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي ولا باحتياط السلطان الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا. ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون. ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح. ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقي في الحياة المادية والعقلية.
رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه. ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضي كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي مطالبا بالاستقلال. ولكن إقامته في أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقي الشر إن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقا جديدا. كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح. ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حينا آخر. وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في أوربا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفي نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالإصلاح. وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين، فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء. وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها، وأثنى عليها ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين.
وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء. ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر. وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور في نصابها واطمأنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث.
وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين في المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص. ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها وأمانيها وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ إن كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث.
وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها. ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك في سياستها، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي جميعا.
قلت لصاحبي أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي. قال صاحبي لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى في أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر في مصر الثعابين.
طه حسين
البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥. -
بين الرضى والسخط
بين الرضى والسخط . . .
بقلم الدكتور طه حسين
ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.
والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.
والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.
أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.
وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.
ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.
والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.
ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.
ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.
ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟
أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.
وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.
بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.
وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.
فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.
ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.
وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.
وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.
وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.
وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.
فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
طه حسين
الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢ -
ثم ماذا
ثم ماذا . . .
بقلم الدكتور طه حسين
لم يسئني سقوط الدستور ولم يسرني فقد الدستور وهو منذ شهور طوال، كان وهما يقسم الوزراء يمين الإخلاص له، ثم لا يكادون يفرغون من قسمهم حتى يسخروا منه، ويعبثوا به، ويفعلوا بنصوصه وروحه الأفاعيل، وقيام الوهم سخف من السخف، ولون من ألوان التضليل، وسقوطه تحرر من الخرافة، وتبرؤ من عبادة الأصنام التي لا تغني عن الذين يعبدونها شيئا.
لم يسئني إذن سقوط الدستور ولم يسرني، فقد كان كلاما مكتوبا تسجل فيه على السلطان القائم، مهما يكن، طائفة من حقوق الشعب، وكان تسجيل هذه الحقوق فنا من فنون العزاء للذين يصيبهم الظلم أو يلم بهم الضيم. كانوا يقولون لأنفسهم أنهم ظلموا، مع أن الدستور ينصفهم، وأنهم سيموا الضيم والخسف مع أن الدستور يكفل لهم العزة والكرامة والإباء. وكانت الظروف تتيح لهم أحيانا أن يخاصموا السلطان الذي ظلمهم أو سامهم الضيم، وأن يظفروا بالنصفة. وكانوا على كل حال يجدون شيئا من القوة على احتمال ما يصب عليهم من المكروه، يقولون لأنفسهم أن الذين صبوا عليهم ما يكرهون قد خالفوا أمر الدستور.
من أجل هذا لم يسرني سقوط الدستور، وكنت أوثر أن يظل هذا الوهم قائما حتى يوضع دستور جديد لا يلغيه إلا ليقوم مقامه.
ولكن الدستور على كل حال لم يذهب إلى غير رجعة، وإنما ذهب ليوضع مكانه دستور جديد، فالحياة التي نحياها الآن دون دستور موقوتة لا أدري أتقصر أم تطول ولكنها موقوتة آخر الأمر لأن قائد الجيش قد أعلن ذلك وهو صادق فيما يعلن، ولأنه قد عاهد الله والشعب على أن يحتفظ للمصريين بحقوقهم كاملة لا يحيد في إجرائها عن العدل ولا ينتقص منها قليلا ولا كثيرا حتى يتم وضع الدستور الجديد وتنفيذه.
والناس يختلفون في هذا الدستور الجديد كيف يوضع ومن الذي يضعه ولأي نظام من نظم الحكم يراد وضعه وما أعرف وقتا يجب فيه على المثقفين أن يعلنوا آرائهم في هذا الأمر كهذا الوقت الذي ابتدأ منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور. فهو الوقت الذي يجب أن يبصر فيه الشعب بحقوقه، وأن يشار فيه على السلطان القائم بما يحسن أن يأتي وبما يحسن أن يدع.
وكان الدستور الذي ألغي قد صدر على نحو لم يرض عنه المصريون. أعدته لجنة من فقهاء الساسة وساسة الفقهاء على كره من الشعب الذي لم يكن يحب أن يتنزل عليه الدستور من عل، وإنما كان يريد أن يصدر الدستور عنه هو فيستمد من شعوره وحسه، ومن قلبه وعقله، ومن آماله وآلامه وحاجاته. وكان سعد رحمه الله يسمى اللجنة التي مالأت السلطان القائم وأعدت له الدستور لجنة الأشقياء. ولكن الدستور لم يكد يصدر وينفذ لأول مرة حتى رضي عنه الناس، وآمنوا به، وضحوا بالأنفس والأموال والجهود في سبيل صيانته، وأعلنوا أنه دستور الشعب ثم لم تمض أعوام حتى وقف إلى أجل، ثم ألغي، ووضع مكانه دستور آخر، وقيل إن الدستور منحة من الملك، وأن من ملك المنح يملك المنع كما يملك التغيير والتبديل. ثم قويت هذه النظرية في نفوس جماعات من الساسة حتى أباحوا لأنفسهم بعد عودة الدستور القديم أن يهدروا روحه ونصه في غير موقف، وأن يعينوا على إهدار روحه ونصه، كلما اشتاقوا إلى الحكم أو حرصوا على البقاء في مناصب الحكم. حتى لم يبق شك آخر الأمر في أن الدستور قد صار هزئا ولعبا ولم يكن لهذا كله مصدر إلا أن الدستور القديم لم يصدر عن الشعب وإنما صدر عن السلطان.
وإذن فأول ما يجب حين نفكر في وضع دستور جديد هو أن نرد الحق الأكبر إلى أهله، والحق الأكبر هو الدستور وصاحب هذا الحق هو الشعب. فالدستور لا يوضع للملك ولا يوضع للحكومة ولا يوضع لهيئة من الهيئات، بل الدستور لا يوضع لجيل من الأجيال، إنما وضع للشعب كله الذي يتجدد وتتعاقب أجياله على مر الزمن وهذا الشعب هو صاحب الحق الأول في أن يختار لنفسه نظام الحكم، وفي أن يضع لنفسه أصول النظام الذي يختاره، ومن حق أجياله المتعاقبة أن تغير هذا النظام بين حين وحين، لتلائم بينه وبين حاجاتها وأطوارها التي تتعاقب عليها. وإذن فأول ما ينبغي هو ألا يكون الدستور منحة تهدى إلى الشعب، فليست في مصر قوة تستطيع أن تهدي إلى الشعب دستورا وإنما الشعب هو الذي يعطي نفسه الدستور الذي يريد، وهو الذي يعطي كل هيئة من هيئاته، وكل سلطة من سلطاته حقوقها ويفرض عليها واجباتها وكل انحراف عن هذه الطريق المستقيمة يعرض للزلل ويورط في الخطأ ويهيئ المشكلات التي لا تلبث أن تثور وتفسد على الشعب أمره بعد وقت قصير أو طويل. والناس يتحدثون عن لجنة يراد تأليفها لوضع دستور جديد، وليس من شك في أن تأليف هذه اللجنة واجب ليس منه بد، ولكنه فيما أفهم لجنة تعد الدستور أو تعد مشروع الدستور ليعرض بعد ذلك على الذين يمثلون الشعب تمثيلا صحيحا ليدرسوه ويناقشوه ويقروه كما قدم إليهم أو بعد أن يدخلوا فيه ما يحبون من تغيير وتبديل.
وإذا كان هذا الفهم صحيحا فليس يهم أن تكون هذه اللجنة التمهيدية كبيرة أو صغيرة، تتألف من مئة أو من أكثر من مئة. أو من أقل من مئة. وإنما المهم أن تكون لجنة من الذين يفقهون الدستور ويحسنون التصرف في أحكامه ويحسنون العلم بحاجات الشعب وآماله ليكون المشروع الذي يعدونه مقاربا لا يكلف ممثلي الشعب في درسه وإقراره عناء ثقيلا ولا بحثا طويلا. فقد ينبغي أن يكون الوقت الذي يمضي بين إلغاء الدستور القديم وإعلان الدستور الجديد غير مسرف في الطول.
وقد دعا صديقنا الأستاذ محمود عزمي إلى استفتاء الشعب فورا في الاختيار بين الملكية والجمهورية لتستقبل اللجنة الإعدادية عملها على بصيرة. وأنا أشارك صديقنا في هذه الدعوة وأكاد أعتقد أن اختيار الشعب واضح منذ الآن وأن استفتاءه سينتهي إلى تقرير النظام الجمهوري الذي يدعو إليه الداعون وأنا منهم منذ أنزل الملك السابق عن عرشه. فقد عاشت مصر على النظام الملكي منذ عرفها التاريخ أو منذ عرفت هي التاريخ إلى الآن. وشقيت بهذا النظام شقاء متصلا، كان لها في العصور القديمة ملوك يرون أنفسهم آلهة ويراهم الشعب آلهة أيضا. ثم كان لها ملوك يرون أنفسهم ظلالا للآلهة أو ظلا لإله واحد. وكلهم كانوا يخادعون أنفسهم ويخادعون الناس وكلهم كانوا يسيمون الناس فنونا من العسف والخسف باسم هذا السلطان الوهمي الذي ينزلونه على أنفسهم من السماء، وقد آن للمصريين ألا يخدعوا أنفسهم، وألا يخدعهم أحد عن أنفسهم وأن يعلموا أن الحكم يأتي منهم ولا يتنزل عليهم وأن الحكام مهما يكونوا خدام لا سادة ينصبهم الشعب ليؤدوا بعض أعماله التي تتصل بمرافقه السياسية والاجتماعية على اختلافها فليس هناك سادة مقدسون يعصمون من التبعات ويرتفعون على الشبهات ويسودون ولا يسادون، وإنما هناك حكام يختارهم الشعب ليدبروا له أمره في الحدود التي يرسمها لهم الدستور، يرزقهم على ذلك أجورهم، ويسألهم بعد ذلك عما يعملون. وقد سئم المصريون فيما اعتقد نظام الراعي والرعية، والسيد والمسود، ولم يبق منهم إذا ذكر الملوك إلا من يتمثل إن كان مثقفا قول أبي العلاء:
مل المقام فكم أعاشر أمة
أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
فإن لم يكن مثقفا قال كلاما يشبه من قريب أو من بعيد هذا القول من شعر أبي العلاء ولست أعرف هذا العصر الذي ارتقى فيه العقل وتنبهت فيه الشعوب لحقوقها أسخف سخفاً ولا أشد إغراقا في الوهم من توارث الملك لا لشيء إلا لأن أسرة بعينها قد فرضت نفسها على شعب من الشعوب بالحيلة أو بقوة السيف أو بحسن البلاء أحيانا.
كل هذا كان يساغ في العهود الماضية، فأما الآن فقد أصبح لونا من الباطل يشبه هذيان الحمى أكثر مما يشبه أي شيء آخر.
ولم ينكر المسلمون في أول عهدهم شيئا كما أنكروا وراثة الملك التي استعارها من استعارها من كسروية الفرس وقيصر الروم. وفي وراثة الملك سخف لا ينقض وأخطار لا حد لها – فأنت لا تستطيع أن تكفل الحزم والعزم، والحكمة والحلم، والذكاء والكفاية والصلاح والاستقامة للأجنة في بطون أمهاتها ولا للأطفال حين يولدون فكيف إذا ضمنت لهذا اللغز الغامض المبهم الذي هو الجنين قبل أن يولد أو الطفل بعد أن يولد الملك والاستئثار بأمر شعب كامل لا لشيء إلا لأنه انحدر من أسرة بعينها.
لا أشك إذن في اتجاه الشعب المصري الآن إلى النظام الجمهوري. فلتسرع الحكومة إلى تنظيم استفتائه قبل أن تنشئ اللجنة لإعداد الدستور ذلك أجدر أن ييسر لهذه اللجنة أمرها ويمهد لها إلى ما ستحاول طريقا مستقيما. فإذا أتمت هذه اللجنة عملها – وينبغي ألا تدفع إلى الإسراع الذي يفسد العمل ولا تؤخذ بالعجلة التي تفسد التفكير – دعيت هيئة من ممثلي الشعب على أن يكونوا من الذين يفقهون أحاديث الدستور ويحسنون التصرف فيها، وعرض عليها المشروع الذي أعدته اللجنة لتدرسه وتناقشه وتقره حرة لا مكرهة ولا معجلة ولا مضيقا عليها.
فإذا أتمت عملها أعلن الدستور وأُنْفِذَ واستقبل الشعب حياة مستقرة خصبة يعرف الناس فيها واجباتهم وحقوقهم، ويعرفون أنهم مصدر هذه الواجبات وهذه الحقوق ولست أدري إلى أي وقت طويل أو قصير يحتاج هذا كله ولكن الذي أعلمه علم يقين هو أن هذا الوقت لن يذهب عبثا ولن يضيع في غير طائل فسينفقه الشعب في نوعين من النشاط الخصب النافع الذي هو في أشد الحاجة إليه والذي من أجله كانت الثورة.
أحد هذين النوعين هو النشاط في إعداد الدستور وإتمامه وإعلانه، والآخر هو نشاط النهضة في التمهيد للدستور الجديد بوضع الأسس للإصلاح في حياتنا على اختلاف فروعها وإزالة ما يمكن أن يعترض الدستور الجديد من العقبات.
كذلك أفكر في حياتنا الجديدة التي بدأت منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور القديم، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيبا فيما أصور لنفسي من أمر المستقبل؟ ولكني أرجو على كل حال أن يعصم الله مصر من الزلل والخطل والخطأ ويهيئ لها من أمرها رشدا.
طه حسين
الأهرام، ١٣\١٢\١٩٥٢ -
هزل وجد
هزل وجد
بقلم الدكتور طه حسين
أنفقت أياما عشرة لا تصل إليّ فيها الصحف المصرية ولا أعرف من أنباء مصر وثورتها المباركة إلا ما تحمله إليّ الصحف الفرنسية أو الإيطالية. وأرادت الظروف ألا يكون في الفندق الذي أقيم فيه راديو أستطيع أن أفزع إليه مصبحا أو ممسيا لأسمع الأنباء وأساير ما يجد في مصر من الأحداث. فكنت إذن أعرف شئون مصر من طريق غير مباشرة هي طريق الصحف الأجنبية وما تنشره من هذه الأطراف المقتضبة التي لا تقنع ولا ترضي ولعلها تشوق إلى مزيد من العلم وفضل من المعرفة. وجعلت أظن الظنون وأقدر في نفسي ألوانا من الفروض تصور لي الحياة الواقعة في مصر وقد كنت متلهفا إلى الأنباء فكنت أقدر أن المصريين جميعا متلهفون مثلي على الأنباء، وكنت مشغولا عن كل شيء بالتفكير في ثورتنا ونتائجها الأولى وأعقابها البعيدة وأثر هذا كله في حياتنا التي نحياها اليوم وفي حياتنا التي سنحياها غدا أو بعد غد.
ولم أكن أشك في أن المثقفين من المصريين مشغولون مثلي عن كل شيء بهذا التفكير وكنت لا أفكر في أمس القريب أو البعيد إلا لأوازن بينه وبين اليوم أو لأوازن بينه وبين غد أو بعد غد. وكنت أعتقد أن المثقفين من المصريين مثلي قد أخذت عليهم الثورة وأحداثها وأعقابها كل طريق. فهم قد نسوا أمس وما ثار بينهم فيه من الضغينة والحقد وأصبحوا إخوانا قد صفت قلوبهم من البغض وبرئت نفوسهم من كل سوء وطهرت ضمائرهم من كل موجدة. وقد حفظت فيما حفظت من الآثار أن الإسلام يجب ما قبله فكنت أظن أن الثورة تجب ما قبلها أيضا وكنت مستيقنا أن المصريين لن يفكروا فيما قبل الثورة إلا ليرفعوا ما وقع من الظلم ويزيلوا ما بها من البغي ويردوا الحقوق إلى أصحابها ويضطروا الظالمين والآثمين إلى حياة بريئة من الظلم والإثم جميعا.
كنت أظن هذا كله وكنت أقول لنفسي أن الزمان قد استدار في مصر كهيئته يوم خلق الله مصر والمصريين فأصبح لا عهد له ببغي ولا طغيان ولا عدوان وإنما مصر بلد صفا جوه وطاب إقليمه يسكنه شعب صفت قلوبه وضمائره وطابت سيرته وسرائره.
كذلك كنت أشعر وكذلك كنت أفكر وبذلك كله كنت مؤمنا وإلى ذلك كله كنت مطمئنا. ولكن الصحف المصرية تصل إليّ ذات يوم فأسرع إليها وأعكف عليها فيا لها يقظة مؤذية مزعجة بعد نوم هادئ مستريح وأحلام حلوة ممتعة.
رأيت صحفنا كما عرفتها قبل أن أبرح الأرض وأعبر البحر وقبل أن تعصف الثورة ببغي البغاة وطغيان الطغاة لم يتغير من سيرتها شيء لا في الظاهر ولا فيما ورائه من خفي الأشياء والأسرار. كلف بالأنباء المثيرة وشغف بالأخبار التي تروع أو تروع، وتتبع للصغائر وإغراق في البحث عنها ومضي في الجدال الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا.
الأحزاب ماضية في خصوماتها كأن الدنيا لم تتغير من حولها والصحف الأسبوعية ماضية في تلقط النوادر التي يتفكه بها الناس حين يلقي بعضهم بعضا على حساب هذا الحزب أو ذاك وعلى حساب هذا الفرد أو ذاك كأن مصر لم تستأنف فصلا جديدا من تاريخها الرائع الطويل وإني لفي ذلك وإذا صحيفة تنشر حديثا لم أكد أقرأه حتى أغرقت في ضحك عميق عريض ولكنه على ذلك مؤلم ممض. فهذا الحديث يمسني أنا ويمس علمي باللغة العربية وسوء تصرفي فيها. وما رأي القارئ في أني لا أحسن تعدية الأفعال وإنما أخلط في حروف الجر تخليطا معيبا ولا أحسن استعمال الهمزة وإنما انحرف في هذا الاستعمال عما جاء في شعر زهير وعما جاء في مغني اللبيب لابن هشام. وقد أغرقت في هذا الضحك العميق العريض المؤلم الممض لا لأني أنكر على صاحب هذا الحديث شيئا مما قال. فالناس جميعا يعلمون أني لا أحسن اللغة العربية ولا أجيد التصرف فيها. والناس جميعا يعلمون أني لست من الكتابة ولا من الأدب الرفيع في شيء، وإنما متكلف ثرثار لا أعرف كيف أبدأ ولا أعرف كيف أنتهي ولا أعرف كيف أقول. الناس جميعا يعلمون هذا وأنا أعلمه أيضا. ولست أنا الذي طلب إلي الناس أن يسموني بما شاءوا من الأسماء وأن يلقبوني بما أحبوا من الألقاب وإنما هو حب الناس للعبث وكلفهم بالدعابة وتهالكهم على الفكاهة قد دفعهم إلى ما اندفعوا إليه وورطهم فيما تورطوا فيه.
لم أمعن في الضحك إذن لأني أنكرت من هذا الحديث شيئا وإنما أمعنت في الضحك العميق العريض الطويل الممض لأني ذكرت تلك الصورة التي استقرت في نفسي لمصر قبل أن تصل إليّ الصحف بساعة أو بعض ساعة ثم رأيت هذا الحديث الصغير الضئيل وليس شيء من الأشياء يدعو إلى الضحك والإغراق فيه كاجتماع النقائض حين تتباعد الآماد بينها. ملك ينزل عن العرش مذعنا لإرادة الشعب وحياة عامة تتغير. وتريد أن تنقلب رأسا على عقب ونظم سياسية اجتماعية تريد أن تتحول لتبرأ ما جرى فيها من الفساد وبلد يخلق خلقا جديدا وتاريخ يستأنف من فصوله فصلا يريد أن يكون رائعا بارعا خلابا للقلوب والعقول والأبصار والأسماع كل هذا في ناحية وأمامه في ناحية أخرى شيخ من شيوخ اللغة أو شاب من شبابها يتتبع أغلاط كاتب من الكتاب ويعيب على الأهرام أنه من كتابها ويطلب إليها أن تصحح فصوله قبل أن تنشرها، ضخامة ضخمة من جهة وصفر صغير من جهة أخرى وأشد من ذلك إيذاء للنفوس وإيلاما للقلوب أن هذا الصفر الصغير ليس فذا ولا نادرا. ولكن له أمثالا كثيرة في صحف كثيرة وهذه الأمثال لا تمسني من قريب أو بعيد وإنما تمس غيري من الناس. وليس المنكر فيها أنها تعيب هذا الرجل أو ذاك بالحق قليلا وبالباطل كثيرا وإنما المنكر فيها حقا هو أنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى ما ينبغي أن يأخذ على المصريين جميعا طرق التفكير والشعور وطرق الكتابة والحديث.
لقد كانت بيني وبين قوم من المصريين خصومة في شئون التعليم كنت أقول وكانوا يقولون وكنت أقدر أن أرد على أحدهم ذات يوم ولكن الأنباء تحمل إليّ أحداث مصر فأعرض عن تلك الخصومة لا عامدا إلى هذا الإعراض وإنما اضطرتني إليه الأحداث اضطرارا. فما حديث المجانية أو ما حديث بثينة وجميل في بلد ينهار فيه نظام ليقوم مقامه نظام آخر.
وقد ساءلت نفسي دائما وفي كثير من الإلحاح عن بيت المتنبي:
وإذا كانت النفس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
كيف يصبح لو أننا وضعنا فيه صغارا مكان كبارا واعترف بأني ذكرت هذا البيت وذكرت السؤال الذي طالما ألقيته على نفسي حين قرأت الصحف التي وصلت إليّ من مصر منذ أيام ورسمت قائدنا العظيم الذي غير حياة مصر في أيام قليلة بل في ساعات قليلة فرد إليها شرفها وكرامتها في داخل البلاد وخارجها وأشعر كل مصري بأنه يستطيع أن يقول للظالم لا وأن يمتنع في عزة وإباء على كل من يسومه الخسف ويريد به ما لا
رحمت قائدنا العظيم حين رأيت من حوله قوما قليلين أو كثيرين ما زالوا عاكفين عن صغائرهم يتتبعونها ومشغوفين بشخصهم يبدلون فيه ويعيدون كأن شيئا من حولهم لم يتغير.
ما أكبر مصر وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها وما تقول في أسود تزأر وإلى جانبها ذباب يطن وضفادع تملأ الجو نقيقا.
ما أشد حاجة المصريين والمثقفين منهم خاصة إلى أن يقدروا وطنهم حق قدره ويعرفوا أنه أكبر وأعظم وأبعد صوتا من هذا السخف الذي يمعنون فيه، ليكن فلان عالما أو جاهلا وليكن فلان قدما أو فصيحا وليكن فلان حليما أو سفيها فأي خطر لهذه الصغائر الآن حين تقبل مصر على ما هي مقبلة عليه من عظائم الأمور.
أقول هذا كله وأنا أبعد الناس عن اليأس والتشاؤم وأقربهم إلى الرجاء والتفاؤل فقد تخلق مصر خلقا جديدا وتتغير نظمها المختلفة تغيرا خصبا. ويظل فيها مع ذلك من أبنائها نفر طال تأثرهم بالحياة القديمة واشتد حتى شاخوا فيها وإن لم يتجاوزوا طور الشباب:
والشيخ إن قومته من زيغه
لم يقم التثقيف منه ما انحنى
فأي غرابة في أن يشغلهم طنين الذباب ونقيق الضفادع عن زئير الأسود وأي غرابة في أن يحتاجوا إلى وقت أطول من هذه الأسابيع التي مضت منذ كانت الثورة ليشعروا بأن الدنيا قد تغيرت من حولهم وأن شئون الإصلاح السياسي والاجتماعي والعقلي أجدر أن تشغلهم عن تتبع الصغائر والتهالك عليها إنهم يسمعون أن مصر تريد أن تغير نظامها الاجتماعي فتجعل توزيع الثروة عادلا ملائما للحق والإنصاف وهي تفكر في تحديد الملكية ورفع الضرائب وتمكين الفارغين من أن يعملوا وتمكين العاجزين عن العمل من أن يعيشوا وتمكين الجاهلين من أن يتعلموا وتمكين الضعفاء من أن ينتصفوا من الأغنياء. يسمعون هذا كله فلا تصغي إليه قلوبهم ولا عقولهم وإنما يعيبون كاتبا بأنه وضع عن مكان على ويعيبون سياسيا بأنه ابتسم في غير موضع للابتسام. ولابد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يفيق فيه هؤلاء الناس من نومهم العميق ويتنبهون إلى أن زمن الصغائر وتتبعها قد انقضى ولو إلى حين. وإلى أن لوطننا ولأنفسنا علينا حقا هو أن نعتني بالمهم من أمره وأمرها حتى إذا فرغنا من ذلك وأتيحت لنا حياة الأمم الحرة الراقية جاز لنا يومئذ ويومئذ فحسب أن نفرغ لتتبع الصغائر والإمعان في السخف. نلهو بذلك ونستريح إليه لنستأنف حياة الجد والكد بعد قليل من اللهو والراحة. ولكن هؤلاء الناس سيقرأون هذا الحديث ساخرين منه متتبعين ما قد يجدون فيه مما لا يلائم لسان العرب ومختار الصحاح وسيقولون ما زال هذا الرجل كما عهدناه ثرثارا لا يحسن أن يكتب ولا يعرف كيف يقول. فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتي يومهم الذي يوعدون.
طه حسين
الأهرام ٦\٩\١٩٥٢