Tag: guilt

  • لا تظلموا الموتى!

    لا تظلموا الموتى!
    طه حسين
    النداء
    ٢٠ أبريل ١٩٤٨

    لم ينشط للعب النرد كما تعوَّد أن يفعل كلما لقي أنداده في ناديهم حين يرتفع الضحى من كل يوم؛ فقد كان سريعًا إلى الاستجابة كلما دعاه إلى هذا اللعب واحد من هؤلاء الأنداد. ربما سبق هو إلى الدعاء فتخيَّر من أصحابه هذا أو ذاك ودعاه في شيء من التحدي إلى عشرة من هذه العشرات التي يُضيِّع الفارغون فيها بعضَ ما يثقل عليهم من الوقت، وربما أصبح واترًا أو موتورًا فدعا خصمه إلى المبارزة أو دعاه خصمه إلى المبارزة ليصلحا ما كان من الهزيمة التي تفرقا عنها أمس حين أقبل الليل وصرفتهما عن اللعب شئون الجد أو شئون الفراغ.

    ولكنه في ذلك الضحى لم ينشط للعب … لم يَدْعُ أحدًا ولم يستجب لأحد، وإنما آثر الإقبال على الحديث والاستماع في غير جهد يسير أو ثقيل، ولاحظ منه أصحابه هذا الفتور ولاحظوا أنه كان يصغي إلى أحاديثهم بإحدى أذنيه، فيسمع حينًا ولا يسمع أحيانًا، ويفهم قليلًا ولا يفهم كثيرًا، ولا يشارك فيما كانوا يخوضون فيها إلا مشاركة ضئيلة ذاهلة كأنما حضر مجلسهم بجسمه وأرسل نفسه أو انصرفت عنه نفسه إلى بعض ما يهم من الأمر يلتمسه في مكان مجهول من السماء أو في مكان بعيد من الأرض!

    فلما طال منه ذلك على أصحابه؛ قال له أحدهم في صيحة متضاحكة: ما خطبك؟! إنك لمشغول بأمر ذي خطر منذ اليوم. قال، وقد ثابَتْ إليه نَفْسُه وجعل لسانه يدور في فمه دورانًا بطيئًا بما كان يقول: لم أُشْغَل بأمر يسير ولا خطير، وإنما أنا مُتْعَب مكدود؛ لأني أنفقتُ ليلة بيضاء أو كالبيضاء لم أذق فيها النوم إلا غرارًا، وكنت أنت مصدر ذلك الأرق الذي شقيتُ به أثناء الليل ومصدر هذا العناء الذي أشقى به منذ اليوم!

    قال صاحبه متضاحكًا: أنا؟! وكيف كان ذلك؟! قال بعض القوم مُغْرِقًا في الضحك، وقد ذكر عهد المدرسة الثانوية: زعموا أن … ثم أقبلَتِ الجماعةُ على الباشا المُتعَب المكدود يريدون أن يعرفوا قصته ويتبينوا لماذا أرق في ليله وشقي في نهاره …

    ولكن الباشا ظلَّ مشرد النفس معقود اللسان، قد ثبتت على ثغره ابتسامة شاحبة تريد أن تتكلف الابتهاج فلا تخرج من الاكتئاب، فلما ألح القوم عليه في المسألة قال لصاحبه في صوت فاتر: ألا تذكر ذلك البيت الذي أنشدته أمس حين كنا نتحدث عن بعض ما قرأنا في الصحف، قال صاحبه مبتسمًا:

    لا تَظْلِموا الموتى وإنْ طالَ المدى إنِّي أخاف عليكمو أن تلتقوا

    قال الباشا: هو ذاك، فاعلم إن كان هذا يسرك أني قد لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه، هنالك أغرقَتِ الجماعةُ في ضحك متصل ضاق به الباشا أشد الضيق، وكاد يترك له مجلسه لولا أن ثاب إلى القوم بعضُ الهدوء، ولكن بعضهم مع ذلك جعل يقول لبعض: كيف لقي الموت من ليلته هذه؟! فإن الأحياء لا يلقون الموتى وهم أحياء، وإنما يمكن أن يلقوهم في الدار الآخرة بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وما إلى غير هذا قصد أبو العلاء.

    قال الباشا: لا أدري إلامَ قصد أبو العلاء، ولكني لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه ولم ألقَهم مرة ولا مرتين وإنما لقيتهم مرات، وكان فيهم أبو العلاء، وقد ضِقْتُ بلقائهم أشد الضيق حتى وثبتُ من سريري وهجرتُ غرفة نومي وتكلفتُ من العمل ما يَحُول بيني وبين النوم إلى أن ينقضي الليل ويُقْبِل الصبح، وخرجتُ من داري ضيقًا بالنوم واليقظة جميعًا أَجِدُ من الجهد والإعياء ما يُحَبِّب إليَّ النوم، وأَجِدُ من القلق والخوف ما يُبَغِّض إليَّ النوم.

    قال بعض القوم: أضغاث أحلام. وقال بعض القوم: فهلا استشرتَ الطبيب؟! وقال بعض القوم وهو يُخْرِج من جيبه علبة صغيرة: خُذْ واحدًا من هذه الأقراص؛ فإذا أويتَ إلى مضجعك بعد الغداء، فستُقْبِل على نوم هادئ مريح يضع عنك ثقل الأرق وثقل ما تَجِد الآن من الجهد.

    قال مُنْشِد البيت: ولكن اقصص علينا رؤياك، فمن يدري لعلنا نجد لها تأويلًا، ولعل هذا التأويل أن يكون خيرًا من استشارة الطبيب واتخاذ الدواء.

    قال الباشا: لقد سمعتُ هذا البيت، ولا أدري لماذا استقر في قلبي فلم ينصرف عني ولم أنصرف عنه إلى آخر السهرة، ولم ينصرف عني ولم أنصرف عنه منذ افترقنا إلى أن بلغتُ الدار وآويتُ إلى مضجعي، وإنما كان يدور في قلبي كما تدور النَّحْلة التي يلقيها الصبي، ولولا أني كنتُ أدفع نفسي أشد الدفاع لتردَّدَ على لساني تردُّدًا متصلًا، ولكني صبَّرْتُ نفسي عليه وعقدتُ لساني عن النطق به، وحاولتُ أن أنصرف عنه إلى غيره من الشعر أو إلى غيره من الخواطر فلم أستطع، وإنما وجدتني أدخل في النوم وقد نسيتُ أحد شطريه وجعل شطره الآخر يتردَّد في نفسي:

    إني أخاف عليكمو أن تلتقوا … أن … أن … أن تلتقوا …

    ثم أفقد نفسي، ثم أراني في مكان لا أذكر منه إلا أنه كان بعيد الأرجاء، مترامي الأطراف، يمتد البصر فيه إلى أبعد مدى دون أن يرى شيئًا يقفه أو يحده، وقد ترقرق في هذا المكان الواسع المنبسط ضوء ليس بالناصع ولا بالساطع، إنما هو شيء شاحب يكاد يبلغ القتمة، وهو على ذلك يشيع في النفس حزنًا وحسرة وأسى.

    وأرى جماعات متفرقة هنا وهناك لا يتحدثون فيما بينهم إلا همسًا، أرى أنهم يتحدثون ولا أسمع مما يقولون شيئًا، ثم أرى صديقنا ذاك الذي أنشدتنا بيت أبي العلاء بعد أن قرأتَ علينا ما نشرتْ له الصحف، أراه مقبلًا يشتد كأنه الطفل يعدو هربًا من شر يجدُّ في أثره، حتى إذا كاد يبلغني أومأ إليَّ إيماءة فيها شيء من خوف كأنه يستفتيني، ولا أكاد أهم بتحيته وسؤاله حتى أراه قد وقف فجأة كأنما لصقت قدماه بالأرض، ثم أنظر فأرى شخصين أعرفهما وتعرفونهما قد أقبلا يسعيان في هدوء وعلى ثغرهما ابتسامة فيها قليل من غضب وكثير من سخرية، فأما أحدهما فسعى حتى بلغ صديقنا ذاك فقام عن يمينه وأخذ بأذنه اليمنى، وأما الآخر فقام عن شماله وأخذ بأذنه اليسرى، وجعلا يعركان أذنيه عركًا شديدًا وهو يتضور بينهما يريد أن يخلص منهما فلا يَجِد إلى ذلك سبيلًا. يقول له أحدهما: لقد أضفتَ إليَّ مِنَ القول ما لم أقُلْ. ويقول له الآخر: لقد أضفتَ إليَّ من العمل ما لم أعمل. ثم يقول له أحدهما: لقد تحدثتَ عن قلبي بما لا علم لك به. ويقول له الآخر: لقد أهدرت ما كان لي عليك من حق الوفاء.

    وهو يتململ ويتضور يريد أن يستأخر أو يستقدم فلا يستطيع، يريد أن يتضاءل حتى يلتصق بالأرض لعله يخلص أذنيه من أيديهما فلا يستطيع أن يشكو أو يعتذر أو يخفف عن نفسه بالصياح بعض ما يجد من الألم فلا يستطيع، وإنما ترتسم على وجهه آيات منكرة تصور الروع والهول والألم الذي لا سبيل إلى وصفه، ورجل رزين رصين نعرفه كلنا قد قام غير بعيد ينظر ويبتسم في هدوء لا يقول شيئًا، وأهم أن أسعى إلى صديقنا لعلِّي أن أرُدَّ عنه شرًّا، ولكني أسمع صوتًا، فالتفتُّ وإذا شيخ ضرير قد جلس على الأرض وانعطف أعلاه على أسفله، وجعل يعبث بأصابعه في التراب وهو ينشد شعرًا لم أسمعه قط، ولكني أفقتُ من نومي مذعورًا وقد حفظتُه:

    ومهما كان في دنياك أمر فما تخليك من قمر وشمسِ

    وآخرها بأولها شبيه وتصبح في عجائبها وتمسي

    قدوم أصاغر ورحيل شيب وهجرة منزل وحلول رمسِ

    إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ اليقين أطلتُ همسي

    ويهم بعض القوم أن يتكلم، ولكن الباشا يمضي في حديثه قائلًا: لقد هببتُ من نومي ضيقًا بهذا الحلم ولم أشُكَّ في أنه الكابوس، فأخرج من سريري، وأمشي في غرفتي ذاهبًا جائيًا، وأشغل نفسي ببعض القراءة، حتى إذا أحسستُ الحاجة إلى النوم أويتُ إلى مضجعي، وما أكاد أغفل حتى أرى هذا المنظر، فأثوب إلى اليقظة مروعًا وأعود إلى القراءة، ثم إلى النوم ثم إلى اليقظة … أفعل ذلك مرات أربعًا، ثم أستيئس من الراحة فأترك الغرفة وأفزع إلى مكتبي وأنفق فيه سائر الليل، ويسألني أهلي عن مكاني من هذا المكتب قبل إبان العمل فأخفي عليهم الأمر وأصرف عنهم القلق، وأزعم لهم أني سهرتُ لبعض العمل وأغرقتُ فيه حتى نسيتُ الليل والنوم.

    ثم يتجه إلى منشد البيت قائلًا: ألا ترى أنت؟! أنت مصدر ما شقيتُ به من أرق وما أشقى به الآن من عناء. قال صاحبه وعلى ثغره ابتسامة ساخرة ماكرة: لن أنشدك منذ الآن شعرًا إذا أقبل الليل، ولكني أنصح لك بأن تستشير طبيب الأعصاب لعله يَرُدُّ عليك الهدوء، وبأن تقص رؤياك على صدقي باشا لعله يتجنب في مذكراته حديث الموتى:

    لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إني أخاف عليكمو أن تلتقوا

  • مصادفة

    مصادفة

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢١ أبريل ١٩٤٦

    قوم يُنْكِرونها أشدَّ الإنكار يَرَوْن في ذلك انتصارًا للعلم وتأثُّرًا بروح العصر الحديث،
    وقوم يَعْرِفونها أشدَّ المعرفة، يَرَوْن في ذلك انتصارًا للواقع ومقاومة للبدع واحتفاظًا
    بالقديم الموروث. وأولئك وهؤلاء يسرفون فيما يظهر على أنفسهم إسرافًا عظيمًا.

    فالمصادفة شيء واقع ما في ذلك شك، نلقاه في كل يوم ونُجرِّبه في كل لحظة من لحظات الحياة.
    يخرج أحدنا من داره إلى قصد معلوم وليس في نيته أن يلقى فلانًا، بل لعل فلانًا هذا لم يخطر له
    على بال، ولكنه يلقاه في بعض الطريق مصادفة، لم يفكر أحد الرجلين في صاحبه ولم يتعمد لقاءه،
    ولكنهما التقيا عن غير إرادة، فكانت التحية وكان الحديث، ومن يدري لعل هذا الحديث أن يكون له
    أبعد الأثر في حياة الرجلين أحدهما أو كليهما، فقد وقعت المصادفة إذن، لم ينكر وقوعها أحد؛
    لأنها كما هي لا تناقض علمًا ولا تنافي روحًا حديثًا، كما أنها لا تؤيد إيمانًا ولا تلائم روحًا
    قديمًا، وإنما هي شيء كهذه الأشياء التي نشهدها في كل لحظة، فلا ننكرها لأنها تنتج عن قوانين
    طبيعية لا تتعرض لشك أو جدال، وكل ما في الأمر أننا لا نلاحظ هذه القوانين حين تؤدِّي عملها
    وتنتج نتائجها، فإذا أصابنا شيء من الدهش أو العجب، فليس مصدر ذلك أن القوانين الطبيعية قد
    خُولِفَتْ وأن شيئًا خارقًا لهذه القوانين قد كان، وإنما مصدر ذلك أننا نحن لم نلتفت لما يجري
    حولنا ولم نلاحظه ملاحظة دقيقة فتعرَّضنا لما نتعرض له من الاستنكار والاستغراب.

    كل هذا الكلام كان يقوله كامل حين قص عليَّ قصة وقعت لأسرته حين كان صبيًّا يختلف إلى مدرسته
    الابتدائية في مدينة من مدن الأقاليم، ولم يكن عجبه ينقضي من هذه القصة على كثرة ما لقي من
    المصادفات، وعلى كثرة ما بلا من التجارب. وأكبر الظن أنه إنما احتفظ بذكرى هذه القصة؛ لأنها
    أذاقت الأسرة في عام واحد يومين كان أحدهما من أسعد أيامها، وكان أحدهما الآخر من أشقى هذه
    الأيام، وكان سبب السعادة والشقاء في هذين اليومين شيئين يتصلان فيما بينهما اتصالًا
    غريبًا.

    وكان كامل يحب أن يبدأ قصته من آخرها لينتهي إلى أولها، يرى أن في ذلك شيئًا من العجب يثير
    الموعظة ويدعو إلى التفكير والاعتبار.

    فقد عاد ذات يوم من مدرسته فرحًا مغتبطًا يدير في نفسه خواطر كلها رضا وبهجة؛ لأنه كان يستقبل
    إجازة عيد من الأعياد، وأكبر الظن أنه كان عيد الأضحى، وكان ينعم في ذات نفسه بهذه الحرية التي
    أُتيحت له منذ عصر ذلك اليوم، فلن يبلغ الدار حتى يلقي الكتب والكراسات في ناحية من نواحي حجرته
    ويُعْرِض عنها إعراضًا يتصل أيامًا، ويُقْبِل على ألوان من اللعب والنشاط في الدار والشارع
    والحقل ستتصل أيامًا أيضًا لا يقطعها الاختلاف المنظم إلى المدرسة ولا تقطعها الحاجة إلى
    المذاكرة والاستعداد لسؤال المعلمين.

    وكان يستحضر في نفسه ألوان اللعب كما كان يستحضر في نفسه أيام العيد، وما سيُتاح له فيها من
    الترف والهدايا، وكان يُقدِّر أنه إذا بلغ الدار فسيصيب شيئًا يسيرًا من طعام، ثم يمضي مع إخوته
    فيما كانوا يحبون أن يمضوا فيه من لعبهم ذاك الطريف يقلدون الممثلين الذين زاروا المدينة منذ
    أشهر يقودهم الشيخ سلامة حجازي رحمه الله، فمثلوا لهم صلاح الدين ومثلوا لهم روميو وجولييت،
    ومثلوا لهم قصصًا أخرى حفظ الصبية منها أطرافًا؛ فَهُم يُعِيدون ذلك فيما بينهم كلما أُتِيحَتْ
    لهم فرصة اللعب، وهم يزيدون فيما حفظوا وينقصون ويضيفون ويحذفون ويُغيِّرون ويبدلون، ولكنهم
    يمثلون على كل حال ويرون أنهم يجيدون التمثيل.

    ولكن كاملًا بلغ الدار في ذلك المساء فلم يُصِب طعامًا ولم يشارك في لعب، وإنما قضى ساعات
    بغيضة ثقلت عليه حتى ألجأته إلى كتاب من كتبه التي كان يريد أن يهجرها، فأخذ ينظر في هذا الكتاب
    كأنما يذاكر درسًا من الدروس، حتى إذا صُلِّيَتِ المغرب لم يُدْعَ إلى العشاء كأنما نسيت الأسرة
    أن تتعشى، ثم صُلِّيَتِ العشاء الآخرة وأقبل أبوه متضاحكًا يُذَكِّر الأُسْرة بأن من عادتها أن
    تتعشى وبأن الصِّبْيَة لا ينبغي أن يستقبلوا النوم وهم جياع.

    وقد تعشت الأسرة في شيء من الفتور المتناقض؛ فقد كان زعيم الأسرة باسِمَ الثغر حاضر النكتة
    سريعًا إلى الفكاهة، وكان الصبية لا يتمنون شيئًا أكثر من أن يشاركوه في هذا الرضا، ولكن ربة
    البيت كانت عابسة مظلمة الوجه والنفس جميعًا لا تجيب إذا دُعِيَتْ، ولا ترُدُّ الحديث على زوجها
    إلا بالإشارة والإيماء، وكان كامل يرى لأول مرة هذا الاختلاف بين أبويه، فقد كان عهده بهما غير
    ذلك؛ كان يراهما يرضيان معًا ويسخطان معًا، يشتركان فيما يُصِيب الأُسْرَة من خير أو شر فيكون
    السرور الذي يملأ الدار سعادة، ويكون الحزن الذي يملأ الدار شقاء، فأما هذا المساء فإنه يُظْهر
    الصبي على شيء جديد؛ يُظْهِره على أن الأبوين قد يختلفان فيبتهج أحدهما ويبتئس الآخر، ويضحك
    الأب حين تبكي الأم أو تبكي الأم حين يضحك الأب.

    وقد أوى الصبية إلى حجرة نومهم آخر الأمر وأغلقوا من دونهم بابها واستقولوا على حصرهم والتفوا
    في لحفهم، ثم أخذوا يتحدثون كما تعودوا أن يفعلوا حين ينتظرون أن يُقْبِل عليهم النوم، وفي هذا
    الحديث عرف كامل مصدر هذا الخلاف بين الأبوين وإن لم يفهمه على وجهه إلا بعد أن مضت أعوام
    طوال.

    في ذلك اليوم، فَقَدَ أبوه كُلَّ ما كان يحمل من النقد في بعض الطريق، وكان هذا النقدُ كُلَّ
    ما كانت الأسرة تملك، وكُلَّ ما كانت تريد أن تستقبل به العيد، وكُلَّ ما كانت تعتمد عليه لترضي
    هذه الحاجات الكثيرة المختلفة التي تَجِدُها أُسْرَةٌ كبيرة ليست بذات ثراء، ولكنها مع ذلك تحرص
    على أن يكون لها مظهر وجيه بعض الشيء حين تُقْبِل المواسم والأعياد.

    وكانت الأسرة قد رأت أمرها ونظَّمَتْ حاجاتها وعَرَفت أنها ستشتري كذا وكذا من عند فلان،
    وستشتري كذا وكذا من عند غيره من التجار، وستشتري كذا وكذا من السوق العامة التي ستُقام إذا كان
    الغد. وكانت ربة الدار قد أخذت تستعد لتملأ دارها نشاطًا وحركة في هذه الأيام التي تَسْبِقُ
    العيد، فتُشَغِّل بناتها جميعًا وتُشَغِّل معهن بعضَ هؤلاء النساء البائسات اللاتي يجدن النعمة
    في مثل هذه الأيام حين يُعاوِنَّ في مثل هذه الدار على استقبال المواسم والأعياد.

    وكان كامل وإخوته يُعلِّلون أنفسهم بكثير من العبث والمرح؛ لأنهم سيشاركون بعض المشاركة في
    هذا النشاط الذي سيملأ الدار وسيأخذ كلٌّ منهم بحظه من هذه الأعمال التي لا يشتغل بها الفتيان
    عادة وإنما هي مقصورة على النساء؛ فقد انهارت هذه الآمال وانتُقِضَتْ كل هذه الخطط حين فَقَد
    زعيمُ الأسرة ما كان يَحْمِل من النقود، ولم يكن شيئًا قليلًا فقد تجاوز خمسة عشر جنيهًا ذهبًا،
    كان أكثر من نصفها يمثل مرتبه، وكان سائرها يمثل قروضًا عُقِدَتْ هنا وهناك لاستقبال أيام
    العيد.

    ولكن هذا كله قد فارق جيب الرجل في بعض الطريق بين المحكمة حيث كان يعمل وبين داره، وهو لا
    يدري كيف أضل هذا الذهب، أسقط من جيبه أم سُرِق منه وهو لم يتعوَّد أن يقبل ذهبًا ولا فضة ولا
    أن يُضِيع من النقد قليلًا ولا كثيرًا؟!

    ومهما يكن من شيء، فقد أضاع الذهب وعاد إلى أهله عابسًا خزيان فلم ينبئ امرأته بذلك إلا بعد
    كثير من التردد، ولم تكد تسمع منه هذا النبأ حتى انهلت دموعها صامتة لا يُسمَع لها صوت ولا
    تنفرج شفتاها عن لفظ ولا يضطرب جسمها للشهيق، وإنما هي دموع صامتة تنهلُّ غزارًا فتُصوِّر
    تصويرًا رائعًا فاجعًا ما يكون من هذه الآمال التي تَخِيب والأماني التي تذهب بها الريح فجاءة،
    وما يكون من انكسار النفس حين لا تنتظر النفس انكسارًا.

    وقد كانت هذه المرأة ترى في لحظة قصيرة — ودموعها تنهل — دارَها ساكنةً صامتةً بعد أن
    قدَّرَتْ أنها ستكون عظيمة النشاط كثيرة الصخب، وكانت ترى بنيها وبناتها واجمين محزونين ينكرون
    ما يرون من هذا الهدوء، ولكنهم لا يجهرون من إنكارهم بشيء؛ لأنها أدَّبَتْهم فأحسنت تأديبهم
    وعلَّمَتْهم على ألا يسألوا عما لا يَعْنِيهم … فيؤثرون أنفسهم بالحزن إذن.

    وكانت ترى هؤلاء النساء البائسات يُقْبِلن على الدار يلتمسن العمل وشيئًا من خفض العيش فلا
    يجدن عملًا ولا أملًا، وكانت تريد أن ترى أيام العيد، فلا تدري كيف تتصورها، أتتصورها شاحبة
    حزينة أم تتصورها متماسكة تتكلف الفرح وتتصنع الرضا؟

    كانت تجيل كل هذه الخواطر في نفسها المنكسرة ودموعها الصامتة تنهل غزارًا وزوجها ينظر إليها
    خجلًا حزينًا، ولكن لسانه منطلق لا يعرف السكون فهو يحمد الله على ما أخذ كما يحمد الله على ما
    أعطى، وهو يتلو آيات من القرآن ويُردِّد ألوانًا من الدعاء والابتهال، ثم نهضت امرأته متثاقلة
    فتركته يحمد الله ويبتهل إليه وانحازت هي إلى حجرتها لا تحمد ولا تبتهل، ولكنها لا تنكر ولا
    تثور، وإنما ترسل ما في عينيها من الدموع، حتى إذا استنفدت دموعها لبثت واجمة لا تقول شيئًا،
    وقد أقبل بناتها فأطفن بها وعلمن علمها، فَهَمَّ حزنُهن أن يظهر ولكنهن رَدَدْنه في سرعة إلى
    دخائل الضمائر وأعماق النفوس، وأخذن يسلين أمهن ويشجعنها على احتمال هذا المكروه.

    وكذلك انقضى آخر النهار على هذه الدار بين أم حزينة لا تجد من حزنها مخرجًا ولا تُحْسِن له
    احتمالًا، وأب راضٍ يستعين على هذا الخَطْب الذي أصابه بحمد الله والابتهال إليه، وأبناء وبنات
    يواسون الأم ويعجبون من أمر الأب ويُظْهرون على قسمات الوجوه وأطراف الألسنة غير ما يضمرون في
    ذات النفوس وسرائر القلوب.

    وقد فهم كامل حزن أمه وبؤس الأسرة، ولكنه لم يفهم رضا أبيه ولم يفهم بنوع خاص هذا الابتهاج
    الذي كانت تمتلئ به نفس الرجل شيئًا فشيئًا كلما مضى الوقت، حتى رُئِي في أول الليل سعيدًا أو
    كالسعيد!

    فلما أصبح سَمِعَه يُؤدِّي صلاة الصبح، ويرتل القرآن في صلاته كأحسن ما تعوَّد أن يرتل
    القرآن، ويثني على الله بعد صلاته كأحسن ما سمعه يثني على الله، ثم يداعب ابنته حين قدَّمَتْ
    إليه القهوة ويضحك منها ومن أمها الحزينة كأنْ قد ماتَ لها أكرمُ الناس عليها وآثرهم عندها، مع
    أن الأمر لا يعدو أن يكون حادثًا يسيرًا من هذه الحوادث التي تلم في كل يوم! وهو بعد هذا كله
    دَيْن كان عليه، ولم يكن يعرف كيف يؤديه؛ فقد امتحنه الله حين مكنه من أداء هذا
    الدَّيْن.

    ثم سكت الشيخ لحظة كأنما كان يستعرض شيئًا في نفسه، ثم قال: «لقد نَسِيَتْ أُمُّك في سرعة ما
    أصابنا من الخير منذ شهور حين كنا في أشد الضيق، فقد أقرضنا الله قرضًا في ذلك اليوم، ثم
    استردَّ هذا القرض أمس.»

    وعاد الشيخ إلى صمته، ثم تلا قول الله عز وجل: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ
    شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )، ثم خرج الشيخ غاديًا على
    عمله وعاد مع الظهر مبتهجًا كعهده، وقد سبقته إلى الدار أكثر الأشياء التي كانت الأسرة تريد أن
    تشتريها للعيد، فلما لقي امرأته وهمَّتْ أن تسأله ألقى في يدها دنانير، وهو يُقَبِّلها، ثم يتلو
    قول الله عز وجل: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ
    خَيْرُ الرَّازِقِينَ )، قالت امرأته: ممن اقترضت هذا المال؟ قال: ستعرفين ذلك بعد
    العيد، ولكن العيال ينبغي أن يستقبلوا عيدهم فرحين، وألا يَشْقَوا لأن أباهم أضاع ما كان يحمل
    من نقود.

    ولم يفهم كامل قصة الدَّيْن هذه، ولم يَدْرِ كيف أقرض اللهُ أباه ذهبًا منذ أشهر ثم استردَّه
    منه أمس حين أضاع ذَهَبَه في أشد أوقات الحاجة إليه، فانتظر بأمه حتى صُلِّيت العصر، ثم أقبل
    عليها يسألها عن هذا القرض كيف كان وكيف أُدِّيَ على هذا النحو الغريب؟! فلما قصَّتْ عليه أمه
    قصة ذلك القرض ذَكَرَ أشياءَ وتأثَّر بأشياء، ثم لم يَنْسَ ما ذكر، ولم تَنْمَحِ من نفسه تلك
    الآثار على تقدُّم سنِّه وكثرة ما بلا من التجارب.

    حدثته أمه أن الأسرة مرَّتْ بيوم عصيب من أشد أيامها حرجًا، وما كان أكثر ما تمر الأسرة بيوم
    عصيب بين حين وحين، ولا سيما حين يعود الشباب من أبنائها إلى القاهرة في أول العام
    الدراسي!

    في ذلك اليوم، عاد الشباب إلى القاهرة وقد استنزفوا كل ما كان في الدار من خير وكل ما كان عند
    أبيهم من ذهب، وأمست الأسرة وهي لا تدري كيف تعيش إذا كان الغد ولا كيف تؤدي بعض ما عليها من
    دَيْن، فلم يكن بُدٌّ من دفع أجور التعليم وإعطاء هؤلاء الشباب ما ينفقون وتدبير ما يحتاجون
    إليه من كسوة وزاد، وقد نهضت الأسرة بهذا كله في عزم يوشك أن يكون بطولة، ولكنها أمست ذلك اليوم
    مجهودة قد فقدت قوتها وقدرتها على الاحتمال، وأصبحت من الغد مقسمة بين حزن الفراق وبين هذا
    البؤس المقيم.

    وغدا الشيخ على عمله ولكنه عاد محبورًا. صادف في بعض الطريق منديلًا أحمر يعبث النسيم ببعض
    أطرافه فأهوى إليه، فإذا طرف من أطرافه قد عُقِد على شيء يشبه أن يكون نقدًا، فينظر الرجل أمامه
    ووراءه فلا يرى أحدًا، وينظر الرجل عن يمينه فيرى القناة تجري هادئة مطمئنة ولا يرى أحدًا،
    وينظر عن شماله فيرى الخط الحديدي يمتد من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب إلى الشمال، وقد
    استقر مكانه نائمًا أو كالنائم ولا يرى أحدًا! وإذا هو يحل العقدة فيجد بضعة عشر جنيهًا ذهبًا،
    وإذا هو يشك غير طويل، وإذا الذهب قد اندس في جيبه، وإذا المنديل قد عُقِد على حَجَر ثقيل
    واستقر في قاع القناة، وإذا هو يعود إلى الدار فرحًا مسرورًا، يرى أن الله قد أتاح له فرجًا من
    حرج ومخرجًا من ضيق، ويُردِّد قول الله عز وجل: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
    يُسْرًا )، والأسرة سعيدة ناعمة رضية البال مطمئنة النفس بأن الله يرزق من يشاء بغير
    حساب.

    ولكن الشيخ يعود إلى امرأته حين تقدَّمَ الليل محزونًا كاسف البال مُحطَّم الصوت لا يكاد
    يتحدث حتى تسبق الدموع ألفاظه؛ فقد علم أثناء السمر مع أصدقائه أن فلانًا من أهل القرية
    المجاورة قد باع بقرته في السوق، ثم أضل ثمنها في بعض الطريق فأسرته شقية بائسة. عرف الشيخ أن
    هذا الرزق الذي سِيقَ إليه قد أُخِذ من ذلك الرجل البائس الذي فقد بقرته وفَقَد ذهبه، ولو
    استطاع الشيخ لرَدَّ المال إلى صاحبه، ولكنه كان قد أنفق أكثره في أداء بعض ما كان قد احتمل من
    دين، وهو يقول لامرأته في صوت محطم يبله الدمع: سأشقى بهذا الذهب الذي أخذته بغير حق إلى آخر
    الدهر.

    قال كامل: فعلمتُ حين قصَّتْ عليَّ أمي هذه القصة أن مصادفة قد مَحَتْ من قلب أبي الساذج أثر
    مصادفة أخرى، وأن حادثة قد انتقمت من حادثة، وأن هذا الرجل الطيب الذي كان ضميره يشقى بما أنفق
    من مال حرام قد رَضِيَتْ نفسه عما أضاع أمس واطمأنت إلى أن الله قد طهَّرَه في الدنيا من هذا
    الإثم؛ فلن يسأله عنه في يوم الحساب.

    قال كامل: ومنذ ذلك اليوم أخذْتُ نفسي بألا أنظر إلى شيء مما يلقاه الناس أمامهم على الأرض،
    أخاف أن يعرض مثل ما عرض لأبي من المصادفة!

  • أيهما الأثيم؟

    أيهما الأثيم؟
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١٩ أكتوبر ١٩٠٩

    فصل (١): بين العبرات والزَّفرات
    يقضي ساعات الليل ومُعظم النهار بين قلب يجف، ودمع يكف، وجسم يرتجف، شهيق وحريق زفير، وسعير وجيب، ولهيب عين ساهرة، وهموم ثائرة، ونفس حائرة، بين ماضٍ مؤلم ومُستقبل مُظلم، صَامِتًا إلَّا من كلمات مُتفرقات يَسْبِقْنَ إلى قلبي فيُثرنَ كمينه، ويُهجن دفينه، يتلجلج بهن لسان لا يكاد يقوى على النطق … أواه! ويلاه! ليتني! لكنني …

    على أنه منذ أيام قد كان يستطيع أن يخرج إلى ظاهر القاهرة، أو شاطئ النيل فيُسرِّي همَّه، ويُسلِّي حُزنه، أمَّا الآن فقد لزم الفراش؛ فما يستطيع الحركة ولا يقوى على النهوض.

    وأصبح مثل النَّسْر طارت فراخهإذا رام تطيارًا يقال له: قع
    رحماك اللهم بهذا الشاب! ماذا جنى؟ وما عسى أن يكون ذنبه؟ إنه لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، ولم يحمل من أعباء الحياة ما يكل متنه، أو يثقل كاهله. لم يشفَّه عشق ولم يستخفه غرام، لم يشك علة بعينها على أنه قد أعيا الأطباء.

    رحماك اللهم! إنه يعول أبوين وأخوين، فمن لهم إذا اختطفته المنية من بينهم بعد حين، رحماك اللهم! أيذوي هذا الغصن اللدن، وتذبل هذه الزهرة الناضرة، ويستأثر القبر بهذا السيد، وتضم الأرض هذا الشخص الكريم، بعد أن كان مثال الكمال في الخَلْق والخُلُق؟ كان بديع الصورة، جميل الطلعة، وضيء المنظر، حسن المخبر، طاهر النفس، طيب السيرة، لا يعرف الشر ولا يميل إليه؛ اللهم إلا زلة هي أصل نكبته، ومصدر محنته، ذلة إلا تكن صغيرة فقد كانت حداثة سنه فيها خير شفيع.

    ذنب إلا يكن مغفورًا فإنه لم يرغب فيه ولم يأته طائعًا، جناية إنْ تكن فظيعة؛ فإنما جناها عليه حسنه وخبث النساء. يا لله وللمُحدثين! عقول ناشئة، ونفوس ضعيفة إلى خفة الروح، وجمال الطلعة، وتهافت الباغيات عليهم، وتغافل الآباء عنهم، فماذا يصنعون؟ يسأل القارئ عن هذا الشاب الذي صفت نفسه من الدنس، وطهرتْ من كواذب الأخلاق: كيف يعثر أو يذل؟ ولكنه إذا التفت إلى أنَّ قوة من الشرِّ تكمُن في كل نفس مهما كانت خيرة، وتُهِيجها المُؤثرات الخارجية إذا لم يتغلب عليهن حب الخير، بلغ من الشاب عُذرًا، وسأل عن هذه المؤثرات، وأنا بالإنابة له عنهن زعيم.

    فصل (٢): الفجور بعد العفة
    نَشَأ هذا الفتى في قرى الرِّيف نشأة الفُقراء، ولم يخطر لأبيه الجاهل أنْ يذهب به إلى مكتب أو مدرسة ليثقف عقله؛ فكان كأترابه لا يعرف له حقًّا أكثر من أنْ يملأ بطنه طعامًا، وجفنيه نومًا، ولا يشعر عليه بواجب أكثرَ مِنْ أنْ يغدُو بالثاغية إلى حقل أبيه، ثم يروح بها بعد ذلك إلى الرَّبض، فلمَّا راهق لم يرقه هذا الشظف، ولم تُوافقه هذه الخُشونة، فشخص إلى القاهرة، واتصل فيها بخدمة كبيرٍ تبناه وأكرم مثواه، وأباح بعد الابتلاء حجاب حُرَمِهِ؛ فكان يدخل ويخرج وكأنه قسيم أهل القصر في عيشهم، ولم يكن ذلك الإكرام ليُبطره أو ليميل به إلى الكسل؛ فقد كان يقوم بالخِدْمَة خير قيامٍ قادح العزيمة مؤتنف النَّشاط.

    ولم يخطر له يَومًا ما أنَّ عينًا في القصر تنظر إليه، ولكن نظرًا غير الذي يعلمه، لم يخطر له أنَّ قلبًا في القصر يعطف عليه، ولكن عطفًا غير الذي يَعهدُه، بل لم يخطر له أنَّ نفسًا في القصر تَكلَفُ به يقظة، وتحلمُ به نائمة، بل لولا الحياء لقُلتُ: لم يخطر له أن سيدة القصر تهواه.

    لم يشعر بكل ذلك؛ لأنَّه خادِمٌ لنْ يُفكر في أنْ يَسمو إلى هذه المنزلة، فكان لا يَمضِي هزيعٌ من الليل إلا وهو على سريره مُستغرقًا في نوم لذيذ، على أنه لو عرف شيئًا من ذلك لأنكره كل الإنكار؛ لأنَّه أعلم الناس بمكان السيدة من السيد، ولأنَّه يحفظ للرجل حسن صنيعه معه، وثقته به، وائتمانه إياه، ولكنْ للشرِّ تأثيرًا في النفس أسْرَع من تأثير الخير، وللنفس تأثر بالشر على بُغضها إياه أكثر من تأثرها بالخير على حُبِّها له، فلم تلبث أنْ بدرت للفتى من سيدته بادِرَة فعبثت بقلبه دواعي الفجور، وما هي إلا أن اتصلت الأسباب وتوثقت العرى.

    وكان ما كان مما سوف أذكرهفظُنَّ شرًّا وقِفْ مني على الخبر
    في ذات ليلة لبثَ الفتى في خدمة مولاه كعادته حتى فرغ من طعامه وشرابه، وركب إلى حيث يقضي الليل، وكان من الذين لا يألفون البيت إلا نهارًا؛ فبينا الفتى راجعٌ إلى حيث يطعم اعترضته جارية تقول همسًا: أجبْ مولاتك؛ فإنها تدعوك. ولمَّا وقف بين يديها سألته مُبتسمة: هل طعم مولاك؟ أجاب: نعم وخرَج، قالت: فأنت إذن تُريد أنْ تأكل؟ أجاب: إذا لم تكن لمولاتي إلي حاجة، قالت: لتجلس على المائدة كعادتك، ولكن في غير طعام؛ لأنَّك ستأكل معي الليلة بعد ساعتين.

    وهنا أظهر الفتى بعض الحيرة، وتغافلت عنه السيدة، فخرج بين الجذل والوجل. وبعد حين، دُعي إلى سيدته، فلما رأته قالت مُبتسمة: قد مضى أكثر من ساعتين، أجاب: نعم، قالت: فلماذا لم تأتِ؟ فهمَّ بالجواب ولكنَّ الحياء عقل لِسَانه، وإذ ذاك خفَّت إليه فأخذته بذراعه وأجلسته بجانبها إلى المائدة، ولم ينصرف عنها إلا مُنصرف الليل.

    وعلى هذه الحال استَمَرَّ أشهرًا إلى أنْ كانت تلك الليلة التي لم ير الفاجران أحسن منها، كما أنهما لم يريا أشأم منها: جلسا في هناء يتنازعان أكؤسه، وإذا بالزَّوج قد توسط الغُرْفَة، ووقفت امرأته بين يديه، فلما رأى ذلك ولى مُدبرًا وتبعه الرَّجل عدوًا بمُدْيَةٍ صَادَفها؛ فلما استيقن أنَّ الفتى سابقه لا محالة رماه بالمُدية؛ فغارت في فخذه، ومضى الفتى في سبيله حتى بلغ مأمنه؛ فسقط إلى الأرض مغشيًا عليه.

    أما الرَّجل فرَجع إلى زوجه؛ فإذا هي واقفة وقد اكتست ثوبًا من الرزانة، وظهرت على وجهها أمارة الغيظ، فما كاد يُكلمها حتى أوجعته تأنيبًا وتعنيفًا تقول: الآن دأبُك هتك الأعراض، تتهم الناس بهتك عرضك، ألم يكفك صبري على غلوك في الفجور، وتماديك في الغواية حتى جئت تتهمني في خادم؟ و«رأس أبي» ما دعوته إلا ليكون مُؤنسي ريثما تأذن لك صاحبتُك الباغية بالمجيء.

    أمَا وَقَدْ بَلَغَ سوء ظنك بي هذا المبلغ، فلأذهبن إلى بيت أبي مذ الغد. وبهذا الكلام استطاعتْ أنْ تُطْفِئ غَيْرَته؛ فكَأنما صبتْ عليه جرة من الماء البارد؛ فجلس يعبث بشاربه ويقول: وأنت ممَّ تغضبين؟ إنَّ هذا عرَضٌ من الغيرة يعرض لكل إنسان إذا رأى عند امرأته شخصًا، ومعاذ الله أن أتهمك بسوء! ولكني شنئت هذا الخادم، ولا أُحِبُّ أن يبقى في القصر بعد الليلة.

    قالت: شأنكَ به، ولكن ثقْ بأنك قد تجنيت على بريء، وثأرتَ من غير واترٍ إن كانت مُديتُك قد أصابته بسوء، قال: إني قد رميته بالمدية فأصابت فخذه، وما أظنها إلا مستوية، على أنه من الميسور أن يُداوَى في غير هذا القصر، ويُرشى بشيء من المال فينقطع لسانه عنا.

    وبعد حين، أفاق الفتى من غشيته؛ فإذا هو في غرفة لا عهد له بها، وإذا الطبيب إلى جانبه يُدني من أنفه النشادر، فسأله: ما اسمك؟ أجابه: فلان، قال: ومن جنى عليك هذه الجناية؟ أجابه: أنا. فقهقه الطبيب وأخذ في عمله، ولما فرغ منه انصرف، ودخلت على الفتى امرأة قد نضت ثوب الخمسين، فأبلغته سلام السيدة وجلست إليه تُسليه.

    وعلى هذه الحال بقي أيامًا، وما هي إلَّا أنْ التأمَ جرحه، واستأنف قوته، وجاءه رسول السيدة ومعه كسوة من فاخر اللباس، وقبضة من الدنانير: أنْ انتظرني، أيها الحبيب، بموضع كذا في الجزيرة. وفي المساء كانا في عربة واحدة؛ فأفضى بعضهما إلى بعض، وأصبح الفتى أحسن الناس حظًّا يأخذ أجره مُضاعفًا، ويأتيه رزقه رغدًا في كل يوم، ويلقى السيدة في كل مساء. وعلى هذا النظام الجديد أتركهما الآن.