بغداد
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٧ أبريل ١٩٥٩
كانت تُسمى فيما مضى من الزمان مدينة السلام، وكانت تُسمى أيضًا دار السلام، وكانت تُسمى في كثير من الأحيان مدينة الإسلام. وكان هذا كله حين استقر فيها الخلفاء العباسيون الذين مدُّوا ظل الخلافة على الشرق العربي كله، والذين أنزلوا العلم والأدب والفن والفلسفة من قلوبهم أثبتَ المنازل وأرسخها، والذين وقفوا صفوة جهودهم على ترقية الحضارة وتقويتها، والذين لم يفرغوا قط — أو لم يكادوا يفرغون — من تدبير الحرب والقيام على الإعداد لها، ويدبرونها مرة من بعيد ويقودونها مرة من قريب؛ يفعلون ذلك لحماية الحضارة وحياطة الدين وتأمين الناس على أنفسهم وأموالهم وأعمالهم، من غارات الأجنبي على الحدود، ومن ثورات المبتدعين في الدين والخارجين على النظام والمفسدين في الأرض؛ الذين استجابوا لأهوائهم وانقادوا لشهواتهم واندفعوا في مغامراتهم، لا يحفلون بشيء ولا يرهبون شيئًا ولا يرجون لأحد ولا لشيء وقارًا.
مدينة السلام والإسلام وعلى رغم هذه الحروب المتصلة والثورات التي لم تكن تخمد إلا لتشب؛ فقد كانت مدينة بغداد مدينة السلام دائمًا ومدينة الإسلام دائمًا، لم يضطرب فيها الأمن ولم يختل فيها النظام ولم تبلغها الحرب، بل لم تدنُ الحرب منها. كانت آمنة كل الأمن، يفرغ العاملون فيها للعمل، ويفرغ العلماء فيها للعلم، تنشر المعرفة في أرجاء العالم القديم كما لم تنشرها مدينة إسلامية قبلها أو بعدها، ولم يكن لهذا كله مصدر إلا لأنها كانت في تلك الأيام مدينة الأمن والإسلام والسلام جميعًا. كذلك كانت فيما مضى، فأين هي الآن من الأمن والإسلام والسلام؟ وأين الأمن والإسلام والسلام منها …؟ جواب هذا السؤال في هذه الأيام يملأ القلوب حزنًا، ويملأ النفوس ألمًا؛ فهي أبعد ما تكون من الأمن، وأقصى ما تكون من الإسلام، وأنأى ما تكون عن السلام. لا يستطيع إنسان أن يسعى فيها أثناء النهار المبصر إلا والوجل رفيقه في كل خطوة يخطوها، والفزع صاحبه حين يستقيم له الطريق وحين ينحرف به، فهو خائف إن رأى مقبلًا عليه، وهو خائف إن أحس ماشيًا من خلفه، لا يسمع نبأة ولا يحس حركة إلا أشفق أن تكون نذيرًا لشر يرقبه أو هولًا قد أُرصد له، يريد أو يود لو استقر في داره؛ ولكنه لا يلبث أن يحقق في نفسه أن الاستقرار في الدار والخروج منها سواء؛ لأن الهول الذي يُصب على الناس قد تجاوز كل طور، فهو لا يرعى حرمة ولا يُقدر حقًّا، قد رخصت عنده حياة الإنسان، وأُهدرت عنده حقوقه، ومضى في سبيله لا يلوي على شيء، لا يبقي على شيء أيضًا. وكذلك ودَّع الأمن هذه المدينة إلى أجل قد يطول وقد يقصر، ولكنه ودَّعها وترك فيها فتنة مظلمة، ثم لم يلبث أن ودع العراق كله وترك الناس يموج بعضهم بعضًا، وأقاموا أمرهم كله على الخوف والمكر والخداع. فارق الأمن بغداد وفارقها السلام أيضًا، وأقامت الحرب فيها، ولكنها الحرب المنكرة التي تثور بين أبناء الوطن الواحد، وتقطع ما بينهم من أسباب الإخاء والمودة، وتجعل بأسهم بينهم شديدًا؛ قوم منهم يحاربون لأنهم باعوا أنفسهم للأجنبي، وأصبحوا له أتباعًا وخُدامًا، ولم يكتفوا بأن يبيعوا وطنهم لهذا الأجنبي وأن يردوه إلى الرق بعد أن عرف الحرية واطمأن إليها، وفتح لنفسه في ظلها آمالًا لا تحد في العزة والكرامة وفي السؤدد والرخاء، وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يريدون أن يُردوا إلى الرق ولا أن يفرِّطوا في الحرية بعد أن ذاقوها واستحبوا مذاقها، ولا أن تغلق من دونهم آمالهم العراض بعد أن فتحت لهم أبوابها.
***
وكذلك فارق الأمن والسلام بغداد، بل فارق الأمن والسلام العراق، وأصبح أهله أعداء بعد أن كانوا بنعمة اللَّه إخوانًا، وأبى الإسلام وأبت العروبة أن يفارقا وطنًا أصلًا من أوطانهما، قد استقرَّا فيه وازدهرَا منذ عهد بعيد جدًّا قبل أن يوجد الاستعمار والمستعمرون، وقبل أن توجد الشيوعية وأصحاب الشيوعية. وأقام الإسلام والعروبة في العراق، ولكن على قلق وإشفاق واستبسال في المقاومة، وفقدت بغداد كل حال هذه القيم العليا التي كان اسمها يضاف إليها. قيم الأمن والسلام والإسلام والعروبة … وكانت بغداد بل كان العراق قد اختلفت عليها محن كثيرة، وتتابعت عليهما خطوب وأهوال لا تكاد تُحصى، وأظلهما الظلم والجهل قرونًا طوالًا، وخُيل إليهما منذ حين أن قد آن للظلم أن تنجلي ظلمته، وآن للجهل أن تنقشع سحبه المتراكبة المتراكمة، وأن تعود الحضارة والعلم منهما إلى مستقرهما القديم. ولكن كيد الاستعمار شديد، وكيد الشيوعية أشد … فلم تكد الغمرات تنجلين حتى عادت أدراجها، فملأن بغداد والعراق شرًّا ونكرًا، وكان العلم قد حاول أن يعود إلى العراق وأن يستقر فيه أثناء العصر الحديث، كما استقر فيه أثناء العصور الأولى، ولكنه يُنفى الآن من أرض العراق بفضل الاستعمار والشيوعية، كما نُفي قديمًا من أرض العراق بفضل التتار وغيرهم من عشاق الجهل وأحباء التخريب الذين استعمروه قبل أن يستعمره الغرب الأوروبي، وقبل أن تطمع فيه الشيوعية وتطمح إليه. وكان العراق يُمتحن في عصوره العربية القديمة بكثير من الفتن التي كانت تنشر فيه الخوف والهلع، وتشيع في أهله الشر والنكر، ولكنه كان دائمًا يقاوم هذه الفتن، على كل حال، أن تبلغ بغداد ولا أن تُشيع فيها خوفًا ولا ذعرًا.
***
في العراق ظهر الخوارج الذين كانوا يقرءون القرآن لا يكاد يتجاوز تراقيهم، كان ذلك يُروى عن النبي ﷺ، في حديث معروف، والذين كانوا يحتكرون الإسلام لأنفسهم وينكرونه على غيرهم، والذين كانوا يستحلون سفك الدماء ونهب الأموال، والذين نغَّصوا على ولاة العراق وأمرائه أيامهم وأرَّقوا لياليهم، ولكن فتنتهم تلك على طولها وكثرة شرها ونكرها، لم تسيطر على العراق في يوم من الأيام ولم تمنعه من أن يكون أهم المراكز الإسلامية للثقافة والعلم على اختلاف فروعهما. وفي العراق ظهرت ثورة الزنج التي أفسدت أمور البصرة وأزعجت عاصمة الخلافة، ولكنها لم تستطع أن تسيطر على العراق ولا أن تزعزع مكانته في الثقافة والعلم والحضارة. ومن العراق انبعثت ثورة القرامطة التي أزعجت العراق والشام وكادت تبلغ مصر، والتي آمنت بشيء يشبه الشيوعية من وجوه كثيرة، ولكنها لم تُظهر الإلحاد ولم تُمعن فيه، وخمدت نارها آخر الأمر دون أن تتمكن من السيطرة على العراق. وفتن كثيرة أخرى امتُحن بها العراق في عصوره العربية الأولى، ولكنه كان دائمًا ينتصر عليها ويمنعها من أن تسيطر عليه. فالعراق يُمتحن بالفتن منذ أقدم العصور العربية، ولكنه منتصر على الفتن دائمًا، في أهله مناعة وقدرة على المقاومة وثبات على عروبته ودينه. وما أشك في أن الفتنة التي تفسد عليه أمره الآن ستنجلي غمرتها في وقت يقصر أو يطول، وأكبر الظن أنه لن يطول.
***
والأمر كله محتاج إلى الصبر والثبات والمقاومة والامتناع على الطامعين والطامحين، والذين يتحرقون ظمأ إلى السيطرة عليه وإلى استغلال أرضه واستذلال أهله، والأمر محتاج أيضًا إلى أن يشعر أهل العراق بتضامن إخوانهم العرب معهم وتأييد ما يبذلون من جهد وما يقدمون من تضحية؛ ليظلوا كما كانوا دائمًا جديرين بتاريخهم، وليظل وطنهم كما كان مركزًا من مراكز العروبة وموطنًا من مواطن الثقافة والحضارة والعلم. والعالم العربي كله مدين بالتضامن مع العراق والتأييد لمقاومته لهذا التراث العربي الخطير الذي قدمه العراق إلى العرب في عصوره القديمة. وما أعلم أن العرب يحبون جحود الجميل، وما أعلم أن العرب يُقصرون في أداء الواجب حين يُطلب إليهم أداؤه، وكل شيء يطالبهم الآن بأن يؤدوا واجب التضامن والتأييد لإخوانهم في العراق وبألا يريحوا ولا يستريحوا، حتى يخرج العراق ظافرًا من هذه المحنة المنكرة، وحتى ينتصر على الاستعمار الغربي والشيوعية، وحتى تعود بغداد إلى ما كانت بسبيله من الجد والكد في استرداد مجدها القديم، وفي أن تعود كما كانت مدينة السلام ودار السلام ومدينة الإسلام.
Tag: Historical legacy
-
بغداد
-
كتاب عن مصر …
كتاب عن مصر …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٣ أغسطس ١٩٥٤
لو أَطَعْتُ نَفْسِي لَتجاوَزْتُ هذا الموضوعَ، وعَدَلْتُ عن إملاء هذا المقال؛ لأن موضوعه هو آخر الموضوعات التي ينبغي لِمِثْلِي أن يعرض لها.
وحَسْبُك أن تعلم أني أريد أن أتحدث إليك عن كتاب ظهر في فرنسا منذ أسابيع، موضوعه التصوير عند المصريين القدماء، وصاحبه رجل من أرفع رجال الفن في فرنسا مكانةً اليوم؛ هو الأستاذ أندريه لوت الذي يعرفه أصحاب الفن جميعًا في مصر؛ لأنه زارهم عامين متواليين، وتحدَّث إلى شبابهم في كلية الفنون الجميلة وفي غيرها من الأندية حيث كانوا يجتمعون إليه، وتحدث إلى شيوخهم في القاهرة والإسكندرية، وتحدث إلى الجمهور من أهل القاهرة في محاضرات عامة ألقاها في الجمعية الجغرافية …
وإذا قلت إن أصحاب الفن في مصر يعرفون الأستاذ أندريه لوت، فلم أَقُلْ شيئًا ذا خطر؛ لأن أصحاب الفن في أقطار الأرض كلها يعرفون هذا المصور العظيم حق المعرفة، كلهم رأى آثاره وأُعْجِبَ بها، وكلهم قرأ كتبه وأُعْجِبَ بها أيضًا، فهو رجل عالمي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، عالمي بما أنتج من الآثار الرائعة، وعالمي بما ألَّفَ من الكتب الممتعة، وعالمي بعد ذلك أو قبل ذلك، بثورته على الفن التقليدي المقرر المألوف في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وفي المجمع الفرنسي للفنون الجميلة أيضًا.
وهذا كله يكفي لأتردد في إملاء هذا المقال عن كتابه هذا الرائع الذي ظهر في هذا الصيف، وواضح كل الوضوح أن غيري من أصحاب الفن، ومن الذين يحسنون العلم بالتصوير والقول فيه، أجدر مني بنقد هذا الكتاب أو تقريظه … وأقدر مني على نقد هذا الكتاب أو تقريظه.
وأنا من أجل ذلك أترك لهم النقد والتقريظ، وأكتب عن هذا الكتاب لأدل عليه وأنبه إليه أولًا، ولأسجل بعض الخواطر التي اضطربت في نفسي حين تفضل فأهدى إليَّ هذا الكتاب، وحين قرأته على ثقة مني بأني سأفهم أَقَلَّه، وبأن أكثره سيند عني وسيستعصي عليَّ، وأين أنا من التصوير وأين التصوير مني؟! … وكيف السبيل إلى فهم كتاب قوامه هذه الصور الكثيرة التي يعرضها ليستدل بها على ما يقرر من رأي ويثبت بها ما يصدر من حكم؟!
ومع ذلك، فقد أُنْسِيتُ نفسي وقتًا غير قصير حين أُهْدِيَ إليَّ هذا الكتاب، وأُنْسِيتُ نفسي أوقاتًا طوالًا أخرى حين قُرِئَتْ عليَّ نصوص هذا الكتاب.
أُنْسِيتُ نفسي وشُغِلْتُ بشيء آخر، بل بأشياء أخرى كثيرة، أولها أن هذا الكتاب يصدر باللغة الفرنسية، ويؤلفه مصور فرنسي عظيم. وكنت أتمنى وما زلت أتمنى أن يصدر كتاب مثله باللغة العربية أو باللغة الفرنسية، أو بما شاء الله من اللغات الأجنبية، وأن يكون مؤلفه مصورًا مصريًّا عظيمًا، وهذا كله يقتضي أن تُعنَى مصر بالفن الجميل في نفسه أكثر مما عُنِيَتْ به إلى الآن، وأن تُعْنَى مصر بعد ذلك بالفن الجميل الحديث، وبالفن الجميل المصري القديم؛ لِتَعْرِفَ أين يقع فنها القديم من الفنون الجميلة فيما مضى من الأزمان، ومن الفنون الجميلة في العصر الذي نعيش فيه؛ أيقع منها موقع الفن الطفل من الفنون التي استكملت نضجها ونموها، أم يقع منها موقع الفن الناضج الكامل الذي يكتفي بنضجه وكماله، وإنما أفاض منها على فنون الأمم الأخرى نضجًا وكمالًا.
كنت وما زلت أتمنى أن تُعنى مصر الحديثة بالفن الجميل، وأن توازن بين فنها الحديث وفنها القديم، وأن ترى أمتصلة هي بتاريخها أم منقطعة هي عن هذا التاريخ، أمتأثرة هي في فنها الحديث بفنها القديم أم معرضة هي عنه ومتأثرة بالفن الغربي الحديث الذي يَعْبُر البحر إليها بين حين وحين، والذي يعبر أبناؤها البحر إليه من حين إلى حين أيضًا.
ولكني أبحث عن هذا الكتاب المصري في لغتنا العربية أو في أية لغة أخرى من اللغات العالمية فلا أجده، ولا أجد ما يدلني على أني سأظفر به اليوم أو غدًا … لأن مصر الحديثة لم تمنح الفن الجميل بَعْدُ ما ينبغي له من العناية، بل لم تمنح الثقافة الفنية ما ينبغي لها من العناية على كثرة المجتهدين الموفقين من شيوخنا وشبابنا في محاولة الإنتاج الفني.
وينبغي أن يُقال الحق مهما يكن قاسيًا ممضًّا، وأن نعفي أنفسنا من التبعة التي يجب أن نحتمل ثقلها، وهي تبعة النصح والإرشاد، مهما تكن عواقب النصح والإرشاد.
فمصر المعاصرة مقصرة في ذات الفن الجميل تقصيرًا لا يليق بحاضرها ولا يليق بماضيها، ولا يلائم المستقبل الذي تسمو إليه، فيها مدرسة للفنون الجميلة، أستغفر الله! بل كلية للفنون الجميلة … ولكن هذه الكلية يُنظَر إليها على أنها عبء ليس من احتماله بد، ويُنفَق عليها مال لا أدري أقليل هو أم كثير، ولكنه أقل مما ينبغي على كل حال، وقد أُهْمِلَتْ هذه الكلية حتى أصبحت مدرسة كغيرها من المدارس، تجري الأمور فيها كما تجري في مدارس وزارة المعارف، وتتأثر بالتقاليد الكتابية المعروفة أكثر مما تتأثر بهذا النشاط الخصب الذي يبعث فيها الحياة ويجعلها مصدر وحي فني رائع متصل منتج، وتتقيد بالقيود المألوفة في مصر؛ فطلابها يجب أن يظفروا بالشهادة الثانوية قبل أن يلتحقوا بها، وأن يؤدوا الامتحانات في آخر كل عام، وأن ينفقوا فيها أعوامًا معدودة، ثم يظفرون منها بالدبلوم، ثم يتوسلون بهذا الدبلوم ليظفروا بمنصب من مناصب الدولة في التعليم أو في غير التعليم، فهي كلية تخرج الموظفين لا أكثر ولا أقل.
وقد أُنْشِئَ في هذه الكلية قسم حر لا يتقيد بالقيود التي فُرِضَتْ عليها في الالتحاق بها والخروج منها، فأخذ يؤتي ثمرات قيمة، وأخذ يثبت أن المصريين حين تُتاح لهم حرية الفن قادرون على أن يتفوَّقوا ويُنْتِجوا، ويبلغوا ما يبلغه الشباب في الأمم الأخرى، من حب الفن وإتقانه والبراعة فيه، ولكن وزارة المعارف تهمل هذا القسم الحر أشد الإهمال، وقد كدت أملي أنها تقاوم هذا القسم الحر أشد المقاومة. والفن الجميل كالأدب الرفيع وكالعلم الخالص في حاجة إلى التأييد والتشجيع والمعونة ليعيش أولًا، ويزدهر ثانيًا، ويتيح لأصحابه التفوق والامتياز بعد ذلك. وأين نحن مما ينبغي للفن الجميل والأدب الرفيع والعلم الخالص من المعونة والتشجيع والتأييد؟!
في هذا كله فكرت حين أُهْدِيَ إليَّ هذا الكتاب، ثم لم أكد أقرأ أطرافًا منه حتى فكرت في شيء آخر لعله أن يكون أعظم منه خطرًا وأجل منه شأنًا، وقد طال ما أكثرت القول فيه حتى مللتُ وملَّني الناس، وهو أن المصريين يذكرون وطنهم معجبين به، مُؤْثِرين له ويملأون أفواههم بهذه الكلمة الرائعة «مصر الخالدة»، فإذا سألتهم عن خلود مصر: ما مصدره؟ وما عسى أن يكون؟ لم تجد عندهم شيئًا ذا بال، وإنما عللوك وعللوا أنفسهم بهذه الألفاظ التي لا تُغْنِي عنهم ولا عن غيرهم شيئًا؛ فذكروا مجد الفراعنة، وذكروا الأهرام وأبا الهول، وآثار الأقصر والكرنك وغيرهما من مواطن الآثار! ثم لا يتجاوزون هذا إلى شيء يدل على فقههم لِمَا يذكرون، وإنما هي ألفاظ تملأ الأفواه، ويَحْسُن وَقْعُها في الآذان وتثير في نفوس قائليها وسامعيها صُوَرًا غامضة لا تمتاز بالجلاء ولا بالوضوح.
فإذا أردنا أن نحقق خلود مصر، التمسنا تحقيقه عند الأجانب فيما ألَّفُوا من كتب التاريخ، وفيما صوَّرُوا من أدب مصر القديمة … وفيما أحبوا من فنها القديم أيضًا.
نحن لا نكاد ننظر في كتب الأجانب هذه حتى نستيقن أن مصر ليست خالدة فحسب، ولكنها مُلْهِمَة أيضًا، مُلْهِمَة دائمًا وناطقة دائمًا، ولكن الأجانب هم الذين استأثروا أو كادوا يستأثرون إلى الآن بإلهام مصر المتصل، وبالدروس الرائعة التي تلقيها على الإنسانية في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. هم قرءوا لغتها القديمة واستطاعوا أن يكتبوا تاريخها القديم، وهم فهموا آثارها القديمة واستعانوا بفهمها على تحقيق تاريخها وتاريخ غيرها من الأمم، وهم يعرفون إلى الآن من حقائق مصر الفرعونية، ومن حقائق مصر في عصر اليونان والرومان، بل من حقائق مصر الإسلامية أكثر مما نعرف! ونحن ساهون لاهون نملأ أفواهنا بالكلمات الجوفاء التي لا تُحقِّق شيئًا ولا تُغْنِي عنها شيئًا.
وما رأيك في أن مصر قد ألهمت هيرودوت منذ خمسة وعشرين قرنًا، أروع ما كتب كاتب قديم عن بلد أجنبي؟! وما رأيك في أنها ألهمت فلاسفة اليونان وشعراءهم وكتابهم آيات في الأدب والفن والتاريخ؟! وما رأيك في أنها قد صنعت مثل ذلك بالرومان، وهي تصنع الآن أكثر وأروع بالقياس إلى الغرب المعاصر؟!
وهي على ذلك بالقياس إلى أبنائها جامدة هامدة وخرساء صامتة، لا تلهمهم شيئًا ولا تقول لهم شيئًا، لا أستثني من أبنائها إلا أشخاصًا يُحصَون إحصاء لا مشقة فيه ولا عسر.
مصر إذن ملهمة، ولكن لغير أبنائها، متحدثة ولكن إلى غير أبنائها … قد شُغِلَ عنها أبناؤها بأنفسهم وبمنافعهم القريبة العاجلة.
هذا المُصوِّر العظيم أندريه لوت قد يزور مصر سنة ١٩٥٠م وسنة ١٩٥١م، وقد نيف على الستين وقارب السبعين من عمره ونضج فنه وآتى ثمره كأحسن ما يؤتي الفن ثمره، ولكنه لا يكاد يزور مصر، ويقف عند آثارها، ويحدق في فنِّها حتى يتأثر أعمق التأثر، وإذا فنه الناضج الكامل يتطور في الشيخوخة كما يتطور الفن في عصر الشباب، وإذا هو ينتج آثارًا جديدة يشيع فيها الوحي المصري والفن المصري والجمال المصري، وإذا هو يعرض آثاره الجديدة مرتين في باريس فيبهر من زار معرضيه بهذه النزعة الجديدة الفتية التي أوحتها إليه مصر، ثم هو لا يكتفي بما جنى من فنه الجديد في مصر، ولكنه يؤلف كتابًا عن الفن المصري يقول الإخصائيون إنه لم يُسبَق إليه، ويقول الإخصائيون أيضًا إنه قد كشف لأول مرة عن التصوير المصري القديم؛ فأظهر للمصورين المعاصرين أشياء لم تكن تخطر لهم على بال، وأظهر للمصورين المعاصرين في فرنسا وفي غير فرنسا أن التصوير المصري القديم لم يكن يسيرًا ولا ساذجًا ولا تصوير أمة حديثة العهد بالفن، وإنما كان تصويرًا ناضجًا كأقصى ما يمكن أن يكون النضج، تصويرًا سبق إلى ما يحاوله أصحاب المذاهب الجديدة في التصوير من الابتكار والاختراع والخروج بالفن من التقليد الموروث.
والمؤلف لا يقول ذلك دون أن يُقِيمَ عليه الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا جدالًا، فأبرع المصورين المعاصرين إذن حين ابتكروا ما ابتكروا من فنهم الجديد لم يزيدوا على ما صنع المصريون القدماء شيئًا.
كذلك يقول الأستاذ أندريه لوت وهو حجة فيما يقول، لا ينازعه في ذلك منازع.
كم أحب أن يقرأ المصريون هذا الكتاب وأن يقرأه أصحاب الفن منهم خاصة، وكم أحب آخر الأمر أن يقرأ هذا الكتاب وزيران من وزرائنا، أحدهما وزير الشئون البلدية والقروية، لعل قراءة صحف من هذا الكتاب تحمله بأن يُعنى بآثارنا في الصعيد، فيمهد إليها الطرق ويتيح لها أن تكون أفصح منطقًا حين تتحدث إلى السائحين وإلى المصريين أيضًا، والآخر وزير الإرشاد، فسيرى حين يقرأ هذا الكتاب أن مذهبنا في نشر الدعوة لمصر محتاج إلى كثير من العناية والتجديد.
أما بعد، فإني أشكر للأستاذ أندريه لوت هذه الخدمة الرائعة القيمة التي أسداها إلى مصر، وأنا أعلم أنه إنما فكر قبل كل شيء في أن يسدي خدمة إلى الفن والعلم جميعًا. -
لا تظلموا الموتى!
لا تظلموا الموتى!
طه حسين
النداء
٢٠ أبريل ١٩٤٨
لم ينشط للعب النرد كما تعوَّد أن يفعل كلما لقي أنداده في ناديهم حين يرتفع الضحى من كل يوم؛ فقد كان سريعًا إلى الاستجابة كلما دعاه إلى هذا اللعب واحد من هؤلاء الأنداد. ربما سبق هو إلى الدعاء فتخيَّر من أصحابه هذا أو ذاك ودعاه في شيء من التحدي إلى عشرة من هذه العشرات التي يُضيِّع الفارغون فيها بعضَ ما يثقل عليهم من الوقت، وربما أصبح واترًا أو موتورًا فدعا خصمه إلى المبارزة أو دعاه خصمه إلى المبارزة ليصلحا ما كان من الهزيمة التي تفرقا عنها أمس حين أقبل الليل وصرفتهما عن اللعب شئون الجد أو شئون الفراغ.
ولكنه في ذلك الضحى لم ينشط للعب … لم يَدْعُ أحدًا ولم يستجب لأحد، وإنما آثر الإقبال على الحديث والاستماع في غير جهد يسير أو ثقيل، ولاحظ منه أصحابه هذا الفتور ولاحظوا أنه كان يصغي إلى أحاديثهم بإحدى أذنيه، فيسمع حينًا ولا يسمع أحيانًا، ويفهم قليلًا ولا يفهم كثيرًا، ولا يشارك فيما كانوا يخوضون فيها إلا مشاركة ضئيلة ذاهلة كأنما حضر مجلسهم بجسمه وأرسل نفسه أو انصرفت عنه نفسه إلى بعض ما يهم من الأمر يلتمسه في مكان مجهول من السماء أو في مكان بعيد من الأرض!
فلما طال منه ذلك على أصحابه؛ قال له أحدهم في صيحة متضاحكة: ما خطبك؟! إنك لمشغول بأمر ذي خطر منذ اليوم. قال، وقد ثابَتْ إليه نَفْسُه وجعل لسانه يدور في فمه دورانًا بطيئًا بما كان يقول: لم أُشْغَل بأمر يسير ولا خطير، وإنما أنا مُتْعَب مكدود؛ لأني أنفقتُ ليلة بيضاء أو كالبيضاء لم أذق فيها النوم إلا غرارًا، وكنت أنت مصدر ذلك الأرق الذي شقيتُ به أثناء الليل ومصدر هذا العناء الذي أشقى به منذ اليوم!
قال صاحبه متضاحكًا: أنا؟! وكيف كان ذلك؟! قال بعض القوم مُغْرِقًا في الضحك، وقد ذكر عهد المدرسة الثانوية: زعموا أن … ثم أقبلَتِ الجماعةُ على الباشا المُتعَب المكدود يريدون أن يعرفوا قصته ويتبينوا لماذا أرق في ليله وشقي في نهاره …
ولكن الباشا ظلَّ مشرد النفس معقود اللسان، قد ثبتت على ثغره ابتسامة شاحبة تريد أن تتكلف الابتهاج فلا تخرج من الاكتئاب، فلما ألح القوم عليه في المسألة قال لصاحبه في صوت فاتر: ألا تذكر ذلك البيت الذي أنشدته أمس حين كنا نتحدث عن بعض ما قرأنا في الصحف، قال صاحبه مبتسمًا:
لا تَظْلِموا الموتى وإنْ طالَ المدى إنِّي أخاف عليكمو أن تلتقوا
قال الباشا: هو ذاك، فاعلم إن كان هذا يسرك أني قد لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه، هنالك أغرقَتِ الجماعةُ في ضحك متصل ضاق به الباشا أشد الضيق، وكاد يترك له مجلسه لولا أن ثاب إلى القوم بعضُ الهدوء، ولكن بعضهم مع ذلك جعل يقول لبعض: كيف لقي الموت من ليلته هذه؟! فإن الأحياء لا يلقون الموتى وهم أحياء، وإنما يمكن أن يلقوهم في الدار الآخرة بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وما إلى غير هذا قصد أبو العلاء.
قال الباشا: لا أدري إلامَ قصد أبو العلاء، ولكني لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه ولم ألقَهم مرة ولا مرتين وإنما لقيتهم مرات، وكان فيهم أبو العلاء، وقد ضِقْتُ بلقائهم أشد الضيق حتى وثبتُ من سريري وهجرتُ غرفة نومي وتكلفتُ من العمل ما يَحُول بيني وبين النوم إلى أن ينقضي الليل ويُقْبِل الصبح، وخرجتُ من داري ضيقًا بالنوم واليقظة جميعًا أَجِدُ من الجهد والإعياء ما يُحَبِّب إليَّ النوم، وأَجِدُ من القلق والخوف ما يُبَغِّض إليَّ النوم.
قال بعض القوم: أضغاث أحلام. وقال بعض القوم: فهلا استشرتَ الطبيب؟! وقال بعض القوم وهو يُخْرِج من جيبه علبة صغيرة: خُذْ واحدًا من هذه الأقراص؛ فإذا أويتَ إلى مضجعك بعد الغداء، فستُقْبِل على نوم هادئ مريح يضع عنك ثقل الأرق وثقل ما تَجِد الآن من الجهد.
قال مُنْشِد البيت: ولكن اقصص علينا رؤياك، فمن يدري لعلنا نجد لها تأويلًا، ولعل هذا التأويل أن يكون خيرًا من استشارة الطبيب واتخاذ الدواء.
قال الباشا: لقد سمعتُ هذا البيت، ولا أدري لماذا استقر في قلبي فلم ينصرف عني ولم أنصرف عنه إلى آخر السهرة، ولم ينصرف عني ولم أنصرف عنه منذ افترقنا إلى أن بلغتُ الدار وآويتُ إلى مضجعي، وإنما كان يدور في قلبي كما تدور النَّحْلة التي يلقيها الصبي، ولولا أني كنتُ أدفع نفسي أشد الدفاع لتردَّدَ على لساني تردُّدًا متصلًا، ولكني صبَّرْتُ نفسي عليه وعقدتُ لساني عن النطق به، وحاولتُ أن أنصرف عنه إلى غيره من الشعر أو إلى غيره من الخواطر فلم أستطع، وإنما وجدتني أدخل في النوم وقد نسيتُ أحد شطريه وجعل شطره الآخر يتردَّد في نفسي:
إني أخاف عليكمو أن تلتقوا … أن … أن … أن تلتقوا …
ثم أفقد نفسي، ثم أراني في مكان لا أذكر منه إلا أنه كان بعيد الأرجاء، مترامي الأطراف، يمتد البصر فيه إلى أبعد مدى دون أن يرى شيئًا يقفه أو يحده، وقد ترقرق في هذا المكان الواسع المنبسط ضوء ليس بالناصع ولا بالساطع، إنما هو شيء شاحب يكاد يبلغ القتمة، وهو على ذلك يشيع في النفس حزنًا وحسرة وأسى.
وأرى جماعات متفرقة هنا وهناك لا يتحدثون فيما بينهم إلا همسًا، أرى أنهم يتحدثون ولا أسمع مما يقولون شيئًا، ثم أرى صديقنا ذاك الذي أنشدتنا بيت أبي العلاء بعد أن قرأتَ علينا ما نشرتْ له الصحف، أراه مقبلًا يشتد كأنه الطفل يعدو هربًا من شر يجدُّ في أثره، حتى إذا كاد يبلغني أومأ إليَّ إيماءة فيها شيء من خوف كأنه يستفتيني، ولا أكاد أهم بتحيته وسؤاله حتى أراه قد وقف فجأة كأنما لصقت قدماه بالأرض، ثم أنظر فأرى شخصين أعرفهما وتعرفونهما قد أقبلا يسعيان في هدوء وعلى ثغرهما ابتسامة فيها قليل من غضب وكثير من سخرية، فأما أحدهما فسعى حتى بلغ صديقنا ذاك فقام عن يمينه وأخذ بأذنه اليمنى، وأما الآخر فقام عن شماله وأخذ بأذنه اليسرى، وجعلا يعركان أذنيه عركًا شديدًا وهو يتضور بينهما يريد أن يخلص منهما فلا يَجِد إلى ذلك سبيلًا. يقول له أحدهما: لقد أضفتَ إليَّ مِنَ القول ما لم أقُلْ. ويقول له الآخر: لقد أضفتَ إليَّ من العمل ما لم أعمل. ثم يقول له أحدهما: لقد تحدثتَ عن قلبي بما لا علم لك به. ويقول له الآخر: لقد أهدرت ما كان لي عليك من حق الوفاء.
وهو يتململ ويتضور يريد أن يستأخر أو يستقدم فلا يستطيع، يريد أن يتضاءل حتى يلتصق بالأرض لعله يخلص أذنيه من أيديهما فلا يستطيع أن يشكو أو يعتذر أو يخفف عن نفسه بالصياح بعض ما يجد من الألم فلا يستطيع، وإنما ترتسم على وجهه آيات منكرة تصور الروع والهول والألم الذي لا سبيل إلى وصفه، ورجل رزين رصين نعرفه كلنا قد قام غير بعيد ينظر ويبتسم في هدوء لا يقول شيئًا، وأهم أن أسعى إلى صديقنا لعلِّي أن أرُدَّ عنه شرًّا، ولكني أسمع صوتًا، فالتفتُّ وإذا شيخ ضرير قد جلس على الأرض وانعطف أعلاه على أسفله، وجعل يعبث بأصابعه في التراب وهو ينشد شعرًا لم أسمعه قط، ولكني أفقتُ من نومي مذعورًا وقد حفظتُه:
ومهما كان في دنياك أمر فما تخليك من قمر وشمسِ
وآخرها بأولها شبيه وتصبح في عجائبها وتمسي
قدوم أصاغر ورحيل شيب وهجرة منزل وحلول رمسِ
إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ اليقين أطلتُ همسي
ويهم بعض القوم أن يتكلم، ولكن الباشا يمضي في حديثه قائلًا: لقد هببتُ من نومي ضيقًا بهذا الحلم ولم أشُكَّ في أنه الكابوس، فأخرج من سريري، وأمشي في غرفتي ذاهبًا جائيًا، وأشغل نفسي ببعض القراءة، حتى إذا أحسستُ الحاجة إلى النوم أويتُ إلى مضجعي، وما أكاد أغفل حتى أرى هذا المنظر، فأثوب إلى اليقظة مروعًا وأعود إلى القراءة، ثم إلى النوم ثم إلى اليقظة … أفعل ذلك مرات أربعًا، ثم أستيئس من الراحة فأترك الغرفة وأفزع إلى مكتبي وأنفق فيه سائر الليل، ويسألني أهلي عن مكاني من هذا المكتب قبل إبان العمل فأخفي عليهم الأمر وأصرف عنهم القلق، وأزعم لهم أني سهرتُ لبعض العمل وأغرقتُ فيه حتى نسيتُ الليل والنوم.
ثم يتجه إلى منشد البيت قائلًا: ألا ترى أنت؟! أنت مصدر ما شقيتُ به من أرق وما أشقى به الآن من عناء. قال صاحبه وعلى ثغره ابتسامة ساخرة ماكرة: لن أنشدك منذ الآن شعرًا إذا أقبل الليل، ولكني أنصح لك بأن تستشير طبيب الأعصاب لعله يَرُدُّ عليك الهدوء، وبأن تقص رؤياك على صدقي باشا لعله يتجنب في مذكراته حديث الموتى:
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إني أخاف عليكمو أن تلتقوا -
في الوقت الملائم
في الوقت الملائم
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٣ أغسطس ١٩٤٥
أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.
أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.
أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.
ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.
واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.
نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.
وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.
كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.
إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.
ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.
في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.
في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.
فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.
إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.
لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.
على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.
أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.
وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.
إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم.