Tag: historical reflection

  • من بعيد … ثورتنا ١

    من بعيد … ثورتنا (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٤ يوليو ١٩٥٤

    تتهيأ مصر في هذه الأيام لإحياء العيد الثاني من أعياد ثورتها بعد أن أحيت في الشهر الماضي العيد الأول من أعياد جمهوريتها.

    وقد ينبغي أن ننتهز فرصة هذا العيد من أعياد الثورة لنفكر فيها تفكيرًا عميقًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة، ومن الشوائب المطامع والمنافع بوجه خاص.

    فالمطامع الضخمة أو النحيفة، والمنافع القريبة أو البعيدة، تؤثِّر في تفكير الناس — على غير إرادة منهم — تأثيرًا أقلَّ ما يوصف به أنه جدير بأنه يجور بهم عن القصد، وينحرف بهم عن طريق الإصلاح إلى ما يلائم مطامعهم ومنافعهم.

    وأحب أن يشهد المواطنون على أني حين أكتب ما أكتب، لا أبتغي مطمعًا عظيمًا أو ضئيلًا، ولا أطلب منفعة نائية أو دانية.

    فقد بلغت والحمد للَّه من السن ما ينبغي أن يبرأ معه الإنسان من المطامع والمنافع جميعًا، وصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين قال: «وإذا بلغ المرء ستين عامًا فقد أعذر اللَّه له في العمر.»

    فهذه الأحاديث التي أوجهها إلى قادة الثورة، وإلى رئيس الوزراء بنوع خاص؛ خالصة إذن لوجه اللَّه ثم لوجه الوطن، لا يعنيني أن يرضى عنها الراضون أو يسخط عليها الساخطون؛ وإنما يعنيني أن تبلغ قلوب المواطنين وعقولهم، وأن تُثير فيهم الشعور القوي بما يحتملون من تبعات وتدفعهم إلى التفكير العميق في الطريق التي يحتملون بها هذه التبعات على أحسن وجه ممكن؛ بحيث لا تضيع الأعوام المقبلة من حياتنا هباءً، وبحيث لا تذهب دون أن تترك آثارًا خالدة تقدرها الأجيال المقبلة، فتذكرنا حفية بنا مُكْبِرة لنا معترفة بأننا قد صدقنا ما عاهدنا الوطن عليه؛ فلم نضيع وقتنا عبثًا، ولم نُؤْثِر أنفسنا بالبر من دون الناس، ولم يُلْهِنا التفكير في اليوم الذي نعيش فيه عن التفكير في الأيام الكثيرة المقبلة التي ستعيش فيها الأجيال من بعدنا.

    وما أعرف شيئًا يعين على حسن التفكير وسداد الرأي وصواب الحكم، كالبعد في الزمان أو في المكان عن الموضوع الذي نحاول أن نفكر فيه أو نحكم عليه، فنحن حين نعيشه في مصر مثلًا نتأثر بالأحداث اليومية التي تحدث من حولنا وبآراء الناس في هذه الأحداث وأحكامهم عليها، ويشغلنا ذلك عن التفكير فيما هو أعظم منها خطرًا، وأبعد منها أثرًا؛ لأنه أعمُّ منها عمومًا وأشمل شمولًا وأطول بقاءً.

    فإذا بعدنا عن مصر ونأينا عن أحداثها اليومية ولم تصل إلينا من هذه الأحداث إلا أصداؤها، أعاننا ذلك على أن نتجرَّد من هذه الأعراض التي تلم اليوم لتزول غدًا، وعلى ألا نفكر إلا فيما هو جدير بالبقاء والاستمرار.

    وأنا أكتب الآن من باريس التي تتهيأ هي أيضًا لإحياء عيد من أعياد الثورة الفرنسية، فأذكر ما كان في تلك الثورة من هول، وأحمد اللَّه من أعماق نفسي على أن ثورتنا ما زالت إلى الآن مبرأة من كل قول، وعلى أن ما مسَّ بعض الناس من أخطارها ما زال يسيرًا قابلًا للتدارُك. وأتمنَّى أن تظل ثورتنا — كما بدأت — نقية من كل إثم، بريئة من كل شر لا سبيل إلى تداركه أو إصلاحه.

    وأذكر كذلك ما امتازت به تلك الثورة من خصب، وما أحدثت في الحياة الفرنسية والأوروبية والإنسانية من آثار رائعة باقية، وأتمنى لثورتنا أن تُحدث في حياة المصريين — بل في حياة العرب، بل في حياة الشرق كله — مثل ما أحدثت الثورة الفرنسية في الحياة الأوروبية والعالمية من الآثار؛ فقد حرَّرت الثورة الفرنسية وطنها من ظلم الملوك ومن دائرة الإقطاع، وأشعرت شعبها بحق الإنسان وكرامته وبما ينبغي للناس من الحرية والإخاء والمساواة، وأذاعت هذا الشعور في أوروبا ثم في كثير من أقطار الأرض، وكان لهذا كله أثره في حياة الإنسانية الحديثة، وهي بعد ذلك قد استحدثت من النظم في الوطن الفرنسي ما غيَّر حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعقلية تغييرًا يوشك أن يكون شاملًا.

    وثورتنا التي لا تزال في طور الطفولة قد أخذت تُحدث في حياتنا المصرية آثارًا خطيرة، فهي قد حرَّرت الشعب من ظلم الملوك، وهي قد سلكت طريق العدل في توزيع الثروة الوطنية على المواطنين مما شرعت من الإصلاح الزراعي، وهي قد أشعرت المصريين بحقهم في الحرية والكرامة والاستقلال، وهي قد أشاعت هذا الشعور الخصب فيما حولها من الأقطار، وهي تحاول — موفقة إن شاء اللَّه — أن تحرر الوطن من الاستعمار وآثاره القريبة والبعيدة، وهي تحاول — موفقة أيضًا إن شاء اللَّه — أن تستحدث من النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ما يكفل للمصريين حياة تلائم مجدهم القديم وآمالهم الواسعة العراض.

    وأول ما يجب على المثقفين من المصريين في هذا الطور من أطوار ثورتهم، إنما هو أن يخلصوا لها النصح وأن يمنحوها من ذات نفوسهم ما يُنير أمامها الطريق ويبين لها معالم الخير؛ لتسير إلى غايتها ثابتة الخطى، معصومة من الخطأ بقدر ما يُتاح للناس أن يُعصموا من الخطأ. وقد أُمرنا أن نقول الحق وأن ندعو إلى الخير، وأن نأمر بالمعروف مهما كلفنا ذلك من عناء، ومهما يُعرضنا له من مكروه.

    ولا خير في ناصح غير منصف ولا في مشير غير أمين، وشر الناس من أسرع إلى الإنكار وأمعن في العيب، ولم يعرف الإحسان لأصحاب الإحسان، ولم يشهد بالخير للذين قدَّموا الخير. ومن الإساءة إلى الحق والظلم للتاريخ أن يُنكر منكر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر الإحسان كله حين غيَّرت نظامها السياسي، وأدالت للجمهورية الملكية، وردت إلى الشعب حقه السياسي كاملًا، وأراحته من هذا النظام السخيف نظام الملك الموروث الذي لا يعتمد على أصل من حق أو عدل أو دين؛ وإنما يعتمد قبل كل شيء على الأَثَرَة والظلم والاستعلاء، وتقديس أسرة بعينها أو فرد بعينه، مع أن الإنسان — مهما يكن — لا حق له في التقديس ولا في الاستعلاء ولا في الاستئثار بالحكم من دون غيره من الناس.

    ومن الظلم للتاريخ أيضًا والانحراف عن الحق والعدل، أن ينكر مُنْكِر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر حين شرعت ما شرعت من الإصلاح الزراعي الذي يشيع الملكية بين طبقات الشعب، ويُقرب الآماد بين هذه الطبقات، ويُلغي الفروق بين الذين يملكون فيُسرفون في الملك، ويُنفقون فيُسرفون في الإنفاق، ويستأثرون من دون غيرهم بالخير، والذين لا يجدون ما يملكون ولا ما ينفقون ولا ما يدفعون به عن أنفسهم العاديات.

    في هذين الأمرين أحسنت الثورة إلى مصر إحسانًا لا شك فيه، ولكنه مُحتاج إلى كثير من الوقت، وإلى كثير من الجهد، وإلى كثير من الصبر؛ ليُحدث آثاره ويبلغ ما ينبغي أن يبلغه من الغايات.

    فإقامة الجمهورية مكان الملكية خير لا شك فيه، ولكن الجمهورية محتاجة إلى الوقت والجهد والصبر لتثبت وتستقر وتتصل بقلوب المواطنين جميعًا، وتستأثر بنفوسهم، وتظفر منهم بهذا الإيمان الذي يدفعهم إلى أن يمولوها بالعناية والرعاية، ويفتدوها بأنفسهم وأموالهم، ويضحُّوا في سبيلها بأعز ما يملكون. وكل هذا لا يُتاح في عام أو في عامين، وكل هذا لا يُتاح بمجرد إعلان النظام الجمهوري، وإنما هو محتاج إلى أن توضع النظم التي تكفُل للجمهورية أن تُشعر المواطنين إشعارًا عميقًا بأنها هي النظام السياسي الذي يكفل لهم حقهم في الحرية والكرامة، وفي أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ولأنفسهم لا لمصلحة هذه الطبقة أو تلك، ولا لمصلحة هذا الفرد أو ذاك، بل لمصلحتهم جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وحظوظهم من الثراء، لا فرق في ذلك بين الغني القوي وبين الفقير المعدم، وبين من هو في منزلة بين المنزلتين.

    ولجنة الدستور ماضية في إعداد هذه النظم، وهي ستفرغ من إعدادها غدًا أو بعد غد، ولكن يجب أن نقنع أنفسنا بأن إعداد الدستور وقبول الشعب له، وإعلانه والأخذ في تنفيذه، لن يكون كافيًا لتثبيت الجمهورية، بل سيحتاج تثبيتها إلى تجربة طويلة لهذا الدستور حتى يظهر للمواطنين بعد التنفيذ أنه هو الدستور الذي يلائم حاجتهم وطاقتهم وآمالهم.

    فليس الدستور إلا عملًا إنسانيًّا، والأعمال الإنسانية ليست مبرَّأةً من الخطأ ولا مضمونة الكمال؛ وإنما هي في حاجة إلى أن تُجرَّب وتُنقح ويُعاد النظر فيها بين حين وحين.

    فالخطأ كل الخطأ والخطر كل الخطر، أن نظن أن إعلان الجمهورية قد منحنا النظام الجمهوري حقًّا، وأن نظن أن إعلان الدستور الجمهوري قد ثبَّت الجمهورية وكَفَل لها الأمن والبقاء.

    والإصلاح الزراعي الذي شرعته الثورة خيرٌ ما في ذلك شك، ولكنه في حاجة إلى وقت طويل وإلى جهد عنيف ليتم تنفيذه وليُؤتِيَ ثمراته، وليس يكفي أن يعلن قانونه ويذاع في الناس، ولا أن توزَّع الأرض على الذين لم يكونوا يملكونها، بل ليس به بعد هذا كله أو أثناء هذا كله من تنظيم التعاون بين المُلَّاك ليستطيعوا أن يجدوا ما يحتاجون إليه من الأدوات والوسائل المختلفة لاستثمار الأرض التي وُزِّعَتْ عليهم، استثمارًا يتيح للاقتصاد القومي ما ينبغي له من النمو والازدهار، وهذا كله لا يتم في عام أو عامين أو أعوام.

    وإذا تمَّ هنا الإصلاح الزراعي على أحسن وجه ممكن، فقد يحتاج إلى ألوان أخرى من الإصلاح غير الزراعي؛ ليستقيم اقتصادنا القومي، وليتحقق العدل الاجتماعي بين المواطنين، ولتتضاءل الفروق بين الطبقات. فليس بد من الإصلاح الصناعي، ومن الإصلاح التجاري، ومن تمكين الشعب كله من أن ينتفع في حدود الحق والعدل بما تغل الزراعة والصناعة والتجارة، وبما يغل النشاط القومي كله من الثمرات.

    وهذا كله يحتاج إلى الوقت والجهد والصبر والمثابرة في ثقة وأمل وفي قوة وعزم.

    ومعنى هذا كله أن الثورة يجب أن تتغلغل في قلوب المواطنين جميعًا، وأن تمتزج بدمائهم وتستقر في نفوسهم، وتصبح ثورتهم كلهم حين يجتمعون وثورة كل واحد منهم حين يخلو إلى نفسه، وذلك أجدر أن يُمكِّن الثورة من بلوغ غاياتها في أسرع وقت ممكن وفي غير تعرُّض للأخطاء المنكرة التي تنشأ عن اختلاف الرأي وتفرُّق الهوى وتبايُن المذاهب، وإقامة فريق من الشعب على حب القديم البالي والمحافظة على النظم العتيقة، وإسراع فريق آخر إلى التجديد المتطرف المسرف، وتذبذب فريق ثالث بين الفريقين الآخرين، وما ينشأ عن هذا كله من الصراع بين أصحاب المذاهب المختلفة والأهواء المفترقة والميول المتنافرة.

    والشعب الرشيد هو الذي يُحسن الانتفاع بتجارب الشعوب من قبله وتجارب الشعوب من حوله، فيتعجَّل الخير من هذه التجارب ويتجنَّب الشرَّ منها، ويَتَّقِي بذلك ما لم تُحسن الشعوب الأخرى اتِّقاءه من الزلل والخطل والخطأ.

    وقد رأينا ما نشأ من خلاف الشعب الفرنسي في أهوائه أثناء ثورته من الأهوال، وما نشأ كذلك عن اختلاف الشعوب الأخرى أثناء ثوراتها من الكوارث والخطوب التي لم تجعل تاريخ هذه الثورات نقيًّا ناصعًا؛ وإنما صبغته بحمرة الدماء، وأشاعت فيه الحزن والخوف والكآبة التي لا تنقضي.

    فأحرى بنا أن ننتفع بما عرفنا من هذا كله، وأن يبصر العلماء منا غيرهم من الذين لم يُتح لهم العلم، وأن نتعاون جميعًا على البِرِّ والتقوى، وألا يتعاون فريق منا على الإثم والعدوان، وأن نحفظ على ثورتنا الناشئة ما تهيَّأَ لها من الصفاء والنقاء، وأن نجتهد في أن نمحو عنها ما علق بها من بعض الأوضار والأذى.

    وليس هذا كله كافيًا لتبليغ ثورتنا غايتها لتهيئ لشعبنا ما ينبغي له من السعادة والرُّقِيِّ والاستقلال بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها وأعمقها.

    فقد رأينا أن الثورة في حاجة إلى وقت طويل لتحقق ما تريد أن تحققه من الأغراض، وما أكثر ما نقرأ في كتب الفرنسيين المعاصرين من أن ثورتهم لم تنته بعد؛ لأنها لم تحقق كل ما أرادت تحقيقه من الأغراض!

    فلا بد إذن من أن نهيئ لثورتنا الصفوة من أبناء الشعب الذين يستطيعون أن ينهضوا بأعبائها ويعينوا قادتها ويضيفوا إلى جهودهم جهودًا وإلى نشاطهم نشاطًا، ولا يكون ذلك إلا بالتعليم الصحيح الذي ينتهي بفريق من أبناء الشعب إلى أرقى وأوسع ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من ذكاء العقل وحصافة الرأي ودقة العلم بحقائق الأشياء؛ ليستطيعوا أن يفهموا حاجات الشعب وآماله ومنافعه، وأن يقدروا هذا كله في الظروف التي تحيط بالشعب في حياته الداخلية والخارجية.

    والحديث عن هذا كله يطول ويتشعب، فلنرجئه إلى مقال آخر قريب.

  • الدروس

    الدروس
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٩ أبريل ١٩٤٥

    لعل أظهر ما تمتاز به حياة الناس — منذ أعلنت الحرب — أن هذه الحياة قد جاوزت قدرة العقل الإنساني على الفهم والإدراك، وقدرته على الاستقصاء والاستنتاج. فقد كثرت الأحداث وتتابعت، واشتد بينها الاختلاف والائتلاف كما اشتد بينها الاتفاق والافتراق، حتى أصبح العقل العادي عاجزًا عن أن يلم إلَّا بأطراف يسيرة منها. ثم هو لا يكاد يلم بهذه الأطراف ويأخذ في وضعها موضع التأمل والتفكير حتى تحدث حوادث أخرى مختلفة مؤتلفة ومفترقة متفقة؛ فيشغل بها عن الحوادث الأولى. وما يزال كذلك يلم بالأحداث العظام ليشغل عنها بأحداث عظام أخرى، حتى يصبح من أعسر الأشياء عليه أن يكوِّن لنفسه رأيًا شاملًا فيما يحيط به من الظروف، أو يصدر حكمًا عامًّا صحيحًا على ما يكتنفه من الخطوب.

    والواقع أن كثرة الحوادث وتنوعها وتتابعها واختلاف حظها من الخطورة، كل ذلك قد اضطر الإنسان إلى أن يحيا حياة خاطفة ويفكر تفكيرًا خاطفًا، ويصبح أمره كله خطفًا بأدق ما لهذه الكلمة من المعاني. ومن أشق الأشياء على أي إنسان في هذه الأيام أن يصوِّر لك أو لنفسه تصويرًا صحيحًا محيطًا ما كان من الحوادث في شهر واحد فضلًا عن أن يصور ما كان من الحوادث منذ شبت هذه الحرب.

    وأقل ما ينتهي إليه هذا كله من النتائج هو أن بعض هذه الحوادث يمر دون أن يستطيع الناس أن يفكروا فيه كما ينبغي أن يفكروا فيه، وأن يستخرجوا منه ما يمكن من العبر والعظات. فالحوادث تفقد قيمتها من هذه الناحية، ويصبح وقوعها ومرورها أشبه شيء بهذه الحقائق المألوفة التي يضربها الناس مثلًا لما لا يجدي التفكير فيه أو الحديث عنه. فهم يتحدثون عن انهيار الدفاع الألماني في إيطاليا، والتقاء الجيوش المتحالفة في ألمانيا كما يتحدثون عن الجو والمطر، لا يكادون ينتفعون بهذا الحديث ولا يفيدون منه عبرة أو موعظة؛ لأنهم لا يكادون يأخذون في هذا الحديث حتى تأتي أنباء أخرى تصرفهم عنه صرفًا عنيفًا.

    ولست أتخيل ولا أفلسف، وإنما هذه حقيقة واقعة، فقد كنَّا نتحدث أمس عن هذه الأحداث العظام، ولكننا لم نبلغ من الحديث أيسره حتى جاءت الأنباء بأن القيادة الألمانية تعرض التسليم بلا قيد ولا شرط على الإنجليز والأمريكيين دون الروس، وبأن الحلفاء لا يقبلون تسليمًا إلَّا أن يكون هذا التسليم لهم جميعًا لا لبعضهم دون بعض.

    وواضح جدًّا أننا شغلنا بهذه الأنباء الأخيرة عن الأنباء التي سبقتها، وشغلنا بها عن أنباء سان فرانسيسكو وما يحدث فيها من الخلاف والوفاق، وشغلنا بها عن أنباء أخرى لعلها كانت خليقة أن تضطرنا إلى كثير من الروية والتفكير.

    والواقع أن هذا النبأ الأخير خليق أن يشغلنا عن كل نبأ آخر، فقد انتهت الحرب أو قررت أن تنتهي. ويكفي أن نفكر في هذا لنستحضر من أعماق أنفسنا صورًا مروعة لتلك الأيام المروعة التي عشناها حين كانت الحرب تريد أن تبتدئ سنة ١٩٣٨، وحين قررت أن تبتدئ في الصيف من سنة ١٩٣٩.

    في تلك الأيام كان الناس ينظرون إلى المستقبل نظرات ملؤها الخوف والهول، ويستحضرون في أنفسهم كوارث الحرب الماضية، ويتصورون أن الحرب الجديدة ستجر عليهم كوارث أخرى لن تكون أقل منها هولًا، بل ستكون أدعى منها إلى الجزع والهلع. ثم لم تكد الحرب تعلن حتى أخذت تسعى سعيًا بطيئًا متلكئًا، وجعل الناس لا ينتظرون خيرًا من هذا البطء ولا من هذا التلكؤ، وإنما ينتظرون منهما الشر كل الشر والنكر كل النكر. وقد صدقوا فلم يأتِ شهر أبريل من سنة ١٩٤٠ حتى استحالت الحرب البطيئة المتلكئة إلى أهوال خاطفة متتابعة تلم بالنرويج والدنمرك. ثم لا يكاد العام يتقدم شهرًا حتى تلم بهولندا وبلجيكا وفرنسا، وإذا العالم يشهد شيئًا لم يكن يتصوره ولا يحسب له حسابًا؛ لأنه كان أضخم من أن يقدر وأعظم من أن يحسب له حساب، فقد انهارت هذه الدول الثلاث وانهارت فرنسا، تلك التي كان العالم يرى أنها أقوى دول الأرض، وأقدرها على مواجهة الألمانيين والثبات لهم في هذه الحرب، كما واجهتهم وثبتت لهم في الحرب الماضية حتى استطاع حلفاؤها أن يرسلوا إليها النجدات، وأن يعينوها على قهر العدو وإدراك الفوز. ولكنها في هذه المرة لم تستطع أن تثبت، وإنما انهارت في سرعة مدهشة سيكشف التاريخ عن تعليلها وتأويلها، وسيتبين أكان مصدرها الضعف أم كان مصدرها الخيانة أم كان مصدرها الضعف والخيانة معًا.

    ثم تتابع الحوادث سودًا حالكة حتى تملأ العالم ظلمة قاتمة، وحتى يوشك الأمل أن يكون شعاعًا ضئيلًا لا يكاد يضيء في نفوس الناس إلَّا قليلًا. فقد أعلن هتلر حربه على روسيا بعد أن اضطرت بريطانيا العظمى إلى موقف مروع. وقد جعلت جنوده تمعن في اكتساح الأرض الروسية حتى بلغت أبواب موسكو وهزَّ الناس رءوسهم ذات يوم حين قال متحدث من راديو موسكو: إن الألمان لن يدخلوا مدينتهم المقدسة.

    ثم تشب نار الحرب في الشرق الأقصى، وإذا اليابان تصب الكوارث على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الإمبراطورية البريطانية، وتلغي الإمبراطورية الهولندية إلغاءً، وتهدد الهند تهديدًا خطيرًا. وينظر الشرق فإذا هو مهدد بأن يؤخذ من جانبيه، فقد جعل رومل يدنو من مصر، وجعل الألمان يبلغون القوقاز، وظهر جليًّا أن الخطة المرسومة هي الإطباق على الشرق والاستيلاء على قناة السويس، وخنق الإمبراطورية البريطانية بقطع الطريق بين بريطانيا العظمى وبين الشرق من جهة، وإفساد المواصلات بينها وبين أمريكا بحرب الغواصات من جهة أخرى.

    هنالك زلزل الناس زلزالًا شديدًا، وهنالك زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بأنفسهم وباللَّه الظنون، ولم يثبت منهم إلَّا الذين أوتوا من الإيمان حظًّا أعظم من كل هول وأعمق من كل روع وأضخم من كل كارثة وأبقى من كل حادثة. هنالك كان هتلر يتحدث بأنه يغير العالم تغييرًا خطيرًا، ويرسم له حياته الجديدة لألف عام مقبلة. وهنالك كان هتلر حائرًا في اختيار المدينة التي سيملي فيها الصلح أيمليه في لندرة، أيمليه في موسكو، أيمليه في باريس!

    وهنالك كان موسوليني يتهيأ لدخول القاهرة ظافرًا منتصرًا، وليعلن فيها أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد بُعِثت بعثًا جديدًا. وهنالك كان الحلفاء يثبتون للخطب كرامًا، ويلقون الكوارث أباة، ويحتالون في الخروج من المآزق، يلطفون لأصدقائهم ويرفقون بأوليائهم، يبذلون الوعد عن سخاء، ويظهرون الود في غير تكلف، ويدعون إلى الحرية التي لا حد لها؛ حرية الأفراد في أمن من الخوف والجوع، وحرية الشعوب في أمن من الجور والعدوان.

    ثم مضت الحوادث متتابعة متلاحقة مشتبهة، لا يكاد يشرق فيها الأمل حتى تخفيه ظلمات متكاثفة من اليأس. وقد وفَى للحلفاء من وفَى، وانحرف عنهم من انحرف، وتردد من تردد بين الوفاء والانحراف. وكنَّا نحن من الأوفياء الذين لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يرتابوا، وإنما ثبتوا للهول منذ اللحظة الأولى. حتى إذا جد الجِد وعظم الخطب وبلغ الألمان أبواب الإسكندرية، وجعل الناس من الأجانب ينفرون من مصر خفافًا وثقالًا، يريدون أن يضعوا أنفسهم بمأمن من هذه الأهوال المظلمة والخطوب المدلهمة والموت الذي كان مستأنيًا يسعى على عجل — كما يقول الشاعر القديم — لبثنا نحن هادئين ثابتين لا يظهر علينا رَوع ولا جزع ولا انحراف، وإنما هو الجد والثبات كل الثبات والوفاء كل الوفاء والحزم كل الحزم. هنالك عرف النحاس باشا وزملاؤه كيف يظهرون للصديق والعدو أن مصر إذا عاهدت وفَت، وإذا قالت صدقت، وإذا جد الجِد ثبتت للحوادث وانتظرت الخطوب كما ينتظرها العزيز الكريم، لا يرضى الدنية ولا يلتمس الأمن في الغدر ونكث العهد والتنكر للصديق.

    ثم مضت الحوادث في طريقها مترددة شيئًا، ثم مقدمة لا تلوي على شيء وإذا العدو ينهزم عن مصر، ثم عن أفريقيا، ثم عن إيطاليا نفسها، وإذا موسوليني يقبض عليه مرة، ثم يفر ليقبض عليه منذ أيام، وإذا الحرب تعبر البحر إلى هتلر فتخرجه من فرنسا ومن بلجيكا كما أخرجه الروسيون من أرضهم ومن بولندا. وإذا ألمانيا تغزى من الشرق والغرب جميعًا. وإذا الروسيون يحررون شرق أوروبا ووسطها كما يحرر الإنجليز والأمريكيون غرب أوروبا وجنوبها. وإذا الروسيون يدخلون برلين على حين لم يستطع الألمانيون أن يدخلوا موسكو. وإذا البرق يحمل إلينا مساء أمس أن ألمانيا تعرض التسليم على بعض الحلفاء دون بعض، وأن الحلفاء يأبون إلَّا أن يعرض التسليم عليهم جميعًا.

    وإذن، فقد أرادت الحرب أن تنتهي في أوروبا، ومن الممكن أن تنتهي بعد ساعة وأخرى، وقد أخذت تلك الكواكب التي نشرت في العالم ذلك الضوء المنكر المخيف تتهاوى صراعًا، وأمَّا موسوليني فقد أخذ وأمَّا هتلر فيحتضر فيما يقال، وأمَّا الآخرون فسيؤخذون حتى يتم التسليم، وأمَّا الماريشال بيتان فينتظر المحاكمة في قلعة من قلاع باريس.

    وكذلك عاشت الإنسانية أعوامًا منكرة لم تعشِ قط ما يشبهها فيما امتلأت به من الشر والمنكر، وهي توشك أن تخرج من هذه الأعوام، ولكن إلى ماذا؟ أإلى حياة ملؤها الحق والعدل والخير والوفاء للذين وفوا، والانتصاف للذين أنصفوا، والاعتراف بالجميل للذين قدموا الجميل؟ أم إلى حياة كتلك التي ألفتها الإنسانية، قوامها تسلط القوي وظلم القادر وجور المنتصر واضطرار الضعيف إلى الاستسلام الذليل أو إلى المقاومة الثائرة؟ أو إلى انتظار الفرص وتربص الدوائر؟

    هذا هو السؤال الذي يلقى في كل ضمير حي، وفي كل قلب شاعر ذكي، وفي كل عقل مفكر متبصر.

    ومن المحقق أن الإنسان يحسن الانتفاع بالدروس أحيانًا، ولكن من المحقق أيضًا أن الإنسان طاغية، يسرع إلى البطر حين يستغني، ويسرع إليه البطر لينفذ من المشكلات وينتصر على الخطوب.

    ومن المحقق أيضًا أن في نفوس الناس ظمأً شديدًا إلى هذا العدل الذي طمعوا فيه حتى أعياهم الطمع، وطمحوا إليه حتى أجهدهم الطموح، ووُعِدوا به حتى أملتهم الوعود. وهم ينتظرون العدل واثقين بأنهم سيبلغونه، وإن كانت نذر السياسة تتحدث إليهم غير باسمة ولا مشرقة الوجوه. فقد حدثت في الشرق والغرب خطوب تشير إلى أن الإنسانية ما زالت غافلة ذاهلة تترك أمرها للأثرة، وتقيمه على المنافع العاجلة، وتَعِد حين تحتاج إلى المعونة، فإذا استغنت نسيت ما قدمت من الوعود، وجحدت ما قدم إليها من العون، وظنَّت أنها قد انتهت إلى الفوز الذي لا خوف بعده ولا قلق.

    نعم، وقعت خطوب في الشرق والغرب تشير إلى أن الإنسانية لم تتغير ولم تنتفع من هذه الدروس القاسية العنيفة، كما أنها لم تنتفع من دروس الحرب الماضية، والنتائج معروفة من غير شك. فكما أن السياسة التي بنيت في أعقاب الحرب الماضية على الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود قد أثارت الاضطراب في العالم كله، وانتهت إلى الحرب العالمية الثانية؛ فالسياسة التي ستقوم في أعقاب هذه الحرب ستنتج نفس هذه النتائج إلَّا أن تتخذ لنفسها أساسًا غير الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود.

    وإني لأنكر ما أسمع وأنكر ما أرى، وأريد أن أكذب الحوادث وأصدق الأمل، وأعتقد أن العالم الحديث أذكى وأبقى من أن يلدغ من جحر مرتين. ومن يدري؟ لعل الآمال تصدق مرة، ولعل الحوادث تكذب مرة، ولعل المنتصرين أن ينتفعوا بالدروس التي لم يدفع بها المنتصرون في أعقاب الحرب الماضية!

    كل هذا ممكن، ولكن من الممكن أيضًا أن تجري الأمور بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية. فالرجل الحازم هو الذي لا يستسلم إلى اليأس، ولكنه لا ينخدع بالأمل. وإنما يظل فطنًا حذرًا مترتبًا مالكًا لأمره ضابطًا لنفسه، لا يقبل ولا يرفض إلَّا عن روية وبصيرة وعن رضًا ويقين.

    وكم كنت أتمنى أن تأتي أخبار سان فرانسيسكو راضية مرضية، مؤذنة بأن آمالنا لا تخدعنا، وأن أمانينا لا تكذبنا، ولكني أرى بولندا ما تزال بعيدًا عن المؤتمر لم تدعَ إليه بعد، وأرى العالم العربي قد عمل في تأليف اللجنة التي توجه أعمال المؤتمر. ومع ذلك فهولندا هي الشهيدة الأولى من شهداء هذه الحرب، ومصر هي أصدق من وفَى للحلفاء حين امتحنوا بأهوال هذه الحرب وحين قل الأصدقاء الأوفياء.

  • صدقي باشا الذي

    حديث الوادي
    صدقي باشا الذي…
    إلى صديقي توفيق دياب
    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي…، وتستطيع أن تضع بعد "الذي" هذه ما شئت من الجمل، وتستطيع أن تصوغ هذه الجمل من النار، وأن تصوغها من الثلج، وأن تصوغها من شيء بين ذاك لا هو بالمسرف في الحر ولا هو بالمسرف في البرد، وأن تودعها ما أحببت من هزل، وأن تودعها ما أحببت من جد، وأن تصور فيها كما صور صديقنا توفيق دياب ما اقترف صدقي باشا من إثم، وما احتمل من وزر، وما جنى على المصريين في أنفسهم ودمائهم، وفي منافعهم وأموالهم، وفي حقوقهم وكراماتهم، وفي ضمائرهم وأخلاقهم، وأن تؤلف من هذا كله صوراً مؤذية لكل نفس نقية، ولكل قلب كريم، ولكل ضمير طاهر، ولكل إنسان مثقف متحضر، وتستطيع أن تملأ الصحف التي تصدر في الصباح، وفي مقدمتها "الجهاد"، والتي تصدر في المساء، والتي تصدر في كل يوم، والتي تصدر في مصر وفي غير مصر، وتستطيع أن تملأ بها المحاضرات والخطب والأحاديث التي تلقى في الأندية والمجامع، وتذاع في المجالس والمحافل، وتستطيع أن تملأ بهذا كله الأرض والسماء، في الجهر والسر، وفي النور والظلام، فصدقي باشا الذي سيرى هذا كله، وسيسمع هذا كله، وسيبتسم لهذا كله ابتسامة الهادئ المطمئن، وابتسامة الساخر المزدري، وابتسامة الذي لا يحفل بشيء لأنه لا يخاف شيئاً، ولا يشفق من شيء، ولا يحسب لشيء حساباً.
    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي… فعل ما شئت وما لم تشأ، وترك ما أحببت وما لم تحب، وازدري أمة بأسرها، وعذب شعباً كاملاً، وأهان وطناً كان يظن أنه لن يتعرض للهوان. صدقي باشا الذي… هذا، آمن مطمئن، لم تدعه للنيابة، ولم يقدمه أحد إلى القضاء، ولم يحاسبه أحد على شيء مما فعل، ولم يأخذه أحد بشيء مما ترك، وأغرب من هذا كله يا سيدي أنه قدم نفسه إلى البرلمان المنحل ليسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله، وأغرب من هذا يا سيدي أن الشعب الذي عذبه صدقي باشا وأذاه وأهدر حقوقه إهداراً، واستخف بكرامته استخفافاً، طلب إلى البرلمان المنحل أن يسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله.
    وأغرب من هذا كله يا سيدي أن صدقي باشا الذي… هذا ما زال قائماً باسماً ذاهباً جائياً، يتحدث في السياسة، ويكتب في السياسة، وينشر في السياسة، ويسعى في السياسة، وما زال الناس يسمعون له، ويفكرون فيما يقول، بل من الناس من يسعى إليه ليسأله عن رأيه فيما كان وعن رأيه فيما هو كائن وعن رأيه فيما سيكون، أرأيت يا سيدي أن صدقي باشا الذي هذا لا بأس عليه من أحد، ولا بأس عليه من شيء، وأنه ما زال يأمل ويرجو وينتظر ويتعلل بالأمل والرجاء والانتظار، ومن حوله نفر قد يكونون قليلين، ولكنهم مثله يأملون ويرجون وينتظرون ويقدرون أن الأمر قد يعود إليهم في يوم من الأيام.
    هذا هو صدقي باشا الذي تستطيع أن تكتب فيه ما شئت، ويستطيع الشعب المصري كله أن يبغضه ما وسعه البغض، ويستطيع الوطن المصري كله أن ينكره ما وسعه الإنكار، فلن يغير هذا من أمره شيئاً، سيظل كما كان صدقي باشا الذي، وسيظل كما كان هو اليوم صدقي باشا الذي…، ومن يدري لعله يصبح غداً أو بعد غد، في وقت طويل أو قصير، صدقي باشا الذي…، ولكن يجب أن تضع بعد "الذي" هذه جملاً أخرى كتلك التي كانت تضعها الصحف المؤيدة له، حين كان رجلاً عظيماً. كل شيء ممكن ما دام الذين يهدرون حقوق الوطن لا يسألون عما أهدروا من الحقوق، كل شيء ممكن ما دام الذين يسفكون دماء الشعب لا يسألون عما سفكوا من دماء، كل شيء ممكن ما دام الذين يبددون أموال الشعب لا يسألون عما بددوا من أموال.
    والغريب يا سيدي أنك تستطيع أن تنظر في الجو المصري، فلن ترى صدقي باشا الذي… وحده، بل سترى القيسي باشا الذي…، وسترى حلمي باشا الذي…، وسترى المنزلاوي بك الذي…، وسنرى كريم باشا الذي…، استغفر الله فهؤلاء الذين… ليسوا شيئاً لأنهم قد نزلوا من الحكم أو أنزلوا عنه، ولو إلى حين. ولكن انظر يا سيدي فسترى قوماً آخرين منهم من ظاهر صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… فيما اقترفوا من إثم، ومنهم من دفعهم صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… إلى ما اقترفوا من إثم، انظر يا سيدي إلى قوم لا يزالون يعملون في الحكم وإلى قوم لا تزال لهم مكانتهم وحظهم من الجاه، انظر يا سيدي إلى هؤلاء، كلهم مستمتع بمنصبه، كلهم مستقر في مكانه، كلهم منتفع بجاهه وسلطانه، كلهم تأجره الدولة لأنه أهدر كرامة الدولة، كلهم يرزقه الشعب لأنه عذب أبناء الشعب.
    انظر إلى هؤلاء جميعاً يا سيدي ثم اكتب صدقي باشا الذي… واملأ بها الصحف، ثم اخطب في صدقي باشا الذي… واملأ بخطبك الأندية والمحافل والأرض والسماء، فلن تغير شيئاً لأن شيئاً لن يتغير قبل أن يكون من المحقق أن الآثمين يجب أن يعاقبوا على الإثم، وأن الظالمين يجب أن يؤخذوا بالظلم، وأن دماء الشعب وأمواله ومنافعه لا ينبغي أن تذهب هدراً في بلد يقال إن له حظاً من حضارة وأنه خاضع لسلطان القانون.
    انظر يا سيدي إلى صدقي باشا الذي وإلى أصحابه الذين…، ثم حدثني ما خطبهم؟ كانوا وزراء، فاستباحوا ما لا يباح ثم أخفقوا فأبعدوا عن الوزارة إبعاداً ولكنهم انتفعوا بالوزارة فهم في آثار هذا الانتفاع، كانت لهم أجور يقبضونها أثناء الوزارة فلما أبعدوا أخذوا يقتضون المعاش، وهو قد يبلغ أحياناً نصف هذه الأجور، فالدولة ترزقهم لأنهم أساءوا إليها، والشعب يأجرهم لأنهم عذبوه، فما لهم يا سيدي لا يطولون وما لهم لا يستكبرون، وما لهم لا يأملون ولا ينتظرون، وما لهم لا يسخرون من الشعب ولا من حقوق الشعب، وما لهم لا يزدرون الكتاب وآثار الكتاب، وما لهم لا يتخذون الحياة لعباً وهزؤاً، وهل الحياة إلا لعب وهزؤ؟ انتظر يا سيدي حتى تستيقن بأن في مصر قانوناً محترماً يعاقب الوزير إذا أساء تصريف الأمر في الوزارة، ويعاقب المدير إذا أساء تصريف الأمور في الإدارة، ويعاقب الحاكم بوجه عام إذا اتخذ الحكم أداة للظلم، فإذا رأيت هذا القانون قائماً نافذاً محترماً فاكتب صدقي باشا الذي وأمثال صدقي باشا الذي، فقد يكون لهذه الكتابة نفع، وقد يكون لهذه الكتابة أثر في إرضاء العدل وإنصاف المظلوم، أما قبل أن يوجد هذا القانون وقبل أن يحترم، وقبل أن يصبح تنفيذه أساساً من أسس الحياة المصرية فإني أنصح لك أن تحتاط. أولاً لأن مثل هذه الكتابة لا يفيد، وثانياً لأن مثل هذه الكتابة قد يضر، بل هو محقق الضرر، فصدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… قد يعودون إلى الحكم، وقد رأيتهم حين كانوا يحكمون فأنت تعلم ماذا ينتظرك إذا عادوا، ولكنك ستقول لي ما أقوله لنفسي، وهو أن علينا أن نؤدي الواجب مهما تكن الظروف، ومهما تكن النتائج وليس يضيرنا أن يقصر غيرنا في أداء الواجب، وإذن فاكتب صدقي باشا الذي…، وسأكتب مثلك صدقي باشا الذي… وليكن ما يكون ولنحتمل ما سيكون كما احتملنا ما قد كان. ولعل الله أن يصلح من أمر مصر فلا يوجد فيها أمثال صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين…
    طه حسين
    الوادي، ٦ ديسمبر ١٩٣٤.

  • بين الادب والسياسة والمال

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة والمال
    وأظنك لاحظت من هذا العنوان أن عنصراً ثالثاً قد دخل بين الأدب والسياسة وهو المال. وأكبر الظن أنه لم يقحم نفسه إقحاماً بين هذين الصديقين، وإنما دُعي فاستجاب، لأنه سمع الدعاء، وإن لم يسمعه الكتاب والشعراء. فما زلت أقول اليوم كما كنت أقول منذ أسبوع، وكما كنت أقول منذ بدأت هذه الفصول، إن أدباءنا في شغل عن الحياة والأحياء، بهذه السياحة البعيدة التي ذهب إليها شياطينهم فلم يرجموا.

    والحق أني لست أدري أدخل المال بين السياسة والأدب أم دخل الأدب بين السياسة والمال؟ ولست أريد أن أمضي في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة، فقد أخشى أن يضحك القارئ أو يمل، وإن كنت أنا أجد في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة شيئاً من اللهو والمتاع. وكان أستاذنا سيد بن علي المرصفي رحمه الله أديباً عمّاً من طراز القرن الثالث أو الرابع للهجرة. وكان يدرس لنا الأدب على النحو القديم، وكان يسميه أدباً، وكنا نسميه أدباً كذلك. فلما دارت الأيام وأخضع الأزهر للنظام لقيته ذات ليلة حيران كئيباً ضيق الصدر، لأنهم غيروا درسه في الموضوع وغيروه في العنوان أيضاً فسموه تاريخ أدب اللغة، وكان الشيخ لا يفهم هذا الاسم ولا يسيغه، فجعل يسألنا: ولم لا يقولون تاريخ لغة الأدب؟ ولم لا يقولون لغة تاريخ الأدب؟ ولم لا يقولون لغة أدب التاريخ؟ وجعل يقلب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة ويستخرج لنا من صلاتها المتباينة ما أضحكنا وألهانا وقتاً غير قصير، ومنذ ذلك الوقت كلفت بتقليب الألفاظ على وجوهها، وأخذت أعمد إلى ذلك حين أظفر بالخلوة وفراغ البال، فأجد فيه راحة مما تحملني الحياة أحياناً من الجهد والعناء، ومع ذلك فلست أريد أن أقلب الأدب والسياسة والمال على وجوهها، وأن أستخرج ما يمكن أن يكون بينها من الصلات. وإنما أريد أن ألاحظ أن حياتنا اليومية قد فتحت للأدباء باباً طريفاً من الأدب لو أن أدباءنا يحسنون ولوج ما تفتح لهم الحياة من الأبواب.

    فالناس جميعاً يعلمون أن بين السياسة والمال صلات قوية لا تنتهي ولا تنتهي آثارها، فأصحاب المال يجدون في الإشراف على السياسة، وأصحاب السياسة لا يكرهون هذا الإشراف، وهم يستغلونه وينتفعون به، وتظهر آثار الصلة بين السياسة والمال في الحياة الداخلية والخارجية للدول، ومن الأوليات أن الصلة بين السياسة والمال هي التي تثير الحروب حين تثور الحروب، وهي التي تقر السلم حين يستقر السلم، وهي التي تؤثر في حياة البرلمانات، وفيما تتخذ من قرارات تنحرف بها إلى اليمين حيناً، وإلى الشمال حيناً آخر، وتتوسط بها حيناً ثالثاً بين هذا وذاك. وهي التي ترفع صوت الصحف، وهي التي تخفت صوت الصحف، وهي التي تأتي من الأعاجيب في حياة الشعوب ما يعلمه أمثالك وأمثالي من أصحاب السذاجة وما لا يتاح العلم به إلا للواقفين على الأسرار والعالمين بالدخائل والخفيات.

    كل هذه أمور يعرفها الناس والحديث فيها لغو، والإطالة فيها إملال، وقد طرقها الأدباء الأجانب ألف مرة ومرة وأحدثوا فيها آثاراً رائعة فيها الجد، وفيها الهزل، فيها ما يسر، وفيها ما يسوء.

    ولكن للسياسة والمال في مصر أحداثاً خاصة، كانت خليقة أن تثير عناية الأدباء لو أن الأدباء يعنون بما تعرض عليهم الحياة من الصور في كل يوم، وبين يدي الآن حادثتان، ولست أدري كيف أهملهما الأدباء، ولعلهم لم يهملوهما إلا لضيق الوقت، ولعلنا أن نرى عنايتهم بهما غداً أو بعد غد، وأنا على كل حال أعرضهما على الكتاب والشعراء، ونرجو أن نرى آثار عنايتهم بهما بعد حين:

    فأما الحادثة الأولى فقصة الرجل الطيب وهذه الحفلة التي أقامها في الإسكندرية احتفاءً بعيد الجلوس الملكي. ورؤساء الوزارات المصرية يحتفون دائماً بعيد الجلوس الملكي، هذا واجب يفرضه عليهم الإخلاص لمصر، ثم يفرضه عليهم الإخلاص لواجبهم السياسي من حيث هم رؤساء وزارات، وقد سمعنا احتفاء رؤساء الوزارات بأعياد الجلوس قبل الحرب حين كان في مصر أمراء، ومنذ الحرب حين كان في مصر سلاطين، ومنذ الاستقلال حين أصبحت مصر مملكة يدبر أمرها جلالة الملك حفظه الله. وسمعنا عما كان لهذه الحفلات من جمال وروعة، وعما كانت تثير هذه الحفلات من عناية وإعجاب، وعما كانت تستتبع هذه الحفلات من وصف وحديث، وعما كان يقال في هذه الحفلات من شعر مختلف الألوان. ولكن شيئاً واحداً لم نسمع عنه قط إلا حين كانت رياسة الوزارة إلى الرجل الطيب، وهو مقدار ما أنفق على هذه الحفلات من مال. فالنفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في مثل هذه الظروف، بل النفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في كل حفل اجتماعي يقصد به إلى الاحتفاء وتصوير الابتهاج، بما يثير الابتهاج في النفوس، ولكن نفقات الحفلة الأخيرة التي أقامها الرجل الطيب منذ شهرين، ذكرت وذكرت في دقة وتفصيل، فنحن نعلم أن الرجل الطيب قد أنفق في هذه الحفلة عشرين وثلاث عشرة مائة من الجنيهات. أستغفر الله العظيم، وأستغفر التاريخ وأستغفر رئيس الوزارة القائمة. فالرجل الطيب لم ينفق هذا المقدار وإنما أمر بإنفاقه، أمر بإنفاقه ووعد بالأداء، ثم لم يفِ بالوعد، قالت الجهاد، وقد طلب الكازينو إلى دولته أن يفي، فأجله يوماً، ثم أجله يوماً، ثم أجله أياماً، فلما ضاق الكازينو بالتأجيل، ترك الرئيس المستقيل وأقبل على الرئيس الجديد يطالبه بالأداء، في كتاب سجله في البريد تسجيلاً.

    ومن هذا الكتاب عرف أن الرجل الطيب أنفق ولم ينفق، وهم ولم يفعل، وجاد ثم بخل وأقدم ثم أحجم، وتقدم ثم تأخر، ودعا الناس ثم قال للمطعم دونك ومن طعم عندك، فخذ من كل واحد منهم ثمن ما أكل وثمن ما شرب، وثمن ما ابتهج!! ثم من هذا الكتاب عرفنا هذا كله، ولم نعرف بعد، ماذا تابع رئيس الوزارة القائمة، أأسرع إلى الدفع فما ينبغي لما أنفق في عيد الجلوس أن يكون ديناً، أم أحال على الرئيس المستقيل، فما ينبغي لمن أمر بالإنفاق أن يكلف غيره الأداء، أم أمر بالدفع ليرضى الدائنون، ثم بالرجوع على الرئيس المستقيل لترضى الخزانة؟!

    أسئلة قد يجيبنا عنها الغد، وقد لا يجيب، وقد لا تعنينا في هذا الفصل وإنما الذي يعنينا هو ما تثيره هذه القصة من الخواطر، وما ينبغي أن تطلق به ألسنة الشعراء، وتجري به أقلام الكتاب من القصائد والفصول.

    ففي الإقدام على الكرم والجود ثم الإحجام عن الوفاء والدين، ما أطلق ألسنة الشعراء، وأجرى أقلام الكتاب قديماً برائع الشعر وبارع النثر، وما ينبغي أن يكون شعراؤنا وكتابنا المحدثون أقل غناءً من كتابنا وشعرائنا الأولين. وفي إظهار المال حيث يجب أن يستخفي المال، مثار للشعر الجيد، والنثر الطريف. وفي الاستعداد للإنفاق حين تكون رئيساً للوزراء والنكوص عن الإنفاق حين تتحول عنك رياسة الوزراء مجال لشياطين الشعر، وعفاريت النثر إن كان للنثر عفاريت. وفي الاستخفاف بما يقول الناس والاستهزاء بما يظنون في أمر يجب أن يكون هيناً يسيراً أهون وأيسر من أن يدعو إلى القال والقيل، والتعليل والتأويل ما ينطق الشعراء، وإن كانوا خرساً، ويلهم الكتاب وإن كانوا قد فارقوا الكتابة منذ عهد بعيد.

    فهذه إحدى القصتين لم أستخرج كل ما فيها من الكنوز التي ينبغي لكتابنا وشعرائنا أن يستغلوها ليبينوا للناس أين يكون الخير، وكيف تكون السيرة حين يتاح لأحدهم أن يكون رئيساً للوزراء؟

    وليست القصة الثانية بأقل من القصة الأولى خصباً ولا بأقل منها تحريضاً لشياطين الأدب. فما رأيك في حزب الشعب وقد اشترى لنفسه داراً حين كانت رياسة الوزراء إلى رئيسه الأول ومضى في دفع ثمن الدار ما استقامت له الأمور، فلما تحول عنه الحكم وانصرف عنه الرئيسان وأحال الله لقوم من قوم وصرف الله السلطان عن ناس إلى ناس نكص الحزب عن الأداء، وقصر في الوفاء، وأخر القسط واضطر صاحب الدار إلى أن يحتجز أمواله في المصارف ثم لم يكفه ما انتهى إليه من هذا فأبى على صاحب العين أن يحتجز الثمن ورفع الأمر إلى القضاء فلما أجاز القضاء لصاحب العين أن يحتجز ما احتجز من المال أبى المشتري إلا أن يعارض في الحكم، سنشهد قصة هذه المعارضة ولعلنا نشهد خطوباً وأهوالاً بين صاحب الدار ومن اشتراها. فما رأى الأدباء في عسر بعد يسر، وفي ضيق بعد سعة، وفي بخل بعد جود. وما رأى الأدباء في أن هذا العسر إنما أقبل حين أدبرت الدولة، وفي أن هذا الضيق إنما هجم حين فر السلطان، وفي أن هذا البخل إنما أطبق حين تحولت الأمور وأصبح السيد مسوداً وأصبح المسود سيداً. وأصبح الحكم إلى نسيم بعد أن كان إلى صدقي وعبد الفتاح؟!

    ألا يظن الأدباء أن من التقصير في ذات الفن، ومن التفريط في حق الأدب، ومن الإعراض عما ينبغي لقرائه أن تمضي هذه القصة وأن تمضي القصة التي سبقتها دون أن يسجلهما الشعر في قصيدة من قصائده الرائعة ودون أن يخلدهما النثر في فصل من فصوله الحسان؟! لقد كان الشعراء الأولون ينظمون فيما هو أهون من ذلك وأيسر أمراً، وكان الجاحظ يكتب الرسائل في أمور لا تكاد تذكر إلى جانب هاتين القصتين، أفيرضى شعراؤنا وكتابنا أن يقصروا حيث لم يقصر الأولون، وهم يزعمون لأنفسهم التفوق، ويرون أنهم يجددون الأدب تجديداً؟! كلا ولكن شياطين الأدب قد ذهبت كما قلت لك في سطر بعيد ومن يدري؟ لعلها أن تعود فإذا النسيان قد طغى على هاتين القصتين وعلى ما هو أكثر خصباً من هاتين القصتين؟!

    طه حسين
    الوادي، ٥ ديسمبر ١٩٣٤.

  • ابن الثورة

    حديث الوادي
    ابن الثورة. . .
    وليس من المحتوم أن يكون ابناً باراً، فمن الأبناء من يؤثرون العقوق، ومن الأبناء من يدفعون إليه دفعاً، ويتورطون فيه تورطاً، ولكنهم على كل حال يقترفون إثمه الثقيل، يسيئون وكأن الناس ينتظرون منهم الإحسان، ويفسدون وكأن الناس ينتظرون منهم الإصلاح، ويخيبون الآمال وكانت الآمال فيهم بعيدة إلى غير مدى، واسعة إلى غير حد. وهؤلاء الأبناء الذين يقترفون الإثم أو يتورطون فيه، ليسوا مع الأسف الشديد قليلين بل هم كثيرون تشقى بهم الأمهات شقاءً مؤلماً ممضاً، ويضربون للناس أمثالاً سيئة أشد السوء، نافعة أعظم النفع. سيئة لأنها تغري الضعفاء وتستخف المتعجلين وتستهوي عشاق الوصول، ونافعة لأنها تعظ الأقوياء وتثير العبرة في قلوب الذين يريدون أن يعتبروا، وتقيم الأدلة للناس على أن نصر الله قريب، وعلى أن عدل الله أقرب من نصره، وعلى أن آخرة السوء سيئة مهما تكن الظروف، وعاقبة الخير خيرة مهما طال الانتظار.

    وكان ابن الثورة الذي نريد أن نتحدث عنه شاباً حين أدركته الثورة فلم تكتشفه حتى ألهبت فيه؟؟؟ وأثارت نفسه إثارة، وجعلته كله حركة ونشاطاً وجعلت لسانه شعلة من نار، لا يتحرك إلا إلى الثورة، ولا ينطق إلا بالثورة ثم ما زالت به حتى أخرجته عن منثور الكلام إلى منظومه ونقلته من الخطابة إلى الشعر، أو جمعت له من الخطابة ومحاولة الشعر. ثم مضت الثورة في طريقها موفقة تقتحم ما يعترضها من العقبات، فائزة لا تخيفها الخطوب، ولا تثنيها المصاعب، ومضى هو مع الثورة تابعاً لها، متأثراً بها صائحاً حين تريد الثورة أن يصيح، خطيباً حين تريد الثورة أن يخطب، متكلفاً الشعر حين يخيل إليه أن الثورة تريده على الشعر، ثم أذن الله للثورة أن تفوز، وقضى الله لرجال الثورة أن يلو الحكم، وجعل الله أمر مصر إلى عظيم مصر فلم يكد جلالة الملك يعهد برئاسة الوزارة الشعبية الأولى إلى سعد حتى اختار بين زملائه وأعوانه الأستاذ نجيب أفندي الغرابلي المحامي. وابتهج الناس يومئذ لانتصار الديمقراطية، ووثق الناس يومئذ بالزعيم واختيار الزعيم، وسخط بعض الناس يومئذ على هذه الديمقراطية التي قلبت الأمور في مصر قلباً، وغيرت أوضاع الحكم تغييراً ورفعت إلى منصب الوزارة رجلاً كان يغنيه ويرضيه منصب من المناصب الوسطى، وذكر بعض الناس يومئذ شاعراً يونانياً قديماً كره انتصار الديمقراطية في مدينة فنفى نفسه من الأرض، ورثى عهد الأرستقراطية وذم عهد الديمقراطية في شعر جميل ما زال بعضه محفوظاً إلى الآن:

    ثم ذكر بعض الناس هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة وما أصاب النبي وأصحابه من أذى، وما قضى الله بعد ذلك للإسلام من فوز وذكروا ما تحدث به بعض أصحاب النبي حين فتحت عليهم البلاد، من مصرع جماعة من المسلمين جدوا وجاهدوا وصبروا وصابروا، وغرسوا الشجرة المباركة ثم سقطوا في ميدان الجهاد قبل أن يصيبوا من ثمر هذه الشجرة شيئاً وبقاء جماعة آخرين أتيح لهم أن يعيشوا حتى يجنوا من ثمر الشجرة ألذه وأطيبه، وكان هؤلاء الناس يعدون نجيب الغرابلي بين الذين أتيح لهم الفوز، وقضي لهم أن يأكلوا من ثمر الشجرة هنيئاً مريئاً ثم حدثت الحوادث وعرضت الخطوب، وتلقى الرجل الحوادث مع أصحابه، وثبت الرجل للخطوب مع زعيمه وأصدقائه، ثم قيض الله سنداً له، وهو ينكر على الرجل؟؟؟ ولكنه لا ينكر عليه شيئاً كثيراً ومضى الرجل بعد وفاة الزعيم مجاهداً مع خليفة الزعيم، وفياً للثورة ورجال الثورة، وآمال الثورة أو مظهر من هذا الوفاء ما لا يثير في النفوس شكاً ولا ريباً. وشارك الرجل أصدقاءه في الحكم حين انتهى إليهم الحكم، وشاركهم في المحنة حين صبت عليهم المحنة، ثم عاد معهم إلى الحكم حين عادوا إليه. والظاهر من أمره في هذا كله واضح مستقيم، تؤكده الأيمان التي أقسمها، والعهود التي قطعها، والجهود التي بذلها.

    ثم أصبح الناس ذات يوم وإذا ابن الثورة يعق الثورة، وإذا ربيب سعد ينكر سعداً، وإذا صديق مصطفى يخرج على مصطفى، وإذا هو يسئ حتى إلى قوم تضامنوا معه ونصروه فعرضوا أنفسهم من أجله للسخط، ووقفوا أنفسهم معه موقف الريبة، وصرفوا عن أنفسهم من أجله ما كانوا يستمتعون به من ثقة الناس وحب الشعب، وحملوا أنفسهم من أجله تبعات ثقالاً فأي تبعة أثقل من تبعة الفرقة والانقسام؟

    جحد الرجل هذا كله وجعل الرجل هذا كله تحت قدمه ودبر أذنه، وجرى إلى المنصب حين دعي إلى المنصب، وخف إلى الحكم حين لوح له الإبراشي باشا بالحكم، ونظر الناس فإذا الغرابلي باشا وزير، وبحث الناس فإذا الغرابلي باشا كان يدبر أمره تدبيراً ويلتمس منصباً من مناصب الدولة عند الطاغية صدقي باشا، يبتغي إلى ذلك الوسيلة، ويوسط في ذلك الوسطاء ونظر الناس فإذا عهد الثورة قد قطع، وإذا الرجل قد حنث في أيمانه كلها، ومد يده إلى أعداء الثورة وإلى خصوم الدستور، وإلى محاربي الشعب، استغفر الله، بل عمل مع هؤلاء الناس وشاركهم فيما كانوا يقترفون من الآثام ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يعين عضواً في مجلس الشيوخ، ثم نظر الناس فإذا لسان الغرابلي باشا يستطيع أن يتحرك بيمين أخرى يقسمها ليكون للدستور الجديد مخلصاً وفياً، وإذا قلب الرجل وعقله وضميره مستعدة لتعقيد الأيمان، وتغيير الرأي وإنكار الماضي وجهل المستقبل والاستمتاع باللذة العاجلة في الساعة التي تمر. ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يحل ما كان يحرم، ويعرف ما كان ينكر، ويشترك في صب العذاب على الشعب البريء. ثم نظر الناس، فإذا الغرابلي باشا يشترك مع القيسي باشا في أخذ زعيمه القديم وأصدقائه القدماء بالعنف والبطش، يمنعهم من الانتقال إن أرادوا أن ينتقلوا، ويمنعهم من القول إن أرادوا أن يقولوا ومنعهم من الاستقالة إن أرادوا أن يستقيلوا ويسلط عليهم كل ما كان يشكو منه، حين كان لهم صديق، أو حين كان يظهر لهم المودة والوفاء.

    ثم تمضي الأيام وينقضي العام وإذا الله قد تأذن بأن دولة الباطل قد زالت، وبأن سلطان الشر قد زال وبأن ليل الشياطين قد انجلى، وبأن الظالمين قد آن لهم أن يعودوا إلى حجورهم مدحورين. ثم ينظر الناس فإذا الوزراء قد هووا عن الحكم، وإذا الغرابلي باشا قد عاد إلى داره وتقطعت الأسباب بينه وبين الديوان وأصبح كما كان في الصيف الماضي، إلا أنه فقد أصدقاءه جميعاً، وفقد مودة الشعب وكسب لنفسه بغض الشعب أو قل إعراض الشعب عنه، وازدراء الشعب لأمثاله، وزهد الشعب فيهم وفيه.

    أعاد إلى داره غنياً بعد فقر؟ ميسوراً بعد عسر؟ الله يعلم من هذا ما لا نعلم. ولكن الذي لا شك فيه أنه لم يعد إلى داره عزيزاً ولا كريماً ولا مستمتعاً بما يستمتع به الرجل العزيز الكريم من الثقة والحب والتأييد. سخط الناس عليه حين ولي الحكم، ولم يفكر فيه أحد حين أقصي عن الحكم، نسي نفسه فنسيه الناس، وأهمل نفسه فأهمله الناس، ذلك أن الثورة قد عادت تستأنف شأوها بعد أن انقطع، وتمضي أمامها بعد أن وقفت بها الطريق، ونظر رجال الثورة فإذا منهم متخلفون، منهم من حايد حياداً مدخولاً، ومنهم من حارب حرباً آثمة، ولكنهم نظروا فإذا طول المحنة واتصال الفتنة وظهور الحق وانخذال الباطل، كل ذلك قد ضم إليهم قوماً كانوا يخاصمونهم، ورد إليهم قوماً كانوا ينكرونهم، فقوي جند الثورة قوة لا حد لها وتغلغل حب الثورة في نفوس الشعب إلى غير حد، وعظم يقين الشعب بثورته، وحرص الشعب على أن ينتهي بها إلى غايتها الكريمة، وسقط في الطريق قوم زلت ببعضهم الأقدام وزلت ببعضهم الأخلاق، وقصرت ببعضهم الضمائر حتى عن الوفاء للأصدقاء.

    إن في قصة هذا الابن من أبناء الثورة لعظة للشباب المصريين، يجب أن يتدبروها، وأن يفكروا فيها فيطيلوا التفكير، إنهم إن نظروا إلى تاريخ الغرابلي باشا وإلى قوته الأولى ثم ما أصابه من الضعف ثم ما أدركه من الانخذال، ثم ما يلقاه الآن من الجزاء، كانوا خليقين أن يكونوا رجالاً حقاً، وأن يعرفوا أن أشد الأشياء عداوة للإنسان إنما هي هذه النقمة العاجلة التي تفسد عليه أمره، وتضيع عليه ماضيه، وتحيل مستقبله حظاً قاتماً مملوءاً بالشبهات.

    فليفكر الشباب في قصة الغرابلي باشا فقد ألقت الأيام عليهم بهذه القصة درساً ناقماً بليغاً خليقاً بالتفكير.
    طه حسين
    الوادي، ١٧ نوفمبر ١٩٣٤.

  • توفيق٢

    حديث الوادي
    توفيق. . .
    قضاه الله عز وجل لمصر، بعد أن قضى عليها لمحنة أكثر من أربعة أعوام، فكان ابتهاج الشعب له، واغتباط الشعب به مكافئين لما أصاب الشعب من بؤس بالمحنة واكتئاب للفتنة، وكان شكر الشعب لله عز وجل على حسن العاقبة، مكافأة لرضى الشعب بقضاء الله عز وجل فيما قضى من محنة وما ابتلى به من فتنة، وما محص الناس به من أذى في الأنفس والأموال وفي المنافع والمرافق وفي الضمائر والأخلاق.
    نعم توفيق قضاه الله للأمة جزاءً على صبرها الطويل، واحتمالها الكريم لما سلط عليها من كوارث، وما بسط عليها من ظلم، وما فرض عليها من جور، والحمد لله على ما ابتلى به فقد كان في ذلك تطهير للقلوب، وتنقية للضمائر، وتصفية للطباع، وتمييز للخبيث من الطيب، وتفرقة بين المخلصين والمنافقين، وإظهار لرجولة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم رجال، وإعلان لكرامة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم كرام، وإشادة بأباء الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم أباة للضيم، وتنويه بمروءة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم حماة للوطن وحملة للأمانة ووافون بالعهد وقادرون على أن يضحوا بكل شيء إلا بالوطن وما ينبغي له من العزة والأنفة والكرامة والاستقلال. والحمد لله عز وجل على أن أظهر من هذا كله ما أظهر، وبين للعالم الحديث أن مصر الحديثة خليقة بمصر القديمة، فيها صبر وجلد، وفيها عزة وإباء، وفيها سمو وطموح، وفيها استهزاء بالأقوياء، وفيها ازدراء للظالمين، وفيها أنفة من الذل، وفيها نهو عن الخضوع والإذعان. والحمد لله الذي أظهر للعالم الحديث، أثناء هذه الأعوام الطوال الثقال، أن مصر الحديثة خليقة بما تطمح إليه من أمل، وما تطمع فيه من استقلال، وما تسمو إليه من مثل أعلى، تلم بها الخطوب فلا تجزع للخطوب، وصب عليها الشر فلا تفرق للشر، وينجم فيها المجرمون فلا تؤبه للمجرمين، ويكاد لها الكيد فلا تتورط في الكيد، ويسلط عليها الإغراء فلا يزدهيها الإغراء، وتزين لها الأماني فلا تخدعها الأماني، وإنما تظل في مكانها ثابتة ثبات هذه الجبال التي تكتنف واديها من جانبيه، صافية القلب والضمير والنية، صفاء هذا الجو الذي يبعث فيها الحركة والحياة، ساعية في جد وحزم، وأناة، ونشاط، سعي هذا النهر الذي يمنحها الخصب والبركة والجمال، عظيمة في نفسها، وفي نفس أعدائها وأحبائها.
    عظمة هذا البحر الشاهد بما كان لها من مجد قديم، الأمل فيما سيكون لها من مجد حديث. والحمد لله الذي أظهر في هذه الأعوام الطوال الثقال أن مصر ليست حمقاء ولا خرقاء، وأنها ليست طائشة ولا مستسلمة للأهواء، وأن مصر تريد ما تريد عن فهم، وتأتي ما تأتي عن عزم ويقين، وأن لمصر زعماء لا يقدمون إلا إذا فكروا وقدروا ودبروا، فإذا أقدموا لم يعرفوا تردداً ولا إحجاماً، وإذا هموا لم يعرفوا ضعفاً ولا استسلاماً، وإذا صمموا لم يعرفوا خوفاً ولا إشفاقاً، تكتنفهم الأهوال فيبتسمون للأهوال، تثار أمامهم المصاعب فيضحكون من المصاعب، قد آمنوا بالله والوطن فاعتمدوا على الله ووثقوا بالوطن ومضوا في طريقهم لا يستشيرون إلا ما يملأ نفوسهم من إيمان وما يعمر قلوبهم من ثقة ويقين. . .
    والحمد لله الذي أظهر أن هذا الرجل الذي يسمونه النحاس، والذي يقول فيه القائلون ويظن به الظانون، هو ابن مصر خليق بأن يكون ابنها البر، وهي خليقة أن تكون أمه الرؤوم، هو ابن مصر الذي تستطيع أن تمنحه حبها لا حد له، وهي واثقة أنها لا تبلغ مكافأته على وفائه لها ونضاله عنها. وهو خليق أن يبذل في سبيلها أمنه ودعته وحياته وهو مطمئن إلى أنه لم يؤد إليها ما ينبغي لها من حق، إنما تمنحه مصر ما تستطيع الأمم أن تمنح أبناءها، وإنما يمنح هو مصر ما يستطيع الأبناء أن يمنحوا أممهم، وإنما الجزاء الأوفى لهذا الرجل على إخلاصه ولهذه الأمة على وفائها وتأييدها عند الله وحده الذي يستطيع أن يعطي بغير حساب، والذي لا حد لقدرته ولا حد لرضاه حين يرضى، ولا حد لسخطه حين يسخط:
    نعم والحمد لله الذي أتاح لهذا الرجل الضعيف أن يكون أقوى المعاصرين من مواطنيه بعزمه وحزمه، وبيقينه وإيمانه، وأتاح لهذا الرجل الفقير أن يكون أغنى المعاصرين من مواطنيه بقلبه الذكي وضميره النقي وحلمه الراجح وبصيرته الثاقبة ونظره البعيد.
    نعم والحمد لله الذي جعل لواء مصر إلى رجل يعرف كيف يحتفظ باللواء نقياً كريماً لا يصيبه دنس، ولا يعرض له ذل ولا هوان.
    والحمد لله على هذا كله وعلى أكثر من هذا كله. على ما تستطيع مصر أن تحصي وما لا تستطيع أن تحصي من محنته حين امتحن، ومن نعمته حين أنعم، ومن بره بمصر ورعايته لها على كل حال. هؤلاء الطغاة قد خنسوا بعد أن ملأوا الأرض تجبراً وتكبراً وقد استكانوا بعد أن ملأوا الجو تعالياً وغروراً وقد استخذوا وعادوا إلى جحورهم، بعد أن انتشروا في الجو كما تنتشر الطير الخبيثة باعثة فيه صياحها الخبيث.
    هؤلاء الطغاة قد نكصوا على أعقابهم خجلين وجلين بعد أن دعاهم الشيطان، فاستجابوا له لا يرعون عهداً قديماً ولا يرعون حقاً للوطن، ولا يرعون حرمة للشعب، ولا يرعون كرامة لأنفسهم، زين لهم شيطانهم باطلاً فأسرعوا إليه، وتهافتوا على منافعهم الدنيئة كما يتهافت الذباب على أحسن الطعام.
    هاهم أولاء قد سكتوا فلا ينطقون، وسكنوا فلا ينشطون، وخمدوا فلا يعملون. هاهم أولاء يودون لو ابتلعتهم الأرض أو اختطفتهم السماء. هاهم أولاء لا يستطيعون أن يظهروا لمواطنيهم وقد كانوا لا يريدون أن ينظروا إلى مواطنيهم. دعاهم الشيطان فأسرعوا إليه، ثم انخذل عنهم الشيطان فانخذلوا عن أنفسهم، لقد كانوا يجمعون الجموع، ويؤلبون الأحزاب ويجعلون أمرهم إلى عظيمهم صدقي يريدون أن يقاوموا الحق، والحق لا يقاوم، يريدون أن يثبتوا الباطل والباطل لا يثبت، يريدون أن يقروا الجور والجور لا يستقر، يريدون أن يذلوا مصر ومصر أعز من أن تذل وأمنع من أن تضام – لقد جمعوا الجموع وألبوا الأحزاب وألقوا الخطب وهيأوا المذكرات وأنفقوا الأموال، واستأنفوا شراء الضمائر وإفساد الأخلاق، ثم أين هم الآن؟ ما بال جموعهم لا تأتلف وما بال أحزابهم لا تتألب، وما بال خطبهم لا تلقى، وما بال مذكراتهم لا ترفع، وما بال لجنهم لا تذود عن النظام ولا تدافع عن الدستور. لقد خنسوا واستذلوا واستسلموا للقضاء، وأخذ الماهرون الماكرون منهم يتهيأون لتغيير الرأي ويتأهبون لتحقيق المنافع، وينتظرون أن ينساهم الناس قليلاً حتى إذا مضت عليهم أشهر ظهروا من جديد يبتغون الوسيلة إلى الوزراء، ويتقربون إلى الحكام، ويلتمسون منافعهم العاجلة لأنهم لا يقدرون إلا على التماس منافعهم العاجلة.
    أين صدقي وأصحاب صدقي؟ أين عبد الفتاح وأصحاب عبد الفتاح؟ أين الإبراشي وجنود الإبراشي؟ أين وزير التقاليد وسخف وزير التقاليد؟ أين صبري والصبريات؟ أين القيسي وما سلط على أجسام المصريين من عصي وسياط، وما صب على أموال المصريين من عبث وفساد؟
    أين كبار الموظفين الذين صغروا في أنفسهم فأصبحوا أدوات للطغاة؟ أين الجنود والأعوان؟ أين المسيرون والمسخرون؟ لقد ذهبوا جميعاً. واستكانوا وآوى كل منهم إلى وكره يدبر أمره لعله يحس الحياء في العصر الجديد.
    ما أشد حاجة مصر إلى الحزم والعزم، وإلى عقاب الظالمين على ظلمهم، وأخذ الطغاة بطغيانهم وإلى أن تصب على هؤلاء القوم مثل ما صبوا على الأبرياء، ما أشد حاجة هؤلاء الناس إلى أن يذوقوا مثل ما أذاقوا الناس! ولكن إن عجزت مصر عن أن تعفو عن هؤلاء الناس، فإنها لا تعجز عن أن تزدريهم ازدراءً وتنبذهم نبذاً، وتضعهم حيث أرادوا أن يكونوا عبيداً للمنافع وجنوداً للشياطين.
    فالحمد لله على أن أخرج مصر من ظلمة إلى نور. وعلى أن جلى عن مصر ذلك الليل البهيم ليل الفساد والشر، وعلى أن رد على مصر حقها في الحرية والأمن والنظام الذي ترضاه.
    الحمد لله خالصاً على هذا كله، والتهنئة لمصر وزعمائها خالصة بما قضى الله لها ولهم من توفيق، والخزي الدائم للطغاة والظالمين.
    طه حسين
    الوادي، ١٥ نوفمبر ١٩٣٤

  • ليل الشياطين

    حديث الوادي
    ليل الشياطين…
    كانت السماء صفواً كأصفى ما عرف الناس، وكان الجو صحواً، كأصحى ما عرف الأحياء، وكانت الشمس مشرقة رائعة الإشراق، يترقرق ضوؤها الجميل في طبقات الجو فيملأ الكون حياة ونشاطاً وبهجة وجمالاً ويفعم قلوب الناس، أمناً وحباً للأمن وسلاماً وحرصاً على السلام.
    وكان الناس فرحين مرحين، قد ارتسمت على وجوههم ابتسامات حلوة للحياة، تصور ما في نفوسهم من ثقة بالحياة واطمئنان إلى هذا الهدوء الذي أسبغه الله عليهم إسباغاً فغمر نفوسهم وقلوبهم وملأ ضمائرهم بالغبطة والرضا والاطمئنان، كان منهم المقبل على عمله محباً له وراغباً فيه، وكان منهم المنصرف عن عمله يلتمس الراحة والاستجمام، ويتهيأ لاستئناف نشاط خصب جديد. وكانت أمور الحكم إلى قوم قد أحبهم الشعب وأحبوه، ورضي الشعب عنهم ورضوا عنه، يحملون الأمانة في قوة وحزم وجلد، وثقة بالله، واطمئنان إلى الناس ويصرفون الأمر حراساً على الحق والعدل لا يتوخون إلا أن يرضى الدستور والقانون وأن ترتفع ضمائرهم عن كل ما يثير فيها ألماً أو ندماً أو حزناً أو حاجة إلى الاعتذار يثيبون المحسن، ولا يشطون في عقاب المسيء ولا يبطشون إلا بمن يعد التغاضي عنه إثماً وتفريطاً والناس في هذا كله راضون مبتهجون، فإذا سحاب يظهر من بعيد، لا يكاد الناس ينظرون إليه لأنهم لا يكادون يحفلون به، ولا يكادون يتوقعون منه مكروهاً ولكن السحاب يدنو ويدنو ثم يسبقه أزيز خفيف ثم يشتد هذا الأزيز، وينتشر في الجو، ثم يدنو السحاب ويدنو فيزداد هذا الصوت الذي يتقدم بين يديه قوة وانتشاراً، وإذا هو جلجلة الرعد، وعصف الزوبعة وقصف الريح. وإذا صفو السماء قد استحال كدراً، وإذا صحو الجو قد استحال قتاماً، وإذا الشمس الجميلة المشرقة قد استخفت فجأة وراء هذا السحاب المنكر البشع القبيح، وإذا الهول قد أخذ الناس من كل وجه، وإذا الشر قد سلط عليهم من كل مكان وإذا الروع قد سلك إلى قلوبهم كل سبيل، وإذا الأمن قد محي من قلوبهم محواً، وإذا الأمل قد أغلق في وجوههم إغلاقاً، وإذا هم في ظلمة منكرة مطبقة، كثيفة لا يرون فيها شيئاً ولا يسمعون فيها شيئاً ولا يعرفون فيها إلى أين يذهبون: أيقبلون أم يدبرون. نستغفر الله، فقد كانوا يرون أشباحاً منكرة مروعة، لا يعرفون من أين جاءت، أهبطت من السماء؟ فما كانت السماء قط منزلاً للشياطين، أم انشقت عنها الأرض؟ فقديماً تحدث الناس بأن الشياطين تعيش تحت الأرض، أم امتطت متن الرياح والعواصف من أماكن بعيدة نائية حتى أقبلت على مصر، فأفسدت عليها وعلى أهلها كل شيء؟ أخذ الناس لا يرون في هذه الظلمة إلا هذه الأشباح القباح وأخذ الناس لا يسمعون في هذه الظلمة إلا أصواتها المنكرة تتأذن بأن عهد العدل قد انقضى، وبأن ظل الحق يجب أن يزول، وبأن سلطان الباطل يريد أن يبسط ظله على الأرض بسطاً، وبأن جنود الباطل قد أقبلوا يحتلون القلاع، ويغلبون على الحصون. ثم ما هي إلا لحظات، حتى تأذنت أصوات الشر، بأن صدقي باشا قد وثب إلى الحكم وثوباً، وبسط عليها يده في غير عدل ولا حق ولا نظام، ولا قانون، ولا رعاية لمنفعة ولا احتفاظ بكرامة، ولا حرص على رضى الخلق والضمير.
    غربت شمس الحق فجأة وأقبل ليل الباطل فجأة ونجم شياطين الباطل من كل مكان، وملأوا الجو باضطرابهم المنكر وصياحهم القبيح، ونشروا في الأرض فساداً لم تعرفه الأرض من قبل وألقوا على الناس ذلاً لم يعرفه الناس من قبل وأقاموا الطغيان صرحاً كان الناس يظنون أنه لن يقام.
    أتعرف هذا الليل الطويل الثقيل؟ أتعرف ما يقبل به الليل الطويل الثقيل من هموم وأوجال على الأيقاظ حين يأخذهم الأرق، وما يقبل به الليل الطويل الثقيل من خوف وروع، ومن جزع وفزع، ومن هلع واضطراب، على النيام حين يغشاهم الكابوس؟ أتعرف هذا كله؟ أتصور لنفسك هذا كله؟ إذن فقد أقبل هذا الليل الطويل الثقيل ليل الشياطين على الناس بشر من هذا كله وأقبل على بعضهم بالموت يسعى سعياً. وأقبل على بعضهم بالألم يسعى مختفياً حيناً وبادياً حيناً آخر وأقبل على بعضهم بعذاب الضمير، وأقبل على بعضهم بفساد الخلق، وأقبل على بعضهم باجتياح الأموال وأقبل على بعضهم بانتهاك الحرمات، وأقبل عليهم جميعاً بالذل الشامل، والظلم العام، وبالقيود والأغلال لتقيد بها الحرية وتغل ولتعقد بها الألسنة فلا تقول، ولتحطم بها الأقلام فلا تكتب، وليضطر الناس بها إلى السكون فلا يتحركوا وإلى التفرق فلا يجتمعوا، وليصغر بها الناس في أنفسهم وليصغر بها الناس في أنفس غيرهم، ولتصغر بها مصر في أعين البلاد المتحضرة. بهذا كله وبشر من هذا كله أقبل على مصر والمصريين ليل الشياطين.
    فتح صدقي باشا بابه، واستقر صدقي باشا على منصة الأمر والنهي فيه وأخذ صدقي باشا يأمر فتطيع الشياطين، ويدبر فتنفذ الشياطين يعبس فتضطرب الشياطين خوفاً ووجلاً. ويبسم فترقص الشياطين رقصاً منكراً مخيفاً، وقد استقرت من وراء صدقي باشا قوى تسيره، وتسخره، وتلقي على وجهه غشاء العبوس حيناً، وطلاء الابتسام حيناً آخر، والرجل يتلقى غشاء العبوس ويظن أنه يعبس، ويتلقى طلاء الابتسام ويظن أنه يبتسم، ويصدر الأمر الذي يتلقاه، ويظن أنه يأمر، ويعلن التدبير الذي يهبط إليه، ويظن أنه يدبر تمثال ظن أنه إنسان وصورة قدرت أنها شخص حي.
    ما أشد الغرور، وما أعظم سلطانه على الناس. لقد اغتر صدقي باشا فظن نفسه شيئاً، واغتر أصحابه فظنوا أنفسهم وزراء. وما زالت العواصف تعصف، وما زالت الشياطين تعمل، وما زال صدقي باشا وأصحابه يتلقون ويلقون ويأتمرون ويأمرون إلى أن ضعف الرجل، حتى عن أن يكون أداة، وعجز حتى عن أن يكون صورة، أدركه المرض، ثم أدركه الفشل، ثم رغب عنه مسخروه، وقال قائلهم إن هذا الرجل مغرور، فلننصرف عنه إلى رجل غير مغرور. وقال قائلهم إن هذا الرجل يرى نفسه شيئاً فلننصرف عنه إلى رجل يرى أنه ليس شيئاً. وقال قائلهم إن الرجل الطيب في باريس وجاءوا بالرجل الطيب، فأقاموه مقام الرجل العظيم دعوه فاستجاب، وأقاموه فقام، وأمروه فأتمر. ومضى ليل الشياطين طويلاً ثقيلاً لا يكاد ينقضي بل لا يكاد يتقدم، ولكن الشمس أشرقت فجأة كما غربت فجأة، ولكن السماء صفت ولكن الجو صحا، ولكن السحاب قد أخذ ينأى وينأى، ولكن صوت الرعد قد أخذ يخف ويخف، وها نحن أولاء نرى السحاب ينأى ويغلو في النأي، ونرى جلجلة الرعد، وعصف الزوابع، وقصف الريح قد استحالت إلى أزيز يخف ويخف وترى الأمن قد أخذ يسلك سبله إلى القلوب ثم تنظر فترى الرجل الطيب، يصعد إلى القطار في الإسكندرية عائداً إلى القاهرة ليصرف الإهمال فيها حتى يتقدم إليه صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فيجهز على هذا العهد إجهازاً ويريح رجاله وأنصاره من هذا الاحتضار الطويل. أرأيت إلى الجند حين يقضى عليهم بالموت، وحين ينفذ فيهم القضاء؟ إنهم يصرعون، ثم يتقدم إليهم من ينفذون فيهم الحكم، فيريحونهم بطلقة أخيرة من نزع الموت وصراع الألم، فإن قضاء الله قد صدر على هذا العهد وإن حكم الله قد نفذ في هذا العهد، وإن هذا العهد قد صرع، وإنه ينتظر الطلقة الأخيرة التي تلقي عليه ستار الفناء وتريحه من كل ألم، وتسلمه إلى التاريخ وإن هذه الطلقة آتية لاريب فيها، آتية اليوم أو آتية غداً، آتية على كل حال. ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نراه يتخبط ويحتمل ثقل الآلام لسكرات الموت، فقد كان هذا العهد يجد اللذة الآثمة في عذاب الأبرياء فليس على الأبرياء بأس من أن ترتاح ضمائرهم لنفاد عدل الله وعلو كلمة الشعب.
    إنا لنسمع صيحات ضئيلة تضطرب في أنحاء الجو يحسبها الناس دفاعاً عن هذا العهد، وجهاداً في سبيل الإبقاء عليه.
    كلا إنها لصيحات اليأس، إنها لأنات الاحتضار، إنها لنذر الفناء إن المصريين خليقون أن ينظروا فإن الصبح قد أخذ يسفر، إن المصريين خليقون أن يبتهجوا فقد انجلى عنهم ليل الشياطين.
    طه حسين
    الوادي، ٨ نوفمبر ١٩٣٤

  • احتضار

    حديث الوادي
    احتضار . . .
    كان طويلاً ثقيلاً هذا الاحتضار، الذي ظلت الوزارة تقاسي آلامه، وتعاني سكراته، لا يوماً ولا يومين، ولا أسبوعاً ولا أسبوعين، بل أسابيع متصلة.
    ولم يكن طول هذا الاحتضار نتيجة لقوة الوزارة وحظها العظيم من الحياة، وقدرتها على مغالبة الموت ومقاومة الفناء، فأمرها أيسر من هذا وأهون، وهي أضعف من أن تثبت لهبوب النسيم، فضلاً عن عسف الريح فضلاً عن قصف الرعد. وإنما أطالت الظروف احتضارها عن عمد لأنها كانت وما زالت حائرة مضطربة لا تدري كيف تحل هذه الأزمة، ولا تعرف كيف تخلص من هذه المشكلات التي أثارها انهيار هذا العهد الزائل، وقد يكون طول هذا الاحتضار في نفسه ثقيلاً بغيضاً مملولاً مفعماً بالخطر على المصالح العامة، ولكنه مع ذلك لم يخل من فائدة، ولم يبرأ من منفعة للشعب من ناحية وللإنجليز من ناحية أخرى، وللوزراء أنفسهم من ناحية ثالثة، فأما الشعب فقد زاده النظر الطويل إلى هذا الاحتضار الثقيل وما يحيط به من التحلل والفساد وانتشار الأمر إيماناً إلى إيمان ويقيناً إلى يقين وثقة إلى ثقة، فرأى كيف تنهار العهود التي لا تعتمد على إرادة الشعب ولا تستند إلى ثقته ولا تستمد قوتها من قوته، ولا تكون صورة لآماله ومثله العليا، ورأى كيف تصبح الوزارات التي لا يؤيدها الشعب عرضة للعبث لا تستطيع أن تبرم ولا أن تنقض، لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا تستطيع إلا أن تستسلم وتستخزي وتستكين، ثم رأى كيف يستطيع الشعب المؤمن بنفسه الحريص على حقه، المحتفظ بكرامته، أن يثبت للخطوب حتى يقهرها، وأن ينفذ من المحن المتراكمة كما ينفذ السهم من الرمية، قوياً نقياً، وصلباً ثابتاً جريئاً، لا يقدر عليه شيء، ولا يفسد أمره كيد ولا تنال منه المحن والأهوال. وأما الإنجليز فقد انتفعوا من طول هذا الاحتضار لأنهم رأوا أن الشعب الذي يخاصمهم ويقاومهم شعب شريف لا يميل مع الهوى، ولا تعبث به الشهوات، وشعب حصيف لا تخدعه الأماني، ولا تغره الأباطيل، وشعب صلب لا تثنيه الخطوب، ولا ترده الحوادث عما يريد، وشعب جاد كل الجد، مصمم كل التصميم، لم ينهض لاعباً، ولم يثر عابثاً، ولم يطالب بالحق وهو مستعد للتفريط في الحق. رأى الإنجليز هذا الشعب ورأوا منه كيف كان مستقيماً في الخصومة، شريفاً في النضال، فطناً يعرف ما يأتي ويعرف ما يدع، ولو كان شعباً مغروراً ضعيفاً تذهب به الأهواء كل مذهب، لاقتسمه الفريقان المختصمان بينهما فذهب الإنجليز بشطره وذهب الإبراشي باشا وأصحابه بالشطر الآخر. أولئك يخدعونه لأنهم سينقذونه من الشر، وسيكشفون عنه الضر، وهؤلاء يخدعونه، لأنهم يذودون عن استقلاله، ويدافعون عن حقوقه، ولكن الشعب المصري الفطن اليقظ الحذر لم ينخدع للإنجليز لأنه لا ينخدع للخصم مهما يكن شريفاً ولم ينخدع للإبراشي باشا وأصحابه لأنه لا ينخدع للذين اعتدوا على حقه وأهدروا سلطانه، وأرادوا أن يسوسوه كما تساس القطعان. لم ينخدع لأولئك ولا هؤلاء وإنما قام كريماً شريفاً نزيهاً بين أولئك وهؤلاء، يرقب مكر بعضهم ببعض وكيد بعضهم لبعض. وسجل على أولئك وهؤلاء ما يقولون وما يعملون وينتظر مؤمناً واثقاً ساعة الفوز، التي يهزم فيها الباطل وينتصر فيها الحق، وترد إليه فيها حريته كاملة وحقه غير منقوص.
    وأما الوزراء فقد آلمهم الاحتضار الطويل، وشق عليهم النزع الثقيل، ولكنهم مع ذلك انتفعوا إن كانوا قادرين على الانتفاع، واعتبروا إن كانوا قادرين على الاعتبار ورأوا أن السلطان لغو إذا لم يصدر عن الشعب، وأن الجاه باطل إذا لم يكن صورة لحب الشعب، ورأوا أن عدل الله واقع وإن ظهر للناس أحياناً أنه بطيء، ورأوا أن الذين يستطيلون على الشعب ويستبدون بحقوقه، منتهون دائماً إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا منذ عام وإلى مثل ما ينتهون إليه اليوم، تعصف بهم الريح وتعبث بهم الحوادث، فلا يجدون حصناً يأوون إليه، لأنهم أضاعوا حصنهم الحصين وهو حب الشعب، ولا يجدون ترساً يثقون به لأنهم أضاعوا ترسهم المتين وهو رضى الشعب، حتى إذا زال عنهم السلطان وتفرق عنهم الأنصار نظروا إلى أنفسهم فإذا هم لا يزنون شيئاً ولا يعدلون شيئاً، وإذا النفوس عنهم منصرفة والقلوب لهم مبغضة، والألحاظ لا ترمقهم إلا بإشفاق يملؤه الاستنكار.
    فإن احتضاراً طويلاً ثقيلاً هذا الذي خضعت له الوزارة أسابيع متصلة، وها نحن أولاء نراها الآن تجود بنفسها وتلفظ آخر أنفاسها وتنظر من حولها فلا ترى حزناً ولا ابتئاساً وإنما ترى إغضاءً وإعراضاً وشعباً ينظر إليها وهي تذهب فيما يذهب، وتفنى فيما يفنى، وهو يقول كذا فلتُهوَّ الوزارة التي لم تستمد قوتها من الشعب، ولم تعتمد في حكمها على الشعب.
    طه حسين
    الوادي، ٤/ ١١ / ١٩٣٤.

  • خلوة

    خلوة
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٣ ديسمبر ١٩٣٣

    لو يَعْلَم الناسُ ما يُقْبِل به عليهم النهارُ حين يشرق، وما يُضْمِر لهم الليلُ حين يُظْلِم، لما كان كَلَفُهم بإشراق النهار أقلَّ من إشفاقهم من ظلمة الليل — أو قُلْ — لاقْتَصَدُوا في حب ما يحبون من ذلك وكُرْه ما يكرهون، لكن الناس ضعاف يغرهم الغرور؛ فيظنون بأنفسهم القدرة وهم عاجزون، ويُقدِّرون لأنفسهم البقاء ويغذونها بواسع الأمل.

    وإن الأحداث والخطوب لتسعى إليهم على هذه الأشعة المضيئة — أشعة الشمس — أو لتختبئ لهم في ثنايا هذه الظُّلْمة القاتمة؛ ظلمة الليل.

    ولو قد عرف صدقي باشا حين خلا إلى المندوب السامي في أول مرة أن خلوته تلك على ما كان فيها من أملٍ ممدود، ورجاءٍ غير محمود، وثقة بالأيام، واستسلام للأحلام، ستنتهي به وبصاحبه إلى هذه الخلوة التي أُتِيحَتْ لهما أمس، وما كان فيها من يأسٍ مظلم، وقنوط ممضٍّ، ويقظة ثقيلة على القلوب، بغيضة إلى النفوس، وشك في الأيام، يُنفِّر من العيش، ويُزهِّد في الحياة. لو عرف صدقي باشا أن خلوته تلك الباسمة الآملة ستنتهي به إلى خلوته هذه العابسة اليائسة، لَمَا أقدم عليها ولما رغب فيها، بل فر منها فرارًا، ولامتنع عليها امتناعًا، ولآثر السلامة والعافية، مع الراحة والهدوء، على تلك المظاهر الكاذبة، التي ملكت قلبه، وخلبت لبه، وغمسته في الشر غمسًا، ثم انتهت به إلى ما هو فيه الآن من سوء الحال.

    كان صدقي باشا أمس يخلو إلى صديقه المندوب السامي خلوة كئيبة مريبة، لا يستطيع أن يبتسم لها، ولا تستطيع هي أن تبتسم له، يلتمس من نفسه الضعيفة عونًا على احتمالها والنهوض بأثقالها، وإن كان فيها لراغبًا وإن كان عليها لحريصًا، ولم تكن في أكبر الظن كآبة المندوب السامي بأقل من كآبة صديقه العزيز، ولكن الفرق بين الرجلين كان عظيمًا جدًّا؛ فقد كانت كآبة صدقي باشا كآبة بؤسٍ كامل، شامل، عميق، لا حد له ولا مخرج منه، وكانت كآبة السير برسي لورين كآبة معقدة فيها غيظٌ؛ لأنه لم يُوفَّق، وضيق بما أصابه من الإخفاق، ولكن فيها إشفاقًا عاجزًا ورحمة لا تُغْنِي شيئًا.

    فالمندوب السامي مهما يُصِبْه من الإخفاق، ويدركه من العجز، يستطيع أن يقول لنفسه إنه قد حقَّقَ لأمته منافع في مصر عظيمة الخطر، بعيدة الأثر في حياتها وفي حياة المصريين، حقَّقَ لها هذه المنافع المادية التي لا تُحْصَى والتي ستنتفع بها غدًا و بعد غد، سواء أَرَضِيَ المصريون أم لم يرضوا.

    وقد عرف الإنجليز له ذلك؛ فلم ينبذوه ولم يقصوه ولم يبغضوه، ولكنهم رأوا أنه لا يصلح للعمل في مصر فنقلوه إلى تركيا، وأبوا أن ينقلوه دون أن يحتفظوا له بهذه المظاهر التي تُعلَن إلى الناس صادقة أو غير صادقة؛ أنهم ليسوا ناقمين منه ولا ساخطين عليه، جعلوه سفيرًا وجعلوه عضوًا في مجلس الملك، وردُّوه إلى مصر بعد أن نُقِل منها وأُقْصِيَ عنها؛ ليقيم فيها شهرًا تحيط به هذه المظاهر التي أحاطت به مِنْ قَبْلُ، والتي ستحيط بخليفته مِنْ بَعْدُ؛ فهو إذن مرضي عنه أو مغضوب عليه، ولكن أمته ترعاه وتكرمه؛ لأنها تعرف أنه خدمها فلم يقصر في خدمتها، ولأنها تعرف أنه إن أخفق فقد اضطر إلى الإخفاق اضطرارًا ودُفِع إليه دفعًا؛ لأنه لم يعرف كيف يسير في مصر، ولا كيف يلائم بين سياسته، وبين حب المصريين للاستقلال وحرص المصريين على حقوقهم، وقدرة المصريين على المقاومة. هو عند قومه مخطئ سيئ الحظ لا أكثر ولا أقل، فإذا أثار ذلك في نفسه حزنًا فهو حزن الرجل العاثر الذي أراد شيئًا، وأرادت الظروف شيئًا آخر.

    أما صدقي باشا فشأنه غير هذا الشأن، وحاله غير هذه الحال، ومصيره غير هذا المصير. هو منبوذ من أمته كلها، نبذته كثرتها حين وثب برغمها إلى الحكم، وأمعنت في نبذه حين أساء تصريف الحكم، ثم نبذه أشياعه وأتباعه حين أُنْزِل عن الحكم، ثم نبذه أصفياؤه وأولياؤه الأقربون حين ناوأ من صارت إليهم أمور الحكم.

    إنْ رجعَ إلى أُمَّته ردَّتْه مخذولًا مدحورًا، ولم تؤثره حتى بهذه النظرة الرحيمة المشفقة التي يطمع فيها العاثرون، وإن رجع إلى أشياعه وأتباعه فرُّوا منه فرار الصحيح من الموبوء؛ لأنهم مشغولون عنه بأنفسهم، مصرفون عنه إلى منافعهم، وإن رجع إلى أوليائه وأصفيائه منحوه هذه الابتسامات الصفراء التي تقول له في صراحة وجلاءٍ لا بد لي من أن أحتملك، ولكنك تعلم حق العلم أن احتمالك عسير، وأني أضيق به، وأود لو أخلص منه.

    وهو لا يستطيع أن يقول لأمته: لقد أحسنتُ إليك. لأنه لم يحسن إليها قط وإنما أساء إليها ما استطاع، وهو لا يستطيع أن يقول لأشياعه وأتباعه: لقد أسديت إليكم النعمة، وقدمت إليكم المعروف. لأنهم يجيبونه: لقد منحناك المعونة، وأهدينا إليك التأييد، ثم انقطعت بينك وبيننا الأسباب. وهو لا يستطيع أن يذكر أولياءه وأصفياءه بالحب القديم والود الخالص؛ لأن صروف الحياة، وظروفها، ومنافعها، ومضارها أقوى على نفوس هؤلاء الناس من الود والحب ومن عواطف البر والوفاء. وهو لا يستطيع — وهذا شرٌّ من كل شيءٍ — أن يرجع إلى نفسه فيلوذ بها، ويركن إليها، ويتعزى بما قدَّم من خير، ويعتصم بما يعتصم به المخلصون من راحة البال ورضا الضمير؛ لأن باله غير مرتاح، وضميره غير راضٍ ولا مطمئن.

    لا يستطيع أن يأوى إلى أحد حتى إلى نفسه، ولا أن يلوذ بأحد حتى بنفسه، منبوذ من كل الناس، حتى من نفسه. فأين يكون من أليفه وحليفه السير برسي لورين؟! لقد صفا بينهما الود، وتوثقت بينهما الصلات، وتقارضا من المعونة والتأييد ما أشقى مصر ثلاثة أعوام، ثم هما يفترقان الآن وقد انهدم ما شيَّدا، واندكَّ ما أقاما.

    ونظر الإنجليز فإذا صاحبهم لا يستطيع أن يبقى في مصر فنَقَلُوه، ونظر المصريون فإذا صاحبهم لا يستطيع أن يبقى مسيطرًا على الأمر فطرحوه، ومما يُتذاكَر أن تلك الأيام التي كانت تبسم لهما مخادعة، وتظهر لهما إشراقًا من ورائه الظلمة، وإقبالًا من ورائه إدبار. ولكن السير برسي لورين إذا تحدَّثَ في ذلك أو فكر فيه ذكر أنه سيزور بلادًا غير مِصْرَ وسيعمل مع قوم غير المصريين، وسيقضي حياة هادئة راضية لا بأس بها، أما صدقي باشا فهو لا يستطيع أن يذكر شيئًا من هذا لأنه سجين، سجينٌ وحيدٌ، لا يستطيع أن يخرج من مصر إلا أن يقضي على نفسه بالنفي، ولا يستطيع أن يبقى في مصر إلا أن يقضي على نفسه بالعذاب المتصل.

    وبينما كان الصديقان الكئيبان يشربان الشاي ممزوجًا بمرارة الألم ومضاضة اليأس، كان الشعبيون يصخبون ويضطربون يدبرون أمورهم بينهم وبين الحزب الشقيق، فيعيبهم التدبير ويعجزهم التوفيق؛ لأن أمورهم قد فسدت، وأهواءهم قد اختلفت، ولأنهم قد فقدوا هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يرُدَّهم إلى الاجتماع إذا تفرقوا وإلى الائتلاف إذا اختلفوا.

    يعرض عليهم رئيس الوزراء أسماء فيُظْهِرون التردد، ثم يُظْهِرون الطاعة، ثم يتفرقون وهم يضمرون الخلاف ويَسْعَوْن إليه، كل يؤكد بأنه محتفظ بموقفه لن يذعن لما اتخذ الحزب من قرار، وكل يعلم حق العلم أنه سيذعن حين يجتمع البرلمان، سيرشح من أَوْصَتِ الحكومةُ بترشيحه، وسينتخب من أَوْصَتِ الحكومة بانتخابه؛ فإن للحياة أثقالًا يجب أن تُحمَل، وإنَّ طاعةَ الوزراء بعضُ هذه الأثقالِ.

    يا له من مساءٍ حزينٍ، هذا المساء الذي أظلَّ رجال السياسة الرسمية الحاضرة أمس! فأما الرجلان اللذان أقاما بنيان هذه السياسة، فكانا كئيبين يتساقيان شايًا كئيبًا ويتبادلان وداعًا كئيبًا، وأما خلفاؤهم من الشعبيين فكانوا يضطربون، ويصطخبون ويعلنون شيئًا ويُسِرُّون أشياء، ويندفعون إلى هذا المساء الذي لا بد من أن يُظِلَّهم كما أظلَّ مساء الأمس في تلك الخلوة الكئيبة أمام ذلك الشاي الكئيب هذين الرجلين الكئيبين.

  • بؤس

    حديث المساء: بؤس

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ ديسمبر ١٩٣٣

    ولكنه لا يبعث في القلب رحمة، ولا يثير فيه إشفاقًا، كما أنه لا يبعث في النفوس غبطة، ولا يحيي فيها ابتهاجًا. إنما هو بؤسٌ كئيب مظلم، شديد الظلمة، أسود قاتم السواد، يرسم على الوجوه ابتسامة خير منها العبوس. وأين هذا القلب المصري الذي يرحم هذا الرجل الذي أتيح له السلطان أكثر من ثلاثة أعوام، فقسا وتجبر، وطغى وتكبر، ولم يرحم أحدًا من المصريين، بل لم تعرف رحمة المصريين إلى قلبه سبيلًا؟

    وأين هذا القلب المصري الذي يستطيع أن يشفق على هذا الرجل الذي أتيحت له أسباب القوة فلم يوجهها إلى خير، ولم يستعن بها على معروف، وأتيحت له أسباب النفع فلم ينفع بها إلا نفسه، وإلا طائفة من الصنائع عرفوا كيف يحفظون له العهد، ويقيمون له على الود، ويعترفون له بالجميل؟ فلم تكد تلم به المحنة حتى تولى عنه أكثرهم وهم معرضون، وأقبل عليه أقلُّهم بقلوب مدخولة، ونفوس ملتوية، وهم فاتر لم يكد يبلوه ويمتحنه حتى عرف أنه لا خير فيه.

    وأين هذه النفس المصرية التي تستطيع أن تغتبط ببؤس هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يحسن فآثر السوء، وكان يستطيع أن ينفع فآثر الضر، وكان يستطيع أن يقف من أمته موقف الخادم المخلص الأمين، فلم يزد على أن يقف منها موقف الخصم العنيد، ينتقص من حقوقها، وينتهك من حرماتها، ويضيع من مصالحها؟

    وأين هذه النفس المصرية التي تستطيع أن تبتهج بسقوط هذا المصري الذي كان خليقًا أن يكون جنديًّا صادقًا مُقدِمًا جادًّا في نصر مصر، والذود عنها، وتمهيد الطريق لها، وإزالة العقبات من هذه الطريق، فلم يزد على أن أخرها أعوامًا، وبث أمامها عِقابًا، وحمَّلها من الشر أثقالًا، وأذاقها من العذاب ألوانًا، واضطرها إلى أن تود لو لم يكن من أبنائها، ولو لم تعرفه حياتها العامة، ولو لم تفرضه عليها الظروف فرضًا؟

    نعم، لا يوجد هذا القلب المصري الذي يرحم هذا الرجل أو يشفق عليه، ولا توجد هذه النفس المصرية التي تغتبط بسقوطه، وتبتهج لما أصابه من الخذلان؛ فقد كان أقسى على أمته من أن يستحق الرحمة من أمته، وهو الآن أهون على أمته من أن يستحق عنايتها لما يصيبه من شر، ويلم به من مكروه.

    إنما هو رجل غريب وإن أقام في وطنه، وحيد وإن عاش بين أهله وبين أصحابه؛ لأنه اختار لنفسه مذهبًا في الحياة فرق بين قلبه وقلب الوطن، وباعد بين نفسه وبين مواطنيه، فهم يجهلونه إلا حين يذكرون أو يرون ما قدم إليهم من شر، وما جنى عليهم من سوء، وهم ينكرونه إلا حين يريدون أن يعتبروا بعاقبة الطغاة إذا أسرفوا في الطغيان، وآخرة الظالمين إذا أغرقوا في الظلم والبغي والعدوان.

    لقد كان طويلًا هذا الاحتضار السياسي الذي اضطر إليه هذا الرجل إلى أن أدركه موته السياسي أمس. كان طويلًا ثقيلًا شاقًّا قاسيًا، فانظر إليه منذ هوى عن منصب الحكم كيف يصارع الموت السياسي مصارعة عنيفة حادة مضطربة، فيها النهوض والسقوط، وفيها الإقدام والإحجام، وفيها النشاط والفتور.

    انظر إليه كيف يهم بالمقاومة ثم يستسلم للضعف، ثم يستأنف المقاومة، ثم يستخذي وينحدر، ثم ينشط للحرب، ثم يلجأ إلى السلم، ثم يجمع قواه وما بقي له من ذكاء وكفاية ومهارة ليلقي خطبته الأخيرة في الغريب، ثم يدركه الخور ويأخذه الانحلال. وما زالت فيه بقية من قوة، وفضل من نشاط، فينزل عما كان يطمع فيه من رياسة مجلس النواب، وينهزم أمام خصمه المسالم الدكتور رفعت باشا، وأمام عدوه؛ الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا، ثم يجري فيه الضعف صاعدًا من قدميه إلى رأسه، أو هابطًا من رأسه إلى قدميه، وإذا هو يجود بنفسه أمس في كتابين يرفع أحدهما إلى خصمه رئيس مجلس النواب، ويرفع ثانيهما إلى عدوه رئيس الوزراء.

    ثم ينظر الناس فإذا الجذوة قد خبت، وإذا السراج قد انطفأ، وإذا ذلك النشاط العنيف، وتلك القوة الهائلة، وتلك الحيلة الواسعة، وتلك الجرأة التي لا حد لها، كل ذلك قد تفرق في أقطار الفضاء، وأصبح هباءً يسعى به الهواء، ولم يبق من حياته السياسية إلا الحديث، وأي حديث؟ حديث لا يُرضي أحدًا، ولا يسر أحدًا، حديث يتمنى الدهر لو أصابه الصمم فلا يسمعه، حديث تتمنى الأيام لو أصابها النسيان فمُحِيَ من ذاكرتها محوًا، حديث تستخذي مصر لأنه يتصل بأحد أبنائها.

    نعم لم يبق من الحياة السياسية لهذا الرجل إلا هذا الحديث المنكر الذي يود كل إنسان وكل شيء لو ذهب مع الهواء، كما ذهبت قوة صاحبه وبأسه، ولكن اللَّه يأبى على الدهر إلا أن يسمعه، وعلى الأيام إلا أن تَعِيَه، وعلى المصريين إلا أن يحفظوه ويتناقلوه. تتوارثه أجيالهم ليكون عبرة وموعظة ونكالًا للذين تغريهم المنافع، وتستهويهم الشهوات، وتدفعهم الأهواء والأطماع إلى أن يبغوا طريقهم في الحياة السياسية عوجًا، ويتخذوا حقوق الشعب هزؤًا، وأمانة الشعب وحرمات الشعب ألوانًا من لهو الحديث.

    نعم، على أن هذه الحياة السياسية إن تركت للمصريين هذه العظة، فقد تركت لهذا الرجل نفسه تراثًا، يود بجدع الأنف وصلم الأذن لو ألقي بينه وبينه أصفق الحجب، وأكثف الأستار. انظر إليه وقد اندحر عن ميدان الخصومة، وانزوى في داره في القاهرة، أو في دار من هذه الدور الكثيرة التي تنبث في أرضه الواسعة، وأملاكه العريضة، وخلا إلى نفسه. انظر إليه كئيبًا كاسف البال، مروع النفس، مفزع القلب، حائر الطرف، لا يطمئن إلى شيء ولا إلى إنسان، ولا يطمئن إليه شيء ولا إنسان.

    إن أدار طرفه في غرفة من هذه الغرف التي ينزوي فيها رأى هذه الأشباح الهائلة المخيفة، تحيط به وتضطرب من حوله ولها أنين حزين يمزق أشد القلوب صلابة، ويفطر أشد الأكباد غلظًا. أشباح هؤلاء الذين سُفكت دماؤهم، وأُزهقت نفوسهم أثناء هذه الأعوام السود التي قضاها في مصر مستأثرًا بالسلطان.

    انظر إليه: إنَّ هذه الأشباح لتروعه وتفزعه فيغمض عينيه، ويحول نظره إلى أعماق نفسه، يريد أن ينظر فيها. فيا لها من هوة ليس لها قرار تضطرب فيها أشباح الحزن والحسرة، وصور اليأس والندم، وأشكال الجزع والهلع، فيفزع من نفسه، ويفزع مما حوله، ويخرج من غرفه هائمًا، يلتمس الراحة والأمن في الأرض العريضة والفضاء الواسع، ولكنه لا يخلص من خوف إلا إلى خوف، ولا يفلت من حزن إلا إلى حزن، ولا يبرأ من بأس إلا ليتردى في بأس آخر، تتبعه هذه الأشباح أين ذهب، وتدور حوله هذه الصور أين استقر، وتملأ قلبه هذه الأشكال إذا استيقظ، وتعبث بنفسه هذه الخيالات إذا نام!

    يرى مواطنيه فلا ينظر إليهم إلا حذرًا، ويراه مواطنوه فلا ينظرون إليه إلا شذرًا. انظر إليه وقد خرج من الميدان خزيان لا يستطيع حتى أن يستمتع بما يستمتع به المنهزم العزيز من الشمم والإباء. انظر إليه قد هان على أنصاره فلم يحفل به منهم أحد. انظر إليه قد هان على خصومه، فلم يأبه له منهم أحد. انظر إليه قد استقال أمس من حزب الشعب وهو منشئ حزب الشعب، ومن مجلس النواب، وهو عميد مجلس النواب، وإذا الشعبيون والنواب والشيوخ يجتمعون إلى مائدة من الموائد في فندق من الفنادق، فيأكلون ويشربون ويخطبون ويتفرقون، لم يذكر أحد منهم هذا الرجل، ولم يشر أحد منهم إلى هذا الرجل، وليس بينهم أحد إلا ولهذا الرجل عليه فضل، وليس بينهم أحد إلا ولهذا الرجل عنده يد ومعروف.

    ولكنه قد قدم إليهم الفضل وصنع عندهم المعروف ثمنًا لما كان يطلب إليهم من المعونة والتأييد. اشترى منهم فباعوا له، ثم انقضت الصفقة فتفرق المشترون والبائعون، وأنكر كل واحد منهم صاحبه، وألقى الستار على ما كان بينهم من صلات.

    انظر إليه يلزم داره فلا يسعى إليه الأنصار ولا يخافه الخصوم. انظر إليه يطوف في أرجاء مصر فلا يَخفُّ للقائه أحد، ولا يخاف تطوافه أحد. ليس هو الذي تسلح له القُطر، وليس هو الذي تحفر أمامه الخنادق، وتقام له المتاريس، وليس هو الذي ترصد له الشرطة والجند، وليس هو الذي يختطفه وزير الداخلية اختطافًا في قطار سريع. إنما هو رجل يسير ضئيل هين لا يرجى ولا يخاف، لا أمل فيه ولا يأس منه، رجل بهذا المعنى المادي لهذه الكلمة لا أكثر ولا أقل.

    أليس غريبًا أن يرى المصريون جميعًا هذه المأساة، ويشهدوا جميعًا هذه العبر، ثم لا يزال بينهم من تطمح نفوسهم إلى أن يرقوا إلى هذا الصرح العالي، صرح الطغيان ليتردوا منه كما هوى منه طاغية الأمس؟ بلى، هذا غريب، ولكن الإنسان ضعيف، وما زال ضعفه يكلفه الأعاجيب.

    أرأيت أنا لم نكن مخطئين حين قدرنا أن توبة صدقي باشا إلى رئيس الوزراء لن تغني عنه شيئًا، وأن خصومه لن يرضوا منه إلا أن يقطع الأسباب بينه وبين السياسة، فيدع الحزب ويدع البرلمان، ويفرغ لصحته وراحته، ولكن ما عسى أن تكون هذه القوة الهائلة التي أخرجت هذا الرجل من السياسة بعد أن كان متعلقًا بها، حريصًا عليها، برغم الأحداث والخطوب، وبرغم المرض الطويل والعناء الثقيل؟

    ليست هي قوة رئيس الوزراء، فرئيس الوزراء رجل طيب لا يقدر على مثل هذا، ولا يطمح إلى مثل هذا. إنما هي قوة الظروف هذه التي حفظت لصدقي باشا من الشر ما يُخِيفُه ويُزعِجه ويَضطرُّه إلى أن يؤثر الفراغ وإلقاء السلاح، ويقنع من هذه المغامرة الطويلة بالخروج منها سالمًا بجلده، كثير المال، موفور الثراء، يستطيع أن يحيا حياة المترفين، ورئيس الوزراء من غير شك أذكى وأمهر وأعرف بحقائق الأشياء من أن يفاخر أو يكاثر أو يتمدح بما أصاب خصمه من الهزيمة؛ فرئيس الوزراء لم يرمِ صدقي باشا حين رمى، ولكن الله هو الذي رمى وسهام الله مصيبة دائمًا لا تخطئ الرمية، ولا تجور عن قصد السبيل.

    وإذا كان لنا أن نتمنى لرئيس الوزراء هذا الرجل الطيب شيئًا، فإنَّا نتمنى أن يربأ بنفسه، وأن تربأ به الظروف عن مثل ما دفع صدقي باشا إليه، وإن رئيس الوزراء ليعلم حق العلم كيف يتنكب هذه الطريق التي سلكها صدقي باشا، فانتهت به إلى هذا البؤس الكئيب. وهل لرئيس الوزراء سبيل إلى تنكب هذه الطريق إلا أن يستقيل فيريح ويستريح؟