شبَّ عمرو عن الطوق
طه حسين
النداء
٣ فبراير ١٩٤٨
وعمرو هو الشرق العربي، والطوق هو الاستعمار الأوروبي الأمريكي. ولعل القارئ يذكر أن هذا المثل يضرب لمن يلابس شيئًا دون قدره، وأن أصله فيما يقول الرواة أن أُمًّا ضلت ابنها وكان اسمه عَمْرًا! فلما عاد إليها بعد وقت طويل جدًّا أرادت أن تلبسه طوقًا كانت تزينه به أيام الطفولة، ورآه خاله فقال: شب عمرو عن الطوق. ولكن الدول المستعمرة لم ترزق من الحكمة وصواب الرأي وحسن التقدير وصدق الحكم على الأشياء والناس ما رُزقه ذلك الخال، فهي ما زالت ترى الشرق صبيًّا يمكن أن تغره بالقلائد والأطواق. وهذا اللون من ألوان الحُمق وسوء التقدير يكلِّف الغرب والشرق جميعًا خطوبًا وأهوالًا. فالشرق يأبى أن يُطوَّق والغرب يأبى إلَّا أن يطوِّقه، ويكون الصراع بينهما ويتصل ويشتد وتكثر آثاره وتسوء. والشرق يأبى أن يرتد صبيًّا والغرب يأبى إلَّا أن يرُده صبيًّا، وهيهات أن يبلغ الغرب ما يريد؛ لأن من أخص ما يمتاز به الصبا أنه لا يعود إذا مضى وانقضى عهده، شأنه في ذلك شأن الشباب، بل شأنه في ذلك شأن كل شيء تمضي به الأيام.
وما دام الزمن لا يخضع لإرادة الناس، ولا يمكن أن يعود أدراجه، ولا أن يُردَّ عن طريقه، ولا أن يوقف عن حركته؛ فليس من سبيل إلى أن يرد الصبا ولا إلى أن يعود الشباب. وهذا اليأس من عودة الشباب ورجوع الصبا قد ألهم الشعراء والكتَّاب في الشرق والغرب جميعًا شيئًا كثيرًا من رائع الشعر وبارع النثر، كما ألهم الفنيين شيئًا كثيرًا من آيات الفن. فليس شيء يدعو إلى الحسرة واللوعة والجزع كاليأس، وليس شيء يدعو إلى البهجة والغبطة والرضا كالأمل. والناس مقسمون بين اليأس والأمل، يروع اليأس قلوبهم فيتغنون غناءً حزينًا ملتاعًا، ويحيي الأمل نفوسهم فيتغنون غناءً مشرقًا مبتهجًا، وقد يحلمون فيقيمون الأمل مقام اليأس، ويخدعون أنفسهم ويتمنون ما ليس إليه سبيل. وما أكثر ما يحلم الشيوخ بأنهم قد عادوا شبابًا، وما أكثر ما يحلم الشباب بأنهم قد ارتدوا أطفالًا، وما أكثر ما يثير ذلك في نفوسهم هذه اللذات المخادعة التي لا تلبث اليقظة أن تبددها وتذروها كما تذرو الرياح الهشيم! والكبار يخدعون أنفسهم دائمًا حين ينظرون إلى أبنائهم، أو يفكرون فيهم: يرون أبناءهم صغارًا مهما يكبروا، وأطفالًا مهما تتقدم بهم السن، ويهمُّون أن يسيروا معهم كما كانوا يسيرون معهم أيام الطفولة والصبا، ولكن حقائق الحياة لا تلبث أن تقول لهم كما قال ذلك الخال لأخته: شب عمرو عن الطوق. هنالك يضطرون عن رضًا أو عن كره، وفي سرور أو في حزن، إلى أن يسيروا مع أبنائهم كما يحبون أن يسير الناس معهم، وإلى أن ينظروا إليهم على أنهم أخوة كبار لا أبناء صغار. وليس الغرب للشرق أبًا، ولكنه تكلف هذه الأبوة ذات يوم، وكانت أبوة قاسية أشد القسوة، لم تخل مع ذلك من رضاء ولين. كانت أبوة كتلك الأبوة التي عرفها رؤساء الأسر في العصور القديمة، والتي محتها الحضارة وغيرها الرقي. كانت أبوة تتيح للآباء السلطان كله، وتحرم الأبناء كل سلطان. كانت أبوة تمنح الآباء حق الحياة والموت على الأبناء والبنات والزوجات، وكل من يلوذ بالأسرة من الخدم والموالي والرقيق. ثم ما زالت الحضارة تغيِّرها قليلًا قليلًا حتى استقامت للأبناء والبنات والزوجات ومن يلوذون بالأسرة أمورهم، وسلمت لهم حقوقهم وأصبحوا سادة أنفسهم لا يتحكم فيهم أحد ولا يستأثر بأمورهم أحد. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء ورؤساء الأسر قد قاوموا تلك القوانين التي قوَّت الضعفاء، وردَّت إليهم حريتهم. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء قد ضاقوا بهذه القوانين، وبرموا بهذه الحرية، وسخطوا على الزمان الجديد، وحزنوا على الزمان القديم، وتمنَّوا أن يعود لهم سلطانهم القوي الواسع القاسي كما كان. ولكن الزمان إذا مضى، فليس إلى عودته سبيل. هذا بالضبط هو شأن الغرب مع الشرق، تكلف الأبوة المتسلطة القاهرة القاسية المسلطة المستذلة، واستمتع بها وألفها وحرص عليها، وهو الآن يرى القاصرين يرشدون، والضعفاء يقوون، والعاجزين يقدرون؛ فيضيق بما يرى، ويودُّ لو استطاع أن يحتفظ بما كان في يده ويبذل في سبيل ذلك ما يملك من قوة فلا تغنيه القوة، ومن جهد فلا يفيده الجهد، ومن حيلة فلا تبلغه الحيلة شيئًا مما يريد. رأينا ذلك في سيرة البريطانيين مع مصر، تسلطوا عليها دهرًا، واستأثروا بالأمر فيها عصرًا، ثم نظروا فإذا هي قد شبَّت عن الطوق، وإذا هي تريد أن تكون سيدة نفسها ومالكة أمرها، وإذا هي تجاهد ما وسعها الجهاد؛ لترد هذا الطوق فتبلغ من ذلك كثيرًا مما أرادت، وتأبى أن تريح أو تستريح حتى تبلغ من ذلك كل ما تريد. ورأينا ذلك بالقياس إلى سوريا ولبنان حين جاهدا حتى ردَّا إلى فرنسا طوقها، ونحن نرى ذلك بالقياس إلى العراق الذي ردَّ إلى الإنجليز طوقهم في عنف عنيف لم ينقضِ الحديث عنه ولن ينقضيَ الحديث عنه فيما يظهر قبل وقت طويل. والأوروبيون والأمريكيون يرون ذلك ضيقين به منكرين له محتالين في اتقائه، يدورون حول المصاعب والعقبات لعلهم أن يجدوا منها منفذًا هنا أو هناك، ليس لذلك مصدر إلَّا أنهم يصرون على أن يروا أنفسهم كبارًا، وعلى أن يروا شعوب الشرق العربي صغارًا، وعلى أن يحتفظوا بما ألفوا من التسلط والاستئثار.
فمن ذا الذي يلقي في رُوع …
فقد جرت أن عَمْرًا قد شب عن الطوق، وأن هذه الجهود التي تبذل جهرة، وتلك الجهود التي تبذل خفية؛ لن تغني شيئًا، وأن الشرق العربي لم يبقَ الآن كما كان في آخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن؛ ضعيفًا متواكلًا محتملًا للاستغلال والاستذلال. ومن ذا الذين يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن الشرق العربي لا يحرص على شيء كما يحرص على التعاون والتضامن والمشاركة في ترقية الحضارة وتنمية الاقتصاد وحماية السلم، ولكن بشرط ألَّا يرده ذلك إلى ضعف أو ضعة أو خضوع. ومن ذا الذي يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن احتفاظهم بروح الاستعمار والاستعلاء والغلب في سيرتهم مع الشرق العربي خليق أن يجر إلى كوارث وخطوب رأوا أولها في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان ولكنهم لا يعرفون … ولكنه لا يستطيع أن يردَّ نفسه صبيًّا ولا أن يرجع أدراجه، ولا أن يقف في وسط الطريق، وإنما هو ماضٍ إلى غايته مهما تكن الظروف. لو قد أُلقيت هذه المعاني في رُوع الساسة الذين يدبرون أمور الدول الكبرى؛ لجنَّبوا الشرق والغرب كثيرًا من الشر والهول، ولمهَّدوا للشرق والغرب طريقًا إلى التعاون الخصب والتضامن الذي لا يُظِلُّ عليهما جميعًا إلا خيرًا.
وليس الغرب وحده هو الذي يحتاج إلى أن يتدبر هذا المثل العربي القديم: «شبَّ عمرو عن الطوق.» بل ليس من شك أن الحكومات المسيطرة على أمور الشعوب العربية خليقةٌ هي أيضًا بأن تتدبر هذا المثل وتفكر فيه وتعتبر به، وتنظر إلى الشعوب لا على أنها أطفال تعلل بالأماني، وتُخدع بالآمال الكاذبة، وتُفتن بالألفاظ والمظاهر التي لا تدلُّ على شيء، بل على أنها شعوب راشدة قد بلغت من الرشد حظًّا ليس به بأس، ويدفعها كل شيءٍ من حولها إلى أن تتزيد منه وتمعن … كما أن الشرق نفسه [يمعن] فيه إمعانًا من يوم إلى يوم.
فقد أصبح من المستحيل أن تُحجب شمس الحرية عن هذه الشعوب بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان، وبعد أن أصبحت هذه الشعوب تشهد في كل يوم — بل في كل لحظة — ما يقع في أقطار الأرض كلها من الأحداث. فتنتفع بما تشهد، تخطئ حينًا وتصيب أحيانًا، ولكنها ترى وتسمع وتحس وتفهم وتتأثر وتقلد، لا يردها عن ذلك راد. إنما سبيل الحكومات المسيطرة على شئون البلاد العربية إن أرادت أن تظل مستأثرة بالأمر، وأن تمسك الشعوب في هذه الحياة البائسة التي تحياها؛ هي أن تقطع كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فتلغي البرق والبريد والتليفون والراديو والصحافة والسينما، وتقطع المواصلات فلا يكون هناك تنقل ولا مبادلة مع الأقطار الخارجية الأخرى، وتغلق المدارس وتحظر التعليم وتخرج الأجانب من بلادها، وتلغي كل تعامل بين المواطنين وغيرهم من الناس. فإن استطاعت أن تفعل شيئًا من ذلك، فقد تستطيع أن تسيطر وتتسلط وتستأثر. ولكنها تعلم أنها لن تستطيع من ذلك شيئًا، وأن طبيعة الحياة أقوى من تسلط المتسلطين وتجبر المتجبرين وأمل الذين يضللون أنفسهم بالأمل.
وإذن، فمن ذا الذي يلقي في رُوع الحكومة المتسلطة المستأثرة أن عَمرًا قد شبَّ عن الطوق، وأن ما كان يتاح من التسلط والتجبر في عصر مضى قد أصبح الآن شيئًا إن أُتيح له البقاء وقتًا يقصر أو يطول فهو منتهٍ آخر الأمر إلى أن يزول. ولو قد فهمت الحكومات الشرقية المستأثرة هذه الحقيقة ووعتها، وردَّت إلى الشعوب حقَّها الكامل في الحرية والعدل والمساواة والاستقلال الداخلي؛ لما استطاعت أوروبا ولا أمريكا محاولة للقهر والبطش والاستعمار.
فالمستبدُّون بأمور الشرق من الشرقيين هم الذين يغرون المستعمرين من الغربيين. فمتى يهدي اللَّه أولئك وهؤلاء إلى أن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، وإلى أن الشعوب العربية قد أصبحت تحرص على أن يكون الناس أحرارًا؛ لأن أمهاتهم قد ولدتهم أحرارًا.
Tag: Imperialism
-
شبَّ عمرو عن الطوق
-
ذلة
ذلة
طه حسين
جريدة صوت الأمة
١٠ أغسطس ١٩٤٦
…
هذه هي التي يعرضها علينا السادة البريطانيون، ويقال إن من المصريين من يريد أن يقبلها؛ لأنه يرى فيها العزة كلَّ العزة والإباء كل الإباء. فسيصبح من حق البريطانيين — إن أُمضيت المعاهدة المرتقبة — أن يسفكوا دماء المصريين في غير مشاورة ولا مراجعة، إن تعرض بلد من البلاد المتاخمة لمصر لخطر ما.
والأخطار كثيرةٌ جدًّا، مختلفةٌ جدًّا، متباينةٌ فيما بينها أشدَّ التباين، قد تأتي من منافسة بين الإنجليز وبين حلفائهم المنتصرين معهم الآن حول المستعمرات الإيطالية السابقة، فيكون الحق على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحوا بالجهود والأموال والمرافق ليؤبِّدوا تسلط الإنجليز على برقة، وبقاءهم جاثمين على حدود مصر الغربية. وقد تأتي من إصرار البريطانيين على سياسة منكرة في فلسطين لا يرضاها العرب؛ لأنها لا تلائم حقوقهم ولا منافعهم. وقد يكون بين أمم الأرض وشعوبها من تدفعهم المروءة والنجدة إلى معونة هؤلاء العرب البائسين.
وليس من الضروري أن تكون هذه الأمة هي روسيا التي لا يذكر اسمها إلَّا مقرونًا بالشك مثيرًا للخوف؛ ففي الأرض أمم أخرى قد تعطف على العرب وقد تفكر في معونتهم إن أصرَّ الإنجليز على سياسة اللعب بالحقوق والدماء والعقول في فلسطين، وقد تكون هذه الأمم عربية لا أوروبية؛ هنالك تتعرض فلسطين للخطر في رأي البريطانيين، وهنالك يجب على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحُّوا بما يملكون من جهد وقوة ليؤيدوا حلفاءهم البريطانيين، وليدافعوا عن سياستهم المناقضة لآمال العرب الهادمة لحقوقهم.
كل شيء يمكن في السياسة الدولية؛ فممكن أن تتعرض القوة البريطانية لخطر في برقة، وممكن أن تتعرض لخطر في فلسطين على النحو الذي أشرت إليه أو على غيره من الأنحاء. وواجب يومئذ أن تتحرك الجيوش المصرية المظفرة لتدافع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية هنا وهناك، لا لشيء إلَّا لأن جماعة من المصريين يريدون فيما يقال أن يُمْضُوا هذه المحالفة الرائعة البارعة مع الإنجليز. وليس المصريون خيرًا من الهنود، وليست الدماء المصرية أذكى من الدماء الهندية، وقد سفك الهنود دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في جميع أقطار الأرض في الحربين العالميتين. فما الذي يمنع المصريين من أن يسفكوا دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في ليبيا وفي فلسطين؟ أليس من الحق على المصريين أن ينظموا الكواكب عقود مدح لحلفائهم الإنجليز؛ لأنهم لا يريدون منا أن نسفك دماءنا دفاعًا عن مصالحهم إن اعتُدِيَ عليها في بلد بعيد عن مصر؟! إنهم يؤثروننا على الهند، ويمنحوننا مزايا لم يمنحوها للهند. فهم يعلمون أننا لا نحب الغربة ولا نحب الموت في أرض الغربة، وهم من أجل ذلك يقبلون أن يموت أبناؤنا دفاعًا عنهم قريبًا من أرض الوطن. ألست توافقني على أنهم يمنحوننا من الفضل ما يستحقون من أجله أن نُمْضِي المعاهدة شاكرين؟
أمَّا المعاهدة التي أمضيناها منذ عشر سنين، فقد بعد بها العهد حقًّا، وأصبحت غير ملائمة للظروف لا بالقياس إلى مصر، فظروف مصر لا تعني البريطانيين من حيث إن مصر مركز من مراكز الدفاع الإمبراطوري ومورد من موارد هذا الدفاع.
فأمَّا حب المصريين للجلاء وطموحهم إلى الاستقلال بشئون أنفسهم، فآمال حلوة وأماني خلابة للمصريين أن يحلموا بها نيامًا وأيقاظًا، وأن يتحدثوا بها حين يسبغ الله عليهم الصحة فرحين لمحنتهم بالمرض، فللصحيح أن يهذي كما يهذي المحموم.
المعاهدة القديمة إذن لا تلائم ظروف الإنجليز؛ فقد أثبتت التجربة أن الإنجليز لم يرسلوا جنودًا مصريين لطرد الإيطاليين والألمان من ليبيا ومن أفريقيا الشمالية؛ فيجب أن تُتِيح لهم المعاهدة الجديدة هذه المزية، وأن يستبقوا مزايا المعاهدة القديمة للانتفاع بها حين تتعرض مصالحهم للخطر في بلد آخر من بلاد الشرق الأوسط أو القريب، إذا تعرضت مصالحهم للخطر في تركيا أو في إيران مثلًا؛ وجب على مصر أن تضع مرافقها كلها تحت أمرهم المطاع، وشيء خير من لا شيء.
والاستعمار البريطاني يجب أن يسعى في هذه الأيام سعيًا هادئًا، وأن يخطو خطوات معتدلة. ظفر من مصر في المعاهدة القديمة بالمعونة التي لا تستتبع إعلان الحرب حين تعلن بريطانيا العظمى الحرب أو حين تُعْلَن عليها الحرب، وسيظفر من مصر في المعاهدة الجديدة — إذا أراد صدقي باشا — بإكراه مصر على الاشتراك فورًا في الحرب في بعض الظروف، وعلى المعونة المسالمة أو المحاربة في بعضها الآخر.
ثم يقال بعد ذلك إن السياسة البريطانية فقدت ما كانت تمتاز به من اللباقة والدهاء. كلا لم تفقد السياسة البريطانية شيئًا من لباقتها ودهائها، وإنما الذي أخشاه كل الخشية أن تكون الوطنية المصرية قد فقدت شيئًا من استئثارها بكل القلوب، ومن ثقتها بالحق الكامل في الاستقلال الكامل، ومن إيمانها بالقدرة على اكتساب هذا الحق. وليس أدلَّ على ذلك من أن بعض المصريين — فيما يقال — يريد أن يُمْضِي هذه المعاهدة، وأن يتيح للإنجليز هذا الفوز، ويسجِّل على المصريين هذا الذلَّ، ويحتِّم عليهم بحكم المعاهدة أن يَنْفِرُوا إلى الحرب خفافًا وثقالًا حين يريدهم الإنجليز على أن ينفروا إليها خفافًا وثقالًا.
وكان المصريون يؤمنون بأن السيادة على السودان كالسيادة على مصر لأهل وادي النيل ممثلة في العرش المصري الذي هو عرش وادي النيل. وكان الإنجليز أنفسهم يزعمون أنهم شركاؤنا في الإدارة لا في السيادة! فقد تغيرت الحال وتقدَّم الإنجليز خطوة أخرى، وقبلها منهم بعض المصريين فيما يقال، فهم لا يقرون السيادة الواحدة في الوادي الواحد تحت التاج الواحد، وإنما يريدون أن يقسِّموها سيادتين: إحداهما لمصر ينتقصونها هم بمشاركتهم في الدفاع، والأخرى تظل أمانة لا أدري في أيديهم وحدهم أم في أيديهم وأيدي قوم غيرهم من الناس أو من الشياطين.
والمهم هو أنهم ينكرون على وادي النيل وحدة السيادة على نفسه، ويأبون إلَّا أن يجزِّئُوها ويشاركوا فيها مشاركة استئثار في السودان ومشاركة النِّدِّ للنِّدِّ في مصر. ويوجد بين المصريين من يقبل منهم هذا، ويريد أن يسجِّله لهم تسجيلًا، وأن يوقعه لهم بخطه الكريم. والغريب أن الإنجليز يحتملون الهول كلَّ الهول للدفاع عن سيادة الإمبراطورية المصطنعة، ويأبون كلَّ الإباء أن يدافع وادي النيل عن سيادته الطبعية في أرضه وعلى شاطئ نهره الذي كان كريمًا على نفسه وعلى الناس، فَهَانَ أمره الآن على نفسه وعلى الناس.
أمَّا قصة الدفاع المشترك فعجب من العجب، وما ينبغي لنا أن نعجب من شيء ما دام بيننا من يستطيع أن يقبل المعاهدة، وأن يمضيها، وأن يسجل علينا الذل والهوان أعوامًا طوالًا. والناس يقرءون في كل يوم من غير شك أن روسيا تطلب إلى تركيا تنظيم دفاع مشترك بينهما عن المضايق، فيأبى الترك كلَّ الإباء أن يذعنوا لهذا الطلب، أو يناقشوا فيه، ويؤيدهم الإنجليز في هذا الموقف الكريم، ويُظْهِرون استعدادهم لإعلان الحرب تأييدًا للاستقلال التركي وحماية له من هذا الدفاع المشترك البغيض.
وليست قناة السويس بأقلَّ خطرًا من المضايق، وليست مصالح الإنجليز فيما وراء القناة بأعظم قدسية من مصالح الروس فيما وراء المضايق. ولكن الدفاع المشترك إثم وإجرام وانتهاك للحرمات إذا طلبته روسيا من تركيا، وهو حق وعدل وتثبيت للاستقلال إذا طلبته بريطانيا العظمى من مصر. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فروسيا تحتل تركيا وبريطانيا تحتل مصر. وليس في تركيا وزراء ولا مفاوضون يحبون إجابة روسيا إلى ما تريد، وفي مصر وزراء ومفاوضون قليلون أو كثيرون — لا أدري — يحرصون على إجابة بريطانيا العظمى إلى ما تحب.
وفي تركيا شعب يستأثر بالسيادة في أرضه لا يشاركه فيها أحد ولا يغلبه عليها أحد، وفي مصر شعب قد وضعت كثرته على الرفِّ واستأثرت بالأمر من دونه قلة ضئيلة يبلغها الإحصاء في غير عناء. فهي تأمر وتنهى وهي تُبْرِم وتَنْقُض، وهي تفاوض البريطانيين في مصير الشعب، بعد أن حرمت هذا الشعب حقه الطبيعي اليسير في أن يكون حرًّا يُعْرِب عما يريد وعما لا يريد.
فأي غرابة إذن في أن يكون الدفاع المشترك جريمة إن طلبه الروس وحقًّا وخيرًا وعدلًا إن طلبه الإنجليز؟!
كذلك أراد الله، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له؛ فليس على المصريين إلَّا أن يبتهلوا إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الذل الذي تُنذِرهم به المفاوضات، كما يبتهلون إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الدمار الذي ينذرهم به طغيان النيل. والغريب أن المصريين لا يملكون حتى هذا الابتهال إلى الله؛ فوزراؤهم متضامنون مع رئيس الوزراء في قبول المعاهدة، ولن يؤذن للمصريين بأن يبتهلوا إلى الله في المساجد والكنائس والمعابد لشيء يكرهه رئيس الوزراء.
وإذن فليبتهل المصريون إلى الله فيما بينهم وبينه في دخائل نفوسهم وأعماق ضمائرهم، وليسرعوا، فمن يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يبتكر وسيلة يتسلَّط بها على أعماق الضمائر ودخائل النفوس. -
بعد اجتماع واشنجطون
بعد اجتماع واشنجطون
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢ ديسمبر ١٩٤٥
لم يُتِح الاجتماعُ الذي تمَّ في واشنجِطُون بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس الوزارة البريطانية ورئيس وزارة كندا لطلَّاب الأمن وأنصار السلام الدائم أن يتنفسوا تنفس الراضي المطمئن؛ لأن هذا الاجتماع لم يَخْطُ بالعالم خطوة بعيدة أو قريبة نحو الثقة والاستقرار، وإنما أمسك العالم في حيث هو من القلق، والخوف، وسوء الظن. ولعله أن يكون قد زاد حظ العالم من القلق والخوف وسوء الظن، فهو من غير شك قد وثَّق الصلات بين أعضاء العصبة السكسونية توثيقًا متينًا، ولكنه لم يقرب الأمد بين هذه العصبة وبين الاتحاد السوفييتي. وكل قوة تستمتع بها إحدى العصبتين مدعاة إلى القلق والخوف وسوء الظن إلَّا أن يتحقق التقارب بينهما، وتوجد الثقة التي ليس إلى التقارب من دونها سبيل.
واختلاف المصالح وتباينها هو مصدر ما بين العصبتين من الشك وسوء الظن، فإحدى العصبتين تسيطر على العالم الخارجي بما لها من إمبراطورية واسعة في أقطار الأرض كلها، وبما لها من سيطرة على البحار كلها أيضًا، وبما تتيح لها هذه السيطرة وتلك الإمبراطورية من اتخاذ القواعد البرية والجوية والبحرية حيث تشاء.
ثم إن هذه العصبة لا تسيطر على العالم الخارجي لاتساع الإمبراطورية والتسلط على البحار فحسب، ولكنها تسيطر عليه كذلك في هذا السلطان الاقتصادي المالي الهائل الذي تكتسبه من ثروة أمريكا التي لا تنضب، وغنى الإمبراطورية البريطانية الذي لا حدَّ له.
أمَّا العصبة الأخرى، وهي عصبة الاتحاد السوفييتي والدول التي تدور حوله، فلها قوتها الهائلة التي تأتيها من سعة الجزء الذي تحتله من الأرض في القارتين. ومن ثراء هذه الأرض الزراعي والمعدني، ومن قدرة أهل الأرض على العمل والإنتاج، ومن براعتهم في تنظيم هذا العمل، ومضاعفة هذا الإنتاج، ومن قدرتهم الرائعة على البحث والاستقصاء، ثم على الاستنباط والاستكشاف، ومن إيمانهم بأنفسهم، وثقتهم بمستقبلهم، وطموحهم إلى أن يكون لهم في العالم مكان ممتاز يلائم كل هذه الخصال.
وإمبراطورية الاتحاد السوفييتي هائلة في طولها وعرضها وكثرة سكانها، ولكنها مجتمعة قد انضم بعضها إلى بعض، محصورة أو كالمحصورة، لا تكاد تنفذ إلى العالم الخارجي؛ لأنها لا تسيطر على البحار، بل لا تكاد تنفذ إلى هذه البحار.
وقد انتهت الحرب، ولم يتردد الرفيق مولوتوف في أن يعلن صادقًا أن روسيا هي التي أسرعت بالحرب إلى الانتهاء، فهي التي سبقت إلى قهر ألمانيا، بعد أن استنفذت قوتها، وهي التي أعلنت الحرب على اليابان فاضطرتها إلى الاستسلام. وما دامت قد احتملت من أهوال الحرب أكثر مما احتمل غيرها، وما دامت قد كسبت من النصر أكثر مما كسب غيرها، فمن حقها أن تطمع في أن يكون لها في العالم مكان يلائم ما بذلت من جهد وما لقيت من هول وما كسبت من نصر. وهي من أجل ذلك لا تقنع بمكانها التقليدي المحصور من كل وجه، وإنما تريد أن تتنفس كما يتنفس حلفاؤها، وأن تضع قدمها حيث شاءت من أجزاء الأرض الخالية، وأن تجري سفنها التجارية والحربية في حيث شاءت من البحر والمحيط. وهي لا تحب الاستعمار، ولكنها لا تكره أن تكون وصية على هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض.
وهي لا تريد أن تخضع الشعوب لسلطانها ولكنها لا تكره أن تتخذ الانتداب وسيلة إلى تحرير الشعوب، وهي من أجل ذلك لا تكره أن تضع قدمها في شمال أفريقيا منتدبة على ليبيا، مجاورة لحليفتها فرنسا، مطلة على غرب البحر الأبيض المتوسط. ولا تكره أن تضع قدمها على ساحل البحر الأحمر في مستعمرة من المستعمرات الإيطالية، تطل منها على هذا البحر، وتنظر منها إلى المحيط الهندي، وتجاور فيها حليفتها بريطانيا العظمى.
وليس من الضروري أن تُعقَد المحالفات في أثناء الحرب والكرب والضيق، حتى إذا كان الفوز أدار كل حليف ظهره إلى حليفه الآخر! بل من الممكن ومن المعقول أيضًا أن تبقى المحالفات في أثناء السلم كما كانت في أثناء الحرب، وأن يتفق المنتصرون على اقتسام الغنائم فيما بينهم بالعدل، أو بشيء يشبه العدل، وعلى استغلال الانتصار بالقسط، أو بشيء يشبه القسط.
فليس من الطبيعي إذن أن تستأثر العصبة السكسونية بالسلطان على الأرض في الشرق والغرب، وتظل العصبة الروسية حيث هي، لا تجد لها متقدمًا ولا متأخرًا.
والحلفاء لم ينتصروا ليبقى العالم بعد الحرب — كما كان قبل الحرب — مصدرًا للثروة يستأثر به فريق من المنتصرين دون الفريق الآخر.
أضف إلى ذلك أن بعض الأمم المحررة لها إمبراطوريات واسعة خارج أوروبا، فلفرنسا إمبراطوريتها، ولهولندا إمبراطوريتها، ولبلجيكا إمبراطوريتها أيضًا. فكيف يستقيم في حكم العقل أن تكون لهذه الدول المحررة مستعمرات في أفريقيا وآسيا، وألَّا تكون لروسيا المستعمرة — لا نقول مستعمرات، فروسيا لا تحب الاستعمار — بل وصاية على جزء هنا وجزء هناك؟!
هذا غريب، وأغرب منه أنه لا يخطر للبريطانيين والأمريكيين أن من حق روسيا أن تشاركهم في استغلال العالم والتسلط عليه. ولا ينبغي أن نكون من السذاجة وسلامة القلب بحيث نظن أن من حق المستعمرات أن تسترد حريتها وتنال استقلالها. فكل هذا كلام كان يقال أثناء ورطة الحرب، فأمَّا وقد انتهت الورطة وخرج الحلفاء منها منتصرين، فيجب أن تبقى المستعمرات كما كانت، وأن تُضاف إليها مستعمرات أخرى يُؤخَذ بعضها من أسلاب المنهزمين، ويُؤخَذ بعضها من الشعوب الصغيرة على أن يُسمَّى استعمارها باسم جديد لا يؤذي النفوس؛ كالمشاركة التي تقوم على المساواة، وكالتعاون على رفع مستوى المعيشة للأفراد والجماعات.
وآية ذلك أن المنتصرين لم يعلنوا استقلال مستعمرة من المستعمرات، ولم يردوا إلى شعب من الشعوب حقه في الاستقلال كاملًا أو منقوصًا، ولم يعلنوا استقلال المستعمرات التي انتُزِعَتْ من يد الأعداء.
وآية ذلك أيضًا أن بعض هذه المستعمرات صدَّقَت الحلفاء وهمَّت أن تستقل، فهي تلقى الآن عذابًا أليمًا.
وأظن أن ما يحدث في أندونيسيا يكفي كل الكفاية للدلالة على أن الحلفاء المنتصرين لا يريدون أن يغيروا من أمر العالم شيئًا جوهريًّا، فستحتفظ الدول بمستعمراتها وبمناطق نفوذها، وستزيد في هذه المستعمرات ومناطق النفوذ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. وإذن؛ فما بال روسيا لا يكون لها مستعمرات ومناطق نفوذ خارج أوروبا؟! وهل يُعقَل أن تكون روسيا أقل تسلطًا على العالم من هولندا وبلجيكا، بل من إسبانيا والبرتغال؟!
هذه هي المسألة التي تختلف حولها قلوب المنتصرين، ولا تكاد ألسنتهم تذكرها إلَّا قليلًا. وهناك مسألة أخرى تختلف فيها القلوب والنيات، ولا تذكرها الألسنة إلَّا بالتحفظ والاحتياط؛ وهي تسلط المنتصرين من الطبقة الأولى على المنتصرين من الطبقة الثانية. فأوروبا مثلًا أرقى وأكرم عنصرًا من أن تخضع للاستعمار؛ لأن الاستعمار نقص في الكرامة الإنسانية، وهذا النقص جائز على أهل آسيا وأفريقيا، ولكنه لا يجوز بالقياس إلى الأوروبيين.
غير أن أوروبا ضعيفة قد أنهكتها الحرب، وهي محتاجة إلى معونة المنتصرين، وإذا كانت أوروبا فوق الاستعمار والانتداب والوصاية لامتيازها وكرم عنصرها، فإنها ليست فوق الخضوع لبسط النفوذ؛ ولذلك يمكن أن يبسط بعض المنتصرين نفوذهم المعنوي والاقتصادي على غرب أوروبا، وأن يبسط بعضهم الآخر هذا النفوذ المعنوي والاقتصادي على شرق أوروبا. وهنا تنشأ مشكلة ليست أقل تعقيدًا من مشكلة الاستعمار؛ لأن المنتصرين جميعًا يريدوا أن يبسطوا نفوذهم على أوروبا كلها.
فإذا استأثرت روسيا بالنفوذ في شرق أوروبا غضب السكسونيون، وإذا استأثر السكسونيون بالنفوذ في غرب أوروبا غضب الروسيون. وليس المهم أن يُعرَف رأي أوروبا نفسها، ولا أن تستمتع أوروبا بحريتها في اختبار حلفائها إذا احتاجت إلى المحالفات؛ فإرادة الشعوب ليست شيئًا ذا خطر، وإنما الشيء ذو الخطر هو هذه الدول المنتصرة والجيوش القائمة التي لا تسرح إلَّا في بطء شديد، وتريد المصادفات الصرفة أن تستكشف القنبلة الذرية في آخر لحظة، وأن يستكشفها ويحتفظ بأسرارها ودقائقها الحلفاء السكسونيون. والقنبلة الذرية قوة مروعة تخيف من لا يخاف، وتخضع من لا يريد الخضوع، فالذين يحتفظون بأسرارها متفوقون ما في ذلك شك، وإذن فلا بد لروسيا من أن تقلق، ولا بد للعهود والمواثيق من أن تُمتحَن، ولا بدَّ للقلوب من أن تظهر على دخائل القلوب. فإذا كان الحلفاء المنتصرون صادقين فيما يظهر بعضهم لبعض من حب، أوفياء بما أعطى بعضهم لبعض من عهد، فلا ينبغي أن يُحجَب سر القنبلة الذرية على الروسيين، ولا ينبغي أن تُحجَب أسلحة الروس السرية على الحلفاء السكسونيين.
وكان الناس يظنون أن اجتماع واشنجطون قد يُقرِّب مسافة الخلف بين العصبتين، فتفضي كل منهما إلى الأخرى بذات النفس ودخيلة الضمير، وأصبح للأسلحة السرية هنا وهناك شركة تقوم على المساواة بين المنتصرين من الطبقة الأولى. ولكن الحوادث تكشف عن غير ما كان الناس ينتظرون، فسيظل أمر القنبلة الذرية سرًّا سكسونيًّا حصينًا إلى أن تعلن روسيا مطالبها واضحة صريحة، فإن قُبِلَتْ هذه المطالب جُعِل أمر القنبلة الذرية إلى الأمم المتحدة، وأقول أمر القنبلة الذرية ولا أقول سرها، فقد يظهر أن سرها شيء، وأمر استخدامها لإقرار الأمن والنظام شيء آخر.
وكذلك تم اجتماع واشنجطون، وتفرَّق المجتمعون، وظل العالم حيث كان من القلق والخوف وسوء الظن، بل حدث من القول والفعل ما يزيد العالم قلقًا وخوفًا. فقد يُقال إن في بريطانيا العظمى ميلًا إلى تعديل ميثاق سان فرنسسكو، بحيث يلغي حق الاعتراض الذي احتفظ به للدول الخمس الكبرى، ويعود الأمر سواء كما كان في عصبة الأمم أو قريبًا مما كان في عصبة الأمم. ويومئذ تُستأنَف المساعي الدبلوماسية القديمة، فتُعزَل روسيا كما عُزِلَتْ ألمانيا إلى آخر ما أشار إليه الأستاذ محمود عزمي في بعض أحاديثه منذ أيام.
وفي أثناء ذلك يحدث في إيران ما يحدث من الخطوب، ويُنسَب إلى روسيا ما يُنسَب من الكيد، ويلح السكسونيون في تعجل الجلاء عن إيران، وتضع روسيا أصابعها في آذانها، وتمضي في سياستها الصامتة التي تملأ قلوب الديمقراطيين شكًّا وخوفًا، على أن روسيا ليست وحدها التي تعمل في صمت، فقد يظهر أن أمريكا تعمل في صمت أيضًا، ولكنها تعمل في الصين لا في إيران، ويظهر أنها لا تحسن الصمت كما تحسنه روسيا، فهذا سفيرها في الصين يستقيل في عنف، ويتهم وزارة الخارجية الأمريكية بأنها تتدخل في شئون الصين بما ينافي الديمقراطية فتقبل استقالته، ويُعيَّن خلفه في أقصر وقت ممكن.
أمَّا في غرب أوروبا فالأمر لا يخلو من تعقيد خفي، فلا بد لفرنسا من أن تحالف بريطانيا، ولا بد لبريطانيا العظمى من أن تحالف فرنسا؛ لِمَا بينهما من الجوار واشتراك المصالح في الشرق القريب والبعيد، ولكن لا بد لفرنسا من أن تحالف روسيا أيضًا، وهي قد حالفتها بالفعل، ولا بد من توثيق هذه المحالفة التقليدية؛ لتحقيق التوازن بين شرق أوروبا وغربها، ولاتقاء الخطر الألماني في المستقبل.
ولذلك ينظر وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة ويفاوضها، وفي الوقت نفسه تستعد بعثة فرنسية للسفر إلى روسيا لتفاوض في شئون المال والتجارة والاقتصاد. فقد يظهر أن البلدين في حاجة إلى التعاون الوثيق على هذه الشئون كلها.
وكذلك أخفق المؤتمر الذي عقده وزراء الخارجية في آخر الصيف، وظن الناس أن زعماء الحلفاء سيقهرون المصاعب، ويذللون العقبات، ويقربون آماد الخلاف. فلما كان اجتماع واشنجطون ظن الناس أنه الخطوة الحاسمة في إزالة الخوف وسوء الظن، ثم تبين للناس أنه لم يُزِل خوفًا وإنما أضاف قلقًا إلى قلق، وشكًّا إلى شك.
ومع ذلك، فما أيسر التقارب والتعاون وإقامة العالم الجديد على أسس من الحق والعدل والإنصاف، لو خلصت نيات الحكومات كما خلصت نيات الشعوب؛ فالشعوب لا تريد جورًا ولا ظلمًا ولا استئثارًا.
ولكن يظهر أن طبيعة الحياة الإنسانية تقضي أن تريد الشعوب شيئًا وتريد الحكومات شيئًا آخر، وأن تخضع الشعوب لما تريده الحكومات؛ لأن الشعوب لم تعرف بَعْدُ كيف تحكم نفسها. -
في الشرق
في الشرق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٥ نوفمبر ١٩٤٥
ليست خطوب الغرب يسيرة ولا هينة، فللغرب مشكلاته المعقدة التي تزداد عسرًا من يوم إلى يوم،
ولكن الغرب قد ألف المشكلات، وعرف كيف يخرج منها بالصبر والأناة مرة، وبالتعجل والخصومة مرة
أخرى، وبالحرب التي لا تبقي ولا تذر حين لا يكون بدٌّ من الحرب، فلندع الغرب ومشكلاته التي لا
تنقضي، ولننظر إلى الشرق ومشكلاته التي تريد أن تكون كمشكلة الغرب شائكة معقدة شديدة
الاختلاط.
ومشكلات الشرق لا تأتيه من نفسه الآن على أقل تقدير، وإنما تأتيه من الغرب، فما نعلم أن دولة
شرقية تريد أن تعتدي على دولة شرقية أخرى، ولا أن شعبًا شرقيًّا يريد أن يستذل شعبًا شرقيًّا
آخر. ولو تركت أمور الشرق للشرق، لكان من المرجح أن يمضي في طريقه إلى الرقي، وأن يسير في هذه
الطريق سيرًا هادئًا مطردًا، حتى يبلغ منه ما يشاء الله له أن يبلغ في غير اضطراب ولا اختلاط،
ولكن شئون الشرق لا تترك للشرق، وإنما يتدخل فيها الغرب تدخلًا متصلًا، فيعقِّدها تعقيدًا
متصلًا، ويستنفد جهود الشرق في غير مصلحته، وفي غير مصلحة الغرب أيضًا، في هذا الجهاد العنيف
الذي يفني القوة، ويشيع في النفوس أملًا قليلًا، ويأسًا كثيرًا، وحزنًا دائمًا على كل
حال.
وليس في الشرق الآن مكان يمكن أن يُقال: إن القلوب فيه مطمئنة، وإن النفوس فيه راضية، وإن
الأمور تجري فيه على ما يحب الشرقيون، أو على ما يحب الغربيون، أو على ما ينبغي أن تجري عليه
الأمور لترقية الحضارة، وتحقيق منافع الناس جميعًا، وإقامتها على أساس صحيح من العدل والمساواة
والإنصاف.
فالشرق الأقصى مضطرب أشد الاضطراب وأعنفه وأبغضه، وليس لهذا الاضطراب سبب إلَّا أن الأوروبيين
الذين سفكوا دماءهم ودماء غيرهم لمحق الظلم، وإقامة العدل، لم يستطيعوا أن يتسلَّوا بعدُ عن هذا
الظلم الذي ألفوه، وأقاموا عليه. وكان من المنتظر — بعد أن تضع الحرب أوزارها، وبعد أن تنهزم
اليابان هذه الهزيمة المطلقة — أن تخلص أمور الصين للصين وحدها، ولا سيما بعد أن قيل ألف مرة
ومرة: إن الصين دولة من الدول الخمس العظمى التي تشارك في إقامة العالم الجديد. ومن الواضح كل
الوضوح أن شئون الصين ليست خالصة للصين وحدها، وإنما هي مشتركة بين الدول الكبرى الأوروبية
والأمريكية، وهي موضوع نزاع أقله ظاهر، وأكثره خفي بين الروسيين والأمريكيين.
ومن الخطأ أن يُقال أو أن يُظن أن الإنجليز ينظرون إلى شئون الصين نظرة مبرَّأة من الطمع
والاستعمار؛ فالمصالح الأوروبية الأمريكية معقدة في الصين أشد التعقيد، ولم تبلغ الصين بعدُ من
الرقي في الحضارة المادية الخالصة ما يتيح لها الاستغناء عن أولئك أو هؤلاء؛ فللدول الأوروبية
الكبرى فيها الامتيازات والمستعمرات ومناطق النفوذ السياسي والاقتصادي، ولا بد لهذه الدول من أن
تحافظ على امتيازاتها؛ فإن نزلت عن شيء منها فلن تنزل عنه إلَّا بثمن مدفوع.
وقد انتشرت الشيوعية في بعض أجزاء الصين، وقامت لها قائمة ذات خطر، فانقسم أهل الصين على
أنفسهم، وكان الطبيعي أن يُخلَّى بين الصينيين وبين شئونهم، ينظمونها كما يشاءون، ولكن للشيوعية
نصيرًا عظيمًا، ولخصوم الشيوعية أنصارًا عظماء، وفي الصين قوًى أمريكية هائلة. وبين روسيا
والصين جوار ومصالح مشتبكة، فالخصومة بين الشيوعية ورأس المال في الصين هي الخصومة بين الشيوعية
ورأس المال في أقطار الأرض كلها، ولكنها مسلحة في الصين بالأسلحة الأمريكية والروسية.
فليس من الغلو أن ننظر إلى ما يجري الصين الآن كما كنَّا ننظر إلى ما كان يجري في إسبانيا قبل
الحرب العالمية الثانية. وإذن فاختلاط أمر الصين كان خليقًا أن يصلح وينتهي إلى كلمة سواء، لو
لم يتعقد بتعارض المصالح الأمريكية والروسية في تلك الأقطار.
وللأوروبيين مستعمرات كانوا يستغلونها قبل الحرب منذ أزمان طويلة أو قصيرة، غلبتهم عليها
اليابان أعوامًا قليلة، ثم هُزمت اليابان، فهمَّ الأوروبيون أن يستردوا مستعمراتهم، ولكن هذه
المستعمرات خطر لها أنها تستطيع أن تسترد حريتها بعد أن انتصر الحق والعدل في أعقاب هذه الحرب
التي شبَّت لتحق الحق، وتنشر العدل. فما أسرع ما تبينت هذه المستعمرات أنها تمنَّت، وأن التمني
شيء والظفر بالأماني شيء آخر، وأن الحرب لم تشبَّ لإحقاق الحق، ونشر العدل، وإنما شبَّت ليزداد
القوي قوة، وذو البأس بأسًا، وليمنع الطامعون من المنافسة، وإثارة المشكلات.
فلم يكن المهم أن ينتصر الحق، وينتشر العدل، بمقدار ما كان المهم أن تردع ألمانيا وإيطاليا
واليابان عن الطمع والمنافسة في الاستعمار، وأن تظل الأرض خالصة للذين كانوا يستأثرون بها من
دون الناس!
وكذلك نشهد الآن هذه الآثام التي تقترف في الشرق الأقصى، فأهل إندونيسيا يريدون أن يستقلوا
بشئونهم تنفيذًا لما بذل المنتصرون للناس من المواثيق، فيُقال لهم: بل يجب أن تخضعوا لهولندا،
فقد كنتم خاضعين لها من قبل، ولم يحدث في العالم شيء جديد يدعو إلى أن يتغير النظام القديم.
فإذا أبى أهل إندونيسيا أن يذعنوا؛ صُبَّ عليهم الموت، وسُلطت عليهم ألوان الهول، ووضع
المنتصرون أصابعهم في آذانهم حتى لا تبلغهم أصوات الذين يطالبون بالحق والعدل والإنصاف. وليس من
المهم أن يستمتع تسعون مليونًا من الإندونيسيين بحقهم في الحرية والاستقلال، وإنما المهم أن
يستمتع ثمانية ملايين من الهولنديين بما كانوا يستمتعون به قبل الحرب من الاستعمار
والاستغلال.
أولئك شرقيون يجب أن يخضعوا، وهؤلاء غربيون يجب أن يسودوا، وقد ضحَّت هولندا في سبيل حلفائها
الإنجليز، فيجب أن تُضحِّي بريطانيا العظمى في سبيل حلفائها الهولنديين. والنتيجة أن الحرب قد
وضعت أوزارها، ولكن الدماء ما زالت تسفك في الشرق الأقصى؛ لأن أوروبا لم تتسل عن الاستعمار، ولم
تؤمن قط إيمانًا صادقًا خالصًا بردِّ الحقوق إلى أهلها، وإنما آمنت ببذل الوعود ليس غير.
والذي يحدث في إندونيسيا يحدث مثله في الهند الصينية، فما ينبغي أن تسترد هولندا مستعمراتها،
وتقصر فرنسا في استرداد ما كان لها من المستعمرات. ولم تكن فرنسا أقل تضحية في سبيل الحلفاء من
هولندا، وهي التي تلقت الصدمة الأولى، وتفوقت في المقاومة، وشاركت في قهر ألمانيا. ومع ذلك
فالبريطانيون لا يساعدون فرنسا على استرداد مستعمراتها في الشرق الأقصى إلَّا مساعدة فاترة توشك
أن تكون سلبية، ولو استطاعوا لردُّوها عن هذه المستعمرات؛ لأن المنافسة خطرة بين فرنسا
وبريطانيا العظمى، وليست خطرة بين هولندا وبريطانيا العظمى.
وقد حدثتنا الأنباء بأن أهل بورما أيضًا يطالبون بالاستقلال، ويجاهدون في سبيله، ولكن بورما
كانت مستعمرة بريطانية، فيجب أن تظل مستعمرة بريطانية، وفي جيوش الإمبراطورية البريطانية من
القوة ما يكفي لإقناعها بالخضوع لسلطان الاستعمار. وقصة الهند أظهر من أن تحتاج إلى أن يتحدث
عنها المتحدثون؛ فقد تطلب الهند الاستقلال كما تشاء، وقد تقول الهند أنها شاركت في الحرب،
وشاركت في النصر، ومن حقِّها أن تشارك في ثمرات هذا النصر. وقد تستطيع الهند أن تقول أن أبناءها
ما زالوا يعملون ويسفكون دماءهم في خدمة الإمبراطورية، وفي معونة حلفاء الإمبراطورية؛ فجنود
الهند يصبُّون الموت على أهل إندونيسيا معونةً للهولنديين. تستطيع الهند أن تقول هذا، وأن تقول
أكثر من هذا، ولكن أهلها مختلفون، ويجب أن يظلوا مختلفين؛ لأن في هذا الاختلاف تثبيتًا
للاستعمار البريطاني.
أمَّا الشرق الأوسط، فأمره عجب أي عجب، كانت إيران هادئة مطمئنة، ماضية في حياتها لا تؤذي
أحدًا، ولا يؤذيها أحد، فلما شبَّت الحرب ظهر أن احتلالها ضروري لمصلحة الحلفاء فاحتلوها،
وغيَّروا نظام الحكم فيها، وقطعوا على أنفسهم العهد مع ذلك؛ لأنهم لن يعرضوا استقلالها للخطر،
ولن يطيلوا الإقامة في أرضها بعد انقضاء الحرب، وقد انقضت الحرب، وما زال الاحتلال للأرض
الإيرانية باقيًا، يقيم الروسيون في جزء من هذه الأرض، ويقيم البريطانيون في جزء آخر، وينظر كل
فريق منهما إلى صاحبه نظرة الشك والاضطراب، ويشيع كل فريق منهما عن صاحبه ما يريد من
الإشاعات.
وتطلب إيران إلى أولئك وهؤلاء أن يفوا بالعهد، فتظفر منهم بالأجوبة الحلوة المعسولة، وتذكر
قول الشاعر القديم:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ
الثعلب
وتشبُّ الثورة في إيران، تشبُّ نفسها أو يشبُّها الأجنبي، فإذا أرادت إيران أن تقر النظام في
نصابه مُنعت من ذلك منعًا. ويغضب الإنجليز لأن الروس يمنعون إيران من إقرار النظام في المنطقة
الشمالية، ولو شبَّت الثورة في المنطقة البريطانية لجاز أن تمنع إيران من ردِّ النظام إلى
نصابه، ولغضب الروس من تدخل الإنجليز في شئون إيران. أولئك وهؤلاء يفكرون في أنفسهم وفي مصالحهم
أكثر مما يفكرون في إيران ومصالح الإيرانيين.
وفي الثورة الإيرانية خطرٌ على تركيا، وخطر على العراق، فالبريطانيون قلقون لهذا الخطر، لا
لأنه قد يؤذي تركيا أو قد يؤذي العراق، بل لأنه قد يضيِّع بعض المصالح الكبرى للإمبراطورية؛
فينبغي أن يستقر النظام والهدوء في تركيا والعراق لتسلم مصالح الإمبراطورية البريطانية في الشرق
الأدنى، والشرق الأدنى — كما تعلم — هو نقطة الاتصال بين الإمبراطورية ومستعمراتها.
ومن أجل هذا كان هدوء الشرق الأدنى شيئًا خطيرًا جدًّا بالقياس إلى حلفائنا وأصدقائنا
البريطانيين، فيجب ألَّا يتعرض هذا الهدوء لخطر مهما يكن مصدره، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى
لا يصل الشر من إيران إلى تركيا أو إلى العراق، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى لا تضطرب الأمور
في شرق البحر الأبيض المتوسط بحال من الأحوال، فإذا أخطأ الفرنسيون فنكثوا بوعودهم، واضطرب
السوريون واللبنانيون؛ فإن بريطانيا العظمى قادرة على أن ترد الفرنسيين إلى الصواب، وتضطرهم إلى
البرِّ بالوعد، والوفاء بالعهد، والجلاء عن سوريا ولبنان، فإذا قالت سوريا ولبنان: هذا حسن،
ولكننا نريد الجلاء الكامل، جلاء الأجانب جميعًا؛ قال البريطانيون: سيتم هذا الجلاء، ولكن بعد
أن نتفق على أن الشرَّ يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من إيران، كما يمكن أن يأتي من الشرق
الأدنى، من موقف الفرنسيين في سوريا ولبنان، ولكنه يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من فلسطين؛
حيث يقوم الانتداب البريطاني، وحيث يعجز هذا الانتداب عن حفظ النظام؛ لأنه لا يريد — أو لا
يستطيع — أن ينصف العرب ويرد الحق إلى أهله.
وهذه هي المشكلة المعقدة حقًّا؛ فليس الروس هم الذين يُعقِّدون الأمر في فلسطين، وليس
الفرنسيون هم الذين يعقِّدون الأمر في فلسطين، وإنما الذين يعقِّدون الأمر هم الإنجليز أنفسهم
وحلفاؤهم الأمريكيون. هم خلقوا مشكلة فلسطين من لا شيء، وهم تبرعوا بما لا يملكون، وهم وعدوا
بما لا يستطيعون تنفيذه، وهم أعطوا وعودًا متناقضة للعرب واليهود جميعًا، وصدَّقهم أولئك
وهؤلاء. فلما حان وقت الوفاء سقط في أيديهم، ووقفوا موقف الحيرة الذي يقفونه، والذي يجر على
الشرق الأدنى وعليهم شرًّا كثيرًا.
وقد يأتي الشر إلى الشرق الأدنى من مصر، فلمصر حقوق تطالب بها، وتعتقد أن قد آن الوقت لترد
إليها هذه الحقوق، وهي تعتقد أنها تملك هذه الحقوق من طبيعة الأشياء؛ لأن الله قد خلقها حرة،
فما ينبغي أن يستعبدها أحد، وهي تملك هذه الحقوق؛ لأنها ضحت في سبيلها بالكثير أثناء الحرب، بل
أثناء الحربين، فإذا لم تُرد إليها هذه الحقوق فقد تغضب، وقد يكون غضبها مصدر شر عظيم، يعرِّض
مصالح الإمبراطورية البريطانية للخطر.
وقد يأتي الشر من أفريقيا الشمالية، فهي أيضًا تريد أن تكون حرة؛ لأن الله قد خلقها حرة،
ولأنها بعيدة العهد جدًّا بالحرية والاستقلال. فالشر — كما ترى — يمكن أن يأتي من كل مكان في
الشرق، ولا بد من الاحتياط له، ولكن كيف يكون هذا الاحتياط …! يكون بإحدى ثلاث ليس لهن رابعة،
الأولى: أن تظل أوروبا في حرب متصلة، فتحشد قوة هائلة في كل جزءٍ من أجزاء الشرق؛ لتمنع أهله من
أن يثوروا. وليس إلى هذه الخصلة سبيل، فأهل أوروبا متعبون، يحتاجون إلى شيءٍ من الراحة،
وإكراههم على الحرب المتصلة لا سبيل إليه. الثانية: أن يذعن الغرب لما يطلبه الشرق، فيرد إليه
حقوقه كاملة، واستقلاله موفورًا، وليس إلى هذه الخصلة من سبيل إلَّا أن تمس الأوروبيين عصًا
ساحرة، فيصبحوا بين لحظة وأخرى ملائكةً أبرارًا. الثالثة: هي أن يلجأ الغرب إلى المداورة
والمناورة، فيصطنع الترغيب حينًا، والترهيب حينًا آخر، والتخويف مرة، والإطماع مرة أخرى.
وهذه هي الخصلة التي سيصطنعها الغرب غدًا؛ لأنه يصطنعها اليوم، ولأنه اصطنعها أمس، ولأنها
بلَّغته إلى الآن كل ما أراد. وليست المسألة المهمة هي ما عسى أن يصطنع الغرب ليواجه طموح الشرق
إلى الحرية، فجواب هذه المسألة معروف، وإنما المسألة هي: ما عسى أن يَصنع الشرق ليجعل طموحه إلى
الحرية حقيقةً واقعةً؟ -
مستقبل الاستعمار
مستقبل الاستعمار
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٦ أغسطس ١٩٤٥
كانت وعود الحلفاء أثناء الحرب حين كانت الخطوب تتلاحق، والكوارث تتابع، والمحن يقفو بعضها إثر بعض …
كانت وعود الحلفاء رائعة حقًّا؛ فهم قد ضمنوا للعالم سلامًا دائمًا، وأمنًا متصلًا من العدوان والحرمان والخوف والجوع، واستمتاعًا مستقرًّا بحرية الرأي والقول والعمل والدين.
وكانت هذه الدعوة الرائعة ملحة تتكرر في كل يوم، لا يدار مفتاح الراديو إلا سُمعت من المذيعين، ولا تنشر صحيفة إلَّا قُرِئتْ فيما يذاع من المقالات المُدبَّجة، والفصول المنمقة، والأخبار الطوال، حتى استيقن أصحاب السذاجة وأصحاب الثقافة الممتازة، والذين يتوسطون بين أولئك وهؤلاء، أن هذه الوعود ستصبح حقائق واقعة متى وضعت الحرب أوزارها.
وقد وضعت الحرب أوزارها، وأخذ قادة العالم الجديد يضعون أسس العالم الجديد، واتجهت العقول والقلوب والأبصار والأسماع إلى سان فرانسسكو لترى فَجْرَ عالم العدل والأمن والحرية، ولتتنسم هذا النسيم الجديد الذي يملأ النفوس رضًا وبهجة وأملًا، ولكنها ارتدت خاسرة حاسرة، وبائسة يائسة؛ فقد وضعت أسس العالم الجديد، ولم يُضمَن فيها للناس أمن من خوف ولا من جوع، كما لم يُضمَن للناس استمتاع بحرية أو استقلال، وإنما قام العالم الجديد على ما قام عليه العالم القديم من الأسس: توازن بين الأمم القوية من جهة، وتسلط على الأمم الضعيفة من جهة أخرى، واستغلال الشعوب المتأخرة في الحضارة من جهة ثالثة.
وإذن فستطلع الشمس وتغرب على نفس العالم الذي كانت تطلع عليه وتغرب من قبلُ لا يتغير إلا تغيرًا ضئيلًا ظاهرًا … فقد قلَّ عدد الأمم القوية فأصبحت ثلاثًا بعد أن كانت ستًّا أو سبعًا، وكثر عدد الأمم الضعيفة، وتفاوتت في الضعف؛ فمنها ما لا خطر له من قوة، ومنها ما له من القوة حظ متواضع، ومنها ما لا يخاف الآن، ولكنه سيخاف غدًا أو بعد غد، ومنها ما لا يخاف اليوم ولا غدًا ولا بعد غد …
أمَّا الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار فظلت خاضعة للاستعمار، ولكن الأمر فيها يختلف اختلافًا شديدًا، فقد همَّت بعض الأمم المنتصرة أن تفكر في إصلاح حالها شيئًا ما، وأن تتحدث عن تهيئة مستقبل حسن لها في الغد القريب أو البعيد، ولكنها رُدَّت عن ذلك ردًّا عنيفًا، وتقرر في مؤتمر سان فرانسسكو أن ليس لأحد أن يتعرض للمستعمرات التي كانت في أيدي المنتصرين قبل الحرب. أمَّا مستعمرات الأمم المغلوبة فسيُنظر في أمرها؛ أي في تقسيمها بين المنتصرين، وفي طريقة إدارتها، وفي الغرض من هذه الإدارة …
وتقرر مجاراةً للرأي العام العالمي، وإرضاء للعدل والأخلاق، في ظاهر الأمر على أقل تقدير، أن الغرض الأساسي للاستعمار إنما هو الوصول بالمستعمرات إلى الاستقلال الذاتي في يوم من الأيام. والمهم أن المؤتمرين في سان فرانسسكو تفرقوا دون أن يقدموا للعالم خطوة قريبة أو بعيدة نحو هذه الحرية الشاملة الكاملة التي وُعد الناس بها طوال ستة أعوام.
فالإمبراطورية البريطانية محتفظة بمستعمراتها القديمة، منتظرة ما سيضاف إليها من أملاك المغلوبين، والإمبراطورية الفرنسية محتفظة بمستعمراتها على شيء من الشك والتردد في مصير بعض هذه المستعمرات في الشرق الأقصى، وقل مثل ذلك بالقياس إلى هولندا وبلجيكا، والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأقصى نظرة طامعة طامحة فيها كلف كثير، وشغف كثير، وعطف كثير على المستضعفين، وتنظر إلى الشرق الأدنى والشرق الأوسط نظرة فيها كثير من الحرص على تحقيق المصالح التجارية والاقتصادية بتأييد من النفوذ السياسي العظيم، وروسيا تنظر إلى الشرق الأقصى وإلى الشرق الأوسط كما تنظر إليهما الولايات المتحدة، فهي تحب الصين حبًّا جمًّا، وتعطف على إيران عطفًا عظيمًا، ولا تكره مداعبة جارتها تركيا. وكما أن الولايات المتحدة هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في القارة الأمريكية كلها، فقد يحسن أن تكون روسيا هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في شرق أوروبا ووسطها، وفي بلاد البلقان أيضًا. كل هذا على أساس العدل والأمن والحرية والمساواة بين الشعوب!
ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد في الاستعمار لا يخلو من طرافة، وهو هذا الذي أذاعته الحكومة الفرنسية أمس الأربعاء. ولأجل أن نفهم طرافة هذا الاتجاه يحسن أن نتبين في شيء من الإيجاز الصورة القديمة للاستعمار، فقد عرف العالم المعاصر أنواعًا مختلفة من الاستعمار، أبسطها هذا الاستعمار الخالص الذي تخضع فيه المستعمرات خضوعًا مطلقًا لسلطان الأمم التي تستعمرها؛ فليس لهذه المستعمرات حق في أن تحكم نفسها، أو تدبر أمرها، أو تتصرف في شأن من شئونها، وإنما هو الاستغلال المطلق. وهذا النوع من المستعمرات شائع بين الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة؛ فلإنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، بل لإسبانيا والبرتغال مستعمرات تستغلها على هذا النحو.
وهناك نوع آخر من المستعمرات له لون من الاستقلال الشكلي بشئونه الداخلية يطلق عليه أحيانًا اسم الحماية، وتطلق عليه أحيانًا أسماء أخرى، ولفرنسا وإنجلترا مستعمرات معروفة من هذا النوع الذي يستمتع بشيء من الشخصية، ولكنه لا يكاد يستمتع بشيء من الحق. على أن المثل الأعلى الذي وصل إليه العالم الحديث في الاستعمار هو هذا الذي حققته الإمبراطورية البريطانية بالقياس إلى مستعمراتها المستقلة، فكندا وأفريقيا الجنوبية وأستراليا وزيلندا الجديدة بلاد مستقلة استقلالًا داخليًّا تامًّا، لها نظمها البرلمانية الكاملة، وهي مستقلة استقلالًا خارجيًّا كاملًا أيضًا لا تحده إلا مصالح الإمبراطورية؛ فسياستها الخارجية يجب أن تكون متسقة مع السياسة الإمبراطورية الخارجية.
ومن أجل ذلك وُجد هذا النظام الرائع الذي يقضي بالتشاور بين الحكومة البريطانية في لندرة، وبين حكومات المستعمرات المستقلة في كل ما يتصل بالسياسة العالمية. فالصلة إذن بين بريطانيا العظمى وهذه المستعمرات أشبه بأن تكون صلة تحالف دقيق متين منها بأي شيء آخر.
وصاحب الجلالة البريطانية ملك لكل مستعمرة من هذه المستعمرات، كما أنه ملك للمملكة المتحدة.
وقد أنشأت الحرب العالمية الأولى نظام الانتداب، ولكنه نظام لم ينجح، وإنما أخفق إخفاقًا شنيعًا في بعض المواطن، وتحول إلى النظام الاستعماري القديم في بعضها الآخر. أمَّا الاتجاه الجديد، الذي استحدثته فرنسا وأذاعته أمس، فهو هذا الذي يرمي إلى أن تشترك أجزاء الإمبراطورية الفرنسية كلها في وضع النظام الدستوري الفرنسي الجديد، فسينتخب الفرنسيون في شهر أكتوبر المقبل أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع للجمهورية الرابعة دستورها.
وكان المنتظر أن يُقصَر حق العضوية في هذه الجمعية على الفرنسيين دون غيرهم من أهل الإمبراطورية، وكان المنتظر أيضًا أن تُعنى الجمعية التأسيسية إلى جانب الدستور الفرنسي الخاص بوضع نظام للإمبراطورية يحدد العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها، وكان المنتظر كذلك أن يكون هذا النظام أدنى إلى الحرية والتسامح، وأشد تأثرًا بما يخضع له العالم من التطور الحديث، ولكن الفرنسيين خطوا خطوة لا تخلو من الجراءة حين أشركوا أجزاء الإمبراطورية في وضع الدستور الفرنسي، وفي وضع النظام الإمبراطوري أيضًا.
وقد علل المسيو جاكوبي، وزير المستعمرات، هذه الخطوة الجريئة في الإذاعة التي حملها إلينا الراديو أمس، بأن الإمبراطورية قد وفت لفرنسا في محنتها فقاومت الألمان والإيطاليين واليابانيين، كما قاومها الشعب الفرنسي نفسه، ثم أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال في جميع أقطار الأرض، ثم أرسلت أبناءها إلى أوروبا لتحرير الشعب الفرنسي نفسه، وأعانته على طرد الألمان من الأرض الفرنسية، وما دامت الإمبراطورية قد نهضت بالواجبات التي نهض بها الشعب الفرنسي، فمن العدل أن تشترك في الحقوق التي يستمتع بها الشعب الفرنسي.
وكذلك سترسل المستعمرات نوَّابها إلى الجمعية التأسيسية، وسيختلف الانتخاب في هذه المستعمرات باختلاف حظوظها من الحضارة والرقي، فيكون عامًّا مباشرًا في بعضها، ويكون محدودًا غير مباشر في بعضها الآخر. والمهم هو أن الإمبراطورية ستُعامل معاملة الفرنسيين، فتستمتع بحقوقهم كما نهضت بواجباتهم. والفرنسيون أصحاب تجديد دائمًا، وقلما يمضي عصر من العصور دون أن يبتدعوا فيه شيئًا جديدًا، فخطوتهم هذه الجريئة لا تخلو من طرافة، ولكن إلى أي حد يمكن أن يقال: إن هذه الخطوة ستخفف من عنف الاستعمار، وستُرضي طموح المستعمرات إلى الحرية والاستقلال؟
هذه هي المشكلة الكبرى؛ فالفرنسيون فخورون بحقوقهم الوطنية، مكبرون لديمقراطيتهم، وحريتهم، ونظمهم الدستورية، ولكنهم قد يخطئون إن ظنوا أن الناس جميعًا يشاركونهم في هذا الفخر، ويشاطرونهم هذا الإعجاب. ومن المعقول أن يُؤثِر بعض الشعوب حياته المتواضعة ووطنيته اليسيرة، وأن يطمع في نمو طبيعي ملائم لتقاليده وعاداته وحضارته الموروثة، ويُؤثِر هذا كله على أن يشارك في الحقوق الوطنية الفرنسية. وليس من شك في أن الشعوب العربية التي تخضع للسلطان الفرنسي في أفريقيا الشمالية مثلًا تُؤثِر وجودها الشخصي العربي، واستمتاعها باستقلالها الخاص وتطورها في حدود ما ورثت من حضارة وتقاليد على أن تكون جزءًا مقوِّمًا للوطن الفرنسي العظيم.
ومن المحقق أن المراكشي يؤثر ألف مرة أن يكون مراكشيًّا مستقلًّا حليفًا لفرنسا أو صديقًا لها، على أن يكون فرنسيًّا له ما للفرنسيين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات.
فالخطوة التي اتخذتها فرنسا طريفة من غير شك، جريئة من غير شك، حسنة من غير شك، ولكن بشرط أن تكملها الجمعية التأسيسية، وأن تضع النظام الإمبراطوري الذي يسمح لبعض أجزاء الإمبراطورية بأن تحيا حياة مستقلة، تقوم على المحالفة والصداقة لا على الارتباط بحقوق الوطنية الفرنسية وواجباتها، وأكبر الظن أن العرب في شمال أفريقيا، وأن أهل الهند الصينية في الشرق الأقصى لن يرضوا بأقل من هذا.
فإذا كانت فرنسا تريد أن تستقبل العالم الجديد بشيء من الهدوء الذي يكفل لها استئناف حياتها المجيدة؛ فقد يظهر أنها مضطرة إلى أن تسير مع بعض الشعوب التي تشارك في الإمبراطورية الفرنسية، كما تسير بريطانيا العظمى مع كندا وأستراليا وغيرهما من المستعمرات المستقلة.
هذا من ناحية الحياة الفرنسية الخاصة، على أن هناك وجهًا آخر لمشكلة الاستعمار في مستقبل العالم الجديد، فقد أصبح الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أساسًا من أسس التوازن الدولي خارج أوروبا، وقد ظهر بوضوح شديد حرص المنتصرين على تحقيق هذا التوازن، فقد تفوقت الولايات المتحدة في المحيط الهادي وفي الشرق الأقصى، ونظرت بريطانيا العظمى فإذا هي محتاجة إلى أن تسند نفسها بما يكفل التوازن بينها وبين حليفتها الأمريكية العظمى؛ ولذلك تغير اتجاه السياسة البريطانية نحو فرنسا تغيرًا سريعًا، ظهر في رسالة الملك جورج السادس إلى الجنرال دي جول بمناسبة استسلام اليابان، ولم يكد اتجاه بريطانيا العظمى يتغير نحو فرنسا حتى ظهر أثر ذلك في السياسة الأمريكية، وبعد أن كان الفرنسيون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا على الهند الصينية، أصبحوا مطمئنين يشاركون في تلقي إذعان اليابان من جهة، وفي تنظيم شئون الشرق الأقصى من جهة أخرى.
وكذلك يقوم أمر الاستعمار على تحقيق التوازن خارج أوروبا بين هذه الدول الثلاث المنتصرة، كما يقوم أمر إنهاض أوروبا على تحقيق هذا التوازن نفسه، وفرنسا هي التي تُحقق التوازن بين الإنجليز والروس في أوروبا، وبين الإنجليز والأمريكيين في الشرق الأقصى، وإذا لم أُخطئ الفهم فسيلجأ العمال إلى فرنسا لتحقق التوازن بين الإنجليز والروس في الشرق الأوسط وفي الشرق الأدنى مُشتَرِكةً في ذلك مع تركيا.
والخلاصة أن مستقبل الاستعمار في العالم الجديد كماضي الاستعمار في العالم القديم، يقوم على التنافس وتعارض المنافع بين الأقوياء أكثر مما يقوم على النظر إلى حقوق الضعفاء؛ فعلى الأمم الضعيفة أن تختار بين اثنتين: فإما أن تكون نهبًا مقسمًا، وإما أن تكد وتجد وتشقى وتحتمل لتلقي في نفوس الأقوياء شيئًا من الاحترام يحملهم على أن ينزلوا عن بعض الأثرة، ويحسبوا لها بعض الحساب. -
وزارة الإصلاح
وزارة الإصلاح
طه حسين
جريدة البلاغ
٩ أغسطس ١٩٤٥
لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة، حيث أثنت على رئيس الوزراء في مقالها الذي نقل إلينا اليوم؛ لأنه كان حكيمًا حين حرص على ألا يتحول عن المهمة الخطيرة التي ينهض بها، وهي مهمة الإصلاح الداخلي، وعلى ألا يجاري الوفديين فيما يدعون إليه من جعل المطالب المصرية بشأن المعاهدة من المسائل المستعجلة أشدَّ الاستعجال.
لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة في هذا الثناء، ولكن الذي أقطع به هو أن جِدَّها وهزلها ليس من شأنهما أن يسرَّا رئيس الوزراء، أو أن يسرَّا من يحبُّه ويقدِّره ويتمنى له التوفيق. فليس مما يرضي ولا مما يسر أن تثني الجريدة الحالية المحافظة الكبرى في بريطانيا العظمى على رئيس وزارة مصرية بأنه معتدل حكيم حين تكون المطالب الوطنية هي موضوع هذه الحكمة وذلك الاعتدال.
وقد كنت أتمنى لرئيس الوزراء أن يقف الموقف الذي يحمل جريدة المال والمحافظة الكبرى على أن تصفه بالتطرف والغلو. فالحكمة والاعتدال عند التيمس معناهما توخي الآراء التي توافق ميول الغلاة من المحافظين وأصحاب رءوس الأموال وممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى. وهذه الميول ليست هي التي يحسُّها الشعب المصري أو يطمئنُّ إليها، أو يرى فيها تحقيقًا لمطالبه وظفرًا بما يجب أن يظفر به من الاستقلال الكامل الذي يخلص من كل شائبة، ويكفُّ يد الأجنبي عن التدخل في أي شأن من شئون وادي النيل.
ميول المحافظين والغلاة من أصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى الذين تثني جريدة التيمس باسمهم ولسانهم على رئيس الوزراء — لأنه وقف من المطالب المصرية موقف الحكمة والاعتدال — معاكسة بالضبط لميول الشعب المصري. فهؤلاء الغلاة من ممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى يكرهون أن يزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم في العالم، ويأبون أن تنزل بريطانيا العظمى عن أيسر ما تملك من النفوذ في أي قطر من أقطار الأرض. ولا يقبلون تسامحًا ولا تحولًا عن موقفهم هذا، إلا أن تضطرهم إليه الظروف اضطرارًا، وتكرههم الحوادث على أن يتراجعوا قليلًا.
وهم إن فعلوا كارهين حراص على ألا يتأخروا إلا أقل تأخر ممكن، وحراص على ألا يتأخروا إلا وهم يتربصون الدوائر وينتهزون الفرص؛ ليثبوا وثبة قوية أو ضعيفة ترد عليهم ما فقدوا كله أو بعضه أو أكثر منه. فإذا رضي هؤلاء الغلاة عن موقف رئيس الحكومة المصرية من مطالب مصر وأثنوا عليه، ووصفته صحيفتهم الكبرى بالحكمة والاعتدال، فمعنى ذلك من غير تردد أن موقفه يلائم ما يضطرب في نفوسهم من الميل، وما يملأ قلوبهم من الأهواء. وهؤلاء الغلاة من المحافظين وأصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى، مهرة كل المهارة بارعون كل البراعة، يثنون في قصد ويحمدون في تحفظ ويشجِّعون في احتياط.
فالتيمس تُثْنِي على رئيس الوزراء في هذه الجملة القصيرة المحكمة التي تصوِّر كلَّ ما أرادت أن تقول، فتصفه بالحكمة لأنه لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي، وأن يجاري الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال. ثم تمضي بعد ذلك في ألوان من الكلام تلاطف بها رئيس الوزراء حينًا، وتلاطف بها الشعب المصري حينًا آخر. فالرغبة التي أظهرها رئيس الوزراء في تحقيق الاستقلال تصوِّر رغبة المصريين جميعًا. ومصر قد أخلصت أشدَّ الإخلاص وأكمله في تنفيذ المعاهدة، وأعانت حليفتها إلى أبعد حدود المعونة، وهي تستطيع أن تفخر بذلك. كذلك تقول التيمس، وهي صادقة كلَّ الصدق فيما تقول؛ فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء واحد منهم يحبُّ الاستقلال كما يحبونه، ويطمح إليه كما يطمحون إليه. ولكن التيمس نفسها قسمت المصريين قسمين: أحدهما معتدل حكيم لا يتعجَّل الاستقلال ولا يخطف الخطا في السعي إليه، ولا يتحول عليه عن الإصلاح الداخلي، ورئيس الوزراء على رأس هذا القسم، فهو خليق بالثناء والتقدير.
ومن ذا الذي لا يثني على المعتدلين الحكماء الذين لا يشقون على الإمبراطورية البريطانية، ولا يتعجلون جلاء جنودها عن مصر والسودان، ولا يلحون عليها في أن تكفَّ يدها عن التدخل في شئون المصريين؟!
أمَّا القسم الآخر فمتعجل متوثب لا ينام ولا يُنِيم، لا يستريح ولا يُريح، ينتهز كلَّ فرصة ليطالب بالحق. والغريب أنه يجرأ في هذه الأيام — التي تنظم فيها شئون العالم وتقرر فيها مصائر الأمم — على أن يطلب إلى البريطانيين تحقيق ما وعدوا به ألفَ مرة ومرة؛ من الجلاء، وتنظيم المسائل المعلقة بين مصر وبريطانيا العظمى، وإقامتها على أساس من الاستقلال الكامل الصحيح. وهذا القسم هو الكثرة الساحقة للشعب المصري التي تجري مع الوفد إلى غير غاية، وتسايره في غير طريق، تتعجل تحقيق الاستقلال، وتتعجل الجلاء، وتتعجل أشياء كثيرة منها المعقول ومنها غير المعقول؛ ذلك لأنها كثرة وفدية متعجلة متسرعة لا تعرف الحكمة والاعتدال، ولا تحب ما يحب رئيس الوزراء من التمهل والأناة، وانتظار ما قد تأتي به الأيام بعد وقت يقصر أو يطول من فرصة تسنح للمفاوضات حين يرضى عنها الإنجليز، أو حين يطلبها غلاة المحافظين.
ومن خصائص هذه الكثرة الوفدية الجامحة أنها لا تنصرف عن هذا الاستقلال الذي تلحُّ فيه إلى شيء حتى إلى الإصلاح الداخلي؛ فهي دائمًا تطالب بالاستقلال لا يشغلها عنه شاغل، ولا يحولها عنه محول، حتى ولا الغذاء والكساء. فكيف لا يعاف هؤلاء الوفديون الذين لا يريدون حكمة ولا اعتدالًا، ولا يحبون مهلًا ولا أناة، وإنما يطالبون بالاستقلال مصبحين وممسين؟ وكيف لا يفضل عليهم رئيس الوزراء وأصحابه هؤلاء الذين لا يحسنون الصبر والانتظار ويحبون الاستقلال، ولكنهم لا يكرهون أن ينتظروه انتظارًا طويلًا مهما يكن هيامهم به وشوقهم إليه؛ لأنهم يفضِّلون الإصلاح الداخلي، ويرون الحاجة إليه أشدَّ من تعجل الاستقلال.
أترى أني لم أكن مخطئًا حين تساءلت في أول هذا الحديث: أكانت التيمس جادة أم هازلة في ثنائها على رئيس الوزراء؟
وليس من شك عندي في أنها جمعت بين الهزل والجد؛ فهي جادة حين ترضى عن أناة رئيس الوزراء وتمهُّله، وهي هازلة حين تذكر الإصلاح الداخلي الذي يؤثره رئيس الوزراء، وينفق فيه جهده كله ووقته كله، حتى يُشْغَلَ به عن استكمال الاستقلال.
يجب أن تكون التيمس هازلة أو غافلة، وأكبر الظن أنها بعيدة عن الغفلة كلَّ البعد؛ فإن لها في مصر مكاتبين ينبئونها بما يحدث وما لا يحدث من الإصلاح، وأكبر الظن أنها تعلم أن الدورة البرلمانية قد انتهت أول أمس بعد أن اتصلت سبعة أشهر اجتمع فيها مجلس النواب نيفًا وثلاثين مرة أو ستين مرة؛ ففي المسألة قولان، ولها تأويل وتعليل، وأقرَّ فيها البرلمان أمورًا خطيرة جدًّا تصلح الحياة المصرية إصلاحًا كاملًا، وتغير شئون مصر في كل ما يتصل بالاجتماع والاقتصاد والتعليم تغييرًا كاملًا، وتنقل مصر فجأة من الانحطاط الخطير الذي دفعها إليه الوفديون إلى رقيٍّ خطير لا يصل إليه الحكماء المعتدلون. وليس أدلَّ على ذلك من أن سكان مصر ينظرون فلا يرون شيئًا، ويسألون حكومة الإصلاح عن الإصلاح فلا يجدون عندها جوابًا؛ لأنها مشغولة بتحقيق المطالب المصرية. قد أعلنت الحرب، وجمعت الهيئة السياسية العليا، وأرسلت الوفد إلى سان فرانسيسكو، وترجمت ميثاق الأمم المتحدة إلى اللغة العربية والفرنسية، وأذاعته بهاتين اللغتين حتى اعتمدت بعض الشركات التلغرافية على ترجمتنا. وهي بهذا كله قد رفعت صوت مصر عاليًا، وكادت تنطح برأس مصر السحاب، ثم هي قد أنشأت الجامعة العربية، وردت بروتوكول الإسكندرية من التطرف والتعجل إلى الحكمة والاعتدال. فكيف تفرغ للإصلاح الداخلي، والله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه.
وكذلك تشغل الحكومة بالإصلاح الداخلي عن الاستقلال؛ فتستأني في المطالبة به، وتنتظر أن يرسله الله إليها في يوم من الأيام، وتشغل بالاستقلال ومظاهر السيادة الخارجية عن الإصلاح الداخلي، فلا تُشرِّع قانونًا ذا خطر، ولا ترقِّي اقتصادًا ولا اجتماعًا، ولا تحمي جائعًا من جوع، ولا تجد ثوبًا لعريان، ولا تردُّ جهلًا عن جاهل، ولا مرضًا عن مريض. هي مشغولة فارغة وفارغة مشغولة، وهي كما تحب لها أن تكون؛ تذهب إلى الدواوين وتعود إلى الدور، وتتردد بين مجلسي البرلمان، وتتردد بين القاهرة والإسكندرية، وتصمت فيقال حكومة الصمت والعمل، وتتكلم فيقال حكومة العقل الراجح والرأي الناضج والقول السديد.
وماذا يريد المصريون أكثر من هذا حكومة تصفها التيمس بالحكمة والاعتدال؟! والتيمس جريدة كبرى واسعة الانتشار، إذا أثنت على حكومة مصرية نشرت الدعوة لمصر كلها، ورفعت صوت مصر عاليًا بين الأمم، وجعلت لمصر مكانًا ممتازًا تحت الشمس. ماذا يريد المصريون أكثر من هذا؟!
يريدون أن يستقلوا فسيستقلون يومًا ما، ليس في ذلك شك، يريدون أن يجدوا الغذاء والكساء، فليتعلموا الصبر والاحتمال والقناعة والرضا بالقليل. فكل هذه خصال يمتاز بها الشعب الكريم، وكل هذه مشقات يمكن احتمالها في سبيل إقصاء الوفديين المتعجِّلين المتسرِّعين عن مجالس الحكم وعن كراسي البرلمان، ولا بد من أن تتأدب مصر وتتعلم الحكمة والقصد والاعتدال، وترك التسرع والتعجل، وترك الإسراف في المطالبة بالاستقلال قبل أن يحين الحين ويأتي الأوان.
أليس غريبًا أن يقال إن رئيس وزرائنا مشغول بالإصلاح الداخلي، وهو من أجل ذلك لم يجارِ الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال؟! أكانت التيمس تهزل أم تجد حين كتبت هذا الكلام؟! إن التيمس لتعلم حقَّ العلم أن الوزارة القائمة إذا أرادت أن تحقق من الإصلاح الداخلي ما حققته الوزارة الوفدية الأخيرة، فقد تحتاج إلى أعوام وأعوام وإلى جهود وجهود دون أن تبلغ ذلك أو بعضه.
لقد كاد الحَوْلُ يَحُول على نهوض الوزارة القائمة بشئون الحكم، والمصريون ينظرون فيرون أن أمورهم قد تقدمت إلى وراء لا إلى أمام، وارتقت إلى أسفل لا إلى أعلى، وأصبح كل مصري يسأل نفسه: أيمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو وقتًا طويلًا؟! لا نكاد نستثني من هؤلاء المصريين إلا هذه القلة الضئيلة الحاكمة، وهذه القلة نفسها غير راضية ولا مطمئنة. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي إلى تعجل الاستقلال.
وبعد؛ فهل يرضى رئيس الوزراء عن هذا الوضع الذي وضعته فيه التيمس؟ بل هل يرضى رئيس الوزراء وأنصاره في البرلمان عن هذا الوضع الذي وَضَعُوا فيه أنفسهم، حتى وصفوا بالحكمة والاعتدال؛ لأنهم مشغولون بإصلاح لم يحدثوا منه قليلًا ولا كثيرًا؟!
متى يستطيع الناس أن يصارحوا أنفسهم؟ ومتى يستطيع أصدقاء رئيس الوزراء وخاصته وأصحاب ثقته أن يحذِّروه من هذا الموقف الذي اضطر إليه، والذي يوشك أن يضطر إليه مصر أيضًا؛ موقف القناعة والرضا بالقليل والاطمئنان إلى ما لا ينبغي للشعب الحر أن يطمئن إليه، موقف الشعب الذي يمكن أن يقال له — وأتمنى مخلصًا ألا يقال له — ذلك البيت العربي القديم:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
والشيء المؤلم حقًّا هو أن كثرة الشعب المصري لم تبلغ حتى أن تكون طاعمة كاسية. -
غريب
حديث المساء: غريب
طه حسين
كوكب الشرق
٤ مارس ١٩٣٤
وا رحمة بالغريب في البلد النازح
ماذا بنفسه صنعا
فارق إخوانه فما انتفعوا
بالعيش من بعده ولا انتفعا
وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين في هذه الأيام التي يستطيع الناس أن يطووا الأرض فيها طيًّا، أو ينهبوا المسافات فيها نهبًا، بالسيارات حينًا، وفي القطارات حينًا آخر، والتي يستطيع فيها الناس أن يقتحموا الجو اقتحامًا ويلتهموه التهامًا، بالطيارات حين تدعوهم إلى ذلك مرافقهم وحاجاتهم؛ أو حين يدفعهم إلى ذلك ما يُثِيرُهم من الآمال والآلام.
نعم، وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين ولا بالقياس إلى أي بلد من بلاد هذا الشرق العربي، الذي تجمع بين أجزائه صلات المودة والحب، وعلاقات الثقافة واللغة والدين. فالرجل من أهله مقيم في وطنه مهما تبعد به الدار، مضطرب بين مواطنيه مهما تنأَ به الآماد، ما دام لم يخرج من هذا الشرق العربي.
ليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين؛ فما ينبغي أن يكون الرجل من أهل فلسطين غريبًا في مصر، وما ينبغي أن يكون الرجل من أهل مصر غريبًا في فلسطين. ولكن الظروف القاسية، والخطوب العاتية، والأيام السود، تأبى إلا أن يكون المصري غريبًا في مصر، فكيف بالرجل من أهل فلسطين إذا أقام على شواطئ النيل؟
وإذا كان المصري من أهل القاهرة لا يستطيع أن يزور بنها أو قليوب أو طوخ إذا كرهت له الوزارة، أو كرهت منه الوزارة أن يزور هذه المدن، مع أن أرض مصر مباحة للمصريين جميعًا بحكم الدستور والنظام والقانون وطبيعة الأشياء، فكيف ننكر أن يعجز الفلسطيني عن أن يزور مصر أو أن يعجز الفلسطيني عن أن يخرج من مصر عائدًا إلى وطنه مهما تكن الظروف التي تدعوه إلى أن يعود.
نعم، يجب أن يشعر كل شرقي بأنه غريب في الشرق! سواء أكان هذا الشرق وطنه الذي ولد فيه أم لم يكن، ذلك شيء لا منصرف عنه ما دامت أمور الشرق ليست إلى الشرقيين، وما دام الذين يحكمون في الشرق ليسوا هم الشرقيين، وإنما هم قوم آخرون أقبلوا من وراء البحر تسبقهم القوة المدمرة، وتتبعهم القوة المدمرة، ويستطيعون أن يفرضوا إرادتهم وأهواءهم على عباد الله فرضًا. يجب أن يشعر الشرقي بأنه غريب في الشرق ما دام الغربي — والغربي وحده — هو الذي يصرف أمور الشرق ويقضي فيها بما يحب ويريد. ومن يدري؟! لعل شعور الشرقيين بأنهم غرباء في بلادهم، أجانب في أرضهم، سجناء في أوطانهم، لعل هذا الشعور إذا قوي واتصل وتغلغل في أعماق النفوس أن يُثِيرَ في نفوس الشرقيين ما ينبغي أن يثور فيها من الحرص الصحيح المنتج على أن يكونوا أبناء بلادهم حقًّا، وأهل أوطانهم حقًّا، وسكَّان أرضهم حقًّا، لا ينازعون في ذلك، ولا يدافعون عنه، ولا يتحكم فيه المتحكمون.
كل شيء في هذه الأيام يُلْغِي ما بين البلاد والأوطان من هذه الحدود التي أقامتها الطبيعة جبلًا حينًا ونهرًا حينًا، وبحرًا مرة وصحراء مرة أخرى، وكل شيء في هذه الأيام يخفف هذه الفروق التي أنشأتها الطبيعة بين الناس. ولكن هناك شيئًا يقيم مكان الحدود الطبيعية حدودًا أخرى، ويقيم مكان الفروق الطبيعية فروقًا أخرى، ويزيد التقاطع والتدابر بين الناس، وهو ظلم الاستعمار. ظلم الاستعمار يجعل الشرق العربي سجنًا ضخمًا هائلًا يسكنه عشرات الملايين من السجناء، وهو يقسم هذا السجن أقسامًا، ويلزم أهله أن يُقِيموا في هذه الأقسام لا يخرجون منها، ولا يدخلون إليها إلا بإذنه ورضاه، وهو لا يعتمد في إذنه ورضاه على عدل ولا قسط، ولا رحمة، ولا عاطفة، وإنما يعتمد على المنفعة وحدها وعلى هذه المنفعة الآثمة الظالمة التي تجعل الناس عبيدًا للناس في وقت يجب أن يكون الناس فيه كلهم أحرارًا، وأن يكون الناس فيه كلهم سواءً أمام الحق والعدل والإنصاف.
خطرت لي كل هذه الخواطر المظلمة حين أقبل مقبل فأنبأني بأن صديقًا لنا من أهل فلسطين أقام في مصر منذ أعوام، وله في سياسة بلده مذهب يكرهه المستعمرون؛ فهو يقيم في مصر كأنه حر، وأكبر الظن أنه سجين، وهو راضٍ بهذه الحرية الضيقة، وهو مغتبط بهذا السجن الذي اتخذ له من وادي النيل؛ لأن له من السجناء المصريين أصدقاء يحبهم ويحبونه، يخلطونه بأنفسهم ويخلطهم بنفسه، ولكن الحوادث تحدث والنائبات تنوب، والله لم يقطع الصلات كلها بينه وبين وطنه في فلسطين؛ فهناك أهله الأقربون وهناك إخوانه، وهناك أترابه ولِدَاته، وهو يتصل بهم، وهم يتصلون به، يلقاهم إن هبطوا إلى مصر، وتسعى بينهم الكتب إن أقاموا في فلسطين.
ثم جاءته الأنباء بأن أمه مريضة، وبأن مرضها شديد، فهَمَّ أن يذهب للقائها، والعناية بها، وقضاء ما فرض الله وما فرضت الطبيعة وما فرضت الأخلاق من حقها عليه، ولكنه وجد باب السجن مغلقًا، فلما استفتح الباب لم يفتح له، ولما ألحَّ في الاستفتاح لم يحفل به، ولما غلا في الإلحاح لم يلتفت إليه، والمرض هناك في فلسطين يسلك طريقه لا متوانيًا، ولا متباطئًا، لا مفكرًا في أن هناك ابنًا في مصر يريد أن يرى أمه ويجد في الخروج من مصر مشقة وعناءً؛ فمن الخير أن يمهل ومن الخير أن ينتظر لعل قلب السجَّان أن يرقَّ، لعل هذا السجين أن يلقى أمه قبل أن يدركها الموت.
والسجين يستفتح الباب ويرفع إلى السجان ما يأتيه من آراء الأطباء وشهاداتهم بأن المرض يسلك طريقة مسرعًا لا يصطنع رفقًا ولا أناة. ولكن قلب السجان مغلق كباب السجن لا تنفذ إلى قلب السجان رحمة ولا بِرٌّ كما لا يستطيع السجين أن ينفذ إلى أرض وطنه ليرى أمه قبل أن تموت.
ثم يحمل البرق إلى هذا السجين فجيعته في أمه، فلا تذكر حزنه ولا تذكر جزعه ولا تذكر يأسه! فكل هذه أشياء لم يبقَ لها الآن خطر ولا قدر، ولكن اذكر أنه أسرع بهذا النبأ إلى السجان، يسأله أن يفتح له الباب ليسرع إلى وطنه فيؤدي إلى أمه الواجب بعد أن أدركها الموت ما دام قد عجز عن أن يؤدي إليها الواجب قبل أن يدركها الموت. ولكن قلب السجَّان مغلق دائمًا كباب السجن؛ فلن يخرج هذا الصديق الحزين البائس من مصر، ولن يرى أمه ميتة كما أنه لم يرها مريضة، لن يسعى في جنازتها، لن يُصَلِّي عليها، لن يقوم على قبرها، وستسعى هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يشيِّعها ابنها، وستهبط هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يودِّعها ابنها، وستلقى دون الأحياء ودون هذه المرأة الصالحة هذه الجنادل الصم التي تغلق أبواب القبور، وسيظل ابنها سجينًا، وستحول بينها وبينه هذه الأبواب الثلاثة المغلقة؛ هذا الباب الذي لا يفتح للرحمة إلى قلب السجان، وهذا الباب الذي لا يفتح للسجين إلى فلسطين، وذلك الباب الذي إذا أغلق من دون الموتى فإنه لا يفتح إلا يوم يؤذن للموتى بالبعث والنشور، وسيقول المستعمرون بعد هذا: إنهم رسل الرحمة وملائكة السلام، وإنهم قد أقبلوا إلى الشرق يحضِّرونه ويهذِّبونه ويثقِّفونه ويرمون به إلى المثل الإنسانية العليا!
ما أجدر الإنجليز أن يتفكروا في هذه القسوة التي يعجز الناس عن وصفها؛ لأنهم يعجزون عن إدراكها، ولكنهم لا يعجزون عن اقترافها حين يدفعهم إلى ذلك الظلم والجور، والغطرسة والكبرياء!
ما أجدر الشرقيين أن يتفكَّروا في هذا، وأن يرحموا أخاهم هذا الغريب، وأن يرحموا أنفسهم؛ فكلهم غريب كهذا الرجل، وأن يفكروا لأنفسهم في شيء من العزة والكرامة يطلقهم من هذه السجون الواسعة الهائلة التي يخيم عليها الظلام.
ما أجدر هذا الصديق الغريب الأستاذ محمد علي الطاهر أن يتعزَّى وأن يتأسَّى، وأن يعلم أنه لا يشقى وحده بهذه الآلام الثقال، وإنما يشقى بها معه كل هؤلاء الشرقيين الذين يضطرهم الاستعمار إلى حياة الذل والبؤس والهون.