تمثيل
طه حسين
جريدة البلاغ
٢ ديسمبر ١٩٤٥
فكاهة محزنة أو مأساة مضحكة هذه التي تمثلها الأحزاب المؤتلفة في ملعب السياسة المصرية؛ فقد أصبح للسياسة المصرية ملعب في هذه الأيام، ملعب طريف تُعرَض فيه صور مضحكة لمن شاء أن يضحك، ومحزنة لمن شاء أن يحزن، ومسلية لعامة الناس على كل حال. فليس من شك في أن ما تحدثه أحزابنا المؤتلفة من الفر والكر، ومن الإقبال والإدبار، ومن الإقدام والإحجام، ومن الانحياز إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى، كل ذلك يُسلِّي عامة الناس ويلهيهم. ولست في حاجة إلى أن يُقام لك الدليل على شيء من ذلك، وإنما يكفي أن تمر بالأندية، وتلم بالقهوات، وتستمع للناس وهم يديرون الحديث بينهم؛ لتعلم أن الأمة المصرية تلهو بأحزابها، وتعبث بهذا الطراز الجديد من الساسة الذين يقولون ولا يعملون، والذين يأتلفون وهم مختلفون، ويتعاونون وبعضهم يكيد لبعض ألوان الكيد كأنما يراد أن يتعلم المصريون كيف يكون العبث، وكيف يكون اللعب، وكيف يُظهر الناس الجد وهم عابثون، وكيف يتكلف الناس العمل وهم كسلون، وكيف يكون خداع الناس عن أنفسهم وعن آمالهم وأمانيهم، وكيف تكون تلهية الناس بالسخف عن الحق حين لم تبق إلى إدراك الحق سبيل. وفكاهتنا هذه المحزنة، أو مأساتنا هذه المضحكة طويلة كليل الشتاء، لا تريد أن تنقضي، قد بعد العهد بأولها حتى نسيه الناس أو كادوا ينسونه، فأمَّا آخرها فسرٌّ من أسرار الغيب. وليس المهم أن تنتهي القصة، بل المهم ألَّا تنتهي؛ لأن في انتهائها انتهاء هذا العهد السعيد الذي يضحك فيه المصريون. وكيف يعيش المصريون إذا لم يضحكوا؟! ولا تقل: إن المصريين يستطيعون أن يضحكوا في ملاعب التمثيل ودور السينما؛ فإن هذا الضحك ليس شيئًا؛ لأنه ينقضي بانقضاء التمثيل، وينتهي بانطواء ما يسمونه الشاشة البيضاء. فأمَّا الضحك السياسي فإنه يصبِّح المصريين حين يهبون من نومهم، ويصاحب المصريين حين يغدون على أعمالهم، ويرافقهم حين يروحون إلى أهلهم، ويلازمهم حين يلتقون بين الليل والنهار في الأندية والقهوات. ومن يدري لعله لا يفارقهم حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، ولعله لا يفارقهم حين يأوي كل واحد منهم إلى مضجعه، ولعله يصيبهم في أحلام الليل. وأي غرابة في هذا، فموضوع القصة هو حياة المصريين في بلادهم، وصلات المصريين بحلفائهم وأصدقائهم؟ والمصريون في هذه الأيام يقظون يفكرون في هذا كله، ويتساءلون عن هذا كله، فأي شيء أجمل وأشد روعة من أن يفكر الإنسان في الجد فيضطر إلى الضحك، ومن أن يبحث الإنسان عن الجد فلا يرى إلَّا سخفًا وهزلًا؟! في شهر أغسطس الماضي، بدأت الفكاهة المحزنة أو المأساة المضحكة حين ألح المصريون على رئيس وزرائهم في أن ينبئهم عن موقف حكومتهم من الحقوق الوطنية، فتكلم رئيس الوزراء في البرلمان ولم يقل شيئًا، وصفق له أنصاره لأنهم يفهمون شيئًا من لا شيء، ولأنهم يستخرجون الجد من اللعب، والحقائق من الكلام الذي لا غناء فيه. في ذلك الوقت قال رئيس الوزراء للمصريين: إنه لن يهمل فرصة تسنح للمطالبة بحقوق مصر والظفر بهذه الحقوق، لن يهمل فرصة بشرط أن تسنح هذه الفرصة. وكيف تسنح هذه الفرصة؟ أتخلق نفسها، أم يخلقها الإنجليز، أم يخلقها المصريون؟ فأمَّا الإنجليز فقد قال وزير خارجيتهم: إنه ينتظر الوقت المناسب، وأمَّا المصريون فقد قال رئيس وزارتهم: إنه ينتظر سنوح الفرصة. وفي أثناء ذلك كثر الفر والكر، وكثر الاعتراف والإنكار، فقال قائلون: لقد طلبت المفاوضات، وقال قائلون: بل لم تطلب المفاوضات. وجمعت اللجنة التي يسمونها الهيئة السياسية فقالت وقال بعدها مجلس الوزراء: إن الوقت ملائم للمفاوضات، ثم أرسلت اللجنة إلى سريرها لتنام، فنامت نومًا عميقًا، وبقي الوزراء وحدهم في الملعب يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، ومن ورائهم أحزابهم تتصايح وتتناوح، وتثير في الجو غبارًا لا يستر شيئًا، بل يفضح كل شيء. وفي ذات يوم — أو في ذات ليل — سمعت الهيئة السياسية صوتًا أيقظها من نومها العميق، فهبت مذعورة لأنها رأت — فيما يرى النائم أو فيما يرى اليقظان — أن وزير الخارجية البريطانية يعلن في البرلمان البريطاني أنه لم يتلق من الحكومة المصرية شيئًا يمس المفاوضات. وهمت الهيئة السياسية — أستغفر الله — بل همَّ إمامها صدقي باشا أن يصنع شيئًا، ولكنه لقي رئيس الوزراء، ولم يكد يخرج من دار الرياسة حتى أسرع إلى سريره فنام مع النائمين، وظلت الهيئة السياسية نائمة منذ أواخر سبتمبر إلى أوائل ديسمبر، والوزراء وحدهم في الملعب، يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، وأحزابهم من ورائهم تتصايح وتتناوح؛ حتى بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ. واستبان لبعض الوزراء أن جمهور النظارة قد كاد يسأم هذا اللعب الفاتر، وينصرف عن هذا التمثيل الممل. هنالك نشط الممثلون، وشاع في اللاعبين فضل من حياة، فإذا وزير يستقيل ويذهب إلى أقصى الصعيد، وإذا وزير آخر يعرض نفسه على النظارة في موقف الحائر الموله، يغشى وجهه الابتسام حينًا، والعبوس حينًا آخر، يتقدم ثم لا يلبث أن يتأخر، ينحرف إلى يمين، ثم لا يلبث أن ينحرف إلى شمال. والنظارة يرون ذلك فيضحكون ويتفكهون، والوزير ماضٍ في لعبه، وحزبه من ورائه يشجعه ويحثه بالصياح والنواح والتصفيق والصفير، حتى إذا بلغ نشاط الوزير أقصاه مضى إلى الخطوة الحازمة الحاسمة، فلقي رئيس الوزراء، وظنَّ النظارة أن فصلًا من فصول القصة يوشك أن ينتهي، ولكن الفصل لم ينته ولم يؤذن بالانتهاء، وإنما هو منظر يتلوه منظر آخر؛ فقد خرج الوزير البارع من دار الرياسة غامضًا كأنه الغيب، يومئ ببعض الألفاظ كأنه كاهن أبولون، ولم يقبل المساء حتى كان لقاء ثم انجلت الغمرة، وانحلت الأزمة كأن غمرة كانت قد عمَّت الناس، وكأنه أزمة كانت قد انتهت من التعقيد إلى أقصاه. ولم تكن هناك غمرة، ولم تكن هناك أزمة، وإنما كان تمثيل وتخبيل. والمهم أن الهيئة السياسية ستستيقظ من نومها، ويظهر أن إيقاظها يحتاج إلى بعض الوقت لأنها غارقة في نوم عميق، عميق جدًّا، فهي لن تجتمع اليوم، ولن تجتمع غدًا، ولكنها ستجتمع بعد غد إن شاء الله. ولكن تجتمع لتصنع ماذا؟ لقد اجتمعت في شهر سبتمبر فقالت وقال معها مجلس الوزراء: إن ذلك الوقت كان أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضات. فلم يحفل بها أحد؛ لأنها لم تحفل بنفسها، ولم يلتفت إليها أحد لأنها نامت وأغرقت في النوم، ولم يستطع وزير الخارجية البريطانية أن يوقظ من أعضائها إلَّا عضوًا أو عضوين، لم يكادا يستيقظان حتى عادا إلى الغطيط. وإذن فستجتمع الهيئة يوم الثلاثاء لتصنع ماذا؟! لتصنع شيئين أو ثلاثة أشياء، أو قل لتصنع شيئًا واحدًا؛ هو المضي في التمثيل وإشاعة شيء من الحياة والنشاط في الممثلين، فما ينبغي أن يسأم النظارة أو أن يدركهم النوم. ستجتمع يوم الثلاثاء لتقنع وزير العدل بالإعراض عن الاستقالة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير المالية بأنه في حاجة إلى شيء من الاستقرار والهدوء؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير التجارة بأنه في حاجة إلى شيء من الريث والأناة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتُقنع المؤتلفين جميعًا، ومنهم المستقلون، بأن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام قويًّا كما هو الآن، وبأن مصر لم تحتج في يوم من الأيام إلى قوة الائتلاف كما تحتاج إليها الآن منها؛ فما زال الوفد قائمًا، وما زال رئيسه يذهب إلى الإسكندرية ويعود منها، ويشهد الصلاة في المساجد المختلفة يوم الجمعة، وما دام رئيس الوفد يذهب ويجيء ويشهد الصلاة ويستقبل الناس؛ فمصر في خطر، ولن يَدرَأ هذا الخطر إلَّا الائتلاف المتين بين خصوم الوفد. فأمَّا المطالب المصرية فأمرها يسيرٌ جدًّا. لقد صرَّح وزير العدل البريطاني في مجلس اللوردات — كما صرَّح وزير الخارجية منذ أسابيع في مجلس العموم — بأن بريطانيا العظمى مستعدة للمفاوضة في الوقت الملائم، وبأنها لا تريد السيطرة على مصر، وإنما تريد شركة مع مصر قوامها الزمالة والمساواة. وهل تطمع مصر في شرف أعظم من أن تشارك بريطانيا العظمى في إدارة الشئون المصرية على أساس من الزمالة والمساواة، ثم إن بريطانيا العظمى مسدية إلينا بعد هذا كله فضلًا لن نستطيع له شكرًا، فهي ستصلح من شأننا، وسترفع مستوى معيشتنا، وستعصم جائعنا من الجوع، ومحرومنا من الحرمان، وستحمينا من البؤس كما تحمينا من غارة الأجنبي، فماذا نريد أكثر من هذا؟! ولم لا يُعرض وزير العدل عن استقالته؟ ولم لا يثوب وزير المال إلى الهدوء والاستقرار؟ ولِمَ لَمْ يعد وزير التجارة إلى الريث والأناة؟ ولِم لا تعود الهيئة السياسية إلى نومها العميق؟ ولِمَ لا يمكَّن رئيس الوزراء ووزير الداخلية من الفراغ لمهمته الخطيرة؟ فما زال رئيس الوفد يذهب ويجيء، ولا بد من مراقبته حين يذهب ويجيء، وما زال رئيس الوفد يشهد الصلاة، وما زال الناس يحبونه، فيجب أن يُراقب حين يشهد الصلاة، وأن نغلق المساجد حين يدخل وحين يخرج، وأن يُصدَّ الناس عن هذا الحب الأثيم، وأن يُؤدَّبوا إذا أصروا على هذا الحب الأثيم. وما زال رئيس الوفد يستقبل الناس، فيجب أن تُراقب داره وتُحاصر، وأن يرد الناس عن هذه الدار. يجب أن يختار المصريون بين اثنين لا سبيل إلى اجتماعهما؛ فإمَّا أن يُحارب الوفد ورئيسه، وإمَّا أن يفاوض الإنجليز في حقوق مصر. وواضح جدًّا أن محاربة الوفد ورئيسه هي غاية الغايات، وغرض الأغراض؛ لأن استقلال مصر في خطر أي خطر ما دام الوفد قائمًا، وما دام رئيسه يشهد الصلاة ويستقبل الناس. فأمَّا تلكؤ الإنجليز في المفاوضة وانتظار الوقت الملائم، وإقامة الشركة الجديدة على أساس من المساواة والزمالة، واتخاذ القاهرة عاصمة جديدة في أوقات السلم لمنطقة النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط، وإنشاء المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في مدينة القاهرة إلى جانب السفارة البريطانية دون أن تفاوض مصر في إنشائه، ودون أن تتفق مصر على إنشائه، ودون نظر إلى أن إنشاءه يلائم الاستقلال أو لا يلائمه، ويوافق السيادة أو لا يوافقها. كل هذه الأمور هينة ولينة، لا ينبغي أن تضيق بها أو تشفق منها؛ لأن خطرها على الاستقلال أقلُّ جدًّا من هذا الخطر الداهم الذي يصوره مصطفى النحاس حين يشهد الصلاة ويستقبل الناس. وكذلك تمضي فكاهتنا المحزنة ومأساتنا المضحكة في سبيلها، لا يقف الممثلون عن التمثيل، ولا يكف النظارة عن الضحك والعبث. ولست أدري أيقرأ أعضاء الهيئة السياسية ما ينشر عن مصر في خارج مصر، أم يصرفهم نومهم العميق عن القراءة. أمَّا أنا فقد قرأت في جريدة الموند الفرنسية أن سادة مصر يختلفون إلى نادي محمد علي، ويغرقون في كراسيه الوثيرة، يشربون ويلعبون ويناورون في أثناء ذلك ويداورون. ولم تنس جريدة الموند إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن سادة مصر قد يجتمعون بين حين وحين حول رئيس الوزراء ليقرروا أن الوقت ملائم للمفاوضات. لقد كان الرومانيون يطلبون إلى قياصرتهم اللعب والخبز، وكان الرومانيون يسرفون على قياصرتهم حين يطلبون إليهم هذين الأمرين الخطيرين، فقد أصبحنا نحن أعقل من الرومانيين وأشد منهم قناعة، لا نطلب اللعب والخبز؛ فهذا كثير، وإنما نطلب اللعب وحده. وحكومتنا رشيدة حقًّا؛ فهي تعطينا من اللعب ما نريد، وأكثر مما نريد، فأمَّا الخبز فيجب أن نطلبه من الله، وأمَّا الاستقلال فيجب أن ننتظر حتى يتفضل به علينا الإنجليز.
Tag: independence struggle
-
تمثيل
-
وحقوق مصر؟!
وحقوق مصر؟!
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٢ نوفمبر ١٩٤٥
وحقوق مصر ما خطبُها وما خطبُنا! ألا نزال نذكرها أم أَسْدَلَ النسيان عليها ستارًا كثيفًا؟ أنقرب منها أم نبعد عنها؟ ما خطب الجلاء! أممكن هو أم غير ممكن؟ أقريب هو أم بعيد؟ وما خطب وادي النيل! أيتحد أم ينقسم؟ أيتصل أم ينفصل؟ وما خطب المعاهد! أتبقى كما هي أم يصيبها التعديل؟ كل هذه الأسئلة خليقة أن تُلقَى في كل يوم، بل أن تلقى في كل ساعة، خليقة أن تتصل بالقلوب حتى لا يشعر الناس إلا بها، وأن تتصل بالعقول حتى لا يفكر الناس إلا فيها، وأن تتصل بالضمائر حتى لا يحيا الناس إلا بها، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. ألا يلاحظ المصريون أن حكومتهم مشغولة عنها، مقصرة في ذاتها، وأنها توشك أن تشغَلهم هم أيضًا عنها، وأن تورِّطَهم فيما تورطت هي فيه من التقصير؟ أين نحن من المفاوضات، أو أين نحن من المحادثات؟! فقد قيل لنا في شهر سبتمبر الماضي إن الوقت كان أشد الأوقات مناسَبةً للأخذ في تلك المفاوضات، وقد مضى شهران أو أكثر من شهرين ولم نعلم أن أحدًا قد أَخَذَ في هذه المفاوضات، وإنما علِمنا أن حكومتنا لم تصنع شيئًا؛ لأن وزير الخارجية البريطانية أنبأ البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ منها شيئًا، ثم أنبأتنا خطبة العرش أن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات. فماذا بلغت الحكومة من هذا التمهيد؟ أمهدت السبيل كلها فلم يبقَ إلا أن تُبدئ المفاوضات، أم مهدت بعضها وما زال جزء منها طويل أو قصير يحتاج إلى فضل من التمهيد؟ وما هذه السبيل التي يُراد تمهيدُها، وما هذه المصاعب التي يُراد تذليلها، ومن أين تأتي؟ أتأتي من ناحيتنا نحن أم تأتي من ناحية حلفائنا الإنجليز؟ فأما نحن فما أعلم أننا نقيم عقبات، أو نخلق مصاعبَ في سبيل المفاوضات؛ لأننا نريدها ونحرص عليها ونتعجلها كأشد ما يتعجل الناس شيئًا. وأما حلفاؤنا فما أدري لِمَ يقيمون العقبات وكيف يقيمونها، وكيف نرضى نحن منهم أن يقيموها؟ فقد عاد السفير البريطاني إلى مصر بعد أن أُلْقِيَتْ خُطبة العرش، فظن الناس أنهم سيعرفون من أمر المفاوضات شيئًا، ولكنهم لم يعرفوا من هذا الأمر قليلًا ولا كثيرًا، واليوم يعود السفير المصري من بريطانيا إلى مصر، ويظن الناس أنهم سيعلمون من أمر هذه المفاوضات شيئًا، ولكني أؤكد لهم أنهم لن يعلموا منه قليلًا ولا كثيرًا؛ لأن حلفاءنا الإنجليز الذين يحبوننا أشد الحب قد أشفقوا علينا من خيبة الأمل، فأذاعت بياناتهم الرسمية في لندرة أن السفير إنما يزور مصر زيارة عادية يقتضيها منصبه، وأن محادثات رسمية في الحقوق المصرية لم تَجْرِ قط. وكذلك نستقبل السفير اليوم ونودعه بعد أيام دون أن نعرف من أمر هذه المفاوضات شيئًا؛ لأن هذه المفاوضات لم تبدأ بعدُ، ولأن الحكومة ما زالت على اتِّصال لتمهيد السبيل إليها، وأكبرُ الظَّنِّ أن السفير إنما أقبل لينبئ الحكومة من قرب بالعقبات التي تحتاج إلى تذليل، والمصاعب التي تحتاج إلى تمهيد. وفي أثناء ذلك تَجرى المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا ليتحقق جلاء القوات الأجنبية عن سوريا ولبنان. ومن المؤكد أن الجلاء عن سوريا ولبنان سيتم قبل الجلاء عن مصر، فليس في طريق هذا الجلاء عقبات شِداد تحتاج إلى تمهيد طويل؛ إذ ليس في سوريا ولبنان قناة السويس، وليس لسوريا ولبنان وادٍ كوادي النيل يريد هو أن يتصل، ويريد له غيره أن ينفصل. وليس في سوريا ولبنان حكومة تخفي على الشعب أمره، وتطوي عن الشعب سره، وتستأثر من دونه بالمخبآت. وليس في سوريا ولبنان حكومة تريد أن تبقى؛ لأن البقاء في نفسه خير. وليس في سوريا ولبنان وفد يحب أن يهدم؛ لأن هدمه هو غرض الأغراض وغاية الغايات، ولأن هدمه أهم وأخطر من تحقيق المطالب القومية وجلاء القوات الأجنبية، وتوحيد وادي النيل. ليس في سوريا ولبنان شيء من هذا؛ ولذلك تجري أمور سوريا ولبنان رخاء في طريق سواء، فما هي إلا أن يتم الاتفاق بين البريطانيين والفرنسيين على تنظيم مصالحهم في الشرق الأدنى، حتى يُجلوا أولئك وهؤلاء عن هذين القُطرين العزيزين، وحتى تظفر هاتان الدولتان الشقيقتان بحقهما في الاستقلال الكامل الذي تتقطَّع قلوبنا شوقًا إليه منذ أعوام وأعوام. والذي يظهر أن قلوبنا ستتقطع شوقًا إليه أوقاتًا طويلة أخرى ما دامت حكومتنا على اتِّصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل، وما دام هذا التمهيد يمكن أن يقصر ويمكن أن يطول. وأكبرُ الظن أن حكومتنا لا تكره أن يطول؛ لأن طوله يمدُّ لها أسباب البقاء، ويمكِّن لها من وسائل السلطان. وأي شيء أنفع لمصر وأجدى عليها من بقاء هذا العهد السعيد؟! هل يعلم المصريون أن أمرهم أصبح أدنى إلى الهزل منه إلى الجِد، وأن حياتهم أصبحت أقرب إلى العبث منها إلى الحزم، وأنهم يستطيعون أن ينعموا بهذه الحياة الراضية مطمئنين بأن المسيطرين على أمورهم قد قبِلوا لهم هذا الوضع الغريب، وقالوا لهم منذ نهضوا بأعباء الحكم إن غايتهم إنما هي توفير الغذاء والكساء، وهم يَجِدُّون في توفير الغذاء والكساء ينجحون حينًا ويخفقون أحيانًا؟ وماذا يريد المصريون من حكومتهم أكثر من أن تبذل ما تستطيع لتوفر لهم الغذاء والكساء، إنها لم تأخذ على نفسها عهدًا يوم تولَّت الحكم بأنها ستسعى بهم إلى ابتغاء المكارم، وتحقيق المآثر، وارتفاع المنزلة بين الشعوب، وإنما قالت لهم إنها ستغذوهم وتكسوهم، وهي تبذل في ذلك ما تستطيع. وقديمًا قال الحطيئة لبعض خصومه: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ويريد سوء الحظ ألَّا يكون المصريون جميعًا طاعمين ولا كاسين، فمنهم الجائع الذي لا يجِد ما يقيم الأود، ومنهم العريان الذي لا يجِد ما يقي جسمه عاديات الحر والبرد، ولكن خلاصة المصريين طاعمة لا تعرف الجوع كاسية لا تعرف العُري. وإذا كانت الصفوة طاعمة كاسية راضية فلا على الكثرة أن تجوع، ولا على الكثرة أن تعرى، وما ينبغي للكثرة أن تغضب وقد رضي السادة واطمأنُّوا. وكذلك تجري أمور المصريين: سادة يرضون فيستبقون الرضى، وينعمون فيستديمون النعيم، وكثرة تسخط فلا يحفل بسخطها أحد، وتشقى فلا يلتفت إلى شقائها أحد. وشعبٌ كان خليقًا أن يجدَّ في سبيل الاستقلال، فتصرف كثرته عن الاستقلال إلى رفع الشقاء واكتمال البقاء، وتصرف قلته عن الاستقلال إلى الاستزادة من السعادة واستدامة النعيم. وتنظر حكومته إلى أولئك وهؤلاء باسمة راضية؛ لأن اشتغال الكثرة بالتماس الرزق، واشتغال القلة بالاستزادة من الترف؛ كل ذلك يُمكِّنها من البقاء، ويمد لها أسباب السلطان. وأغرب ما في الأمر أن الإنجليز يظنُّون بنا خيرًا مما نظن بأنفسنا، وينتظرون منا أكثر مما ننتظر من أنفسنا، فصحفهم تبدئ وتعيد فيما يمكن أن يكون لنا من أثر في استقرار الأمن الدولي في الشرق، وفيما يمكن أن يكون لرضانا أو سخطنا من أثر في تحقيق التوازن الدولي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي تأمين المواصلات العالمية. والصحف الإنجليزية مصيبة غير مخطئة، فنحن خليقون أن نؤثر في الصلة بين الشرق والغرب تأثيرًا خطيرًا بعيد المدى، ونحن قادرون على أن نفرض احترامنا على الغرب، ونكرهه على أن يحسب لنا الحساب كل الحساب. ولكن بشرط أن ننهض نحن بأمرنا كله، وألا تنهض به من بيننا قلة ضئيلة تُعنى بإخضاعنا لسلطانها أكثر مما تُعنى بالمفاوضة لتحقيق الجلاء وتوحيد وادي النيل. أيهما أحق بعناية الحكومة القائمة: أن يبقى العهد ويهدم الوفد ويخضع الشعب، أم أن يُجلوا الإنجليز ويتَّحد وادي النيل؟ إن كنت في حاجة إلى الجواب عن هذا السؤال فانظر فيما عملت الحكومة الحاضرة، وفيما قالت، وفيما هي عاملة وقائلة منذ أن تولت الحكم إلى الآن، لم تعمل إلا أن حاربت الوفد، ولم تقُل إلا أن شتمت الوفد. فأما مطالبة الإنجليز بالجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل، وتعديل المعاهدة، فإن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات؟ والأمر لا يخلو من فكاهة مؤذية؛ فإن وزراءنا مصريون يجري في دمائهم حب مصر كما يجري في دمائهم حب أنفسهم، يجدون في قلوبهم شعورًا بالكرامة الوطنية كما يجدون في قلوبهم شعورًا بالغرور الإنساني، فهم يتمنَّوْن الاستقلال لأنهم مصريون، وهم يتمنون البقاء في الحكم لأنهم ناس من الناس. وهم يخضعون لهذا الصراع العنيف بين حبهم للوطن وحبهم لأنفسهم، وهم من أجل ذلك يُقدِمون حينًا ويُحجِمون أحيانًا، يُقَدِّمون رِجلًا ويؤخرون أخرى، يرفعون أبصارهم إلى السماء ثم يَرُدُّونها مسرعين إلى الأرض. ألست تذكر أننا منذ أشهر لا نكاد نتَّفق أسبوعًا حتى نسمع أن هذا الوزير أو ذاك ساخط؛ لأنه يرى تقصير الحكومة في المطالبة بالاستقلال، وأنه قد همَّ أن يستقيل، ثم بدا له فأرجأ الاستقالة أو أنه قد استقال بالفعل، ثم بدا له فاسترد الاستقالة. وأن هذا الوزير وذاك يلتقيان ويفترقان ويُبرِمان وينقُضان، عين في الجنة وعين في النار. والجنة بالطبع هي البقاء في الحكم، والنار بالطبع هي التخلي عن الحكم، وأي العقلاء يُخَيَّرُ بين النعيم والجحيم ثم يُؤْثِرُ الجحيم على النعيم؟! وكذلك يتردد وزراؤنا بين دُورِهِم ودواوينهم، يعزمون في الليل وينهزمون في النهار. كذلك يتردد السفير البريطاني بين القاهرة ولندرة، ويتردَّد السفير المصري بين لندرة والقاهرة. ويصبح الشعب المصري متشوِّقًا إلى الاستقلال متحرقًا إلى الكرامة، فلا يكاد يقرأ صحف الصباح حتى تهدأ اللوعة وتخمد نار الشوق. ثم يُمسي متلهفًا إلى الاستقلال متهالكًا على الحرية، فلا يكاد يقرأ صحف المساء حتى يسلو ويلهو ويغل بالعبث عن الحرية والاستقلال. وكان يقال إن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها مطالبون بها. وإني لأعلم أن لمصر حقوقًا توشك أن تضيع لأن الذين كُلِّفوا المطالبة بها يعنون بأنفسهم أكثر مما يعنون بهذه الحقوق.