Tag: Independence

  • الديمقراطية والاستقلال

    الديمقراطية والاستقلال
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢ سبتمبر ١٩٤٥

    حين أعلنت بريطانيا العظمى تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ معترفة فيه باستقلال مصر، ومحتفظة فيه بالمشكلات الأربع التي كان يجب أن تحل بالمفاوضات الحرة؛ أبرق اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطانية، إلى رئيس الوزارة المصرية، المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، يُهنِّئه بما ظفرت به مصر من الاستقلال التام.

    وقد ضحك المصريون يومئذ من ذلك الاستقلال التام الذي كانت تحده التحفظات الأربعة من جميع أقطاره، ولكن ضحك المصريين في ذلك الوقت كان يختلف ظهورًا وخفاءً، وخفوتًا وارتفاعًا باختلاف موقفهم من الحكومة المصرية إذ ذاك. فأمَّا المعارضون، وكانوا كثرة الشعب، فقد كان ضحكهم عاليًا عريضًا، وأمَّا المؤيدون، وكانوا قلة في الشعب، فقد كان ضحكهم مكتومًا مكظومًا.

    والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن اللورد كرزون قد ابتسم حين أرسل تلك الرسالة، وأن ثروت باشا قد ابتسم حين تلقاها. فلم يكن أحد يعتقد أن تصريح فبراير قد ردَّ إلى مصر استقلالها التام، وإنما كان أنصار هذا التصريح يرونه خطوة في سبيل الاستقلال، وكان خصومه يرونه عبثًا بالعقول، وكان الأنصار والخصوم مصيبين فيما كانوا يرون.

    فتصريح فبراير قد مكَّن مصر من وضع الدستور، وإقامة سياستها الداخلية على نظام ديمقراطي معقول في الورق على الأقل. وقد مكَّن مصر من إعادة وزارة الخارجية، وإنشاء التمثيل السياسي والقنصلي، وإرسال الوزراء المفوضين إلى العواصم الكبرى. وكل هذا كان تقدمًا في سبيل الاستقلال، ولكن تصريح فبراير كان في الوقت نفسه لونًا من تلهية الشعب وتسليته، ومحاولة لتخفيف عنف الحركة الوطنية، ورد المصريين إلى شيء من الهدوء الموقوت. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن كلمة الاستقلال من هذه الكلمات المرنة التي تطول وتقصر، وتتسع وتضيق حسبما تريد الظروف.

    وقد كان عندنا قبل إلغاء الحماية وبعد تصريح ٢٨ فبراير أنواع مختلفة من الاستقلال، فكان عندنا الاستقلال الكامل، وكان عندنا الاستقلال التام، وكان عندنا الاستقلال الحقيقي، والاستقلال الصحيح، والاستقلال الذي لا شك فيه! وكنا نجد لكل نوع من هذه الأنواع حدودًا ورسومًا تبيِّن أنه هو الاستقلال المحقق للآمال، الذي يرفع رأس مصر عاليًا بين الأمم، ويكفل لها المكان اللائق بها تحت الشمس، كما كان يقال في تلك الأيام، حتى انتهى الأمر بإهمال هذه الألفاظ والاقتناع بأن الشعوب الكريمة لا تنخدع بالكلمات، وإنما تقيم أمورها على الحقائق الواقعة المحسوسة.

    والظاهر أن هذا النوع من الشك في معنى كلمة الاستقلال، والتردد فيما يعرض لها من الطول والقصر، ومن السعة والضيق ليس مقصورًا على مصر، وإنما هو شيء شائع في الأرض كلها، وبالقياس إلى الأمم كلها، وأن الاستقلال بالمعنى الدقيق صورة خيالية يستطيع الأديب أن يحققها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يعطي لها مثالًا خارجيًّا يمكن أن يرى ويحس، فطبيعة الحياة بين الجماعات كطبيعة الحياة بين الأفراد تقوم على التضامن والتعاون، واحتياج الناس إلى الناس، واعتماد الناس على الناس.

    وكما أنك لا تستطيع أن تتصور فردًا من أفراد شعب بعينه قد استغنى عن الناس جميعًا، واستقل بأمره كله فلم يحتج إلى أحد، ولم ينتظر معونة من أحد، وإنما يحتاج الناس إليه ويلتمسون عنده المعونة، فأنت لا تستطيع أن تتصور شعبًا من الشعوب يستطيع أن يستغني عن الاتصال بغيره، والاعتماد عليه في إرضاء حاجاته المختلفة، وتحقيق مآربه التي لا تحصى.

    وكلما تقدمت الحضارة ازدادت تعقدًا، وازدادت مصالح الناس اشتباكًا وارتباكًا، وتعسر على المواطن أن يستغني عن مواطنيه، وعلى الشعب أن يستغني عن غيره من الشعوب. وكلما تقدمت الحضارة تيسرت المواصلات، ودنا بعض الأوطان من بعض، وألغيت مسافات الزمان والمكان بين الأمم؛ فأصبح الاستقلال أشد عسرًا، وأعظم امتناعًا. وأيسر نظرة إلى الحياة العالمية قبيل هذه الحرب الأخيرة وفي أثنائها وبعد انقضائها تبيِّن ذلك في وضوح لا يحتمل الشك، ولا يقبل النزاع؛ فالحرب تشب بين ألمانيا وبولندا، فتسرع فرنسا وبريطانيا العظمى إلى الحرب، ثم تسرع إليها إيطاليا، ثم تسرع إليها روسيا، ثم تسرع إليها اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ثم تصبح الأرض كلها ميدانًا للحرب، ويسخر المتحاربون من هذه الأمم القليلة التي استمسكت أو زعمت أنها تريد أن تستمسك بالحياد.

    فلم تكن هناك أمة محايدة حقًّا، ويجب أن نعبث بعقولنا ونَخدع أنفسنا بما لا ينبغي أن يُخدَع به الأطفال إن ظننَّا أن تركيا مثلًا كانت محايدة، أو أن إسبانيا كانت محايدة. فأمَّا حياد مصر فقد كان كالاستقلال كاملًا أو تامًّا أو حقيقيًّا أو لا شك فيه. الواقع أن شعوب الأرض كلها تأثرت تأثرًا مباشرًا بالحرب، وأخذت بحظوظ مختلفة من المشاركة فيها على كثرة ما قيل في الحياد، وفي موقف الأمم غير المحاربة، إلى آخر ذلك الكلام الكثير الذي كنا نقرؤه ونقيم عليه النظريات والأصول ونحن لا نصدقه فيما بيننا وبين أنفسنا، وإنما نمضي فيه كما يمضي الأطفال العاقلون في لعبهم، أو كما يمضي الممثلون البارعون في فنهم على مسرح التمثيل.

    ثم تنتهي الحرب ويستقبل العالم سلمًا غامضة، وإذا كل الشعب يفكر في استقلاله ويتهيأ لما يسمى تقرير المصير، وإذا الخصومات تثار من جديد أو من قديم بين الدول الكبرى المنتصرة، وتثار من جديد أو من قديم بين هذه الدول الكبرى وبين دول أخرى، منها الصغيرة ومنها الصغرى. وكل هذه المشكلات والخصومات إنما تثار حول الاستقلال وتقرير المصير. ولست أدري أي الكتَّاب الفرنسيين هو الذي قال: ما أكثر ما يقتتل الناس ويصرع بعضهم بعضًا لأنهم يتبادلون بينهم ألفاظًا لا يتفقون على معانيها، ولو قد اتفقوا على هذه المعاني لألقوا ما في أيديهم من السلاح، ولاعتنقوا اعتناق الأحباء لا اعتناق الأعداء.

    وأحب أن نتبين مثلًا إلى أي حد يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى تستمتع بالاستقلال الصحيح الدقيق الذي لا شك فيه ولا غبار عليه. أمَّا أثناء الحرب فلم تكن بريطانيا العظمى مستمتعة بهذا الاستقلال الخالص من كل شائبة، وإنما كانت مضطرة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها وأعوانها، ولو أنها انحرفت عن ذلك لخسرت الحرب. فهي إذن لم تكن مستقلة بالقياس إلى روسيا، ولا بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي لم تكن مستقلة بالقياس إلى مصر؛ فلو قد شاءت مصر لأفسدت الأمر على بريطانيا العظمى وعلى حلفائها، ولعَرَّضتهم لخطر الهزيمة؛ فلم يكن بد لبريطانيا العظمى من أن تُصانع مصر وتُلاطفها وتَتَرَضَّاها بالابتسام، وتُغريها بالوعود، وتتقدم إلى حلفائها في أن يلقوا مصر بمثل ما تلقاها به من هذا التلطف والتجمل والإغراء.

    وقد انتصرت بريطانيا العظمى وانتصر حلفاؤها، وأتت بريطانيا العظمى هذه الحركة الخطيرة التي تدل على أنها مستقلة استقلالًا لا شك فيه، فتخلصت من المحافظين، وأعطت مقاليد الأمر فيها إلى العمَّال، وأظهرت أن شعبها يريد فيبلغ ما يريد، ولكنها على ذلك لا تستمتع بالاستقلال الكامل الدقيق الذي صوَّرته آنفًا، وآية ذلك أنها جزعت حين ألغت الولايات المتحدة قانون الإعارة والتأجير، وأنها الآن تداور وتناور، وتصانع وتلاطف، وتنذر وتوعد؛ لتظفر من الولايات المتحدة بما يقوم مقام هذا القانون.

    وكان المحافظون في آخر الحرب قد استردوا غطرستهم، وجعلوا ينظرون إلى الأمم الصغيرة نظرات فيها كثير من الأنفة، وجعلوا ينسون ويتناسون وعودهم الخلابة ولطفهم الذي كان أرق من النسيم، وجعلوا لا يترددون في أن يعلموا اليونان والبلچيكيين والإيطاليين كيف تكون المحافظة على النظام، وفي أن يشيروا إلى غير هؤلاء بأن الرجل العاقل الفطن هو الذين يحسن الانتفاع بما يرى ويسمع، ويجنب نفسه التعرض للأخطار. وجاء العمال بعدهم فرقت الألفاظ، وارتسم الابتسام على الثغور، وشاع في الثغرات شيء من ظرف ولطف، ولكن «الحقائق» لم تتغير.

    فسياسة الائتلاف في اليونان وغير اليونان قائمة، والمستر أنطوني إيدن المحافظ يهنئ المستر بيفن الاشتراكي بحسن تقديره للأمور، ولكن روسيا تنظر إلى البلقان نظرة فيها كثير من الغموض، وكثير من المكر، والولايات المتحدة تلغي قانون الإعارة والتأجيل، وإذا المحافظون والعمال جميعًا يذكرون أن بريطانيا العظمى مستقلة من غير شك، عظيمة من غير شك، قوية من غير شك، ولكنها على ذلك كله ولذلك كله محتاجة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها، سواء أكانوا كبارًا أم صغارًا.

    وتحمل لنا أنباء البرق ما يقوله هذا الكاتب الإنجليزي أو ذاك من أن بريطانيا العظمى محتاجة إلى معونة أصدقائها الذين يتعاملون بالجنيه الإسترليني في هذه الأزمة التي تعانيها، وأنها لن تنسى في أيام الرخاء من يساعدونها في أيام الشدة، وكانت تقول نفس هذا القول أثناء الحرب. وليس المهم أنها وفَّت بما وعدت أو أخلفت المواعيد، وإنما المهم أنها على عظمتها وقوتها، واتساع سلطانها، وضخامة إمبراطوريتها، وظفرها بهذا النصر العظيم تستمتع باستقلال مهما يكن هائلًا فهو محدود بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون السلم، كما كان محدودًا بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون الحرب.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى روسيا وأمريكا، وقل أكثر من هذا بالقياس إلى فرنسا والصين، ففرنسا مستقلة من غير شك، ولكن استقلالها محدود بما يقدم لها من المعونة على إصلاح ما أفسدته الحرب من أمرها، وعلى رد الرخاء اليسير إلى أبنائها، وعلى تمكينها من استبقاء إمبراطوريتها، وهي على ذلك كله ليست أقل حاجة إلى حلفائها من حاجة حلفائها إليها، فليس لبريطانيا العظمى سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك، وليس لروسيا سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك أيضًا.

    ففرنسا مستقلة محتاجة كما أن بريطانيا وروسيا مستقلتان محتاجتان، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تمضي سياستها في الشرق والغرب، وتنشر تجارتها في الشرق والغرب إلَّا إذا وجدت من حلفائها وأصدقائها المعونة على ذلك. أمَّا الصين فأمرها أشد من هذا كله خطرًا: لا بدَّ لها من أن تُرضي روسيا، ومن أن ترضي الولايات المتحدة، ومن أن ترضي بريطانيا العظمى، ومن أن تصانع فرنسا، وهي مع ذلك مستقلة، بل هي إحدى الدول العظمى التي تدبر أمر العالم في الشرق والغرب!

    فإذا تركت هذه الدول الكبرى؛ فسترى دولًا أخرى مغلوبة قد وقف استقلالها وقفًا موقوتًا، وسترى أممًا أخرى محررة منتصرة، ولكن استقلالها يدعو إلى الفكاهة؛ فدول البلقان مثلًا مستقلة ما في ذلك شك، ولكن روسيا تحتل بعضها، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها، وبريطانيا العظمى تحتل بعضها الآخر، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها. وأظرف ما في الأمر أن البريطانيين والأمريكيين يعيبون تدخل روسيا في شئون رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا، وأن روسيا تعيب تدخل البريطانيين في شئون اليونان. أولئك يرون أن تدخل روسيا يضيع استقلال البلاد المحررة، وهؤلاء يرون أن تدخل البريطانيين يجعل استقلال اليونان عبثًا من العبث.

    وأنت واجد بعد هذا كله أممًا أخرى لم تحرر؛ لأن العدو لم يحتلها ولم يقهرها، وإنما احتلها الحلفاء أنفسهم لتنفيذ خطط الحرب، فلما وضعت الحرب أوزارها أصبح بقاء الاحتلال وقتًا طويلًا أو قصيرًا شيئًا لا بدَّ منه لضمان ما تحتاج إليه هذه الأمم من الاستقلال، فإيران مستقلة، ولكن يجب أن يبقى الحلفاء فيها وقتًا ما ليقام استقلالها على أساس متين.

    أمَّا الشرق العربي الأدنى، فقصته أشد من هذا كله تعقيدًا، والشيء الواضح الجلي هو أن كلمة الاستقلال فقدت قيمتها فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأننا عندما نذكر الديمقراطية والاستقلال إنما نذكر كلمتين قديمتين كانتا تدلان على بعض المعاني في أول هذا القرن، ولكن خطوب هاتين الحربين أضاعت معانيهما، وجعلتهما كلمتين لا تدلان على شيء إلَّا ما يريد الساسة من رجال الدول الكبرى أن تدلَّا عليه.

    فالديمقراطية كما يريدها البريطانيون لها معناها الذي يسيغه البريطانيون وحدهم، وهي كما يريدها الأمريكيون لها معناها الأمريكي، كما أن لها في روسيا معناها الروسي. فأمَّا الأمم الأخرى فليس لها أن تختار هذا المعنى أو ذاك، وإنما عليها أن تقبل ما تفرضه الظروف من إرادة البريطانيين أو الأمريكيين أو الروس، فإن زعمت أن لها في الديمقراطية والاستقلال رأيًا خاصًّا، وأنها تريد أن تحقق هذا المعنى كما تتصوره هي لا كما يتصوره أولئك أو هؤلاء؛ فينبغي أن تذكر أن السيوف لم تُغمد بعدُ، وأن القنبلة الذرية قد استُكشفت منذ أسابيع.

    هذه هي الديمقراطية التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية، وهذا هو الاستقلال الذي يراد أن يتخذ أساسًا للعالم الجديد، ولكن من حق الشعوب ألَّا تضعف ولا تهن ولا تيأس، فقد انتهت الحرب ولم يقرر السلام بعدُ، وإنما العالم في أزمة كأزمة المريض الذي تقلع عنه الحمى، ولكنه لم يسترد قوته بعدُ. وستنجلي هذه الأزمة يومًا ما، وسيسترد العالم المريض قوته يومًا ما، وسيعتدل مزاج الإنسانية غدًا أو بعد غد، ويمكن يومئذ أن نبحث عن المعنى الدقيق الذي تدلُّ عليه كلمة الديمقراطية وكلمة الاستقلال.

  • ماذا قال

    ماذا قال

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٧ أغسطس ١٩٤٥

    نستطيع أن نؤكد أن رئيس الوزراء لم يقُل شيئًا أمس حين تحدَّث إلى مجلس البرلمان في الحقوق المصرية. ونريد أنه لم يقُل شيئًا ذا خطر يمكن أن نعتد به، أو أن نطمئن إليه. فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء وغيره من زملائه يرون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين مواطنيهم، وفيما بينهم وبين الإنجليز: أن لمصر حقها الكامل في الاستقلال الصحيح، وفيما يستتبعه من الجلاء، ومن أن يخلص وادي النيل كله لسكان وادي النيل.

    المصريون جميعًا يعلمون ذلك حق العلم، وهم لم يكونوا ينتظرون من دولة النقراشي باشا أن يُنبئهم برأيه في المسألة المصرية، ولا أن يتحدث إليهم بإيمانه بحق الوطن في أن يستقل استقلالًا كاملًا كريمًا، وإنما كانوا يطلبون إليه، وما زالوا يطلبون إليه، أن ينبئهم بما صنعت حكومته لتحقيق هذا الاستقلال فورًا، وبما اعتزمت حكومته أن تصنع لتحقيق هذا الاستقلال فورًا.

    هذا هو الذي طلبه المصريون، وما زالوا يطلبونه إلى رئيس الوزراء، ومن أجل ذلك نأسف أشد الأسف حين يقرر أن رئيس الوزراء لم يقُل أمس شيئًا لمجلس الشيوخ، ولا لمجلس النوَّاب. فهو قد أنكر أن تكون الحقوق المصرية موضوع استجواب في أحد المجلسين؛ لأن المصريين جميعًا متفقون عليها. وله الحق في هذا الإنكار لولا أن أحدًا لم يتَّخذ هذه الحقوق موضوعًا للاستجواب، وإنما كان موضوع الاستجواب، وسيظل موضوع الاستجواب: ما صنعت الحكومة وما تريد أن تصنع لتجعل المطالب المصرية حقائق واقعة لا شك فيها ولا اختلاف عليها بين المصريين والإنجليز، أو بين المصريين والأجانب مهما يكونوا.

    المصريون إذن لم يختلفوا في حقوقهم، ولم يسألوا رئيس الوزراء عن رأيه في هذه الحقوق، وإنما طلبوا إليه أن ينبئهم بأنه فعل شيئًا للظَّفَر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لم يفعل شيئًا، وطلبوا إليه أن ينبئهم بأنه يريد أن يفعل شيئًا للظفر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح ليفاوض في الظفر بهذه الحقوق، لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح، ولكن متى تسنح هذه الفرصة؟ وكيف تسنح هذه الفرصة؟ ومن الذي يخلق هذه الفرصة؟ أتسنح هذه الفرصة اليوم؟ أتسنح غدًا؟ أتسنح بعد شهر؟ أتسنح بعد أعوام؟ هذا هو الذي لم يقُلْه رئيس الوزراء، وإنما انتظر أن يرى مصر مستمتعة بحقوقها بعد وقت قريب. والوقت القريب هذا قد يقصُر حتى يصبح ساعات، وقد يطول حتى يصبح أعوامًا، وقد يطول حتى يصبح عشرات من السنين؛ لأن القرب والبعد أمور إضافية إذا قيست إلى الزمن، وإذا قيست إلى حياة الأمم.

    فرئيس الوزراء إذن لم يقُل شيئًا في هذا أيضًا. وكيف تسنح الفرصة؟ أتسنح مصادفة حين يخطر لها أن تسنح؟ أتهبط من السماء؟ أتنجم من الأرض؟ أتسنح ليلة القدر؟ أم تسنح لأننا نريد أن توجد، ونريد أن ننتهزها؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا. ومن الذي يخلق الفرصة؟ أنخلقها نحن؟ وما لنا لم نخلقها إلى الآن! أيخلقها الإنجليز؟ فإننا نستطيع أن ننتظر طويلًا إن أردنا أن نصدر في ذلك عن رضى الإنجليز. أيخلقها الأمريكيون؟ أيخلقها الروس؟ أيخلقها اليونان؟ وما شأن أولئك فيما بيننا وبين الإنجليز؟ من الذي يخلق الفرصة؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا، وإنما أكد لنا رئيس الوزراء أنه لا يتوقع من الإنجليز معارضة أو ممانعة في استمتاع مصر بحقوقها كاملة، وإذن فما الذي ينتظر رئيس الوزراء ليطلب إلى الإنجليز التخلية بيننا وبين هذا الاستقلال الذي لا يتوقع منهم التواءً به أو معارضة فيه، وأغرب ما في الأمر أن يتلو رئيس الوزراء على المجلسين جوابه الذي هو أشبه بشهادة المسلم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبصلاة المسيحي حين يقول فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس: «أبانا الذي في السماء.» ويظن أنه بهذه الشهادة قد أرضى المصريين؛ فهو يرى رأيهم في الاستقلال يطلبه كما يطلبونه، وينتظره كما ينتظرونه، ولم ينسَ رئيس الوزراء إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لم يرقوا به إلى رياسة الوزراء ليقول لهم أخر الأمر إني أحب ما تحبون وأنتظر ما تنتظرون، وإنما رفعوه إلى منصب الحكم ليبلغ بهم غايتهم ويحقق لهم أملهم، ويطلب إلى الإنجليز التخلية بينهم وبين استقلالهم. والظريف أن مجلس النوَّاب انتقل إلى جدول الأعمال، وظن نقيب الصحفيين أنه انتصر؛ لأن مجلس النوَّاب لم يوافق على جواب رئيس الوزراء؛ أي لأن مجلس النوَّاب وقف موقفًا سلبيًّا في هذا الأمر الخطير!

    معذرة يا سيدي النائب النقيب. قد كان ينبغي أن يقرر مجلس النوَّاب بإجماع الآراء تكليف الحكومة أن تتدخل فورًا مع الإنجليز في المفاوضة لتحقيق الاستقلال؛ لتعرف مصر ما يُراد بها، وليعرف المصريون أين يُساقون، فأما المطاولة والمماطلة، والمواقف السلبية، وانتظار الفرص والثقة بحسن نية الحليفة فكلام كان يُقال، ولا ينبغي أن يُكتفى بقوله الآن. لقد سمع مجلس النوَّاب، وقرأ النوَّاب في الصحف أن إيران لم تنتظر، ولم تتربص، ولم تتوقع، وإنما طالبت بالجلاء، ولمَّا تنتهي الحرب بعدُ.

    ولقد سمع النوَّاب وقرءوا أن سوريا ولبنان يطالبان بالجلاء، ويبلغان منه ما يريدان، ومصر تعينهما على ذلك. ويعينها عليه رئيس الوزراء نفسه، وهما لم ينتظرا، ولم يتوقعا، وإنما همَّا ثم فعلا، وأعانهما على العزم والفعل رئيس الوزراء. فما باله يرى ويعين فيما يتصل بسوريا ولبنان، ثم ينتظر الفرصة ويتوقع حسن النية فيما يتصل بمصر؟!

    وقد سمع النوَّاب وقرءوا ما كان في مؤتمر سان فرانسيسكو من الخطوب، وما كان في مؤتمر برلين من الخطوب أيضًا، وعرف النوَّاب كما عرف رئيس الوزراء أن هذه الظروف هي التي ينبغي أن يكون فيها العمل، وأن الانتظار تقصير في هذه الأيام، وأن الإبطاء قد يعرِّض إلى ضياع الحقوق.

    وما أشك في أن رئيس الوزراء لا يجب أن يُتهم بالتقصير، ولا يريد أن تضيع الحقوق؛ وإذن ففيمَ الصمت، وفيم الانتظار، وفيمَ التعلل بالآمال؟!

    أليس غريبًا أن تصدر «الإجيبشيان» أمس، ويتكلم رئيس الوزراء أمس أيضًا، فإذا روح «الإجيبشيان» جازيت وروح الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء يتفقان على أن الانتظار خير، وعلى أن المسألة مسألة وقت؟! هل يعلم رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان، والمصريون جميعًا أن العالم الخارجي تحدث عن مذكرة الوفد، وتحدث أيضًا عن أن الحكومة المصرية ستطالب بالجلاء؟ فماذا عسى أن يقول العالم الخارجي؟ سيقول بالطبع إن السياسة قضت على الحكومة المصرية أن تستأني وتنتظر حتى تسنح الفرصة. فأما الأمة المصرية فإنها لا تستأني ولا تنتظر، وإنما تطالب بالحق كاملًا، وتسعى إليه في غير ريث ولا مهل.

    وإذن فبين الأمة والحكومة اختلاف؛ أمة تسعى وحكومة تنتظر، ومن يدري لعل يومًا يأتي تتفق فيه الأمة والحكومة، فلا تمضي إحداهما وتقف الأخرى.

  • في الاستقلال

    حديث الوادي
    في الاستقلال…
    نريد أن نتحدث عن هذا الاستقلال الذي يقف رئيس وزرائنا الرجل الطيب موقف الأبطال للذود عنه، وحمايته من تدخل الإنجليز، فهو استقلال طريف في حقيقة الأمر لا يستحق عناية ولا يجدر برجل عاقل يكرم نفسه عن السخف ويرفعها عن عبث الأطفال، أن يحفل به أو يفكر فيه. بل هو استقلال خير منه الخضوع، لأنه يقوم على الغرور أو على التغرير، ولا يقوم على الحق الواضح الجلي الذي لا يختلف فيه الناس، ولا يحتاجون إلى أن يختلفوا فيه، فالاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته لا يبلغ حتى أن يكون شكلاً من الأشكال أو صورة من الصور أو مظهراً من المظاهر الكاذبة. وإنما هو كلام يرسل في الهواء إرسالاً ولا يستطيع أذكى الناس ولا أغباهم ولا أشدهم فطنة، ولا أعظمهم حظاً من السذاجة أن يفهم له معنى أو يستدل به على شيء. هو استقلال يبيح للوزراء أثناء الطمأنينة والهدوء أن يدخلوا الإنجليز في كل شيء، ويتقربوا إليهم من كل طريق. يبيح لهم أن يعملوا عصي الشرطة الإنجليزية وسياطها في رؤوس المصريين وأبدانهم، يبيح لهم أن يقصوا المصريين عن المناصب ليضعوا فيها الإنجليز، يبيح لهم أن يوزعوا كتباً في اللغة الإنجليزية على الطلاب والتلاميذ توزيعاً قهرياً أثناء الصيف، يبيح لهم ألا يصدروا في أمر من الأمور السياسية الخارجية إلا عن رأي الإنجليز ومشورتهم بل عن أمر الإنجليز وإرادتهم. يبيح لهم أن يقبلوا من الإنجليز مذكرات بأمر الري وفي غير الري من المسائل الداخلية الخالصة، يبيح لهم أن يتقربوا إلى المندوب السامي، بإقامة الولائم له، في داخل البلاد وفي البيئات القروية الخالصة، وأن يحشدوا له المصريين ليتلقوه بالهتاف والتصفيق إذا هبط من سيارته وليودعوه بالهتاف والتصفيق إذا صعد إليها، يبيح لهم أن يرفعوا كلمة الإنجليز، على كل كلمة إذا حسنت الصلة بينهم وبين الإنجليز وألا يحفلوا بما يقول المصريون أو بما يفعلون بل أن لا يسمحوا للمصريين بأن يقولوا أو يفعلوا، فإذا كان الحرج بينهم وبين الإنجليز لسبب من الأسباب دفعهم إليه ضعف الرأي، وسوء التدبير والعجز عن مواجهة الخطوب والعجز عن فهم الاستقلال كما ينبغي أن يفهم، في هذه الحال يصيحون بأن الاستقلال في خطر، ويدعون الشعب إلى حمايته والذود عنه والقيام دونه أن يعتدى عليه الإنجليز.

    يطلبون إلى الإنجليز – فيما تؤكد دوائر لندن – أن يشيروا عليهم في أمر الوصاية والأوصياء، وما ينبغي للإنجليز أن يستشاروا، ثم لا يشيروا. فإذا أشار عليهم الإنجليز أنكروا هذه المشورة التي طلبوها وشكوا من التدخل الذي دعوا إليه، وأحدثوا أزمة عنيفة لا يقدرون عواقبها، لأنهم لا يحسنون تقدير العواقب، لشيء من الأشياء. هذا هو الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته، هو استقلال شر منه الخضوع، لأنه يقوم كما قلنا على الغرور والتغرير وعلى السخف الذي لا يسيغه الأطفال، فإذا نظرت إلى هذا الاستقلال من ناحيته الداخلية الخالصة، من ناحية الصلة بين الوزارة والمصريين فهو استقلال كله شر، وكله تجاوز للقانون، وكله إفساد لمعنى الاستقلال الصحيح. هو استقلال يقوم على أخذ الناس بالعنف، والبطش في غير حق، وعلى التفريق بينهم في جباية الضرائب: تخفيف على الأنصار والأعوان، وتشديد بل إرهاق للخصوم والمقاومين. وهو تبذير في هذه الأموال التي تجمع بالعصي، وتجبى بالسوط وتؤخذ من الناس في غير أوقاتها، تبذير في هذه الأموال باليمين والشمال، تبذير في مصر وتبذير في أوروبا، تبذير فيما ينفع ويمكن تأجيله، وفيما لا نفع فيه، بل فيه الضرر المحقق، عبث بالمال، كما يعبث الأطفال بما أمامهم من الرمل حين يلعبون على ساحل البحر. فإذا أنكر الناس عليهم ذلك أو هموا بإنكاره فالسؤال والتحقيق والإرهاق والمضايقات التي لا تحصى والإعنات الذي لا يحد، والاجتراء حتى على مكانة القضاء. وما ينبغي له من التقديس والإقدام على غير ذلك مما لا نحاول إحصاءه لأننا لا نستطيع إحصاءهم، ومما تضيق به كل نفس، ويدمي له كل قلب، وينطلق به كل لسان.

    الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته يمكن أن يختصر في جملتين اثنتين: خضوع للإنجليز، ما حسنت الصلة بين الوزارة وبين الإنجليز وإذلال الشعب المصري. ما استطاعت الوزارة إذلال الشعب المصري. تستطيع أن تبحث وأن تستقصي فلن تستطيع أن تخرج باستقلال رئيس الوزراء عن هاتين الصورتين البشعتين، صورة الخضوع للقوي والإذلال للضعيف. فقد نحب أن نعلم هل هذا هو الاستقلال الذي طلبه المصريون وجاهدوا فيه، وسفكوا فيه دماءهم وأرهقوا فيه نفوسهم واحتملوا فيه ما لا يحصى من ألوان الضر والضيم والأذى. وقد نحب أن نعلم لمن أعلن هذا الاستقلال؟

    ولمصلحة من؟ ولإرضاء من أعلن هذا الاستقلال؟ هل أعلن هذا الاستقلال لمصلحة الإبراشي باشا وأمثاله من الذين تظهرهم الأحداث في هذا البلد الشقي، ولأنصاره والمذعنين له من الوزراء وأشباه الوزراء؟ فإن كان هذا الاستقلال قد أعلن لمصلحة هؤلاء الناس دون الشعب المصري فليحموه وحدهم، وليحتفظوا به وحدهم وليدعوا الشعب المصري يطلب استقلاله الصحيح الذي لم يظفر به بعد. أم هل أعلن الاستقلال للشعب المصري نفسه لإرضائه ولتحقيق مصالحه، وللوصول إلى تحقيق الاتفاق بينه وبين الإنجليز؟ فإن كانت هذه ونظن، بل نؤمن، أن هذه هي الصحيحة التي ليس فيها شك، فإن الشعب المصري يفتقد استقلاله فلا يجده وإنما يجد قوماً آخرين هم الإبراشي باشا وأمثاله قد استأثروا من دونه بهذا الاستقلال، وغصبوا لأنفسهم هذه الحقوق.

    وما نظن أن المصريين قد انتهوا من السخف إلى حيث يصدقون أن استقلال الإبراشي باشا وأمثاله هو استقلال مصر، وأن بقاء الإبراشي باشا وأمثاله في مناصبهم يتجاوزون القانون وينتهكون حرمات الدستور هو المظهر الصادق للاستقلال الصحيح.

    كلا. قد ينتهي فريق من الناس إلى هذا السخف، لأن الله أراد لهم ذلك، ولكن الشعب المصري ما زال رشيداً، يفهم الاستقلال على وجهه ويريده على حقيقته. ويعلم أن حماة الاستقلال والذادة عنه، ليسوا ولا يمكن أن يكونوا من طراز الإبراشي باشا ورئيس الوزراء.

    طه حسين
    الوادي، ٢٥ أكتوبر ١٩٣٤.

  • تسليم

    حديث الوادي

    تسليم…

    أذاعت الصحف منذ حين أن دار المندوب السامي البريطاني أرسلت إلى وزارة الأشغال المصرية مذكرة زعمت فيها أن الماء لا يوزع بين الناس بالقسط في بعض أنحاء مصر، وأن صغار الملاك والزراع يظلمون ويحرمون ليستأثر نفر من كبار الموظفين بالماء. وألحت الصحف في إذاعة هذا النبأ وطلبت إلى الوزارة أن تبين للناس وجه الحق فيه، وألحت في هذا الطلب أيضًا.

    ولكن إلحاح الصحف في الإذاعة وإلحاحها في الطلب لم يغنيا شيئًا، ولم يخرجا وزارة الأشغال ولا رياسة الوزراء عن هذا الصمت العميق المريب.

    هنالك انتقلت الصحف من الإلحاح في الإذاعة، والإلحاح في الطلب، إلى تحدي الوزارة والجزم بأن الخبر صحيح لا غبار عليه، ولا شك فيه. ثم أخذ بعضها يتحدث عن نزاهة الحكم ويسأل النيابة: ما بالها لا تحقق هذه القصة كما حققت قصصًا أخرى من قبل؟ والوزارة مع ذلك مغرقة في صمتها العميق المريب. ثم ظهرت المقطم مساء أمس وفيها أن وزارة الأشغال قد ردت على مذكرة المندوب السامي وأثبتت بالبرهان القاطع أن مصلحة الري لم تتورط في جور ولا حيف، وأن المصريين جميعًا سواء يأخذون حظوظهم من الماء بمقدار حاجتهم، لا فضل لموظف على غير موظف، ولا فضل لقوي على ضعيف، ولا فضل لصاحب لقب ورتبة على غير ذي لقب ورتبة.

    ومعنى هذا كله أن النبأ في جوهره صحيح، ما دامت الوزارة لم تكذبه إلى الآن برغم هذا الإلحاح المتصل الطويل، وإذن فقد أرسلت دار المندوب السامي مذكرة إلى وزارة الأشغال، تتحدث فيها عن الري وتوزيع الماء، وتطلب فيها إلى وزارة الأشغال، دفعًا لبعض الشبهات أو رفعًا لبعض المظالم. وإذن فقد ردت وزارة الأشغال على دار المندوب السامي فحاولت دفع هذه الشبهات، ولعلها وفقت من ذلك إلى ما تريد. ولكن المسألة التي تعنينا الآن ليست هي نزاهة الحكم، وليست هي توزيع الماء بالقسط بين المصريين، وليست هي ارتفاع مصلحة الري عن إيثار الأقوياء على الضعفاء، ومحاباة الأغنياء دون الفقراء، فكل هذه مسائل نتحدث فيها فنطيل الحديث، وهي موضوع الخلاف المتصل بين المعارضة والوزارة، لا في الري وحده، بل فيه وفي غيره من المرافق المصرية كلها، إنما المسألة التي تعنينا والتي يجب أن يُعنى بها المصريون جميعًا والتي نحب أن نعرف فيها رأي رئيس الوزراء، ووزير الخارجية لا رأي وزير الأشغال، هي تدخل دار المندوب السامي بين المصريين والوزارة المصرية في مثل هذه الأمور. فالذي نعلمه أن إنصاف المصريين للمصريين أو ظلم المصريين للمصريين، وأن إيثار فريق من المصريين بالماء على فريق، وأن انحياز الوزارة لجماعة من المصريين دون جماعة، كل هذه مسائل مصرية خالصة، لا تمس الأجانب من قريب ولا من بعيد، وهي إذن لا تستطيع أن تتصل بالتحفظات التي يتعلق بها الإنجليز، وهي إذن لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون موضوع حديث بين دار المندوب السامي وبين الوزارة المصرية. لأن دار المندوب السامي حين تعرض لها تتجاوز ما احتفظت به لنفسها من الحق، أو مما تسميه الحق في تصريح ٢٨ فبراير. ولأن الوزارة المصرية حين تقبل مثل هذا الحديث من دار المندوب السامي، تفرط في الاستقلال، وتقصر في ذات الوطن، وتبيح للإنجليز ما لم يبيحوه لأنفسهم.
    فهل يستطيع رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، وهو بحكم منصبه أمين على ما في يد مصر من الاستقلال، مكلف أن يزيده، ممنوع أن ينقصه أو يعرضه للنقص، هل يستطيع رئيس الوزراء أن يبين لنا كيف استطاعت دار المندوب السامي أن تدخل فيما لا ينبغي لها أن تدخل فيه من شؤون المصريين، وكيف قبل منها هو هذا الدخول، فسكت عليه، نستغفر الله، بل أجازه إن صح ما روته المقطم أمس، فرد أو ترك زميلًا له يرد على هذه المذكرة، التي أرسلتها دار المندوب السامي إلى وزارة الأشغال؟

    الذي نعلمه أن الواجب كان يقضي على وزارة الأشغال بإحدى اثنتين ليس لهما ثالثة. فأما أن تهمل هذه المذكرة إهمالًا لأنها صدرت عمن لا يملك إرسالها، وهذا أضعف الإيمان بالاستقلال، ولكن فيه إيثارًا للعافية، واحتفاظًا سلبيًا بالكرامة. وإما أن تحول هذه المذكرة إلى وزارة الخارجية، أو إلى رياسة الوزارة ليرد عليها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، لا بالمناقشة في موضوعها، ولا بالدفع لما اشتملت عليه من تهم، أو شبهات، بل بإنكار توجيهها من جهة، وتوجيهها إلى وزارة الأشغال دون رياسة الوزراء أو وزارة الخارجية من جهة أخرى.

    هذا هو الذي نعلمه ويعلمه غيرنا من الذين يريدون أن يصدقوا أن لمصر حظًا من الاستقلال، وأن وزارة الرجل الطيب تفهم واجبها لصيانة هذا الاستقلال، والقيام دونه وحمايته من أن يتحيفه الإنجليز.

    ولكن وزارة الرجل الطيب تفهم الأمور على وجه آخر، فنحن مستقلون ولكن استقلالنا لا يمنع الأجنبي من أن ينصف ضعفاءنا من أقويائنا، وفقراءنا من أغنيائنا، ومن أن يرد وزراءنا إلى العدل إن آنس منهم جورًا، وإلى الإنصاف إن آنس منهم تحيزًا أو محاباة. وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تقبل تدخل الإنجليز في مثل هذا الأمر فكيف لا نعذر الناس إذا شكوها إلى الإنجليز؟ وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تدافع عن أعمالها أمام دار المندوب السامي فكيف لا نعذر الناس إذا استعدوا عليها هذه الدار؟

    إن الأمر خطير حقًا، وهو في حاجة إلى بيان رئيس الوزراء، فقد نحب أن نعلم: أحقًا أن دار المندوب السامي قد تدخلت في شؤون الري، وأن وزارة الأشغال ردت عليها مدافعة عن مصلحة الري؟

    فإن كان هذا حقًا فقد أثمت الوزارة في ذات الوطن، وقد فتحت الوزارة للإنجليز هذا الباب الذي يستفتحونه منذ أمد بعيد، وهو باب العهد الكرومري. وقد رضيت الوزارة أن يكون الإنجليز قضاة بينها وبين المصريين في الشؤون المصرية الخالصة.

    وكل هذه سيئات ثقال ما نظن الوزارة تستطيع أن تحملها. فلتبين لنا الوزارة حقيقة هذا الأمر، فلن نتأخر عن الثناء عليها إن كانت قد وقفت دار المندوب السامي عند حدها، وردتها إلى ما يجب عليها من احترام الاستقلال المصري. ولن نتردد في أن نصارحها بأن بقاءها في مناصب الحكم شر إن كانت قد تورطت في هذه السيئات التي تحمل عليها، وقبلت من دار المندوب السامي هذا العدوان الصارخ على الاستقلال.

    أما بعد، فإن أمر هذه المذكرة أخطر ألف مرة ومرة من أمر النزاهة في الحكم، وعلى الصحف المصرية الوطنية واجب ما نظن أنها ستقصر في القيام به، وهو أن تلح وتلح حتى تحمل الوزارة على أن تصارح الناس بحقيقة ما كان.

    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.

  • وصاية

    حديث الوادي
    … وصاية…
    نحن مستقلون، ليس على استقلالنا غبار، فقد أُلغيت الحماية منذ أكثر من عشر سنين، وجيش الاحتلال المرابط في بلادنا صورة من الصور، وشكل من الأشكال، لا يخيف أحدًا، ولا يدخل في أمر من أمورنا، وإنما يرابط في مصر، كما يمكن أن يرابط في أي قطر آخر من أقطار الأرض، فالأرض كلها مباحة للإنجليز بإذن الله، لا فرق بين مصر وفرنسا وألمانيا وإنجلترا نفسها.
    أُلغيت الحماية، ولا خطر لجيش الاحتلال، فنحن مستقلون. وأوضح الأدلة على استقلالنا، إن احتاجت الشمس الساطعة إلى دليل، أن لنا مندوبًا قد سافر منذ أيام من مصر، ووصل منذ أيام إلى باريس، وسيدخل بعد أيام في مفاوضات خطيرة مع هذه الدول الكبيرة التي تسمى فرنسا وإيطاليا وإنجلترا. وكيف تشك في استقلال بلد له وزير يهيئ للمفاوضات في باريس، ومندوب يفاوض بالفعل في باريس! وأي فرق بين هذا البلد الذي له وزير ومندوب في باريس، وأي بلد آخر من البلاد المستقلة، التي تعين السفراء، وترسل المندوبين، وتشترك في المؤتمرات، وتفاوض في المسائل الكبرى، فترضى وتأبى، وتقبل وترفض، وتجادل وتحاور، وتصل المفاوضات إن أرادت، وتقطعها إن أحبت، وتعلقها إن رأت منفعة في التعليق!
    نحن إذن مستقلون، ما إلى الشك في ذلك من سبيل، ومن الحق أننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام مباشرة على يد صدقي باشا، أو على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا بالواسطة على يد السير برسي لورين، ورؤسائه في وزارة الخارجية البريطانية. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه، وإنما هو استعانة بالأصدقاء، والتجاء إلى وساطتهم، التي قد تنفع، وقد تفيد. ومن الحق أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وأننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام، في ظل وزارة الرجل الطيب مباشرة، على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا فيها بالواسطة على يد المندوب السامي الجديد، فيما نشرت الصحف منذ أشهر. فعطف المندوب السامي الجديد على مصر واضح وضوح استقلال مصر. وهو من أجل ذلك لم يرد أن يعود إلى مصر دون أن يلم بباريس، فيشتري منها بعض ما يشتري في باريس، ويلقي فيها كلمة خير عند الساسة الفرنسيين لمصلحة هذا البلد العزيز، الذي أحبه المندوب السامي وكُلف به قبل أن يفارق الصين. ومن الحق أيضًا أن المندوب السامي السير ميلز لمبسون قد تطوع بهذه الوساطة وتفضل بهذا العطف قبل أن تتصل العلاقات بينه وبين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، بل تفضل المندوب السامي بهذا العطف على مصر في وقت كان مغاضبًا فيه لرئيس الوزراء، لقصة الزيارة المشهورة. وكان خليقًا ألا يحفل بمصر ولا المصريين، ولكنه رجل كريم حليم، لم يحفل بهذه المغاضبة، ويأبه لفتور العلاقات، وسعى لمصلحة مصر على غير علم من مصر، وبغير تفويض من مصر مبالغة منه في إظهار العطف والمودة. ولكن هذا كله لا ينقص من استقلالنا، بل يزيد فيه. فإن الاستقلال لا يمنع الناس من أن يحبونا، ويعطفوا علينا. ومن يدري، لعل المندوب السامي إنما فعل ما فعل تقربًا إلى رئيس وزرائنا، وإيثارًا لاصطناع اليد عنده قبل أن يلتقيا، ويأخذا في أسباب المودة والإخاء. نحن إذن مستقلون. ليس على استقلالنا غبار، وليس المهم أن نجني ثمرات الاستقلال، ونضمن أننا لم ندفع إلا ورقًا، فهذا شيء يسير، لا خطر له ولا حساب. وإنما المهم أن نقول للناس: أنا مستقلون، وأن يصدق الناس ذلك، وأن يصدقوه في ظاهر الأمر على أقل تقدير. وأكبر الظن أن الناس يصدقوننا حين نتحدث إليهم عن استقلالنا، ولولا ذلك لما قبلت فرنسا وإيطاليا أن تفاوضهما مفاوضة الند للند، والنظير للنظير. وأكبر الظن أن مسألة الدين العام هذه لن تُحل في هذه السنة، لا لأن حلها عسير، بل لأننا فاوضنا فيها في لندرة عام الأول، وسنفاوض فيها هذا العام في مدينة باريس، ولا بد من أن نفاوض فيها العام المقبل في مدينة روما؛ لتشهد الدول الكبرى الثلاث التي نفاوضها بأننا مستقلون، وبأن لنا مندوبًا يشهد المؤتمرات. وآية أخرى على أننا مستقلون ليس على استقلالنا غبار، قصة المحاكم المختلطة، فقد كنا نستطيع أن نحل أزمتها بكلمة نقولها. ولكننا أبينا أن نفعل لا عجزًا منا عن حل الأزمة، ولا زهدًا منا فيه، بل حرصًا على أن نقول للناس إننا مستقلون. ذلك أن اتصال وزارة الخارجية بالدول الأجنبية، وصدور المذكرات منها إلى هذه الدول، ودعوة المؤتمرات إلى الانعقاد في مدينة القاهرة للمفاوضة في هذه الأزمة؛ كل هذه أمور لا تستقيم إلا للبلد المستقل الذي يعترف الناس كلهم باستقلاله. ولذلك آثر رئيس وزرائنا الرجل الطيب أن يضرب عصفورين بحجر، فيحلُّ أزمة المحاكم المختلطة، ويكره الدول على أن تفاوضنا فتعترف لنا بالاستقلال للمرة الأولى بعد الألف أو بعد الألفين.
    ومن الحق أننا لم نخطُ خطوة في أمر هذه الأزمة دون أن نستعين بالمستشار القضائي الإنجليزي، ودون أن نسترشد برأي المندوب السامي البريطاني، بل من الحق أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب لم يرد على الاستجواب في مجلس النواب، إلا بعد أن تحدث إلى المندوب السامي في أمر هذه الأزمة، كما قالت الصحف. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه؛ فالمستشار القضائي إنما وُجد ليستشار، والمندوب السامي صديق، ومن الذي يمنع الوزراء المستقلين من أن يستعينوا بالأصدقاء؟ هناك اعتراض يسوقه بعض الذين في قلوبهم مرض على استقلالنا هو هذه الزيارات التي زارها المندوب السامي لحدودنا الشرقية والغربية. فهؤلاء يرتابون في هذه الزيارات، ويشفقون منها على مظاهر الاستقلال، ولكنهم في هذا كله مسرفون، فالمندوب السامي كما قلنا صديق، يقيم في بلد صديق، فمن حقه علينا أن نظهره على ما في بلادنا، مما ترتاح إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، ويأمن له الضمير من كل ما يخيف أو يريب. ولا خوف من حدودنا الشمالية، فالأسطول الإنجليزي الصديق قادر على حمايتنا إن عجزت أساطيلنا نحن عن هذه الحماية. ولا خوف من حدودنا الجنوبية، فالسودان كفيل بحمايتها إن عجزنا نحن عن هذه الحماية. فأما حدود الشرق والغرب، فأمرها مختلف، ولا بد لأصدقائنا المقيمين عندنا من أن يتعهدوها بالزيارة، ليعلموا أن لنا فيها قوًى لا تقهر، وحصونًا لا تقتحم، وليعيشوا بعد ذلك في بلدنا آمنين.
    فأنت ترى أن هذا الاعتراض سخيف، وأن زيارة المندوب السامي لحدودنا لا تمس استقلالنا، ولا تعرضه لخطر. ومن الحق أن الممثلين الآخرين للدول الأجنبية لا يزورون حدودنا الشرقية ولا الغربية، ولكن هذا شأنهم هم، لا شأننا نحن. ومن الذي منعهم من هذه الزيارة؟ وأنت لا تشك في أن صداقة الممثل البريطاني لمصر أقوى ألف مرة ومرة من صداقة غيره من الممثلين السياسيين.
    أما أنا فأتخذ هذه الأشياء كلها دليلًا واضحًا على الاستقلال الذي لا شك فيه. وأما غيري من المتحرجين، فيتخذها دليلًا واضحًا على الوصاية الإنجليزية، التي تقوم مقام الحماية بعد إلغائها. ولست أشك في أن القراء المنصفين سيقضون بالعدل بين خصومي وبيني في هذه القضية، وسيقولون كلمة الحق فيها، فيعلنون: أنا مستقلون، أو أنا خاضعون لوصاية الإنجليز…
    طه حسين
    حديث الوادي، ٩ يونيو ١٩٣٤.

  • يأس

    يأس…

    لا بأس على المصريين من أن يجوعوا، فقد تعودوا الجوع، وإن كانت أرضهم خصبة، كثيرة الثمرات. ولا بأس على المصريين من أن يظمؤوا، فقد تعودوا الظمأ، وإن كان نيلهم غزيرًا عذب الماء. ولا بأس على المصريين من أن يشقوا، فقد تعودوا الشقاء، وإن كانت بلادهم خليقة أن تجعلهم أسعد الناس.

    لا بأس على المصريين من الجوع والظمأ والشقاء، فهم قد تعودوا هذا كله وألفوه، وهم قوم عقلاء، يحسنون الصبر، ويتقنون الاحتمال، ويعرفون كيف يلتمسون العذر لسادتهم ومواليهم، إن لم يهيئوا لهم حياة سعيدة ناعمة، أو حياة تكفل لهم شيئًا من راحة وسعة، وقليلًا من نعمة ورخاء.

    وليس الرجل العاقل من يضيق بالخطب إذا نزل، ويجزع للكارثة إذا ألمت، فإن الضيق بالخطوب لا يدفعها، والجزع للكوارث لا يردها، إنما الرجل العاقل من يصبر ويحتمل، وينحني أمام الكوارث والملمات. وله أن ينتظر الموت صامتًا حتى يدركه الموت، وله أن يبعث من صدره المحزون أنات أليمة، يحملها الهواء فيملأ بها الفضاء، أو تحملها أشعة الشمس والقمر والنجوم فتملأ بها أجواء الكون، فمن يدري لعل هذا الأنين، إن عجز عن أن يؤثر في نفوس الناس من سكان الأرض، أن يؤثر في قلوب غير الناس من سكان الكواكب والنجوم.

    ولقد تعود المصريون أن يشقوا، ولقد تعودوا أن يشكوا، ولقد تعود الزمان أن يروي عنهم شكواهم الأليمة المرة، فيحملها أمس إلى اليوم، ويحملها اليوم إلى غد، وتتناقلها الأجيال فيما بينها، ويتعلم منها الأبناء كيف يرثون للآباء، وكيف يشفقون على الأحفاد.

    هذه الصحف تتحدث إلينا صباح اليوم بأن مجلس الوزراء قد اجتمع ثم اجتمع، وطار ثم وقع، وانتهى به الأمر إلى اليأس المريح من أن يجد الحل الحاسم، الذي طالما تمناه وزير المالية، ومني به الناس. فستظل إذن مشكلة الدين العقاري قائمة، لا تنفرج أزمتها، ولا تنجلي غمتها، ولا يكشف ضرها عن المصريين.

    ومع هذا، فما أكثر ما وعد وزير المالية، وأسرف في الوعد، وما أكثر ما تحدث رئيس الوزراء فأطال الحديث، وما أكثر ما تشدق الأنصار والأولياء، وما أكثر ما جلا أولئك وهؤلاء أمام الشعب آمالًا عذابًا، ظهر الآن أنها كانت كذابًا.

    كان وزير المالية يقول إنه سيحدث ما لم يحدث أحد من قبل، وهو لا يرضى أرباع الحلول، ولا أنصافها، وإنما يريد الحلول الكاملة الشاملة، التي ترضي المصريين وتريحهم، وتجدد نشاطهم وابتسامهم للحياة.
    وكان رئيس الوزراء يتعالى، في شيء من التواضع الغريب عن السياسة وأحاديثها، ويفاخر، في شيء من الكبرياء الظريفة، بحرصه على الاقتصاد، ورغبته في حل مشكلاته. وكان يمزج التواضع بالكبرياء، فيعلن أنه لا يستطيع أن يأتي بالمعجزات، وأنه سيبذل ما يملك، ويفعل ما يستطيع لإصلاح ما ليس من إصلاحه بد.

    وكان رئيس الوزراء يرتفع حتى يبلغ النجم، ثم يلقي من هناك نظرة ملؤها الازدراء والاحتقار على تلك الحلول العوجاء العرجاء التي استكشفها صدقي باشا، أو تكلفها، لمشكلات الدين العقاري، ويعلن في أناة تليق بعظماء الرجال، وفي هدوء يليق بالذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يصدرون إلا عن يقين، يعلن أنه لا يريد الحلول المضطربة التي لا تحل شيئًا، وإنما يريد الحلول الحاسمة، التي لا تدع شكًا ولا لبسًا، ولا خلافًا ولا خوفًا.

    ثم يمضي شهر، يتبعه شهر، ويتبعهما شهر وأشهر، والحلول الحاسمة الحازمة تلتمس. يغوص لها وزير المالية في البحر، ويهبط لها وزير المالية في أعماق الأرض، ويطير لها وزير المالية في أجواء السماء، ورئيس الوزراء ينتظر، والمصريون ينتظرون، والدائنون يلحون، والمدينون يستغيثون، والأيام تمضي، والأسابيع تتعاقب، والشهور يتبع بعضها بعضًا، والهموم تلح على المصريين، والخطوب تأخذهم من كل مكان، وأنينهم يتصل، وشكواهم يردد أصداءها الزمان.

    حتى إذا حان الحين، وآن الأوان، تمخض الجبل فولد فأرًا، وانجلت هذه الجهود الجبارة عن تقرير يقدمه وزير المالية إلى مجلس الوزراء، فلا يكاد المجلس ينظر فيه حتى يختلف في أجزائه، وفي تفصيلاته. ثم يكثر الحوار، ويشتد الخلاف، وتمطر السماء اقتراحات متضاربة متناقضة، وتنبع من الأرض اقتراحات أخرى، ويحمل الهواء اقتراحات جاء بعضها من المريخ، وبعضها من زحل، وتختلط هذه الاقتراحات كلها، ويضطرب الأمر، ويشتد الجدال.

    وفي أثناء ذلك يسافر من يسافر من رجال المال، ويتهيأ من بقي منهم للسفر، ويقبل الصيف، وتتهيأ الوزارة للراحة في الإسكندرية، ويتهيأ أعضاء البرلمان الحاضر للتفرق في أقطار الأرض، يستريحون من التعب، ويبتغون من فضل الله.

    وتظهر الحقيقة منكرة بشعة، مخيفة كريهة المنظر، مرة المذاق، ثقيلة الاحتمال، تظهر في أقبح مظهر، وأسمج منظر، وتبعث هذا الصوت المخيف العنيف:

    لا أمل في الحل الحاسم هذا العام، فانتظروا أيها المصريون، فقد يفتح الله على وزرائكم به في العام المقبل!

    ثم تستقر الأمور على اليأس، وتطمئن القلوب إلى القنوط، ويتهيأ مجلس الوزراء في دعة، وأمن ورضى، ليدرس حلًا من هذه الحلول المؤقتة التي كان يحبها صدقي باشا، على قاعدة من هذه القواعد المضطربة التي كان يؤثرها صدقي باشا.

    وإذن فأين نحن، وأين كنا، وإلى أين انتهينا، وإلى أين ندفع؟

    هل يستطيع رئيس الوزراء أن يحدثنا: فيم سقطت وزارة، وقامت وزارة؟ هل يستطيع رئيس الوزراء أن ينبئنا: فيم هوى صدقي باشا، وقام عبد الفتاح يحيى باشا؟

    لم تحل المشكلة السياسية، ولم تحل مشكلة الدين العام، ولم تحل مشكلة الدين العقاري، ولم تتغير خطة الوزارة بإزاء واحدة من هذه المشكلات. ثم نشأت مشكلات أخرى عالجتها الوزارة بنفس الخطط التي كان يعالج بها صدقي باشا ما كان يعرض له من المشكلات: الانتظار، والوعد، ثم الإسراف في الانتظار، والإسراف في الوعد، ثم الاعتماد على النسيان، وفعل الزمان!

    تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن ينظر سادته ومواليه إلى أموره نظرة الجد والنصح؟ تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن يقدم إليه سادته ومواليه عملًا لا قولًا، وطحينًا لا جعجعة؟

    تبارك الله! لن تحل مشكلة من مشكلات هذا الشعب إلا أن يكون هذا الشعب سيد نفسه، يعالج مشكلاته عن علم بها، واحتمال لتبعاتها، لا يعتمد في ذلك على قوم معصومين، ولا يلتمس في ذلك معونة قوم مستعمرين، يريدون به الشر، ويدبرون له الكيد، ويتربصون به الدوائر.

    تبارك الله! متى تنكشف الأيام لهذا الشعب عن حريته، وعزته، واستقلاله؟ فإنه لم يخلق ليكون عبدًا ذليلًا مستغلًا، وإنما خلق ليكون حرًا عزيزًا، مستقلًا، يريد فينفذ ما يريد، ويقول فيتم ما يقول.

    طه حسين

    (حديث الوادي، ٤ يونيه ١٩٣٤)

  • مغالطة

    حديث المساء: مغالطة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ أبريل ١٩٣٤

    تهزأ المورننج بوست من المصريين؛ لأن جماعة منهم فيما تزعم همُّوا بتحريق دار الشرطة حين أرادوا أن يروا الاستقلال، فحالت الشرطة بينهم وبين ما أرادوا، وسُئِلَ هؤلاء الناس عن الاستقلال ما هو؟ فقالوا إنه شيء يُؤْكَلُ، وهو على كل حال شيء يُرَى. ونعترف بأنَّا لا نفهم استهزاء المورننج بوست من هؤلاء الناس، الذين لم يُوْجَدوا من غير شك ولكنَّا نفرض أنهم موجودون، والذين لم يأتوا من غير شك ما تضيف إليهم الصحيفة الإنجليزية، ولكننا نفرض أنهم قد أتوا؛ فمن المحقَّق أن الاستقلال شيء يُرَى وشيء يُمَسُّ، ولعل من آثاره ما يؤكل أيضًا، ومن حق المصريين وقد تحملوا ألوان المشقة، وصبروا لضروب الجهد، وضحوا بالأنفس والأموال في سبيل هذا الاستقلال؛ أن يروه وأن يستمتعوا لا بالنظر إليه فحسب، بل بتذوُّق ثماره والانتفاع بآثاره كيفما كان هذا الانتفاع، أكلًا وشربًا ومساواةً، إلى غير ذلك من فنون الحس والشعور.

    ولسنا نفهم كيف يناقش الناس في أن الاستقلال شيء يُرَى، وشيء يُمَسُّ، وشيء قد يؤكل وقد يشرب، وهم جميعًا يرون الاستقلال بأعينهم ويمسونه بأيديهم، ويرون كيف يستمتع به أصحابه في البلاد التي يستقر فيها الاستقلال حقًّا، ويبدو فيها للناس حرًّا طلقًا لا تُلْقَى بينهم وبينه الحجب، ولا تُسْدَل بينهم وبينه الأستار. اذهب إلى أي بلد من البلاد الحرة المستقلة، وانظر إلى أهلها حين يسعون في الأرض، وحين يضطربون في التماس الحياة؛ فسترى أن شخص الاستقلال قائم أمامهم يسعى معهم حين يسعون، ويضطرب معهم حين يضطربون، يدفعهم إلى ما يبتغون من الحق، ويصدهم عمَّا يبتغون من غير الحق، ويَذُود عنهم كل العوادي والخطوب التي تحول أو تحاول أن تحول بينهم وبين ما يبتغون في حدود النظام والقانون.

    هذا الاستقلال مستقر في دور الشرطة، يمنع الشرطيين من أن يعتدوا على أبناء الشعب، أو يهموا بالاعتداء عليهم أو يسوقوهم إلى حيث يخضعونهم لمثل ما أُخْضِعَ له بعض أهل البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، ولمثل ما يخضع له المصريون في كل مدينة وفي كل قرية، حين يهمون أن يقولوا أو يعملوا ما لا يحب الحاكمون، وهذا الاستقلال مستقر في دور القضاء يمنع أن يُنْقَل القاضي أو يُعْزَل، أو يَمَسَّهُ غضب السلطان لأنه قضى بما لم يرضَ السلطان. وهو مستقر في الوزارات، وفي مكاتب الوزراء خاصة، يمنعهم من أن يتجاوزوا القانون في قول أو فعل، ويَقِفهم أمام لجان المحاكمة حين يتجاوزون القانون في قول أو فعل، وقد يُلْقِيهم في غيابات السجون أحيانًا، ويمنع رؤساء شركات النور ورؤساء المحاكم أن يكتبوا إليهم كتبًا فيها ما يهين الدولة ويغض من كرامة الاستقلال. وهو مستقر في مكاتب الموظفين يمنعهم من طاعة الوزراء والرؤساء فيما يخالف القانون، ويقفهم أمام مجالس التأديب إن فعلوا، وقد يقفهم أمام النيابة وأمام القضاة، وقد يلقيهم في غيابات السجون أحيانًا. وهو مستقر في البرلمان يُشعِر الذين يمثِّلون الشعب بأنهم أصحاب السلطان حقًّا، لا تُرَدُّ لهم كلمة في التشريع، ولا يحول حائل بينهم وبين مراقبة الوزارات وإسقاطها إن لم تعجبهم. ثم هو مستقر في الأرض التي تُزْرَع، والتي تملكها الدولة يحميها من أن تُسْتَبْدَل بغير حق أو في غير حق، ويَقِف الذين يُحاوِلون ذلك أو يفكِّرون فيه أمام القضاء، ويُلقِي بهم في غيابة السجن أحيانًا، ثم هو مستقر في الأرض التي يملكها الأفراد، يردُّ الحكومة عن أن تعتدي عليها بغير الحق، أو أن تحول بين أصحابها وبين ما تُنْتِجُ لهم من الثمرات. ثم هو مستقر في كل دار، ثم هو مستقر في كل متجر، ثم هو مع ذلك منتشر على الأرض كلها، منتشر في الهواء كله، منتشر في الماء كله، يراه الناس ويسمعونه ويلمسونه ويستعدونه على الظالمين، ويستعينون به على كل مَن يجاوز في معاملتهم حدود العدل والحق والمساواة؛ فلستُ أدري كيف يجادل أحد من الناس في أن الاستقلال شيء يُرَى؟! بل لستُ أدري كيف يجادل أحد من الناس في أن الاستقلال شيء يستمتع به الفرد بأوسع معاني الاستمتاع وأعظمها شمولًا؟! لم يخطئ هؤلاء المصريون الذين لم يُوجَدوا حين ظنُّوا أن الاستقلال شيء يُرَى، وحين طلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظْهِروا لهم هذا الاستقلال، الذي جاهدوا في سبيله واحتملوا ألوان المشقة والعناء، لا ليتحدث الناس إليهم عنه، بل ليروه ويلمسوه ويستيقنوا أنه قائم بينهم يحميهم من الظلم، ويخلي بينهم وبين الحق.

    ويجب أن تعلم الصحيفة الإنجليزية، وأن يعلم الإنجليز جميعًا، وأن يعلم الأجانب جميعًا أن المصريين يؤمنون إيمانًا قويًّا بأن الاستقلال شيء يُرَى؛ لأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فرأوه، ولأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فسمعوه، ولأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فاستمتعوا به في هذه البلاد الأجنبية وذاقوا من لذاته فيها ما لم يذوقوه، ولا يذوقونه في مصر إلى الآن. ومن حقهم وقد تحدَّثَ إليهم الإنجليز، وقد تحدَّثَ إليهم الفرنسيون، وقد تحدَّثَ إليهم الأجانب بأنهم كسبوا الاستقلال وظفروا به، وأقروه في بلادهم؛ أن يلتمسوا هذا الاستقلال، وأن يعرفوا أين يستقر؛ لأن لهم مظالم يريدون أن يرفعوها إلى الاستقلال، ولأن لهم شكاة يريدون أن يبثُّوها الاستقلال، ولأن لهم مطالب يريدون أن يحقِّقها لهم الاستقلال، ومن حقهم أن يغضبوا من السلطان وأعوان السلطان إن لم يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم لم يكونوا لاعبين، ولا هازلين، ولا طالبين للأوهام والأحلام حين ثاروا يبتغون الاستقلال، وحين سفكوا دماءهم في سبيل الاستقلال.

    نعم، من حق المصريين أن يطلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يتحدَّثوا إليه، بأن بقاء الإنجليز في مصر وإعانتهم للظلم على المصريين، وتدخُّلهم في الصغير والكبير من أمورهم ؛ كل ذلك لا يستطيع أن يستقر في بلد يوجد فيه الاستقلال. من حق المصريين أن يطلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يقصُّوا عليه قصصًا كثيرة، منها ما يمس إزهاق النفوس وسفك الدماء، ومنها ما يمس إهدار الكرامات وانتهاك الحرمات، ومنها ما يمس تضييع المنافع والحقوق، ومنها ما يمس العبث بأموال الدولة، والإسراف في أملاكها، والاستهانة بسلطانها؛ وكل هذه أمور لا تستطيع أن تعيش في بلد يعيش فيه الاستقلال، كما أن جراثيم العلة والفساد لا تستطيع أن تعيش في الجسم الصالح القوي الصحيح، والسلطان وأعوانه يحدِّثون المصريين بأنهم مستقلون، فمن حق المصريين أن يسألوهم عن الاستقلال؛ ليتبيَّنوا منه كيف يستطيع أن يستقر في بلد تستقر فيه هذه الآثام، وأن يعيش في بلد فَسَدَ جوه إلى هذا الحد، الذي لا يلائم حياة الأصحاء، والمصريون منصفون ومصيبون حين يبحثون عن هذا الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يعرفوا جلية الأمر فيه، فلعلهم خُدِعوا حين خُيِّلَ إليهم أنه قد استقر في بلادهم، وإذن فمن الحق عليهم أن يستأنفوا سعيهم ليستقر هذا الاستقلال في بلادهم، ولعله قد وصل إلى مصر واستقرَّ فيها، ولكنه مريض دَسَّ له بعض الناس ما يُدَسُّ على الأصحاء ليفسد عليهم صحتهم؛ فمن الحق على المصريين أن يصلوا إلى هذا الاستقلال ليعرفوا علته، ويلتمسوا لها الدواء عند بعض الأطباء، ولعله مريض مُهْمَل في زاوية من زوايا الدواوين، أو في ناحية من نواحي الوزارات، فمن الحق عليهم أن ينقلوه إلى مستشفى تتهيَّأ فيه أسباب العلاج على النحو الحديث المفيد.

    كلا، لم يخطئ المصريون الذين لم يُوجَدوا، والذين تتحدَّث عنهم المورننج بوست حين قالوا إن الاستقلال شيء يرى، وإنما أخطأ المصريون الموجودون لأنهم صدَّقوا ما يقال لهم من أن الاستقلال شيء معنوي لا يُرَى ولا يُحَسُّ، أخطأ هؤلاء المصريون، والواجب على كل مثقف حر يشعر بكرامته وكرامة وطنه، أن ينبِّه المصريين إلى أن الاستقلال شيء يُرَى ويُحَسُّ، وإلى أن استقلالهم محجوب عنهم، وإلى أن من الحق عليهم لأنفسهم وبلادهم ولسعادة أبنائهم وذكرى آبائهم أن يسألوا عن هذا الاستقلال، وأن يلحوا في السؤال حتى تُرفَع بينهم وبينه الحجب، وحتى يروه ويحسوه ويسمعوه ويستعينوا به على الحياة، من الحق عليهم أن يسألوا السلطان وأعوان السلطان، ومن الحق عليهم أن يسألوا الإنجليز وأنصار الإنجليز، ومن الحق عليهم أن يسألوا الأجانب جميعًا، فكل هؤلاء يلقون الحجب الكثيفة بينهم وبين الاستقلال الذين جاهدوا في سبيله، واحتملوا ألوان المشقة والعناء ليظفروا بالحياة الحرة في ظلِّه الوارف، وجوِّه الصفو، وهوائه الطلق، وثوره المحيي للنفوس.

    فإذا كانت المورننج بوست تسخر من المصريين لأنهم يظنون أن الاستقلال شيء يُرَى، فإنَّا نحن نلحُّ على المصريين في أن يؤمنوا بأن الاستقلال شيء يُرَى، ونؤكِّد لهم أنهم حين يؤمنون بذلك سيرون الاستقلال وسيحسونه، وسيأكلون من ثماره، وسيستمتعون بآثاره، وسيفرضون احترامهم على الإنجليز فرضًا، ويومئذٍ لا تسخر منهم المورننج بوست لأنهم يظنون أن الاستقلال شيء يُرَى، وإنما تعجب بهم المورننج بوست وتحسب لهم كل حساب؛ لأنهم يرون الاستقلال ويشيرون إليه، ويعتزون به كلما طمع فيهم طامع أجنبي، وكلما ظلمهم ظالم مصري، ويومئذٍ لا تتحدث المورننج بوست عن نظام اللورد كرومر، ولا عن ضم مصر إلى الإمبراطورية البريطانية؛ لأن الاستقلال الذي يُرَى يقطع عليها كلَّ سبب بينها وبين هذا الحديث.

  • خداع

    حديث المساء: خداع

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٦ فبراير ١٩٣٤

    أَمَّا أن المصريين ضيقون بهذا العهد السعيد الذي ينعمون بخيراته وبركاته منذ أربعة أعوام،
    فذلك شيء لا شك فيه، ولَعَلَّ أشدهم ضيقًا بهذا العهد وأحرصهم على أن يزول، هم الذين أحدثوه
    أنفسهم، بعد أنْ بلوا ما بلوا من ثمراته، وجنوا ما جنوا من حسناته، ولعل صدقي باشا نفسه أشدهم
    الآن كرهًا لهذا العهد وتبرُّمًا به وحِرْصًا على أن يزول بعد أن أسَّس ما أسَّس، وشيَّد ما
    شيَّد، ثم نظر فإذا هو ينبذ نبذًا ويطرح إطراحًا، وينتهي إلى حال سيئة رديئة لم يكن في مثلها
    يومًا من الأيام.

    ولعلَّ الرَّجل الطيب نفسه ليس أقل من صدقي باشا زهدًا في هذا العهد، وتبرمًا بما يحمله من
    الأثقال، وتمنيًا للخَلَاصِ من أوزاره وللظفر بِحُسْنِ العاقبة بعد هذه المخاطرة التي أقْدَمَ
    عليها يوم تولَّى الحكم، فلم يصنع شيئًا بينما حمَّل نفسه من المتاعب والتبعات ما كان
    مُسْتَرِيحًا منه قبل أن يُدفَع إلى ما دُفِع إليه.

    وليسَتْ أحاديثُ الناس قليلة عن قلق الرَّجل الطيب في مكانه وزُهْدِهِ في منصبه، وحِرْصِهِ
    على أن يخرج منه لا له ولا عليه، فإجماعُ المصريين على كُرْه هذا العهد والرَّغبة في انقضائه
    على أي حال من الأحوال واضحٌ لا غُموض فيه، وإذا لم يكن بدٌّ من أن تستثني أحدًا من هذا
    الإجماع، فقد تستطيعُ أن تستثني أشخاصًا معدودين يستمتِعُون بِمَا يكفل لهم هذا العهد من قوة
    وبأس وسُلطان لم يكونوا ليحلموا بها في غيره من العهود، وقد تستطيع أن تستثني معهم أفرادًا
    آخَرين يكرهون هذا العهد فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم يُحِبُّونه إذا تناولوا أقلامهم
    وتَجَرَّدُوا للكتابة والتحرير في بعض الصحف؛ لأَنَّهُم مضطرون إلى أن يعيشوا، وللعيش أثقال
    وتكاليف.

    ولعلك إذا فرغت من هذا الاستثناء ثم أردتَ أَنْ تتبيَّن مَصْدَر زهد المصريين في هذا العهد
    السعيد، انتهيت إلى عِلَّةٍ واحدةٍ هي أنَّ المصريين قوم بطرون، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون
    إلى شيء، ولا يُحْسِنُون شكر النعمة، ولا يُحِبُّون الاعتراف بالجميل، فهم قد سئموا — وما أسرع
    ما سئموا — هذه الحياة الحلوة التي فتح لهم صدقي باشا أبوابها وأذاقهم لذاتها، وسئموا — وما
    أسرع ما سئموا — حلاوةَ هذا العيش اللذيذ الذي ترخص فيه الدماء والنفوس، وتهون فيه الحرمات
    والكرامات، ويطغى فيه الفقر حتى على الذين لم يكن يستطيع أن يفكِّر فيهم، ويفسد فيه الحكم حتى
    يُصبِح فساده موضوع السمر ولَهْو الحديث، وتسوء فيه الأخلاق حتى تهون الضمائر على أصحابها، وإذا
    هي تعرض للبيع، وإذا هي تباع بأبخس الأثمان، ولعلها تباع بالابتسامة الحلوة، والوعد الكاذب،
    والأمل الخدَّاع.

    سئم المصريون هذا كله، وكان من حقهم أن يُحِبُّوه، ويسألوا الله المزيد منه، لولا أَنَّهم
    مفطورون على كفر النعمة وجحود الجميل، وعلى هذا الغرور الذي يخيِّل إليهم أنهم كغيرهم من الناس
    يستطيعون أنْ يَطْمَعُوا في العَدْلِ، ويَطْمَحُوا إلى الخير، ويحرصوا على الإنصاف، ويسموا إلى
    أن تُسَاسَ أُمورهم كما تُسَاس أُمور الأُمَمِ الأخرى في ظِلِّ الحرية والنظام والقانون،
    ويَرْتَفِعُوا إلى أن تقوم سياستهم على التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء،
    وبين الحاكمين والمحكومين، ولكن ماذا تصنع وقد خلق الله المصريين مغرورين يرون أنهم كغيرهم من
    الناس، يستطيعون أن يكرهوا الشر وينفروا منه، وأن يحبوا الخير ويرغبوا فيه.

    خُلِقوا كذلك فضاقوا بهذا العهد ضيقًا لم يتفقوا على شيء كما اتفقوا عليه، وصبروا مع ذلك على
    هذا العهد صبرًا لم ينجحوا في شيء كما نَجَحُوا فيه، وثبتوا لفتنة هذا العهد ثباتًا يستطيعون أن
    يفاخروا به، وأن يزعموا أن أممًا قليلة جدًّا في هذا العصر الحديث تستطيع أن تزاحمهم
    فيه.

    خُلِقوا كذلك فأنكروا وصبروا وثبتوا وقاوموا، واضطروا ظالميهم إلى الإخفاق والإِفْلَاس،
    أكرهوهم على أنْ يَعْتَرِفوا بأنَّهم لا بُدَّ لهم من تغيير السياسة والعدول عمَّا مضوا
    فيه.

    كل هذا حَقٌّ لا يقبل الشك، ولا يحتمل النزاع، كان بعضُ الناس يُنْكِرُه وأصبح الناس جميعًا
    يُؤمنون به. كان الإنجليز ينكرونه فأصبحوا أسرع إلى إعلانه من المصريين وأرغب في تغييره من
    المصريين، ولكن هذا شيء وما يظنه الإنجليز أو ما يُظهِر الإنجليز أنهم يظنونه شيء آخَر،
    فالمصريون لا يُريدون أن يَخْرُجوا من شَرٍّ لِيَقَعُوا في شَرٍّ آخَر، وَلَا أَنْ يبرءوا من
    خِزْي ليتورطوا في خِزْي أشد منه نكرًا.

    المصريون لا يريدون أن يخرجوا من هذا العهد الذي يظلمهم فيه الإنجليز وهم يتكلفون الحياد، إلى
    عهد آخَر يظلمهم فيه الإنجليز جهرةً، ويذلهم فيه الإنجليز عنوةً، ويتحدَّث فيه الإنجليز إلى
    أنفسهم وإلى الناس بأنهم لا يظلمون المصريين إلا برضا منهم وطاعة، وعن إقرار منهم وقبول.
    والمصريون يعرفون حَقَّ المعرفة أنَّ ما يعرضه عليهم الإنجليز في مقالة التيمس وغير مقالة
    التيمس إنما هو الذل بأبشع مظاهره، والظلم في أقبح صوره وأشكاله، فليسَ أَقْبَح ولا أشنع ولا
    أبعد عن الكرامة من هذه الحياة التي يَنْزِلُ أصحابها عن حقهم في أن يكونوا رِجَالًا يرعون
    أنفسهم فيخطئوا ويُصيبوا، ليكونوا قطعانًا يرعاها غيرها من السادة الأجانب، فيكفلوا لها الماء
    والمرعى، ويضمنوا لها ظاهرًا من العدل والمساواة.

    هذا هو الذي يُرِيدُه الإنجليز، وهذا هو الذي يعرضونه على المصريين إن كان ما نشرته التيمس
    يوم الجمعة مصوِّرًا لرأي فريق منهم غير الرجل الذي كتب هذا المقال، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر
    وأعرف بالحياة والأحياء، وأبصر بمصر والمصريين من أن يُصَدِّقوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنَّ
    المصريين يرضون منهم هذا التدخل الذي يروجون به ويرغبون فيه، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر من أن
    يضلِّلوا أنفسهم إلى هذا الحد، ولكن الإنجليز قوم أقوياء، وهم إذا استجمعت لهم القوة لا يحفلون
    بأحد ولا يحفلون بشيء، ولا يتحرَّجون من أن يتكلَّفوا خداع أنفسهم وخداع الناس، ومن أن يتخذوا
    ذلك وسيلةً إلى تحقيق ما يُرِيدون. وهم الآن يتكلَّفون خداع أنفسهم ويتكلَّفون خداع الناس،
    ويُخَيِّلون إلى أَنْفُسهم وإلى الناس — ويضحكون فيما بينهم وبين ضمائرهم — أَنَّهُم سيَقُومون
    من مصر مقام المنصِف المنقِذ الذي يكشف الضر ويرفع الشر، ويُحَقِّقُ العدل والإنصاف والمساواة،
    فمن الحق علينا نحن أَلَّا نقصر في أن نبيِّن للإنجليز وللناس ولأنفسنا أننا نفهم خداعهم حق
    الفهم، ولا تفوتنا منه صغيرة مهما تكن، وإننا نعلم حق العلم أنهم هم الذين أقاموا هذا العهد
    الذي نشكوا منه ونضيق به، أقاموه بيد صدقي باشا، وأنصار صدقي باشا، وأشباه صدقي باشا، وأقاموه
    تأديبًا لنا؛ لأننا لم ننزل في المفاوضات عند ما كانوا يريدون، ولم نقبل في المفاوضات ما كانوا
    يعرضون، أقاموه وجَدُّوا في إقامته وأفعموه بكل ما ذقنا فيه من الآلام والآثام، وظَنُّوا أَنَّ
    الدرس سيكون قاسيًا، وأنَّه لِذلك سَيَكُون نافعًا رادعًا، وأننا إذا اكتوينا بنار الظلم فسنجنح
    إلى السلم وسنتواضع فيما نطلب، وسنرضى منهم ما يتفضلون به علينا من راحة الأذلاء، الذين لا حظ
    لهم من كرامة ولا عزة، ولا أمل لهم في حرية واستقلال.

    وقد رأى الإنجليز — وهم محنقون — أن تأديبهم لم يؤدِّب أحدًا، وأن دروسهم لم تنفع أحدًا، وأن
    قسوتهم لم تردع أحدًا، وأن نار الظلم إن آذتنا فإنها لم تُذِبْ نفوسًا ولم تُضعِفها، وإنما
    زادتها قوةً إلى قوة، وصبرًا إلى صبر، وثباتًا إلى ثبات. رأوا هذا ورأوا أنهم عاجزون عن
    خِدَاعِنَا؛ فاضطروا إلى ما يضطر إليه القوي اليائس من خداع أنفسهم، فهم الآن يخدعون أنفسهم،
    وهم الآن يقولون لأنفسهم ما لا يقوله لهم أحد، ويطلبون من أنفسهم ما لا يطلبه إليهم أحد،
    ويخيِّلون إلى أنفسهم أننا لاجِئُون إليهم، لائذون بهم، ننتظر منهم الإغاثة والعون. كلا، لسنا
    لاجئين إليهم ولا لائذين بهم، وما ينبغي لنا ذلك، وما ينبغي لهم أن ينتظروا منَّا إلا ما ينتظره
    الخصم القوي من الخصم القوي، لهم البأس والبطش، لهم العدد والعدة، لهم الجند والسلاح، لهم
    الأساطيل التي تملأ البحر، والطيارات التي تملأ الجو، ولكن لنا نحن الصبر والثبات والاستمساك
    بالحق. وما دام الإنجليز عاجزين عن إفنائنا، ومحونا من الأرض محوًا، فإنهم سيجدون منا دائمًا
    خصمًا قويًّا عنيدًا يصيبه الظلم، وينزل به العذاب، وتلمُّ به الكوارث والأحداث، فلا يزيده ذلك
    إلا عزةً وإباءً واستمساكًا بالحق، وعنادًا في الخصومة.

    والإنجليز قوم مُجَرِّبُون، وهم قد جرَّبوا مُصَارعة الشعوب، وهم قد جرَّبوا أخذ الأمم بالعسف
    والظلم، وهم قد علموا من هذه التجربة، أنَّ الشُّعوب الحية لا تصرع ولا يصرفها الظلم عمَّا تريد
    من الحرية والاستقلال.

    فَلْيخدع الإنجليز أنفسهم ما شاءوا، وَلْيضلل الإنجليز أنفسهم ما أحبُّوا، فلن يغني عنهم ذلك
    شيئًا، ولن يُعْفِيهم ذلك من أن يَرَوا مصر قائمة أمامهم تُطالِبهم بالحق، وتنازِعهم فيه، وتلقى
    ظلمهم بشر ما يذيب الظلم والظالمين، وهو الإصرار على الحق والامتناع على الضيم. والإنجليز أحرار
    في أن يختصروا الطريق أو يُطِيلوها، فهم إن أرادوا لأنفسهم الرَّاحة والعافية اعترفوا بالشعب
    المصري وتحدَّثوا إليه، واتفقوا معه، ونزلوا له عن حقه، وهُمْ إن أرادوا أن يُطِيلوا الطَّريق
    سَلَكُوا ما سَلَكُوا منذ أقاموا عهد صدقي باشا، فغيَّروا عهدًا بعهد، وبدَّلوا شكلًا بشكل،
    وتراءوا للناس في مظاهر مختلفة، وتحدَّثوا إليهم بأحاديث مختلفة، وخرجوا من إخفاق ليدخلوا في
    إخفاق، وانتهوا بعد الجهد والعناء، وبعد اقتراف الآثام واجتراح السيئات، إلى ما يستطيعون أن
    ينتهوا إليه اليوم، وإلى ما كانوا يستطيعون أن ينتهوا إليه أمس، من الاتفاق الشريف مع الشعب
    الذي لن يرضى إلا أن يكون شريفًا.

  • قدوم …

    حديث المساء: قدوم …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٧ فبراير ١٩٣٤

    إذا أقبل مساء اليوم أقبل معه المندوب السامي على مصر، تشق به طيارته الجو المصري، ثم تهبط به طيارته على النيل العظيم، وفي هذه المرة لا يستقبله المصريون راضين أو كارهين، وفي هذه المرة لا ينظر المصريون إلى هذه المظاهر الفخمة الضخمة التي يُحَاطُ بها سفر المندوب السامي وتُحَاطُ بها عودته، والتي تؤذي شعور المصريين بالكرامة والعزة، وتؤذي آمالهم في الحرية والاستقلال، ولو أننا نستطيع أن نُحْسِنَ الظن بمندوب سامٍ؛ لشكرنا للمندوب السامي الجديد ارتحاله عن مصر طائرًا، ورجوعه إلى مصر طائرًا، وتجنبه هذه المظاهر التي كان يحبها غيره من المندوبين، ويرون فيها إعلاءً لكلمة الإنجليز، في بلد ليس من الضروري ولا من الحق أن تعلو كلمتهم فيه؛ ولقَدَّرْنَا أنه رجل رقيق الشعور، دقيق الذوق، يُؤلِمه أن يُحَاطَ قدوم الممثلين السياسيين على بلده بما يحاط به قدوم المندوبين السامين على مصر من هذه المظاهر الفخمة المؤذية؛ فهو يكره أن يألم المصريون لمثل ما يألم له الإنكليز إن وقع في بلادهم، مما يؤذي الكرامة والاستقلال.

    ولكنَّا نعلم أن المندوب السامي الجديد، لم يُقَدِّرْ هذا في أكبر الظن، ولم يفكر فيه، ولم يخطر له أن يُجَنِّبَ المصريين ألمًا لا يرضاه لنفسه، وإنما هو رجل حديث، يعتقد أن المَدَنِيَّة لم تنشأ عبثًا، وأن الطيَّارات إنما اخترعت ليطير بها الناس، فهو يستخدم المدنية، ويُسَخِّرُ الطيارات لما سُخِّرَتْ له، ويُؤْثِرُ السرعة ولذتها ومنافعها على القطار والسفينة وبُطئِهما، وما يحيط بالسفر فيهما من مظاهر الإكبار والإجلال، وسواء أكان المندوب السامي قد ذكر المصريين، وأشفق عليهم من مظاهر الحفاوة هذه في سفره وعودته، أم لم يذكر إلا نفسه، وحاجته إلى السرعة؛ فإن من حقه علينا أن نعرف له هذا السفر الهادئ الوديع، الذي لم يكد يحسُّه أحد، وهذه العودة الهادئة الوديعة التي لم يكد يحسها أحد.

    على أن من غير الإنصاف أن نقول: إن أحدًا لم يحسَّ سفر المندوب السامي إلى إنجلترا، وعودة المندوب السامي إلى مصر؛ فقد كان سفره الهادئ الوديع موضوع الأحاديث الطوال العراض التي لم تنقضِ بعد، وهذه عودته الهادئة الوديعة موضوع أحاديث طوال عراض يعلم الله وحده متى تنقضي، والسياسة وحدها هي التي ذهبت بجمال هذا الهدوء وهذه الوداعة، وماذا تنتظر من السياسة؟! فهي لا تدخل في شيء إلا وأفسدته وذهبت بجماله ونضرته، ولأمر ما نشأت بين المندوب السامي وبين الرجل الطيب أزمة، في تلك المدة القصيرة التي أقامها السير لامبسون في القاهرة، وزادها سفر السير لامبسون تعقيدًا؛ لأنه لم يَزُرْ رئيس الوزارة، أو أن رئيس الوزارة لم يزره؛ أو لأنهما لم يلتقيا بعد التقائهما بالمحطة، فكان هذا موضوع حديث له أول ولم يعرف آخره بعد؛ أيُّ الرجلين أخطأ، وأيُّ الرجلين أصاب؟ أيُّ الرجلين ينزل على ما يريد صاحبه، بعد أن يعود المندوب السامي إلى القاهرة؟ أيذهب رئيس الوزراء إلى قصر الدوبارة؟ أم يذهب المندوب السامي إلى دار الرياسة، أم يلتقيان في وسط الطريق، في حفلة من الحفلات، أو في مأدبة من المآدب، أو عند صديق من الأصدقاء؟

    وأخذ الناس يقولون فيطيلون، وأخذ بعضهم يرد على بعض، والناس معذورون، فما دامت هذه القصة قد خَلَقَتْ أزمة اتصل فيها الحديث بين القاهرة ولندرة؛ فإن من حق الناس أن يخوضوا في هذه الأزمة؛ لأن الأزمات لم تُخْلَق عبثًا، وإنما خُلِقَتْ ليخوض فيها الناس، كما خُلِقَت الطيارات ليطير بها الناس، وكذلك لجَّ الناس في الحديث، ولجُّوا في المناقشة، وقال فريق منهم: إن الأزمة قد حُلَّتْ، وقال فريق منهم: إن الأزمة لم تُحَلَّ، وقال الذين يحبون العبث: إنها محلولة معقدة في وقت واحد، وما زال الناس يتحدثون حتى يتبيَّن لهم أين كان الخطأ وأين كان الصواب، وأي الرجلين ينزل عندما يريد صاحبه.

    ثم إن المندوب السامي الجديد يَرِثُ مندوبًا ساميًا قديمًا، وقد تحدَّث الناس عن المندوب السامي القديم فأطالوا الحديث، تحدثوا عنه حين كان مقيمًا وتحدثوا عنه حين كان مسافرًا، وتحدثوا عنه حين كان ثابتًا، وتحدثوا عنه حين كان قَلِقًا في مركزه، وتحدثوا عنه بعد أن نُقِلَ؛ فمن الطبيعي أن يتحدثوا عن خليفته ووارثه، وهم يتحدثون بأن المندوبين السامين لم يُخْلَقُوا عبثًا، وإنما خُلِقُوا ليتحدث عنهم الناس من جهة، وليمثِّلوا بلادهم تمثيلًا ممتازًا في بعض البلاد الأجنبية من جهة أخرى، ولا يكون المندوب السامي الجديد مندوبًا ساميًا حقًّا إلا إذا حقق هذين الشرطين. أما تحقيق الشرط الثاني فشيء لا شك فيه، والسير لامبسون يعرف منه أكثر مما نعرف، وأما تحقيق الشرط الأول فشيء يمسنا نحن ويتصل بنا، ونستطيع أن نؤكد للمندوب السامي أننا سنحقِّق له هذا الشرط على أكمل وجه وأجمله، وقد بدأنا نحققه؛ فنحن نتحدث عنه، ونطيل الحديث، نتحدث عنه في الأندية، ونتحدث عنه في الصحف، ونتحدث عنه من جميع الأنحاء، التي يتحدث منها الناس عن الناس، وَصَفَتْ لنا الصحف الإنجليزية قامته؛ فنحن نتحدث عن قامته، ووصفت لنا الصحف الإنجليزية سيرته في الصين؛ فنحن نتحدث عن سيرته في الصين، ورأينا طرفًا يسيرًا جدًّا من سيرته في مصر؛ فنحن نتحدث عن هذا الطرف اليسير، ولكننا نتحدث بنوع خاص عن سيرته التي لم نَرَهَا؛ لأنها لم تكن بعد، نتحدث ونتبارى في الحديث، نتنبَّأ بما يريد، ونتنبَّأ بما سيفعل، ونُسرِف في التنبؤ، وإذا أحاديثنا عنه تشغل أنديتنا حين نسمر فيها شطرًا غير قصير من الليل؛ فليطمئن المندوب السامي من هذه الناحية؛ فهو يشغل الأندية، ويطلق الألسنة، ويُثِير في النفوس نشاطًا إلى التفكير، وفي العقول حاجة إلى الاستطلاع، وليس هذا كله بالشيء القليل، ومع ذلك فقد نحب أن لا يتخذ المندوب السامي لنفسه صورة مخطئة من أحاديث الناس وتفكيرهم، ومما يقصدون به إلى تلك الأحاديث وهذا التفكير، فقد يصور له بعض المصوريبن اشتغال الناس به على أنه اعتماد عليه، والتجاء إليه، وانتظار الفرج على يديه؛ فنحب أن يعلم المندوب السامي أن هذه الصورة إن قُدِّمَتْ إليه كانت خليقة أن لا يعجب بها، ولا يطمئن إليها، ولا يثق بما توحي به من الخواطر والمعاني؛ لأن هذه الصورة لا تطابق الأصل، ولا تمثل الحقيقة الواقعة، ولا تعطي فكرة صحيحة صادقة عن ما يشغل الناس من أمرها، فالكثرة المطلقة من المصريين تتحدث عن المندوب السامي؛ لأنها تحب الاستطلاع قبل كل شيء؛ ولأن حب الاستطلاع طبيعة لا يستطيع الناس مقاومتها.

    ثم هي تشتغل بالمندوب السامي؛ لأنها تريد أن تعرف مذهب الإنجليز فيما بينهم وبين مصر من الصلات، ألا يزال هو هذا المذهب الذي اختاروه بعد انقطاع المفاوضات الأخيرة؛ فدفعهم إلى أن يُعِينُوا الظلم ويؤيدوه، بل إلى أن يُدْفَعُوا إليه، ويرغبوا فيه بهذا الحياد الذي انتحلوه انتحالًا، وتكلفوه تكلفًا، وخَدَعُوا به قومًا ليس إلى انخداعهم من سبيل، أم هو مذهب جديد؟ وإذا كان كذلك فماذا عسى أن يكون؟ أهو مذهب القوم الذين يحبون الإنصاف، ويُؤْثِرُون العافية ويرغبون في السلم؛ فيخلون بين المصريين وبين حقوقهم ومصالحهم، ويهيئون للمفاوضة الحرة الشريفة التي يُرْجَى أن تُرْضِي الفريقين المختصمين، أم هو مذهب القوم الأقوياء الذين تغرهم قوتهم، ويطغيهم بأسهم؛ فلا يحفلون بحق ولا عدل، ولا يقدرون وفاءً بعهد، ولا إنصافًا لمظلوم، وإنما يبسطون السلطان ما وجدوا إلى بسطه سبيلًا، ويتدخلون في أمور المصريين وإن لم يرضَ المصريون؟

    ونظن أن أحدًا لا يستطيع أن ينكر على المصريين حقهم في أن يتحدثوا بهذا كله، وأن يتساءلوا عن هذا كله؛ فكل أمة في الأرض حرة في أن تحب الاستطلاع وتتحدث عن كبار الناس، وكل أمة في الأرض حرة في أن تسأل عما يراد بها لتلقى الخير بالخير، والشر بالشر، لتلقى الود بالود، والعداء بالعداء؛ فليس على المصريين بأس إذن من أن يتحدثوا ويطيلوا الحديث عن المندوب السامي الجديد؛ لأن المندوب السامي الجديد لم يُرْسَلْ إلى بلادهم ليستمتع فيها باعتدال الجو وصفائه، ولا بجمال النيل وما يقوم على شاطئيه، إنما أُرْسِلَ إلى مصر ليعمل في السياسة المصرية، التي تمسُّ حياة المصريين اليوم وتمس حياتهم غدًا، ولكن هذا الحديث الذي لا شك في أنه من حق المصريين لا يدل، ولا ينبغي أن يظن أنه يدل، على أن المصريين يعتمدون على المندوب السامي، أو ينتظرون الفرج على يديه.

    إنما يدل — ويجب أن يُفْهَمَ أنه يدل — على أن المصريين يعرفون حقوقهم كأحسن ما يجب أن يعرف الناس حقوقهم، ويحرصون على هذه الحقوق كأحسن ما يحرص الناس على الحقوق، ويريدون لهذا أن لا يخدعوا عن شيء، وألا يُغْصَبَ منهم شيء، وأن لا تلهيهم المظاهر عن الحقائق.

    وليس من شك في أن قومًا سيزعمون للمندوب السامي أن مِنَ الناس مَنْ يرجونه ويطمعون فيه، وينتظرون منه خيرًا كثيرًا، ويفكرون فيه إذا أصبحوا، ويفكرون فيه إذا أمسوا، ولكن من الخير للمندوب السامي أن لا ينخدع بما سيُنْقَلُ إليه من أمر هؤلاء الناس؛ فهم قليلون قليلون جدًّا، لا يعبرون عن رأي أحد غير أنفسهم، ولا يصورون آمال أحد غير أنفسهم، وهم قد خَدَعُوا كثيرين من الذين سبقوه، وخدعوا بذلك الحكومة الإنجليزية نفسها، خيَّلوا إلى الإنجليز أنهم شيء، فلما امتحنهم الإنجليز لم يجدوهم شيئًا، ولعل دكتاتورنا العظيم أوضح مثال لهؤلاء الناس؛ فهو قد خَيَّلَ إلى المندوب السامي القديم وخيَّل إلى الحكومة الإنجليزية أنه شيء عظيم، وأنه يستطيع أن يُتِمَّ ما عجز غيره عن إتمامه، فلما امتحنوه كان أمرهم معه كأمر المسافر الظمآن، الذي يطمعه السراب فيَجِدُّ في طلبه؛ حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه.

    وكان انخداع الإنجليز بما خَيَّلَ إليهم دكتاتورنا العظيم مصدرَ شرٍّ عظيم للإنجليز وللمصريين وللدكتاتور العظيم نفسه: فأما الإنجليز ففقدوا مودة مصر فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأما المصريون ففقدوا حريتهم وضاعت عليهم منافع لا تُحْصَى، وسُفِكَتْ فيهم دماء، وأُزْهِقَتْ فيهم نفوس، وأَلَمَّتْ بهم مظالم تَسْتَخْذِي لها الحضارة الحديثة، وأما الدكتاتور ففقد حُبَّ مواطنيه وثقتهم وعطفهم، ثم فقد الحكم؛ فإذا هو يفقد حتى أقرب الناس إليه وألصقهم به، وأشدهم انتفاعًا بما جنى على بلاده من السيئات.

    ويستطيع المندوب السامي ويستطيع الإنجليز أن ينظروا إلى صديقهم القديم ليروا أين هو من مصر وأين مصر منه، وهم قد نظروا بالفعل؛ فأبوا أن يفاوضوه، ثم أبوا أن يمضوا في نصره وتأييده حين كان أشدَّ الناس حاجةً إلى أن ينصروه ويؤيدوه؛ وإذن فقد يقال للمندوب السامي: إن بين المصريين قومًا ينتظرونه، ويطمعون فيه ويعرضون أنفسهم عليه، فليذكر المندوب السامي أن رجلًا كان ينتظر السير برسي لورين ويطمع فيه ويُطَمِّعُه في نفسه، فلما انخدع له السير برسي لورين، لم يُفِدْ منه لما بين مصر وإنجلترا من العلاقة شيئًا، إنما أضاع من أجله شيئًا كثيرًا، ونحب أن نؤكد للمندوب السامي أنه يريح نفسه من تعب كثير، ويقتصد لنفسه وللإنجليز جهدًا كثيرًا ووقتًا كثيرًا، إن نظر إلى المصريين على أنهم شعب راشد يعرف ما يريد، ويُقَدِّرُ ما يُرَادُ به، ولا يَرْضَى من الإنجليز ولا من غير الإنجليز إلا ما يلائم حقه وكرامته، وعزته القومية، فهو إن نظر إلى المصريين على هذا النحو؛ استطاع أن يفهمهم واستطاعوا أن يفهموه، وقد يمكنه ذلك من أن يُتِمَّ مع المصريين ما عجز عن إتمامه المندوبون السابقون، فأما إن سار سيرة السير برسي لورين؛ فسينتهي إلى ما انتهى إليه السير برسي لورين، وإن سار سيرة اللورد لويد أو اللورد كرومر؛ فسينتهي إلى ما انتهى إليه اللورد لويد أو اللورد كرومر.

    وستظل مصر قائمة كما كانت، تطالب بالحق، وتحرص على الكرامة، وتجاهد في سبيل العزة، وتصبر على الظلم وتقاومه ما وجدت إلى هذه المقاومة سبيلًا، ولكن رضا مصر ومودتها وثقتها أمور لن تُكْتَسَبَ بقسوة ولا بظلم ولا بمكر ولا بخداع، إنما هي الصراحة والصراحة وحدها، الصراحة التي تقوم على احترام مصر، والاعتراف لها بأنها بلد كريم، هذه الصراحة وحدها هي التي تستطيع أن تريح الإنجليز من المصريين، وتريح المصريين من الإنجليز، وتحقق بين هذين الشعبين مودة من الخير لشعوب الشرق كلها أن تحقق.

  • عيد (١)

    حديث المساء: عيد (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٣ نوفمبر ١٩٣٣

    نعم عيد، سواء أرادت الوزارة ذلك أم لم ترد؛ فقد تبسط الوزارة سلطانها على الشوارع والطرق، وعلى المعاهد والدور، ولكن الوزارة لن تستطيع أن تبسُط سلطانها على النفوس والقلوب؛ لأن النفوس لا تُكْسَبُ بالشرطة؛ ولأن القلوب لا تُنَال بقوة الجند، إنما تُكْسَبُ النفوس بالحب، وتنال القلوب بالرضا، والمودة الخالصة، والثقة التي لا يبعثها خوف، ولا يُثِيرها رجاء. والوزارة تعلم حقَّ العلم، تعلم أكثر مما نعلم نحن، نصيبها من حب النفوس لها، ورضا القلوب عنها، وثقة الأمة بها، واطمئنان الشعب إليها.

    نعم عيد هذا اليوم، الذي أشرقت شمسه الجميلة على نفوس جميلة يضيئها الأمل، رغم ما يحيط بها من ظلمات اليأس، ويحييها الإيمان رغم ما يطيف بها من أسباب الشك.

    عيد إن لم يستطع الشعب أن يجهر باستقباله كما تُسْتَقْبَلُ الأعياد؛ فيفرح به حرًّا كريمًا ويحزن له حرًّا كريمًا، فإن قلوب الشعب قد استقبلته كما ينبغي أن يُسْتَقْبَلَ؛ قد استقبلته مغتبطة لأنه يذكرها بيقظة مصر التي لا نَوْمَ بعدها، وبعزة مصر التي لا ذُلَّ بعدها، وبحرية مصر التي لا سبيل إلى أن يُمْحَى حبها من النفوس، واستقبلته محزونة لأنه يذكرها بضحايا مصر في سبيل اليقظة التي يزيلها النوم، وفي سبيل العزة التي لن يمسها الذل، وفي سبيل الحرية التي لن يفسدها الطغيان.

    يذكرها بهذه النفوس الكريمة التي فارقت الأرض لتقيم صرح الكرامة بين أهل الأرض، وبهذه الدماء الزكية التي سقت الأرض لتنبت فيها هذا النبت النضر الذي لا يذبل، المزهر الذي لا يذوي، نبت الحرية والاستقلال، استقبلته مبتهجة؛ لأنه ينبهها إلى أن الخطوب قد تختلف عليها، وتحدِّق بها، حتى تأخذ عليها السبل، وتقطع عليها الطرق، ولكنها على ذلك ثابتة قوية، تغلب الخطوب وتقتحم الأهوال، وتنفذ إلى ما تريد، واستقبلته مبتئسة لأنه يذكرها بأن من أبناء مصر مَنْ ضعفوا عن حمل الأمانة، فسقطوا في منتصف الطريق، والْتَوَتْ بهم الأهواء والمنافع، ولَمَّا يبلغوا الغاية، ولما يحققوا الأمل؛ فانقلبوا حربًا على أمتهم، يكيدون لها، ويتخذونها وسيلة إلى تحقيق المآرب والأطماع.

    نعم عيد هذا اليوم، الذي استقبلته قلوب المصريين جميعًا، بما تُسْتَقْبَلُ به الأعياد القيمة الخصبة من الرضا والسخط، ومن السرور والحزن، ومن هذه الذكرى، التي تُحْيِي الأمل، وتجدد المُنَى، وتقوي الرجاء، وتَعِظُ من يحتاج إلى العظة، وتثير العِبْرَةَ في قلوب الذين يحتاجون إلى الاعتبار.

    عيد هذا اليوم السعيد قد أدى رسالته إلى المصريين، وإن حاولت الوزارة أن تكم فمه وتعقد لسانه؛ لأن الوزارة إن استطاعت أن تكمَّ أفواه الناس وتعقد ألسنة الناس؛ فلن تستطيع أن تكمَّ أفواه الحوادث، وتعقد ألسنة الأيام.

    هؤلاء الشرطة يذهبون ويجيئون، يأخذون هذا ويرسلون ذاك، يلقون بهذا في غيابة السجن، ويَرُدُّون هذا إلى أهله موفورًا. هؤلاء الأساتذة والمعلمون قد أذعنوا لأمر الوزارة؛ فحشدوا أنفسهم جميعًا في المدارس والمعاهد حشدًا، سواء منهم من لم يكن له بد من الذهاب إلى المعاهد والمدارس، ومن كان حرًّا طليقًا في هذا اليوم.

    هؤلاء الأساتذة والمعلمون قد أذعنوا لأمر الوزارة منذ أيام؛ فغدوا على مدارسهم ومعاهدهم مبكرين قبل أن يأتي وقت الدرس، وهؤلاء الطلاب والتلاميذ قد أذعنوا لأمر الوزارة، فاختلفوا إلى مدارسهم، واستمعوا لدروسهم، وأجابوا على ما وُجِّهَ إليهم من سؤال، وهؤلاء الناس قد أشفقوا من بطش الوزارة، فانصرفوا إلى أعمالهم، لم يعلنوا سرورًا؛ لأن الوزارة تعاقب على إعلان السرور، ولم يعلنوا حزنًا؛ لأن الوزارة تعاقب على إعلان الحزن، ولم يعلنوا أملًا؛ لأن الوزارة تكره إعلان الأمل، ولم يظهروا يأسًا؛ لأن الوزارة تكره إظهار اليأس.

    ولكنَّا نؤكد للوزارة صادقين، ولكن الوزارة تؤكد لنفسها صادقة، ولكن كل شيء يؤكد للوزارة، ويؤكد لغير الوزارة أن مظاهر البأس والبطش، وألوان التحكم والعنف، لم تبلغ من نفوس الناس شيئًا؛ فهؤلاء الأساتذة والمعلمون يذعنون لأمر الوزارة، ولكنهم يحفلون بالعيد، وهؤلاء الطلاب والتلاميذ يذعنون لبأس الوزارة ولكنهم يحفلون بالعيد، وهؤلاء الناس يجتنبون بطش الوزارة، ولكنهم يحفلون بالعيد.

    ولو قد أتيح للوزارة أن تنفذ إلى القلوب لرَاعَهَا ما تجد، ولو قد أتيح للوزارة أن تبلغ أعماق الضمائر والنفوس لهالها ما ترى، ولكن الوزارة قانعة متواضعة، ترضى بالقليل، تكفيها القوة المادية، ويرضيها أن تُسَلِّط بأسها على الأجسام، ولا يعنيها بعد ذلك أن تَرْضَى القلوب أو تسخط، وتأمن النفوس أو تخاف، والوزارة قانعة متواضعة لا تحب أن تسأل التاريخ، ولا تحب أن تنظر في عواقب الأمور، ولا تستطيع أن تقيس مصر إلى غيرها من البلاد، ولا أن تقيس الشعب المصري إلى غيره من الشعوب، ولا أن تفكر في أن ضفاف النيل ليست بدعًا من أقطار الأرض، وفي أن أبناء النيل ليسوا بدعًا من الناس، وفي أن ما كان في غير مصر من انتصار الحرية لا بد من أن يكون في مصر، وما كان في غير مصر من ظفر الشعوب بعزتها واستقلالها لا بد من أن يكون في مصر، ومن أن انتصار العنف موقوت مهما يطل محدود مهما يعظم، ومن أن العدل كائن من غير شك؛ لأن الله أراد أن يكون، وإذا أراد الله أمرًا فلا راد له.

    الوزارة قانعة متواضعة لا تحفل بهذا، ولا تفكر في بعض هذا، وهي ليست بدعًا من أمثالها من الوزارات التي أخذت الشعوب بما لا تريد الشعوب، فلم تجنِ من ذلك خيرًا، ولم تظفر من ذلك بشيء.

    إن الذين يريدون أن يشفقوا لأنهم يحبون الإشفاق، وأن يرحموا لأنهم يؤثرون الرحمة؛ خليقون أن يشفقوا على الوزارة، وأن يرحموها؛ لأنها لم تسئ بهذا العنف الذي اصطنعته وغلت فيه إلى الناس، ساءت ما أساءت إلى نفسها، فهي قد دلَّت على نفسها أقوى الأدلة وأسطع البراهين، وأنصع الحجج، وهي قد أثبتت للأغبياء، قبل أن تثبت للأذكياء، أنها تمضي في طريق والأمة تمضي في طريق آخر، وأنها تريد شيئًا والأمة تريد شيئًا آخر، وأنها إن بلغت بصنيعها رضا الإنجليز فقد بلغت بصنيعها سخط المصريين.

    إن الذين يشفقون لأنهم يحبون الإشفاق، ويرحمون لأنهم يؤثرون الرحمة؛ خليقون أن يشفقوا على الوزارة وأن يرحموها، فهي خليقة حقًّا بالإشفاق والرحمة، وما رأيك في وزارة تحارب هذا اليوم ولولا هذا اليوم لما كان أعضاؤها وزراء، ولما استمتع أعضاؤها بما يستمتعون به من القوة والسلطان؟! وما رأيك في وزير من أبناء الثورة يشترك في إعلان الحرب على يوم الثورة؟! وما رأيك في قوم أحياهم الجهاد الوطني، الذي يذكره المصريون اليوم، فإذا هم ينصبون لهذا الجهاد الوطني، وإذا هم يريدون أن يُنْسَى، وأن يعود المجاهدون كعهدهم قبل أن يبعث الله فيهم حب الجهاد؟! وما رأيك في قوم كان ينبغي لهم أن ينافسوا في إحياء هذا اليوم ويسبقوا إلى تكريمه وتمجيده؛ ليثبتوا للأمة أنهم ليسوا أقلَّ من خصومهم حبًّا لمصر وفخارًا بمصر، وحرصًا على عزة مصر، وسعيًا إلى استقلال مصر، فإذا هم يُشْهِدُونَ الليل والنهار، والأرض والسماء، على أنهم لا يحبون، ولا يستطيعون أن يروا مصر تُحْيِي يوم الجهاد، أو تذكر سابقتها في الجهاد، أو تدعو أبناءها إلى المضي في الجهاد؟!

    هؤلاء السادة خليقون بالإشفاق حقًّا، خليقون بالرحمة حقًّا؛ لأنهم يقضون على أنفسهم بأنفسهم، ويعلنون إلى الناس في صراحة لا تقبل شكًّا، ولا تحتمل لبسًا ولا غموضًا أن الطريق قد طالت عليهم فهم يقفون، وأن الأعباء قد ثقلت عليهم فهم يتخففون منها، وأن الجهاد قد شقَّ عليهم فهم يؤثرون العافية ويبتغون الراحة، ويُكْرِهون الناس على أن يكونوا مثلهم قانعين متواضعين.

    ليهن هؤلاء السادة تواضعهم هذا؛ فإن مصر لا ترضاه، ولتهن هؤلاء السادة قناعتهم هذه؛ فإن مصر لا تحبها، وليسترح هؤلاء السادة؛ فإن مصر لا تريد أن تستريح، وليجتنب هؤلاء السادة طول الطريق وما فيها من مصاعب وعقاب؛ فإن مصر لا تكره طول الطريق، ولا تهاب المصاعب والعقاب.

    لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه الأقدمين، وإلى أصدقائه المحدثين، لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه أولئك يذكرون الجهاد الوطني ويسعون إلى قبر سعد؛ ليجددوا له ولمصر عهد المضي في الجهاد، ولينظر إلى أصدقائه هؤلاء يرصدون الشرطة والجند، ويبثون الأرصاد والعيون، ويبذلون ما يمكن وما لا يمكن ليَخْفُتَ صوت الجهاد، وليخفى حب الأمة للجهاد، وليخبو هذا المصباح الذي شَبَّ في مثل هذا اليوم، منذ خمسة عشر عامًا.

    لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه أولئك حول قبر سعد، وإلى أصدقائه هؤلاء في رياسة الوزراء، لينظر إلى نفسه بين أولئك وهؤلاء؛ ليرى وليتبين كيف اختار؟ وماذا اختار؟ وأين أراد لنفسه أن تكون؟!

    ليذكر وزير الأوقاف إن كان قرأ، وليقرأ وزير الأوقاف إن لم يكن قد قرأ، قصيدة لشاعر فرنسي حذر، يسأل نفسه فيها هذا السؤال:

    «ماذا صنعت، قل لي ماذا صنعت، بأيام الشباب؟»