Tag: Innovation

  • تمصير

    تمصير

    هي عاطفة طبيعية تسيطر علينا في أكثر ما نعمل وفي أكثر ما نقول. وأي غرابة في أن يكون الميل إلى تمصير الحضارة الأجنبية على اختلاف فروعها أظهر ما تمتاز به حياتنا العامة في عصر كهذا العصر الذي نعيش فيه، قد اشتدت فيه النهضة الوطنية وقوي فيه الشعور بالقومية المصرية، وظهر فيه الحرص واضحًا جليًّا على أن تكون شخصيتنا بارزة لا لبس فيها ولا غموض؟

    وقد مضى عصر كنا نستعير فيه الحضارة الأجنبية استعارة من أوروبا ونجهر بذلك، ونقدم عليه لا نجد فيه حرجًا ولا نحس منه حياء، ثم مضى عصر آخر كنا نسرع فيه إلى هذه الحضارة الأجنبية مبتهجين بالإسراع إليها، مفاخرين بالأخذ بأسبابها، يتمدح الرجل منا بأنه يحسن مجاراة الأوروبيين في هذا الأمر أو ذاك، ويحسن تقليد الأوروبيين في التفكير والقول وغيرهما من أساليب الحياة.

    مضى هذا العصر كما مضى ذلك العصر، وأصبحنا نطمئن فيما بيننا وبين أنفسنا إلى أن الحضارة الأوروبية وإن كانت ضرورة من ضرورات حياتنا الفردية والاجتماعية، فإن لنا مقومات خاصة ليست حاجتنا إليها بأقل من حاجتنا إلى الحضارة الحديثة. وأخذنا نشعر منذ عهد غير قصير بأن المشكلة التي تواجهنا والتي يجب أن نجد لأنفسنا منها مخرجًا ليست هي نقل الحضارة الأجنبية إلى وادي النيل، ولا إقرارها على ضفاف النيل، ولا التغلغل بها في أعماق الريف، وإنما هي الملاءمة بين هذه الحضارة التي نقلت بالفعل إلى مصر واستقرت فيها وبين أشياء أخرى، ولابد لنا من أن نحتفظ بها لنكون أمة من حقها أن تطمع في الاستقلال وتطمح إليه، ولنكون أفرادًا من حقهم أن يؤمنوا بأن لهم وجودًا خليقًا بهذا الاسم وشخصية خليقة أن يعترف بها الناس.

    ولعل أول ما عنينا به من ذلك إنما هو الملاءمة بين ما في الحضارة الأجنبية من علم وأدب ومن فلسفة وفن، وبين ما لنا نحن من لغة عربية مصرية نحبها ونؤثرها ونحرص عليها أشد الحرص. فقد كنا في أواخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن نلتمس العلم الأجنبي والأدب الأجنبي في لغة الأجانب وكتبهم، نقرأ ما نقرأ من ذلك ونعي منه ما نعي، لا نكاد نشعر بالحاجة إلى أن نقرأ ذلك في لغتنا العربية، أو إلى أن يقرأ ذلك منا الذين لا يحسنون لغة أوروبية. وقد أعرضنا لأمر ما عن ذلك الجهد الخصب الذي بذله جماعة من المصريين في أول تاريخنا الحديث، وأقبلنا على لغات الأجانب نتعلمها، وعلى علوم الأجانب وآدابهم ندرسها ونستظهرها، دون أن نفكر في النقل والترجمة إلا قليلًا، فضلًا عن أن نفكر في الإنشاء والتأليف. ثم اشتدت الحركة الوطنية بعض الشيء أول هذا القرن، فأخذنا نحس الحاجة إلى أن يظهر سلطان اللغة العربية واضحًا جليًّا في التعليم، وجاهدنا في ذلك حتى بلغنا منه حظًّا لا بأس به، وحتى أخذنا في تمصير أكثر ما يلقى على التلاميذ من العلم في المدارس الابتدائية والثانوية، ومضينا في ذلك موفقين أحيانًا ومخطئين أحيانًا أخرى، حتى انتهينا إلى تمصير كثير مما يلقى من العلم على الطلاب في الجامعة والمدارس العليا.

    وكنا نشهد التمثيل الأجنبي في أوروبا ونحاول تقليده في مصر، فنمصره بعض الشيء حين نفرض عليه لغتنا فرضًا، وحين نترجم قصصه ترجمة دقيقة أو مقاربة أو مباعدة للأصل. ثم اشتدت الحركة الوطنية، فإذا نحن نريد أن يكون لنا تمثيل مصري يتخذ لغتنا كما يتخذ تفكيرنا وشعورنا، ويصور حياتنا المصرية الخاصة تصويرًا صحيحًا دقيقًا، وقد وفقنا في ذلك إلى بعض الخير، ثم صرفنا عنه لأمور لست في حاجة إلى أن أبينها الآن.

    وتستطيع أن تقول مثل هذا في فروع حياتنا العامة والخاصة كلها. فقد نقلنا عن الأوروبيين فنون الحكم والإدارة والقضاء، وكنا في هذا النقل مقلدين أول الأمر، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون شيئًا فشيئًا حتى بلغنا من ذلك حظًّا لا بأس به. وكذلك قلدنا في التجارة والصناعة، ثم أخذنا نمصر التجارة والصناعة، وقلدنا في الأدب أو في بعض فنون الأدب، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون، وما أظن صديقنا «الصاوي» قد أنشأ صحيفته الجديدة هذه إلا ليشارك فيما يجب على كل محب لمصر أن يشارك فيه من تمصير الأدب والثقافة بوجه عام.

    طبيعي إذن أن نميل إلى التمصير ونجد فيه، وأن نضيق إذا أبطأت حركة التمصير في لون من ألوان المعرفة أو فن من فنون الحياة. ولكن هذا الميل كغيره من الميول قد يحتاج إلى شيء غير قليل من المراقبة والملاحظة، وقد يحتاج إلى شيء غير قليل من التحفظ والاحتياط. فنحن في حاجة إلى تمصير العلم، وإنما يتم تمصير العلم إذا أتقناه وتمثلناه وشاركنا فيه كما يشارك فيه أصحابه الأوروبيون. فأما إذا وقفنا عند الترجمة، أو تجاوزنا الترجمة إلى تأليف هو إلى التقليد والمحاكاة أقرب منه إلى الابتكار والإبداع، فنحن لا نمصر العلم، وإنما ننقله إلى بلادنا نقلًا ونقره فيها كما يستقر الضيف.

    فإذا لم نوفق إلى الابتكار والإبداع، ثم لم نوفق إلى الترجمة الصحيحة ولا إلى التقليد المستقيم، فنحن لا نمصر ولا ننقل، ونحن لا نحسن إلى أنفسنا ولا إلى العلم الذي نريد تمصيره، ولا إلى الأوروبيين الذين نأخذ عنهم، وإنما نحن نمسخ العلم مسخًا، ونسيء إلى عقولنا كما نسيء إلى الأوروبيين أيضًا، فنصورهم صورًا لا تلائم الحق ولا ترضيهم ولا ترضينا نحن أيضًا.

    والأمر كذلك بالقياس إلى كل ما نريد أن نمصره من ألوان الحضارة الأوروبية. ولعلك تسألني إلى أين أريد أن أنتهي، وإلى أي شيء أعمد حين أسوق هذا الحديث الطويل وهذه المقدمات التي لا تريد أن تنقضي. ومن حقك أن تلقي علي هذا السؤال، ومن الحق علي أن أسرع إلى الرد عليه بعد ما بسطت هذه المقدمات. إنما أريد أن أنتهي إلى تمصير التمثيل، وقد فكرت فيه حين شهدت قصة أو جزءًا من قصة مثلت في ملعب الأوبرا مساء الخميس. فقد انتهت إلى الدعوة إلى شهود هذه القصة تحمل عنوانًا لها لم يدلني على شيء، كما أنه لم يحط به من التفسير والتعليق ما يدل على شيء. وحسبك أن تعلم أن عنوان القصة هو «السكرتير الفني».

    وأظن أنك إذا سمعت هذا العنوان أو قرأته دون أن تسمع أو تقرأ معه أن القصة مترجمة ترجمة دقيقة أو مقاربة، أو أن القصة مبتكرة ابتكارًا، لا تقدر إلا أنها قصة قد وضعت في مصر وضعًا. وعلى هذا التقدير ذهبت إلى ملعب الأوبرا وأنا أعد نفسي في شيء من الغبطة بأنني سأشهد مظهرًا من مظاهر النشاط الفني المصري، وسأرى قصة تمثيلية جديدة، وسأعرف إلى أي حد انتهى كتابنا من ترقية القصة التمثيلية، وإلى أي حد انتهى ممثلونا من ترقية التمثيل نفسه.

    ويجب أن أعترف بأنني لم أكد أسمع شطرًا من الحوار حتى ضقت بالقصة وبالأوبرا ضيقًا شديدًا، فقد كان الحوار كله باللغة العامية، والناس يعلمون أني أضيق باللغة العامية حين تتخذ أداة للفن، وأكره أن يعتمد عليها الكتاب إلا أن تدعو إلى ذلك حاجة ملحة أو ضرورة ماسة. (لا يغضب صديقي توفيق الحكيم، فقد يكون لي في قصصه العامية رأي حين أقرأه، وسيكون لي معه على كل حال في ذلك يوم أو أيام. ولعله يذكر رأيي في لغة «عودة الروح»). على أني قد أخذت نفسي منذ عهد بعيد بألا بد مما ليس منه بد، وبأن الخير كما يقول الفيلسوف القديم إذا لم يكن ما أريد أن أريد ما يكون. وإذن فقد صرفت عن نفسي ما كانت تجد من ضيق، واستقبلت التمثيل والممثلين بهذا النشاط الذي لا بد منه لأسمع منهم وأفهم عنهم وألهو مع اللاهين.

    وكان الممثلون مجيدين حقًّا، فلم أتردد في أني سأقضي ساعات ملهية مسلية في هذه الأيام التي تقل فيها التلهية والتسلية. ولكني لم أكد أنفق مع الممثلين لحظات حتى أحسست الغضب يملأ نفسي ويملك قلبي، وأحسست الحاجة الشديدة إلى أن أسلط إرادتي على نفسي تسليطًا حتى لا أظهر من الغيظ والإنكار ما يحسن كتمانه في مثل هذه المواقف وما قد يؤذي الناس الذين يجاورونني أن أحسوه أو أظهروا عليه.

    ذلك أني تبينت أن القصة فرنسية معروفة شائعة قد ترجمت في كثير من اللغات الأوروبية ومثلت في كثير جدًا من الملاعب، ثم تجاوزت الملعب إلى السينما فعرضت على الناس في أقطار الأرض المتحضرة كلها، وهي قصة «توباز» التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف بانيول.

    وقد عمد الكاتب المصري إلى هذه القصة فمسخها مسخًا وحرفها تحريفًا وذهب بما فيها من جمال فني رائع لا سبيل إلى الشك فيه مهما تختلف الآراء في تقديره، ولست أدري! أعلن الكاتب هذا أم لم يعلنه، بل أنا أريد أن أعتقد أنه أعلنه إعلانًا وأنه استأذن صاحب القصة فيه. ولكني مع ذلك آسف أشد الأسف، بل أحزن أشد الحزن لما أصاب هذه القصة الجميلة من مسخ وتشويه.

    القصة لم تكتب باللغة العامية في فرنسا وإنما كتبت باللغة الفرنسية الفصحى إن صح هذا التعبير. فهي تترك في نفسك حين تشهدها أو تقرؤها ما تتركه الآيات الأدبية الرائعة من الأثر. فإذا شهدت القصة المصرية واستمعت لأشخاصها وهم يتحدثون لغة الشارع آذاك هذا الاستماع وشق عليك هذا المسخ وآلمك هذا الابتذال.

    وفي القصة الفرنسية أشخاص مختلفون، منهم من ينتمي إلى الطبقة الوسطى ومنهم من ينتمي إلى طبقة تتكلف الأرستقراطية، منهم الغني ومنهم الفقير، ولكنهم جميعًا بعيدون عن هذا الابتذال الذي نراه في القصة المصرية حين نسمع هؤلاء الأشخاص من الرجال والنساء يتحدثون لغة الأزقة والحارات في القاهرة.

    والقصة الفرنسية تصور لونًا من ألوان الحياة في باريس وهي تمتاز بالجرأة بل بالإسراف في الجرأة، جرأة على السياسة، جرأة على العرف، جرأة على المألوف من أخلاق الناس. وقد أراد الكاتب أن يصور تهالك الناس على المنفعة وازدراءهم لما تواضعت الجماعات على إكباره من أصول الخلق والشرف والكرامة. فالقصة مرآة تنعكس فيها حياة جماعة من رجال المال والأعمال كما تنعكس فيها حياة جماعة من الطبقة الوسطى قد أفسدت أزمة الحرب مزاجهم، فهم لا يقاومون الشر وإنما يدفعون إليه ويتفوقون فيه.

    للقصة بطلان ممتازان من الرجال، أحدهما عضو في المجلس البلدي الباريسي والآخر معلم فقير. فأما عضو المجلس البلدي فمجرم يسرق ويحتال ويستغل نفوذه ويقترف آثامًا مالية منكرة ويتستر في هذا كله بأشخاص يشتريهم لذلك ويأجرهم عليه. وأما المعلم فرجل ساذج شريف نقي النفس في ظاهر الأمر يصور حياة أمثاله من الفرنسيين أحسن تصوير، ولكنه يتصل بعضو المجلس البلدي في ظرف شديد ويقبل أن يعمل معه، ثم يتبين له الحق فيثور، ثم يذعن كارهًا لحكم القضاء، ثم ما يزال يسعى إلى الفساد ويسعى الفساد إليه حتى يغلب أستاذه ويتفوق عليه ويستأثر من دونه بما كان يعينه عليه من عمل، بل يستأثر من دونه بهذه المرأة اللعوب التي كانت تحبه أو تتكلف حبه وتشاركه في الإثم فأصبحت تحب خصمه لأنه استأثر بالثروة والغنى والبراعة في السرقة والاختلاس.

    وفي القصة أشخاص آخرون لهم أطوار غريبة، منها المضحك ومنها المؤلم ومنها ما يجمع الأمرين معًا، ولكن هؤلاء الأشخاص على ذلك ليسوا من هذه الطبقات الشعبية الصريحة التي تمثلها القصة المصرية تمثيلًا واضحًا ملهيًا حقًّا.

    ليس في القصة الفرنسية سماك ينكر دوران الأرض كما في القصة المصرية، وليس فيها غير السماك من هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون عندنا ناحية من نواحي الحياة نحبها ونضحك منها ولكننا لا نكاد نراها في مثل هذه المواقف التي تصورها القصة.

    وقد عجزت القصة المصرية عن الصراحة والجرأة ولم تبلغ من الشجاعة ما بلغت القصة الفرنسية. فالسارق المحتال عضو في شركة من الشركات لا في مجلس بلدي. وهذا معقول، فليس في فرنسا قانون يقيد الحرية الأدبية كالقوانين المصرية، وإن كان في مصر من الأحداث والفضائح ما يذكر بما أراد الكاتب الفرنسي تصويره. والغريب أن الكاتب المصري ذكر ستافسكي في قصته مع أن «توباز» ظهرت في فرنسا وتجاوزتها قبل أن تظهر الفضيحة الفرنسية الكبرى.

    وليس في قصتنا المصرية إشارة إلى الكورنيش ولا إلى ما يشبهها من الحوادث لمكان هذه المراقبة الأدبية الدقيقة. ولست أستطيع أن أمضي في تحليل القصة المصرية لأني لم أشهدها كلها، وإنما انصرفت حين أذنت لي الأوضاع الاجتماعية بالانصراف. ولولا هذه الأوضاع نفسها لانصرفت قبل أن أشهد الفصل الأول كله. لأن من المؤلم حقًّا أن يشهد الإنسان أثرًا فنيًّا بارعًا قد أصابه المسخ والتشويه وأخذه العبث من جميع نواحيه.

    ومع ذلك فقد ضحكت النظارة وأغرقت في الضحك، ولعلي أغلو وأتجاوز الحق إن زعمت أني لم أضحك، فقد ضحكت وضحكت كثيرًا. ولكني أظن أننا إنما ضحكنا من لغة القصة وعبارتها ومن براعة الممثلين وإجادتهم لا من القصة نفسها. وهبنا ضحكنا من القصة نفسها فلم يكن ضحكنا ليغير الألم الذي كنا نجده شيئًا. كنا نشهد مواقف الممثلين ونسمع ما كانوا يقولون ونذكر من مواقف الممثلين في القصة الفرنسية وما يقولون.

    في هذا النحو من التمصير شر كثير لأنه كما رأيت مسيء إلى الفن، يمسخه ويغير معالمه ويرد جماله قبحًا وجودته رداءة، ثم هو في الوقت نفسه عدوان لا أدري إلى أي حد يباح. وقد كان الجاحظ يكره أن تختصر آثاره يشفق عليها من المسخ والتشويه، فكيف بالكاتب الفرنسي بانيول لو رأى قصته وما ألم بها من الخطوب؟ وإذا كان هذا مبلغ ألمنا ونحن مصريون غرباء لم ننشئ القصة ولا نغار عليها كما يغار عليها الفرنسيون الذين أنشئت فيهم ولهم، فكيف يكون ألم الكاتب الفرنسي لو أنه تمثل هذا الخطب العظيم الذي ألم بأثر من أروع آثاره الأدبية وأبقاها؟

    وأنا أعلم أن هذا التغير الخطير يصيب كثيرًا من القصص لا في مصر وحدها بل في كثير غيرها من البلاد. ولكن هذا لا يخفف من شر هذا التغير ولا يمحو ما فيه من سوء. وليس من الحق أني أستطيع أن آتي الشر لأن كثيرًا من الناس يأتونه، وإنما الحق أني خليق أن أنصرف عن الشر حين أرى إقدام الناس عليه وتتبعهم له.

    وأنا أعلم أن طائفة من قصص موليير قد نقلت إلينا على نحو من هذا التغيير، ولكن هذا وقع منذ عهد بعيد، على أنه يجد شيئًا من الشفاعة في هذا الجمال الساذج الريفي الذي نجده في قصة الشيخ متلوف والذي يعزينا بعض العزاء عن جمال ترتوف، إن صح أن يضاف الجمال إلى ترتوف.

    حسن جدًّا أن يمصر التمثيل وأن يتخذ العربية، ولا سيما العربية الفصحى، له لغة وأداة، ولكن بشرط أن يكون تمصيره صحيحًا صريحًا لا فساد فيه ولا عدوان، بشرط أن يكون تمصيرًا مثبتًا للشخصية المصرية على أنها شخصية قوية تنتج وتبتكر أكثر مما تحاكي وتقلد، بشرط أن يكون تمصيرًا جريئًا جليًّا لا يثير حزنًا ولا ندمًا ولا حياء.

    مجلتي، ١٩٣٤/١٢/١٥

  • بدعة

    بدعة
    أرأيت إلى هذه البدعة المنكرة التي أخذ يدعو إليها المجددون منذ أمس في طائفة من صحف المساء والصباح؟ ألم تضق بها؟ ألم تتنكر لها؟ ألم تستعد السلطة على الذين يبدعونها ويسرفون في الدعوة إليها؟ إنهم يريدون مصر أن تعدل عن سنتها، وتخرج عن طبيعتها، وتقلد بلاد الغرب، وتسير هذه السيرة الحقيرة التي تضطر أصحابها إلى التواضع والاقتصاد، وإلى أن يقيسوا آمالهم وأعمالهم بحاجاتهم وطاقاتهم، لا بما يصور الخيال ولا بما تمليه الأحلام.
    هؤلاء المبتدعون خليقون أن يحاسبوا حسابًا عسيرًا، وأن يعاقبوا عقابًا ثقيلًا، لأنهم يأبون على مصر الحديثة أن تسير سيرة مصر القديمة، ويريدون لمصر الشرقية أن تسير سيرة الأمم الغربية، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا.
    ينكرون على مصر الحديثة أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة تمتاز بها من بلاد الأرض طولًا وعرضًا وارتفاعًا في السماء، وزينةً وزخرفًا وافتتانًا في البهاء، ويزعمون أن هذا إسراف في أموال الدولة، وأن هذا ظلم لأبناء الشعب، وأن هذا تجاوز للطاقة وتكلف لها لا نقدر عليه.
    ويقولون إن مصر لم تبلغ من الرقي العلمي حظًا يلائم هذا الغلو في الترف، وهذا التهالك على الزينة والمفاخرة بها. وهم يعلمون حق العلم أن آباءنا الأقدمين الذين أقاموا الأهرام وما يشبه الأهرام من هذه العمارات الشاهقة والأبنية الشامخة لم يسألوا أنفسهم عما تتكلفه هذه الآثار الخالدة من النفقات والأموال: أقليل هو أم كثير؟ أثقيل هو أم خفيف؟ ولم يسألوا أنفسهم عن رأي الفلاحين فيما تحتاج إليه هذه الآثار من مال وجهد، أكانوا راضين به أم ساخطين عليه، ولم يسألوا أنفسهم عن ملاءمة هذه الآثار الخالدة لطاقة مصر وحاجتها، وإنما فكروا في شيء واحد، وعملوا لشيء واحد، وهو مجد مصر وعظمتها وتفوقها على سائر بلاد الأرض.
    وقد وفقوا كل التوفيق. فحدثني عن بلد من بلاد الأرض يستطيع أن يفاخر مصر أو يثبت لها بما فيه من الأهرام والمعابد والآثار. وحدثني أليس من الحق أن المعاصرين لبناء الأهرام والمعابد قد شقوا ببنائها، واحتملوا في سبيله البؤس والجهد والضيق؟ ولكننا نحن نفاخر بها ونكاثر ونعجب بها ونتيه. فهم قد شقوا لنسعد، وهم قد ذلوا لنعز، فلم لا يكون حبنا لأبنائنا كحب آبائنا لنا؟ ولم لا نشقى نحن الآن ليسعد أبناؤنا بعد حين؟ ولم لا نبتئس نحن الآن ليتيه أبناؤنا بعد حين؟
    لن نستفيد نحن من قاعة المحاضرات هذه إلا قليلًا، ولكن أبناءنا سيفاخرون بها ويكاثرون، وسيقولون عنا بألسنة ينطقها الحب والإعجاب والفخر: رحم الله هذا الجيل الذي أقام لنا هذا الأثر الخالد، فقد كان يتمثل دائمًا قول الشاعر القديم:
    نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل مثل ما فعلوا
    أولئك بنو الأهرام، وهؤلاء بنو قاعة المحاضرات. وسيقول أبناؤنا عنا بألسنة ينطقها الحب والإشفاق والرحمة والرثاء: رحم الله هذا الجيل، لقد ذاق أبناؤه ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوى، ليبنوا لنا قاعة المحاضرات، كما ذاق المصريون القدماء ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوع، وعاشوا على الخبز والبصل ليبنوا لنا الأهرام.
    كذلك أراد الله لمصر أن تشقى أجيالها الحاضرة لتسعد أجيالها المقبلة. وليس من شك في أن أجيالنا المقبلة التي ستسعد بقاعة المحاضرات سيتيح لها الله وزارة كوزارتنا القائمة، تدعوها إلى التضحية، وتأخذها بإقامة بناء أو أبنية لا تقل عظمة عن قاعة المحاضرات وعن الأهرام. فمصر مريضة بفن البناء، لأن مصر مريضة بمقاومة الزمان وما يحمل من أعراض الفناء، كما يقول صاحب «أهل الكهف».
    وإذن فلتبنِ مصر ولتبنِ، ولتشْقَ مصر ولتشْقَ، فإن الله قد خلقها للشقاء والبناء معًا. ولتبسط الوزارة يدها على هؤلاء المبتدعين الذين يريدون أن يصرفوا مصر عما كتب الله لها من الشقاء والبناء، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

  • ثقافة

    ثقافة

    لا أزال أذكر محاضرة قرأتها منذ أعوام للأديب الفرنسي العظيم بول فاليري، ألقاها في لوزان، وحاول فيها أن يرد العقل الأوروبي إلى العناصر الأولى التي عملت في تكوينه، والتي تميزه من العقول الأخرى، وتقدمه عليها، وتبيح للأوروبيين ما يستمتعون به من التفوق في الحياة العقلية والعملية معًا.

    لا أزال أذكر هذه المحاضرة؛ لأنها كانت من دقة التفكير، وقوته، ووضوحه، بحيث فرضت علي الإعجاب بها، واضطرتني إلى أن أقرأها غير مرة، وحببت إلي قراءة ما يكتبه صاحبها، على ما في أسلوبه وتفكيره، في أكثر الأحيان، من التواء وغموض، مهما يعجب بهما الفرنسيون في هذه الأيام، فهما مصدر مشقة لقرائه من الفرنسيين المثقفين، فضلًا عن الأجانب.

    كان بول فاليري يرد العقل الأوروبي إلى مكونات ثلاثة عظيمة الخطر، هي: العقل اليوناني وما أنتج من أدب وفن وفلسفة، والعقل الروماني وما أنتج من تشريع ونظام، والدين المسيحي وما نتج من حب للخير وميل إلى الإحسان.

    وكان يرى أن لكل واحد من هذه العقول أثرًا عظيمًا في تكوين الحياة الأوروبية المعنوية، ثم في تكوين الحياة العملية، التي هي في حقيقة الأمر أثر من آثار التفكير الأوروبي، ومرآة ينعكس فيها هذا التفكير.

    فهم يونان حين يفكرون وينتجون في الأدب والفن والفلسفة، وإن بعد العهد بينهم وبين اليونان، وإن اشتد التطور حتى خيل إليك أن ليس بين آثارهم وآثار اليونان من صلة. وهم رومان حين يشرعون، أو يحاربون، أو يستعمرون، مهما يكن الفرق عظيمًا بينهم وبين الرومان في التشريع والحرب والاستعمار. وهم مسيحيون حين يحسنون أو يطمحون إلى الخير، مهما يأخذ إحسانهم وطموحهم من أشكال تباعد بينهم وبين الإحسان الذي صورته المسيحية الأولى.

    وهم لهذا كله قد جمعوا خير ما يتفوق به الرجل على الرجل، وأعظم ما يمتاز به الإنسان من الإنسان.

    أعجبت بهذا البحث، وأعجب به كثير من القراء الأوروبيين حين ألقي، وحين نشر في كتاب، وإن كنت لم أعن بتحقيقه، ولم أحفل بأن يكون الكاتب قد وفق إلى الصواب أو تورط في الخطأ، ولكني على كل حال حمدت لهذا الكاتب أنه استطاع أن يتصور عقلًا أوروبيًا، على اختلاف الأوروبيين في اللغة والنظم، وفي الآثار المختلفة التي يستتبعها اختلاف اللغات والنظم.

    كما أني حمدت للأوروبيين أنفسهم ألا يكون تفاوتهم في الجنس، واللغة، والنظام، وما إلى ذلك كله، مانعًا من أن يكون لهم عقل واحد متشابه، يستطيع كاتب أن يدرسه ويحلله ويرده إلى أصوله المشتركة.

    وكثيرًا ما حاولت، منذ قرأت هذا الفصل، أن أتصور عقلنا المصري وأدرسه، وأرده إلى عناصره الأولى التي كونته كما هو. فلم يكن هذا التصور ولا هذا الدرس شيئًا يسيرًا، ونحن مع ذلك أمة واحدة لها مقومات واحدة نشترك فيها جميعًا، فنحن مشتركون في الجنس، والإقليم، واللغة، والمنافع الاقتصادية، والنظام السياسي والاجتماعي. ولكننا، على هذا كله، مختلفون في العقل اختلافًا ظاهرًا جدًا، وربما كان خطيرًا، وربما كان مصدر كثير من المشقة التي نلقاها في حياتنا الحاضرة.

    ذلك أني ما أظنك تنازعني في أننا لا نقوم الأشياء تقويمًا واحدًا، ولا نحكم عليها أحكامًا متقاربة، لأننا لا نتصورها تصورًا متقاربًا.

    وليس من شك في أننا الآن أقل تشابهًا واتحادًا من هذه الناحية العقلية مما كنا في أي وقت مضى. فقد كان المصريون في أول القرن الماضي، وإلى أن تقدم القرن الماضي حتى تجاوز نصفه، متشابهين في التفكير والتعبير، ثم في حياتهم العملية، كأن لهم عقلًا واحدًا يعبرون عنه بلغة واحدة، وأسلوب واحد، ويصدرون في كل ما يأتونه من الحركات والأعمال.

    أما الآن، وقد أخذنا نتصل بالأوروبيين، وأخذ اتصالنا بالأوروبيين يشتد شيئًا فشيئًا، ويمتد قليلًا قليلًا، فقد تغيرت هذه الحال، وانشق المصريون خاصة، والشرقيون عامة، إلى فريقين: فريق ما زال يفكر ويعبر ويحيا على شيء من الأسلوب القديم، قد يكون قويًا، وقد يكون ضعيفًا، ولكنه على كل حال ظاهر يمكن تصوره وتشخيصه. وفريق آخر يفكر ويعبر ويحيا على أسلوب جديد أوروبي، لا تكاد تظهر الصلة بينه وبين حياتنا القديمة.

    وهذا في نفسه شيء طبيعي لا غرابة فيه، فهو التطور والانتقال من حال إلى حال، وهو الصراع بين القديم والجديد، والنزاع بين حضارة وحضارة، وانتصار إحدى هاتين الحضارتين المتنازعتين على الأخرى، في سرعة أو بطء، باختلاف الظروف التي تحيط بهذا التطور.

    ولكن تطورنا لا يخلو من غرابة، فقد خضعنا له، فيما يظهر، غير شاعرين به، ولا آبهين له، ولم نستطع أن نقدره قدره، ولا أن نحسب حسابًا للآثار التي قد ينتجها. فمضى فريق منا مع الحركة الجديدة، ومضى فريق آخر في الحياة القديمة، واضطرب فريق بين أولئك وهؤلاء.

    وأنا أعلم أن محمد علي الكبير كان يعرف ما يريد، وكان ما يريد من الأمر حين كان ينقل إلى مصر ما كان ينقل إليها من أساليب الحياة الأوروبية والتفكير الأوروبي. وربما كان قليل جدًا بين أعوانه يشاركونه في الشعور بقيمة هذا العمل، ولكني أشك أشد الشك في أن الناس كانوا يقدرون هذا العمل أو يحسبون له حسابًا. إنما كانوا يخضعون له كما كانوا يخضعون لغيره من أمر السلطان، على كره شديد أو رغبة فاترة.

    وتستطيع أن تقول مثل هذا في إسماعيل وأعوانه، وإن كان الفرق بين إسماعيل ومحمد علي وأعوانهما ظاهرًا من بعض الوجوه. فقد كان محمد علي يقدر لنقل الحضارة الأوروبية إلى مصر منفعة عاجلة، هي النهضة الصناعية التي تنهض بحاجات بلد يريد أن يجاهد ويسود، ولكنه لم يكن يفكر كثيرًا فيما كان يفكر فيه إسماعيل من الرغبة في الرقي لأنه رقي، وفي الحضارة لأنها حضارة، والعلم لأنه علم.

    وكذلك كان أعوان محمد علي يعينونه على الوصول إلى هذه المنفعة العاجلة المؤقتة، بينما كان أعوان إسماعيل يعينونه على الطموح إلى مثل أعلى يسمو فوق المنافع العاجلة، ويبعد كلما دنا منه طلابه، فيضطرهم إلى السعي، ويبعث فيهم النشاط.

    ولكن أولئك وهؤلاء كانوا قلة لا تكاد تظهر، وكانت كثرة الناس تخضع للتطور عن كره شديد ورغبة فاترة، كما قلنا.
    كان من أثر هذا أن الذين أشرفوا على هذا التطور في مصر لم يأخذوا له عدته، ولم يضعوا له من النظم والأصول ما يمكنه من أن يسير سيرًا مضطردًا منتجًا، وإنما كانوا يترددون ويضطربون ويشفقون، ويحسبون حسابًا لظروف لا تكاد تحصى. فهم إذا تقدموا من ناحية وقفوا أو تأخروا من ناحية أخرى، ونشأ عن هذا أنا وصلنا إلى حيث نحن الآن.

    ورقينا، مهما يكن عظيمًا، ليس مستويًا ولا متشابهًا، ففيما بيننا بيئات راقية جدًا، وبيئات منحطة جدًا، وفي بعض نواحي حياتنا العامة رقي يشبه أن يكون طفرة، وفي بعض نواحيها الأخرى انحطاط يشبه أن يكون جمودًا. فنحن من الناحية التشريعية والقضائية قد خطونا خطوات بعيدة، بحيث تستطيع أن تقول إن الفرق بيننا وبين كثير من الأمم الأوروبية لا يكاد يذكر. ونحن كذلك، من بعض النواحي العلمية القليلة، لا بأس بالشوط الذي قطعناه، ولكننا من نواحٍ أخرى كثيرة لا نزال أطفالًا وعيالًا على الأوروبيين.

    هذا الاضطراب الذي نلاحظه واضحًا جليًا في حياتنا العامة، يظهر أشد وضوحًا وأكثر جلاء في ناحية بعينها من نواحي هذه الحياة، وهي ناحية الحياة العقلية. فقد عني محمد علي، وعني بعده إسماعيل، بإرسال البعوث إلى أوروبا، وتنظيم المدارس المدنية في مصر. وعنيا أيضًا بتشجيع الترجمة والتأليف، وكان لهذا كله أثر ظاهر، فوجدت في مصر طائفة مثقفة على الأسلوب الأوروبي، وسيطرت هذه الطائفة على حياة مصر، فتولت الحكم والقضاء وتدبير الأمور.

    واتصلت منذ ذلك الوقت سنة الأميرين العظيمين في العناية بالبعوث، وتنظيم التعليم المدني، وتشجيع الترجمة والتأليف، تقوى حينًا وتضعف حينًا آخر، ولكنها اتصلت على كل حال، وأنتجت آثارها الطبيعية، فكثرت هذه الطائفة المتأثرة بالثقافة الأوروبية، واشتدت سيطرتها على الحكم، واستئثارها بتسيير الأمور.

    ولكن تعليمًا آخر مصريًا خالصًا كان موجودًا في أيام محمد علي وفي أيام إسماعيل، لم يستطع هذا الأمير أو لم يرد هذا الأمير أو ذاك أن يمسه بشيء من التغيير أو التبديل، أو أن يخضعه لشيء من هذا التطور، تحرجًا وإشفاقًا، أو لما شئت من الأسباب. فظل هذا التعليم المصري الخالص في الأزهر الشريف متصلًا، محافظًا على تقاليده وأساليبه القديمة، منتجًا آثاره الطبيعية، من إخراج جماعات من الناس يتصورون، ويفكرون، ويعبرون، ويحيون على الأسلوب القديم.

    وأخذ سلطان هذه الجماعة يضعف ويتضاءل، وأخذت هذه الجماعات تشعر شيئًا فشيئًا بضعف سلطانها، وتضاؤله، وإفلات الأمور من أيديها، فما هي إلا أن كان الألم، ثم الشكوى، ثم الإنكار يوشك أن يكون ثورة.

    وأحس أولو الأمر شيئًا من هذا، فحاولوا التجديد في هذه الناحية، ولكن على استحياء وتحرج، فكانت نتيجة هذا التجديد المستحي تعقيدًا لحياتنا العقلية، وإسرافًا في التفريق بين عقولنا، وأساليبنا في الحس والشعور.

    أنشأوا دار العلوم، التي لا تحافظ كل المحافظة، ولا تجدد كل التجديد، وأنشأوا كذلك مدرسة القضاء الشرعي على نحو من هذا التجديد المستحي، وأنشأوا مدارس المعلمين للتعليم الأولي على نحو من هذا التجديد المستحي.

    فأنتج التجديد الخالص من ناحية في المدارس المدنية، وأنتجت المحافظة الخالصة من ناحية أخرى في الأزهر وملحقاته، من ناحية ثانية، وأنتج التجديد المضطرب في هذه المدارس الغريبة من ناحية ثالثة.

    وكانت النتيجة أن عقلياتنا لا تكاد تحصى الآن، فأنت تستطيع أن تلقي على الناس مسألة بعينها، ثم تحاول أن تعرف فهمهم لها ورأيهم فيها، فترى في هذا اختلافًا شديدًا. فللذين أنشأتهم المدارس المدنية فهم ورأي، وللذين أنشأهم الأزهر فهم ورأي، وللذين أنشأتهم تلك المدارس العرجاء فهم ورأي.

    ومن غريب الأمر أن التجديد الخالص نفسه لم يخل من اضطراب وتذبذب. فقد سننا منذ أواخر القرن الماضي لأنفسنا التردد في إرسال الطلبة إلى أوروبا، نرسل بعضهم إلى إنجلترا، وبعضهم إلى فرنسا، وبعضهم إلى ألمانيا، ولا نحسن الإشراف على أولئك ولا هؤلاء، فيتعلم أولئك وهؤلاء كما يستطيعون، وحيث يستطيعون، ثم يعودون إلينا ولهم عقولهم المختلفة، يفهمون من الأشياء فهمًا متباينًا، ويحكمون عليها أحكامًا متباعدة.

    وحاول التجديد آخر الأمر أن يدخل الأزهر، فأفسد كثيرًا ولم يصلح شيئًا. ذلك أنه لم يكن تجديدًا صريحًا ولا صحيحًا، وإنما كان ظاهرًا من التجديد، وقشورًا من العلم، تخيل إلى أصحابه أنهم قد حفظوا العلم كله، على حين لم يعرفوا منه إلا صورًا مشوهة.

    وظهرت مسرعة نتائج هذا التجديد المفسد، فثقفت طبقات من الأزهريين بشيء من العلم الغريب، كان ينقل إليها في الصحف والمجلات عن كتب لا قيمة لها، تمس ما وراء المادة وما بعد الطبيعة، على أسلوب الروحيين، لا على أسلوب الفلاسفة.

    وكم ضحكت وأسفت حين رأيت رجلًا من كبار العلماء ذات يوم يرد على بعض من يسميهم الملحدين، فينقل لهم جملًا من بعض هذه القصص الأمريكية التي تذاع بين الناس على أنها آراء علماء أوروبا في صحة الديانات وقوتها.

    هذه حالنا الآن: اضطراب لا تكاد تعرف له حدًا في الفهم والحكم.

    أفتظن أنا نستطيع أن نتصور عقلًا مصريًا كما تصور بول فاليري عقلًا أوروبيًا، وأنا نستطيع أن نرد هذا العقل إلى أصوله، ونحلله إلى العناصر التي عملت في تكوينه؟ كلا.

    لنا عقل أوروبي خالص، ضعيف لم يقو بعد، فهو يحاول أن يتصور الأشياء ويقضي فيها على المذهب الأوروبي.

    وكان لنا عقل مصري خالص في الأزهر، كان يتصور الأشياء ويقضي فيها على النحو القديم، ولكن التجديد السيئ يفسده شيئًا فشيئًا، فلست أدري كيف يفهم الآن، ولا كيف يقضي، ولكني أعلم أنه يعبث بالأشياء أكثر مما يفهمها ويقضي فيها.

    ولنا عقل ثالث، لا أدري كيف أشخصه؛ فيه أيسر ما كان في الأزهر، وفيه أيسر ما في الجديد الخالص، كل ذلك ممسوخ مشوه.

    فقدر أنت تصور هذا العقل للأشياء، وقضاءه فيها، وقدر أنت بعد هذا كله مقدار حظنا من الاتحاد والاشتراك في التصور والحكم، ثم في الشعور والطموح إلى المثل الأعلى.
    يرى الجغرافيون أن الجنس، واللغة، والدين، والنظام السياسي، والإقليم، مقومات تكفي لتكوين الأمة. وقد يكون هذا صحيحًا، ولكن هذه المقومات نفسها تستتبع مقومًا آخر لا بد منه لتحيا هذه الأمة حياة صالحة، وترقى رقيًا مضطردًا، وهو الثقافة.

    فلا بد للأمة التي تستحق هذا الاسم من ثقافة قومية تمثل ميولها، ومثلها العليا، وجهودها في سبيل الرقي، وفي سبيل الوصول إلى الحق وإلى الخير. ويجب أن تكون هذه الثقافة متشابهة، يختلف مقدارها باختلاف الأفراد والبيئات، ولا أريد أن أقول الطبقات، ولكن نوعها لا يختلف كما يختلف عندنا الآن.

    ويجب أن يكون حظ معين من الثقافة مشتركًا بين أفراد الأمة جميعًا في طور من أطوار حياتهم، وأن تكون لهؤلاء الأفراد بعد ذلك أنواع من الثقافة تختلف في الأغراض أكثر مما تختلف في الطبيعة والمنهج.

    ومن غريب الأمر أننا لا نحاول أن نستفيد بتجارب الأمم من قبلنا. فقد خضع الناس من قبلنا لهذا التطور الذي نخضع له، فنشأ التعليم المدني، فزاحم التعليم الديني، حتى زحمه واستأثر من دونه بالسيطرة والسلطان. ولكن رجال الدين في أوروبا كانوا من المهارة والمرونة بحيث احتفظوا بتعليمهم الديني، فرقوه وأصلحوه، ثم شقوا في الوقت نفسه لأنفسهم طرقًا في التعليم المدني، فشاركوا فيه غيرهم من الناس، وظفروا بإجازاته، وأخذوا نصيبهم من الإنتاج فيه. فلم لا نسير نحن سيرة غيرنا من الناس؟

    تعنى الحكومة منذ أعوام بإصلاح مناهج التعليم وبرامجه، وهذا خير، ولكن الغريب أنها تصلح في الألفاظ والنظريات، ولا تحاول أن تصلح جوهر التعليم، ولا تفكر في هذه الفروق العقلية العنيفة التي تقسم الأمة الواحدة إلى فرق متمايزة، والتي يجب أن تزال، وأن تقوم مقامها وحدة عقلية تمكن الناس من أن يشعروا معًا، ويفهموا معًا، ويحكموا أحكامًا متقاربة.

    في وزارة المعارف حركة إصلاح، وفي الأزهر حركة إصلاح أيضًا، وكلتا الحركتين تأخذ طريقًا غير الذي تأخذه الأخرى. فما أجدر المشرفين هنا وهناك أن يفكروا قليلًا، وأن يدنو بعضهم من بعض، حتى يصلوا إلى طريق يسلكونه معًا، فيحتفظ الأزهر بتعليمه الديني الخالص، ويشق لمن شاء من أبنائه، مع ذلك، طريق التعليم المدني العام.

    طه حسين

    المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠.