Tag: Institutional Reform

  • والفلسفة

    والفلسفة
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٤ مايو ١٩٥٥

    نعم والفلسفة، أنترجمها إلى العربية كما ترجمها الأولون من العرب فغيَّروا بترجمتها طبيعة الحياة العربية، وأقاموا بفضلها هذه الحضارة الإسلامية الرائعة التي كان لها أثرها الخطير في إحياء أوروبا في القرون الوسطى … قبل أن يُتاح لها العلم المباشر بفلسفة الأولين وآدابهم وفنونهم على اختلافها؟

    هذا سؤال لا يُلْقِيه المعاصرون كما ينبغي أن يُلْقى، ولا يفكرون فيه كما يجب أن يكون التفكير فيه، وإنما يَقْطَعون فيه بالرأي الحازم الجازم، ثم يهجمون برأيهم هذا في غير تحفظ ولا تثبت ولا روية؛ ليهدموا آراء غيرهم هدمًا ويدكوها دكًّا.

    فالمعاصرون من كُتَّابنا محاربون يُتْقِنون أساليب الهجوم ويتفقون في المصاولة والمجاولة والمطاولة حتى حين لا يصاولهم ولا يجاولهم ولا يطاولهم أحد، ولعلَّهم إنما يهاجمون حيث لا موضع للمهاجمة، ويَصُولون ويَجُولون حيث لا موضع لصيال أو جيال، وربما كان الخير في أن يأخذوا ما يعرض لهم من الأمور أخذًا رفيقًا هيِّنًا، فيه شيء من سعة الخُلُق وسماحة النفس وسجاحة الطبع، ورجاحة الحلم. ذلك أجدر أن يهديهم ويهدي غيرهم إلى الحق، وأحرى أن يدلهم ويدل غيرهم على الصواب، ولكنهم أخذوا أنفسهم بالعنف في غير موضع للعنف والجدال في غير حاجة إلى الجدال.

    والقصة كلها تنحل كما يُقال إلى عناصر ثلاثة تعمل مُجْتَمِعةً أحيانًا وتعمل متفرقة أحيانًا أخرى؛ فأحد هذه العناصر الافتتان بالألفاظ والانخداع بالظواهر؛ قوم يَرَوْن المخترعات الحديثة وما أُتِيحَ للغرب عامة ولأمريكا خاصة من التفوق في تجديد الحياة المادية التي يحياها الناس وابتكار الأدوات الرائعة والمروعة فيُبهَرون ويُسْحَرون، وقد أُلْقِيَ في روعهم أن هذه المخترعات التي تملأ الحياة دعة وسعة، والتي تعرض الحياة للموت والفناء، إنما مَرَدُّها إلى تقدُّم العلم ورُقِيِّه فيدعون مُسْرِعين إلى ترجمة العلم، لا يتحفظون ولا يتثبتون ولا يسألون أنفسهم كيف تكون ترجمة العلم، ولمن تكون ولماذا تكون، ومن الذين سينتفعون بهذه الترجمة؟ … وما عسى أن يكون أثر هذه الترجمة في تمكين العرب خاصة والشرقيين عامة من المشاركة في الاختراع، والابتكار، وتجديد الحياة، وتعريضها للهول والفناء؟

    وثاني هذه العناصر ما أَلِف الناسُ في هذه البلاد مِنْ تَعَصُّبِ كل امرئ لِمَا يُحْسِن ولِمَا يظن أنه يُحْسِن، فالمؤرخ لا يعدل بالتاريخ علمًا، والفيلسوف لا يعدل بالفلسفة شيئًا، والرياضي يرى الرياضة أول العلم وآخره، والأديب يرى الأدب قوام الحياة!

    وقد بلونا ذلك حين رأينا رجال التعليم يحاولون أن يضعوا مناهج الدرس وبرامجه للمدارس الابتدائية والثانوية، فتتعصب كل جماعة لِمَا تمارس من ألوان العلم، يريد كل فريق منهم أن يقيم التعليم ومناهجه وبرامجه على اللون الذي يفرغ له ويتخصص فيه، وينسون جميعًا أن الثقافة مزاج يجب أن يأتلف من عناصر مختلفة، وأن تعتدل فيه هذه العناصر فلا يطغى بعضها على بعض.

    أما العنصر الثالث فيَسِيرٌ جدًّا؛ وهو الحرص على المشاركة في كل ظاهرة من ظواهر النشاط للظفر بنصيب قليل أو كثير من نتائج هذا النشاط، مادية كانت أو معنوية.

    وقد قِيلَ للناس إن رئيس الحكومة أرصد خمسين ألفًا من الجنيهات للترجمة؛ فكل قادر على الترجمة ينبغي أن يكون له نصيب من هذه الألوف الخمسين، نصيب قليل أو كثير؛ فشيء خير مِنْ لا شيء، ومَالُ الشعب يجب أن يُرَدَّ إلى أكثر عدد ممكن من الشعب، وأُحِبُّ أن أُرِيح هؤلاء الطامعين الطامحين بالحق وبغير الحق؛ فأؤكد لهم أن رئيس الوزراء لم يضع تحت تصرُّفي ألفًا واحدًا ولا آلافًا قليلة، ولا ألوفًا كثيرة، ولم يُطْلِق يدي في مال ما لأنفقه كما أحب وأهوى، وإنما أظهر استعداده للعناية بشئون الأدب والفن والإنتاج الثقافي كله، وعَهِد إلى زميله وزير التربية والتعليم بوضع ما تقتضيه هذه العناية من نظام.

    ووزير التربية والتعليم جادٌّ فيما طلب الرئيس إليه؛ فَلْيَنْتَظِرِ الطامعون والطامحون إذن، فقد يُتاح لكل واحد منهم نصيبه من هذه الألوف التي قد تبلغ الخمسين وقد تزيد عليها كثيرًا.

    ولْنَعُدْ بعد ذلك إلى الذين يجادلون ويناضلون ويجاولون ويصاولون منخدعين بالألفاظ والظواهر أو متعصبين لِمَا يُحْسِنون، أو ما يظنون أنهم يُحْسِنون من ألوان المعرفة فندعوهم إلى كلمة سواء تريحهم وتريحنا وتريح الناس جميعًا من هذا الجدال العقيم الذي لا يُغْنِي عن أحد شيئًا.

    فأما الذين يُحِبُّون ترجمة العلوم، فمن حقهم أن يطلبوا ذلك إلى العلماء وإلى الحكومة، وقد أُنْشِئ في مصر منذ حين مجلس البحوث العلمية، فليطلبوا إليه من ترجمة العلم ما يريدون، وليطلبوا إلى الدولة أن تُيَسِّر له ذلك، فتُعِيد النظر في نظامه وتمنحه من المال ما يمكنه من البحث وإعانة الباحثين، وما يمكنه من الترجمة وإعانة المترجمين إلى أبعد حد ممكن. فليس عليهم في مطالبة المجلس والحكومة بهذا كله حرج أو جناح؛ فهم يعيشون في وطن ناهض طامح إلى المجد حريص على أن يشارك في تنمية الحضارة الإنسانية، ومن حقهم أن يطالبوا بتوجيه هذا الطموح إلى حيث يرون الخير.

    وأما الذين يطلبون ترجمة الفلسفة فمن حقهم أن يطلبوا هذه الترجمة إلى المجلس الجديد الذي تريد الحكومة إنشاءه ليقوم على رعاية الآداب والفنون والثقافة، وأظنهم لا يكرهون أن ينتظروا نشأة هذا المجلس، فإذا تمَّتْ نشأته وأخذ في عمله طلبوا إليه ما يحبون.

    وأنا مؤمن أشد الإيمان وأقواه بأن ترجمة أصول الفلسفة الإنسانية ضرورة من ضرورات الحياة الراقية في كل وطن يطمح إلى الرقي ويجد في سبيله، وأنا مؤمن كذلك بأن لا أمل لوطن حي يريد أن يرقى وأن يكون لحياته حظ من خصب، لا أمل لهذا الوطن في أن يبلغ ما يريد إلا إذا عرف أصول الفلسفة الإنسانية على اختلاف مذاهبها وأوطانها.

    ولكن كنت أحب لهؤلاء ألا يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بهذا الكلام الذي يُرْسَل إرسالًا في غير تحفظ ولا تثبت ولا احتياط؛ فالأولون من العرب لم يُؤْثِروا الفلسفة على الأدب حين ترجموا ما ترجموا من آثار الأولين، وإنما ترجموا ما عرفوا وما أُتِيحَ لهم أن يترجموا. ولو أنهم عرفوا الآداب اليونانية واللاتينية كما كان ينبغي أن تُعْرَف لما قصَّروا في ترجمتها.

    وما أكثر السخف الذي يُقال عن غير بحث أو تحقيق! فالعرب لم يترجموا شعر هوميروس ولا شعر بندار، والعرب لم يترجموا تمثيل الشعراء التمثيليين إعراضًا منهم عن هذه الألوان من الأدب؛ لأنها كانت — فيما يزعم الزاعمون — وثنية لا تلائم الإسلام. كأن كل ما ترجموا من الفلسفة كان يلائم الإسلام ويطابقه ولا يخالفه قليلًا أو كثيرًا!

    ولا أعرف مقالة أشد إمعانًا في الحمق والسخف من هذه المقالة؛ فقد ترجم العرب من فلسفة الفلاسفة ما يُخالِف الإسلامَ أشد الخلاف، لم يمنعهم ذلك من ترجمته والرد عليه، وقد وُجِد بينهم في العصور الأولى من خلب لُبَّه بعضُ الآراء الفلسفية المخالفة للدين؛ فألَّفَ في ذلك الكتب وكتب فيه المقالات ونَظَم فيه الشعر، يجاهر بذلك حين تُتاح له المجاهرة ويَسْتَخْفي بذلك حين لا يكون له بد من الاستخفاء، إنما ترك العرب ترجمة الآداب القديمة؛ لأنهم لم يعرفوها حق معرفتها وهم لم يعرفوها لأن المسيحية هي التي سبقت إلى الإعراض عنها واضطرتها إلى أن تستخفي وتختبئ حتى تُستكشَف في العصور الحديثة.

    وقد كان المسيحيون كما كان المسلمون يذكرون الشعراء القصصيين والغنائيين والتمثيليين؛ لأن أسماء هؤلاء الشعراء وقعت إليهم، ولكن أولئك وهؤلاء لم يقرءوا آثار هؤلاء الشعراء؛ لأنها لم تكن شائعة ولا مألوفة عند اليونانيين في الشرق، ولا عند الذين كانوا يتكلمون اللاتينية في الغرب.

    وأنا مطمئن إلى أن العرب لو عرفوا الشعر التمثيلي اليوناني جده وهزله لترجموه، ولحاولوا أن يصنعوا مثله ولحاولوا كذلك أن ينشئوا التمثيل، وأن يجعلوه فنًّا عربيًّا أصيلًا كما ترجموا الفلسفة ثم جعلوها فلسفة عربية أصيلة.

    فالعرب إذن لم يتعمدوا الإعراض عن ترجمة الآداب القديمة وإنما اضطروا إلى هذا الإعراض اضطرارًا، وهَبْهم تعمَّدوا هذا الإعراض، فمَنِ الذي يستطيع أن يلزمنا أن نخطئ كما أخطأوا ونقصر كما قصروا — إن كانوا قد تورطوا في خطأ أو تقصير؟!

    لِيَطْمَئِنَّ الذين يريدون ترجمة الفلسفة؛ فستُتَرْجَم الفلسفة إلى اللغة العربية ما في ذلك شك، وسيُتَرْجَم قديمها وحديثها مهما تختلف مذاهبها وأوطانها؛ لأن طبيعة الحياة المصرية الحديثة تقتضي هذه الترجمة وتفرضها فرضًا، وفيمَ هذه الخصومة كلها أو فيمَ كل هذا اللغو الذي لا ينفع ولا يفيد؟!

    لقد قُلْتُ في حديث مضى إن الناس جميعًا لا يستطيعون أن يقرءوا العلم، ولا أن يصبحوا بحكم هذه القراءة علماء، وإن العلماء يُحْسِنون اللغات الأجنبية ويقرءون فيها علمهم وهم ليسوا في حاجة إلى أن يُتَرْجَم لهم، وأقول مثل هذا بالقياس إلى الفلسفة فليس كل الناس يستطيع أن يسيغ فلسفة ديكارت، وكانت، وأوجست كونت، وأمثالهم من أعلام الفلسفة في العصور القديمة والحديثة، وإنما يسيغها وينتفع بها الذين يقرءون لها من الأساتذة والطلاب وأصحاب الثقافة العليا.

    وكل هؤلاء يُحْسِن لغة أو غير لغة أجنبية، فترجمة العلم والفلسفة تستطيع أن تنتظر قليلًا حتى تُهَيَّأ لها الوسائل المادية والفنية وليس في انتظارها ضرر قليل أو كثير، ولا أعرف أحدًا يستطيع أن يجادل في أن قُرَّاء الأدب والمنتفعين به والحريصين عليه أكثر جدًّا من قُرَّاء العلم والفلسفة، وأنا حين أفكر في هذه الأشياء لا أفكر في مصر وحدها، وإنما أفكر في البلاد العربية كلها، وأفكر في كل الذين يتخذون اللغة العربية وسيلة إلى الثقافة وإلى الثقافة العليا خاصة، وأنا لا أحاول ترجمة شكسبير وغيره من أعلام الأدب والثقافة باسم الحكومة المصرية، وإنما أحاول ذلك باسم الجامعة العربية التي تعمل للعالم العربي كله.

    فليس بأس إذن من أن نبدأ بما ينفع أضخم عدد ممكن من العرب، وأن ننتظر قليلًا بما ينفع الخاصة حتى يُتاح لنا من الأسباب ما يمكننا من أن نترجم للخاصة وللكثرة معًا، ولن يطول هذا الانتظار؛ فالحكومة معنية بهذا الأمر جادَّة فيه كما لم تُعْنَ به ولم تجدَّ فيه حكومة أخرى مِنْ قَبْلِها.

    فالذين يخلصون للعلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين، والذين يحرصون على أن يكون لهم نصيب من النشاط في ترجمة العلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين أيضًا، والذين يطمعون في أن يأخذوا بحظوظهم من الألوف الخمسين أو الستين أو من مئات الألوف يستطيعون كذلك أن ينتظروا مطمئنين، فإذا كانوا لا يحبون الانتظار ولا يريدون إلا العجلة فليوجهوا إلحاحهم وتعجلهم إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم لا إليَّ أنا؛ فلستُ أَمْلِك من هذه الألوف الكثيرة أو القليلة شيئًا، ولو قد ملكتُ منها شيئًا لملأت عليهم الأرض علمًا وفلسفة وأدبًا وفنًّا، ولا أكرهتهم على أن يطالبوني بشيء من الريث والأناة لكثرة ما أفرض عليهم من الجد والجهد والنشاط.

    أما بعد، فإن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:

    قَدِّرْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَها فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلِجَا

    وأي تقدير للخطر أوجب من تقدير الوسائل المادية والفنية التي تتيح لنا الترجمة في غير تعرض لزلل أو لخلل أو توقف في أثناء الطريق؟!

  • الثوب الضيق

    الثوب الضيق
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٩ يناير ١٩٤٨

    وحياتنا المصرية أشبه شيء بالثوب الضيق البالي، الذي لا يستر جسم صاحبه كله، ولا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط!

    يقال إنَّ الشاعر العربي القديم «دريد بن الصمة» مرَّ بالشاعرة العربية القديمة «الخنساء» فرآها متبذِّلة، قد قامت إلى بعض الإبل الجرباء تطليها بالقطران غير حافلة بتبذُّلها، وقد بدت محاسنها أثناء هذا التبذُّل ففُتِن بها فتونًا، وجُنَّ بها جنونًا، وقال هذه الأبيات:

    حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبِعُوا صَحْبِيوَقِفُوا فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِيمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِكَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْبِمُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُيَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
    ولم ألقَ قطُّ أجنبيًّا زار مصر ملمًّا بها أو مقيمًا فيها، إلا تحدَّث إليَّ بجمال هذا البلد، وما فيه من فتنة للعقول والقلوب، وبفقر هذا البلد وما فيه من بؤس يملأ النفوس حزنًا وألمًا وإشفاقًا … ولم أسمع قطُّ هذا الحديث من الأجانب — وما أكثر ما أسمعه في مصر وفي خارج مصر! — إلا ذكرت هذه القصة، قصة الخنساء الحسناء التي أقبلت على إبلها تعالجها من الجرب، وقد تبذَّلَتْ فبَدَتْ محاسنها، وفتنت ذلك الشاعر العظيم القديم.

    فمصر هي الخنساء تُقبِل على عملها متبذلة فتبدو محاسنها، ولكن شيئًا آخَر يبدو مع هذه المحاسن، وهو ما يمس أهلها من الضر، وما يلح عليهم من البؤس والشقاء، والأجانب الذين يعجبون بمحاسن مصر، ويشفقون على أهلها من الضر والبؤس هم هذا الشاعر، إلا أنَّ الخنساء لم تُبْدِ إلا محاسنها، فلم تُثِرْ في نفس شاعرها إلا فتونًا وإعجابًا، فأما مصر فإنها تبدي المحاسن والمساوئ، فتسر وتسوء، وتثير الإعجاب والإشفاق معًا.

    وما أكثر ما يُخيَّل إليَّ في هذه الأيام أنَّ الحياة المصرية الحديثة أشبه شيء بالثوب الضيق البالي الذي لا يستر جسم صاحبه كله، والذي لا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط، فصاحبه لا يبسط يدًا، ولا يمد ذراعًا، ولا يأتي حركة ما إلا تمزَّق من ثوبه هذا الجزء أو ذاك، وظهر من جسمه هذا الموضع أو ذاك.

    هذه هي الحياة المصرية الحديثة، مضيقة جدًّا، مهلهلة جدًّا، وقد فُرِضت على بلد عظيم كريم، موفور الحظ من الحركة والنشاط والطموح.

    وما رأيك في بلد لم يُخلَق للبؤس ولا للفقر، وإنما خُلِق للثراء والرخاء، يشهد بذلك نيله المتدفق، وتشهد بذلك أرضه الخصبة، وأهله مع ذلك جائعون عارون مرضى، لا يأمن شرَّ الجوع والعري والمرض منهم إلا الأقلون؟! أليس هذا يدل على أنَّ الثوب المادي لمصر ضيقٌ أضيق من أن يسعها، ومن أن يستر من جسمها ما ينبغي أن يظل مستورًا، ويخفي من ضرها ما ينبغي أن يظل خفيًّا؟!

    ومصر بلد لم يُخلَق للضعة ولا للصغار ولا للهوان … تشهد بذلك آثاره القائمة التي تصوِّر تاريخه مجيدًا، ويشهد بذلك ما تحدثت به الأجيال عن مصر على اختلاف العصور، ويشهد بذلك احتفاظها بشخصيتها منذ عرفت نفسها، ومنذ عرفها التاريخ إلى الآن، على كثرة ما أصابها من المحن والإحن والخطوب، وهي مع ذلك تعيش الآن عيشة كلها ضعة وصغار وهوان، يحتل الأجنبي أرضها، ويتحكم في مصيرها، ويُسَام أهلها الخسف في عقر دارهم، لا حظَّ لهم من حرية ولا نصيب لهم من كرامة، يُحكَمون بالعصي ويُخوَّفون بما شئت وما لم تشأ من فنون الخوف.

    ومصر بلد لم يُخلَق للفوضى ولا للاضطراب ولا للفساد، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار النُّظُم السياسية، وعاش في ظل هذه النُّظُم قرونًا وقرونًا وقرونًا، وتعلَّمت منه الشعوب في العصور القديمة نظم السياسة والاجتماع، وكان من أقل بلاد الأرض ميلًا إلى العنف والاضطراب الذي يُفسِد النظام … وهو الآن يحيا حياة أقل ما تُوصَف به أنها بعيدة كل البُعْد عن الاستقرار، أهله جميعًا ساخطون قلقون، بعضهم يُظهِر الشكوى، وأكثرهم يسرُّها ويخفيها. وانظر إلى المرافق العامة وإلى الموظفين الموكلين بها، ثم حدِّثني أترى نظامًا وهدوءًا واستقرارًا، أم ترى اختلاطًا واضطرابًا وفزعًا وجزعًا؟

    ومصر بلد لم يُخلَق للجهل، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار الفنون والعلوم، وأنه حمى الحضارة الإنسانية مرتين: مرة أيام البطالمة في العصر القديم، ومرة أيام المماليك في القرون الوسطى. فانظر إليه الآن وإلى عدد القارئين والكاتبين من أهله، وإلى هذه الألوف المؤلَّفة من الصبية والشباب الذين يُرَدُّون عن المدارس ومعاهد العلم؛ لأن هذه المدارس والمعاهد ضيقة من جهة، ولأن العلم يباع بالمال، وأكثر المصريين لا مال لهم من جهة أخرى.

    والتمس ما شئتَ من وجوه الحياة المصرية، فسترى بلدًا عظيمًا كريمًا له ماضٍ مجيد، وقد مُلِئت نفوس أهله بالآمال العراض التي تلائم هذا الماضي المجيد، وليس منهم إلا مَن يتصور المستقبل المصري على أنه يجب أن يكون مجيدًا كالماضي المصري، ولكنهم على ذلك لا يقومون إلا ليقعدوا، ولا ينشطون إلا ليخمدوا، ولا يستيقظون إلا ليناموا.

    فكيف تفسِّر هذا كله أولًا؟ وكيف تخرج مصر من هذا كله ثانيًا؟ أما تفسيره فيسير، وهو أنَّ مصر أكبر من أهلها، وأجدر أن يسكنها جيل من الناس يقدِّر حقها وأملها وتاريخها، ويلائم بين هذا كله وبين سيرته.

    مصر أكبر من أهلها وأكبر من هذا الثوب الضيق البالي الذي فُرِض عليها، والذي لا يستر من جسمها إلا أقله وأيسره، ثم لا يكاد يستر هذا الجزء القليل اليسير لشدة ما أصابه من البلى.

    وأما السبيل إلى إخراج مصر من هذا كله، وردها إلى ما يلائمها من الحياة التي تسعها، فيسيرٌ أيضًا. وأي شيء أيسر من أن تنزع ثوبًا باليًا ضيقًا لتلبس مكانه ثوبًا جديدًا فضفاضًا جميلًا!

    هذا شيء يسير، يسير كل اليسر، لا يحتاج لا إلى أن تجد هذا الثوب الجديد. فمتى أو كيف يتاح لمصر أن تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل؟

  • وزارة الشعب ترد إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه

    وزارة الشعب ترد إلى الشعب
    أمواله على أحسن وجه وأنفعه
    طه حسين
    جريدة المصري
    ١٠ أغسطس ١٩٤٣

    توجه مندوبنا بوزارة المعارف إلى دار الدكتور طه حسين بك لزيارته بمناسبة قرب سفره إلى فلسطين، ولكن لا بدَّ لأي صحفي أن يستغل فرصة اجتماعه بمعجم وزارة المعارف، فقال مندوبنا: حضرنا الحفلة الصامتة التي أقامتها جامعة فاروق الأول يوم السبت الماضي تكريمًا لمعالي وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة، وكنا نودُّ لو نسمع منكم كلمة تصور شعوركم وشعور الجامعيين الفاروقيين بعد انتهاء العام الدراسي الأول. فأجاب سعادته بقوله: «ألم ترَ من ابتهاج الذين شهدوا الحفلة من الجامعيين ما يُغنيك عن الخُطَب كما أغنى غيرك من الذين تفضَّلوا فشهدوا الحفلة؟! ولكنك صحفي لا يرضيك إلا الكلام الذي تُطالع به قراءك وترضي به صحيفتك. وربما كان أصدق تصوير لشعور الجامعيين أنه شعور الرضى والأمل والثقة. فقد لقيت الجامعة الناشئة من تأييد الحكومة ومعونتها أكثر جدًّا مما كانت تنتظر، وأطمعها هذا التأييد في المزيد منه فطلبت إلى الحكومة كثيرًا، ولكنها لم ترد يومًا عن شيء طلبته ولم تسمع بعدُ كلمة «لا». وأنا واثق بأنها لن تسمعها ما دام حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيسًا للحكومة وحضرة صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي باشا وزيرًا للجامعة. والجمهور بالطبع لا يعرف إلا قليلًا جدًّا من تأييد الحكومة للجامعة الناشئة، ويكفي أن أضرب لك بعض الأمثال؛ فقد كانت ميزانية المعامل هذا العام ستة عشر ألفًا من الجنيهات، وهي كما ترى ضئيلة بالنسبة لجامعة يُراد تأثيثها، ولكني تحدثت بذلك إلى رئيس الحكومة ووزير المعارف فطمأناني. ثم أصبحت ذات يوم وإذا مجلس الوزراء يأذن لجامعتنا في أن تَشتري من أدوات المعامل ما تجِد إلى شرائه سبيلًا، ويقدِّم بين يدي هذا الإذن مبلغ خمسة وأربعين ألفًا من الجنيهات، فترتفع الأموال التي خُصصت للمعامل إلى أكثر من ستين ألف جنيه. وأكبر الظن أننا سنحتاج إلى أكثر من هذا، وأننا لن نجد من رفعة رئيس الحكومة وزملائه إلا كل عون وتأييد. وما رأيت هؤلاء الناس يواجهون أمرًا من أمور الشعب إلا ذكرت ما كان يقوله بركلاس في القرن الخامس قبل المسيح، وهو: «يجب أن تُردَّ أموال الشعب إلى الشعب». فهم يردون إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه وأضمنه للإصلاح الذي لا يذهب مع الريح، ولكنه يبقى مع الزمن، وينتج آثارًا خالدة. وأي شيء أنفع وأبقى مما ينفق على التعليم على اختلاف فروعه؟! وهل رأيت حكومة قدرت التعليم قدره وطابت نفسها بالإنفاق عليه كما فعلت هذه الحكومة؟ على أن ما فعلته الحكومة فيما يتعلق بالمعامل ليس إلا شيئًا قليلًا إذا قيس إلى ما تفعله فيما يتعلق بمباني الجامعة. وإني لن أبلغ من شكر الحكومة ومعالي وزير الأشغال خاصة ما أريد مهما أَقُلْ. ويكفي أن تعلم أن المباني التي تحتاج إليها الجامعة للسنة المقبلة قد تتكلف نحو مائة ألف من الجنيهات، ولم تبخل الحكومة بشيءٍ من هذا ولن تبخل بأكثر منه إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنها تعلم أن خير الادِّخار هو الإنفاق في سبيل التعليم. ذلك فضلًا عمَّا تحتاج إليه هذه المباني من جِدٍّ وحزم وإسراع في العمل حتى لا يتأخر بَدءُ العام الدراسي عن أوانه. وهنا يكفي أن نذكِّر وزير الأشغال ونذكُر البيت العربي القديم:
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنَبِّهْ لها عمرًا ثم نَمْ
    وقد نبهنا وزير الأشغال لحاجة الجامعة، ولكننا لن ننام، وإنما نتفرغ للراحة والاستجمام على حين يتعب هو ويجِد. فإذا عدنا أول العام وجدنا الجامعة قد استوفت ما كانت تحتاج إليه. ألست ترى أن الذين يقدمون إلى الجامعة مثل هذه المعونة خليقون بالشكر والتقدير في الحفلات الصامتة والحفلات الناطقة جميعًا؟»
    وسأله مندوبنا عن الغرض من إنشاء معهد الآداب والفنون، وصلته بين الهيئات العلمية المختلفة بمصر وبينه وبين الحكومة. فأجاب بقوله: «إن الغرض من هذا المعهد تنسيق البحث العلمي والإنتاج الأدبي والفني في مصر، وإظهار الشعب المصري والبلاد العربية على نتائج النشاط العقلي في مصر. وواضح أن هذا كله لا يتأتَّى إلا بالاجتماعات المنظمة والمحاضرات التي تُلقى بين حين وحين والمجلات والنشرات المختلفة التي تُنشر بنظام. وسيتألف المعهد من شُعَبٍ خمس، سيكون لكل واحدة منها وجودها الخاص ومجلتها ومحاضراتها، وهي شعبة العلوم وشعبة الطب وشعبة الآداب وشعبة العلوم السياسية والتشريعية، وشعبة الفنون الجميلة. وسيكون اتِّصال المعهد وثيقًا بالجامعتين والهيئات العلمية المختلفة. وسيكون له حق منح الإجازات والإعانات للباحثين أفرادًا وجماعات. وسيشير المعهد على الحكومة في كل ما تستشيره فيه، ويرفع إليها ما يعرض له من الرغبات والاقتراحات التي تمَس حياة العلم والعمل جميعًا. أمَّا موعد إنشائه فسيكون في أول الدورة البرلمانية بمشيئة الله، ولولا أحداث السياسة التي شغلت الحكومة والبرلمان لتمَّ إنشاؤه في الدورة الماضية، فقانونه مُعَدٌّ لم يبقَ إلا أن يُرسَل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء لاستصدار المرسوم الملكي لعرضه على البرلمان.»
    مجمع اللغة العربية وسأله مندوبنا عمَّا يُراد إدخاله من تعديل على نظام مجمع فؤاد الأول للغة العربية. فقال سعادته إن الفكرة الأساسية هي تقوية المجمع وترقيته وزيادة حظِّه من الاستقلال، وتمكينه من أن يفرغ لما أُنشئ له من المحافظة على سلامة اللغة العربية، ووضع ما تحتاج إليه من المعاجم. وسيستفيد المجمع فائدة محققة من إنشاء المعهد المصري للآداب والفنون؛ لأن هذا المعهد سيضع علم وفن ما يحتاج إليه من الاصطلاحات، يقوم بذلك الأخصائيون من العلماء والفنانين، فيُسهِّل مهمة المجمع اللغوي ويحصرها في الناحية اللغوية الخالصة. فأنت ترى أن التعاون بينهما سيكون متصلًا ومنتجًا.
    التعليم الحر وسأله مندوبنا عن مشروعات التعليم الحر. فقال سعادته إن ما يستطيع أن يقوله الآن عن التعليم الحُرِّ هو أن مشروع القانون الجديد للتعليم الحر مُهيَّأٌ للعرض على البرلمان، وهو الآن بين يدي حضرة صاحب المعالي وزير المعارف. وهو يضمن ثلاثة أشياء أساسية؛ الأول: تمكين الدولة من الإشراف على التعليم الحر كله لترقيته وتقويته، وجعله ملائمًا لتعليم الدولة. والثاني: حماية حقوق المعلمين وتيسير الأمر لهم بحيث لا تكون حياتهم عُرضة للاضطراب. والثالث: تمكين هذا التعليم من أن يكون مساعدًا حقيقيًّا لوزارة المعارف فيما ترمي إليه من نشر التعليم والثقافة في جميع طبقات الشعب إلى أبعد حدٍّ ممكن.
    شئون أخرى وسأله مندوبنا عن مشروعات أخرى تتعلق بالتعليم الفني وتعديل المناهج في التعليم العام. فقال: دع هذا إلى شهر سبتمبر المقبل …

  • ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم

    ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٩ فبراير ١٩٤٠

    أنشأت وزارة المعارف العمومية في حركتها التجديدية الأخيرة مراقبة جديدة سمَّتها «مراقبة الثقافة العامة»، واختارت لرئاستها الأستاذ النابغة الدكتور طه حسين بك. وقد قابله مندوب المصور، وسأله عن الغرض من إنشاء هذه الرقابة وبرنامجها وأهدافها في خدمة الثقافة العامة، فتفضل عزته بالحديث الآتي:

    لوزارة المعارف في نشر الثقافة مهمتان: مهمةُ نشرِها في مدارسها الخاصة والمشرفة عليها، ومهمة نشرها وتنظيمها خارج هذه المدارس. وقد بَقِيَتْ هذه المهمة الأخيرة بلا تحديد ولا تنظيم ولا أهداف معينة، مع أنها أخطر من المهمة الأولى، وأكثرها ارتباطًا بالأمة وهيئاتها وبالأمم الأخرى، فأرادت الوزارة أن تتلافى هذا النقص، وأن تضع حدودًا تُمَكِّنها من خدمة الثقافة العامة على أحسن الوجوه وأصحِّها غرضًا وأضمنها إنتاجًا؛ فأنشأت هذه الرقابة، وجعلت تحت إدارتها قسمين: قسم الترجمة والإحصاء، وقسم التعاون الثقافي.

    ولأدعك من هذا التنظيم الإداري الذي ما زلت أُعنَى به؛ لأحدِّثك عن التنظيم الثقافي. فالواقع أننا في حاجة إلى تنظيم الثقافة العامة، وفي حاجة إلى تحديدها، بل إلى توحيدها إذا أمكن هذا التوحيد. فجميع الجهود المبذولة فيها مبعثَرة، والأعمال الجارية بها تكاد تكون فوضى، وخدمات وزارة المعارف فيها غير منظَّمَة، وأغراضها منها غير معروفة. وهذا التنظيم الثقافي يتناول داخِلَ البلاد وخارجها. فعندنا في مصر جمعيات علمية وأدبية ولجان التأليف والترجمة والنشر. وهذه الهيئات تعاونها وزارة المعارف كل عام بنحو «١٥ ألف جنيه». ولا ريب أنها تقوم بواجبها في خدمة الثقافة العامة، ولكن جهودها غير منظَّمَة، وإنتاجها غير محدود. فلو أمكن تنظيم جهود هذه الجمعيات لاستطعنا أن ننشئ منها مجمعًا علميًّا عامًّا لا يقل عن المجمع العلمي في فرنسا. فعندنا في مصر ثروة علمية وأدبية لا ريب فيها، ولكنها كما قلت غير منظمة، والإشراف عليها غير موجود. ولست أدَّعي أننا في ثروتنا الفكرية كفرنسا وإنجلترا، ولكنني أقول إننا لسنا أقل من بلجيكا وإسبانيا واليونان، بل لسنا أقل من إيطاليا في ثروتنا العلمية والتاريخية.

    وقد قامت الحرب ومجمع فؤاد الأول للغة العربية على أبواب افتتاح دورته السنوية، فاعتذر بعض أعضائه في الخارج. فرأى المجمع تأجيل دورته، ورأت وزارة المعارف في هذا التأجيل ما يُفوِّت الغرض من قيام هذا المجمع، فعهدت إلى رقابة الثقافة العامة في تنظيم العضوية فيه؛ بحيث تكون أكثريته العامة في مصر حتى نتابع أعماله على الدوام، وحتى نكون أسرع إنتاجًا.

    ***

    وقد رأت رقابة الثقافة العامة أن دراسة التاريخ المصري القديم والتاريخ العربي في مدارس الوزارة يكاد يكون مقصورًا على الكتب، فاقترحت أن يقوم رجال المُتحف المصري ودار الآثار العربية بإلقاء محاضرات فيهما على المعلمين؛ ليقوموا هم بإلقاء دروسهم على طلابهم بين آثار هذين المُتحفين. وقد شرعت الوزارة في العمل بهذا الاقتراح، ويقوم رجال الآثار الفرعونية والعربية بإلقاء هذه المحاضرات.

    ***

    أمَّا إحياء التراث العربي، فقد اقترحت أن تضاعِف دار الكتب المصرية عنايتها بإخراج نفائس العلوم والفنون العربية، ونقل نفائس المؤلَّفات الأجنبية وطبعها في مطبعتها التي تُعَدُّ من أرقى المطابع. وقد صادف هذا الاقتراح عناية معالي وزير المعارف العمومية واهتمامه الكبير. كما اهتم معاليه بالعمل لإنشاء فرقة مصرية للموسيقى الأجنبية تحل محل الفرق الأجنبية التي تستدعيها الوزارة كل عام للعزف والتمثيل بدار الأوبرا الملكية، وتُنفِق عليها ستة آلاف جنيه، فعندنا الآن طائفة من المصريين والمصريات يُتقِنُون هذه الموسيقى، كما عندنا طائفة يستطيعون التمثيل باللغة الأجنبية، ويستطيعون أن يكفوا حاجة الأجانب في مصر. وقد لا يمضي وقت طويل حتى تكون هذه الفرقة قد أُنشِئت.

    ***

    هذه بعض نواحي تنظيم الثقافة العامة في داخل البلاد، أمَّا تنظيمها في الخارج، فلمصر عَلاقات ثقافية بالأقطار الشرقية والبلدان الغربية. فالأقطار الشرقية ترسل الآن بعوثها من الطلبة إلى المعاهد المصرية، كما تستدعي بعض المعلِّمين المصريين للتدريس في معاهدها. ولما كانت برامج التعليم في هذه المعاهد تختلف كثيرًا عن برامج التعليم في مصر؛ فقد جعلت المعاهد المصرية تشترط شروطًا معينة في البعثات الشرقية، وتُجري بين طلبتها امتحانات خاصة. كما أن إيفاد المعلِّمين المصريين إلى الأقطار الشقيقة يحتاج إلى تنظيم خاص. لذلك كان من مهمة رقابة الثقافة العامة أن تُعنى بهذا التنظيم، وأن تهتم بتقريب المناهج بين الأقطار العربية حتى يسهُل التعاون، ويؤدي إلى الوحدة العربية المنشودة.

    ***

    أمَّا أوروبا، فقد أخذت مصر منذ زمن طويل تستدعي بعض علمائها وأساتذة جامعاتها للدراسة في معاهدها، وتأخذ عنها بعض نُظُمِها، وتتبادل معها الشئون الثقافية، وترسل مندوبيها لحضور مؤتمراتها العلمية، كما ترسل بعض البلدان الأوروبية علماءها لحضور بعض المؤتمرات العلمية في مصر. فهذه العلاقات الثقافية بيننا وبين أوروبا في حاجة إلى تنظيم، وإلى عناية خاصة؛ حتى لا تظهر مصر أمام البلدان الراقية بمظهر يحط من شأنها، ويجعل الغربيين ينظرون إلى حركتنا العلمية نظرة لا تتفق وما أخذته وزارة المعارف على عاتقها من تقدُّم النهضة العلمية والأدبية وخدمة الثقافة العامة على أكمل الوجوه، وأحسن النُّظُم التي تضمن المحافظة على كرامة البلاد.

  • في المجمع اللغوي

    في المجمع اللغوي
    طه حسين
    جريدة المصري
    ١٥ مايو ١٩٣٧
    لست أرى بأسًا بالرجوع إلى حديث المجمع اللغوي بعد أن أعرضت عنه منذ أسابيع، وبعد المقال الممتع الذي نشرته السياسة الأسبوعية لصديقي هيكل يوم السبت الماضي؛ فقد يقال: إن مجلس الشيوخ سينظر قانون المجمع بعد أيام، وقد يكون من الحق، بل من الواجب أن يعرض الذين لهم رأي في المجمع مذهبهم على الشيوخ قبل النظر في هذا القانون، لعل الله عز وجل أن يُوفِّق شيوخنا إلى ما لم يُوفَّق إليه نُوَّابُنا، وإلى ما لم يُوفِّق إليه الحكومة التي أنشأت هذا المجمع، فيضعوا الأمر في نصابه، وينشئوا للغة العربية مجمعًا ينفعها ولا يضرها، ولمصر مجمعًا يزينها ولا يشينها، أو يريحوا أنفسهم ولغتهم وبلادهم من هذا الحديث الذي يمكن الإعراض عنه دون أن تقف حركة الفلك، أو تطلع الشمس من مغربها.
    وقد يخيل إلي أن من أخص منافع الديمقراطية أنها حين تجعل أمر الشعب إلى الشعب تبيح للناس أن يُبصِّروا شيوخ الشعب ونوابه بما ينبغي أن يبصروا به من الأمور العامة، التي لم ينفقوا أوقاتهم فيها، ولم يقفوا جهودهم عليها، والتي لا بد من أن يقضوا فيها عن بصيرة وروية، لا عن محاكاة وتقاليد.
    وقصة المجمع اللغوي في مصر كقصة كثير من المنشآت المصرية لا تخلو من بعض العجب؛ فقد كان الشعور بالحاجة إلى تنظيم العناية باللغة العربية قويًّا جدًّا منذ عهد بعيد، وقد كانت محاولات لإيجاد هذا المجمع الذي يُعنى باللغة، ويحافظ على سلامتها، ويجِدُّ في تنقيتها. وكان الطبيعي أن ينتهي ذلك الشعور وتنتهي هذه المحاولات إلى أن ينشأ المجمع ملائمًا أشد الملاءمة للحاجة التي دعت إلى إنشائه والتفكير فيه.
    ولكن مصر كما تعلم، أيها القارئ الكريم، مرضت في بعض أوقاتها بمرض الأبهة، وتكلف الفخامة والضخامة، والتماس مظاهر العظمة الكاذبة لتخيل إلى نفسها وإلى الناس أنها قد بلغت من أطوار الرقي ما بلغته الأمم الأوروبية التي تسود العالم وتسيطر عليه. والغريب أن هذا المرض بارع جدًّا في استغلال الشعور، وانتهاز الفرص، وتسخير الميول الطبيعية للوصول إلى هذه العظمة المتكلفة، والأبهة المتصنعة، والزخرف الذي لا يغني شيئًا ولا يدل على شيء.
    شعرت مصر بالحاجة إلى العناية باللغة، فانتهز هذا المرض فرصة هذا الشعور واستغلَّه، وخيل إلى مصر أنه سينشئ لها مجمعًا يُعنى باللغة، ثم أنشأ لها مجمعًا أقل ما يوصف به أنه لا يستطيع على حاله التي أنشئ عليها أن ينفع اللغة قليلًا ولا كثيرًا، وقد يستطيع أن يضرها ضررًا بعيد الأثر.
    ذلك أن هذا المرض الذي أنشأ المجمع اللغوي سنة ١٩٣٢ لم ينظر إلى حال اللغة العربية ولا إلى حاجتها، ولا إلى طاقة أصحابها نظرًا مفصلًا دقيقًا، وإنما نظر إلى أوروبا بإحدى عينيه، وإلى الشرق العربي بعينه الأخرى، وأراد أن يقول لأهل الغرب: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامعكم، وأن يقول لأهل الشرق: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامع الأوروبيين ليس للشام مثله ولا للعراق.
    أراد أن يكون هذا المجمع دعاية، ودعاية تلائم مكانة مصر من أهل الشرق وأهل الغرب جميعًا، فمصر جزء من أوروبا، وإذن فيجب أن يكون مجمعنا كمجامع أوروبا، ومصر زعيمة البلاد الشرقية العربية، فيجب أن يكون مجمعها زعيم المجامع اللغوية العربية. يجب أن يكون هذا المجمع عمارة من هذه العمارات الضخمة الفخمة التي تنطح السحاب، وتبهر الألباب، ولا تستطيع العين أن تقع على مصر دون أن تقع عليها. وليس المهم أن تكون هذه العمارة نافعة مجدية، ولكن المهم أن تكون خلابة رائعة تُخيِّل إلى الأوروبيين أننا مثلهم، وتُخيِّل إلى الشرقيين أننا سبقناهم إلى ما لم يصلوا إليه، ولم يطمعوا فيه.
    ونحن نستطيع أن نبهر الغربيين والشرقيين جميعًا، وأن نلقي في روعهم أننا قادرون لا على أن نأتي بما يعجز عنه الشرق وحده، بل على أن نأتي بما يعجز الغرب نفسه أيضًا.
    ولذلك نستطيع أن ننشئ مجمعًا لا يكون مقصورًا على مصر والمصريين، بل يكون شائعًا بين الشرق والغرب جميعًا، مجمعًا مختلطًا كالمحاكم المختلطة لا يساهم فيها قضاة من الشرق، وإنما يساهم فيها قضاة غربيون مصريون، فأما المجمع اللغوي فيجب أن يكون أشد اختلاطًا من المحاكم المختلطة، يجب أن يساهم فيه المصريون بالنصف، والنصف كثير، وأن يقسم النصف الثاني بين الشرق والغرب قسمة سواء عدلًا. ونحن قوم منصفون، ومنصفون من أنفسنا قبل أن ننصف من غيرنا، فلا ينبغي أن يزيد عددنا في المجمع على النصف حتى لا تكون لنا الكثرة التي تمكننا أن نقضي في أمور المجمع كما نحب.
    وكذلك استصدرت الحكومة التي كانت قائمة في ذلك الوقت الحلو اللذيذ مرسومًا ملكيًّا ينشئ المجمع اللغوي، وتمدحت بهذا المجمع في خطبة العرش التي أُلقيت أمام البرلمان.
    وأظرف من إنشاء المجمع على هذا النحو أن البرلمان الذي كان قائمًا في ذلك الوقت الحلو اللذيذ رضي عنه كما رضيت الحكومة، وصفق له كما صفقت الحكومة، ولكن الشعب الذي كان في ذلك الوقت سيئ الخُلق، مُرَّ الطبع، منحرف المزاج لقي المجمع مُتَجهمًا له، متبرمًا به، ساخطًا عليه، وقال الفلاسفة والحكماء وأصحاب الرأي الأصيل في ذلك الوقت: إن هذا الشعب المصري مُترف مُدلل، وجاهل مُغفل، لا يُرضيه شيء، ويجب ألا يُستشار في شيء، ويجب أن يُفرض الخير عليه فرضًا، وأن يُؤخذ بالإصلاح، رغم أنفه؛ لأن أنفه لم يُخلق إلا للرغم، ولأنه قاصر إن خُلِّي ونفسه لم يجد إلى الخير سبيلًا.
    وكذلك أنشئ المجمع اللغوي في تلك الظروف الغريبة، فكان يعمل على هامش الحياة المصرية، أو قل إن شئت: كان يعمل على هامش الحياة الأدبية واللغوية.
    وقد أرادت هذه الظروف الغريبة أن يكون كثير من الذين كان يمكن أن يشيروا في أمر المجمع اللغوي من خصوم الحكومة التي كانت قائمة، ومن أضدادها ومُقاوِميها، فلم يكن بدٌّ من أن يخفى أمر المجمع عليهم ويُسترَ دُونَهم، ومن أن يفاجئوا به مفاجأة — إن صح هذا التعبير.
    ولقد أذكر أن وزير المعارف في ذلك الوقت السعيد أراد أن يستشير في أمر المجمع بعض المستشرقين الذين كانوا يعملون في كلية الآداب، وكنت لها عميدًا، فدعاهم إليه، وسمع منهم وقال لهم، فلما خرجوا من عنده ألقى إليهم مَن ألقى أن من الخير ألا يتحدثوا في ذلك إلى عميد كلية الآداب، ولكنهم مع ذلك تحدثوا مع العميد، وأظهروه على ما قالوا وما سمعوا.
    ولم يكن بُدٌّ في تلك الظروف من أن يكون تأليف المجمع سياسيًّا، كما كان إنشاؤه سياسيًّا، وعلى ذلك طبع المجمع بذلك الطابع الرجعي، وكانت له في ذلك أُسوة حسنة بالمجمع اللغوي الفرنسي؛ فقد أنشئ إنشاء سياسيًّا، وأُلِّف تأليفًا سياسيًّا، وطبعه ريشيليو، زعيم السلطة الفردية، بطابعه القوي، وظل صورة قوية للرجعية حتى ألغته الثورة الفرنسية وأنشأت مكانه المجمع العلمي.
    وقد أعيد المجمع اللغوي الفرنسي بعد أن هدأت حِدَّة الثورة، ولكنه ظل إلى الآن أقرب إلى المحافظة منه إلى التجديد.
    كل هذه ظروف خارجية أحاطت بإنشاء المجمع اللغوي فلم تهوِّن أمره ولم تُيسِّر مهمته، ولم تجعله إلى الشعب حبيبًا، ولا على قلب الشعب خفيف الروح، فإذا نظرنا إلى الظروف الداخلية التي كوَّنت المجمع، ورسمت له طريقه العملية لم نجدها خيرًا من الظروف الخارجية؛ فقد طُلب إلى المجمع ما لا يستطيع، وفُرض عليه ما لا يُطيق. وليس في هذا شيء من الغرابة؛ لأن إنشاء المجمع لم يكن جدًّا في حقيقة الأمر، وإنما كان دعاية وسياسة وزينة وتخييلًا.
    فلم يكن من المهم أن يعمل، وإنما كان المهم أن يوجد وكفى، غير أن المجمع لم يكتف بالوجود، وإنما أراد أن يعمل ليثبت أنه خليق بهذا الوجود الذي وُهب له وفُرض عليه، ولم يكد يبدأ في العمل حتى وجد نفسه أمام عقبات ليس إلى تذليلها من سبيل، فأخذ يضطرب ويختلط ويدور حول هذه العقبات دون أن يستطيع لها اجتيازًا. وإنك لتنظر في مجلته فترى دلائل الاضطراب والاختلاط أوضح وأجلى من أن تحتاج إلى تفصيل.
    إن المعلم يُعرِّض نفسه للسخرية إذا طلب إلى وزير الأشغال أن يَعهد إليه ببناء القناطر وإقامة الجسور، ويُعرِّض نفسه للبيمارستان إذا طلب إلى وزير الصحة أن يعهد إليه بمعالجة التيفوئيد أو الملاريا أو البلهارسيا — ما دام الناس يتحدثون عن الأستاذ بلهرس في هذه الأيام — ويُعرِّض نفسه لا أدري لماذا إذا طلب إلى وزير الحربية أن يعهد إليه بتمرين الجند وقيادتهم إلى الميادين.
    ما أظنك تناقش في ذلك أو تنكره، ومع ذلك فقد فُرض على المعلمين الذين أُلِّف منهم المجمع أن يكونوا علماء بالهندسة والطب والإدارة والحرب وما شئت وما لم تشأ من العلوم التي سمعوا بها، والتي لم يسمعوا بها ولا في المنام.
    وقيل لهم: أيها السادة، أنتم تعرفون اللغة العربية وتحسنون علومها كما كان يعرفها ويحسن علومها علماء البصرة والكوفة في القرنين الثالث والرابع للهجرة، أو على نحو ما كان يعرفها ويحسن علومها هؤلاء الأئمة في البصرة والكوفة؛ فقد جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء بالطب وفروعه على اختلافها، وبالرياضة وأشكالها وألوانها، وبالطبيعة والكيمياء، وبعلوم الحياة وبالفنون الجميلة، وبكل ما وعى العقل الإنساني، وما أنتج العقل الإنساني، وبكل ما أحس القلب، وبكل ما أثر في الشعور، وبكل ما ينتج عن إحساس القلب وتأثُّر الشعور. ويجب أن تعلموا ذلك علمًا صحيحًا دقيقًا مفصلًا متقنًا، يُمكِّنكم من التعبير عن هذه العلوم بألفاظ صحيحة دقيقة مطابقة، لا تخطئها ولا تنحرف عنها، وهي مع ذلك تلائم اللغة العربية الفصحى أصح الملائمة وأدقها وأجلاها.
    وكان الذين قالوا لهم هذا القول مازحين في أكبر الظن؛ لأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يظنوا أن هذا ممكن، ولأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يحسبوا أن الرجل يستطيع أن يسمي اصطلاحات العلوم تسمية مصيبة موفقة دون أن يتقن هذه العلوم إتقانًا … كانوا مازحين في أكبر الظن لأنهم لم يكونوا يريدون إلا سياسة ودعاية.
    ولكن اللعب قد يجر الجد كما قال أبو نواس؛ فقد مزح الذين أنشئوا المجمع، ولم يفهم المجمع عنهم هذا المزاح، أو لم يُردْ أن يفهمه عنهم، وأراد أن يكون عالمًا بكل شيء، قادرًا على تسمية كل شيء، ونسي أن آدم حين سمى الأشياء كلها لم يسمها من عند نفسه، وإنما علَّمه الله الأسماء كلها.
    ومهما يكن من شيء فقد اجتهد المجمع في أن يسمي الأشياء، سواء منها ما يتصل بالعلم، وما يتصل بالعمل، وما يتصل بالبدع أيضًا؛ فألَّف اللجان، وقسَّم بينها العلم والمعلوم، والوجود والموجود، وكلف كل لجنة بأن تصعد في السماوات العُلى إن شاءت، وأن تهوي إلى الأرضين السفلى إن أحبت، ولكن يجب أن تجد الأسماء للأشياء، تنزل بها من أعلى أو تصعد بها من أسفل، ولكن لا بد من أن تُوجِد هذه الأسماء لهذه الأشياء، وإلا كان وجود المجمع عبثًا، وإنشاؤه لعبًا، وإنفاق المال عليه تبذيرًا.
    وكذلك أخذت اللجان تعمل، ثم استيقنت أنها في حاجة إلى من يعلمها العلم الذي لم تُحصِّله، فدعَت المستشارين، واختلف إليها الأطباء والطبيعيون وأصحاب الكيمياء وأصحاب الفن، ومن شئت ومن لم تشأ من الأخصائيين، وجعل كل واحد من هؤلاء المستشارين يبيع هذه اللجان علمه بثمن بخسٍ قروش معدودة، فقد كان الاصطلاح، فيما حدثني المحدثون، يُباع بخمسة وعشرين قرشًا، وكان المستشار يأتي بالكلمة الإنجليزية أو الفرنسية من اصطلاحات العلم أو الفن فيترجمها للجنة ترجمة مقاربة، حتى إذا فهمت اللجنة عنه، أو خيل إليها أنها فهمت، جعلت تبحث وتستقصي وتنقب وتُروِّي حتى تجد كلمة عربية تظن أنها تصلح للتعبير عن هذا المعنى الذي يُخيِّل إليها أنها فهمته.
    وأبرع من هذا وأروع، أن الذين أنشئوا المجمع جاءوا بقوم يحسنون طائفة من العلوم، ولكنهم لا يحسنون اللغة العربية، وقالوا لهم: أيها السادة، أنتم تحسنون هذا العلم أو ذاك، ولذلك جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي منذ هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء باللغة تحسنونها وتتقنون علومها كما كان يحسنها الخليل وسيبويه، وكما كان يتقنها الفراء وثعلب، ثم سموا ما تعلمتم وأحسنتم من العلم بما لم تتعلموا وتحسنوا من اللغة.
    وكذلك أصبح أمر المجمع عجبًا: قوم يحسنون اللغة ولا يحسنون غيرها يقال لهم: كونوا علماء وسموا ما لا تعلمون بما تعلمون، وقوم يحسنون بعض العلم ولا يحسنون اللغة يقال لهم: كونوا لُغويين وسموا ما تعلمون بما لا تعلمون. ومصدر هذا الخلط الظريف أمران؛ أحدهما: أن الذين أنشئوا المجمع كانوا يلعبون ويدعون إلى لون من ألوان الحكم، وفن من فنون النظام السياسي، والآخر: أن الذين أنشئوا هذا المجمع لم يكن لهم علم صحيح، لا بالعلوم التي يُراد أن تُسمَّى، ولا باللغة التي يُراد أن تُسمَّى بها، فنشأ عن ذلك ما ترى في مجلة المجمع من هذه الأسماء الكثيرة التي لا تلائم علمًا ولا لغة، ولا تحقق حاجة من حاجات العصر، ولا تصادف هوى من أهواء الكُتَّاب والشعراء، والتي كلفت الدولة أموالًا تستطيع وزارة المالية أن تحصيها، وكلفت رجال المجمع جهودًا يستطيعون أن يحتسبوها عند الله عز وجل.
    ذلك أن حكومتنا تلك كانت تعيش في القرن العشرين، وتعمل كما كان يعمل ريشيليو في القرن السابع عشر، وتجهل أن بينها وبين ريشيليو ثلاثة قرون تغيَّر فيها كل شيء، وتجهل أن المجمع الفرنسي لم يكد ينشأ في باريس حتى نشأت من حوله مجامع علمية أخرى مضت جادة في ترقية العلوم وتسميتها، واضطرته هو إلى أن يكون مُسَجِّلًا ليس غير.
    نعم وكانت حكومتنا تلك تعيش في القرن العشرين وتجهل أن اللغة لا تُشرَّع بالقوانين، ولا تُفرَض بالمراسيم، وإنما تَنبُت في البيئات التي تحتاج إليها، تَنبُت في مكتب العالِم ومَعمَل المُجرِّب ومَصنَع الصانع، وتنبت في الشارع والحقول أيضًا، ويصقلها الاستعمال ويذيعها ويشيعها ويفرضها على المجمع اللغوي؛ فإذا هو يُسجلها في المجمع، ويضع لها القيود والحدود.
    ولم تكن حكومتنا تلك تجهل هذا وحده، وإنما كانت تجهل معه أشياء كثيرة أخرى، وقد أقامت المجمع على ما تجهل لا على ما تعلم؛ فنشأ مُشوَّهًا عقيمًا مقضيًّا عليه بالإخفاق.
    وكان أخص ما تمتاز به وزارة المعارف في ذلك الوقت أنها كانت تعرف أوائل الأشياء، وتجهل أوساطها وأواخرها، وكانت تعرف أسماء الأشياء وتجهل معانيها وحقائقها … قيل لها: إن اللهجات شيء حلو جميل تحسن العناية به، تُعنى به الجامعات والمدارس في أوروبا، ويَكلَف به المستشرقون، فقالت: ما دامت اللهجات حلوة؛ فلنأخذ منها بطرف، ولنذق منها نصيبًا، ثم جعلت من أغراض المجمع أن يُعنى باللهجات الحديثة في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولم تسأل نفسها، وما كانت تستطيع أن تسأل نفسها، عن معنى هذه العناية، ولا عن مداها، ولا عن نتائجها.
    ولم يخطر لها أن المجمع الذي يحافظ على سلامة اللغة الفصحى ليس من شأنه أن يدرس اللهجات العامية. سمِعتْ ذِكْر اللهجات فأحبت هذا الاسم ووضعته في المرسوم الذي أنشأت به المجمع، وقالت للمجمع: أنت وما تريد، أو أنت وما تستطيع! ولم يُرِد المجمع شيئًا، ولم يستطع المجمع شيئًا إلى الآن في أمر اللهجات، وإن كان يُظهِر الحِرْص عليها، ويخاف أن يَخطفَها منه البرلمان خطفًا.
    وأبرع من هذا كله وأروع، أن الحكومة طلبت إلى المجمع أن ينشئ مُعْجمًا، وصدَع المجمع بهذا الأمر، ولكنه لم يشرع في إنشاء المعجم إلى الآن؛ لأنه يريد أن يستهبط الاصطلاحات من السماء، أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل، وقد يئست الحكومة من هذا المعجم بعد أن انتظرت البدء فيه أربعة أعوام، فهَمَّتْ بإنشائه وزارةُ المعارف في العام الماضي، وتلطَّف وزير المعارف يومئذٍ، الأستاذ علوبة باشا، فأشرك المجمع في أمر هذا المعجم.
    وقبِلَ المجمعُ كارهًا هذا الاشتراك؛ لأنه لم يجدْ منه بدًّا، وما كاد الوزير يتخلى عن الوزارة حتى لجأ المجمع بمرسومه إلى الوزير القائم، وقال له: أنصفني؛ فقد ظلمني سلَفُك، واردُدْ عليَّ مُعْجمي؛ فقد غصبته وزارة المعارف، واجْعَلْه لي خالصًا من دون الناس، فقد أشرك فيه الوزير السابق من ليس من المجمع في قليل ولا كثير.
    واستجاب الوزير القائم لرئيس المجمع فألغى لجنة كانت بدأت في العمل بالفعل، ورد المعجم إلى المجمع في شهر يوليو الماضي، ولكن المجمع لم يصنع شيئًا إلى الآن، وتأخر المعجم سنة أخرى؛ لأن المجمع لا يستطيع أن يشرع فيه قبل أن يضع الاصطلاحات، يستهبطها من السماء أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل؛ فلا بد من الانتظار.
    والدولة في أثناء هذا كله تنفق المال وتنفق المال، ولا نجني إلا هذه المجلة التي يُصدرها المجمع، والتي يعرفها بعض أعضائه وينكرها بعضهم الآخر إنكارًا شديدًا.
    ثم أراد وزير المعارف القائم أن يَردَّ الأمر إلى نصابه، وأن يعيد النظر في نظام المجمع، وأن يعرض أمره على البرلمان، فوضع للمجمع قانونًا رجع فيه إلى المجمع نفسه؛ لأنه رجل دستوري، وكان قاضيًا قبل أن يكون وزيرًا، فلم يُرد أن يشعر المجمع بأنه مظلوم.
    وحافظ المجمع على نظامه القديم؛ لأنه يحبه أشد الحب، ويَكلَف به أعظم الكلف، ولكن الوزير القائم لم يذُق اللهجات الحديثة كما ذاقها وزير التقاليد، فحذفها من القانون الجديد، وعني بإحياء الأدب القديم لأنه المادة التي يؤخذ منها المعجم اللغوي والمعجم التاريخي جميعًا.
    فغضب المجمع، وامتلأ قلبه حزنًا وأسفًا، وشكا إلى مجلس النواب، واستعان ببعض النواب، وخيل إليهم ما خيل، وزين لبعضهم ما زين، وإذا القانون يَرِدُ في مجلس النواب كما أرادته الحكومة التي أنشأت المجمع، وكما أراده المجمع القائم نفسه، ولكن على غير ما تريده مصلحة العلم، وعلى غير ما تريده كرامة مصر العقلية؛ فما زال المجمع كما أنشأه مجلس النواب مُكلَّفًا أن يعلم غير ما يجهل، وأن يضع الاصطلاحات لعلوم ليس له منها حظ قليل أو كثير، وما زال المجمع مكلفًا أن يدرس اللهجات العامية، ويحافظ على سلامة اللغة الفصحى، ويجمع بين هذين المتناقضين؛ لأن الله عز وجل قادر أن يجمع العالم في واحد كما قال أبو نواس.
    وقد عُرض قانون المجمع الآن على مجلس الشيوخ، فليأذن لنا النواب المحترمون في أن نصارحهم بأنهم قد أخطئوا وتعجلوا، أو كان يجب أن يلتمسوا الصواب وتعجلوا، وليأذنوا لنا في أن نقول لهم: إن مصلحة اللغة وكرامة مصر تفرضان عليهم أن يعيدوا النظر في هذا القانون تفصيلًا، وأن يرفعوا عن المجمع عبء الاصطلاحات العلمية؛ فليست من شأنه، وليس هو قادرًا عليها، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يفرض على الأفراد والجماعات إلا ما يطيقون، وأن يريحوا المجمع من اللهجات العامة؛ فليست من شأنه ولم يُخلق لها، والسيفانِ لا يُجمعان في غمد، والماء والنار لا يجتمعان؛ فإن كنا نريد اللغة العامية فلننشئ لها مجمعها، ولنترك اللغة الفصحى للذين يحسنون درسها، ويعرفون كيف ينتفعون بهذا الدرس.
    نعم، وليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نطلب إليهم أن يعيدوا النظر في النظام الإداري للمجمع، ولسنا نريد أن يُرَدَّ المجمعُ مصريًّا خالصًا كما كان ينبغي أن يكون، فالمصريون ينتفعون دائمًا بمعاونة العلماء الشرقيين والمستشرقين، ولكننا نريد أن تكون أمور الإدارة في المجمع إلى المصريين، وإلى المصريين وحدهم: هم الذين ينتخبون، وهم الذين ينتخبون — بالكسر والفتح.
    فأما الزملاء الشرقيون والمستشرقون فيشاركون في العلم وحده، ثم ليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نُخيِّرهم بين اثنتين، فإن كانوا يريدون مجمعًا لُغويًّا، فأغراض هذا إنما هي إنشاء المعجم اللغوي والمعجم التاريخي، وإحياء الأدب القديم، وتشجيع الإنتاج الأدبي الحديث، وإن كانوا يريدون وضع اصطلاحات العلوم، فسبيلهم إلى ذلك العدول عن المجمع اللغوي، وإنشاء المجمع العلمي ذي الشُّعب المختلفة، كما هو موجود في فرنسا، على أن يكون المجمع اللغوي شعبة من شُعَبِه.
    فليَختَر الشيوخ بين هذين الأمرين، وليجتنبوا ما تورطتْ فيه تلك الحكومة من التخليط؛ فليس ينبغي لمصر أن تَضحك من نفسها، وأن تُضحك الناس منها، وأن تُنفق الألوف من الجنيهات كل عام على هذه السخرية التي لا تنفع ولا تفيد.

  • تحقيق

    حديث اليوم: تحقيق

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٧ يوليو ١٩٣٢

    في وزارة المعارف تحقيق عظيم الخطر، بعيد الأثر، مروع الذين يحسن ظنهم بالأمور العامة في مصر، فيحسبون أن فيها تعليمًا ووزارة للتعليم.

    في وزارة المعارف تحقيق لا تشرف عليه كله وزارة المعارف، وإنما تشرف عليه لجنة نصفها من الوزارة، ونصفها الآخر موزع بين إدارة الجامعة، وإدارة الأوقاف الملكية، وإدارة المعاهد الدينية. ومعنى هذا أن وزارة المعارف لا تثق بنفسها، ولا تطمئن إلى أهلها، ولا ترى أن تكون لجنتها من الذين يشرفون فيها على التعليم؛ حتى تضمَّ إليهم قومًا آخرين، وحتى تجعلَ الأمر في هذه اللجنة مناصفةً بحيث لا يستطيع رجال الوزارة وحدهم أن يكوِّنوا أغلبية في اللجنة أو يستقلوا فيها برأي قاطع.

    وزارة المعارف إذن تنكر نفسها، وتستطيع أن تصدقني حين أؤكد لك أنها لم توفق في شيء كما وفقت في هذا الإنكار. هي جديرة أن لا تثق بنفسها، جديرة ألَّا يثق بها الناس؛ لأنها فقدت فيما يظهر كل ما يحمل على الثقة، أو يدعو إلى الاطمئنان. ولست أنا الذي يزعم ذلك أو يدعيه، وإنما الوزارة هي التي تؤكده وتقيد عليه ألف دليل.

    انظر إليها تؤلف لجنتها على هذا النحو، فثبت للذكي والغبي أنها لا تطمئن إلى رجالها، ولا تأمن إن جعلت اللجنة كلها أو أكثرها منهم أن يجوروا في الحكم، وأن يحابوا وزارتهم ويقولوا فيها غير الحق. والوزارة تريد الحق، وتريده كله، وتريده صارمًا قاطعًا؛ لأنها تريد أن تحدد التبعات وتعاقب المقصرين عقابًا يضمن لها حسن النتائج في الأعوام المقبلة.

    ثم انظر إليها في هذا التحقيق نفسه مع من تحقق، وعلى من تقيم هذه القيامة، وحول من تثير هذه الضجة، وفيمن تثير هذه الشكوك المخزية؟ في هيئة التدريس كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة النظار كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة التفتيش كلها في المدارس الثانوية، ثم في مراقب التعليم الثانوي ومساعده.

    المعلمون والنظار والمفتشون والمراقب ومساعده، كل هؤلاء خاضعون الآن لتحقيق تجريه معهم لجنة نصفها من غير رجال الوزارة، ثم تزعم لي بعد ذلك أن وزارة المعارف خليقة أن تثق بنفسها أو أن يثق بها الناس؟!

    ولمن يعمل هذا التحقيق؟ لوزير المعارف ووكيلها. وأين وزير المعارف ووكيلها؟ ذهب أحدهما إلى فرنسا ليستشفي، وذهب الآخر إلى إنجلترا ليستريح فيما يُقال. ألست ترى معي أن أقل ما توصف به وزارة المعارف وهي بهذه الحال أنها مضحكة. وإذا كانت وزارة المعارف مضحكة، فلا ينبغي أن تنتظر منها تعليمًا ولا تربية؛ لأن التعليم والتربية ليسا من الكوميديا في شيء.

    تأمر وزارة المعارف بالتحقيق مع المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، وتنسى أن تأمر بالتحقيق مع الوزير ووكيل الوزارة. فهما وحدهما اللذان ينبغي أن يُسألَا، وأن يكون معهما التحقيق. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها؛ لما قبل مجلس الوزراء من وزير أن يأمر بالتحقيق في أمر التعليم الثانوي كله حتى إذا أمضى قراره هذا ركب البحر إلى فرنسا ليستشفي ويستريح. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها، ولو أن مصالح الناس تُرعى في هذا البلد — كما تُرعى في البلاد الأخرى — لما سمح مجلس الوزراء بأن يشرف على التعليم وكيل لا يكاد يقترح إنشاء هذه اللجنة حتى يركب البحر إلى إنجلترا ليستريح إن صحَّ أنه ذاهب ليستريح.

    وأين كان وزير المعارف ووكيله وسكرتير الوزارة العام طوال السنة؟ أين كانوا من المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، ليتعرفوا أمرهم اليوم وليسألوا لجنة مختلطة أن تبيِّن لهم أدَّى هؤلاء الناس واجبهم أم قصَّروا فيه؟

    الذي أعلمه أن هؤلاء الثلاثة قضوا عامهم في وزارة المعارف، وكانوا يتصلون كل يوم بالمراقب ومساعده، وكان هذا المراقب يعرض عليهم كل يوم شئون التعليم الثانوي على اختلافها. وإذن ففيمَ التحقيق وفيمَ السؤال؟ وفيم هذه الفضيحة التي لا تحتملها وزارة تقدر نفسها وكرامتها لو أن رئيس الوزراء ملتفت إلى وزارته غير منهمك في طلب المفاوضات أو الطيران إلى الحدود؟

    إلَّا أن الأمر في وزارة المعارف لا يحتاج إلى تحقيق، وهو لا يحتاج إلى تحقيق من هذا النوع على الأقل، وإنما يحتاج إلى تحقيق آخر يأمر به مجلس الوزراء أو البرلمان؛ ذلك أن وزارة المعارف مشغولة بالديوان عن التعليم. وإذا قلت إنها مشغولة بالديوان، فمعنى ذلك أنها مشغولة عن التعليم بأمرين: أحدهما السياسة، والآخر الخصومة بين كبار الموظفين.

    فأمَّا السياسة، فهي في وزارة المعارف فنون وألوان. وتستطيع أن تصدقني؛ فأنا أحدثك عن علم: في وزارة المعارف لون من السياسة يُراد به الإعلان عن الحكومة، وإقامة الأدلة على أن الناس قد أحبوها وانصرفوا إليها عن المعارضة، ويظهر هذا اللون حين يتفضل الوزير بزيارة المدارس والمعاهد، فتُهيأ له الخطب والقصائد، ثم ترسل البلاغات بعد ذلك إلى الصحف.

    وفي وزارة المعارف لون من السياسة الحسيبة حين يتعقب الموظف؛ لأنه كان فيما مضى من الزمان سعدي اللون أو دستوري الهوى. وفي وزارة المعارف لون آخر من السياسة، لا أسميه ولا أستطيع أن أطيل القول فيه، وإنما يستطيع تفصيله وكيل الوزارة ووزير المعارف السابق ورئيس الوزراء وأشخاص آخرون مصريون وغير مصريين.

    ثم في وزارة المعارف تنافسٌ بين كبار الموظفين وأوساطهم. يستقيم الأمر بين الوزير والوكيل حينًا، فيعوج بين الوزير وخصوم الوكيل، وهم كثيرون. ثم يعوج الأمر بين الوزير ووكيله، فيستقيم في الحال بين الوزير وخصوم الوكيل. وخصوم الوكيل هؤلاء من كبار الموظفين وأوساطهم. فإذا سألت عن صغار الموظفين ماذا يصنعون، فهم يسعون بين أولئك وهؤلاء بالخير والشر، ويحملون إليهم المنكر والمعروف.

    أحسَّ وزير المعارف في الصيف الماضي حاجة ديوان الوزارة إلى شيءٍ من الإصلاح، ورأى خصومة شديدة بين كبيرين في الوزارة يُفسد لها أمر الديوان، فخطر له أن يفصل أمر الإدارة عن أمر التعليم. ولم تكد تظهر هذه الفكرة البريئة التي لم يُرد بها الوزير إلَّا الخير، حتى فسد الجو في الوزارة فسادًا تامًّا، وكانت حرب شعواء صمَّاء، عنيفة حقية، بين المراقبين ومساعدي المراقبين؛ أيهم يكون له الفن؟ وأيهم تكون له الإدارة؟ وكانت هذه الحرب سجالًا، ينتصر فيها فريقٌ، فتنشر الصحف أن فلانًا سيكون مراقبًا عامًّا للتعليم، ثم ينتصر الفريق الآخر، فتنشر الصحف أن تعيين فلان هذا لم يتقرر بعد، ويتضاحك صغار الموظفين في الديوان حين يقرءون هذه الأنباء المتناقضة.

    فأمَّا المعلِّمون والنظَّار والمفتِّشون، فكانوا يؤدون واجباتهم المختلفة كما يستطيعون، لا يلتفت إليهم أحد، ولا يحفل بهم إنسان.

    وإذا شُغِل رجال الديوان بالسياسة والكيد، وانصرفوا عن أمور التعليم، فبأي حقٍّ يلام المعلم أو الناظر أو المفتش أو المراقب إذا ساءت نتيجة الامتحان؟ وما قيمة اللجان التي تؤلف في الوزارة أو خارجها؟ أو التي تتناول هؤلاء المظلومين بالسؤال والاستجواب، ثم باللوم والعقاب، وهم أبرياء لا إثم عليهم ولا تثريب؟!

    لست أزعم أن هيئة التعليم الثانوي عندنا تحقق المثل الأعلى في الكفاية والعناية بأداء الواجب، بل هي مع الأسف الشديد بعيدة جدًّا عن هذا المثل الأعلى، ولكنها على كل حال أقل الناس استحقاقًا للوم واحتمال التبعة حين تسوء نتيجة الامتحان.

    وأخرى قد كثر الكلام فيها، ولكنها لن تُوفَّى حقَّها مهما يكثر فيها الكلام، وهي الضعف الخلقي عند الذين يشرفون على التعليم. فهؤلاء الناس الذين يُحارب بعضهم بعضًا، ويمكر بعضهم ببعض، ويكبر بغضهم لبعض، يخاف بعضهم بعضًا إلى حد غريب! وهم يضحُّون في سبيل هذا الخوف بشيءٍ كثيرٍ مما لا يحب الرجل العادي أن يضحي به إلَّا نادرًا.

    أذكر أني حين نقلت إلى وزارة المعارف، وذهبت إليها مغاضبًا للوزير، أعرض عن لقائي فيها قومٌ كانوا يظهرون لي المودة، وشيئًا فوق المودة، حين كانت الصلات بيني وبين الوزير حسنة. فلم أنكر منهم ذلك لأني جربت إقبالهم وانصرافهم مع تغير الوزارات، ولكن واحدًا منهم رأى أن الأمر بينه وبيني لا يحتمل مثل هذا الإعراض، فأخذ شجاعته بيديه — كما يقول الفرنسيون — وجاءني في غرفتي زائرًا، وإنه يشرب القهوة ويحرق السيجارة، ويخوض في أمر الوزارة إذ فتح باب الغرفة، ثم أغلق، ونظر الخادم بين ذلك كأنه يريد أن يعرف من بالغرفة. هنا وقف زائري فجأة كأنما دُفع إلى الوقوف دفعًا عنيفًا، ثم قال: «يا خبر أسود، هم يتجسسون على من يزورك، لن تراني بعد اليوم.» وقد صدق، فلم أره إلى الآن وكثيرًا ما كنت أراه، ولم أسمع صوته إلى الآن وكثيرًا ما كان يتحدث إليَّ بالتليفون، وهو على ذلك من أشجع رجال التعليم في وزارة المعارف!

    كلا، لا يصلح الأمر في وزارة المعارف بالتحقيق، ولو قامت به لجنة مختلطة، ولو أمر به مجلس الوزراء أو البرلمان. وإنما وزارة المعارف في حاجة إلى التغيير، في حاجة إلى أن تنشأ من جديد. في حاجة إلى أن يدعها هذا الجيل الذي كوَّنه دنلوب والمغربي باشا وعبد الفتاح باشا صبري، ويستخلف عليها جيل جديد لم يتأثَّر بهؤلاء الثلاثة. يومئذ لا تحسن نتيجة الامتحان وحدها، وإنما يحسن التعليم نفسه في جوهره، وتحسن الأخلاق، وتستطيع مصر أن تنتظر الخير من وزارة التعليم، فأمَّا قبل ذلك فلا.

  • حياتنا العقلية في التعليم العالي

    حياتنا العقلية في التعليم العالي
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ٢٨ أكتوبر ١٩٢٩

    لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى؛ لما شهدنا هذه الحركة العنيفة التي نشهدها في هذه الأيام حول الجامعة ومدرسة المعلمين العليا ومعهد التربية. ولكن الأمور تسلك في مصر طريقًا شاذةً بعض الشذوذ، ذلك بأن العصر الذي نحن فيه ليس عصر انتقال زمني فحسب، وإنما هو عصر انتقال زمني ومكاني إن صحَّ هذا التعبير.

    فمصر لا تنتقل من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين كما تنتقل البلاد والأمم الأخرى، ولكنها إلى ذلك تنتقل من الشرق إلى الغرب، أو من أفريقيا إلى أوروبا، أو بعبارة واضحة تستبدل حضارةً بحضارة وحياةً بحياة؛ تدع الحياة الشرقية الخالصة إلى حياة غربية توشك أن تكون خالصة، وتدع الحضارة الشرقية الصرفة إلى حضارة غربية توشك أن تكون صرفة. وإذا كان الانتقال الزمني وحده خليقًا أن يستتبع الحركات العنيفة والاضطراب الشديد في أصول الحياة وفروعها، فالانتقال المكاني أشدُّ استدعاءً لتلك الحركات واستتباعًا لهذه الاضطرابات.

    فنحن معذورون إذا لم نستقبل ضروب الإصلاح بما تستقبل به في البلاد الأخرى من الهدوء أو الاضطراب الصحيح المنتج. نحن معذورون لأن كثيرًا منَّا يفهمون الحياة الغربية والإصلاح الغربي بعقول شرقية لم تُهيأ بعد لفهمهما على وجههما.

    لم يَكَدْ يتغيَّر النظام السياسي في هذه الأيام بعضَ التغير حتى ثارت هذه الثائرة حول التعليم العالي، وحتى انتهز كثيرٌ من الناس فرصة التطور السياسي ليُفْسِدوا من أمر التعليم ما لم يصلح إلَّا بعد مشقة عظيمة وعناء شديد؛ ذلك أن مسألة الجامعة ومدرسة المعلمين ومعهد التربية ليست مسألة هذا الأسبوع أو هذا الشهر أو هذه السنة أو هذا النظام السياسي دون ذلك النظام، ولكنها مسألة قديمة كان حقها أن تُحَلَّ منذ أعوام لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى دون إضاعة للأوقات والأموال والجهود.

    كان حق هذه المسألة أن تُحَلَّ يوم إنشاء الجامعة الأميرية، فتَّتَخِذ الجامعة المصرية القديمة والقسم الأدبي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية الآداب، ويَتَّخِذ القسم العلمي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية العلوم، كما اتُّخِذَتْ مدرسة الحقوق ومدرسة الطب نواتين لكلية الحقوق وكلية الطب.

    وكان الحق يومئذ أن ينشأ معهد التربية بمجرد استعداد كلية الآداب والعلوم لتخريج الطلاب على النظام الجديد. ولكن ذلك لم يتم؛ لأن الذين كانوا يُشْرِفون على التعليم سنة ١٩٢٥ كانوا منقسمين إلى فريقين مختلفين أشدَّ الاختلاف؛ فريق ينكر مدرسة المعلمين ويراها قديمة سيئة النظام، ويُشفِق منها على الجامعة الجديدة، وفريق آخر يخاف الجامعة ويراها جديدة مسرفة في الجدة، ولا يطمئنُّ إليها في تخريج أساتذة الغد. فمضى أصحاب الجامعة في طريقهم وأنشئوا جامعتهم جديدة من كل وجه، ومضت وزارة المعارف في طريقها واحتفظت بمدرسة المعلمين كما كانت، وأخذت الدولة تنفق المال على المعهدين كريمة به غير مقتِّرة ولا مترددة.

    ولعلي أول من نبَّهَ إلى هذا النحو من التناقض في حياتنا العلمية، وإلى هذا النحو من الإسراف في أموال الدولة؛ فدعوت إلى تنظيم العلاقة بين الجامعة ومدرسة المعلمين، وألححت في الدعاء كاتبًا في الصحف، متحدثًا إلى رجال التعليم من المعهدين، ساعيًا عند وزير المعارف وأعوانه. وأخذت المسألة طريقها حتى أُلِّفت لجنة تمثِّل الجامعة ومدرسة المعلمين ووزارة المعارف، فدرست المسألة درسًا دقيقًا، وانتهت إلى وجوب الاقتصاد في الجهد والوقت والمال، وإلى أن يكون التعليم الأدبي والعلمي في الجامعة، وإلى أن تصبح مدرسة المعلمين معهدًا فنيًّا للتربية، ورفعت اللجنة تقريرها إلى معالي الأستاذ علي باشا الشمسي. ولكن وزارة المعارف كانت لا تزال محتفظة برأيها القديم في مدرسة المعلمين وإشفاقها من الجامعة، فنصح أعوان الوزير له في ألَّا يتعجَّل الأمر ولا يقضي فيه حتى يستشير الخبراء من الأوروبيين.

    وعجبت أنا من هذه المشورة التي لم تكن تقدِّم ولا تؤخر؛ فقد كانت لجنتنا درست الموضوع من كل وجوهه، واستقصت بين مدارس المعلمين والجامعات في البلاد الراقية التي تعودنا أن نتأثَّر بها في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكان تقديرنا أن هذه المشورة التي قدمت إلى وزير المعارف إنما كانت كعلة يُراد بها كسب الوقت وتأخير ما لا بدَّ من وقوعه. على أن وزير المعارف قَبِل المشورة ودعا خبيرين أحدهما من إنجلترا والآخر من سويسرا، وأنفقت الدولة على هذين الخبيرين آلافًا من الجنيهات لعلها كانت تستطيع أن تسدَّ حاجة من حاجات التعليم الكثيرة في هذه البلاد. وقضى الخبيران أشهرًا في مصر يتنقَّلان في أقطارها، يصعدان في الشتاء ويهبطان في الربيع، يقيس أحدهما ذكاء الأطفال والشبَّان، ويتحدث أحدهما الآخر إلى أولئك وهؤلاء من رجال التعليم، وكانت نتيجة هذا كله أن طلب إلى وزير المعارف الأستاذ أحمد لطفي السيد بك ما طلبته اللجنة إلى وزير المعارف الأستاذ علي الشمسي باشا.

    ولكن وزارة المعارف كانت ما تزال مترددة مشفقة، فلم تقبل ما قبلته منه في غير تحفظ، وإنما قبلت فصل الدراسة العلمية من الدراسة الفنية، وأن تكون هذه الدراسة العلمية في الجامعة بشرط أن تُعِيد الجامعة درس الموضوع، وتلائم بين نظامها الجامعي وحاجات التعليم الثانوي. وقد فعلت الجامعة هذا تيسيرًا للأمر وتعجيلًا لشيء لا بدَّ من تحققه؛ لأنه يلائم المصلحة العلمية والاقتصادية معًا.

    وأبت وزارة المعارف أن تترك معهد التربية إلى الجامعة كما كان يطلب الخبيران أحدهما أو كلاهما، ولم تتشدد الجامعة في هذا لأنها لم تكن تريد التوسع أو بسط السلطان.

    هذا تاريخ المسألة فصَّلناه تفصيلًا، وهو يدلُّ على أن هذه المسألة قديمة، وعلى أن إعادة التنظيم لمدرسة المعلمين كانت شيئًا طبيعيًّا تحقق هذه السنة، وقد كان يجب أن يتحقَّق منذ سنين، وهو متحقق من غير شك، حتى لو سمعت الحكومة القائمة لأنصار النظام القديم، فردَّت الأمر إلى ما كان عليه. وهذا التاريخ الذي فصَّلناه يدلُّ أيضًا على أن الناحية السياسية التي يلجأ إليها ويستغل مكانتها أنصار النظام القديم لم تفاجأ بهذا الإصلاح، بل سعت إليه وجدَّت فيه وكادت تحققه.

    فالأستاذ علي باشا الشمسي لم يؤلف اللجنة عبثًا، ولم يدع الخبيرين عبثًا، وإنما كان يريد أن يعتزَّ برأي اللجنة ورأي الخبيرين ليضع النظام الجديد ويعرضه على البرلمان. سيقولون ولكن هذا النظام لم يُعرض على البرلمان ولم يُعرف رأي نواب الشعب فيه، فنقول يجب إذن أن تعطل أكثر مدارس الحكومة، وأن توقف أكثر فروع التعليم لأن هذه المدارس وهذه الفروع من التعليم تسير على نُظُمٍ لم يقرها البرلمان؛ منها ما وضع في غيبته، ومنها ما وضع في حضوره، وكلها لم يتسع وقت البرلمان لدرسه.

    على أن وزارة المعارف قد أنشأت هذا المعهد الجديد على أنه تجربة قابلة للتغيير والإصلاح. أليس الخير أن يدرس نظام المعهد وينقد ويُشار على الحكومة والبرلمان بما قد يظهر من وجوه إصلاحه وتغييره. ولكن قلت لك إن الأمور لا تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى، وما أشدَّ حاجتنا إلى الاقتصاد في القول والوقت والجهد والمال.

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد٢

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (٢)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٤ أغسطس ١٩٢٤

    كنت أريد أن أخصص هذه الكلمة لطائفة من الخواطر عرضت لي أثناء سياحتي هذه. لكني أُنفِق جزءًا من الوقت في قراءة الصحف المصرية التي تصل إليَّ. ولذيذةٌ جدًّا قراءة هذه الصحف المصرية في هذا الجو الذي أعيش فيه الآن، حيث لا أسمع كلمة عربية إلا من صاحبي، وحيث لا أشعر بما يشعر به المصري في مصر من اشتراك الحس والعاطفة والرأي بينه وبين مواطنيه، وحيث أشعر بالعزلة المطلقة في كثير من الشئون، وحيث أسمع الفرنسيين من حولي يتناقشون في شئونهم المختلفة في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، في رفق إذا تناقشوا في أدب أو علم أو فن أو في شيء يقرب من ذلك، وفي عنف إذا تناقشوا في السياسة. والفرنسيون يتناقشون في السياسة كثيرًا هذه الأيام؛ لأن موقفهم السياسي يدعو إلى المناقشة، فهناك أحزاب كانت تحكم فنالتها الهزيمة الانتخابية، وهناك أحزاب كانت تعارض فنالها النصر الانتخابي، فهي الآن تصرِّف أمور الحكم، فحكَّام الأمس معارضو اليوم، ومعارضو أمس حكَّام اليوم. ولذيذٌ جدًّا أن تسمع هؤلاء الناس يتناقشون، ولكني سأحدثك عن هذا في غير هذا المقال.

    قلت إني أقرأ الصحف العربية التي تصل إليَّ من مصر، وقد قرأت فيما قرأت نبأً دعاني إلى التفكير ففكرت، واضطرني إلى الكتابة فأنا أكتب الآن.

    قرأت أن البرلمان المصري قد أقرَّ وزارة المعارف على إلغاء مجلسها الأعلى وإنشاء لجنة فنية تقوم مقامها. وقرأت المرسوم الذي صدر بإنشاء هذه اللجنة وتنظيمها، وقرأت فصولًا في «السياسة» تناول كاتبها هذا الموضوع بالبحث والنقد.

    وفي الحق إن هذا النبأ لم يدهشني في نفسه، فأنا أعلمه منذ وثبت الوزارة السعدية إلى مناصب الحكم! نعم، لم يكد رئيس الوزراء يؤلِّف وزارته ويذيع برنامجه ويتقبل تهنئة المهنئين حتى لقيت صديقًا من السعديين المخلصين الذين لا تمنعهم سعديتهم الخالصة أن يكون بينهم وبين غير السعديين ولاء، وكان صديقي هذا من أصحاب المكانة في وزارة المعارف، فتحدثنا عن وزارة المعارف.

    وعلمت من هذا الحديث أن الوزارة السعدية تكره نظام التعليم، أو بعبارة أصح تكره النظام الذي بدأ في إيجاده زكي باشا أبو السعود في وزارة التعليم، وأنها تريد أن تنقض هذا النظام كله فتلغي ما تم منه وتعدل عما لم يتم. وكان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه سياسة التعليم إلى وجهتين قيمتين: الأولى أنه أنشأ المكتب الفني، الثانية أنه اعترف باستقلال التعليم العالي، أو اعترف بحق هذا التعليم العالي في الاستقلال، وأخذ يهيئ له الوسائل ويمهد إليه السبل. فلم يكن بدٌّ للوزارة السعدية من أن تنقُضَ هذا النظام وتستبدل منه نظامًا آخر.

    فبدأت بهذا المكتب الفني فشلَّته وحرمته من كل سلطان، حتى إن أعضاءه كانوا لا يجدون لأنفسهم في الوزارة عملًا، ثم تحوَّلت أعمال المكتب الفني كلها إلى وكيل الوزارة وسكرتيرها العام. ثم فكرت الوزارة السعدية في أن تخلص من استقلال التعليم، فسلكت إلى ذلك سُبُلًا مختلفة: الأولى أنها أسدلت على مشروع الجامعة ستارًا كثيفًا، وراوغت كلما سئلت عنه في البرلمان. وليس لهذا كله سبب إلا أن مشروع الجامعة كان يقضي بالاستقلال التام للتعليم العالي، وأن وزارة المعارف السعدية لم تكن تستطيع أن تتصوَّر استقلال التعليم، وإنما كانت تريد أن يخضع لها كل شيء خضوعًا تامًّا، لا فرق في ذلك بين التعليم وغير التعليم من مرافق الدولة، ولا فرق في ذلك بين التعليم العالي وغيره من أنواع التعليم.

    ولعل القارئ يذكر هذه الكلمة الغريبة التي قالها في مجلس النوَّاب صاحب الدولة رئيس الوزراء حين ذُكرت الجامعة. وهي أنه لا يفهم معنى الجامعة، ولا يفهم فائدة الجامعة للأمة … ولعل القارئ يذكر أنَّا كتبنا حول هذه الكلمة فصلًا فسَّرناها فيه تفسيرًا نعتقد أنه لا يحتمل الشك، ونعيده الآن تذكرةً وتبصرةً، وهو أن الوزارة السعدية تكره الجامعة وتتلكأ في إنشائها، لا لشيء إلا لأن الجامعة بطبيعتها مستقلة في أمر التعليم، كما أن المحكمة لطبيعتها مستقلة في أمر القضاء. وكل وزارة نشأت وقامت على هذا النحو الذي نشأت عليه الوزارة السعدية فهي منصرفة بطبعها عن هذه الهيئات المستقلة التي لا تخضع لسلطان الحكومة خضوعًا تامًّا. ولكن زكي باشا أبو السعود كان قد مضى في تحقيق الاستقلال للتعليم العالي إلى أمدٍ غير بعيد؛ فأنشأ المجالس الإدارية للمدارس العليا ومنحها استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا، وأصدر بذلك قوانين لم يكن بدٌّ من إلغائها أو من إيجاد طريقة للتخلص منها، فلم يكن لوزارة المعارف السعدية بدٌّ من أن تخلص من هذا الاستقلال الداخلي الذي منحه زكي باشا أبو السعود للمدارس العليا. وكيف تخلص من هذا الاستقلال؟ الأمر يسير! فيكفي أن تقرأ المرسوم الذي صدر بإنشاء اللجنة الفنية التي تخلف المجلس الأعلى لتفهم كيف قضت الوزارة السعدية على استقلال التعليم.

    ذلك أن قرارات هذه المجالس الإدارية للمدارس العليا تعرض بحكم هذا المرسوم على هذه اللجنة الفنية فترى فيها رأيها. وهذه اللجنة الفنية نفسها ليست مستقلة وإنما آراؤها وقراراتها جميعًا خاضعة كل الخضوع لإرادة الوزير. وإذن فقرارات المجلس الأعلى خاضعة للجنة الفنية، وقرارات هذه اللجنة خاضعة للوزير. وإذن فالوزير هو كل شيء، لا في المسائل الإدارية ولا في المسائل المالية ولا في نحو هذه المسائل مما يمس نظام التعليم عن بعد، بل في نظام التعليم نفسه، بل في جوهر التعليم. وإذن فهذا الوزير البرلماني الذي هو بحكم الدستور وبحكم الحياة البرلمانية خاضع للظروف السياسية وصروفها، يرقى اليوم إلى منصب الوزير ليتركه غدًا. هذا الوزير الذي لا يستطيع أن يضمن البقاء في منصبه يسيطر على سياسة التعليم في جميع فروعه. فإذا كان الوزير من أولي الرأي في التعليم فوضع له سياسة ما وأخذ في تنفيذها ثم أصابته المحن البرلمانية فنزل عن منصبه فليس ما يضمن أن الوزير الذي سيخلفه سيمضي في تنفيذ سياسته. وأكبر الظن أن هذا الوزير سيلغي ما أقرَّ الوزير السابق كما ألغى صاحب الدولة سعيد باشا ما أقر صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود.

    يجب أن نكون منصفين وأن نرد الأمور إلى نصابها، وأن نقول الحق، ولكن في رفق ولطف. فنحن مدينون بهذا الرفق واللطف للمرحوم عاطف باشا بركات. الناس جميعًا يعلمون أن عاطف باشا بركات كان رأس وزارة المعارف وقلبها، به تشعر وزارة المعارف، وبه تفكر وزارة المعارف، وإليه تنتهي أمور وزارة المعارف. وإن صاحب الدولة سعيد باشا كان يقوم من هذه الوزارة مقام غيره من الوزراء الدستوريين. كان يؤمن بكفاية عاطف باشا بركات ومقدرته الفنية، فيكل إليه الأمور الفنية كلها ويمثل هو وزارته في مجلس الوزراء وفي البرلمان تمثيلًا سياسيًّا لا أكثر ولا أقل.

    وإذن فالذي أحدث هذا التغير في وزارة المعارف هو في حقيقة الأمر عاطف باشا بركات، وإن كان المسئول عنه هو صاحب الدولة سعيد باشا بركات، كان رجلًا يمتاز بالقوة والحزم، أو شيء أكثر من الحزم، وكان تحت السلطان والسيطرة، كان يجب إذا أشرف على شيء أن ينتهي إليه كل شيء، وكان رجلًا خُلِقَ للإدارة، ولعلنا لا نظلمه إذا قلنا إنه لم يكن قد خُلِقَ للتعليم، فأراد أن يشرف حقًّا على وزارة المعارف، فهيأ لذلك من الأسباب ما هيأ، ثم استأثرت به رحمة الله قبل أن يبلغ من هذا الإشراف ما كان يريد. وترك لخلفائه في وزارة المعارف عبئًا ثقيلًا جدًّا نعتقد أنهم قد لا ينهضون به، وأنهم قد لا يحبون أن ينهضوا به. وأصبحت بذلك وزارة المعارف بين اثنتين: إمَّا أن تمضي في هذه السياسة التي وضعها عاطف باشا بركات رحمه الله؛ وإذن فلا بدَّ لها من عاطف باشا بركات، وهي إن ظفرت بعاطف باشا بركات، فلن توفق من هذه السياسة إلى خير؛ لأنها سياسة سيئة شديدة الخطر على التعليم؛ فقد نفهم المركزية في كل شيء، نفهمها في المسائل الإدارية، ونفهمها في غير هذه المسائل. ولكنَّا نزعم أن فهمها في التعليم مستحيل؛ لأن التعليم فن خالص أو هو فنون مختلفة لا يمكن أن تجتمع لرجل واحد، ولا لهيئة واحدة، وإنما يجب أن يشرف عليها الفنيون المختلفون وأن يكون لهؤلاء الفنيين حظٌّ موفورٌ من الاستقلال يضمن لهم التوفيق إلى ما يريدون، وإمَّا أن تعدل وزارة المعارف عن السياسة المركزية التي كانت مسيطرة على شئون التعليم أيام الإنجليز، والتي تريد أن تسيطر على شئون التعليم أيام الوزارة السعدية.

    وإذن فلا بدَّ لوزارة المعارف من أن تنقض ما أبرمه عاطف باشا بركات، وأن تطلب إلى البرلمان نقض ما أبرم في أمر اللجنة الفنية، وأن تضع سياسة جديدة للتعليم هي نفس السياسة التي كان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه إليها وزارة المعارف، وإذا فعلت وزارة المعارف هذا فحدِّث عن هذا الوقت الضائع، وعن هذه القرارات المضطربة التي ينقض بعضهًا بعضًا، ولكننا نرجِّح أن وزارة المعارف لن تسلك هذه الطريق، فقد يكون الخير في أن تسلكها، ولكن الوزارة ستجد شيئًا من الغضاضة في الاعتراف بهذا الخطأ العظيم، وفي أن تنقض اليوم ما أبرمت أمس.

    هناك قاعدة هي المثل الأعلى في أمر التعليم، ولكنها بعيدة كلَّ البعد عن الحقيقة الواقعة. لم تقتنع بها الأمم الراقية في أوروبا بعد، فمن المعقول ألا تفهمها مصر. هذه القاعدة هي أن يكون التعليم كالقضاء مستقلًّا الاستقلال كله عن السياسة لا تناله صروفها ولا تعبث به خطوبها، وأؤكد لك أن التعليم أحقُّ بالاستقلال من القضاء: لِمَ يستقل القضاء؟ لتكون حقوق الأفراد بمأمن من الأهواء السياسية. حقوق الأفراد … أمَّا التعليم فهو لا يتناول حقوق الأفراد، وإنما يتناول حياة الأمم كلها، يتناول حياتها الحاضرة ويتناول حياتها المستقبلة، يتناول كلَّ موقفها، ويتناول كل آمالها. فإذا كان القاضي خليقًا بالاستقلال ليبيع الناس وليشتروا في أمنٍ ودعةٍ، أفلا يكون المعلم خليقًا بالاستقلال لتحيا الأمة وتنمو وترقى بمأمن من الشهوات السياسية التي لا تنتج في التعليم إلا شرًّا؟ … وبين يدي مثلٌ قائم أختم به هذا الفصل، وهو أمر التعليم الثانوي في فرنسا.

    في السنة الماضية أصدرت وزارة بوانكارية — وأقرتها كثرة البرلمان — نظامًا لهذا التعليم يقضي بتعليم اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية للبنين والبنات، وأخذت وزارة المعارف في تنفيذ هذا النظام منذ أكتوبر الماضي، ثم كانت الهزيمة الانتخابية التي أصابت بوانكاريه وأصحابه، وكان انتصار الاشتراكيين وأصحابهم، وهم يكرهون اللاتينية واليونانية، ويؤثِرون التعليم الذي يُسمَّى تعليمًا حديثًا. فلم يكد يجتمع مجلس النوَّاب الاشتراكي حتى قررت لجنة التعليم فيه إلغاء النظام الذي وضعته الوزارة السابقة وأقره المجلس السابق. ولن يدوم السلطان لهذا المجلس، بل لا بدَّ أن يعود السلطان لأصحاب بوانكاريه، ويومئذ يقرر مجلس النوَّاب إلغاء هذا النظام والعودة إلى اللاتينية واليونانية. وموضوع هذا العبث ليسوا ألفًا أو آلافًا من الموظفين كما هو الأمر في مصر، وإنما موضوع هذا العبث هو الجيل الناشئ كله عن هذه الأمة الفرنسية. فهل نستطيع أن نعتبر؟ وهل نستطيع أن نسبق إلى جعل التعليم فوق السياسة أو بمعزل عن السياسة على أقل تقدير؟

    بوليجين، في ١١ أغسطس سنة ١٩٢٤

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات

    في وزارة المعارف: مدرسة اللغات

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٦ يوليو ١٩٢٣

    يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به. يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتَّاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها، وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها. تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.

    أقرأت ما نشرته «المقطم» حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف، وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء «المقطم» يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وُزِّع توزيعًا حسنًا، فأصاب من ليس لهم في التعليم حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك؟! بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًّا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك شأن بعض العمد الأميين في عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر، فهي تشتري الثناء ولو كلَّفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جديًّا منتجًا، وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج.

    لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتُثني عليها، ووزارة المعارف تُبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتَّابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتَّاب الآخرين؛ ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق، والكتَّاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن، فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب، ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.

    تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتَّابها الرسميين بأسرارها ودخائلها، وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في «المقطم» تاريخ مدرسة اللغات، وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير، وما اتخذ من قرار في هذا الاجتماع. وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلَّا عن وحي … ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف، ولا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القرَّاء. نعتقد ذلك، ونريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ، وقرروا أن تدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف، وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية، والآخر في هذا الاجتماع الأخير.

    على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، وإنما تُضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يُهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة، شرُّها أكثر من خيرِها، وضرُّها أكبر من نفعِها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري، وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنَّا نحب ألَّا نعرض لها؛ لأنها لا تلائم الكرامة، ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مريت» و«مسبيرو» وأمثال «مريت» و«مسبيرو»، وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت — أو يريد أبواقها أن يثبتوا — أن كمال باشا قد نفع وأفاد، فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيءٍ، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال. وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم، فعلَّمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.

    نعم، نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.

    نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر، وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد. ولكن مضيها هذا لن يغير في الأمر شيئًا، ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية، فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد، ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين، كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بدُّ من النقص في العناية. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية، ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون، وما أحدثت من ضجة. كلا، إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف، وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها، وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر، ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًّا وإنما هو مصري مثلك ومثلي؛ هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط، ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب، وعنيَ بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله، وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية، وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية؟! وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط، مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلِّف وزارة المعارف عُشْر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار، وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة، وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور؛ فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها. واستغلال عواطف الجمهور؛ لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة، ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة محققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن، فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري، فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكْفَاءُ من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة، والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسِّن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية، وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر، فإن ذلك ضربٌ من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.

    ثم نعود فنلفتك — يا معالي الوزير — إلى أنك تريد أن تبني بناءً، فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب، وَكِلْ أمرها إلى الأخصائيين، ثم كلِّف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًّا، وإذن توفق حقًّا إلى صواب.