Tag: Islamic history

  • قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل

    قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يناير ١٩٥٩

    الأمة العربية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، كانت في العصر الجاهلي مختلفة أشدَّ الاختلاف، قوام حياتها الخصام والعدوان والغارات والنهب والسلب. ولم يكن يجمعها في هذا العصر الجاهلي إلا لغتها على اختلاف شديد في لهجات هذه اللغة، وإنما الذي استطاع أن يؤلِّف شيئًا ما بين هذه القبائل المتفرقة هو الشعر الذي لم يكد ينشأ حتى فرض لهجة بعينها على الأمة العربية كلها في جميع أطرافها وأقطارها من الجزيرة العربية، فكان الشاعر العربي إذا أنشأ قصيدة وأنشدها في نادٍ من الأندية، فَهِمها عنه الناس مهما تكن قبائلهم، ومهما تكن لهجاتهم أو لغاتهم الخاصة، ثم لم يكتفوا بفهمها، وإنما كان الرواة يتناقلونها عن الشاعر. وكانت القصيدة لا تكاد تُنشَد حتى تَشِيع في الجزيرة العربية، ويحفظها كثير من الرواة في الأقطار المختلفة من أقطار الجزيرة. فأول توحيد للعقل العربي إنما جاء من هذه الناحية، من هذا اللسان الذي أتاح للغة العربية في العصر الجاهلي أن تكون لغة اجتماعية، وأن تكون لغة تستطيع القبائل — على تباعدها واختلافها وخصومها — أن يفهم بعضها البعض، وأن يشعر بعضها بما يشعر به بعضها الآخر. فالمكوِّن الأول في المحاولة لإيجاد وحدة لهذه القبائل العربية، إنما هو الأدب، والشعر من الأدب بنوع خاص؛ لأنه هو الذي سبق إلى الوجود، ولم يوجد أخوه النثر إلا بعد عصور تطاولت كثيرًا.

    مَتَى تكونت القومية العربية؟ والقومية العربية، إذا أردنا أن نَعْرِف متى تكونت بالمعنى الدقيق لكلمة القومية، فينبغي أن نرد هذا إلى ظهور الإسلام، فالمكوِّن الحقيقي للوحدة العربية بجميع أنواعها وفروعها: الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية أيضًا، إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بالقرآن، ودعا إلى الحق، واجتمع حوله الأقلُّون من أصحابه، وجعل الأقلون يَكْثُرُون شيئًا فشيئًا؛ حتى كانت الهجرة، وحتى أُسِّسَتْ أول مدينة إسلامية، أو بعبارة أدق: أول مدينة عربية منظمة عرفها التاريخ. ولا أذكر اليمن القديمة؛ لأني لا أكاد أعرف من حضارتها ونظمها شيئًا، وإنما المدينة الأولى التي عرفها التاريخ والتي تكونت فيها النواة الأساسية للقومية العربية، هي مدينة «يثرب» بعد أن هاجر النبي إليها مع أصحابه من «قريش». ومن هذه الوحدة الضئيلة الصغيرة في هذه المدينة التي لم تكن خالصة لأهلها من العرب، وإنما كان اليهود يشاركونهم فيها — من هذه الوحدة الضئيلة اليسيرة التي كان من أيسر الأشياء أن يتخطَّفها العرب من حولها، لولا أن الله أيَّد رسوله وأيَّد المدينة برسوله من هذه الوحدة؛ جعل الاتحاد العربي ينمو قليلًا قليلًا، باللين حينًا، وبالعنف والشدة حينًا آخر، ولم ينتقل النبي إلى جوار ربه إلا وقد تمت وحدة الجزيرة العربية ووجدت قومية عربية منظمة لها قانونها وهو القرآن، ولها نظامها السياسي الذي يقوم على ما دعا إليه القرآن من العدل والإنصاف والمساواة بين الناس، ولها حكامها المنَظِّمون والمنَظَّمون أيضًا، الذين لا يستأثرون على أحد ولا يؤثرون أنفسهم بخير، وإنما هم خَدَم للأمة العربية، ينشرون بينها العدل، ويعلمونها شرائع الدين، ويهيئونها لأداء واجبها الإنساني العظيم. وبعد أن أتم النبيُّ توحيدَ الأمة العربية ونَهَضَ خلفاؤه من بعده، جعلت هذه القومية العربية تتجاوز الجزيرة العربية إلى الأقطار الأخرى، وأول هذه الأقطار التي انتشرت أو التي تجاوزت العروبة جزيرتها إليها ينبغي أن نلاحظ أنها كانت أقطارًا قد استعربت شيئًا ما في العصر الجاهلي. فأول ما خرج العرب من جزيرتهم غزاة فاتحين يريدون أن ينشروا الإسلام ويدعون إلى دين الله، ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان الشام قد استعرب قبل الإسلام، لا على الحدود بينه وبين الجزيرة العربية فحسب، حيث كان الغسانيون يُقيمون، بل إلى داخل البلاد الشامية، وكانت بعض القبائل العربية قد انتشرت في الشام قبل الإسلام، وتأثرت بالحياة التي كان الناس يحيونها في هذا القطر، وهي حياة الروم، وتديَّنت بالدين الذي كان الروم يدينون به؛ وهو النصرانية. والعراق كان أيضًا قد سبق إليه العرب في الجاهلية، وتأثروا إلى حد ما بالمسيحية التي جاءتهم من الجزيرة، وتأثَّروا إلى حد ما بسياسة الفرس، الذين ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان العرب حماةً لحدود الإمبراطورية الرومانية في الشام وحماةً لحدود الإمبراطورية الفارسية في العراق. ولم يكن الفتح الإسلامي في أول أمره إلا يسيرًا عندما التقى بالعناصر المستعربة في الشام وفي العراق، ولكن عندما اهتم الفرس من جهة، واهتم الروم من جهة أخرى بهذا السيل الذي جعل يتدفَّق على الشام والعراق، أصبحت القومية العربية أمام واجب خطير، وهو أن تقف موقف الخصومة والنزاع من هاتين الدولتين العظيمتين: الإمبراطورية البيزنطية في الشام، والإمبراطورية الفارسية في العراق.

    انتصار القومية العربية هنا انتصرت القومية العربية في هذين القطرين؛ في الشام وفي العراق، ولكنها لم تقف عند هذا الحد؛ وإنما تجاوزته إلى بلاد لم يكن لها بالعروبة عهد من قبل، تجاوزتها إلى مصر في المغرب، وتجاوزتها إلى الفرس والبلاد الفارسية في المشرق، وانتصرت على الروم في مصر، كما انتصرت على الفرس في بلادهم وأدالت دولتهم، ثم انتصرت على الروم بعد ذلك في شمالي أفريقية. واستقرَّت العروبة في شمالي أفريقية بعد خطوب شداد، ثم تجاوزت أفريقية إلى القارة الثالثة التي لم يكن العرب يعرفونها قبل الإسلام وهي القارة الأوروبية، ففتحت الأندلس، واستقر العرب في إسبانيا كما استقروا في أفريقية، وكما استقروا في شرق الدولة الإسلامية في بلاد الفرس، ووصلوا إلى أطراف الهند … منذ ذلك اليوم تعقَّدت القومية العربية، لم تصبح أمة تعيش في وطنها الذي نشأت فيه خالصًا لها هذا الوطن، وخالصة هي لهذا الوطن؛ وإنما أصبحت أمة تجاوزت وطنها وبيئتها ونزلت إلى أوطان وبيئات لم تكن تعرفها هي، ولم تكن هذه الأوطان والبيئات تعرف عنها إلا الشيء القليل. وأغرب ما تمتاز به هذه القومية العربية، هو أنها عندما استقرَّت في هذه البلاد التي افتتحتها، وحاولت أن تستقر فيها عندما أُتيح لها هذا النوع من الاستقرار لم تكتفِ به، ولم تكتف بأن تستقر في الشام حكومة متسلِّطة، أو في العراق حكومة متسلطة، أو في بلاد الفرس كذلك. لم تكتف بامتلاك الأرض، ولم تكتف بإخضاع الناس للسلطان؛ لأنها لم تكن تريد أن تملك الأرض، ولم تكن تريد أن تُخضِع الناس بسيطرة سياسية فحسب، وإنما كانت غايتها — قبل كل شيء — أن تملك القلوب، وأن تسيطر على الضمائر، وأن تدخل في أعماق الوجدان في البلاد التي تفتحها وتستقر فيها، وبشرط أن يكون هذا كله دون إكراه أو عنف، وإذن ينبغي أن يأتي هذا بطبعه من نفسه من غير محاولة عنيفة، بل من غير محاولة في أكثر الأحيان. فبعد أن غلب المسلمون، لم يفرضوا على بلد من هذه البلاد لغتهم، ولم يفرضوا عليها دينهم؛ لأنهم اكتفوا منهم بالأصول التي قررها الإسلام، وهي: الإسلام لمن أراد أن يسلم عن رضًا، أو أداء الجزية. وفي نصف القرن الأول — أي قبل أن يمضي نصف قرن على فتح الفرس مثلًا — كان بعض الفرس قد أتقنوا اللغة العربية وبرعوا فيها، وأخذوا ينافسون العرب في الشعر العربي نفسه، ووجد في أيام بني أمية شعراء يقولون الشعر كأفصح ما يكون الشعر في اللغة العربية، وأصولهم فارسية لم يعرفوا اللغة العربية إلا بعد أن أسلموا، وبعد أن قاموا مجاورين للعرب في بلادهم أو في جزيرة العرب نفسها. ولم يكد القرن الثاني ينتهي حتى ننظر إلى القومية العربية فنرى عجبًا من العجب، نرى مهد القومية العربية قد هُجر أو كاد يُهجر، ونرى الجزيرة العربية قد عادت إلى بداوتها القديمة، وظلت المدينة ومكة محتفظتين بما كان يدرس فيهما من الدين والعلم. ولكن البيئات القديمة البدوية في نجد عادت إلى بداوتها، وعادت إلى شيء كثير من عزلتها القديمة، وكادت الصلة تقطع بينها وبين البلاد الأخرى، وإذا القومية العربية ليست في الجزيرة العربية وحدها، وإنما هي — قبل كل شيء — في هذه البلاد التي فُتحت، والتي امتزج فيها العرب بغيرهم من سكان البلاد الأصليين. ومعنى هذا خطير كل الخطورة، فهؤلاء السكان كانوا يتكلمون لغات مختلفة جدًّا، وكان الفرس يتكلمون لغتهم الفهلوية، وكانت للشام لغات سامية، وكذلك في العراق وفي الجزيرة، وكان المصريون يتكلمون لغتهم القبطية. وكانت لغة الثقافة والسياسة في البلاد الشامية والمصرية هي اللغة اليونانية، ولغة السياسة والثقافة في العراق وبلاد فارس هي اللغة الفارسية، ولغة الثقافة والسياسة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا كانت هي اللغة اللاتينية.

    قوة اللغة العربية وننظر في أواخر القرن الثاني، فإذا كل هذه اللغات قد تركت أماكنها من ألسنة الناس وعقولهم وقلوبهم لهذه اللغة العربية؛ فالفرس يتكلَّمون العربية ويكتبونها، ويُزاحِمون العرب أنفسهم فيزحمونهم، وإذا الفرس هم الذين يضعون كتب النحو العربي وأصوله، وإذا هم يعنون بجمع اللغة العربية وتدوينها، ويشاركون العرب في هذا كله ويغلبونهم عليه أحيانًا، واللغات السامية التي كان الناس يتكلمونها في سوريا ويتكلمونها في الجزيرة ويتكلمونها في العراق، عادت كلها إلى الأديرة، وأصبح الناس يتكلَّمون اللغة العربية، واللغة العربية بطبيعتها أصبحت لغة السياسة ما دام الحكام عربًا، ولكن اللغة السياسية هذه التي يتكلمها الناس لم تلبث أن أصبحت لغة للثقافة والعلم أيضًا. وإذن هناك قومية عربية جديدة أنشأها الإسلام، لم تكن تأتلف من عنصر عربي خالص، وإنما كانت تأتلف من جميع هذه العناصر، من العناصر التي كانت تسكن كل هذه البلاد، فأنشأ الإسلام إذن أمة جديدة، وجعل هذه الأمة عربية: عربية اللغة، عربية التفكير والشعور، عربية الحضارة، عربية العلم والثقافة والأدب. ومن غريب الظواهر الأدبية في حياة هذه القومية الجديدة التي أنشأها الإسلام — والتي ألغى فيها الفروق بين الأجناس، وألغى فيها أن يكون لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى — من أغرب الظواهر أن الشعراء الذين استأثروا بالشعر وامتازوا فيه، وأصبحوا هم ألسنة الأمة العربية بمعناها الجديد، لم يكن منهم شاعر عربي خالص؛ كان بعضهم فارسيًّا، وبعضهم نبطيًّا، وبعضهم يونانيًّا. لم يكن منهم شاعر عربي خالص، وإنما كانوا جميعًا من هذه الأمم التي استعربت وأعربت عن شعورها القديم، وعن عقولها القديمة، وعن وجدانها القديم في الشعر العربي، والعقل العربي، والوجدان العربي. وكانت اللغة اليونانية قد سادت في الشرق الذي نسميه الآن بالشرق العربي، وبنوع خاص في مصر والشام والجزيرة. ولكنها لم تستطع أن تمحو هذه اللغات الوطنية، فظل المصريون يتكلَّمون لغتهم القبطية، وظل أهل الشام يتكلَّمون لغتهم السامية الآرامية، وظل أهل الجزيرة والعراق كذلك، وكانت اللغة اللاتينية سائدة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا، ولكنها لم تستطع أن تقهر لغة البربر في شمالي أفريقية، ولا أن تقهر الإسبانيين على أن يتركوا لغتهم الوطنية الأولى. ولكن اللغة العربية جاءت فقهرت اليونانية، وقهرت معها اللغات الوطنية أيضًا، وقهرت اللاتينية في المغرب، وقهرت اللغة الفارسية أربعة قرون تقريبًا. كل هذا إن دل على شيء فإنما يدلُّ على قوة اللغة العربية، وقوة الطبيعة العربية، وقوة هذا الدين الذي كان هو العامل أو المؤثِّر الأول في انتشار العرب خارج جزيرتهم، ثم في تكوين هذه الأمة العربية الجديدة. ومن المحقَّق أن البلاد التي يتألف منها العالم العربي الحديث لا يمكن أن تكون حقًّا مؤلَّفة من عناصر عربية خالصة تُنسب إلى عدنان وقحطان؛ وإنما هي عربية بلغتها، عربية بشعورها وعقلها ووجدانها، عربية بدينها، سواء أكان هذا الدين إسلامًا أم كان نصرانية، هي عربية بهذا كله، أثرت العروبة على غيرها، وأصبحت أمة عربية جديدة كَوَّنَهَا الإسلام وكوَّنها دون إكراه أو إرغام أو عنف، فتكوَّنت بهذه الوسيلة وبهذا اليسر.

    سماحة القومية العربية وأخص مزايا هذه القومية العربية أنها حرة ومتسامحة، وأنها مفتوحة الأبواب لا مغلقتها، وأنها متعاونة مع الذين يحبون أن يتعاونوا معها؛ فهي قبلت الثقافات الأجنبية في عصورها الإسلامية الأولى؛ قبلت الفرس والهند واليونان، وقبلت كثيرًا جدًّا من الثقافات السامية القديمة، ومن ثقافة المصريين القدماء، قبلت هذا كله وأساغته وجعلته عربيًّا، ثم لم تكتف بهذا ولم تستأثر به دون الإنسانية المتحضرة، ولكنها جعلت تنشر ما تستطيع أن تنشره من هذا كله في الشرق والغرب جميعًا، فأثَّرت بثقافاتها الجديدة في الشرق: في الهند وفي بلاد الصين، وأثرت بثقافتها العربية الجديدة في أوروبا في الغرب، وفي أوروبا لم تؤثِّر بعلمها وفلسفتها فحسب، ولكنها أثَّرت بعلمها وفلسفتها، وأثَّرت بشعرها أيضًا، وهي التي علَّمت الشعراء الفرنسيين في القرون الوسطى أن يقولوا ذلك الشعر الذي كانوا ينتقلون به بين المدن في فرنسا. هذه هي القومية العربية، كوَّنها — أو حاول تكوينها — الشعر أول الأمر، ثم كوَّنها القرآن آخر الأمر، ثم جعلت تفرض نفسها في غير عنف ولا إكراه على العالم القديم، حتى احتلَّت مكانة الإمبراطورية الرومانية واحتلَّت مكان الدولة الفارسية. وهي الآن بعد أن عَدَتْ عليها الخطوب، وبعد أن ألحفت عليها الكوارث، وبعد أن ألح عليها التُّرْك بنوع خاص في عصور مختلفة من حياتهم، وبعد أن اضطُرَّت إلى الخمول وإلى الضعف؛ ظلَّت على الرغم من هذا كله محتفِظةً بقوميتها، محتفظة بلغتها وعقليتها وشعورها وكل ما يميزها. ظلت محتفظة بهذا كله، وقد عَرَضَتْ لها الخطوب المختلفة، فانقسمت وانفصل بعضها عن بعض ونشأت فيها دول، برغم هذا ظلت — وستظل — واحدة في الشعور، وواحدة في التفكير، وواحدة في الآلام، وواحدة في الآمال.

    فضل الأدباء وإن كانت الأمة العربية قد أخذت الآن تنهض، وأخذت تعرف نفسها، وأخذت تعرف حقوقها وتعرف واجباتها؛ فالفضل في هذا كله إنما يرجع إلى الأدب وإلى الأدب وحده. ما الذي أنشأ النهضة الحديثة في هذه البلاد العربية؟ هو أنها التقتْ بالغرب، وعرفت حياة غريبة لم تكن تعرفها … كان الترك العثمانيون قد قطعوا كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فلم تكن تعرف الغرب ولا تكاد تسمع به، وكاد الغرب هو نفسه أن ينساها. اضطرت بمقتضى الحوادث التي حدثت في أواخر القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر إلى أن تعرف أوروبا، فرأت ألوانًا من الحياة جديدة، وأرادت أن تعرف من هذه الحياة شيئًا؛ فجعلت تتعلَّم اللغات الأوروبية، وإذا هي تعرف المطبعة، ولم تكد تعرف المطبعة حتى ذكرت أن لها كتبًا قديمة مكدسة في المساجد وفي الكنائس وفي الأديرة، وإذا هي تأخذ في نشر هذه الكتب، وكان إحياء الأدب العربي القديم بفضل المطبعة، وكان الاتصال بالحياة الغربية الحديثة ضمن هذين التيارين، نشأت ثقافة جديدة في هذه البلاد العربية، ومَن الذي أنشأها؟ هؤلاء الأفراد الذين تعلموا، والذين كانوا يقرءون الكتب القديمة وينشرونها، ويتعلَّمون اللغات الحديثة ويترجمون منها، والذين كانوا يُذيعون العلم والأدب في بلادهم وفي البلاد المجاورة. ومَن هؤلاء القوم؟ ومَن هؤلاء الناس؟ إنهم هم طليعة الأدباء المعاصرين.

  • الهجرة

    الهجرة
    طه حسين
    النداء
    ١٨ نوفمبر ١٩٤٧

    لفظ يسير ينطق به اللسان في غير مشقة ولا جهد، ومعنًى كبير تقصر العقول عن إدراك جلاله، وتضيق القلوب عن الإحاطة بروعته، ويُقبِل الناس مع ذلك على تمجيده والاحتفال به كلما دار العام. يظنون أنهم يؤدون إليه كل حقه أو بعض حقه، وهم لا يؤدون إليه من حقه شيئًا، وإنما يخدعون أنفسهم عن هذا الحق، ويجورون بها عن قصد السبيل.

    ولستُ أدري لماذا لا تتعلق الحكومات المصرية والجماعات المصرية بشيء عظيم إلا ابتذلته ابتذالًا، وردَّتْه إلى ما لا يلائمه من ضآلة القدر وتواضُع المنزلة.

    فالحكومات التي تظن أنها تحتفل بالهجرة حين تغلِق الدواوين، وتريح الموظفين، وتُطلِق المدافع في أوقات معلومة من رأس العام الهجري، لا تزيد على أن تعبث بنفسها وتعبث بالناس، وتضحك من نفسها وتضحك من الناس، وتتيح للناس أن يضحكوا منها، وهي لا تعبث بمعنى الهجرة؛ لأنه فوق عبث الحكومات وجدِّها، وفوق تواضع الحكومات وكبريائها، وفوق تقدير الحكومات وحكمها.

    والجماعات التي تظن أنها تحتفل بالهجرة، حين تحتشد بالهجرة حين تحشد في هذا المكان أو ذاك، لتسمع الخطب المدبجة والأحاديث المنمقة والكلام الذي لا يدل على شيء، ثم لتصفق حين تدعو المواقف إلى التصفيق، أو حين لا تدعو إليه، ثم لتثني على هذا الخطيب، وتغض من ذاك الخطيب، ثم لتتفرق بعد ذلك كأنها لم تشهد شيئًا ولم تسمع شيئًا، وإنما انصرفت عن لعب إلى لعب، وتحولت من لغو إلى لغو …

    هذه الجماعات لا تزيد على أن تخدع نفسها بالأماني، وتضل نفسها بالآمال، وتستجيب للغرور كما يستجيب له الأطفال، ثم تعود إلى اللهو الباطل كما يعود إليه الأطفال. وهي مع ذلك لا تحتفل بالهجرة؛ لا تزيدها جلالًا، ولا تغض من قدرها بهذا اللعب؛ لأنها أرفع شأنًا وأعظم خطرًا وأسمى مكانًا من أن يبلغها لعب اللاعبين وغرور المغرورين.

    فلم تكن الهجرة كلامًا يقال الآن ليُنسَى بعد حين، ولم تكن الهجرة تمثيلًا يُعرَض على النظارة ليلتهوا به حين يُعرَض عليهم، ثم يكون الانصراف عنه والنسيان له بعد ذلك بوقتٍ يقصر أو يطول.

    وإنما كانت الهجرة حدثًا خطيرًا، لم تشهد الإنسانية مثله من قبل أن يكون، ولا يُنتظَر أن تشهد الإنسانية مثله بعد أن كان حدثًا خطيرًا، لم يُقدِم عليه الإنسان بدافع من نفس الإنسان، وإنما أقدم عليه النبي — صلى الله عليه وسلم — بأمر من الله ووحي من السماء.

    حدثًا خطيرًا لم تنقضِ آثاره القريبة والبعيدة لمجرد وقوعه، أو بعد وقوعه بالأعوام أو بعشراتها أو بمئاتها، ولكنها لن تنقضي حتى يرِث الله الأرضَ ومَن عليها.

    وهل من أجل هذا لا يمكن ولا ينبغي أن يكون الاحتفال بها كلامًا يقال وحركات تُعرَض؛ كلامًا تنطق به الألسنة وتتلقاه الآذان، وحركات تأتي بها الأجسام وتتلقاها العيون؟ وإنما الاحتفال بالهجرة إيمان يستقر في القلوب فيملؤها نورًا، ويقين يبلغ أعماق الضمائر فيملؤها نقاءً، وثقة تستأثر بالنفوس فترفعها عن الدنيات، وليس هذا كله من الكلام والحركات في شيء.

    إنَّ النَّبيَّ حين هاجر لم يتكلم، ولم يُلْقِ خطبًا طوالًا ولا قصارًا، ولم يعرض على أصحابه وأعدائه حركات تُسحِر العيون وتُبهِر الألباب وتستهوي العقول، وإنما تلقَّى أمر ربِّه بالهجرة من تلك القرية الظالم أهلها، فأذعن للأمر، وأنبأ صاحبه وقَبِلَ مرافقته، وأمر ابن عمه أن يبيت في فراشه، وأن يتخذ برده، ثم خرج في الساعة التي أُذِنَ له أن يخرج فيها، فمر بالرصد القائمين حول بيته، الذين كانوا ينتظرون به أن يسفر الصبح فيقتلوه. مر بهم لم يستخف عنهم ولم يحتط منهم، ولم يهدئ من مشيئته، ولم يخافت بصوته، ولم يضائل من شخصه، وإنما خرج كما تعوَّد أن يخرج، ومرَّ كما تعوَّد أن يمر، وجعل يتلو آيةً من القرآن، ويضع على رءوس هؤلاء الرصد التراب، ثم مضى لغايته. لم يَرَوا شخصه، ولم يحسوا خطوه، ولم يسمعوا صوته، ثم لم يطيقوا أن يسهروا له إلى آخِر الليل، وإنما شملهم نوم عميق غليظ، ليس أقل عمقًا من جهلهم، ولا أقل غلظًا من حمقهم، فلما أصبحوا تبيَّن لهم أنهم قد مكروا ومكر الله والله خير الماكرين.

    وقد بلغ محمد دار هجرته بعد خطوب كلأه الله فيها بعنايته، وشمله برعايته، وصحبه في وحدته، وآنسه في وحشته، فلما بلغ المدينة لم يحفل بكلامٍ يقال ولا بحركاتٍ تُعرَض، وإنما بنى المسجد، فأسَّس في الأرض أول بيت خالص للدين الجديد، وآخَى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، فأسَّس هذه الدولة الني نشرت في الأرض نورَ الدين الجديد.

    صبر على المحنة وصبر معه أصحابه عليها ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة، واستقبل العمل والإنشاء (كما نقول الآن)، واستقبلهما معه أصحابه عشرة أعوام بعد الهجرة. وكان في أثناء هذا الوقت الطويل القصير يبلِّغ رسالات ربه، ثم لا يقول بعد ذلك إلا حين يحتاج إلى القول، وكان أصحابه يتلَقَّون ما يبلغ إليهم من رسالات ربهم، ثم لا يقولون بعد ذلك إلا حين يحتاجون إلى القول.

    لم يتخذ هو ولم يتخذ أصحابُه القولَ غايةً يقصدون إليها، ويقفون عليها جهودهم، وينتهون إليها بعنايتهم، وإنما اتَّخَذَ القولَ، واتَّخَذَ أصحابَه وسيلةً إلى العمل الصالح كما أراد الله أن يكون.

    نعم، عمل وعمل أصحابُه في هذا الوقت الطويل القصير أكثر جدًّا مما قالوا؛ أنشئوا دولة ما زالت آثارها خالدة، وستظل خالدة إلى آخِر الدهر، لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تكون هناك سبيل إلى إحصاء الخلود. أعمال لا تُحصَى، وأقوال تُجمَع في مجلدات صغار، ثم يختاره الله لجواره، فيمضي أصحابه على سُنَّته، يعملون دائمًا ولا يتكلمون إلا قليلًا، فتكون الفتوح، وينتشر دين الله في الأرض، وتدخل الإنسانية في طور جديد من أطوار حياتها.

    حتى إذا كانت هذه الأيام من آخِر الزمان، تبيَّنَ أنَّ من الناس مَن يتَّخِذ القولَ وسيلةً إلى العمل، فيملأ القلوب رحمةً، والعقول علمًا، والأرض عدلًا، والدنيا نورًا، وأنَّ من الناس مَن يتعزى عن العمل بالقول، ويتلهَّى عن الجد بالهزل، ويتخذ من القول غايةً لا وسيلة، ويهمل العمل إهمالًا، فيملأ القلوب قسوةً، والعقول جهلًا، والأرض جورًا، والدنيا ظلامًا.

    كلا أيها السادة، لا تحتفلوا بالهجرة في المجامع والمحافل قبل أن تحتفلوا بالهجرة في القلوب والضمائر والعقول. إنْ كنتم تحبون الله ورسوله، وتؤمنون بما دعا إليه النبي قبل الهجرة وبعدها، فأقيموا في قلوبكم وضمائركم وعقولكم محاريب، يُذكَر الله فيها حين تمسون وحين تصبحون، وحين تنامون وحين تستيقظون، وتتمثل فيها الأسوة الحسنة التي عرضها عليكم الرسول قبل أن يهاجر وبعد أن هاجر.

    هنالك تجدون في قلوبكم رحمةً تعصم البائسين من البؤس، وتنقذ الأشقياء من الشقاء، وهنالك تجدون في ضمائركم نقاءً يرتفع بها عن الصغائر والدنيات، وهنالك تجدون في عقولكم نورًا يبيِّن لكم أن سوق العدل والبر والإحسان هي الرابحة، التي لا يتعرَّض أصحابها إلى بوار أو كساد. فأما ما أنتم فيه من كلام يُقال ليُنسَى، وحركات تُرَى لتُهمَل، وغرور لا يرضي الله وإنما يرضي الشيطان؛ فانظروا، أتريدون أن ترضوا الله، أم تريدون أن ترضوا الشيطان؟!

  • ثورتان

    ثورتان
    كانت إحداهما في إيطاليا أثناء القرن الأول قبل المسيح، وكانت الثانية في العراق أثناء القرن الثالث للهجرة، وقد عرَّضت أولاهما الجمهورية الرومانية كلها لخطر عظيم، وعرَّضت ثانيتهما الخلافة الإسلامية كلها لخطر عظيم، وقد كانت لكل واحدة منهما أعقاب كثيرة خطيرة ظهرت آثارها فيما بعد، كما كانت لكل واحدة منهما خصائص أظهرت أبطالاً من المختصمين يستحقون الدرس والبحث، ويستوجبون العناية، ويدعون إلى كثير من التفكير.
    فأما أولاهما فهي ثورة الرقيق في إيطاليا، تلك التي قادها سبرتاكوس، وأما ثانيتهما فهي ثورة الزنج في البصرة، تلك التي قادها عبد الله بن محمد المعروف بصاحب الزنج.
    وقد يسأل القارئ فيمَ تعرضي لهذا الموضوع وقد ذهب الرق وانتهت أيام الأرقاء، وليس في حياة الناَّس الآن ما يدعو إلى التفكير في مثل هذا الموضوع والعناية به، وأحب أن ألاحظ قبل كل شيء أن من الجائز أن يكون الرق الفردي قد ذهب وانقضى عصره، وإن كنت لا أثق بذلك ولا أطمئن إليه، ولكن الرق الاجتماعي لم يذهب بعد ولم ينقضِ عصره، ولست أدري متى يذهب ومتى تنقضي أيامه، فهناك شعوب تسترقُّ شعوبًا، وهناك طبقات من الناَّس تسترق طبقات من الناس، ومع ذلك، فأنا لم أختر هذا الموضوع لأتحدث عن استرقاق الشعوب واستغلال طبقات الناَّس لطبقات الناس، وإنما اخترت هذا الموضوع لسبب آخر سيعرفه القارئ بعد حين، وأحب أن ألاحظ بعد ذلك أن ثورة الزنج في البصرة لم تكن في حقيقة الأمر بدعًا من حياة المسلمين؛ فقد عرف المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة سخط الساخطين على النظام السياسي والاجتماعي، وثورة الثائرين بالنظام السياسي والاجتماعي، ولقيت دولة بني أمية كما لقيت دولة بني العباس من طلاب العدل السياسي والاجتماعي ألوانا من العناء يعرفها الذين يدرسون تاريخ الخوارج، ويتتبعون تطور مذاهبهم منذ كانت نظرية التحكيم، فليست ثورة الزنج، في حقيقة الأمر إلا مظهرًا من مظاهر المطالبة بالعدل الاجتماعي، قد اعتمد على مذهب الخوارج أكثر مما اعتمد على أي شيء آخر، ويكفي أن نلاحظ أن صاحب الزنج قد كتب على رايته بالخضرة والحمرة الآية الكريمة: ﴿إنَِّ الله اشْترََ ٰىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنَفُسَهُمْ وَأمَْوَالَهُم بِأنََّ لَهُمُ الْجَنةََّ ۚ يقَُاتِلُونَ فيِ سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتلُوُنَ وَيقُْتلَُونَ﴾ إلى آخر الآية، فالثورة في مظهرها خارجية، قد باع الثائرون فيها أنفسهم لله يقاتلون في سبيله فَيَقْتلُوُنَ ويقُْتلَُونَ، كما كان الخوارج يصنعون من قبل، وكما كانوا يصنعون من بعد، وكما كان خارجي آخر يصنع في الوقت نفسه، فيكلف الدولة عناءً ثقيلاً، يقاتل ومعه أصحابه كما كان يزعم في سبيل الله فَيقَْتلُُونَ ويقُْتلَُونَ، وهو مساور الذي خرج على الدولة في أعماق إيران.
    وأحب أن ألاحظ آخر الأمر أن ثورة الرقيق على الجمهورية الرومانية في إيطاليا قد أثارت كثيراً من القول، فكتب فيها المؤرخون القدماء وكتب فيها المحدثون، بل تأثر بها بعض المحدثين في آرائهم الاجتماعية والسياسية، وما زالت تلُهِم الكتَّاب الأوروبيين إلى الآن، وهذا هو الذي دفعني إلى أن أعرض لهذا الموضوع في هذا الحديث.
    فقد قرأت في هذه الأيام الأخيرة قصة رائعة للكاتب المجري أرتور كوسلر، موضوعها «سبارتاكوس وثورة الرقيق على روما» فسألت نفسي: ما بال ثورة الزنج لم تحدث في حياتنا الأدبية مثل ما أحدثته هذه الثورة الإيطالية القديمة؟ لقد سجل المؤرخون أحداثها كما سجل المؤرخون الرومانيون أحداث الثورة الإيطالية، وقال الشعراء المعاصرون في الثورة كثيراً من الشعر، كما تحدث الأدباء الرومانيون من قبل في اللاتينية واليونانية عن ثورة سبارتاكوس، ولكن الأوروبيين لم ينسوا تاريخ روما وأحداثه، ولم ينظروا إليه على أنه تاريخ ليس غير، وإنما جعلوه جزءًا من حياتهم ومن حياتهم الواقعة التي يحيونها بالفعل؛ فهم يستلهمونه كما يستلهمون التاريخ اليوناني وكما يستلهمون أساطير اليونان والرومان، وكما يستلهمون التوراة فيما يكتبون من نثر وما يقرضون من شعر، فأما نحن فنعرض عن التاريخ العربي إعراضًا يوشك أن يكون تامٍّا، لا نكاد نحفل منه إلا بعصر البطولة الذي نجتمع كلنا على حبه والإعجاب به، فنحن نتحدث عن عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين، ونحن نذكر دمشق عاصمة بني أمية، ونذكر بغداد عاصمة بني العباس، ونذكر القاهرة عاصمة الفاطميين، نذكر هذا كله نلتمس فيه الفخر بالقديم ونلتمس فيه العبرة والعظة أيضاً، وقد نلتمس فيه ما يدفعنا إلى الجد ويثير فينا النشاط، ويعزينا عن بعض ما نلقى مما لا يلائم كرامتنا ولا يوافق مجدنا القديم، وكل هذا حسن من غير شك، ولكن من الخير أيضًا أن ننظر إلى تاريخنا على أنه مصدر من مصادر الإلهام الأدبي، وعلى أنه جزء من حياتنا الواقعة لم تنقطع بيننا وبينه الأسباب، فنحن ما نزال نشارك القدماء فيما شعروا وفيما أحسوا، لا يفرق بيننا وبينهم إلا هذا التطور الذي لا بد منه للأحياء.
    وربما كان من الطريف أن نلاحظ أن كثيراً منا يفكرون في العدل الاجتماعي، ويحسون حاجة الجماعات إليه، ولكنهم ينظرون إلى ما وراء البحر الأبيض المتوسط، ليلتمسوا في أوروبا مصادر هذا الشعور بالحاجة إلى العدل الاجتماعي، ومظاهر المطالبة به والسعي إليه، ينظرون إلى الديمقراطية المعتدلة وينظرون إلى الاشتراكية الدولية وإلى الاشتراكية الوطنية وقد ينظرون إلى الشيوعية في كثير من التردد والاستحياء، ولكنهم لا ينظرون أو لا يكادون ينظرون إلى فكرة المطالبة بالعدل الاجتماعي، كما وجدها المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة، وقليل منهم بل أقل من القليل أولئك الذين يحاولون أن يتابعوا نشأة هذه الفكرة وتطورها في البيئات الإسلامية الثائرة، وما أنتجت من ألوان الأدب، قبل أن تتأثر بالثقافات الأجنبية وبعد أن تأثرت بهذه الثقافات، وما كان لها من أثر في حياتنا العقلية المعقدة في الفلسفة والكلام وفي الفقه والأصول، فضلاً عن أن يفكروا في استلهام هذا اللون من ألوان الحياة الإسلامية حين يكتبون النثر أو ينظمون الشعر، ومع ذلك فقد كان للمطالبة بتحقيق العدل الاجتماعي أبطال من حقهم أن يدُرَّسوا، ومن حقهم أن يلهموا الكتاب والشعراء، كما جرت المطالبة بالعدل الاجتماعي على المسلمين في جميع أقطار الأرض الإسلامية خطوبًا هائلة من حقها أن ي تت ي ت. اكيكي . . تدرَّس وتجلى، ومن حقها أن تلهم الكتاب والشعراء حين يكتبون وينظمون.
    وأنا بالطبع لا أريد في هذا الحديث أن أدعو إلى إحياء حركات الخوارج والزنج والقرامطة، كما أني لا أريد أن أدعو إلى أن نستعير من أوروبا هذا المذهب أو ذاك من مذاهب المطالبين بتحقيق العدل الاجتماعي، وإنما أحب أن ألفت أدباءنا إلى أن لنا في المطالبة بالعدل الاجتماعي تاريخًا حافلاً عظيم الغناء يستحق أن نرجع إليه بين حين وحين، فلعلَّنا إن فعلنا عرفنا أن المتطرفين من قدمائنا قد سبقوا إلى طائفة من الأصول في تنظيم الحياة الاجتماعية لم تسُتكشَف في أوروبا إلا أثناء القرن التاسع عشر أو في عصر الثورة الفرنسية الكبرى.
    فنحن إذن لسنا عيالا ولا يمكن أن نكون عيالا على المطالبين بتحقيق العدل والثائرين على الظلم الاجتماعي من الأوروبيين، وإنما نحن أبعد منهم عهدًا وأشد منهم ممارسة لهذا النحو من محاولة الإصلاح. مِنْ قدمائنا مَنْ طلب الإصلاح الاجتماعي في رفق ولين، ومنهم من طلبه في ثورة وعنف، ومنهم من أثارها حرباً شعواء على النظم القائمة فعرضها للخطر، وكاد يمحو سلطانها محوًا.
    والثورتان اللتان أريد أن ألم بهما في هذا الحديث تصوران لوناً من ألوان السخط يستحق أن يطيل الأدباء التفكير فيه، فقد نشأت ثورة الرقيق على روما من عادة بشعة كان الرومانيون قد ألفوها، ولكنها لم تلبث أن تجاوزت مصدرها الضيق وأصبحت ثورة شاملة على النظام الاجتماعي كله في إيطاليا. هذه العادة البشعة التي أنشأت هذه الثورة هي عادة الاستمتاع بمنظر الرقيق المصطرعين، فقد ألف الرومان أن يشتروا الرقيق ويثقفوهم في فنون الصراع الذي ينتهي إلى الموت، حتى إذا برعوا في هذه الفنون عرضوهم على النظارة في الملاعب وأغروا بعضهم ببعض، وجعل النظارة يستمتعون بما يكون بينهم من كَرٍّ وفرٍّ ومن إقدام وإحجام، وبما يسُفَك بينهم من دماء، وبما يزُهَق بينهم من نفوس، وكان الرومانيون يؤثرون هذه اللذة الآثمة على كل شيء، ينعمون حين يصرع الإنسان الإنسان، وينعمون حين يصرع الحيوان الحيوان، وينعمون حين يكون الصراع بين الإنسان والحيوان، وكانوا في أعقاب الجمهورية وفي أيام الإمبراطورية يطلبون إلى سادتهم وقادتهم، كما هو معروف، شيئين اثنين: الخبز واللعب.
    ففي مدينة من المدن الإيطالية كان رجل من أصحاب الملاعب قد جمع طائفة من الرقيق يثقفهم هذه الثقافة البغيضة، ويعرض صراعهم على النظارة بين حين وحين، فهربت جماعة الرقيق من مدرسة هذا الرجل في مدينة كابو، وكان عددها ينيف على السبعين، وانطلقت أمامها لا تلوي على شيء، واستعان صاحبها بالشرطة فلم تقدر على ردهم، ولكنهم لم يكادوا يتقدمون في هربهم حتى انضمت إليهم أعداد أخرى من الرقيق، لم تكن تتخذ للصراع وإنما كانت تتخذ للخدمة على اختلاف ألوانها، وما هي إلا أن ينتشر النبأ ويتسامع به الناَّس حتى ينتشر معه هرب الرقيق وانضمامهم إلى هؤلاء الآبقين، ثم لا يقف الأمر عند الرقيق وإنما يتجاوزهم إلى أشباه الرقيق من الفقراء والبائسين الذين يعملون في الأرض والذين لا يعملون، والذين يحتملون من ألوان البؤس ما يطاق وما لا يطاق، وإذا الجماعة تضخم شيئا فشيئا حتى تصبح خطرًا تحسب له الجمهورية حسابًا، ثم يتجاوز الأمر هؤلاء جميعًا إلى ألوان من الناَّس لم يكونوا رقيقا ولم يكونوا أحرارًا فقراء، وإنما كانوا ساخطين على النظام الاجتماعي، يرون فيه ظلمًا يجب أن يرُفَع ويطمحون إلى مثل عليا يجب أن تتحقق. من هؤلاء من كان معنياٍّ بالأدب والبيان ومنهم من كان معنيا بالقضاء والمحاماة، وكل هؤلاء قد نسوا مدرسة الصراع وهرب المصارعين، وأصبحوا لا يفكرون إلا في النظام الاجتماعي السيئ الذي كانوا يحاولون تغييره، ولست في حاجة إلى أن أصور سوء النظام الذي كان هؤلاء الناَّس يثورون به ويسخطون عليه، وإنما يكفي أن ألاحظ أن الثروة الرومانية الضخمة كانت قد انحصرت في أيدي طائفة قليلة من الناَّس يمكن إحصاؤهم؛ فهم الذين يملكون الأرض ويسخرون فيها الرقيق ويقصون عنها الأحرار، وهم الذين يحتكرون التجارة داخل إيطاليا من وراء البحار، وهم الذين يحتكرون الحكم في جميع أرجاء الإمبراطورية ويستغلونه لا للشعب، وهم بحكم هذه الثروة الضخمة التي صارت إليهم يستطيعون أن ينشئوا الجيوش على نفقاتهم الخاصة، ينشئونها في الأرض الإيطالية، وينشئونها في أقاليم الإمبراطورية ويستعينون بها على تحقيق ما يريدون من المآرب والآمال.
    في ذلك الوقت كانت كثرة الأحرار من أهل إيطاليا متعطلة قد فقدت ما كانت تملك من الأرض وأصبحت عالة على الأغنياء، تعيش لهم وبهم، تتلقى منهم رزقها وتمنحهم أصواتها في الانتخاب، كما تمنحهم سواعدها حين يجد الجد وتثار الحرب، وفي هذا الوقت كانت الثورات في الأقاليم منتشرة عنيفة: فثورة في إسبانيا، وأمر مضطرب في آسيا، وفي هذا الوقت كان البحر ثائرًا على روما، قد استبد به جماعة من القرصان فتحكموا في المواصلات كما تحكموا في التجارة، وقضوا على سلطان أساطيل الدولة قضاءً يوشك أن يكون تامٍّا، فلا غرابة أن يضطرب مجلس الشيوخ الروماني أشد الاضطراب حين يثور الرقيق وتعظم جماعة الثائرين منهم، وينضم إليهم عدد ضخم من الأحرار، ويتعرض النظام كله لهذا الخطر العظيم، وقد أرسل مجلس الشيوخ جيشًا لقهر هؤلاء الثائرين وردهم إلى مواليهم، فمضى الجيش حتى ألجأ الثائرين إلى قمة جبل لاذوا بها، وحاصرهم الجيش هناك وقطع عنهم الميرة، وأقام واثقًا بأنهم سينزلون على حكمه في يوم من الأيام، ولكن الثائرين احتالوا حتى انحدروا من الجبل إلى مكان أمين وداروا حول الجبل حتى أخذوا الجيش على غرة، فهزموه هزيمة منكرة وقتلوا منه مقتلة عظيمة، وغنموا ما كان في المعسكر من سلاح ومؤنة وأداة، فاشتد بذلك بأسهم وعظمت قوتهم، واشتد خوف مجلس الشيوخ في روما فأرسل إليهم جيشًا آخر لم يكن حظه خيراً من حظ الجيش الأول، ثم أرسل جيشًا آخر يقوده القنصلان، فلم يصنع هذا الجيش شيئاً، وإنما انهزم كما انهزم الجيشان اللذان سبقاه، وكان انتصار الثائرين في كل مرة ينشر لهم الدعوة في إيطاليا نشرًا هائلاً، ويحرض الرقيق أن يأبقوا ليلحقوا بهم، ويحرض البؤساء على أن ينضموا إليهم، حتى كثف جمعهم، وحتى فقدت المدن الإيطالية الأمن أمام الخطر الداهم الذي يأتيها من خارج من هذا الجيش الضخم، والذي يأتيها من داخل من هؤلاء الرقيق الذين يعملون في الدور والقصور والأرض ودور التجارة؛ ولذلك اهتمت روما لهذا الأمر اهتمامًا خاصٍّا، فاختارت لقتال هؤلاء الثائرين رجلاً ممتازًا من رجالها، ممتازًا بشيئين: بالثروة الضخمة التي لم تكن ثروة أخرى تعدلها في روما، والتي أتاحت له أن يتحكم في الأغنياء والفقراء جميعًا، وبالطموح الهائل الذي لم يكن يعدله إلا عجز الرجل وقصوره عن النهوض بجلائل الأعمال، وهو مع ذلك قد كان يرى أصحابه وأترابه يشغلون المناصب العليا ويدبرون شئون الدولة ويحكمون الأقاليم، وكلهم كان مديناً له بالمال القليل أو الكثير.
    هذا هو ماركوس كراسوس الذي اختارته روما لقتال الثائرين، وأرسلت معه جيشا ضخمًا حسن العدة، فما زال يتتبع الثائرين يقهرهم حيناً ويقهرونه حيناً حتى ألجأهم إلى شبه الجزيرة، يأخذهم البحر من أكثر أقطاره ويأخذهم هو من قطره الأخير، وهناك حصر الثائرين، فاحتفر بينه وبينهم خندقًا وأقام على هذا الخندق سورًا منيعًا وانتظر أن يلقوا إليه بأيديهم، وقد تعرض الثائرون لجهد هائل، فقد انقطعت عنهم الميرة حتى ألح عليهم الجوع والظمأ والمرض، وهمَّ زعيمهم سبارتاكوس أن يستعين بالقرصان على تموينهم، فعبثوا به وأخذوا منه ماله ولم يمنحوه إلا المواعيد، وهمَّ أن يصالح القائد الروماني على أن يترك للناس حريتهم يصنعون بها ما يشاءون، ويأخذ القادة ليصنع بهم ما يشاء، ولكن كراسوس أبى إلا التسليم بلا قيد ولا شرط، كما يقول الناَّس في هذه الأيام، وقد استيأس سبارتاكوس واستيأس أصحابه وأبوا أن يلقوا بأيديهم، فاحتالوا حتى عبروا الخندق وتقدموا للموقعة اليائسة. هنالك تقدم سبارتاكوس بين الصفين فنحر فرسه وقال لأصحابه: إن أقُْتلَْ فلست في حاجة إليه وإن أنتصر فلن أعدم فرسًا مكانه، ثم كانت الموقعة وقُتِلَ سبارتاكوس وقُتِلَ أكثر أصحابه وأسر سائرهم، وعاد كراسوس وقد جعل من هؤلاء الأسارى نكالاً للذين يحاولون الثورة على النظام الاجتماعي، فأقام الصلبان على طول الطريق بين ساحل البحر وروما، وجعل كلما تقدم أميالاً صلب جماعة من الأسارى، حتى امتلأت الطريق بين البحر وروما صياحًا وعويلاً ودماءً، وكان كراسوس يظن أن هذا الفوز على الثائرين سيكفل له التسلط على روما، ولكن الشيوخ لم يقدروا هذا الفوز إلا تقديرًا متواضعًا لأنه كان فوزًا على العبيد لا على الجيوش ذات العدة، وقد استطاع كراسوس مع ذلك بفضل ثروته الضخمة وغناه العريض أن يحالف قيصر ويومبيوس، وأن يفرض الثلاثة أنفسهم على روما، وأن يقتسموا الإمبراطورية بينهم، وكانت آسيا نصيب كراسوس، فذهب إليها ومعه جيشه الضخم، ولكنه لم يعد منها كما لم يعد منها جيشه. اندفع إلى حرب البارتيين وغرته قوته ولم تسعفه مهارة ولا سياسة ولا علم بفنون الحرب ولا استماع لنصح الناصحين، فقُتِلَ ابنه أولاً وقُتِلَ هو بعد ذلك ومُحِق جيشه محقا.
    وقد نستطيع أن ننظر من أمر هذه الثورة إلى بطلين من أبطالها: أحدهما سبارتاكوس قائد الثورة، والآخر كراسوس ماحق الثورة، فأما أولهما فقد كان راعياً للقطعان في تراقيا، وقد جُلِب منها فيمن كان يجُلَب من العبيد، فتنقل به الرق من مكان إلى مكان ومن يد إلى يد، حتى انتهى إلى صاحب اللعب المصارعين في تلك المدينة الإيطالية، وكان رجلاً سمح النفس، طيب القلب، ساذج الطبع، كان راعيًا من رعاة القطعان بأوضح ما لهذه الكلمة من معنى، لا يحب قتلا ولا قتالا، ولا يريد شرٍّا ولا خصومة، وإنما يؤثر هذه الحياة السهلة الراضية على خشونتها، يتبع قطعانه في مراعيها، كل همه أن يرد عنها الشر ويصد عنها العدوان، ولكنه لم يستطع أن يرد عنها ولا عن نفسه شرٍّا، ولا أن يصد عنها ولا عن نفسه عدوانا، فأخذ في بعض الغنائم كما أخِذت قطعانه، وبِيع في بعض الأسواق كما بيعت قطعانه أيضًا، وهمَّ سيد من سادته أن يقدِّمه إلى الموت كما كانت قطعانه تقُدَّم إلى الموت، فهرب فيمن هرب من المصارعين، لا يريد بغياً ولا اعتداءً، وإنما يريد أن ينجو بنفسه من أن يكون قاتلاً أو مقتولاً، وأن ينجو بنفسه كذلك من أن يكون سلعة تباع وتشترى، وأداة تسخر لغير ما تريد، مع أن لها قلبًا يشعر، وعقلاً يفكر، وإرادة تعرف ما تقصد إليه.
    وكان سبارتاكوس رجلاً قوي الجسم، مرتفعًا في السماء، عريضًا في الفضاء، شجاعًا لا يعرف الخوف، مصممًا لا يحب التردد، قانعًا لا يطمع إلا في أن يعيش حرٍّا، ولا يتمنى إلا أن يعود إلى وطنه في تراقيا ويستأنف حياته تلك مع قطعانه ينتقل بها في الرياض والمروج، ولو أطاعه أصحابه لكان من الممكن أن يبلغ من ذلك ما أراد، وقد كان ينصح لهم دائمًا ويلح عليهم في النصح أن يخرجوا من هذه الأرض الظالم أهلها، وأن يعبروا الألب ويفترقوا بعد ذلك فيمضي كل واحد منهم إلى وطنه، ويستأنف حياته الهادئة التي كان يحياها قبل أن يبسط الرق عليه يده الظالمة، ولكن أصحابه لم يطيعوه ولم يسمعوا له، كانوا قلة ضئيلة ثم أصبحوا كثرة عظيمة، فأعجبتهم كثرتهم ولكنها لم تغنِ عنهم من الموت شيئا.
    ولم يكن سبارتاكوس يبغض شيئا كما كان يبغض النهب والسلب والإغارة على المدن الآمنة، ولو سمع له أصحابه بعد أن رفضوا العودة إلى أوطانهم لاستقروا في هذه الناحية أو تلك من نواحي إيطاليا وعاشوا من كسب أيديهم، ولانتشرت دعوتهم في هدوء وسلم، ولكان من الممكن أن ينعموا بحياة مطمئنة، وأن يدافعوا عن هذه الحياة إن احتاجوا إلى الدفاع عنها، ولكن أصحابه لم يسمعوا له؛ فقد كانت قلوبهم مغيظة محنقة، وكانت نفوسهم ساخطة واجدة، وكانوا مظلومين، فلم يكفهم أن يخرجوا أنفسهم من الظلم، وإنما أرادوا أن يظلموا الناَّس كما ظلمهم الناس، وأن يذيقوا سادتهم مثل ما أذاقهم سادتهم من الذل والهوان؛ ولذلك اعتدوا على المدن، فحرقوا وخربوا وقتلوا ومثلوا وملأوا أيديهم مما لا يحل لهم من أموال الوادعين الهادئين، فأحفظوا الناَّس على أنفسهم من جهة وأغروا الضعفاء وأصحاب المطامع باتباعهم من جهة أخرى، وكانوا لا يمر بهم يوم إلا ازداد إقبال الناَّس عليهم وبغض الناَّس لهم، فكانوا يستكثرون في كل يوم من الأعداء والأولياء جميعًا، وقد هم سبارتاكوس أن يأخذ أصحابه بالحزم ويحملهم على الجادة ويمنعهم من اقتراف الآثام، فأبى بعضهم أن يسمع له وفارقوه إلى حيث لقوا حتفهم، وسمع له الآخرون وقتًا ما ثم لم يلبثوا أن ضاقوا بهذه الحياة الهادئة التي يعُتدَى عليهم فيها ولا يعتدون على أحد، فعادوا إلى سيرتهم وملأوا الأرض من حولهم شرٍّا حتى انتهوا إلى تلك العاقبة التي صورتها آنفًا.
    وأما قامع الثورة كراسوس فقد كان — كما رأيت — رجلاً لا حدَّ لثرائه ولا حد لمطامعه ولا حد مع ذلك لعجزه وقصوره، ولم يكن ماهرًا إلا في شيء واحد هو جمع المال يأخذه بحقه قليلاً ويأخذه بغير حقه كثيراً، كان مرابياً مفحشًا في الربا، ولكنه يشتط على الضعفاء وييسر الأمر تيسيراً للأغنياء وأصحاب الجاه، يأخذ من أولئك أموالهم لأنه لا ينتظر أن يأخذ منهم شيئا آخر، أما هؤلاء فيعطيهم ماله، ولا يأخذ منهم ربحًا مالياٍّ؛ لأنه ينتظر أن يأخذ منهم الجاه والسلطان، فلما ارتفع أمره واحتاج إلى جاه الأغنياء وسواعد الفقراء، طابت نفسه عن المال لأولئك وهؤلاء جميعًا، فكان يولم الولائم لأهل روما كافة، كان يقيم الوليمة التي تشتمل على ألف مائدة، وكان يتلقى الناَّس على اختلاف طبقاتهم في كثير من البشاشة والإيناس، كان كما يقول أبو نواس:
    فتى يشتري حسن الثناء بماله
    ويعلم أن الدائرات تدور
    ولكنه لم يكن يشتري حسن الثناء وحده بالمال، وإنما كان يشتري معه سوء القالة وبغض البائسين، فقد كان يتتبع المحتاجين يشتري منهم ما يملكون بأبخس الأثمان، ولعله كان يدفع الناَّس إلى الحاجة ويضطرهم إلى أن يبيعوه ما يملكون، كان يتتبع الحريق هنا وهناك ويشتري الدور التي تشب فيها النار، وكان قد احتكر إطفاء الحريق، وألف لذلك فرقة منظمة قوية؛ فكان إذا شبت النار في دار من الدور فاوض المالك في بيعها، ولم يرسل فرقة المطافئ لإطفاء النار حتى يتم البيع، وكان قد احتكر مواد البناء على اختلافها وصناعة البناء على تنوعها، واتخذ من الرقيق والأحرار فرقًا تعمل في هذا كله؛ فكانت مدينة روما كلها أو أكثرها ملكًا له وكانت له أملاك واسعة في مدن كثيرة أخرى، وكانت له أرض زراعية لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكانت غلات هذا كله تئول إلى خزائنه فينفق منها عن سعة ويشتري بها ما يشاء مما يباع وما لا يباع، وكانت هذه الثروة على ضخامتها لا ترضيه ولا تقنعه؛ فقد كان يطمع في السلطان، يريد أن يكون قنصلاً وحاكمًا من حكام الأقاليم وقائدًا للجيوش ومنتصرًا على الأعداء ومتحكمًا في الأولياء، وكان يرى أن ثروته يجب أن تبلغه من هذا كله ما يريد، ولم يكن مخطئاً؛ فقد كان النظام السياسي والاجتماعي من الفساد بحيث بلغته ثروته من هذا كله ما أراد. اشترى بومبيوس واشترى قيصر واشترى أعضاء مجلس الشيوخ واشترى أصوات الناخبين، وارتقى إلى أعلى مناصب الدولة، وسيطر على آسيا وتحكم في ملوكها، وسعى في كثير من الطغيان والجبروت حتى لقي الموت كما يلقاه غيره من الناس، كأنه لم يملك من الثروة ما ملك، ولم يبلغ من السلطان ما بلغ، ولم يتحكم في أشراف روما وملوك آسيا ما تحكم.
    وكذلك قتِل زعيم الثورة سبارتاكوس، كما قتِل قامع الثورة كراسوس. جاهد أولهما في سبيل حريته وحرية أصحابه وفي سبيل العدل، فظفر بالحرية التي انتهت به وبأصحابه إلى الموت، ولم يظفر من العدل لنفسه ولا لغيره بشيء، بل لم يستطع أن يحقق العدل في معسكره، ولا أن يمنع أصحابه الذين كانوا يطلبون العدل من أن يملأوا الأرض جورًا وظلمًا، وجاهد ثانيهما في سبيل نفسه، فأذل نفوسًا لا تحصى وأزهق نفوسًا لا تحصى، وأهان الفضيلة في سبيل المطامع وازدرى الحق والواجب في سبيل الشهوات، وخدع الشعب واستذل سلطانه وأكرهه على ما لم يكن يريد، ثم قاد الجيوش لا إلى النصر ولا إلى الهزيمة، بل إلى الموت الساحق الماحق الذي لا يبقي ولا يذر. كل هذا كان في إيطاليا أثناء القرن الأول قبل المسيح، فأما أحداث العراق فقد كانت تشبه هذا كله من وجوه كثيرة وتخالفه من وجوه كثيرة أيضًا، ولم تكن أقل منه هولاً على كل حال.
    لم يكن عبد الله بن محمد صاحب الزنج غنيٍّا ولا شيئاً يشبه الغنى، وأكبر الظن أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، ولولا هذه الثورة لجهله التاريخ كما يجهل الملايين التي لا تحصى من الناَّس في كل جيل، ولكنه كان — فيما يظهر — ذكي القلب بعيد الأمل دقيق الحس حاد المزاج، ضابطًا لأمره مالكًا لإرادته، يصبر نفسه على المكروه في غير مشقة ولا جهد.
    كان يعيش — فيما يقول المؤرخون — ببغداد متصلا ببعض الخدم المعروفين في قصر الخلافة، يرى الفساد يملأ الأرض من حوله، كان يرى فساد السياسة وفساد النظام الاجتماعي وفساد الأخلاق، وعبادة اللذة هنا وعبادة المطامع هناك، كان يرى الحياة من حوله مغامرات لا تنقضي؛ رفيع يتضع ووضيع يرتفع، فقير تنهض به المغامرة إلى الثروة العريضة وغني تنحط به المغامرة إلى البؤس الضيق، وأغمار يأتون من هنا وهناك فإذا هم يرقون إلى أعلى المناصب ويستأثرون بشئون الخلافة ويتحكمون في حياة الخلفاء، كان يرى ذلك من قرب فتنكره نفسه أشد الإنكار. أكانت نفسه تنكر هذا لأنها كانت نفسًا كريمة تحب الخير وتكره الشر وتطمع في العدل وتؤثر المعروف، أم كانت نفسه تنكر هذا لأنها كانت نفسًا طموحًا تريد أن تشارك فما يشارك فيه المغامرون وأن تأخذ نصيبها من الدنيا؟ مسألة فيها نظر. يرى المؤرخون أنه لم يكن إلا مغامرًا شريرًا، آثر نفسه بالخير وطمع لها في الرياسة واقترف في سبيل ذلك آثامًا يشيب لها الولدان، والمؤرخون لا يسمونه إلا الخبيث واللعين، ولا يصفونه إلا بأنه عدو الله وعدو المسلمين، ولكن بماذا كان المؤرخون يسمونه لو أنه انتصر؟ وبماذا كان المؤرخون يصفونه لو أتيح له الفوز؟
    فالناس من يلق خيراً قائلون له
    ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل
    مهما يكن من شيء فقد كره عبد الله بن محمد ما رأى في بغداد، وكره ما كان يحُمَل إلى بغداد من أخبار الأقطار الإسلامية، فقد كان عرش الخلافة يضطرب أشد الاضطراب، يعبث الأتراك به في الحضرة ويستبدون من دون الخلافة بالأمر ويسومون الخلفاء من الذل والهون ما يريدون، وكان الأمراء والعمال والناجمون في الأطراف يستبدون بما في أيديهم وينشئون الدول المستقلة في الشرق والغرب، يصانعون السلطة المركزية حيناً ويبادونها بالعدوان والحرب في أكثر الأحيان، وكان لكل قوي ضعفاء يستذلهم، ولكل غني فقراء يستغلهم، فأي غرابة في أن ينكر عبد الله بن محمد هذا كله، وفي أن يتحدث بهذا كله أو ببعضه إلى نفر من أصحابه، وفي أن يؤامرهم على أن يغامروا كما غامر الناَّس ويحاولوا تغيير هذا الشر كما حاول الناَّس من قبل، وكما كانوا يحاولون في أيامه تغيير هذا كله؛ وقد ارتحل بنيته هذه من بغداد إلى هَجَر فحاول أن يحدث فيها حدثاً، وكاد ينجح لولا أن أثِيرت حوله العصبية وكثر القتل بين أصحابه وخصومه، فكرهه الناَّس وضاقت به هَجَر، فانتقل منها إلى الأحساء، ثم ضاقت به الأحساء، فانتقل منها إلى البادية، وجعل يطوف بأحياء العرب يدعوهم إلى مذهبه، والعرب يستجيبون له حينا، ويمتنعون عليه حيناً آخر حتى ضاقت به البادية أيضًا، وجعل يفكر في وجه يقصد إليه ليبدأ مغامرته ولينتهي بها إلى غايتها.
    وهنا يتحدث المؤرخون عنه بالأعاجيب فيزعمون أنه أطال التفكير ذات يوم فإذا سحاب يظهر في السماء ثم يبرق ويرعد، وإذا هو يسمع في صوت الرعد، أو ينبئ أصحابه أنه سمع في صوت الرعد أن وجهته يجب أن تكون البصرة، وقد زعم المؤرخون أنه كان يتحدث إلى أصحابه ألواناً من الحديث يزعم أنها من ألوان الغيب، فقد ظهرت له آيات فيما يقول على إمامته، فحفظ سورًا من القرآن ألقِيت في روعه فجاءة ولم يكن يحفظها من قبل، وكُتِب له على الحائط كتاب كان يقرأ فيه، يراه هو ولا يراه أحد من أصحابه، وعُرِضت عليه النبوة فيما قال — أو فيما زعم المؤرخون أنه قال — فأباها، واكتفى بالإمامة؛ لأن أعباء النبوة أثقل من أن يستطيع النهوض بها.
    ومن الجائز أن يكون عبد الله بن محمد قد زعم هذا كله أو بعضه لأصحابه؛ فقد كان هذا النحو مذهبًا من مذاهب نشر الدعوة ووسيلة إلى إثارة الجماهير، ومن الجائز كذلك أنه لم يقل من ذلك شيئاً، وإنما تكلف المؤرخون ذلك غضٍّا منه وتشهيراً به وزراية عليه؛ لأن النجاح لم يكُتَب له، والشيء الذي ليس فيه شك هو أنه قصد إلى البصرة، وهمَّ أن يثير فيها الفتنة، فنذر به السلطان، وأخذ بعض أصحابه وهرب هو، فعاد إلى بغداد وأقام فيها مع جماعة من رفاقه يحكمون أمرهم، حتى إذا عُزِل عامل البصرة قصد قصدها، وهناك بدأ مغامرته الخطيرة سنة خمس وخمسين ومائتين بعد أن أنفق في التدبير والتمهيد والتجربة ست سنين.
    بدأ مغامرته الخطيرة في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين؛ اتصل بالرقيق الذين كانوا يعملون حول البصرة في كسح السباخ وفي إصلاح الأرض، وفي استخراج الملح وفي غير ذلك من هذه الأعمال التي سخر أهل البصرة لها عشرات الألوف من الرقيق السود، والظاهر أن أصحاب رءوس الأموال كانوا قساة على هؤلاء العبيد، يسومونهم الخسف ويعنفون عليهم في السيرة ويقترون عليهم في الرزق ويكلفونهم من العمل أكثر مما يطيقون، وآية ذلك أن عبد الله بن محمد لم يكد يتصل بهم حتى استجابوا له مسرعين وحتى تكاثروا حوله، وإذا هو يعدهم ويمنيهم، ويمنحهم الحرية، ويحلف لهم جهد أيمانه أنه سيملكهم الأرض وسيجعلهم سادة يملكون الرقيق، بعد أن كانوا رقيقا يملكهم السادة، وسيملكهم سادتهم، والرقيق يسمعون له ويحفون به، ويفنون في طاعته، وهو يبر لهم بما وعد، ويعطيهم ما مناَّهم، أليس قد حكمهم ذات يوم في بعض وكلائهم ومواليهم، فأباح لهم أن يطرحوا هؤلاء الوكلاء والموالي وأن يضربوهم بالسياط؟ ثم هو يتخذ من هؤلاء السود قادة ويؤمِّرهم على الجند ويسوِّي بينهم وبين البِيض الأحرار، يغُِير بهم على القرى ويغُِير بهم على السفن، فإذا أحرزوا ما في القرى والسفن، قسمه بينهم لم يفرق بين عبد وحر، فقد أصبحوا جميعًا أحرارًا، ولم يفرق بين أسود وأبيض، فليس لإنسان على إنسان فضل إلا بالطاعة وحسن البلاء.
    وكذلك انتشرت الدعوة بين الرقيق، فتكاثفوا وضخم عددهم، وقلق السادة فأرسلوا إليه يفاوضونه ويخوفونه غدر هؤلاء السود وفرارهم، ويعرضون عليه خمسة دنانير عن كل واحد منهم، فلا يحفل بشيء من ذلك ولا يلتفت إليه، وإنما يمضي في نشر دعوته وتحرير الرقيق من السود، وتأليب الأحرار من الفقراء والبائسين، وإذا هو صاحب جيش ضخم يهتم له السلطان فيرسل إليه الحملة إثر الحملة، وهو ينتصر على ما يرُسَل إليه من الجيوش، وهو يقهر القائد إثر القائد ويهزم الوالي إثر الوالي، ويزعج أهل البصرة إزعاجًا شديدًا بعد أن ألقى في روعهم أنهم أصبحوا في متناول يده، ليس عليه إلا أن يبسطها ليأخذهم متى شاء وكيف شاء، والسلطان المركزي في بغداد يرسل الوالي إثر الوالي والجيش بعد الجيش فلا يظفر بشيء أو لا يكاد يظفر بشيء، حتى أخاف صاحب الزنج هذا القسم من العراق، فأفزع البصرة والأبلة والأهواز، ونشر الرعب حتى اضطر الناَّس إلى الهجرة والهرب، وهو متنقل بجيشه من مكان إلى مكان، مغير بهذا الجيش على مدينة بعد مدينة، يغير بنفسه حيناً، ويرسل أصحابه إلى الغارة حيناً آخر، حتى إذا استيقن القدرة على اقتحام البصرة دفع إليها أصحابه دفعًا فخربها تخريبًا وقتل أهلها تقتيلا منكرًا، واستصفى ما كان عندهم من المال، واضطر من بقي منهم إلى الفرار، وأخذ الأسرى من أحرار العرب والعجم من خيار الرجال وكرائم النساء، فوزعهم على أصحابه رقيقًا بعد أن كانوا سادة، وعرضهم في الأسواق للبيع والشراء كما كانوا يعرضون الزنج في الأسواق للبيع والشراء، وقد جزع الخليفة المعتمد لهذا الأمر جزعًا شديدًا، فكلَّف أخاه الموفق إدارة هذه الحرب، وأعد له جيشًا لم ترَ بغداد مثله منذ عهد بعيد، وذهب الموفق فلقيت جيوشه صاحب الزنج مرة ومرة ومرة دون أن تبلغ منها شيئاً، وإنما كانت الهزيمة تدركها في أكثر الأحيان، واضطر الموفق إلى اعتزال هذه الحرب إما يأسًا من الفوز وإما لأن الخلافة كانت في حاجة إليه لحرب أخرى في الشرق لم تكن أهون من حرب الزنج شأناً ولا أقل منها خطرًا، والمهم أن صاحب الزنج استأثر بالأمر كله في هذا القطر من أقطار الدولة الإسلامية، وملأ العراق رعبًا وفرقًا ونغَّص الحياة على أهل بغداد، وسلَّمت له كور وأقاليم جعل يجبي خراجها وينفق منه على تدبير أمره وتقوية جيشه، وكان هذا القطر من أقطار العراق قد نظُِّم الري فيه أحسن تنظيم وأكمله، فجرت فيه الأقنية والأنهار من كل وجه واتخذت فيه هذه الأقنية والأنهار وسائل للري ووسائل للمواصلات، ثم اتخذت وسائل للحرب أيضًا فكانت هذه الأقنية والأنهار دروعًا يتُقَّى بها العدو حين تتحارب الجيوش على الأرض، كما كانت هذه الأنهار والأقنية ميادين للقتال حين تتحارب الجيوش على ظهر الماء، وقد اتخذت الأساطيل النهرية من صغار السفن وكبارها، وكانت جيوش السلطان وجيوش صاحب الزنج تلتقي وتقتتل، على ظهر الأرض وعلى وجه الماء.
    ولما عظم أمر صاحب الزنج وأصبح خطرًا لا على ما يليه من الكور والأقاليم فحسب، بل على عاصمة الخلافة وسلطان الدولة كله، أعاد المعتمد إلى أخيه تدبير أمر الحرب وأطلق يده في أموال الدولة يدبرها كما يشاء وينفق منها كما يشاء، وأطلق يده في جيوش الدولة أيضًا يوجهها حيث يشاء ويكلفها من الأمر ما يشاء، ونهض الموفق لهذه الحرب مصممًا هذه المرة على ألا يعود حتى يمحق الفتنة محقًا، وقد أتيح له ما أراد، ولكن بعد أن بذل أي جهد، وبعد أن احتمل أيَّ عناء، وبعد أن أنفق أي مال، وبعد أن ضحى بعشرات الألوف من الجند وبعد أن عرض نفسه وابنه وقواده لأي مخاطرة، يكفي أن تعلم أنه أنفق في هذه الحملة الأخيرة أعوامًا متصلة غير قليلة لم يرح فيها ولم يسترح، ولم ينفذ فيها أحكامه وأوامره حسب العرف المألوف، وإنما فرضها دكتاتورية عنيفة شملت أكثر أقطار الخلافة واستغرقت أكثر مرافقها، وينظر الموفق ذات يوم وإذا أخوه أمير المؤمنين قد ضاق بهذه الدكتاتورية ولم يطق صبراً على ما تفرض عليه وعلى جنده من الضيق، وإذا هو يخرج ذات يوم من بغداد قاصدًا إلى الغرب، يريد أن يأوي إلى مصر ليعيش في ظل ابن طولون مغاضبًا لأخيه، ولكن الموفق كان أحزم من ذلك وأمضى رأياً وأوسع حيلة، فيأمر بعض قواده في الأقاليم أن يتلقى الخليفة ووزراءه وقادته، وأن يقبض عليهم ويردهم إلى بغداد كارهين إن لم يعودوا إليها راضين، والقائد يطيع أمر مولاه، ويرد أمير المؤمنين وأصحابه إلى العاصمة، وقد ضبط الموفق الأمر وأحكمه في الأقاليم التي كانت خاضعة لسلطان الخلافة، ومضى في الحرب لا يعرف هوادة ولا رفقًا ولا ليناً، يقدم ابنه أبا العباس بين يديه وينتظر منه أن يخاطر بنفسه ليخاطر القواد بأنفسهم وليخاطر الجنود بأنفسهم أيضًا، أليس هو يخاطر بنفسه كلما سنحت الفرصة؟!
    وكان أمر صاحب الزنج قد بلغ من العلو والارتفاع أن اتخذ لنفسه ولقواده المدن الجديدة، ينشئها إنشاءً، ويحصنها تحصينا هائلا؛ فهو يقيم في المدينة المختارة، وقائد آخر يقيم في المدينة المنيعة، وقائد ثالث يقيم في المدينة المنصورة، وقد ملئت الأرض من حول هذه المدن بالجند وأداة الحرب، وملئت الأنهار والأقنية بالسفن، فينشئ الموفق لنفسه مدينة يتخذها قاعدة للحرب يسميها الموفقية، ويجمع فيها كل ما يجتمع في العواصم الكبيرة من المرافق والصناعات التي يحتاج الناَّس إليها في السلم والحرب، ولا يزال بجيوش صاحب الزنج الأشهر والأشهر، ثم العام بعد العام، حتى يضطرها إلى أن تترك خطة الهجوم وتلتزم خطة الدفاع في مدنها وحصونها، ثم لا يزال بهذه المدن والحصون حتى يستخلصها مدينة مدينة وحصناً حصناً، وحتى يضطر الفلول المنهزمة إلى المدينة المختارة حيث يقيم صاحب الزنج، وإذا الناَّس يكثرون في هذه المدينة حتى تضيق بهم، وحتى تقصر مرافقها عن إرضاء حاجاتهم، ولكن الموفق يتقدم حتى يضرب حولها الحصار، ويقطع عنها الميرة، وهنا يظهر الموفق من النبوغ والامتياز ما لم يمكن أن يظهره كراسوس في حرب سبارتاكوس، فقوة الموفق هائلة لا تقُهَر، وهو قادر على أن يأخذ المدينة بالحصار، يضَُيقِّ عليها حتى يلقي أهلها بأيديهم، وهو قادر على أن يقتحم المدينة وإن كلفه ذلك خسائر هائلة، ولكنه يبدأ فيعرض الأمان على صاحب الزنج، فإذا رفض التسليم مضى في حرب غريبة حقا، فحارب بالرهبة التي لا تعدلها رهبة، وبالرغبة التي لا تشبهها رغبة؛ فهو يبذل الأمان والعفو والخلع السنية لمن شاء من قواد صاحب الزنج وجنوده لا يبخل من ذلك بشيء، فإذا استأمن إليه بعض الناَّس تلقاه فعفا عنه وأحسن إليه وخلع عليه وكرمه أجمل تكريم، ثم عرضه في سفينة من السفن في هيئته الجديدة ليراه المشرفون من السور فيطمعوا في مثل ما أتيح له من النعيم، وما أكثر ما كان هذا المنظر يطمع ويغري! وما أكثر ما كان قواد صاحب الزنج يتأثرون بهذا الإطماع والإغراء، ويستأمنون للموفق ويصبحون له على قائدهم ورئيسهم ظهيراً!
    وإذا أخذ أصحاب الموفق بعض الأسرى وأبوا أن يستأمنوا ضرب أعناقهم، ثم يجمع رءوسهم إلى رءوس الذين يقُتلون في الموقعة، ثم ينصب هذه الرءوس على السفن ليراها المشرفون من السور فتمتلئ قلوبهم فزعًا وروعًا، وقد يقُتلَ القائد الوجيه فيحُتزَ رأسه ثم يرُمَى به من وراء السور، ومع المنشور من منشورات الموفق قد ملأه الترغيب والترهيب، وكذلك أخاف الموفق كثيراً من الناس، وأطمع كثيراً من الناس، واجتذب إلى نفسه كثيراً من الناس، حتى إذا آن له وقت الهجوم أمر بهدم الأسوار واقتحام المدينة وتهديم الحصون حصناً حصناً، والدور دارًا دارًا، وجدَّ في ذلك حتى بلغ منه ما أراد بعد مشقة شاقة وجهد عنيف.
    كل ذلك وعبد الله بن محمد صاحب الزنج يقاوم كأحسن ما تكون المقاومة، ويدافع كأعنف ما يكون الدفاع، لا تفل عزمه خيانة الصديق ولا يثبط همه قتل الأنصار، وإنما – ٠يم ا ي.اات يا فاي يي ي م مام: يا هو يقاوم في مدينته ما وسعته المقاومة، ثم يقاوم في داره حتى تقتحَم عليه، ثم يقاوم في كل شبر من الأرض حتى يتفرق عنه أنصاره، منهم من قُتِل ومنهم من أخُِذ ومنهم من لاذ بالفرار، وهو قائم يدافع لا يتزحزح عن مكان إلا ليثبت في مكان آخر، حتى إذا أحُِيط به لم يستسلم ولم يلُق السلاح، وإنما قاتل حتى قُتِل، وحتى احتزَُّ رأسه وحُمِل مممم
    إلى الموفق، وقد ثبت معه جماعة من قواده دافعوا كما دافع، وأبلوا كما أبلى، قُتِل بعضهم في الميدان، وأخُِذ بعضهم إلى بغداد، فقُتِلوا وصُلِبوا على شاطئ النهر.
    وظن الناَّس أن ثورة الزنج قد انتهت، ولكنها أعوام تمضي، وإذا ثورة أخرى تظهر في العراق فتملأ الأرض هولاً، لا في العراق وحده ولكن في جزيرة العرب وفي الشام، وقد تصل أطراف منها إلى مصر؛ كانت البصرة ضحية ثورة الزنج، ثم صارت الكوفة ضحية ثورة القرامطة. ألم يكن هناك سبب بين هاتين الثورتين؟ بلى قد كان هناك سبب أي سبب؛ طابعهما واحد، هو الخروج على النظام السياسي والاجتماعي والانتساب إلى آل علي، وغايتهما واحدة هي تحقيق العدل في الأرض بعد أن أفسدها الظلم والجور، ونتيجتهما واحدة هي هذا الروع الذي ملأ القلوب وهذا الهول الذي سفك الدماء، وأزهق النفوس ودمر الأمصار، وهذا الجهد الضائع الذي لم يزل ظلمًا إلا ليقيم مكانه ظلمًا آخر، والذي يحاول أن ينصف الناَّس فلا يبلغ من الإنصاف شيئاً. أكُتِبَ على الإنسانية إذن أن تكون الجهود التي تبذلها في سبيل الإصلاح مضيعة، وأن يصبح الذين يحاولون إزالة الظلم وإقرار العدل أنصارًا للظلم وأعداء للعدل؟ كانوا يريدون أن ينقذوا أنفسهم وينقذوا الناَّس من ظلم الظالمين، فلم يكتفوا بالإنقاذ، وإنما جزوا السادة ظلمًا بظلم، فكان هذا أول الشر، ثم تجاوزوا ظلم الظالمين من الأعداء إلى ظلم الأنصار والأتباع، فأصبحت الحرية استبدادًا، وأصبحت المساواة استئثارًا، وأصبح الإنصاف بغياً وعدواناً، ومضت كلمة القضاء في الناس: سعيٌ متصل إلى المُثلُ العليا، وعجزٌ متصل عن تحقيق هذه المُثلُ أو الوصول إليها، وظلم متصل في أثناء ذلك للظالمين وغير الظالمين.
    وقد أظهرت ثورة سبارتاكوس رجلين اثنين هما قائد الثورة وقامعها، أما ثورة الزنج فقد أظهرت رجالاً كثيرين لا أستطيع بالطبع أن أتحدث عنهم، وإنما ألاحظ مسرعًا أنها أظهرت رجلين اثنين من رجال الدولة المحافظين على النظام، وأظهرت طائفة من الناس كلهم ممتاز خليق أن يحفظ التاريخ اسمه من ناحية الثورة، فلم ينهض بالثورة عبد الله بن محمد وحده، ولم يعتمد فيها على الزنج وحدهم، وإنما نهض معه قوم من أصحابه كانوا في مثل سنه، منهم من خرج من غمار الناَّس لم تكن له سابقة ولا لأسرته ذكر، كهذا البحراني الذي كان كيالاً في وطنه قبل أن تتصل أسبابه بصاحب الزنج، فأصبح بعد ذلك قائدًا مجربًا، وسياسياٍّ لبقًا، ومدبرًا داهية، ومنهم من كان من أهل البيوتات، ومن الأسر الأرستقراطية العريقة، كعلي بن أبان المهلبي، هذا الذي ينتسب إلى قامع ثورة الخوارج أيام بني أمية والذي أصبح خارجياٍّ مع صاحب الزنج، والذي أظهر براعة في الحرب ودهاءً في السياسة وصبراً على المكروه لا يشبهه فيها إلا أبو العباس ابن الموفق، ومنهم آخرون جاء بعضهم من عرض الطريق فكشفت الأحداث منهم عن رجال أفذاذ حقٍّا ليسوا أقل استعدادًا للنهوض بجلائل الأعمال وعظائم الأمور من هذه الأرستقراطية التي احتكرت شئون الحكم احتكارًا، فإذا دل هذا كله على شيء فإنما يدل أولاً على أن روح المغامرة قد كان شائعًا منتشرًا في جميع الطبقات، وعلى أن انتشار الثقافة قد فتح للناس وللمغامرين منهم خاصة أبوابًا لم تكن تفُتحَ لهم من قبل، وأشعرهم بأن ما يفُرَض عليهم من نظم الحكم تلك التي اشتملها الفساد، وما يفُرَض عليهم من نظم الاجتماع تلك التي قامت على الظلم والجور، كل هذا خليق أن يغُيرَّ، فحاولوا تغييره ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. نجحوا أول الأمر هنا وهناك، ثم أدركهم الإخفاق في كل مكان؛ لأن تقدم العقل لم يكن قد بلغ طوره الذي يمكنه من أن يسيطر على الإرادة والغريزة، وأظنك توافقني على أن تقدم العقل لم يبلغ هذا الطور إلى الآن، فما أكثر الثورات التي قامت في العصر الحديث لتغير النظم السياسية والاجتماعية وترد الناَّس إلى العدل والمساواة، فلم تبلغ من ذلك إلا أقله، وما زال أكثره أملاً يرُقَب ولا يتُاح الوصول إليه!
    ولنقف وقفة قصيرة جدٍّا عند قائد ثورة الزنج عبد الله بن محمد، وقامع هذه الثورة أبي أحمد الموفق بن المتوكل، فأما أولهما فقد كان رجلاً من غمار الناَّس حقٍّا، زعم
    المؤرخون أنه انتسب إلى آل علي ولم يكن منهم في شيء، وأنه تردد في سلسلة نسبه إلى زيد بن علي بن الحسين، وزعم المؤرخون أيضًا أن نسبه في عبد القيس، وجائز أن يكون نسبه في عبد القيس، وجائز أيضًا ألا يكون له نسب في قبيلة من قبائل العرب، وأكبر الظن أنه لم يكن يحفل بشيء من ذلك فيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين أصحابه، وإنما كان يتكلف بعض ذلك ليستهوي قلوب العامة ويجمعهم حوله، فقد كانت العامة في العراق وبلاد العرب وأجزاء من بلاد الفرس مؤمنة بأن تغيير النظم السياسية إن قُدِّر له أن يكون فلن يقع إلا على يدٍ علوية تتصل بأهل البيت.
    والشيء المحقق هو أن عبد الله بن محمد قد كان رجل حزم وجلد كما كان رجل طمع وطموح. كل شيء في سيرته يدل على صلابة الرأي ومضاء العزم والثبات على المبدأ، والشجاعة التي لا تعرف ضعفًا ولا فتورًا، والمرونة التي لا تعرف ترددًا ولا حيرة أمام المشكلات، وقد يضيف المؤرخون إليه سيئات كثيرة منكرة، وأكبر الظن أنه قد اقترف كثيراً من هذه السيئات، فأسرف في القتل والتدمير، وأنهب أصحابه الأموال، ورد الأحرار إلى الرق كما رد الرقيق إلى الحرية، ولكن كثيراً من سيئاته هذه لا ينبغي أن يحُمَل عليه وحده، وإنما ينبغي أن يحُمَل على عصره وعلى الذين كانوا يعيشون في ذلك العصر، سواء منهم من حافظ على النظام القديم ومن أراد تغييره، وكل ثورة خطيرة على النظم السياسية والاجتماعية تستتبع ألوانا من الهول لا يسيغها الخلق ولا يقرها العقل ولا يرضاها الدين، ولكنها تقع مع ذلك لأن الغريزة هي التي تدفع إليها، ولأن الغريزة هي التي تثور، وإذا ثارت، فقلَّ أن تعرف لنفسها حدٍّا تنتهي إليه. والناس يعرفون أهوال الثورة الفرنسية كما يعرفون أهوال الثورة الشيوعية، والناس لا يكرهون الثورة عبثاً، وإنما يكرهونها لما تدفع إليه من هول وما تورط فيه من إثم، وما يقترف الناَّس فيها من المنكرات، ومع ذلك فقد يخطئ المؤرخون، وينسون أنهم يكتبون عن عدو الله الخبيث اللعين صاحب الزنج، قد يخطئ المؤرخون وقد ينسون هذا كله، فيذكرون أمورًا تدل على الصدق والرفق، ولا تصدر عن خائن خبيث يتعمد الشر ويتخذ الشيطان له إمامًا، فهو يأبى مثلاً أن يأذن بالإغارة على قرية لأن رجلاً من أهلها قتل رجلاً من أصحابه، يريد قبل الإيقاع بهذه القرية أن يتبين ويتثبت لعل أهل القرية أبرياء لم يعينوا صاحبهم ولم يشاركوا في إثمه، وهو يلقى بعض أهل القرى وقد أقبلوا يعرضون عليه أموالهم لينصرف عنهم، فيجزيهم خيراً ويترك لهم أموالهم ولا يلقاهم بكيد، وهو يحس أن الزنج يشفقون من أن يتركهم أو يسلمهم لكثرة ما كان يوجه إليه من إغراء، فيجمعهم ويؤمنهم ويطلب إليهم أن يحيطوه بجماعة منهم ترقب سيرته، فإن رأت منه انحرافًا عن العهد أو ميلاً إلى الإغراء، فتكت به، وهو يوفي عهده، ويثبت على مبدئه، فلا يستأمن حين يعُرَض عليه الأمان، ولا يستسلم حين يستيئس من الفوز، ولا يحاول أن ينجو بنفسه بعد أن فقد الأمل، وإنما يقاتل حتى يقُتَل.
    أما خصمه أبو أحمد فلم يكن كما رأيت من عامة الناس، وإنما هو من سلالة الخلفاء، أبوه المتوكل بن الرشيد، وقد كانت سلالة الخلفاء من حوله قد أدركها الضعف، وانتشر فيها الخمول، وأترفت حتى تحكمت فيها اللذة، ثم تحكم فيها الرقيق من الخدم في القصور والجند خارج القصور، فظهور أبي أحمد في هذه البيئة المترفة التي أفسدها الترف حتى غلبت على أمرها، وتفوقه هذا الرائع في إدارة السياسة والاقتصاد والحرب، كل ذلك آية على أنه قد كان رجلاً نابغة كأكمل ما يكون الرجل النابغة، وقد نظلمه أقبح الظلم إذا وازنا بينه وبين كراسوس قامع الثورة الإيطالية. قد كان أبو أحمد مناقضًا لهذا الروماني المترف العاجز الذي أفسده الثراء، فلم يبقِ له شجاعة ولا خلقا ولا دينا كل المناقضة؛ كان أبو أحمد أشجع بني العباس في عصره، وأشجع من كان يعمل لبني العباس من قادة الترك والموالي عامة، وكان يملك الشجاعة بأروع معانيها وأرفعها، فهو قوي على نفسه، ثم هو قوي على أهله وذوي قرابته قبل أن يكون قوياٍّ على غيره من الناس، يخاطر بنفسه في المواقع، ويحمد من ابنه مخاطرته بنفسه في المواقع، فإذا أحس من أخيه أمير المؤمنين ترددًا أو ضعفًا أو اضطرابًا، أخذه بالحزم ورده إلى القصد، وأكرهه على الاعتدال، وإذا رأى من ابنه نفسه بعد الفوز إسرافًا في الجموح أو الطموح، قسا عليه أشد القسوة، وألقاه في غيابات السجن، لم يحفل بحبه له وعطفه عليه، والناس يثورون غضبًا للأمير الشاب، ولكن أبا أحمد يلقى الثائرين ويردهم إلى الهدوء ويسألهم: أترون أنكم أحب له وأحدب عليه من أبيه؟ وأبو أحمد لا يعرف الهدوء ولا الاستقرار. كانت شئون الدولة مضطربة أشد الاضطراب، فكان مضطربًا مثلها، يدافع الشر حيث ينجم الشر، يحاول أن يقهر ابن طولون في الغرب، ويقمع الثورة في العراق كما يقمعها في شرق الدولة، وحين يعجز عن الحركة، ويضطر إلى لزوم الفراش، فهو يدبر الأمر من سريره، ثم يعاد إلى بغداد، وقد عجز عن الركوب، فيحُمَل في سرير، يتناوب نقله أربعون رجلاً، وهو يحس أن حامليه يشفقون بحمله فيقول لهم في بعض الطريق: وددت لو أني كنت واحدًا منكم، أسعى كما تسعون، وأشقى كما تشقون، ولا ألقى من الألم والعجز ما ألقى، ولكنه على ألمه وعجزه، يدبر أمور الدولة إلى آخر لحظة من لحظات حياته، ويفرضها دكتاتورية حازمة لا يعفي من سلطانها ابنه ولا أخاه.
    أليس يرى كتابنا وشعراؤنا أن في أحداث التاريخ العربي القديم ما يستطيع أن يلهمهم حين يكتبون النثر أو ينظمون الشعر؟ أليس يرى كتابنا وشعراؤنا أن من حق هذه الأحداث عليهم أن ينظروا فيها بين حين وحين، كما ينظرون إلى أحداث أخرى وإلى ألوان أخرى من التاريخ؟
    الكاتب المصري مايو ١٩٤٦

  • الفاروق … الشديد الليِّن

    الفاروق … الشديد الليِّن
    طه حسين
    مجلة الهلال
    نوفمبر ١٩٣٧

    من أيسر الأمور على المثَّال البارع أنْ يصنع لعُمر بن الخطاب — رضي الله عنه — تمثالًا يجمع بين الصدق والروعة، وبين الدقة التي تُرضي الحقَّ والجَمال الذي يُرضي الخَيال، فقد حَفِظَ التَّاريخُ لعُمر صورة دقيقة صادقة لا تتعرض للشك ولا للخلاف، بحيث يراها الناس جميعًا إذا قرءوا تاريخه فلا يختلفون فيها، ولا يفترقون في الإعجاب بها والإعظام لها مهما تَخْتلف أمزِجَتهم وطبائعهم، ومهما تختلف آراؤهم ومذاهبهم، ومَهما تختلف طَرَائِقهم في التفكير والحكم والشعور.

    وهذه الصورة الدَّقيقة الصَّادقة الرَّائعة التي حفظها التاريخ لعمر لا تُمثِّل شخصه المادي وحده، وإنما تُمَثِّل شخصَهُ المَادي والمعنوي أيضًا، وتُمَثِّل شخصه المعنوي من جميع نواحيه: تمثل قلبه، وتمثل عقله، وتمثل إرادته، وتمثل حِسَّه أيضًا. وهي صادقة في هذا كله لا يتطرق إليها الشَّكُّ؛ لأنها أوضح وأظهر من أن يتطرق إليها الشك أو تختلف فيها الآراء.

    وما أعرف أنَّ تاريخ الخلفاء والملوك المسلمين قد صَدَقَ في تصوير شخصية من شخصيات الخلفاء والملوك كما صدق في تصوير شخصية عمر بن الخطاب.

    والغريبُ أنَّ هذه الشَّخصية لم تكن سهلة ولا يَسِيرَة في نفسها، وإنَّما كانت عسيرة مُعقَّدة كما سترى بعد قليل، ولكنَّها كانت قوية جدًّا، قوية إلى الحدِّ الذي يعجز معه التاريخ عن مُقاومتها؛ فيضطر إلى أن يقبلها كما هي، لا يستطيع أن يزيد فيها أو ينقص منها، وإنَّما يتلقاها كامِلَةً وينقلها إلى الأجيال كاملة، وتَمضي القُرون في إثر القرون، وهي كما هي لا يستطيع الزَّمان أنْ يَمَسَّها بِزيَادَةٍ أو نقص.

    ولو أنَّ مَثَّالًا بَارِعًا قرأ ما حفظ التَّاريخ مِنْ صورة عُمر، ثم أراد أنْ يُظْهر ذلك بوسائله الفنية، وأنْ يَصْنَع هذا التِّمثال لعُمر، لجمع بين خصلتين غريبتين، فكان ناقلًا لا مُبتكرًا، وكانَ في الوقتِ نفسه رَائعًا مُعجِبًا؛ يبهر العُقول، ويخلب الألباب، ويَملأ الأبصار والقلوب.

    ولكنَّ عمر كان ثاني خُلفاء المُسلمين، فمكانته الدينية ومنزلته من النبي، ومقامه من الإسلام نفسه، كل ذلك يرفعه عن أن يكون موضوعًا لصناعة المصوِّر أو المثَّال.

    فلنجتهد في أن نستعين بصناعة الكلام على تصويره للشباب المُحدثين، فعُمَر فيما نعتقد أعظم شخصية يُمكن أن تُعرَض على الشباب؛ لأنهم يجدون فيه خير ما نُحِبُّ أن يجدوا من المثل التي نتمنى أن يطيلوا النظر إليها، والتفكير فيها، والتأثر لها، لعلهم يَرقَوْن إليها شيئًا.

    وأول ما يهمنا من أمر عمر أنَّه كان مُلتقى لطائِفَة من الخِصال المُتناقضة التي ينكر بعضُها بعضًا أشد الإنكار، ويدفع بعضها بعضًا أشد الدَّفع، ولكنَّ الله قد لاءم بينها وألَّف بينَ مَقادِيرِها تأليفًا غريبًا؛ حتى التقت فلم تتنافر ولم تتدابر، ولم يفسد بعضها أثر بعض. وإنما ائتلفت أحسن ائتلاف وانسجمت أروع انسجام، كما تأتلف الأصوات المُتنافرة، وكما تنسجم الأنغام المُتباعدة في القطعة الموسيقية الرائعة، حتى أصبح شخصُ عمر آية خالدة من آيات الموسيقى يتغنى بها تاريخ المُسلمين، وسيتغنَّى بها ما بقي الإسلام وما بقي للإسلام تاريخ.

    وأغرب مِنْ هذا كُلِّه أنَّ بعض هذه الخِصَال لم يُستأنَف في شخص عمر، وإنما وُجِدت في أسرته ورهطه الأدنين مُفرقًا قبل أن يُوجَد عمر.

    وقد نشأ هذا الفتى القرشي فأدرك شيئًا من هذه الخصال، فقد كان أبوه الخطاب بن نفيل رجلًا غليظًا فظًّا إن امتاز بشيء من قومه، فإنَّما يمتاز بالشدة والعنف، والمُحافظة على القديم الموروث، والنشاط الغريب في حماية هذا القديم الموروث والذود عنه. وكان ابن عمه زيد بن عمرو بن نفيل رجلًا رقيقًا ليِّنًا، مرهف الحسِّ، ذكي القَلْبِ، نقي الطبع، مُستعدًّا للإيمانِ الصَّادق، مُبغضًا للقديم، شديد النَّشاط للتجديد. شك في وثنية قومِهِ ثم جحدها، والتمس دينًا صفوًا ومِلَّة نقية، وجعل يُنكر على قريش ما كانت فيه، فكانت قريشُ تسمع منه وتُعرِض عنه ولا تحفل بما كان يقولُ، ولكنَّ الخطاب بن نفيل ثبت له ثم قاومه، ثم جدَّ في فتنته حتى أشقاه، ثم حبسه في مكة، ثم أغرى به الشباب حتى اضطره إلى أنْ يَستخفي وأنْ يحتال في الفرار من مكة؛ ليلتمس ما كان يُحِبُّ مِن دين عند اليهود والنَّصارَى. وقد فرَّ زيدٌ بدينه الجديد أو باستعداده للدين الجديد، وجَعَل يَلْتمِسُ ما يُحِبُّ عند اليهود مرة، وعند النَّصارى مرة، حتى استيأس مِنْ أولئك وهؤلاء؛ فعاد إلى مكة، ولكنه قُتِل غيلةً في بعض الطريق.

    وقد ورث عمر هاتين الخصلتين عن أُسرَتِهِ، فكان شديدًا ورقيقًا في وقت واحد، وكان غاليًا في الشدة، غاليًا في الرِّقَّة أيضًا، وكان إسلامُه مَظهرًا لهاتين الخصلتين المتناقضتين. خرج ذات يوم، وكان فتى قد نيف على العشرين مُلتزمًا أن يشتد في غيظ المُسلمين والكيد لهم والإيقاع بهم، يبحث عن أول فرصة تتيح له البطش بهؤلاء المُجددين، فلقي رَجُلًا منَ المُسلمين وأخَذَ مَعَه في حديثٍ حول الإسلام يريدُ أن ينتهي من هذا الحديث إلى الشدة والبطش، فينبئه هذا الرجل أن الإسلام قد غزا أسرته واستقر فيها، وأنَّ أُخته قد أسلمت كما أسلم زوجها، فينقض عمر على أخته، وقد أزمع البطش بها وبزوجها، فإذا بلغ الدار سمع قراءة، فإذا طَرَق البابَ فزِع مَنْ في الدار واستخفى مُقرئُ الأُسْرَة، ودخل عمر على أخته فسألها، فلم تُخْفِ عليه شيئًا، فيبطش بها وبزوجها ويثبتان له ويظهرانه على الصحيفة التي كانا يقرآن فيها، فلا يكاد يتلو آيات من القرآن حتى تذهب شدته وبأسه، ويستحيل إلى لينٍ وعَطْفٍ ورَحْمَة وإشفاق.

    ويَسأل عن مكانِ النَّبي؛ فإذا دُلَّ على هذا المكان ذهب إلى حيث كان النبي وأصحابه يجتمعون، فإذا أحس أصحابُ النبي مَقدمَه أنكروه وأشفقوا منه، إلا رجلًا واحدًا هو حمزة بن عبد المطلب لم يكن أقل منه شدة وبأسًا فقد انتظره ثابتًا له، وتلقاه بمثل ما كان قد أقبل به فيما ظنَّ المسلمون من الشدة والبأس، ولكنَّ النَّبي يلقاه لقاء شديدًا رفيقًا، فمَا هي إلا أنْ يُسلم عُمر ويُكبِّر المسلمون، ويعلموا أن الله قد أعز دينه بأحب الرجلين إليه: عمر بن الخطاب، وعمرو بن هشام بن أبي جهل. كما كان النبي يسأله في كل يوم.

    ومنذ ذلك اليوم، استطاع المُسلمون أن يجهروا بصلاتهم وكانوا يُخفونها، وأن يتخذوا ناديهم في المسجد، وكانوا لا يظهرون فيه إلا فرادى.

    هذه الشدة البالغة والرِّقة الرَّائعة تُصَوِّران عمر طول حياته. تصوِّرانه صاحبًا للنبي، ومُشيرًا لأبي بكر، وإمامًا للمسلمين، تصوِّرانه حين أراد النبي أن يُمضي صلح الحديبية فأنكر عمر هذا الصلح، وقال للنبي: كيف نرضى الدنية في ديننا؟! وتصوِّرانه حين رأى الجِدَّ من الله ورسوله في هذا الصلح؛ فأذعن له رَاضيًا مُؤمنًا أصدقَ الرِّضا وأَخْلَصَ الإيمان. تُصَوِّرانه حينَ أُعلِن أنَّ رسول الله قد مات؛ فأنكر ذلك أشد الإنكار وأنذر المعلنين بالسيف، فلما سمع قولَ اللهِ عز وجل: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهَ الشَّاكِرِينَ)؛ أذعن لقَضَاءِ اللهِ رَاضيًا به مُؤمنًا له أصدق الرضا وأخلص الإيمان. تُصَوِّرانه حين جد في حزم أمر المسلمين، وأخذ البيعة لأبي بكرٍ بَاسِطًا يده للبيعة قبل أن تتم الشورى، حتى إذا استقرت الأمور واطمأنت القلوب واجتمعت الكلمة عرف من نفسه هذه الشدة، وقال في بيعة أبي بكر: كانت فتنة وقى اللهُ المسلمين شرَّها.

    تصوِّرانه في كل ما تقرأ من مَواقفه حينما كان يجد الجد، ويحتاج الأمرُ إلى الحزم والعزم، ثم بعد أن تستقر الأمورُ وتهدأ العاصفة، وقد اختصر التاريخ هذه الصور الغريبة الرَّائعة فيما تحدَّث به من أنَّ عُمر كانَ أَشَدَّ الناس غضبًا إذا غضب، وكانَ إذا ثار لم يثبت له أحد ولم يثبت له شيء، فإذا ذُكِر الله أو تُلِيَ القرآن رَقَّ حتى أصبح الرِّقَّةَ نَفْسَها.

    واختصر التاريخ هذه الصورة الرائعة أيضًا حين روى ما كان من أمره لما اجتمع الناس إليه في الموسم؛ فسأل عن سيرة العمال في الأمصار، فقام إليه أحد المسلمين، وزعم له أن عامله قد ضربه، فأبى عمر إلا أن يقتص هذا الرجل من الوالي بمحضر من المُسلمين، وجعل الولاة يُصوِّرون له أثر ذلك في إضعاف السلطان وإطماع الرَّعية في الولاة فلا يحفل بشيء من ذلك؛ لأنَّ رَسولَ الله قد اقتص من نفسه حتى اضطر العمال إلى أنْ يرضوا هذا الرجل ويشتروا منه حقه بالدنانير، ولولا ذلك لرأت جماعةُ المسلمين رَجلًا من الرَّعية يُعْمِل سوطه في جسم والٍ ومن ولاة الأمصار.

    كان عمرُ شديدًا حتى خشي الله في الشدة، وكان ليِّنا حتى خشي الله في اللين، وكان يصطنع في الناس شِدَّتَه ولِينَه جميعًا، فأمَّا مع نفسه وأهله فلم يصطنع قط إلا الشدة، ولم يعرف اللينُ قط إلى قلبه سبيلًا، وكان عمر حريصًا على مال المسلمين أشد الحرص، يُحاسب العُمَّال والولاة حسابًا أيسر ما يُقال فيه أنَّه كانَ عَسيرًا، لا يختار واليًا لعمل من الأعمال حتى يُحصي ماله قبل الولاية، ثم يتتبعه بعد ذلك ليرى كيف زاد ماله، وما مصدرُ هذه الزيادة، وما الصلة بينها وبين ما كان له من عطاء. ثم لا يتحرج أن يُقاسم الوالي ماله بعد عزله، فيترك له النِّصف ويَرُدُّ النصف إلى المسلمين.

    وكان كريمًا في مال المسلمين إلى أقصى حدود الكرم، لا تكاد تجتمع إليه الأموال التي كانت تأتيه من الأمصار والأقاليم حتى يُشِيعها في المسلمين على طريقة رائعة حقًّا؛ لا يترك رجلًا ولا امرأة ولا صبيًّا ولا صبية في أسرة تليه أو تبعد عنه إلا قسم له من هذا المال حظه، وأدى إليه حقه، وأدى إليه الفضل بعد الحق. ثم كان لا يأمن على ذلك أحدًا، وإنَّما يليه بنفسه، ويتتبع أمور الناس لا ليَعرفها، ولكنْ ليعرف أيشكو الناسُ منه شيئًا، أينكرُ الناس منه شيئًا، فقد كان لا يأمن نفسه على تحقيق العدل، كما كان لا يأمن الناس على تحقيق هذا العدل.

    وقد أجدب المُسلمون في بلاد العرب سنة، فاقرأ أخبارَ عمر في هذه السنة؛ فستقرأ أروع ما حفظ الأدب والتاريخ في أي أمة من الأمم، وفي أي جيل من الأجيال، وفي أي عصر من العصور، من تصوير الرِّفق بالرَّعية والنُّصح لها، والإشفاق عليها والشدة على الأقوياء والرَّحمة للضُّعفاء.

    أخذ عماله في الأقاليم بأنْ يُرسلوا إليه الطعام والكسوة للناس، ووجَّه رُسُله في أطراف الجزيرة وأنحائها، يُقَسِّمون الطعام وينحرون الجُزُر ويكسون الناس، وقام هو على ذلك في المدينة وما حولها، وأبى أنْ يُطعَمَ في بيته إذا اجتمع المسلمون للطعام العام.

    قلَّ السمنُ وقلَّ اللحم، فحرَّم على نفسه السمن واللحم وفرض على نفسه الخبز والزيت حتى يخصب المسلمون. وكانت حرارة الزيت تؤذيه، فتقدم إلى مولاه أن يطبخه له ليكسر من حرارته، فلم يُغنِ ذلك شيئًا. وجعل بطنه يقرقر، فيقول له: «قرقر ما شئت فلن تُطْعَم إلا الزيت حتى يخصب المسلمون.»

    وكان عمر أجرأ الناسِ على الناسِ، حتى خافه الأقوياء وأشفقوا من لقائه ووسط إليه كبارُ الصحابة من يسأله الرِّقة للناس؛ لأنهم يهابونه ويشفقون أنْ يعرضوا عليه حاجاتهم، ثم كان في الوقت نفسه أشد الناس خوفًا من الضعفاء والعاجزين والمحرومين. يستطيعُ أهونُ الناسِ شأنًا وأَيْسَرُهم أمرًا أن يَجْتَرئ عليه، ويَلْقَاهُ بما يكره من الحديث، فيسمع ثم يعتذر، ثم يستعبر ثم يستغفر.

    وأروع ما تَلْقاه في شخصية عمر من الخصال، هذه الفكرة التي كوَّنها لنفسه عن الخلافة منذ ولي الخلافة إلى أن مات، وقد صورها هو تصويرًا رائعًا بإيجازه ودقته وصراحته العنيفة حين خطب الناس لأول مرة بعد البيعة، فقال: «أيها الناس، إنكم قد ابتُلِيتم بي وابتُلِيتُ بكم.»

    فالخلافة عند عمر امتحان للخليفة وللرعية معًا، كلاهما مُمْتَحنٌ بصاحبه، وكلاهما خليق أن يحتمل المحنة ثابتًا لها صابرًا عليها، وأنْ يُخلص منها وينفذ من مُشكلاتها صحيحًا بريئًا، لم يَكْلَم في نفسه ولا في خُلُقه ولا في دينه، ولا في شيء من هذه الملكات الكثيرة المُعَقَّدة التي تُكَوِّن ضمير الرَّجل الكريم.

    وإذا كان الخليفة مُمْتَحنًا دائمًا مُبتلى برعيته؛ فمن الحق عليه لنفسه وللناس، ومن الحق عليه لله الذي يلي أمره وأمر الناس، أن يُحاسب نفسه دائمًا عن عظيم الأمر وهينه، وألا يأتي أمرًا صَغيرًا أو كبيرًا إلا وهو عالمٌ بما يأتي، وبما يحمله على أن يأتي هذا الأمر أو ذلك، إلا وهو مقدر أنه سيُسأَل عما أتى ومهيِّئ الجواب على هذا السؤال حين يُلقى إليه، سيُسأل عما أتى في اليوم الآخر حين يسأله الله عن الجليل والضئيل من أعماله، وقد يُسأل عما أتى في كل لحظة ومن كل إنسان، فإنَّه حين نَهَضَ بالأمر قد عرض نفسه لهذا السؤال؛ لأنَّه احتمل أمانة يشترك في حسابه عنها الناس جميعًا، وينفرد بحسابه عنها آخر الأمر ربُّه الذي جعل إليه أمور الناس على أن يؤدي إليه حساب ما فعل وما ترك.

    وما أعرف أن خليفة من خلفاء المسلمين أو ملكًا من ملوكهم، مُنِح ما مُنِحَه عمر من هذا الضمير الحساس إلى أقصى ما يستطيع الضمير أن يحس. ظهر ذلك من أمره للناس جميعًا ظهورًا قويًّا مُقنعًا حتى شبهوه بالميزان الدقيق الذي لا يمكن أن ينحرف أو يجور، وما أعرف خليفة من خُلفاء المُسلمين أو ملكًا من ملوكهم، تمثِّل حساب الله له في جميع لحظاته يقظان ونائمًا، عاملًا ومُستريحًا، مُقبلًا على عظائم الأمور أو على الهين منها كما فعل عمر.

    يدخل على بنته حفصة أم المؤمنين، فتُقدِّم إليه خبزًا ومَرَقًا قد جعلت فيه الزيت، فينصرف عنه، ويقول: «إدامان في إناء واحد؟! لا والله لا أذوقهما.» ويدخل على رجل من المسلمين فيستسقيه، فيقدم إليه الرجل شرابًا، فيسأل: ما هو؟ فإذا عرف أنه عسل انصرف عنه، وقال: لا والله، لِيُحاسبَني اللهُ عليه؟! ويدفع إلى أحد الفُرْس قميصًا له، ويتعجله في ذلك؛ فيقدم إليه الفارسي قميصين قد صنعهما، فيسأله: أليس فيهما من مال الذمة شيء؟ فيجيب الفارسي: لا، إلا الخيط. فينهره عمر ويقول: اغرُبْ واردد إليَّ قميصي. ويرد عليه الفارسي قمِيصه لم يجفَّ بعد.

    فهو يرى الله إذا أصبح ويراه إذا أمسى، ويتمثل نفسه قائمًا بين يديه يؤدي إليه الحساب عما فعل وما قال.

    وله في ذَلكَ أعاجيب كلها رَائِعَة، وكثيرٌ مِنْها يدفع إلى البكاء دفعًا. جهَّز عيرًا إلى الشام؛ فقد كان يتجر ليعيش، واحتاج إلى ثلاثة آلاف درهم، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف ليقرضه هذا المقدار، فقال عبد الرحمن للرسول: ليقترضها من بيت المال. فلما لقي عمر عبد الرحمن بعد ذلك سأله: أأنت قلت هذا؟ قال: نعم. قال عمر: فإني إن اقترضت هذه الدراهم من بيت المال، ثم أدركني الموت، قال المُسلمون: ضعوها عن أمير المؤمنين واتركوها لأهل أمير المؤمنين، وسألني اللهُ عنها يوم القيامة، ولكنِّي إن اقترضتها من شحيح مثلك ثم أدركني الموتُ؛ لم يضعها عني ولم يتركها لأهلي حتى تُؤدَّى إليه.

    ولما طُعِنَ وأفاق من غشيته الأولى كان أول شيء عناه وأهمه أن يعرف أكان طاعنه رجلًا من المسلمين؟ فلمَّا عرف أن طاعنه كان غلام المُغيرة بن شعبة رَضِيَ واطمأنَّتْ نفسُه؛ لأنه علم أن قاتله لا يستطيع أن يُحاسبه أمام الله عن سيئة قدَّمها إليه أو شر جناه عليه.

    ومن هنا، لم يكن عمر شديدًا على الناس بما كان يلقاهم به من الحزم فحسب، وإنما كان شديدًا عليهم بما كان يتشدد على نفسه. وكان كثير من المسلمين يرون من إمامهم هذا العيش الخشن الغليظ، فيستحون أنْ يُلينوا لأنفسهم من العيش أو يُظهروا ذلك، ورُبَّما وسطوا إليه ابنتَه حَفْصَةَ أمَّ المُؤمنين لتَسْأَله أنْ يَرْفُق بنفسه، وأنْ يُبِيحَ لها شيئًا ولو قليلًا من طيبات الحياة، فأجابها: «لقد نصحتِ لقومك وغششتِ أباك!»

    وكذلك كان ضميره مرهف الحس، شديد المُراقبة، يسأله عن كل شيء قبل أن يسأله الناس، وقبل أن يسأله الله. وكذلك أدى امتحانه مُدَّة خلافته، ولكنَّ الشيء الذي ليس فيه شك هو أنَّ رعيته لم تؤدِّ الامتحان كما أداه، ولم تثبت للمِحْنة كما ثبت.

    ومُراقبة الضمير لا تُتاح للناسِ جَميعًا، وإنما تُتَاحُ لأَخْيَارِهم والمُمْتَازين منهم، وهي على النَّحو الذي عرفه عُمر لا تكاد تُتاح إلا للرجل الفذ بين حين وحين، أو قُل بين القرون الطويلة والقرون الطويلة.

    ولما امتُحن المسلمون من أهل جزيرة العرب بالجدْبِ واشتدت عليهم السنة ظهرت مُراقبة الضمير في حياة عمر وفي أقواله وأفعاله جميعًا؛ فكان يقول للناس: إن الله قد ابتلاكم بي وابتلاني بكم؛ فما أدري أهي خطيئة مني، أم خطيئة منكم، أم هي خطيئة عمَّتنا فعمنا من أجلها العذاب؟!

    وقد صلى بالنَّاس صلاة الاستسقاء؛ فكانت صلاته استغفارًا كلها، حتى ظنَّ الناسُ أنه لن يسأل الله شيئًا إلا المَغفرة، ولكنه في آخر الصَّلاة سأل الله أن يسقي الناس.

    وعمر أول الخلفاء تشددًا في تعرف أحوال الناس، كما قدَّمْتُ، ليتعرف ما يُمكن أن يكون قد قدَّم إليهم من شرٍّ أو جَنى عليهم من مكروه. كانَ إذا أقبل الليل صَلى فأطال الصلاة، ثم خرج مُستخفيًا يتحسس أخبار الناس ويستمع أحاديثهم. وقد نفعه ذلك فأصلح من أمور الناس شيئًا كثيرًا.

    كان قد فرض العطاء للرجال والنساء والفتيان والفتيات وللصبيان بعد أنْ يُفطَموا، فلما كان في بعض لياليه سَمِعَ صبيًّا يبكي بكاء شديدًا، فسألَ أُمَّه عن مَصْدَر هذا البُكاء فأجابته، وهي لا تعرفه جوابًا لم يُقنعه، وعاد الصبي إلى البكاء، فعاد عمر إلى السؤال. وتكرر ذلك من الصبي ومن عمر حتى ضاقت المرأة بهذا السائل المُلِحِّ، فقالت له: «لقد أثقلتَ عليَّ منذ الليلة، أمَا تعلم أنَّ ابن الخطاب لا يُعطي الصبية إلا بعد الفطام؟! فأنا أتعجلُ فطام هذا الصبي لننال عطاءه من بيت المال.» فانصرف عمر عن المرأة مَحزُونًا كئيبًا، وهو يقول: «ويل عمر، كم قتل من أبناء المسلمين!» ثم أمر المنادين فنادوا في الناس: «أتموا رضاع أبنائكم؛ فإنَّ لهم عطاءهم منذ يُولَدون.»

    ولم يعرف عمر نُظُم الحكم الديمقراطي كما ألِفَه اليونان والرومان في بعض عهودهم، ولكنَّ ضميره الحساس وغريزته المُستقيمة وقلبه الذكي وحرصه على العدل وخوفه من الجور، كل ذلك دعاه إلى شيء ليس بعيدًا عن النظام الديمقراطي. ولعل عمر لو عاش لأحدث للمُسلمين نظامًا ديمقراطيًّا عربيًّا.

    كان يستشير من حوله من أصحاب النبي وسادة الناس في كل ما يعرض له من المشكلات، ولكنه كان شديد الحرص على أن يحج بالناس في كل عام، ويشهد الموسم الذي يجتمع فيه أهل الأمصار، ويأمر العمال أن يوافوه على رأس من يليهم. فإذا كان الموسم وحضرت هذه الوفود سمع من العُمَّال في الرَّعية، وسمع من الرَّعية في العُمَّال، وأقرَّ العدل والنصفة بين أولئك وهؤلاء.

    فكان موسم الحج عند عمر موسمًا سياسيًّا يستعرض فيه أمور الأقاليم بمشهد من الحاكمين والمحكومين. ومن يدري لو أنَّ الله مدَّ له في الحياة إلامَ كان يصيرُ أمرُ هذا الاجتماع السياسي المنظَّم؟!

    وخصلة أخرى من خصال عمر؛ هي: بُغضه للتكلف، وازدراؤه للمتكلفين. يتأخر شيئًا عن الصلاة، فإذا خرج جلس على المنبر واعتذر إلى الناس قائلًا: لقد أخَّرني قميصي. غُسِلَ له قميصه؛ فانتظر أنْ يَجفَّ ثم خرج للنَّاس بعد أن تَمَّ له ما أراد. وقُرِئ أمامه قول الله عز وجل: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)، فقال قائل: وما الأبُّ؟ قال عمر: هذا هو التكلف، وما يضرك ألا تعرف الأبَّ؟!

    ولو أني ذهبت أعدُّ خِصَال عمر الرَّائعة وخلاله الممتازة لخشيت أنْ أستغرق هذا السِّفر من أسفار «الهلال» دون أن أُرضي من ذلك حاجتي وحاجة القُرَّاء، ولكنك توافقني فيما أظنُّ على أن ما عرضت عليك من صورته كافٍ كل الكفاية لإثبات ما زعمته في أول هذا الفَصْل من أنَّ من أيسر الأشياء أن يُصنَع لعمر تمثالٌ دقيق رائع دون أن يحتاج المثَّال إلى أن يستعين بالخيال.

    وقد حفظ التاريخ الصورة المادية لعمر كما حفظ الصورة المعنوية، فقد كان عمر طويلًا يفوق الناس كلهم طولًا، وكان ضخمًا بدينًا، وكانَ إذا مَشى أسرع في مِشْيته، وكان أبيض اللون إلا في عام الجدب؛ فقد اقتصر على أكل الزَّيت حتى أفسد عليه معدته فاسودَّ شيئًا. وأكبرُ الظَّن أنَّ الذين وصفوه بالسَّواد لم يَرَوْه إلا في ذلك العام.

    وخصلة أخرى أختم بها هذا الفصل؛ لأنَّ عُمر قد ختم بها حياته وهي الرِّقة والأدب والحياء والإكبار لحرمات البيوت. كانَ عمرُ شديد الحرص على أن يُدفَن مع صاحبيه إذا مات، فلمَّا طُعِنَ وأحسَّ الموت دَعا ابنه عبد الله، وقال له: «اذهب إلى عائشة أمِّ المؤمنين، وقل لها: إن عمر بن الخطاب يقرأ عليك السلام — ولا تقُل: أمير المؤمنين؛ فإني لستُ للمؤمنين أميرًا — ويستأذنك في أنْ يُدْفَنَ مع صاحبيه.» فذهبَ عَبْدُ اللهِ، فقال ذلك لعَائِشَة، وعاد إلى أبيه بإذنها، فقال لابنه: «إذا متُّ احملوني على سرير، فإذا وصلتُم إلى بيت عائشة فلا تدخلوا حتى تستأذنوا.» وقد حُمِل سرير عمر، حتى إذا بلغوا بيت عائشة قالوا: إنَّ عمر بن الخطاب يستأذن عائشة أم المؤمنين، ولم يُدْخِلُوا السرير حتى أذنت عائشة. وهنالك دُفِن عمر بن الخطاب مع صاحبيه محمد رسول الله، وأبي بكر أول خلفاء المسلمين.

  • صريع الوطن

    صريع الوطن
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٤ أكتوبر ١٩٣٢

    أما تسمع ما يقول عباد: طابت لك المدينة الآن.

    قال عبد الملك بن مروان هذا الكلام وهو يلتفت إلى رجل لعله قد بلغ الخمسين من العمر أو قاربها أو تجاوزها قليلًا، وكان هذا الرجل في أكبر الظن نحيفًا مهزولًا، رديء الصحة، حاد المزاج، يتكلف التجلد والصبر، ولكن طاقته للتكلف قد نفدت أو كادت، وكان هذا الرجل لا يُرى إلا كئيبًا محزونًا؛ فإذا تكلم لم يسمع الناس منه إلا حديثًا فيه وجد وشوق، وفيه حسرة ولوعة، وقد يسمعون منه شعرًا ملؤه اليأس والقنوط.

    وكان هذا الرجل على ذلك كله مُعتدًّا بنفسه، معتزًّا بقومه، لا يكاد يحفل بعبد الملك بن مروان لولا أنه أمير المؤمنين. فلما قال له عبد الملك ما قال لم يبتسم ولم تنجلِ عن وجهه غبرة الكآبة، ولم يبرق في عينيه الحادتين برق الأمل، ولا تألَّق على جبينه ضوء الرجاء، وإنما أطرق برأسه إلى الأرض وقطب جبينه، وقال بصوت منخفض تكاد تخنقه العبرة:

    إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي حال عباد

    أنشا يقول: لنا المِصْران قد فتحا ودون ذلك يوم شرُّه بادي

    كان هذا الرجل أبا قطيفة عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عبد الملك يُنبئُه بما زعم له عباد بن زياد من أن جيوش بني أمية قد انتصرت في العراق، ففتحت لها الكوفة والبصرة — وكان عبد الملك يُقدِّر أن فتح العراق مقدمة طبيعية لفتح الحجاز وانتزاعه من يد ابن الزبير — فكان ينبئ بذلك أبا قطيفة يُريد أن يَسرَّه، وأن يُسرِّيَ عنه، وأن يفتح له بابًا من الأمل، ويثير في نفسه الكئيبة شعورًا باسمًا بأن رجوعه إلى المدينة قد أصبح قريبًا، ولكن أبا قطيفة لم يصدق خبر عباد، ولم يصطنع من الأدب ما ينبغي في مجلس أمير المؤمنين؛ فأعرض عن الخليفة وأنشد هذين البيتين:

    إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي حال عباد

    أنشا يقول: لنا المصران قد فتحا ودون ذلك يوم شرُّه بادي

    وأكبر الظن أن عبد الملك لم يَرُقه ذلك من ابن عمه الشاعر، فأسرَّها في نفسه وأمسك عن ابن عمه مع ذلك لرَحِمه وعصبيته، ولأن سياسة الدولة كانت تقضي على عبد الملك أن يكون حليمًا، وأن لا يصطنع العنف، وماذا يفيده العنف وهو محتاج إلى أن يترضى كل من حوله في هذه الأيام التي ما يزال نصف البلاد الإسلامية فيها خارجًا عن سلطانه، خاضعًا لابن الزبير؟

    أمسك عبد الملك عن ابن عمه وأسرَّ في نفسه حقدًا. وكم كان يُسِرُّ عبد الملك في هذه الأيام من الحقد والضغينة! وكم كان يُمنِّي نفسه إذا خلى إليها بذلك اليوم الذي ينتقم فيه من أبناء عمه هؤلاء الذين قبلوا إمرته كارهين، والذين يظهرون له من الكبرياء والإعراض ما لا ينبغي أن يُواجه به أمير المؤمنين! وكم كان عبد الملك يتمنى ذلك اليوم الذي يُعاقِب فيه أبناء عمه أولئك الذين آثروا الحجاز على الشام، وملك قريش على ملك أمية، ونصرة مُضَر على نصرة قضاعة، فقبلوا سلطان ابن الزبير مؤيدين له أو صابرين عليه!

    صبر عبد الملك على ابن قطيفة، ولكنه لم يمسك عنه لسانه، بل جعل يعيبه ويتنقصه في غيبته، وبلغ أبا قطيفة ذلك فلم يقبله ولم يصبر عليه، ولكنه لقي الشر بالشر، وأجاب على تنقُّص الخليفة إياه بهجاء الخليفة، والفخر عليه، وتهديده بالتلميح حينًا والتصريح حينًا آخر، فقال:

    أنا ابن أبي معيط حين أُنْمِي لأكرم ضِئْضِئٍ وأعَزِّ جيل

    وأُنْمِي للعقائل من قُصيٍّ ومخزوم فما أنا بالضَّئيل

    وأروَى من كُرَيز قد نَمتَني وأروَى الخير بنتُ أبي عَقيل

    كِلَا الحيَّينِ من هذا وهذا لعمرُ أبيك في الشرف الطويل

    فعدِّدْ مثلَهن أبا ذبابٍ ليعلَمَ ما تقول ذوو العقول

    فما الزرقاء لي أُمًّا فأَخْزَى ولا ليَ في الأرزاق مِن سبيل

    وأبو ذباب عبد الملك، والزرقاء امرأة من كندة كانت من أمهات عبد الملك، وكان يُعيَّر بها، كما يقول أبو الفرج، وقال أبو قطيفة أيضًا يهجو عبد الملك:

    نُبِّئتُ أن ابن العَمَلَّس عابني ومَن ذا مِن الناس البَريءُ المسلَّم؟

    مَنَ انتم؟ مَنَ انتم؟ خبِّرونا مَنَ انتم فقد جعلت أشياء تَبدُو وتُكتَمُ

    والبيت الأول من هذين البيتين مخروم ينقصه حرف في أوله ليستقيم وزنه على بحر الطويل، وينبغي أن تقرأ البيت الثاني ملغيًا همز أنتم، ناقلًا فتحتها إلى نون من ليستقيم وزنه أيضًا، وليس في هذا النقل ولا في ذلك الخَرْم عيب، وإنما ذلك شيء مألوف، والنقل خاصة مألوف شائع في شعر قريش وحديثها وقراءتها للقرآن، وليس لهذين البيتين قيمة شعرية ممتازة، ولكن للبيت الثاني قيمته السياسية الخطيرة حين يسأل الشاعرُ بني مروان عن أنفسهم ثلاثة مرات في الشطر الأول، وحين ينبئهم في الشطر الثاني بأن أشياء قد جعلت تبدو وتكتم. وفي هذين الأمرين ما فيهما من النذير.

    ويروى أن عبد الملك لما سمع هذين البيتين قال: ما ظننت أنَّا نجهل، والله لولا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم، ولقطعت جلده بالسياط. وسواء أكانت رعاية الحرمة هي التي منعت عبد الملك من عقوبة أبي قطيفة أم كانت السياسة، فقد سلم جلد أبي قطيفة من السياط، وما كان أشد خوفه من السياط وعبثها بجلده، ألم يكن قد كتب إلى أبيه وهو والٍ للكوفة من قبل عثمان شعرًا يشفق فيه من سوط الخليفة، إن لم يدركه أبوه فيزوجه، أو يهدي إليه جارية؟

    أظن أن ما قدمته يعطيك عن هذا الرجل صورتين قويتين جدًّا، الأولى أنه كان رجلًا بأدق معاني هذه الكلمة، والأخرى أنه كان رجلًا رقيق القلب، حساسًا، قوي الشعور، وفيًّا، صادق الحنان. ولا بد من كلمتين قصيرتين أوضح بهما هاتين الصورتين، فأما رجولة شاعرنا فليس فيها غرابة أن عرفنا من هو، ويكفي أن نقول: إنه عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. كان أبوه الوليد بن عقبة من سادة بني أمية وأشرافهم، وأشدهم خصومة للإسلام وازورارًا عليه، يقال: إن الآية الكريمة نزلت فيه، وهي قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات: ٦).

    وقد أسلم وظهر حُسن إسلامه، وولاه عثمان الكوفة، ولكنه ظلم وفجر وأسرف في شرب الخمر، وصلى بالناس وهو سكران، فزاد في صلاة الصبح ركعة، ثم التفت إلى الناس فقال: «وإن شئتم زدناكم.» فعزله عثمان وأقام عليه الحد. وعقبة بن أبي معيط أبو الوليد كان من أشد قريش فتنة للنبي وأصحابه قبل الهجرة، فلما ظفر المسلمون في وقعة بدر أُسِر عقبة فقتله النبي صبرًا، أما صاحبنا عمرو بن الوليد فلم يتول أمرًا من أمور الدولة، ولا عني بالسياسة، ولا هَمَّ بترك المدينة حتى حين ولي أبوه الكوفة، وإنما عاش في المدينة عيشة الفتيان الأغنياء الأعزاء يلهو ويستمتع بالحياة ما سمحت له الظروف بذلك.

    ولعله نعم بالحياة حقًّا أثناء العشرين سنة التي ولي فيها معاوية أمير المسلمين، فلما مات معاوية ونهض بعده يزيد امتحن هذا الرجل في أحب شيء إليه، وأكرم شيء عليه؛ وهي حياته الهادئة الناعمة في المدينة، فظهرت صورته الثانية، وهي صورة الرقة والحنان وصدق الشعور. والواقع أن هذه الصورة لم تظهر عند هذا الرجل وحده، وإنما ظهرت عند جماعة من قريش، وظهرت في شكل مؤثر جدًّا. هذا عبيد الله بن قيس الرقيات يفيض ديوانه بالحزن والأسف؛ لأنه صاحب مصعب بن الزبير إلى العراق فبعد عن المدينة، فلما كانت وقعة الحرة جاءته الأنباء، فامتلأ شعره جزعًا على من أُصيب فيها من قريش، وكان عبيد الله زبيريًّا، وكان أبو قطيفة أمويًّا، ولكنهما جميعًا قرشيان عاشا في المدينة فأحبَّاها حبًّا لا يعدله حب.

    وهذه حميدة حفيدة عبد الرحمن بن عوف تزوجت رجلًا من أهل الشام ورحلت معه كارهة عن المدينة، فلما كانت في بعض الطريق سمعت من يتغنى بشعر لأبي قطيفة في الحزن على المدينة والحنين إليها، فشهقت شهقة أتت على حياتها.

    ما أشد تأثير الإسلام في نفوس قريش! كانت حياة أبي قطيفة هادئة وادعة في المدينة أثناء خلافة عثمان وخلافة معاوية، وكان بنو أمية أصحاب الكلمة في المدينة في هذا الدهر، منهم عثمان أمير المؤمنين، ثم منهم مروان بن الحكم وسعيد بن العاص اللذان كانت ولاية المدينة بينهما أيام معاوية، وكان سعيد بن العاص رجلًا من رجال قريش كريمًا سخيًّا شجاعًا، سهل الخلق، سمح النفس، تمتلئ العين مهابة بالنظر إليه، وتمتلئ النفس أُنْسًا بالحديث معه، وكان أبو قطيفة صديقًا لابنه عمرو بن سعيد، وكانت الحياة في ذلك الوقت نعمة كلها لبني أمية وبني هاشم في المدينة.

    وكان بنو أمية وبنو هاشم يتنافسون في الكرم والجود أيهم يكسب الأنصار، وأيهم يسهل الحياة للناس من حوله؟ وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بأخبارهم في هذا التنافس، وكان لسعيد بن العاص قصر خارج المدينة يعيش فيه إذا اعتزل الحكم، ويجعله مثابة للطامعين، وأمنًا للخائفين، وكان الشعراء مفتونين بسعيد، ولِمَ لا؟ أليس قد أغنى الحطيئة وآمن الفرزدق من زياد؟ حضرت سعيدًا الوفاة فقال له ابنه عمرو: لو نزلت إلى المدينة، قال: يا بني، إن قومي لن يكرهوا أن يحملوني على أعناقهم ساعة من نهار، ولكن إذا مت فاذهب إلى معاوية وأخبره بديني، فسيعرض عليك قضاءه عني فلا تقبل، ولكن بِعْهُ هذا القصر؛ فإني إنما اتخذته نزهة، وليس هو بمال، ثم أدِّ بثمنه ما عليَّ من دين.

    فلما مات حمل إلى البقيع فدفن فيه، وتقبل عمرو عزاء الناس عند القبر، وقد أعدت له الرواحل، فركب إلى دمشق ونعى أباه إلى معاوية، فتوجع شيخ قريش وترحم على كريم قريش، ثم قال: أعليه دين؟ قال عمرو: نعم، ثلاثمائة ألف درهم، قال معاوية: هي عليَّ، قال عمرو: لا، ولكنه أمرني أن أبيعك قصره، قال: قد اشتريته بدينه. ثم حمل الدين إلى المدينة فأداه عمرو عن أبيه، وكانت كلها منحًا وعد بها سعيد ولم يجدها عنده، فكان يكتب بها الصك لأصحابها.

    وفي هذه الحياة السهلة الناعمة قضى أبو قطيفة نيفًا وعشرين عامًا، فلما كانت فتنة ابن الزبير أُخرِج بنو أمية من الحجاز، وفيهم أبو قطيفة، فامتلأت نفسه جزعًا على المدينة، وامتلأ شعره حنينًا إليها، وكان بحق شاعر الحنين إلى الأوطان في الإسلام، واقرأ هذه الأبيات:

    القصر فالنخل فالجماء بينهما أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

    إلا البلاط فما حازت قرائنه دور نزحن عن الفحشاء والهون

    قد يكتم الناس أسرارًا فأعلمها ولا ينالون حتى الموت مكنوني

    واقرأ هذه الأبيات:

    ليت شعري وأين مني ليت أعلى العهد يَلْبنٌ فَبَرام

    أم كعهدي العقيق أم غيَّرته بعدي الحادثات والأيام؟

    وبأهلي بدلت عكًّا ولخمًا وجذامًا وأين مني جذام؟

    وتبدَّلت من مساكن قومي والقصور التي بها الآطام

    كل قصر مشيد ذي أواس يتغنى على ذراه الحمام

    أقرِ مني السلام إن جئت قومي وقليل لهم لدي السلام

    سمع عبد الله بن الزبير هذا الشعر فقال: حن والله أبو قطيفة. وعليه السلام ورحمة الله. من لقيه فليخبره أنه آمِنٌ فليرجع. فأُخبِر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعًا، فلم يصل إليها حتى مات.

    ألست ترى أن أبا قطيفة صريع الحنين إلى الوطن؟

    كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن شعره وأخباره! ولكنها أول ما يلقاك في كتاب الأغاني إذا نظرت فيه، فاقضِ مع هذا الشاعر ساعة فلن تندم عليها.