Tag: Ismail Sidqi Pasha

  • هفوة …

    هفوة …

    طه حسين

    جريدة صوت الأمة

    ٣٠ أكتوبر ١٩٤٦

    لم يكن ليتورط فيها صدقي باشا لولا أنه رجل قد تقدَّمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، وطال انتظاره لهذا اليوم العظيم الذي يُحدِث فيه حدثًا خطيرًا في السياسة المصرية، ويلعب فيه دورًا ذا بال كما يقول أصحاب التمثيل. فصدقي باشا يداعب الأمل منذ أكثر من ربع قرن بأن يكون له في السياسة المصرية موقف يشبه موقف جماعة من أصدقائه وأترابه ومعاصريه.

    وهو يبذل في سبيل هذا جهودًا لا تعرف كللًا ولا مللًا ولا فتورًا، ويتجشم في سبيل هذا أهوالًا ثقالًا عرَّضته لكثير من المحن.

    والمصريون جميعًا يذكرون مواقفه في باريس حين كان الوفد المصري يحاول الاتصال بمؤتمر الصلح، ومواقفه في لندرا حين كان عدلي باشا يفاوض في لندرا، ومواقفه في القاهرة حين كان ثروت باشا يعمل لتصريح ٢٨ فبراير.

    والمصريون يذكرون هذه المحاولات اليائسة التي حاولها حين كان رئيسًا للوزارة؛ ليتصل بوزير الخارجية البريطانية، فلما لم يستطع أن يلقاه في لندرا احتال حتى لقيه في جنيف، ثم لم يظفر منه بشيء.

    هي إذن شهوة في نفسه وشهوة طبيعية، فما ينبغي أن يكون حظه أقلَّ من حظ المصريين الذين فاوضوا في القاهرة، أو في غير القاهرة من مدن الأرض.

    وربما كانت هذه الشهوة الحادة الملحة هي التي دفعت صدقي باشا إلى أن يسرع إلى الحكم، حتى إذا تراءى له الحكم لم يتردد رعاية لصحته، ولم يتردد رعاية لتاريخه القديم، ولم يتردد رعاية لرأي الناس فيه، ولم يتردد لإشفاق الناس منه، وشكهم في كل ما يعمل أو يقول، لم يتردد لشيء من هذا كله؛ لأن الفرصة التي انتظرها وسعى إليها — بل جد في السعي إليها أكثر من ربع قرن — قد سنحت، فقال لنفسه: ما ينبغي أن تفلت الفرصة، فقد أُتيح لصدقي باشا كما أُتيح لعدلي، وثروت، وسعد، ومحمد، ومحمود، والنحاس أن يكون رئيسًا لهيئة تفاوض الإنجليز.

    وكان صدقي باشا خليقًا أن يكتفي من الفوز الشخصي بهذا القدر، وأن يفاوض الإنجليز في القاهرة والإسكندرية، كما فاوضهم غيره من المصريين. فإن أُتيح له أن يكسب للمصريين حقوقهم، فقد أُتيح له الفوز كله، وإن حيل بينه وبين هذه الحقوق قطع المفاوضات، واكتفى بأنه لم يتخلَّف عن غيره من السياسيين المعاصرين.

    وكان صدقي باشا خليقًا أن يقول لنفسه: إن أقطع المفاوضات فقد قطعها من هو خير مني، قطعها عدلي وسعد وثروت، وإن أنجح في المفاوضات فقد نجح فيها من هو خير مني، نجح فيها النحاس بعد أن قطعها مرة، ثم استأنفها مرة أخرى فأُتيح له النجاح.

    ولكن صدقي باشا لا يعرف القصد ولا يحب القناعة، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، ولا أن يرد إرادته إلى شيء من المهل والأناة، وإنما هو جامح مندفع يستجيب لشهوته، ويركب رأسه في كل ما يحاول من الأمر؛ يعنف ويسمي العنف حزمًا، ويندفع ويسمي الاندفاع شجاعة، ويمكر ويسمِّي المكر مهارة ودهاءً.

    وهو من أجل ذلك لم يكد يرأس هيئة المفاوضات، حتى خُيِّل إليه أن كل شيء قد يُسِّر له، وأن الفوز قد كُتب له. وإذا هو يصبح المفاوض الأول (ولنلاحظ مسرعين أن أحدًا من الذين سبقوه إلى رئاسة المفاوضات لم يخلع على نفسه هذا الوصف)، ثم إذا هو يستأثر من دون أصحابه بهذه المفاوضات؛ حتى أحرج صدورهم وأرهقهم من أمرهم عسرًا. ثم إذا هو يشكو بأصحابه المصريين بمفاوضة الإنجليز؛ حتى يضطر فريقًا من المفاوضين إلى أن يشكُّوا فيه كل الشك، ويرتابوا به كل الريب، ويضطره إلى مواقف يملؤها الحرج، ويخرجوا بالمفاوضات من السر إلى الجهر، ومن الخفاء إلى الإعلان، يستعينون عليه بالرأي العام بعد أن أعيتهم فيه الحيل، وبعد أن حجزوا عن مسايرته في طرقه الملتوية التي كان يؤثر أن يسير فيها.

    وإذا مفاوضوه الإنجليز أنفسهم يعلنون هذا الشك وهذه الريبة في البيان الذي أصدروه قبل أن يعودوا إلى وطنهم، فيقول قائلهم: إننا علمنا من أمر المفاوضات ومن آراء المفاوضين شيئًا أو أشياء غير ما سجلته لنا المذكرات المكتوبة التي قدمت إلينا. ومعنى هذا باللفظ الصريح — وهو المعنى الذي ردده مكرم باشا وغير مكرم باشا — أن صدقي باشا كان يقول للمصريين من زملائه شيئًا وللإنجليز من مفاوضيه شيئًا آخر. كان يصطنع ما يسميه مهارة ودهاءً فيمكر بأولئك وهؤلاء.

    ثم لم يكتفِ بهذا كله، وإنما أبى إلا أن يبلغ بالبطولة أقصى غاياتها وأبعد آمادها، ويُبيِّن للمصريين أن زملاءه هؤلاء المفاوضين هم الذين قد حالوا بينه وبين التوفيق لكثرة ما كانوا يجادلون ويمارون، وأن المفاوضين الإنجليز أنفسهم هم الذين حالوا بين المفاوضات وبين النجاح؛ لأنهم لم يكونوا يملكون السلطان الكافي، وأنه هو صدقي باشا يستطيع أن يطير إلى لندرا، وأن يلقى المستر بيفن، وما هي إلا أن يقضي معه ساعة أو ساعات حتى يطويه طيًّا، ويلويه ليًّا، ويضعه في جيبه في غير جهد ولا مشقة، ثم يحتفظ به سجينًا في جيبه لا يخلي بينه وبين الهواء الطلق إلا أن يسلم له بكل ما تريد مصر. هنالك وهنالك ليس غير يرد إليه حريته، ويخلِّي بينه وبين الذهاب إلى نيويورك.

    ولم يحفل صدقي باشا بالنذير ولا بالتحذير، ولم يسمع صدقي باشا للنصح ولا للإرشاد، وإنما طار إلى لندرا ولقي المستر بيفن، وعاد إلى مصر متحديًا خصومه، مُبشِّرًا أصدقائه بأنه قد أنجز الوعد، ووفَّى بالعهد، وأتى بالسودان حلالًا سائغًا، لا أقول لمصر كما قال، وإنما أقول لأهل وادي النيل كما ينبغي أن يقول المصريون والسودانيون جميعًا.

    ولعل القارئ يذكر أني قلت منذ يومين اثنين إني أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يأتِ من لندرا بشيء ذي غَنَاء. ولم يراهني أحد؛ لأن المصريين جميعًا فيما يظهر يعرفون من صدقي باشا مثل ما أعرف، وينتظرون منه مثل ما كنت أنتظر، ويصدقونه بمقدار ما أصدق. قال لهم إنه جاء بالسودان حلالًا سائغًا، فلم يؤمن له أحد؛ لأنهم تعوَّدوا منذ أعوام وأعوام ألا يؤمنوا له إذا قال.

    وما هو إلا أن ينقضي يوم الأحد، ويأتي يوم الاثنين حتى يقف رئيس الوزارة البريطانية في مجلس العموم البريطاني يهدئ من روع الإنجليز الذين خافوا فيما يظهر أن يكون صدقي باشا قد قال الحق، وأن يكون السودان قد أفلت منهم، ويهدئ المصريين الذين ظن بهم السذاجة والغفلة، وخُيِّل إلى نفسه أنهم قد اطمأنوا إلى تصريح صدقي باشا، فأراد أن يجنِّبهم خيبة الأمل، وأن يحول بينهم وبين النكسة التي تعقب الثقة حين يظهر أنها كانت ثقة غير ذات موضوع كما يقول أستاذنا الجليل لطفي باشا السيد.

    وقف رئيس الوزارة البريطانية، فكذَّب ما أذاع صدقي باشا من تصريح، ورد إلى الإنجليز أمنهم، وثبَّت في قلوب المصريين خوفهم، وعرف أولئك وهؤلاء أن صدقي باشا قد طار وطار وعاد صفر اليدين. لم يكسب شيئًا لوطنه، وإنما عرَّض صحته لشر عظيم، نرجو أن يكشف الله عنه غمرته؛ ليعود صدقي باشا قويًّا نشيطًا معافًى قادرًا على أن يداعب بمهارته ودهائه المصريين والإنجليز جميعًا.

    كل هذه أشياء قد أَلِفَها المصريون من صدقي باشا. فهم لا ينكرون منها شيئًا، ولعلهم أن ينكروا ما يناقضها إن استطاع صدقي باشا أن يأتي بما يناقضها.

    ولكن الشيء الذي يخجل له المصريون حقًّا هو أن صدقي باشا في هذه المرة قد أسرف على نفسه وعلى مواطنيه حين أسرع إلى إذاعة تصريحه قبل أن يحين الوقت لإذاعة هذا التصريح. فليس من شك في أن الإنجليز قد قالوا له: سنقبل أن تذكر سيادة التاج المصري على السودان. ولكنهم قد قالوا له من غير شك أشياء أخرى، فكان صدقي باشا خليقًا أن يضبط نفسه ويحزم أمره، ويستعين على قضاء حاجته بالكتمان، ويلتزم الصمت حتى يواجه زملاءه المفاوضين بما حمل إليهم من بلاد الإنجليز، فإن أقرُّوه أعلنه إلى الناس، وإن رفضوه رأى رأيه فقطع المفاوضات أو ألغى هذه الهيئة المشاكسة، وفرضها دكتاتورية تُمْضِي الأمر كما يريد هو لا كما يريد المفاوضون.

    كان الحق على صدقي باشا أن يسلك هذه الطريق إيثارًا للعافية أولًا، ورعاية لكرامة زملائه المفاوضين ثانيًا، واحتفاظًا بالتقاليد السياسية بعد كل شيء. ولكن شهوة الفوز ملكت على الرجل أمره، فلم يحفل بزملائه الوزراء، ولم يحفل بزملائه من المفاوضين المصريين، ولم يحفل بالتقاليد السياسية، بل لم يحفل بالحق نفسه، وإنما قال شيئًا وطوى أشياء، وكان أمره كأمر الذي يتلو: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ) … ثم يقف ولا يمضي بالآية الكريمة إلى آخرها، فيوهم الناس أن الله ينهاهم عن الصلاة، فقد قال الإنجليز لصدقي باشا فيما يظهر أنهم لم يروا بأسًا بأن تذكر سيادة التاج المصري على السودان، ولكن بشرط أن تبقى أمور السودان كلها كما هي الآن، لا ينالها تغيير قليل أو كثير، وأن يسجل المصريون على أنفسهم الاعتراف بحق السودانيين في أن يعلنوا استقلالهم متى أرادوا.

    وواضح جدًّا أن صدقي باشا لم يكن يستطيع أن يذيع هذا كله؛ لأن هذا كله لا يسجل فوزًا، وإنما يسجل إخفاقًا، وإخفاقًا بشعًا شنيعًا.

    وشر ما في هذا كله هو أن صدقي باشا لم يَسِرْ سيرة الرجل السياسي حين يفاوض دولة أجنبية، وحين يتَّفِق مع هذه الدولة على الاحتفاظ بسرية المفاوضات. ولذلك اضطر رئيس الوزارة البريطانية إلى أن يكذِّبه من جهة، ويلومه من جهة أخرى في مجلس العموم البريطاني، فعرَّض نفسه لهذه الإهانة القاسية، وعرَّض حكومته لنفس هذه الإهانة، ولم يُعرِّض مصر لشيء؛ لأن مصر ليست منه في شيء، ولأن الإنجليز يعلمون حقَّ العلم أنه لم يتحدث إليهم بلسان مصر، ولم يفاوضهم باسم مصر، وأن مصر تبرأ إليهم وإلى العالم كله من كل ما قال لهم ومن كل ما سمع منهم.

    فهذه الهفوة التي تورَّط فيها صدقي باشا تثير في نفوسنا الاستحياء لصدقي باشا نفسه، كما تثير في قلوبنا الإشفاق على صدقي باشا. فصدقي باشا أبرع وأشد لباقة من أن يتورط في هذه الهفوة لولا أنه كما قلت في أول هذا الحديث رجل قد تقدمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، واستأثرت به شهوة الفوز.

    ولكن ما عسى أن يكون الموقف بعد أن انتهت الظروف بصدقي باشا إلى هذا الحرج. أمن الممكن، أمن المعقول، أمن المباح أن نلقي أعنَّة الحكم لمن لا يستطيع أن يملك أعنَّة نفسه؟ وأن تسند مصائر مصر إلى رجل قد تقدمت به السن، وألحت عليه العلة، وأثقلته الهموم؟

    وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على نفسه من تجشم الهول واحتمال الألم والتعرض للخطر، وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على وطنه من سياسة العجز هذه التي تدفعه إليها سنه وعلته وهمومه الثقال، فقد يجب أن نشفق نحن على مصالحنا، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة أن يولِّي أمور الحكم في مصر رجلًا لم تتقدَّم به السن ولم تلحَّ عليه العلة ولم تثقله الهموم، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة الملك في أن يُعفِيَ صدقي باشا من الحكم رحمةً له، وإشفاقًا عليه، وضنًّا به على الخطر.

    وقد يكون من الحق علينا أن نطلب إلى زملاء صدقي باشا من المفاوضين المصريين أن يُجنِّبوا مصر سياسة العجز والهفوات، وأن يريحوا صدقي باشا من هذا العناء الثقيل الخطر، وسبيلهم إلى ذلك واضحة ميسرة، فسيجمعهم صدقي باشا يوم السبت في بعض الروايات، ويوم الخميس في بعضها الآخر، وسيعرض عليهم ما حمله من بلاد الإنجليز، وهذا الذي حمله من بلاد الإنجليز مخالف للحد الأدنى الذي قررت كثرتهم أنها تستطيع قبوله، وهو مخالف أشدَّ المخالفة لما تستطيع مصر أن تقبله.

    وإذن فالنصح للوطن، والنصح لصدقي باشا يقضي برفض ما جاء به صدقي باشا من بلاد الإنجليز، هنالك تقطع المفاوضات، وهنالك تستأنف مصر جهادها، ويفرغ صدقي باشا لصحته، ويُجنَّب المصريون هذا العناء العظيم البغيض.

    وما أشك في أن المفاوضين المصريين سيستمعون لهذا الدعاء، فينقذون وطنهم من هذا الخطر، وينقذون صدقي باشا من نفسه أيضًا …

  • إخفاق …

    إخفاق …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٣٠ سبتمبر ١٩٤٦

    لم ينتظر المصريون في يوم من الأيام خيرًا من الوزارة المستقيلة؛ لأنهم لم يصدقوا في يوم من الأيام أن رئيسها يستطيع أن يكسب لهم خيرًا، ومصدر ذلك أنهم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم علم اليقين — لا علم الظن — أن صدقي باشا رجل يحب نفسه أكثر مما يحب أي إنسان، ويؤثر ما يتصل به من المنافع والمآرب والآمال أكثر مما يؤثر ما يتصل بغيره من الناس من هذه المنافع والمآرب والآمال، سواء أكان هؤلاء الناس أفرادًا يلوذون به من قريب، أم جماعات يرمقونه من بعيد، أم شعبًا لم ينظر إليه قط إلا في كثير جدًّا من الحذر والتحفظ والاحتياط.

    وقد جرب المصريون صدقي باشا حين كان وزيرًا في الوزارات المختلفة قبل صدور الدستور وبعد صدور الدستور، فعرفوا فيه الفطنة والذكاء، وعرفوا فيه اللباقة والمضاء، ولكنهم عرفوا فيه هذا الضعف الخطير الذي يحول بينه وبين أن يكون سياسيًّا ذا خطر: وهو حب النفس، وإيثار المنافع العاجلة القريبة على كل شيء آخر.

    رأوه يحارب سعدًا إلى أبعد حدود الحرب وأقصى آمادها حين كان وزيرًا للداخلية، لا يتحرج من ظلم، ولا من عسف، ولا من كيد، ولا من تضليل، ولا من سفك للدماء.

    ثم رأوه بعد ذلك يتقرب إلى سعد وأصحابه حين كان الائتلاف، ورأوه يسعى إلى بيت الأمة ينتظر في بعض الظروف أن يقبل الوفد ترشيحه للنيابة في دائرة من دوائر الانتخاب، يحارب سعدًا ولا يكره الاعتراف بزعامة سعد، ويحارب النحاس ولا يكره أن يعلن الخضوع لزعامة النحاس، ويخاصم محمد محمود، ولا يتردد في الانضواء تحت لواء محمد محمود، ثم رأوه حين أحدث الانقلاب الدستوري الخطير الذي ألغى فيه دستورًا، وأنشأ فيه دستورًا آخر، وأفسد فيه جيلًا من أجيال الشباب فسادًا عميقًا لم تمح آثاره بعد، وسفك فيه دماء المصريين في المدن والقرى. لم يتحرج، ولم يتحفظ، ولم يرع لأمته حرمة، ولا لمواطنيه حقًّا، ولم يخف من هذه الظلال الدامية التي كانت خليقة أن تنغص عليه النهار إذا استيقظ، وتملأ عليه الليل إذا حاول أن ينام …!

    نعم، ورأوه ينشر الجاسوسية على البارزين من خصومه، وعلى غير البارزين منهم، يبث العيون والأرصاد في كل مكان، وينفذ الأحكام العرفية دون أن يعلنها. نعم، ورأوه يهين كرامة الإنسان إلى أبعد الحدود التي تهان فيها كرامة الإنسان، وما زالت قصة البداري ماثلة في النفوس، ولم تكن قصة البداري فذة ولا نادرة، وإنما كانت شائعًا مألوفًا؛ فقد أباح صدقي باشا في عهده ذاك للمصريين أن يستذل بعضهم بعضًا، وأن يستعلي بعضهم على بعض، وأن يهدر بعضهم كرامة بعض، وأن تضيع بينهم الحقوق، وتنتهك بينهم الحرمات.

    نعم، ورأوه يصنع البرلمان صنعًا، ويطبخه طبخًا، وينفخ فيه روحًا خبيثًا آثمًا يملأ البلاد شرًّا ونكرًا. نعم، رأوه بعد ذلك وقد انجلت عنه غمرة السلطان فانجلت عنه غمرة الطغيان، وإذا برلمانه ينبذه كما تنبذ النواة، ويسخر منه كما يسخر من رجل ليس بذي خطر، وإذا أصحابه يتفرقون عنه ليلتفوا حول صديقه وزميله، وإذا الذين كانوا يذعنون له، ويؤمنون به، ويبتغون إليه الوسيلة، قد أصبحوا يكيدون له، ويمكرون به، ويريدون أن يحاكموه … ويتهمونه بما شاء الله أن يتهموه به من الآثام والموبقات.

    وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى مستشارًا ملكيًّا كان يدبر المحاكمة، ويعد لها، يعمل فيها نهاره، ويأرق لها ليله، ويرسل إلي أنا — حين كنت أحرر إحدى الصحف الوفدية — من أعوانه من كان ينبئ بدقائق الاتهام الذي كان يُعدُّه، والكيد الذي كان يكيده.

    ثم تدور الأيام، وتتلاحق الحوادث، وتتغير الظروف، وإذا صدقي باشا يشرك راضيًا أو كارهًا هذا المستشار في وزارته المستقيلة.

    نعم، جرب المصريون صدقي باشا في هذه الأطوار كلها، فاستيأسوا منه، واستيقنوا أنه لن يكسب لهم خيرًا، وتضرعت قلوبهم إلى الله أن يصرف عنهم شره، ويكف عنهم أذاه، وأن يتيح له بعد ذلك من السعادة في نفسه ومنافعه ما يشاء، وكان صدقي باشا خليقًا بعد هذه التجارب المرة والمحن القاسية، أن يفرغ لنفسه ولمنافعه، وأن يفارق السياسة إلى غير رجعة، ويزهد فيها إلى آخر الدهر.

    ولكن صدقي باشا رجل جريء لا يعرف التردد، ولا يحجم أمام شيء، تنزلق الأحداث على نفسه الملساء دون أن تترك فيها أثرًا، كما تنزلق الأجسام على الجليد الصلب الأملس دون أن تترك فيه أثرًا، وهو من أجل ذلك لم ييأس قط، وهو من أجل ذلك لم يرضَ قط أن يريح ولا أن يستريح. شارك في مفاوضات ١٩٣٦، ثم لم تكد هذه المفاوضات تنتهي حتى كاد لها، ومن يدري لعله كاد لها قبل أن تنتهي، ولعله كاد لها من قبل أن تبتدئ.

    والشيء المحقق هو أنه كاد للوزارة الوفدية إذ ذاك، وما زال يكيد لها منفردًا بالكيد مرة، ومشاركًا في الكيد مرة أخرى، حتى إذا أقيلت تلك الوزارة شارك في الوزارة التي خلفتها، ولكن زملاءه الذين شاركوه في الكيد، وشاركوه في الغنيمة بعد الكيد لم يطيقوا عليه صبرًا فتخلصوا منه ولمَّا يمض على تأليف وزارتهم إلا وقت قصير، هنالك عاد إلى ما كان فيه من التخريب والتأليب والمكر الظاهر والمكر الخفي. لم يُقصِر شيئًا في ذلك على وزارة بعينها، وإنما شمل به الوزارات جميعًا. لم يرضَ قط عن وزارة ليس فيها، ولم يرض قط عن وزارة شارك فيها إلا أن يستأثر من دون أعضائها بالنفوذ.

    وما زال كذلك يرضى قليلًا ويسخط كثيرًا ويعارض دائمًا، حتى كان هذا العهد السعيد، فكان من بُناته ورافعي دعائمه، ولكنه لم يشارك في الغنيمة، فلم يرضَ عن أحد، ولم يرض عنه أحد. ولم تمض أشهر على هذا العهد السعيد حتى كان صدقي باشا خصمًا لوزير المالية في كل شئون المال، وخصمًا لرئيس الوزراء في كل شئون السياسة، يعارض في البرلمان قليلًا، ويعارض في الصحف كثيرًا، ويعارض في نادي محمد علي معارضة لا تنقضي.

    كان أشد الناس مطالبة بالجلاء وتعجلًا له حين كان النقراشي باشا رئيسًا للوزارة، وكان أشد الناس استبطاءً للمفاوضات وضيقًا، يكسب الوقت وتشنيعًا على مؤامرة الصمت حين كان النقراشي باشا رئيسًا للوزارة، وما زال بالنقراشي باشا حتى أفسد من حوله الجو في ذلك السخف الذي كانوا يسمونه الهيئة السياسية، ثم هوى النقراشي باشا وفوجئ المصريون بوزارة يرأسها صدقي باشا.

    فأما الأغرار منهم والمحمقون والذين يذكرون اليوم لينسوا غدًا، فقد صدقوه حين أعلن إليهم أنه قد خرج من جلده القديم ودخل في جلد جديد. وأما الذين يفطنون للحوادث، وينتفعون بالعبر، ويستفيدون من الخطوب، فقد عرفوا أن الرجل قد ضرب حول نفسه سورًا ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب، ولم تمض أسابيع حتى شاع العذاب في السور كله في باطنه وفي ظاهره ومن حوله، وإذا نحن نعود إلى الوزارة الأولى لصدقي باشا، وإذا الفساد يُصب على مصر صبًّا، ويتغلغل في حياتها كلها، فساد في الحياة الداخلية، فقد محيت الحرية محوًا، وجرت أمور الحكم على الطغيان الذي لا يتحرج ولا يتحفظ، ولا يرى في الدستور والقانون إلا ستارًا تقترف من ورائه آثام الاعتداء على الحرية والازدراء للحقوق.

    ثم كانت سخافة المفاوضات، وقد عرف المصريون تهالك صدقي باشا على سخافة المفاوضات، وقد رأى المصريون إلى أي حد كان صدقي باشا مخلصًا حين كان يتعجل الجلاء، ويتحمس للاستقلال، ويطالب بوحدة وادي النيل. وما أحب أن أعيد حديث المفاوضات، وما كان يشيع فيها من ثقة بين صدقي باشا وزملائه المفاوضين، ولكن أحب أن أُذكِّر المصريين أن أزمة المفاوضات التي أكرهت صدقي باشا على الاستقالة قد كانت أزمة ثقة حقًّا، أزمة ثقة لا بين المصريين والإنجليز فحسب، ولكن بين المفاوضين المصريين ورئيسهم قبل كل شيء.

    لقد بلغ الأمر أن شك فريق من المفاوضين في كل ما كان رئيسهم يقول لهم، أو يقول عنهم، حتى أرادوا أن يقيدوه، بل قيدوه بالألفاظ المكتوبة المقررة، ثم لم يحتفظوا بهذا الشك بينهم وبين أنفسهم، وإنما أذاعوه في أحاديثهم، وأذاعته الصحف عنهم؛ ليعلم الشعب المصري أن من المفاوضين أنفسهم قومًا يشكون كما يشك، ويرتابون كما يرتاب، ويخافون كما يخاف.

    ومهما يكن من شيء فقد أخفق صدقي باشا في وزارته هذه إخفاقًا منكرًا حقًّا أفسد على مصر حياتها الداخلية، على كثرة ما كان يلهج به من رغبة في الإصلاح، كان يريد أن يحارب الفقر والجهل والمرض، فلينظر المصريون أنفسهم وليسألوا أنفسهم إلى أي حد حماهم صدقي باشا من الفقر والجهل والمرض، وأفسد على مصر مظاهر جهادها الوطني بما فرض على الصحف من صمت، وعلى الحرية العامة والخاصة من قيود وأغلال، وأعلن أنه يريد أن يحقق الجلاء ووحدة وادي النيل.

    فلينظر المصريون وليسألوا أنفسهم، ولينظر المفاوضون وليسألوا أنفسهم: ماذا حقق صدقي باشا من الجلاء ووحدة وادي النيل؟ ثم لينظر المصريون والمفاوضون منهم خاصة إلى أي حد حفظ صدقي باشا على المصريين كرامتهم أمام الإنجليز، وسمعتهم في العالم الخارجي في الشرق والغرب على السواء.

    ليصدقني المصريون، والمفاوضون منهم خاصة، لقد كنت في أوروبا أستخذي حين تُذْكَر الحكومة المصرية. ولمَ لا؟ وهي الحكومة التي تحجر على الحريات العامة بالطرق الإدارية، ثم لا تكتفي بذلك فتشرع القوانين للحجر على هذه الحريات، فإذا لم يسعفها البرلمان أصدرت هذه القوانين في غيبته، وأؤكد للقراء وللمفاوضين ولصدقي باشا نفسه أن الذين يستخذون من الحكومة المصرية في الخارج ليسوا قليلين!

    والآن وقد استقالت هذه الوزارة، وزالت هذه المحنة عن المصريين يومًا أو بعض يوم، ما الذي يمكن أن تتكشف عنه الأحداث لهذا البلد البائس الشقي؟ يقال — وما أكثر ما يقال: إن صدقي باشا قد يؤلف وزارة جديدة، وقد يمضي في سياسته الرشيدة، فإن يكن هذا الذي يقال حقًّا، فقد يستطيع صدقي باشا أن يطمئن إلى أن وزارته الجديدة لن تكون أحسن حظًّا من وزارته المستقيلة.

    فإنك لا تجني من الشوك العنب، وقد جرب صدقي باشا حظه غير مرة، فلم يجد خيرًا، وجربت مصر حظها مع صدقي باشا فلم تجد خيرًا، فإذا كتب عليها صدقي باشا مرة أخرى، فإنها تعرف كيف تقرأ وتفهم وتذعن لقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

  • لو كنت عضوا في البرلمان

    وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . .
    الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا

    لو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً.
    نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير.
    ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقي أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحي أبولون، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجني ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقي والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبي منه من الضرائب.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذي يعيشون فيه، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروي صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمئوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادي محمد علي ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم.
    أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهي الأداة.
    إن صدقي باشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج، كلا يا سيدي إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفى، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سياسي أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمِّنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان.
    وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكني أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية. فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله. وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية.
    انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذي يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذي يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب. وما ترضى به وزير الأشغال الذي يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمي الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء. ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ. فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ. إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدي إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنيائنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بائساً أو ترفق بمحروم.
    ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام.
    أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا.
    كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذي لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضًا يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغني يشكو إلي بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكني فكرت فيما بيني وبين نفسي أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وإني في هذا الوقت الذي كان يتحدث إلي فيه هذا الغني لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغني بائساً لأنه قد نُصِفَ إيرادُه مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأني لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال.
    طه حسين
    المصري، ١ أبريل ١٩٤٤.

  • جريء

    حديث المساء: جريء

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٦ فبراير ١٩٣٤

    هو — من غير شك — دكتاتورنا العظيم صدقي باشا، فقد تستطيع أن تبحث بين المصريين وغير المصريين عن رجل تستطيع أن تصفه بهذا الوصف وأنت مطمئن واثق بأنك لم تخطئ ولم تقصر ولم تسرف، فلن تجد غير هذا الرجل العظيم.

    وعظماء الرجال يمتازون في أكثر الأحيان بصفات خاصة تُشخِّص عظمتهم، وتخطر للناس كلما ذُكِرَتْ أسماؤهم؛ فهذا يمتاز بالرحمة، وهذا يمتاز بالشجاعة، وهذا يمتاز بسعة العقل، وهذا يمتاز بسعة الحيلة، وهذا يمتاز بطيبة القلب، وهذا يمتاز بحب التقاليد، وهذا يمتاز بالإقدام يتبعه الإحجام، وبالكر يتبعه الفر، وبالتورط في الكلام …

    أما صدقي باشا فيمتاز بالجرأة … بالجرأة التي لا حد لها … لا في الطول، ولا في العرض، ولا في العمق.

    فصدقي باشا جريء في أي نحو من الأنحاء، جريء على نفسه، جريء على الناس، جريء على الدستور، جريء على القانون، جريء على الأجانب، جريء على الإنجليز، جريء على ما شئت وما لم تشأ، جريء على من شئت ومن لم تشأ. لا يخاف شيئًا، ولا يحسب لشيء حسابًا، ولا يرجو لشيء وقارًا. ليس هو الرجل الجريء وإنما هي الجرأة تمثلت رجلًا بهذه الصفة.

    امتاز صدقي باشا بين عظماء المصريين، بل بين عظماء العالم كله إن شئت، فما ينبغي أن تتكلف مع صدقي باشا تحقيقًا أو تدقيقًا؛ لأن الرجل لا يتكلف مع نفسه ولا مع الناس تحقيقًا ولا تدقيقًا.

    كان محاربًا للوفد، يكيد له ويهجم عليه، يتربص به الدوائر، ويصب عليه ما استطاع من المكروه. ثم لم يمنعه ذلك أن يكون صديقًا للوفد مسرفًا في الصداقة، يجهر بتأييده والذود عن مبادئه، جادًّا في ذلك متهالكًا عليه!

    ثم دارت الأيام دورة قصيرة غير طويلة، فإذا صدقي باشا حرب على الوفد يجهر بمخاصمته والتأليب عليه جادًّا في ذلك متهالكًا عليه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة جدًّا وإذا صدقي باشا يفكر في التقرب إلى الوفد، ويسعى في ذلك ولا يتردد في أن يتحدث به أو يستعين عليه بمن وسعه أن يتحدث إليهم أو يستعين بهم.

    ثم دارت الأيام دورة قصيرة وإذا صدقي باشا يؤلف وزارته برغم الوفد وبرلمان الوفد، وإذا هو يلغي الدستور وقد كان من أشد أنصار الدستور، وإذا هو يحل البرلمان.

    وأغرب من هذا كله أنه لم يتردد لحظة في أن يجهر بأن الأمة كلها كانت معه حين لم يستطع أن يصل إلى البرلمان وكانت معه بعد أن وصل إلى البرلمان، وكانت معه حين لم يستطع أن ينال الإذن بدخول البرلمان وكانت معه حين حل البرلمان، وكانت معه حين كان حريصًا على دستور سنة ١٩٢٣ وكانت معه حين كان معطلًا لهذا الدستور، وكانت معه حين رجع إلى تأييد هذا الدستور ثم كانت معه حين رضي عن تعطيل الدستور، وظلت معه حين كان يسعى إلى الوفد ليستمتع بنعمة هذا الدستور، ثم ظلت معه حين ألغى الدستور وحين أنشأ الدستور الجديد.

    ولما ألف وزارته وأصدر الدستور، ودعا إلى الانتخاب وأجرى هذا الانتخاب لم يَبْقَ شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه؛ لأنها أعطته سبعة وستين وسبعة أثمان من أصوات الناخبين، ولم يكن شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه تمنحه التأييد وتخلص له الود، حين كان ما كان في البداري وغير البداري من مواطن الخزي.

    وأغرب من هذا أن الأمة كلها كانت معه، حتى خصومه الذين كانوا يحاربونه فهم كانوا يحاربونه في ظاهر الأمر ويؤيدونه من وراء الستار، حتى تلك الأرواح التي أُزْهِقَتْ في ظِلِّ حكمه السعيد فإنها كانت تصعد إلى السماء راضية عنه مثنية عليه، داعية لحكمه بطول البقاء؛ لأنه ضحى بها في سبيل الحرية، وأزهقها في سبيل حماية مصر من الفوضى والخراب!

    ثم دارت الأيام دورة كانت قصيرة في حساب الزمان؛ لأنها لم تكن تتجاوز الأعوام الثلاثة، وكانت طويلة في حساب المصريين؛ لأنها كانت مملوءة بالشر والضر، وبالهول والروع …

    دارت الأيام هذه الدورة القصيرة الطويلة، وإذا صدقي باشا تزل به قدمه فيهوي عن منصب الحكم، ولكن الأمة في هذا الوقت نفسه كانت معه، كانت تظهر الفرح بسقوطه، وتضمر حزنًا ممضًّا وألمًا لازعًا عميقًا!

    واستقال من حزب الشعب فأظهرت الأمة فرحًا بذلك، وأضمرت الأمة حزنًا على ذلك، ورجع إلى حزب الشعب، فلم تبخل الأمة عليه بالتأييد والتشجيع، واستقال من مجلس النواب فجزعت الأمة لهذه الاستقالة فيما بينها وبين نفسها، وفيما بينها وبين الله، وأظهرت الأمة رضا بذلك اتقاء لصولة الرجل الطيب ليس غير، فلما رجع إلى مجلس النواب لم تستطع الأمة أن تخفي ابتهاجها، ولا أن تسر اغتباطها، وإنما اندفعت إلى ذلك اندفاعًا، واستبسلت في ذلك استبسالًا، ولم تحفل بسخط الرجل الطيب ووزارته.

    وكان الرجل الطيب طيبًا حقًّا، فلم يؤدبها ولم يعذبها وإنما صبر لها على هذا الجموح، وغفر لها هذه الزلة. وأكبر الظن أنه خاف من صدقي باشا ومن أسئلته في مجلس النواب ومن استجواباته التي لا تثبت لها الوزارات مهما تكن قوية، فكيف إذا كانت وزارة طيبة كوزارة الرجل الطيب؟!

    وكان صدقي باشا رجلًا مطمئنًّا كل الاطمئنان أثناء تلك الحرب المنكرة التي أثارها عليه الرجل الطيب، لم يداخله خوف ولم يصل إلى قلبه ذعر، وقد أخطأ من ظن أنه استقال من حزب الشعب أو من مجلس النواب فرارًا أمام الرجل الطيب أو خوفًا من وزارة الرجل الطيب … إنما استقال لعبًا بطيبة الرجل الطيب. واللعب مباح لعظماء الرجال؛ فهم في حاجة إلى أن يرفهوا على أنفسهم، وإلى أن يظفروا بشيء من اللهو البريء الذي يضحكهم ويضحك الناس أيضًا.

    وأُثِيرَتْ حول صدقي باشا إشاعات وأنباء تملأ الأرض والسماء فلم يَضِقْ بها ولم يجزع لها، وإنما لقيها باسمًا ساخرًا؛ لأنه جريء لا يخاف شيئًا ولا يحسب لشيء حسابًا ولا يرجو لشيء وقارًا.

    أُثِيرَتْ حكاية القطن فابتسم لها وهزأ من الذين أثاروها وتحدَّى وزير المالية أن يتكلم فلم يستطع وزير المالية أن يتكلم.

    أُثِيرَتْ قصة الكورنيش؛ فضحك منها وأطمع الناس فيه … دنا من المحققين حتى كادوا يضعون أيديهم عليه، ثم نأى عن المحققين حتى عجزوا عن أن يبلغوه بالأبصار فضلًا عن أن يبلغوه بالأيدي، وهو الآن يذهب ويجيء في القاهرة وفي مصر كلها، وبين داره ومجلس النواب.

    ترك حزب الشعب وناديه ارتفاعًا عن حزب الشعب وناديه، ولكنه سينشئ لنفسه ناديًا؛ فهو لا يستطيع أن يعيش من غير أن يكون له نادٍ يتجلى فيه على مريديه، وهو الآن يخطب في مجلس النواب، ويقف أمام الرجل الطيب معتدل القامة، مرفوع الرأس، شامخ الأنف، منطلق اللسان. ثم يخطب فيدفع وزير المالية ووزير الزراعة إلى ما شئت من التورط والاضطراب.

    أفتشُكُّ بعد هذا كله في أن عظمة صدقي باشا إذا امتازت بشيء فإنما تمتاز بالجرأة؟!

    وقد فرغ صدقي باشا من خصومه الشعبيين وأشباه الشعبيين، والتفت صدقي باشا إلى أصدقائه القدماء … إلى الإنجليز، وهل نَسِيَ صدقي باشا أصدقاءه الإنجليز في يوم من الأيام؟! ولكنه أظهر الالتفات إليهم على كل حال وأخذ يتحدث إلى صحفهم، فبدأ بالإجبشيان جازيت، ولعلَّه أن يُثَنِّي بالديلي تلغراف، وأن يُثلِّث بالتيمس، وأن يغمر الصحف الإنجليزية كلها بأحاديث … يا لها من أحاديث!

    وسيعلم الرجل الطيب منذ اليوم كيف تكون السياسة، وكيف تكون الحرب بين أقطاب السياسة، وسيستيقن الرجل الطيب منذ اليوم أن ليله لن ينام، وأن نهاره لن يستريح؛ فقد نشط صدقي باشا وهمَّ بالهجوم، وويل لخصوم صدقي باشا حين ينشط، وحين يهم بالهجوم!

    وقد أظهر صدقي باشا في حديثه مع الإجبشيان جازيت أقصى ما يستطيع الرجل الجريء أن يظهره من الجرأة، فأنكر نفسه إنكارًا تامًّا، وكذَّب نفسه تكذيبًا قاطعًا، ومحا شخصية كانت له، واتخذ مكانها شخصية جديدة، ولم يستبدل شخصية بشخصية في السر خلف الأستار، ومن دون الأبواب المغلقة، وإنما خلع ثيابًا ولبس ثيابًا أخرى جهرة أمام الناس جميعًا، لم يتردد في ذلك ولم يشفق منه، ولم يحفل بما سيقوله الناس. ومتى حفل صدقي باشا بما سيقوله الناس؟! فصدقي باشا رجل هو أعظم من الناس جميعًا!

    كان صدقي باشا يقول ويقول، ويحمل زملاءه على أن يقولوا ويقولوا أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، وأنه منتهٍ برغم خصومه جميعًا إلى المفاوضة ثم إلى إمضاء المعاهدة، ثم إلى إبرام المعاهدة. قد اتفق على ذلك مع الإنجليز في مصر، ثم اتفق على ذلك مع وزير الخارجية الإنجليزية في جنيف، ثم بدأ في ذلك مع المندوب السامي في مصر حتى أخذ خصومه يسألون أنفسهم: كيف يستطيع رجل أن يجرؤ على تقرير الباطل إلى هذا الحد؟!

    ولكن صدقي باشا لم يتردد أول أمس في أن يعلن في هدوء لا يشبهه هدوء أن كل ما قال وحَمَل زملاءه على أن يقولوه إنما كان تمويهًا وتهويشًا ولعبًا بالعقول وضحكًا على الذقون وأن الإنجليز لم يفاوضوه، ولم يهموا بمفاوضته، ولم يظهروا ميلًا إلى هذه المفاوضة وإنما أفهموه أنهم لا يريدون أن يفاوضوا إلا حكومة ديموقراطية حقًّا …

    وإذن؛ فقد كان صدقي باشا أثناء الحكم يريد أن يضحك على الناس فيضحك على نفسه وعلى زملائه لتجوز الحيلة ويخفى التكلف، وهو الآن يريد أن يضحك على الناس مرة أخرى فيضحك على نفسه وعلى أصدقائه مرة أخرى لتجوز الحيلة وليظن الناس أنه ما زال رجلًا سياسيًّا يستطيع أن يتحدث في السياسة وأن يرسم الخطط ويفسر التاريخ ويتنبأ بالمستقبل.

    ولم ينس صدقي باشا إلا شيئًا واحدًا يسيرًا جدًّا، وهو أن جرأته لم تخدع أحدًا في يوم من الأيام، وأن أحدًا لم يصدقه في شيء مما قال قبل أن يلي الحكم، وحين ولي الحكم وبعد أن ترك الحكم، وأن الناس لن يصدقوه اليوم بعد أن أبوا تصديقه أمس.

    إنما كان صدقي باشا رجلًا عظيمًا حين واتته الظروف وأمكنته الفرص، فلما خذلته الظروف وتخلت عنه الفرص أصبح رجلًا كأيسر الناس قدرًا وأهونهم شأنًا؛ فهو يستطيع أن يذهب ويجيء، وأن يصول ويجول، ويكتب ويقول؛ فلن يبلغ شيئًا إلا أن تعطف عليه تلك الظروف التي عطفت عليه من قبل، فجعلته رجلًا عظيمًا.

    وصدقي باشا جريء؛ فهو يدور حول هذه الظروف لعلها تعطف عليه، ولعلها تجعله رجلًا عظيمًا مرة أخرى، ولعلها ترفعه إلى الحكم، وتديل له من الرجل الطيب … ولكن الجرأة شيء والفطنة شيء آخر، وكثيرًا ما يكون الرجل جريئًا وتخطئه الفطنة برغم جرأته.

    والظاهر أن صدقي باشا لم يفقد جرأته ولكن المرض قد ترك في فطنته ندوًبا وآثارًا، فهو يطمع في غير مطمع، ويدور حول ما لا سبيل إلى الوصول إليه، وأقصى ما يبلغه صدقي باشا بهذه الأحاديث إنما هو تنبيه الرجل الطيب إلى حربه، ولفت الرجل الطيب إلى أنه لم يُلْقِ السلاح بعد، وإلى أنه ما زال قادرًا على أن يعرض به ويكيد له ويتقرب على حسابه إلى الإنجليز، وقد يخاف الرجل الطيب ذلك وقد لا يخافه …

    ولكن أحدًا غير الرجل الطيب وأصدقائه لا يستطيع أن يحسب لشيء من هذا حسابًا ولا أن يناقش صدقي باشا فيما يقول مناقشة الجد، إنما أمر صدقي باشا هزل في هزل منذ الآن، وأظرف ما فيه أن صحيفته القديمة وصحيفة الرجل الطيب الآن صامتة مفحمة أمام هذا الحديث لا تنكره؛ لأنها لم تبلغ من الجرأة ما بلغه صدقي باشا؛ فتنكر نفسها كما أنكر نفسه، ولا تقره؛ لأنها لا تستطيع أن تحارب الرجل الطيب وقد أصبحت سلاحًا في يد الرجل الطيب.

    وقد كان من الخير أن تتحدث إلينا صحيفة صدقي باشا أمس وصحيفة الرجل الطيب اليوم برأيها في تقرُّب صدقي باشا إلى الإنجليز، والحاجة في هذا التقرب، وكيده للوزارة القائمة، وإغرائه الإنجليز بها، فقد طالما أنكرت ذلك على قوم لم يفعلوه، فما لها لا تنكر ذلك على رجل يفعله ويغرق فيه إلى أذنيه؟! أراضية هي عما يقول مولاها القديم أم ساخطة هي عليه؟!

    وشيء آخر ظريف نحب أن نعرف فيه رأي صدقي باشا؛ فهو يرى أن المندوب السامي لا ينبغي له أن يتدخل في شئون الحكم إلا إذا أساءت الحكومة المصرية إلى هذه الشئون، وتعرَّض الحق والعدل والديمقراطية للخطر. هذا رأيه، فقد نحب أن نعلم أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل في موقفه هو من قصة الكورنيش، وفي موقف الحكومة المصرية منه الآن، وفي تقصير الحكومة المصرية أو قصورها عن سؤاله حتى أمام البرلمان.

    فليس من شك في أن هذا كله إفساد للحق والعدل والديمقراطية، ودليل واضح على أن أساس الديمقراطية في مصر ضائع أو معرض لخطر عظيم. فما رأي صدقي باشا؛ أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل فيسأل الحكومة المصرية: ما بالها تسأل فلانًا وفلانًا من الموظفين، ولا تفكر، أو لا تريد أن تفكر في سؤال صدقي باشا عن قصة الكورنيش؟

    أما نحن فنكره أن يتدخل الإنجليز حتى في هذا، ونؤثر أن يمتاز صدقي باشا، وإن عجزت الحكومة عن سؤاله أو قصَّرت الحكومة في سؤاله؛ لأن امتياز صدقي باشا وإشفاق الحكومة منه أو محاباة الحكومة له إن كانت له نتيجة فإنما هي إقناع الشعب المصري بما هو مقتنع به من أن هذا العهد السعيد، عهد صدقي باشا ليس عهد ديمقراطية، ولا احترام لدستور أو قانون، وإنما هو عهد أزمة من هذه الأزمات التي تعرض للشعوب ثم لا تلبث أن تزول، وهي إنما تزول بتقليم أظافر صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وقطع ما بينهم وبين الحكم أو الطموح إليه من الوسائل والأسباب.

    ما أجدر صدقي باشا أن يستريح! فإن استقامة الصحة البدنية ليست كل شيء.

  • رحمة

    حديث المساء: رحمة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ ديسمبر ١٩٣٣

    لا ينبغي أن نيأس من قلوب الناس؛ فقد تقسو هذه القلوب حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة، ثم يمسها بعد ذلك جناح من الخير والبر، ومن العطف والإشفاق؛ فإذا هي ترق وتلين حتى كأنها النسيم الرقيق، والماء العذب الصفو.

    ولا ينبغي أن تيأس من نفوس الناس؛ فقد تخشن وتجفو، ثم إذا بلغت أقصى غاية الخشونة، وأبعد آماد الجفوة، مسها ذلك الجناح السحري، فإذا هي ناعمة ملساء صافية حلوة كأنها العسل الماذي الذي تحدَّث عنه الشعراء الأقدمون.

    لا ينبغي أن تيأس من شيء؛ فكل شيء ممكن حتى أن يلين قلب صدقي باشا بعد شدة، وتلطف نفس صدقي باشا بعد حدة، ويصفو طبع صدقي باشا بعد جفوة، ويصبح هذا الطاغية الجبار مَلَكًا حلو الشمائل، كريم النفس، رحيم القلب، عطوفًا على الناس رءوفًا بهم، يرحمهم حتى إنه ليحتمل في سبيلهم المكروه، ويتجشم في سبيلهم الأهوال. وماذا تنكر من هذا وأنت ترى صدقي باشا يرق للحياة النيابية، ويفيض رحمةً للنواب، وحنانًا عليهم، وخوفًا أن تمسهم الحكومة بما يكرهون، أو أن يردهم الحل إلى حيث كانوا قبل أن يدعوا إلى قبة البرلمان، وإذا هو يخرج من صمته، ويتخلص من هدوئه وسكونه، ويتخفف من عزلته، ويضحي براحته، ويكتب إلى رئيس مجلس النواب يسحب استقالته من مجلس النواب؟!

    وقد يظهر لك هذا غريبًا طريفًا، ولكن الغرائب قد تقع، والطرائف قد تحدث، وليس على الله بمستنكر أن يرد الأشياء إلى أضدادها، ويحول سير الناس إلى نقائضها، ويجعل صدقي باشا رجلًا شفيقًا رحيمًا يشفق على النواب من مس النسيم بعد أن لم يشفق على الشعب من مس النار والحديد.

    نعم، لم يشفق صدقي باشا على أولئك المصريين الذين حصد الرصاص نفوسهم حصدًا، ومزقت الحراب أجسامهم تمزيقًا، وهشمت المقامع عظامهم تهشيمًا.

    لم يشفق صدقي باشا على واحد من هؤلاء، بل كان صدقي باشا ينظر إليهم وإلى ما يصيبهم، فيطغيه ما يرى، ويزدهيه ما يسمع، ويعلن إلى محدثيه أنه أصبح لا يخشى إلا الموت.

    فلما أبعد عن الحكم وأخرج من الحرب، واضطر إلى أن يستقيل من مجلس النواب؛ عادت إلى قلبه الرحمة، وثابت إلى نفسه الدعة، فلم يكد يحس نذير الحكومة أمس بحل مجلس النواب إن لم يقبل استقالته، حتى أسرع إلى هذه الاستقالة فسحبها سحبًا، وابتلعها ابتلاعًا، رحمةً بالنواب، وحمايةً للنظام الحاضر، وصيانة للتقاليد الدستورية.

    ألست ترى معي أن النكتة فاترة، وأن المزاح سخيف، وأن التكلف بريء كل البراءة من المهارة الفنية، خلو كل الخلو من اللباقة والرشاقة اللتين كان الناس يعرفونهما عن الدكتاتور العظيم، أيام كان قويًّا جريئًا لا يخاف إلا الموت؟

    بلى، وليس من شك في أن رئيس الوزراء لم يخطئ حين صوَّر موقف صدقي باشا أمس في صورته الصحيحة، فأعلن أنه إنما استرد استقالته حين استيقن أن المجلس سيقبلها، واستيأس من أن أحدًا سيذود عنه أو يتعصب له؛ ذلك أن صدقي باشا أعلم الناس بأصحابه، وأشد الناس، وأحسن الناس ابتلاءً لسرائرهم، وامتحانًا لطاقتهم.

    رأى منهم الخذلان فاستقال حتى لا ينهزم أمام الدكتور رفعت باشا، ثم رأى منهم الخذلان فاسترد استقالته أمس حتى لا يقبلها النواب بالإجماع أو شيء يشبه الإجماع. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء كان مصيبًا في هذا التصوير؛ فهذا مرشح الوزارة لوكالة المجلس قد ظفر أمس بمائة أو نحو مائة من الأصوات بعد أن لم يظفر يوم الخميس إلا بأربعة وخمسين صوتًا، فكان النذير إذن قد أحدث آثاره، وانتهى إلى نتائجه، وكانت نظرات الغضب التي أرسلها الرجل الطيب ووزير التقاليد القديم ووزير التقاليد الجديد قد انتهت إلى غايتها، فطابت قلوب النواب لما تحب الوزارة، ولو قد عرضت استقالة الدكتاتور أمس لقبلت دون أن تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل القديم.

    فصدقي باشا إذن لم يشفق على النواب ولا على الحياة النيابية من الخلاف بين الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية حول شخصه العظيم، وإنما أشفق على نفسه من الاتفاق بين الهيئتين على شخصه هذا. ولعله أشفق على النواب والحياة النيابية من قبول استقالته، فلو قد قبل النواب استقالته، وذلك شيء لم يكن منه بد لسجلوا على أنفسهم أنهم قد سمعوا النذير فخافوه، واضطروا إلى الطاعة والإذعان.

    وصدقي باشا رجل يحب النواب، ويؤثرهم بالخير، ويفديهم بالنفس والمال، ولا يريد أن يعرضهم لرفض الاستقالة، وما يتبعه من الحل، أو لقبول الاستقالة وما يتبعه من سوء الحديث؛ فهو على كل حال بطل من أبطال التضحية، وهو على كل حال خليق أن يعرف له النواب هذه الصنيعة، ويشكر له النواب هذه النعمة، ولكن صدقي باشا رجل قد أصبح الآن فيلسوفًا، يعرف الناس، ولا ينتظر منهم فوق ما يطيقون، ولكن صدقي باشا قد أصبح الآن خيِّرًا بطبعه يعمل الصالحات، ويقدم المعروف، ويحسن إلى الأصدقاء والخصوم، ولا يبتغي بذلك جزاءً ولا شكورًا، ولا يريد بذلك إلا وجه الله، وخدمة الوطن خالصة لوجه الله، ولوجه الوطن. وقد يكون هذا غريبًا، ولكن الغرائب تقع، والطرائف تكون.

    وتسألني بعد ذلك عن التفسير الصحيح لهذا الموقف الظريف الذي وقفه صدقي باشا أمس، فعلم هذا التفسير عند الله، ولعله عند أكواب الشاي التي شهدت خلوته مع المندوب السامي السابق مساء الثلاثاء. فأنت توافقني على أن من الغريب أن يخلو صدقي باشا إلى السير برسي لورين مساء الثلاثاء، فيتقبل صورته الفوتوغرافية، حتى إذا كان مساء الأربعاء عاد صدقي باشا إلى الصحف، فتحدث إلى الأهرام، حتى إذا كان الخميس سقط مرشح الحكومة لوكالة النواب، وكاد مرشحها الآخر أن يبلغ القاع، حتى إذا كان صباح الجمعة ظهرت لصدقي باشا صحيفة تذود عنه وتنطق بلسانه، حتى إذا كان السبت والأحد كثر الكلام وشاعت الإشاعات، وتحدث الناس بأن لصدقي باشا أنصارًا قد يأبون قبول استقالته، واضطر الحزبان الشقيقان أن يحتاطا لذلك، فقال رئيس الوزراء ما قال، وقال وزير التقاليد ما قال، وقال وزير الداخلية ما قال، حتى إذا كان مساء الأمس ظهر صدقي باشا فجأة في الملعب، فاسترد استقالته وعاد إلى الحظيرة في مجلس النواب.

    قل ما شئت؛ فإن هذه الحوادث المتعاقبة لا تخلو من دلالة، وقل ما شئت في هذه الدلالة، فإنها كافية لدفع رجل ضعيف كصدقي باشا إلى أن تعاوده الآمال الكذاب؛ فيستأنف النشاط، ويسترد استقالته من مجلس النواب، ويعود إلى حيث يناوئ خصمه الرجل الطيب رئيس الوزراء.

    ورب لين خير منه القسوة، ورب رحمة خيرٌ منها العنف، وهل يعلم صدقي باشا أنه كان أقسى على النواب أمس من رئيس الوزراء، وأنه كان أغلظ عليهم وأعنف بهم من وزير الداخلية ووزير التقاليد؟ فهو يسجل عليهم أن رئيس الوزراء قد أنذرهم، وهو يسجل عليهم أنه استرد استقالته ليحمي الحياة النيابية، فقد كانوا هم إذن عاجزين عن أن يحموا الحياة النيابية، وعن أن يذودوا عن أنفسهم ويحفظوا كرامتهم.

    أكان صدقي باشا مخلصًا فيما يقول؟ وهل بلغ ازدراؤه لكفاية النواب وقدرتهم على النهوض بواجبهم لأنفسهم وللحياة النيابية إلى هذا الحد؟ أكان صدقي باشا عابثًا فيما يقول؟ وهل بلغ استخفافه بعقول النواب والوزراء إلى هذا الحد؟ أم يريد صدقي باشا أن يشارك رئيس الوزراء فيسجل الفشل الذي ليس بعده فشل على سياسة هذه الأيام؟

    رئيس الوزراء ينذر بحل المجلس إذا لم يذعن النواب لما تريد الحكومة، وصدقي باشا يسترد استقالته خوفًا على المجلس من الحل، والنواب ماذا يصنعون بين هذين الرجلين. هذا يدفعهم، وهذا يلقاهم! هذا يخوفهم، وهذا يحميهم. ومعنى هذا كله أن الحياة النيابية في مصر قوية ثابتة صالحة لا خوف عليها، ولا بأس بها، ولا فساد فيها. أليس هذا مضحكًا؟ أليس هذا مُسلِّيًا للصائمين؟ أليس هذا مُعينًا على احتمال أثقال الصوم؟ بلى، ولكنه في الوقت نفسه مؤلم ممض؛ فقد استحالت أمور السياسة الرسمية إلى نوع من العبث الرخيص الذي لا مهارة فيه ولا لباقة ولا فن، وأصبحت شئون مصر الرسمية فنًّا من فنون اللهو التي يصطنعها الناس في أنديتهم ومجالسهم لا أكثر ولا أقل.

    ألم يُقدِّر الله لهذا البلد أن تعود أموره إلى شيءٍ من الجد، وألا تفسد سياسته بين رجلين يختصمان فإذا هما يلعبان؟

  • خلوة

    خلوة
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٣ ديسمبر ١٩٣٣

    لو يَعْلَم الناسُ ما يُقْبِل به عليهم النهارُ حين يشرق، وما يُضْمِر لهم الليلُ حين يُظْلِم، لما كان كَلَفُهم بإشراق النهار أقلَّ من إشفاقهم من ظلمة الليل — أو قُلْ — لاقْتَصَدُوا في حب ما يحبون من ذلك وكُرْه ما يكرهون، لكن الناس ضعاف يغرهم الغرور؛ فيظنون بأنفسهم القدرة وهم عاجزون، ويُقدِّرون لأنفسهم البقاء ويغذونها بواسع الأمل.

    وإن الأحداث والخطوب لتسعى إليهم على هذه الأشعة المضيئة — أشعة الشمس — أو لتختبئ لهم في ثنايا هذه الظُّلْمة القاتمة؛ ظلمة الليل.

    ولو قد عرف صدقي باشا حين خلا إلى المندوب السامي في أول مرة أن خلوته تلك على ما كان فيها من أملٍ ممدود، ورجاءٍ غير محمود، وثقة بالأيام، واستسلام للأحلام، ستنتهي به وبصاحبه إلى هذه الخلوة التي أُتِيحَتْ لهما أمس، وما كان فيها من يأسٍ مظلم، وقنوط ممضٍّ، ويقظة ثقيلة على القلوب، بغيضة إلى النفوس، وشك في الأيام، يُنفِّر من العيش، ويُزهِّد في الحياة. لو عرف صدقي باشا أن خلوته تلك الباسمة الآملة ستنتهي به إلى خلوته هذه العابسة اليائسة، لَمَا أقدم عليها ولما رغب فيها، بل فر منها فرارًا، ولامتنع عليها امتناعًا، ولآثر السلامة والعافية، مع الراحة والهدوء، على تلك المظاهر الكاذبة، التي ملكت قلبه، وخلبت لبه، وغمسته في الشر غمسًا، ثم انتهت به إلى ما هو فيه الآن من سوء الحال.

    كان صدقي باشا أمس يخلو إلى صديقه المندوب السامي خلوة كئيبة مريبة، لا يستطيع أن يبتسم لها، ولا تستطيع هي أن تبتسم له، يلتمس من نفسه الضعيفة عونًا على احتمالها والنهوض بأثقالها، وإن كان فيها لراغبًا وإن كان عليها لحريصًا، ولم تكن في أكبر الظن كآبة المندوب السامي بأقل من كآبة صديقه العزيز، ولكن الفرق بين الرجلين كان عظيمًا جدًّا؛ فقد كانت كآبة صدقي باشا كآبة بؤسٍ كامل، شامل، عميق، لا حد له ولا مخرج منه، وكانت كآبة السير برسي لورين كآبة معقدة فيها غيظٌ؛ لأنه لم يُوفَّق، وضيق بما أصابه من الإخفاق، ولكن فيها إشفاقًا عاجزًا ورحمة لا تُغْنِي شيئًا.

    فالمندوب السامي مهما يُصِبْه من الإخفاق، ويدركه من العجز، يستطيع أن يقول لنفسه إنه قد حقَّقَ لأمته منافع في مصر عظيمة الخطر، بعيدة الأثر في حياتها وفي حياة المصريين، حقَّقَ لها هذه المنافع المادية التي لا تُحْصَى والتي ستنتفع بها غدًا و بعد غد، سواء أَرَضِيَ المصريون أم لم يرضوا.

    وقد عرف الإنجليز له ذلك؛ فلم ينبذوه ولم يقصوه ولم يبغضوه، ولكنهم رأوا أنه لا يصلح للعمل في مصر فنقلوه إلى تركيا، وأبوا أن ينقلوه دون أن يحتفظوا له بهذه المظاهر التي تُعلَن إلى الناس صادقة أو غير صادقة؛ أنهم ليسوا ناقمين منه ولا ساخطين عليه، جعلوه سفيرًا وجعلوه عضوًا في مجلس الملك، وردُّوه إلى مصر بعد أن نُقِل منها وأُقْصِيَ عنها؛ ليقيم فيها شهرًا تحيط به هذه المظاهر التي أحاطت به مِنْ قَبْلُ، والتي ستحيط بخليفته مِنْ بَعْدُ؛ فهو إذن مرضي عنه أو مغضوب عليه، ولكن أمته ترعاه وتكرمه؛ لأنها تعرف أنه خدمها فلم يقصر في خدمتها، ولأنها تعرف أنه إن أخفق فقد اضطر إلى الإخفاق اضطرارًا ودُفِع إليه دفعًا؛ لأنه لم يعرف كيف يسير في مصر، ولا كيف يلائم بين سياسته، وبين حب المصريين للاستقلال وحرص المصريين على حقوقهم، وقدرة المصريين على المقاومة. هو عند قومه مخطئ سيئ الحظ لا أكثر ولا أقل، فإذا أثار ذلك في نفسه حزنًا فهو حزن الرجل العاثر الذي أراد شيئًا، وأرادت الظروف شيئًا آخر.

    أما صدقي باشا فشأنه غير هذا الشأن، وحاله غير هذه الحال، ومصيره غير هذا المصير. هو منبوذ من أمته كلها، نبذته كثرتها حين وثب برغمها إلى الحكم، وأمعنت في نبذه حين أساء تصريف الحكم، ثم نبذه أشياعه وأتباعه حين أُنْزِل عن الحكم، ثم نبذه أصفياؤه وأولياؤه الأقربون حين ناوأ من صارت إليهم أمور الحكم.

    إنْ رجعَ إلى أُمَّته ردَّتْه مخذولًا مدحورًا، ولم تؤثره حتى بهذه النظرة الرحيمة المشفقة التي يطمع فيها العاثرون، وإن رجع إلى أشياعه وأتباعه فرُّوا منه فرار الصحيح من الموبوء؛ لأنهم مشغولون عنه بأنفسهم، مصرفون عنه إلى منافعهم، وإن رجع إلى أوليائه وأصفيائه منحوه هذه الابتسامات الصفراء التي تقول له في صراحة وجلاءٍ لا بد لي من أن أحتملك، ولكنك تعلم حق العلم أن احتمالك عسير، وأني أضيق به، وأود لو أخلص منه.

    وهو لا يستطيع أن يقول لأمته: لقد أحسنتُ إليك. لأنه لم يحسن إليها قط وإنما أساء إليها ما استطاع، وهو لا يستطيع أن يقول لأشياعه وأتباعه: لقد أسديت إليكم النعمة، وقدمت إليكم المعروف. لأنهم يجيبونه: لقد منحناك المعونة، وأهدينا إليك التأييد، ثم انقطعت بينك وبيننا الأسباب. وهو لا يستطيع أن يذكر أولياءه وأصفياءه بالحب القديم والود الخالص؛ لأن صروف الحياة، وظروفها، ومنافعها، ومضارها أقوى على نفوس هؤلاء الناس من الود والحب ومن عواطف البر والوفاء. وهو لا يستطيع — وهذا شرٌّ من كل شيءٍ — أن يرجع إلى نفسه فيلوذ بها، ويركن إليها، ويتعزى بما قدَّم من خير، ويعتصم بما يعتصم به المخلصون من راحة البال ورضا الضمير؛ لأن باله غير مرتاح، وضميره غير راضٍ ولا مطمئن.

    لا يستطيع أن يأوى إلى أحد حتى إلى نفسه، ولا أن يلوذ بأحد حتى بنفسه، منبوذ من كل الناس، حتى من نفسه. فأين يكون من أليفه وحليفه السير برسي لورين؟! لقد صفا بينهما الود، وتوثقت بينهما الصلات، وتقارضا من المعونة والتأييد ما أشقى مصر ثلاثة أعوام، ثم هما يفترقان الآن وقد انهدم ما شيَّدا، واندكَّ ما أقاما.

    ونظر الإنجليز فإذا صاحبهم لا يستطيع أن يبقى في مصر فنَقَلُوه، ونظر المصريون فإذا صاحبهم لا يستطيع أن يبقى مسيطرًا على الأمر فطرحوه، ومما يُتذاكَر أن تلك الأيام التي كانت تبسم لهما مخادعة، وتظهر لهما إشراقًا من ورائه الظلمة، وإقبالًا من ورائه إدبار. ولكن السير برسي لورين إذا تحدَّثَ في ذلك أو فكر فيه ذكر أنه سيزور بلادًا غير مِصْرَ وسيعمل مع قوم غير المصريين، وسيقضي حياة هادئة راضية لا بأس بها، أما صدقي باشا فهو لا يستطيع أن يذكر شيئًا من هذا لأنه سجين، سجينٌ وحيدٌ، لا يستطيع أن يخرج من مصر إلا أن يقضي على نفسه بالنفي، ولا يستطيع أن يبقى في مصر إلا أن يقضي على نفسه بالعذاب المتصل.

    وبينما كان الصديقان الكئيبان يشربان الشاي ممزوجًا بمرارة الألم ومضاضة اليأس، كان الشعبيون يصخبون ويضطربون يدبرون أمورهم بينهم وبين الحزب الشقيق، فيعيبهم التدبير ويعجزهم التوفيق؛ لأن أمورهم قد فسدت، وأهواءهم قد اختلفت، ولأنهم قد فقدوا هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يرُدَّهم إلى الاجتماع إذا تفرقوا وإلى الائتلاف إذا اختلفوا.

    يعرض عليهم رئيس الوزراء أسماء فيُظْهِرون التردد، ثم يُظْهِرون الطاعة، ثم يتفرقون وهم يضمرون الخلاف ويَسْعَوْن إليه، كل يؤكد بأنه محتفظ بموقفه لن يذعن لما اتخذ الحزب من قرار، وكل يعلم حق العلم أنه سيذعن حين يجتمع البرلمان، سيرشح من أَوْصَتِ الحكومةُ بترشيحه، وسينتخب من أَوْصَتِ الحكومة بانتخابه؛ فإن للحياة أثقالًا يجب أن تُحمَل، وإنَّ طاعةَ الوزراء بعضُ هذه الأثقالِ.

    يا له من مساءٍ حزينٍ، هذا المساء الذي أظلَّ رجال السياسة الرسمية الحاضرة أمس! فأما الرجلان اللذان أقاما بنيان هذه السياسة، فكانا كئيبين يتساقيان شايًا كئيبًا ويتبادلان وداعًا كئيبًا، وأما خلفاؤهم من الشعبيين فكانوا يضطربون، ويصطخبون ويعلنون شيئًا ويُسِرُّون أشياء، ويندفعون إلى هذا المساء الذي لا بد من أن يُظِلَّهم كما أظلَّ مساء الأمس في تلك الخلوة الكئيبة أمام ذلك الشاي الكئيب هذين الرجلين الكئيبين.

  • توبة …

    حديث المساء: توبة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٥ ديسمبر ١٩٣٣

    تاب صدقي باشا وأناب، وأعلن الانسحاب، بعد أن غدا وراح وأكثر الصياح بطلب الكفاح، فما أمسى
    المساء وأصبح الصباح حتى ألقى السلاح، وعرف أن الله حق، وأنه قد جنى على نفسه أكثر مما جنى على
    الناس، وأساء إلى نفسه أكثر مما أساء إلى الناس، وضع بيديه هذه القيود والأغلال، التي يرسف فيها
    الآن أسيرًا في يد الوزارة لا فكاك له، وذليلًا لسلطان الوزارة ليس له في العزة أمل ولا
    رجاء.

    ظن صدقي باشا أنه مخلد في الحكم، وأنه قد ضمن حركة الفلك وسخر صروف الأيام، وأنه يستطيع أن
    يبسط سلطانه القاهر على الناس فلا يقبضه قابض، وأن ينشر بأسه المنكر في الناس فلا يطويه طاوٍ،
    وأنه بمأمن من أن يتنكَّر له الدهر وتعدو عليه الخطوب؛ فطغى وبغى، وعدا وسطا، وأخضع الناس لشطط
    لا يعرف الأناة ولا الروية ولا يستنير برأي أو تفكير، إنما هو الشطط المندفع كأنه السيل في غير
    دعة ولا هدوء ولا حساب للغد، حتى إذا دارت الأيام وأصبح المغلوب غير الغالب، لم يتَّعِظْ صدقي
    باشا وإن كانت الموعظة لبالغة، ولم يعتبر صدقي باشا وإن كانت العبرة لقاسية. فظن أن الذين خافوه
    أمس سيخافونه اليوم، وأن الذين أكبروه أمس سيُكبِرونه اليوم، والغرور من طبيعة الإنسان، وهو
    مظهر من مظاهر الضعف، الذي يفسد النفوس، ويُطغِي القلوب، ويحبط الأعمال؛ فقد خيَّل صدقي باشا
    إلى نفسه أن الناس كانوا يخافونه لأنه مخوف، ويُكبِرونه لأنه كبير، وقدر أن الناس سيخافونه
    دائمًا وسيكبرونه دائمًا، ولم يخطر له أن الناس إنما خافوه لأن أمور الحكم كانت إليه ولأنه كان
    مسندًا مؤيدًا، وأن الناس إنما أكبروه لأنه كان يجمع إلى نفسه من أسباب الطمع والرجاء، ومن
    أسباب الخوف واليأس، ما يُخضِع له الضعفاء، ويرغب فيه أصحاب المنافع والحاجات، فلما زال عنه
    الحكم، وتخلى عنه السلطان، لم يصبح شيئًا.

    وقد كنا نقدر أن لصدقي باشا من الذكاء والفطنة ومن البصر بحقائق الأشياء، ما يعصمه من هذا
    الغرور، ويعلمه أن أولئك الذين كانوا يعكفون له، ويلوذون به، ويتهالكون عليه إنما كانوا يعكفون
    للحكم ويلوذون بالسلطان، ويتهالكون على المنافع. ولكن الظروف أبت إلا أن تكون قاسية على هذا
    الرجل إلى أقصى غايات القسوة، أبت إلا أن تبين في وضوح وجلاء أن هذا الرجل الذي خدع الناس عن
    نفسه، وخدع نفسه عن نفسه أيضًا، تنقصه حتى هذه الخصلة التي ليس منها بد لمن يريد أن يحتمل أثقال
    الحياة السياسية، فإذا هو يناوئ ويخاصم، وإذا هو يهاجم ويقاوم، وإذا هو يحسب نفسه قويًّا ويظن
    أنه يستطيع أن يسقط الوزارات. ولقد كان ذلك شيئًا ممكنًا لو أن هذا الرجل سلك بذكائه وكفايته
    طريقًا مستقيمة أمينة لا تُفسِد الذكاء ولا تزيِّف الكفايات.

    لقد كان هذا ممكنًا لو أن هذا الرجل أخلص لأمته أكثر مما أخلص لنفسه، وخدم أمته أكثر مما خدم
    نفسه، وقبل تكاليف الحياة الدستورية الصحيحة كما يقبلها الرجل النزيه، فجاهد خصومه جهادًا
    شريفًا داخل البرلمان وخارجه؛ إذن لكان من الممكن، بل من المرجح، أن ترفعه كفايته وذكاؤه إلى
    حيث ينفع وينتفع، ويُفيد ويستفيد، وإلى حيث يستطيع أن يقيم الوزارات ويسقطها. ولكنه أبى إلا أن
    يبغي طريقه عوجًا، ويوجه ذكاءه وكفايته هذا التوجيه الأثر الذي يفسد على الرجل أمره ويفسد على
    الناس أمورهم أيضًا، أهمل كل شيء إلا نفسه، فوضع القيود، وصنع الأغلال، وشرع السنن المنكرة، ثم
    نظر فإذا هو لم يزد على أن قيَّد نفسه، ومكَّن لخصومه، وجعل ذكاءه لغوًا، وكفايته عبثًا،
    ومهارته شيئًا لا غناء فيه. وما أكثر الذين يغرهم بأنفسهم الغرور فيسيرون سيرة هذا الرجل ويلغون
    ذكاءً كان من الممكن أن ينفع، وكفاية كان من الممكن أن تفيد. يريدون أن يفرضوا أنفسهم على
    الظروف فإذا الظروف تفرض عليهم نفسها فرضًا، يريدون أن يذلوا الشعوب ويقهروها فإذا الشعوب تبين
    لهم أنهم أهون من أن يذلوا إلا أنفسهم، وأيسر من أن يأمنوا عادية الخطوب.

    كان صدقي باشا يظنُّ أن ما هيَّأ من القيود، وما رسم من الخطط، وما سنَّ من سنن الظلم والفساد
    أسلحةٌ لن تستخدم إلا لمحاربة الوفد، ومن ينحو نحو الوفد، وكان يظن أن هذه الأسلحة لن تستخدم في
    محاربته هو واضطراره هو إلى الإذعان والتسليم، ولكنه لم يكد يبعد عن الحكم أيامًا حتى رأى
    المديرين وأشباه المديرين يسيرون معه تلك السيرة التي كان يريدهم هو على أن يسيروها مع خصومه،
    وقد ظنَّ أن المديرين سيهابونه، ويرهبونه، ويذكرون صنيعه معهم، وحمايته لهم، ويستَحُون بأن
    يلقوا هذا بالعقوق والجحود، وإذا هو لا يلبث أن يرى أن المديرين لا يهابون إلا الوزارة، ولا
    يرهبون إلا الوزارة، ولا يذكرون إلا أن الوزارة وحدها هي القادرة على أن تُبْقِي الناس في
    مناصبهم أو تعزلهم عن هذه المناصب، ولا يستحون إلا من هؤلاء الذين يملكون العزل والنقل
    والإبقاء.

    وظن صدقي باشا أن أتباعه وأشياعه الذين جمعهم من كل صوب، وضمهم من كل أوب، سيثبتون معه
    وسيوفون له بالعهد، فلم يلبث أن تبيَّن أن هؤلاء الأتباع والأشياع إنما هم أتباع الحكم وأشياع
    السلطان، إنما كان الأتباع والأشياع يثبتون مع صدقي باشا ويَفُون له بالعهد لو أنه جمعهم حوله
    قبل أن يَثِبَ إلى الحكم لرأي من الآراء أو مذهب من المذاهب، وما أضعف ذاكرة هذا الرجل! فقد نسي
    أنه ظل طول حياته قبل الوزارة وليس له أتباع ولا شيعة.

    والآن ينظر صدقي باشا فإذا المديرون يتنكَّرون له وينصبون له الحرب، وإذا الأنصار يفرون منه
    أو يواجهونه باللوم، ويستقبلونه بالإنكار، وإذا الوزارة تخيِّره بين الطاعة يقدمها عن رضًا،
    وبين الطاعة يقدمها عن كره وإذعان.

    إن في حوادث الأيام لعبرًا تلحُّ على الناس أن ينتفعوا بها ويستفيدوا منها، فمن كان يصدق أن
    هذا الرجل يذعن ويستكين أمام الدكتور رفعت باشا؟! ومن كان يصدق أن الدكتور رفعت باشا يظفر ويظهر
    على هذا الرجل دون أن يقول كلمة أو ينطق بحرف، أو يأتي عملًا من الأعمال؟! ومن كان يصدق أن
    قومًا كانوا لا يرون أمس إلا هذا الرجل، ولا يؤمنون إلا له، ولا يقسمون إلا به، ينقلبون اليوم
    عليه، فمنهم من يعلن عليه الحرب جهرة، ومنهم من يداوره ويماكره، ومنهم من يسعى إلى داره ويجلس
    إلى مائدته، ويأكل طعامه، ويسمع كلامه، ثم يعلن في الصحف أنه يخذله ولا يمنحه من تأييده قليلًا
    ولا كثيرًا؟! من كان يصدق أن الظروف تضطر هذا الرجل إلى أن يعطي الطاعة، ويتوب إلى الإذعان
    والخضوع، ويعلن أنه لم يرشح نفسه قط لرياسة مجلس النواب، وإنما يرشحه قوم من أصحابه، ثم يطلب
    إلى هؤلاء القوم ألا يصروا على ترشيحه، إشفاقًا عليهم أو إشفاقًا منهم للأمرين جميعًا؟!

    نعم من كان يصدق أو يُؤَوِّل أمر هذا الرجل إلى هذه الحال المنكرة، وينظر فإذا أمته التي كانت
    تنبذه، حين كان الأمر إليه، ما تزال مقيمة على نبذه والإعراض عنه، لا ترحمه؛ لأنه لم يدعْ لها
    سبيلًا إلى أن ترحمه، ولا تعطف عليه؛ لأنه لم يدع لها سبيلًا إلى أن تعطف عليه، وإذا أتباعه
    وأشياعه ينبذونه ويولونه ظهورهم مدبرين.

    زعموا أن هذا الرجل إنما قدم الطاعة، وألقى بيده إلى خصومه لأنه لم يشك في أنه مخذول في مجلس
    إدارة الحزب ومعزول من رياسة الحزب إن لم يثب إلى رشده ويعلن الإذعان والاستسلام، فما له لم
    يمضِ في استقالته حين استقال؟! ألم يكن ذلك أكرم له وأحفظ لمنزلته بين الناس؟! بلى، ولكن الغرور
    خيَّل إليه أنه يستطيع أن يناور ويداور، ويقهر بالمناورة والمداورة، فإذا أموره كلها تنقلب
    عليه. وستسمع قومًا من الناس يتحدثون بأنه لم ينهزم إلا ليكر، ولم يحجم إلا ليقدم، ولم يقدم
    الطاعة إلا ليعلن الثورة. فهو يكيد ويخدع، وهل الحرب إلا كيد وخداع؟! ولكن لا تصدق هؤلاء الناس،
    ولا تظن أن هذا الرجل يستطيع أن ينهض من عثاره. فما دام بين المديرين من يجمع نواب الإقليم
    ويمسكهم في غرفة من غرف المديرية، وما دام بين المديرين من يجمع نواب الإقليم ويصحبهم إلى
    القاهرة، وما دام بين المديرين من يرافق نواب الإقليم حتى يبلغهم فنادقهم في العاصمة، وما دام
    بين النواب من يرضى هذا من المديرين ويطيعهم فيه، فلن تجدي المداورة ولا المناورة ولن تغني
    الكفاية ولا الذكاء، إنما هي الطاعة، عن رضًا أو الطاعة عن كره.

    كلا، لقد قلنا يوم استقال هذا الرجل أو أقيل، إن حياته السياسية قد ختمت، وإن موته السياسي قد
    أصبح قضاءً محتومًا، وإنه لم يبقَ صالحًا لما يصلح له رجال السياسة من الجهاد والنضال. وقد مضى
    هذا الرجل بعد خروجه من الحكم في شيء من الحركة ظنه الناس حياةً، ولكنه لم يكن إلا بقية
    حياة.

    زعموا أنه أعدَّ استجوابات لا تحصى، وأسئلة لا تعدُّ، وأنه سيخرج بها الوزارة حين يجتمع
    البرلمان. فلا تصدق هذا ولا تؤمن له، إنما هي أنباء وإشاعات قدمها الرجل بين يدي هزيمته وحمى
    بها ظهره من هؤلاء الخصوم الذين يلحُّون عليه، ويبلغون منه ما يريدون، لا بالذكاء ولا بالكفاية،
    ولا باللباقة ولا بالبراعة في البيان، بل بالقوة وحدها، بالقوة التي لم يعرف هذا الرجل غيرها
    يبسطها على الناس أن دانت له، ويستكين لها أن انتقلت عنه إلى غيره من الناس، لن يستجوب ولن
    يسأل، ولئن استجوب أو سأل فلن يفعل ذلك إلا على استحياء. وإني لأخشى أن يهم بالاستجواب فلا يجد
    بين أتباعه وأشياعه هؤلاء العشرة الذين لا بد منهم ليمكن تقديم الاستجواب.

    لقد أحسن هذا الرجل حين تاب وأناب وأعلن الانسحاب، وإنه ليحسن إن قبل نصيحة خصمه رئيس
    الوزراء، فآثر الراحة واستمتع بنعيم الحياة فيما بقي له من الحياة.

  • سخرية …

    حديث المساء: سخرية …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ نوفمبر ١٩٣٣

    كان هشام بن عبد الملك قد أسرف في ظلم ابن أخيه الوليد بن يزيد، وكان ولي عهده، حتى أزعجه عن
    دار الخلافة، واضطره إلى أن يعيش في البادية عيشة أقرب إلى حياة الطريد الشريد، لا يصحبه إلا
    نفر قليل من خدمه ومواليه الذين أذن لهم هشام في مصاحبته بعد مشقة وعسر.

    وكان هشام قد قتَّر على ولي العهد في الرزق تقتيرًا شديدًا، وضرب أنصاره وأولياءه وألقاهم في
    غيابات السجن، حتى كانت محنة الوليد في نفسه وفي أصفيائه منكرة قاسية.

    فلما مرض هشام مرضه الذي مات فيه، وثقلت عليه العلة، طلب شيئًا من خزائن الدولة؛ فلم يجبه
    الخازن إلى ما طلب إليه، فقال هشام: كأنما كنا خزَّانًا للوليد.

    ثم مات هشام، وأُسلمت أمور الدولة وأموالها للوليد، فلم تبق في يده إلا زمنًا قصيرًا؛ لأن
    الأمر نقل عنه في تلك المأساة التي يعرفها الناس.

    وكذلك أنفق هشام أعوامًا وأعوامًا يضطهد الوليد، ويسرف عليه، ويهيئ لنقل ولاية العهد إلى
    ابنه، فلم يبلغ من ذلك شيئًا، ولم يدركه الموت حتى أحس لذع الخيبة وألم الإخفاق، وعلم أنه لم
    يزد على أن كان خازنًا للوليد.

    وكان صدقي باشا شديدًا قاسيًا على زميله عبد الفتاح يحيى باشا: يُعرض عن نصحه، ولا يسمع
    لرأيه، ولا يأبه لمعونته، ولا يُقدِّر مكانته منه في الوزارة، حتى إذا ضاق بما كان يجد من خلاف
    عبد الفتاح باشا واعتداده بنفسه أخرجه من الوزارة إخراجًا، ولم يحفل باستقالته من حزب الشعب حين
    استقال منه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة لم تبلغ العام وإذا صدقي باشا قد أُبعِد عن الوزارة،
    وإذا عبد الفتاح يحيى باشا قد ارتقى إلى الوزارة.

    وما هي إلا أيام أخرى حتى يلتمس صدقي باشا من أعضاء الحزب بعض ما يريد فيأبون عليه، وينصرفون
    عنه، وإذا هو يشعر بلذعة الخيبة، وحسرة الإخفاق، وإذا هو يقول في نفسه ولأصفيائه: كأنما كنا
    نبني لعبد الفتاح باشا يحيى.

    ثم يطول الذل، ويثقل الحمل، وتفسد الأمور في السر والجهر، ويقسم بعض أعضاء الحزب ليخرجن الأعز
    منها الأذل، وينتهي الأمر بصدقي باشا إلى أن يسعى إلى عبد الفتاح يحيى باشا ليبلغه أنه سيستقيل
    من رياسة حزب الشعب، ثم ينصرف عنه، فيدعو مجلس إدارة الحزب وينبئهم بما كان بينه وبين نائبه،
    ويعلن إليهم أنه مستقيل، وتبر يمين أولئك الذين أقسموا ليخرجن الأعز منها الأذل، ويعود الرجل
    إلى داره، فيُلقي العصا، وتستقر به النوى، بعد رحلة طويلة جدًّا، شاقة جدًّا، في طريق عسيرة
    جدًّا، ملتوية جدًّا، كان يقدر أنها ستنتهي به إلى الفوز والعز والمجد، فانتهت به إلى الخيبة
    والذل والهوان، حتى على أقرب الناس إليه، وأعطف الناس عليه.

    وأصبح ذلك الجبار العنيد الذي وثب ذات يوم يتحدى شعبًا بأسره، رجلًا هينًا يسيرًا لا يحفل به
    أحد، ولا يفكر فيه أحد، ولا يحسب له أحد حسابًا! وما أعرف أن حياة سياسية ختمت بشرٍّ مما ختمت
    به حياة هذا الرجل: ألغى دستورًا وأقام دستورًا، فرق برلمانًا وجمع برلمانًا، وفرض نفسه — وهو
    رجل واحد — على شعب يتألف من الملايين أكثر من ثلاثة أعوام.

    ثم انتهى به الأمر إلى حيث أصبح يدعو فلا يستجيب له أحد، ويأمر فلا يطيعه أحد، وينهى فلا يلقى
    إلا هز الرءوس ورفع الأكتاف، ويسعى فلا يدري أيضع رجليه على أرض ثابتة مطمئنة، أم يضع رجليه على
    أرض مزلزلة مضطربة توشك أن تزول، ويستيقظ فلا يسمع إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد، وينام
    فلا يحلم إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد؛ أشباح مخيفة مروعة توقظه إذا نام، وتداعبه إذا
    استيقظ، حتى يأخذه هذا النوم الثقيل الممض الذي لا راحة فيه ولا هدوء.

    وكذلك ينتهي الغرور بالمغرورين، وكذلك ينتهي الطغيان بالطغاة، وكذلك يختم العدوان سيرة
    المعتدين، وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وعلى أمثاله من الضعفاء والأقوياء أبلغ الدروس
    وأقساها، فتنبئهم بأن الفرد ضعيف مهما يُسرف في القوة، ويُغرق في البطش، ويغل في العدوان؛ لأنه
    فرد لا أكثر ولا أقل، وأن الشعب قوي مهما يتسلط عليه المتسلطون، عزيز مهما يحاول إذلاله
    المذلون؛ لأنه شعب وكفى، لأن حياته أطول من حياة الفرد، لأن حياته أوسع من حياة الفرد، لأن قوته
    أبقى على الزمن من قوة الفرد، لأنه متصل بالتاريخ الذي مضى، متصل بالتاريخ الذي سيأتي، جامع بين
    ما في الماضي والحاضر والمستقبل من أسباب الحياة والقوة والبقاء.

    وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وأمثاله من الطغاة والقساة أبلغ الدروس، وأقوم العظات،
    فتنبئهم بأن الذين يظلمون الشعوب يجنون على أنفسهم أكثر مما يجنون على أممهم؛ لأن بقاء الشعوب
    وقوتها، وأملها في المستقبل، واعتزازها بالماضي، كل ذلك يمنحها من القوة ما يُمكِّنها من
    الاحتمال، وما يُمكِّنها من المقاومة، وما يكفل لها الانتصار والفوز، على حين لا يجد الظالمون
    من ماضيهم عزاءً، ولا في مستقبلهم رجاءً، ولا في حاضرهم واقيًا من هذا السخط الشعبي العنيف
    العام الشامل، الذي هو مظهر من مظاهر سخط الله.

    ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا في داره، بعد أن تخلى عنه كل شيء،
    وتخلى هو عن كل شيء، وبعد أن أقام ما أقام، وشيد ما شيد، ثم تخلَّى عما أقام وشيد، أو تخلَّى
    عنه ما أقام وما شيد؛ ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وبم تضطرب الخواطر في نفسه الكئيبة الحزينة: أن
    للنفوس نظرات قوية حادة تخترق الحجب والأستار، وتبلغ ما في أعماق الضمائر وقرارات القلوب، وأن
    الناس أرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا ليروا في نفسه معاني مظلمة قاتمة كأنها أشخاص الحزن
    واليأس والندم!

    إنه ليفكر في خيبة الآمل فتُحدِّثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من خيبة، بأنه طمع فيما لا
    مطمع فيه، وسعى إلى ما لا يُمكن أن يُنال. إنه سيفكر في قوم أحسن إليهم فأساءوا إليه، ورفق بهم
    فقسوا عليه، وقدم إليهم الصنيعة فجزوه بالجحود، فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من
    الجحود؛ لأنه حمل أصحابه هؤلاء على أن يسيئوا إلى قوم أحسنوا إليهم، ويجحدوا قومًا قدَّموا
    إليهم المعروف، فهو الذي أغراهم بما يلقى منهم اليوم.

    إنه ليفكر في قومٍ تولوا الحكم كرامًا، وخرجوا من الحكم كرامًا، وثبتوا لألوان الظلم والقهر
    وضروب العنف والعسف، فلم تزدهم المحن على إلحاحها واشتدادها إلا عزة وكرامة وارتفاع شأن، لم
    تتخل عنهم أحزابهم، ولم يتخلوا هم عن أحزابهم، لم ينصرف عنهم الناس ولم ينصرفوا هم عن الناس،
    إنما أحسوا من أحزابهم حبًّا وتأييدًا، وأحسوا من الناس إكبارًا وإعظامًا؛ فمضوا في طريقهم
    أُباة للضيم، وحماةً للمجد، حراصًا على خدمة الشعب، سعداء بثقة الشعب بهم، وتأييد الشعب لهم،
    واستعداد الشعب لفدائهم بالأنفس والأموال.

    فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما يحس من لذع الآلام، وحسرة الخذلان، ومضاضة العزلة، وعما
    يشعر به من أن أحدًا لا يفكر فيه، ومن أنه لا يستطيع أن يفكر في أحد؛ لأنه سلك طريقًا لا تحبها
    الشعوب ولا ترضاها، وسار سيرة لا تطمئن إليها الأمم، ولا تثق بأصحابها، ولم يدع رجلًا خليقًا
    بالوفاء وشكر الجميل إلا اصطنع عنده ما لا يدعو إلى وفاء، ولا إلى شكر جميل، ولم يدع رجلًا
    خليقًا بالجحود والعقوق إلا اصطنع عنده المعروف، وأهدى إليه الإحسان، ولأنه آمن بنفسه أكثر مما
    ينبغي أن يؤمن الناس بأنفسهم، واطمأن إلى غيره أكثر مما ينبغي أن يطمئن الناس إلى غيرهم، ووثق
    بالأجنبي أكثر مما ينبغي أن يثق الناس بالأجنبي، وأسلم نفسه للحظ أكثر مما ينبغي أن يسلم الناس
    أنفسهم للحظ.

    فهو خليقٌ أن يجني ما جنى، وهو خليق أن ينتهي إلى ما انتهى إليه، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
    ألف حزبًا عماده الحكم، فتخلى عنه هذا الحزب حين تخلى عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
    أقبل على الحكم مناهضًا للشعب، فلم يحفل به الشعب حين أدبر عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان
    قد أقام حياته السياسية على المداورات والمناورات، وعلى الأثرة وحب النفس، فانتهى من المداورات
    والمناورات إلى العجز والانقطاع، وانتهى من الأثرة وحب النفس إلى أن فقد حب الناس له وعطفهم
    عليه.

    ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم هذا الرجل ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وكيف يشقى
    هذا الرجل، وكيف يجني هذا الرجل ثمرة ما قدم إلى نفسه وإلى مواطنيه!

    إن في هذا كله لعظة لو أن الناس يتعظون، وعبرة لو أن الناس يعتبرون، ولكن أمثال صدقي باشا في
    الناس كثيرون يغرهم الغرور، وتدعوهم المغامرة فيمضون فيها لا يفكرون ولا يُقدِّرون، حتى تنتهي
    بهم إلى هذه العاقبة القاسية.

    والغريب أن أمثال صدقي باشا لا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يقدم كل واحد منهم وكأن الأيام لم
    تُلقِ الدروس، ولم تُقدِّم العظات، وكأن الطغاة لم يلقوا عاقبة الطغيان، وكأن المغرورين لم
    يبوءوا بعاقبة الغرور. إنما الشعوب وحدها هي التي تستفيد من هذه العظات، وهي التي تنتفع بهذه
    العبر؛ لأنها تنظر فترى أنها أعظم قوة، وأقدر على المقاومة والبقاء والفوز من الفرد مهما يكن،
    ومهما يعظم سلطانه، ومهما تواته الظروف.

    ترى ذلك فتعتز به وتتعزى، وتستزيد به من إيمانها بنفسها، وحرصها على حقها، ومقاومتها للطغاة
    والظالمين، فإذا كان أمثال صدقي باشا من المصريين لا يتعظون بموعظة صدقي باشا؛ فإن الأمة
    المصرية كلها متعظة بهذه الموعظة، متحدية الذين سيسيرون سيرة صدقي باشا، كما تحدت صدقي من قبل،
    واثقةً بأنها ستفوز عليهم كما فازت على صدقي باشا الآن.

  • ارتياح

    ارتياح
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٠ أكتوبر ١٩٣٣
    كانت الإقالة أو الاستقالة صدمة عنيفة تُذهل العقول، وتُطيِّر القلوب، وتُفطر الأكباد، وتُرسل في الجسم كله لذعًا مؤلمًا مسرفًا في الإيلام، مانعًا من التفكير والتقدير، ومن التروية والتدبر.

    وكان الدكتاتور العظيم خاضعًا لهذا كله، متأثرًا بهذا كله، حين أقبل عليه رجلان من زملائه السابقين ينبئانه بأنهما سيشتركان في الحكم، وسيدخلان في وزارة الرئيس الجديد، فلما لقيهما وسمع منهما ضاق بهما، وأنكر ما قالا، ولكنهما على ذلك جلسا، وتمكنا في المجلس، وقالا، وألحَّا في القول، فلم يستطيعا إقناع الرئيس المُقال أو المُستقيل ولم يستطع إقناعهما، فانصرفا عنه يبتسم ثغراهما، ويضحك قلباهما، وتصمم نفساهما على الخلاف.

    ثم أرسلا إلى صاحبهما أنهما قد تمما ما عزما عليه ودخلا في الوزارة لا يحفلان برأيه، ولا يذعنان لأمره؛ لأن مصلحة البلاد فوق رأيه، وفوق أمره.

    هنالك طار طائر الرئيس، وثار ثائره، وهنالك غلت مراجل الغيظ، واضطرمت نار الغضب، وهنالك أعلن الرئيس فصل هذين الخارجين عليه، لم يفكر في ذلك، ولم يقدر عواقبه؛ لأنه كان مشغولًا بالألم والغيظ عن التفكير والتقدير، ومضت الأيام، ومضت في أعقابها الليالي، وهبت ريح الشمال باردة هادئة، ترد إلى القلوب الطائرة استقرارها، وإلى النفوس الثائرة هدوءها، وإلى العقول الجامحة صوابها، فأخذ الأمر يهدأ من حول الرئيس قليلًا قليلًا، وكان يريد خذلان الوزارة فاضطر إلى تأييدها، وكان يريد إغلاق باب الحظيرة دون الرئيس المستقيل منها، فاضطر إلى فتحه وإلى الترحيب بنائبه العزيز، ولكنه على ذلك ظل ملحًّا في إقصاء هذين الرجلين الخارجين عليه، المخالفين عن أمره، ولكن الأيام تمضي، وتمضي في أعقابها الليالي، وتهب الريح النكباء تأتي من جميع النواحي، وقد دفعت أمامها تلك الجنود الهوائية الخفية الرشيقة، التي تحمل العرائض وتجري عليها أيدي الأعضاء بكتابة الأسماء.

    وإذا القاهرة تشهد منذ أيام مشهدًا طريفًا: قومٌ يضجون ويعجون، يشكون الظلم ويطالبون بالإنصاف، ويظهرون الفضائح، ويكشفون عما يخزي البلاد المتحضرة، وقومٌ آخرون ينتظرون أن تسمع الوزارة، وأن تعمل، وقومٌ آخرون تعمل في أجسامهم العصي والسياط، ويُدفعون إلى أقسام الشرطة دفعًا؛ لأنهم اشتركوا في تشييع راحلٍ عظيمٍ كانوا يحبونه؛ لأنه كان يحبهم، وكانوا يكبرونه لأنه كان يذود عنهم.

    وقومٌ آخرون يفاوض بعضهم بعضًا، يدافع بعضهم بعضًا، يمكر بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض؛ لأنهم يريدون أن يعود الرجلان إلى الحظيرة، أو أن يظل باب الحظيرة من دونهما مغلقًا.

    وكانت الوزارة تتحدث في المليون وتوزيع المليون، فلا توزع شيئًا ولا تنتهي في أمر هذا التوزيع إلى شيء. وكان وزير المالية إذا أصبح زار المصالح، وإذا أمسى زار المصالح، وإذا استراح بين هذه الزيارات لقي مكاتبي الصحف فتحدث إلى بعضهم، ثم أنكر الحديث، ثم عاد فاعترف به.

    حتى إذا كان يوم الأربعاء، سافر رئيس الوزراء إلى الإسكندرية ليتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، وليستريح في أهله يومين أو أيامًا. وشغلت أندية الوزارة الجديدة والوزارة القديمة بالوفاق بعد الشقاق، والوئام بعد الخصام. وانصرف وزير التقاليد عن التقاليد إلى التوفيق بين المختصمين، والتأليف بين الصيغ المختلفة لحل ما بينهم من الخصام.

    وشغل وزير الزراعة عن الزراعة، وشغل وزير المواصلات عن المواصلات بالعودة إلى الحظيرة رغم أصحاب الحظيرة. ومضى وزير المالية يزور بعض المصالح، ويستقبل بعض الزائرين، ويتحدث إلى هؤلاء أو إلى هؤلاء، ثم أمسى يوم الخميس وإذا كل شيء قد هدأ واستقر، ولم يقبل الليل حتى كانت أمور مصر كلها تجري على خير ما يريد المصريون.

    فأما الضرائب فلا بد من تخفيضها إلى النصف إن لم يكن إلى أقل من النصف، وأما الدَّيْن فلن يُدفَع إلا وَرِقًا مهما يقل الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز. وكيف يستطيع هؤلاء أن يقولوا شيئًا أو بعض شيء وهم مشغولون بألمانيا عن مصر، ولئِن قالوا شيئًا أو بعض شيء ليتمنَّ الاتفاق بين مصر وألمانيا، وليقعنَّ هؤلاء الناس بين نارين: نار تأتيهم من مصر، وأخرى تأتيهم من بلاد هتلر العظيم.

    وأما الديون العقارية فستؤجل أعوامًا وأعوامًا وأنوف المصارف راغمة ما في ذلك شك ولا ريب، إلا عند الذين في قلوبهم مرض من هؤلاء الذين لا يحبون هذا العهد السعيد، ولا يستحقون أن ينعموا بما فيه من الخير والنعيم.

    وأما ظلامة أبي جرج، فسترفع عن أهلها إن لم تكن قد رفعت بالفعل، وأما ظلامة المعلمين الإلزاميين فستمحى محوًا، وستتاح لهم الحرية الكاملة في اتخاذ العمامة دون الطربوش، أو الطربوش دون العمامة، وهناك شيء آخر سيتم غدًا أو بعد غد، ولكنه سرٌّ لا يمكن التصريح به؛ لأنه سيقدم إلى الناس هدية مدهشة من وزير المالية الجديد.

    أقبل الليل أمس بهذا كله على الناس؛ لأن الاتفاق تم بين المختصمين، ولأن الخارجين من الحظيرة جميعًا قد عادوا إليها؛ فأصبح العدد كاملًا شاملًا، لم يمسسه نقص، ولم يطرأ عليه ما يؤذيه، وأنا زعيم لك بأن المصريين لن يشكوا من شيء بعد اليوم.

    فلولا أن الوزارة كانت مشغولة عنهم بالحظيرة، وما دب بين أهلها من خلاف، ومن خرج منها ثم عاد إليها، ومن أُخرج منها وهو يأبى الخروج، لولا أن الوزارة كانت مشغولة بهذا منذ نهضت بأعباء الحكم لما شكا أحد من شيء، ولما ارتاب المصريون في أن الوزارة الجديدة نعمة قد أسبغها اللَّه عليهم، لا تشبهها نعمة من النعم، ولكن اللَّه امتحن المصريين في وزارتهم، فشغلها عنهم بأمور حزب الشعب، وشغلهم عنها بما سلط عليهم من الأحداث.

    فأما وقد تم الصلح واستكملت الحظيرة أهلها غير منقوصين، فسيرى المصريون أن أبواب السماء قد فتحت لهم بالخير والبركة منذ أمس، وأنهم لن يشكوا بعد اليوم ضرًّا، ولن يلقوا شرًّا، ولن يجدوا من أهل الأرض والسماء في الصباح والمساء إلا ما يحبون.

    على أن من الغلو أن يقال: إن باب الحظيرة قد أغلق أمس على أهلها كاملين، فقد ند منها رجل لا كالرجال، ونفر منها فذٌّ لا كالأفذاذ، وأفلت منها وزير لا كالوزراء، ومدير لا كالمديرين، وزعيم لا كالزعماء، وخطيب لا يشق له غبار، وهو وزير الزراعة السابق، ومدير حزب الشعب وزعيمه العظيم، وخطيبه المصقع، وكاتبه المبين صاحب السعادة محمد علام باشا.

    ندَّ أمس، ولكنه سيعود اليوم؛ لأنه تعلم الحلم من رئيس الحزب، وعرف كيف يغضب ليرضى، وكيف يثور ويفور ليهدأ ويستقر، ولئن كان أهل الحظيرة قد نقصوا واحدًا أمس، فليس من شك في أنه سيرد إليهم اليوم أو غدًا إن لم يكن قد رد إليهم الآن.

    ذلك أنه خرج في غير داعٍ إلى الخروج، ونفر في غير مقتضًى للنفور، قيل له: إن زميله في الحزب وزير المواصلات السابق، صاحب السعادة توفيق دوس باشا، تحدث إلى الناس بأن أحد الوزيرين العظيمين يتهمه بأنه استفاد استفادةً مادية من الحزب، فغضبت لذلك كرامته، وثارت لذلك حفيظته، ومن حقه أن يغضب ويثور وهو الذي ضحى في خدمة الحزب كما ضحى صدقي باشا بوقته وجهده وكفايته وصحته.

    ولعله أن يكون قد ضحى، ولعل صدقي باشا أن يكون قد ضحى معه في خدمة الحزب بالمال أيضًا، ولكن كلام الأصدقاء خفيف مهما يثقل، وتُهَم الزملاء حلوة مهما تَشُبْهَا المرارة، وقد قيل هذا الكلام آخر النهار أو في أول الليل، ولم تطلع عليه شمس اليوم حتى ذاب، كما يقول أصحاب القصص والأحاديث.

    وكذلك ارتاح صدقي باشا منذ أمس لرد الوزيرين إلى الحظيرة، ولم يكن مرتاحًا لإخراج الوزيرين منها، وارتاح حزب الشعب لرجوع الوزيرين إلى الحظيرة، ولم يكن مرتاحًا لخروجهما منها. ولا تقل إن صدقي باشا أكره إكراهًا على هذا الارتياح، وإن حزب الشعب اضطر اضطرارًا إلى هذا الارتياح؛ فهذا كلام الموتورين الساخطين.

    فأما الحق الذي لا شك فيه، فهو أن صدقي باشا أخرج زميليه العزيزين وهو لإخراجهما كاره، ورد زميليه العزيزين وهو لردهما مرتاح. ولولا سعى السعاة، ووشاية الوشاة، وثورة الغضب، وصدمة الاستقالة، والتفكير في عواقب الأمور، والتدبر فيما قد تكشفه الأيام لما كان إخراج ولا إدخال، ولما كان طرد ولا رد، ولما كان إقبال ولا إدبار.

    ولا تقل أن صدقي باشا قد استسلم للقضاء، وأذعن لرئيس الوزراء، وأصبح آمرًا بعد أن كان مأمورًا، ومطيعًا بعد أن كان مطاعًا؛ فهذا كلام الذين لا يعرفون التقاليد، وإنما الحق الذي لا شك فيه هو أن صدقي باشا لم يكن في يوم من الأيام أقوى منه اليوم، كما أن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها في اليوم الذي أقصيت فيه عن الحكم إقصاءً، فصدقي باشا متسلطٌ، لا على الحزب الذي أكرهه أمس على الإذعان، بل على الوزارة التي أكرهته وأكرهت حزبه على الخضوع.

    وصدقي باشا يستطيع أن يقول لعبد الفتاح باشا: «استقل.» فيستقيل، ولكنه لن يقول ذلك؛ لأنه يريد أن يغيظ خصومه الوفديين، فهو يُبقي لهم عبد الفتاح باشا في منصب الحكم بعد أن عجز هو عن البقاء في منصب الحكم، وصدقي باشا سيُملي منذ اليوم إرادته على الوزارة، وسترى أنه سيكرهها غدًا على أشياء ما كان يستطيع أن يُكره نفسه عليها، فستنقص الجزية التي تدفعها مصر إلى السودان؛ لأن صدقي باشا أمر بذلك، وويلٌ للوزارة إذا لم تذعن لأمر الدكتاتور العظيم.

    ولا شك في أن الذين خرجوا على صدقي باشا أمس سيؤيدونه منذ اليوم، وفي أن الوزيرين اللذين عادا إليه سيمثلانه في الوزارة أحسن تمثيل، وسيراقبان الوزارة أشد مراقبة، وسيصرفان مع رئيس الوزارة أمور الحكم؛ لأن وراءهم صدقي باشا يسندهم إن أطاعوه، ومن يسنده صدقي باشا فلن يهدمه أحد، ويخذلهم إن عصوه، ومن يخذله صدقي باشا فلن ينصره أحد؛ لأن صدقي باشا زعيم الكثرة البرلمانية، ولأن الكثرة البرلمانية واثقة به، مذعنة له. وقد قال له صاحب السعادة عرفان باشا أمس: إن أصحابه يؤيدونه بعد أن خرج من الحكم أكثر مما يؤيدونه حين كان في الحكم.

    وإذن فستدبر أمور الحكم — إن شاء اللَّه — في مكتب حزب الشعب، وسيحكم صدقي باشا مصر بعد أن استقال كما كان يحكمها قبل أن يستقيل، لا يأخذك في ذلك شك ولا ريب، ولكن سلْ نفسك، وسل الناس، وسل الأيام أيضًا: كم يستطيع صدقي باشا ووزارته وكثرته البرلمانية أن يسيطروا على شئون الحكم؟ وإلى أي حد تستطيع هذه الصفوف التي نظمت أمس — بإذن اللَّه — أن تحمل الراية مرفوعة، وتقهر الشعب على ما لا يريد؟

    أما أنا، فلا أرى في صلح أمس إلا ما رأيته منذ أسابيع في ذلك الصلح الذي تم حول مائدة الشاي في دار وزير الداخلية، فقد رأيت أنه صلح على دَخَلٍ، لا يُثبت شيئًا ولا يَمحو شيئًا، ولا يدل على شيءٍ؛ لأن الذين كانوا يختصمون ثم اصطلحوا عند وزير الداخلية، والذين كانوا يختصمون ثم اصطلحوا في حزب الشعب لا يملكون من الأمر إلا قليلًا؛ وإنما يُزيَّن لهم الخصام فيَختَصمون، ويُزيَّن لهم الصلح فيَصطَلِحُون، وستُزيَّن لهم الراحة عن قريب فيَستَريحون.