سجين
أما أن مصر جزء من أوربا كما قال الخديو إسماعيل فيما يتحدث عنه الناس فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل. ففي مصر البخار والكهرباء، وفي مصر البرق والتليفون، وفي مصر الأوبرا، وما يكون في الأوبرا من تمثيل ورقص وغناء. وبين مصر وأوربا طرق برية وبحرية وجوية تقطعها السفن والقطارات والطيارات في الأوقات القصار والطوال. وفي مصر وزارات على رأسها وزراء، وفي مصر مجلس للنواب، ومجلس للشيوخ. وفي مصر مدارس أولية وأخرى ابتدائية، وفيها مدارس ثانوية، وأخرى عالية خصوصية، وفيها جامعة أيضًا. وفي مصر مسارح وملاعب، وفيها أندية وقهوات. وفيها بعد هذا كله، وقبل هذا كله، وفوق هذا كله وتحت هذا كله صحف سيارة، يظهر بعضها في الصباح وبعضها في المساء، وبعضها حين تتوسط الشمس في السماء. وصحف أسبوعية وأخرى شهرية، وكلها يجول، وكلها يصول، وكلها ينقد فيجيد النقد، وكلها يحمد فيحسن الحمد، وكلها يؤيد ويعارض. في مصر هذا كله، وفيها أكثر من هذا كله، فليس من سبيل إلى الشك إذن أن مصر جزء من أوربا.
ولكنها جزء مادي من أوربا المادية، أو جزء ظاهر من أوربا الظاهرة، أو جزء مترف من أوربا المترفة. فأما أن تكون مصر جزءًا متحضرًا من أوربا المتحضرة، أو جزءًا مثقفًا من أوربا المثقفة، أو جزءًا راقيًا في العقل والخلق، وفي الحس والشعور، وفي أنحاء التهذيب كلها من أوربا الراقية في العقل والخلق والحس والشعور، وفي أنحاء التهذيب، فذلك ما لم يقم عليه الدليل بعد. بل ما زال موضوعًا للشك. ويظهر أنه سيظل موضوعًا للشك زمنًا طويلًا. وكأن الخديو إسماعيل حين قال كلمته هذه إنما كان يصور مثله الأعلى أكثر مما كان يصور الحقيقة الواقعة. ولكن بيننا وبين عهد إسماعيل نصف قرن، وكان يحسن أن يتحقق شيء من هذا المثل الأعلى الذي كان يصوره إسماعيل، فتصبح مصر جزءًا متحضرًا من أوربا المثقفة، مهذبًا من أوربا المهذبة. كان ينبغي ذلك، ولكن ما ينبغي شيء، وما هو كائن شيء آخر. والحق أن الواقع الذي لا شك فيه هو أن هذا المثل الأعلى ما زال بعيدًا كل البعد عن أن يتحقق. وما زالت مصر المتحضرة في حياتها المادية بعيدة جدًا عن الحضارة في حياتها المعنوية. وآية ذلك أن الذين حُكم عليهم القضاء بالسجن في جرم من جرائم الرأي ما زالوا يُعاملون في سجنهم كما يُعامل الأشقياء الذين يُحكم عليهم في جرائم السرقة وقطع الطريق العام.
فهم محبوسون في غرفة ضيقة معرضة للهواء المهلك، لا للهواء المحيي. وهم ينامون على الأرض، وتحول بينهم وبين الأرض وسادة من القش. وهم يشربون في كوز، وهم لا يستضيئون في الليل، ولا يكادون يتروضون في النهار. وهم يعملون كما يعمل غيرهم من المجرمين، ويعيشون كما يعيش غيرهم من المجرمين. تُعطّل ملكاتهم العقلية كلها: فلا يقرؤون ولا يكتبون، كأنما تُعاقب عقولهم لأنها فكرت فتحرم وسائل التفكير، وكأنما تُعاقب قرائحهم لأنها أنتجت فتحرم أسباب الإنتاج. وهم يُعرضون بهذا كله للضعف، ثم للضيق، ثم للمرض المبرح والألم الملح. وليس لهم رغم هذا كله خطر، وقَلَّما يصيبهم حظ ولو ضئيل من عناية الطبيب. وفي السجن مع ذلك أطباء، وللسجن مع ذلك مستشفيات، ولكن الطبيب لا يزور المريض إلا إذا أشرف من المرض على الطور المخيف، ولكن المريض لا يُنقل إلى مستشفى السجن إلا حين لا يكون من ذلك بد. وأنت تستطيع أن تفهم هذا وتقدّره في لغة السجون.
هذه هي حال الذين يُعاقبون في مصر على جرائم الرأي. وأما الذين يُعاقبون في أوربا على جرائم السرقة وقطع الطريق فهم ينامون على الأسرة، وهم يتروضون، وهم يُعاملون معاملات قد لا يظفرون بها في حياتهم خارج السجن. وهم يقرؤون الصحف التي تُنشأ لهم في بعض البلاد.
أما الذين يُعاقبون على جرائم الرأي في أوربا فهم يقرؤون ويفكرون وينتجون، ويلقون في حياتهم المادية من العناية كل ما يحتاج إليه الرجل المترف من أهل الطبقات الوسطى. ذلك أن أوربا قد أصبحت لا تفهم السجن على أنه عذاب، وإنما تفهمه على أنه كفّ للمجرم عن المضي في جريمته وقتًا طويلًا أو قصيرًا.
أما هنا فالسجن عذاب، والسجن انتقام، والسجن نوع من أنواع الأخذ بالثأر، والسجن فن من فنون التأديب الذي لا بأس من أن يشوبه العنف من حين إلى حين.
أفبعد هذا نستطيع أن نقول إن مصر جزء مهذب من أوربا المهذبة؟ لا، ليس إلى مثل هذا القول من سبيل. إن الذين يعيبون الحضارة الأوربية ويزدرونها خليقون أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يتورطوا في هذا العيب والازدراء. فمصر لم تعرف من الحضارة الأوربية إلى الآن إلا شرورها وآثامها من جهة، وإلا مظاهرها وأشكالها من جهة أخرى. فأما خيراتها ومنافعها، فأما حقائقها وجواهرها، فمصر تجهلها جهلًا يوشك أن يكون تامًا.
هذا صديقنا توفيق دياب قد سُجن في جريمة من جرائم الرأي التي يعاقب عليها القانون اليوم، وقد يثيب عليها غدًا، ولكنه يُعامل في سجنه كما رأيت معاملة غيره من المجرمين، لا يُراعى حق لثقافته، ولا لعقله، ولا لمكانته، ولا لضعفه ومرضه. وإنما دُفع به في معمل العذاب، هذا الذي يسمونه السجن، فيجب أن يحتمل في هذا المعمل ما أُعدّ له من ألوان العذاب.
وأجمل ما في الأمر وأبدعه، وأحسن ما في الأمر وأروعه، أن صديقنا توفيق دياب عضو في أسرة يُقال لها أسرة الصحافة. وإن هذه الأسرة الصحافية ترى لنفسها قدرة عظيمة الخطر، وتعطي نفسها الحق في قيادة الرأي العام، وتهذيب العقول والأخلاق، وترقية الحس والشعور. وترى لنفسها الزعامة في الشرق العربي كله، ولا تتحرج أن تدعو الصحفيين الأوربيين إلى أن يعقدوا مؤتمرهم في مصر، ولا تتحرج من أن ترى أنها مظهر من مظاهر الرقي المصري، ودليل على أن مصر قد أصبحت جزءًا من أوربا!! ثم هي بعد ذلك تقبل أن يُعامل أحد أعضائها في السجن معاملة اللصوص وقطاع الطريق العام.
سيُقال إنها لم تقبل؛ فقد اجتمعت واجتمعت، وقد خطبت وكتبت، وقد قالت فأطالت، وقد سعت ودعت. ولكنها على هذا كله تقبل أن يُعامل عضو من أعضائها في السجن معاملة اللصوص وقطاع الطريق العام! لأن الاجتماع والخطابة والكتابة والسعي والدعاء كل ذلك أهون ما ينبغي أن تأتيه الصحف للدفاع عن كرامتها والنضال عن حقوقها. هو لا يكلفها شيئًا. وأي مشقة في أن يلتقي الزملاء ويخطب الخطباء فيصفق لهم، ويكتب الكتّاب فيُثنى عليهم؟ ويسعى الساعون فلا يُحفل بهم؟ ويدعو الداعون فلا يُستجاب لهم؟ لا مشقة في ذلك ولا غُرم. ولعل في ذلك لذة، ولعل في ذلك غيًّا أيضًا. ومن ذا الذي ينكر أن الصحفيين يجدون لذة حين يثني بعضهم على بعض، وحين يصفق بعضهم لبعض؟ ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن الصحفيين قد غنموا من قصة الأستاذ دياب، فأنشأوا لأنفسهم ناديًا يختلفون إليه، ويسمرون فيه، ولم يكد هذا النادي ينشأ حتى سعت إليه بعض الهدايا!
كان هذا كله، ولكن الأستاذ توفيق دياب يُعامل في سجنه معاملة المجرمين العاديين حتى مرض — أستغفر الله — حتى عاوده المرض فأضناه وألح عليه.
وعرف الصحفيون هذا فأسفوا، وأنكروا، ورجوا، وثقوا بأن أحدًا منهم لن يعدو الأسف والإنكار والرجاء. لا تكلف مشقة، ولا تفرض تضحية، ولا تحمل غرامة. وما دام الأمر كلامًا أو ما يشبه الكلام فنحن قادرون عليه، بل راغبون فيه. فأما أن تطلب إلى الصحف عملًا يشعر الحكومة والشعب بأنها غاضبة حقًّا، متألمة حقًّا، فأما أن تطلب إلى الصحف الاحتجاب يومًا أو أيامًا، فذلك منك غلو وإسراف، لن يجد من الصحف إلا إعراضًا وازورارًا. ومع ذلك فهذا أيسر ما كان يجب على الصحف أن تعمل لو أنها تقدر التضامن حقًّا.
يجب أن يحتمل صديقنا دياب آلامه وحده، لأن إخوته أحب لأنفسهم من أن يشاركوه في هذه الآلام! ولكن يجب أن يعلم الذين يسعدون اليوم وغدًا بعيد الفصح وشم النسيم، يجب أن يعلم هؤلاء الذين يغدون ويروحون بالتحية والتهنئة، يجب أن يعلم الذين يذوقون غدًا نعمة الحرية واسعة سعة مصر، منطلقة انطلاق الهواء، لذيذة لذة النسيم، أن في السجن مصريًا قُضي عليه في جريمة من جرائم الرأي، فأذعن كما يجب لحكم القضاء، ولكنه طريح على وسادة من القش، ليس بينها وبين الأرض حاجز، تمضه الآلام المضنية، وتنهكه العلة القاسية. ولا يفكر أحد من القادرين على أن يعينوه ويرفّهوا عليه في أن يجعلوه سجينًا كغيره من الذين يُسجنون في جرائم الرأي.
يجب أن يفكر الذين سيشمّون النسيم غدًا أن صديقنا توفيق دياب قد قبل ألا يشم النسيم، ولكن من حقه أن يكتفي من ذلك بهذا الرضى، وألا يذوق مع هذا الحرمان مرارة الألم والعذاب.
كوكب الشرق ١٦-٤-١٩٣٣
سجين