حديث الوادي
مظلمة القانون . . .
رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
طه حسين
الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.
Tag: legal profession
-
مظلمة القانون
-
تأديب
تأديب…
ليس من شك في أن أظهر ما يمتاز به الإنسان من العيب والنقص، إن صح أن يمتاز بالعيب والنقص، هو أنه لا يحسن قراءة الغيب، ولا التنبؤ بما يستتر في ضمير الأيام والليالي من الحوادث والخطوب. فلو قد برئ الإنسان من هذا العيب، ولو قد ارتفع الإنسان عن هذا النقص، ولو قد أتيح له أن لا يتم يومًا إلا وهو عالم بما سيستقبله به الغد، لتجنب شرًا كثيرًا، ولتقى من الأهوال والكوارث أشكالًا وألوانًا.
وأنا أملي هذه المقدمة الموجزة لهذا الفصل الموجز رثاء لإخواننا وأصدقائنا وأساتذتنا، فهم خليقون بالرثاء، وهم خليقون بالعطف، وهم خليقون بالرحمة تفيض بها عليهم قلوب الأخيار.
وليس من الضروري أن يكون الناس جميعًا قضاة يلومون المسيء إذا أساء، ويعاقبون المسرف إذا أسرف على نفسه أو على الناس، بل من الخير أن يكون منهم القضاة الذين يحملون كتب الأخلاق، فيقيسون أعمال الناس بهذه المقاييس الخلقية، يحمدون منها ما يستحق الحمد، ويذمون منها ما يستحق الذم، وأن يكون منهم الرحماء الأخيار الذين يرحمون المسيء ويعطفون عليه، ويعزونه لا عن إساءته وحدها، بل عن آثارها أيضًا.
وأنا أريد أن أكون من هؤلاء، وأن أعزي إخواننا وأصدقاءنا وأساتذتنا المحامين عن هذا الذنب العظيم الذي اقترفوه، وعن هذه الآثار الخطيرة التي يتعرضون لها، فهم قد اقترفوا ذنبًا عظيمًا، وهم معرضون لعقاب عظيم. ولولا أنهم لم يمنحوا القدرة على التنبؤ بالغيب، والقراءة في ضمير الأيام، لما اقترفوا هذا الذنب، ولما تعرضوا لهذا العقاب.
فأما الذنب فهو انتخابهم للأستاذ مكرم نقيبًا لهم، وأما العقاب فهو هذه الأهوال التي تصب عليهم صبًا منذ أشهر. ولو أن الله فتح عليهم، وألهمهم العلم بما سيكون، لثابوا إلى رشدهم، ولآثروا القصد والاعتدال، ولكرهوا أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الأسود. والأسود بالطبع هم الوزراء، الذين يريدون فيما يظهر أن يأكلوا هؤلاء المحامين المساكين أكلًا، ويهضموهم هضمًا، ويردوهم إلى ما ينبغي لهم من التواضع، ويصرفوهم عما أمعنوا فيه من الكبرياء.
لو أن المحامين قرؤوا في ضمير الأيام، لأعرضوا عن مكرم، بل لو أن مكرمًا نفسه قرأ في ضمير الأيام، لأعرض عن نفسه، ولضن بها وبزملائه على هذه الأهوال الجسام التي لا طاقة لهم بها، ولا قدرة لهم على احتمالها.
انظر إليهم، لم يكادوا يفكرون في انتخاب مكرم حتى جاءهم النذير، وأي نذير! وحتى انتهى إليهم التحذير، وأي تحذير! ولكنهم غرتهم أنفسهم، وظنوا بالوزارة الظنون، وقدروا أن تنديد الوزارة ليس إلا تخويفًا، وأن تحذير الوزارة ليس إلا إرهابًا، وأنهم يستطيعون أن ينهوا ما بدأوا فيه دون أن ينالهم مكروه.
فمضوا إلى ما أرادوا، وأتموا ما بدأوا، ولكنهم لم يكادوا يفرغون من الانتخاب حتى زلزلت تحتهم الأرض، واضطربت فوقهم السماء، وعصفت من حولهم الريح، وإذا قانون يهيأ، ثم يقدم، ثم يدرس، ثم يصدر، كل ذلك في أقصر وقت وأسرعه.
والغريب أن هؤلاء المحامين، الذين لا يقرؤون الغيب ولا يتنبؤون بما في ضمير الأيام، لم يخافوا من هذا الزلزال، ولم يراعوا من هذا الاضطراب، ولم يضطربوا من هذه العواصف، ولم يزيدوا على أن اعتقدوا أن الوزارة تداعبهم وتلاعبهم، وتصطنع معهم فنًا من هذه الفنون التي يستعان بها على إنفاق الوقت، وتسرية الهم، وتسلية النفوس.
فاجتمعوا ـ ويا ليتهم ما اجتمعوا ـ وقرروا ـ ويا ليتهم ما قرروا ـ أن القانون الذي صدر لا يلزمهم، لأنه مخالف للدستور، وأنهم لذلك لا يذعنون له، ولا ينفذونه، لأنهم حماة العدل، والذادة عنه، فلا ينبغي لهم أن يذعنوا للجور.
ثم اتفقوا ـ ويا ليتهم لم يتفقوا ـ على أن انتخابهم الأول صحيح، وعلى أنهم ليسوا في حاجة إلى انتخاب جديد، وعلى أن مكرمًا ما زال لهم نقيبًا، بعد صدور القانون، كما كان لهم نقيبًا قبل صدور القانون.
هنالك زلزلت الأرض زلزالًا مضاعفًا، واضطربت السماء اضطرابًا مضاعفًا، وعصفت الريح عصفًا مضاعفًا.
ولست في هذا مازحًا ولا مسرفًا، فإذا كان قانون واحد تزلزل له الأرض، وتضطرب له السماء، وتعصف له الريح مرة، فإن قانونين اثنين تزلزل لهما الأرض، وتضطرب لهما السماء، وتعصف لهما الريح مرتين.
وكانت وزارة الحقانية قد هيأت قانونين، أحدهما يحل النقابة فورًا، والآخر ينظم أمور المحامين إلى أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فلا غرابة في أن تضاعف زلزلة الأرض، واضطراب السماء، وزعزعة الريح.
وكانت هذه الحوادث الجسام خطيرة مروعة، حتى شغلت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر، وحتى خدعت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر أيضًا. فظنت الوزارة أنها حلت أزمة المحاكم المختلطة، مع أنها لم تحلها، وأنها زادتها تعقيدًا، وليس لهذا مصدر إلا هذه العواصف والزلازل التي أثيرت حول المحامين.
ثم ينتهي القانونان إلى مجلس الوزراء، فتبارك الله الذي يستطيع أن يرد المغضب إلى الحلم، والقادر إلى العفو، والقاسي إلى الرحمة. وتبارك الله الذي ألهم مجلس الوزراء أن يهمل أحد القانونين، ويكتفي بقانون واحد يدرسه، ويقره، ويتهيأ لتقديمه إلى البرلمان. ومع ذلك، فلو عرف المحامون ما كانت تضمره لهم الأيام لما تعرضوا لهول هذا القانون الجديد.
فالقانون الجديد هائل حقًا، مروع حقًا، لست أدري كيف ينام المحامون ليلهم أو بعض ليلهم، وكيف يفرغ المحامون لقضاياهم بعد أن عرفوا بعض ما جاء فيه.
وما ظنك بقانون يريد أن يحظر على المحامين أن يشتغلوا بالصحافة؟ يريد أن يحظر عليهم أن يكونوا رؤساء تحرير، أو محررين مأجورين في الصحف السياسية. أتظن أن مثل هذا القانون يمكن الصبر عليه، أو يمكن أن تنام معه الجفون؟ المحامون يقصون عن الصحافة السياسية في القرن العشرين! أليس هذا من أطرف وأظرف ما عرف الناس؟ بلى. وظرفه وطرافته هما اللذان دفعا وزارتنا إليه.
فوزارتنا لا تحب أن تكون كغيرها من الوزارات، ولا أن تكون مصر كغيرها من البلاد، وإنما هي وزارة ممتازة، لبلد ممتاز، وإذن فكل ما يصدر عنها يجب أن يمتاز.
أما في البلاد الأخرى، فالناس يحرصون على أن يكون الصحفيون من المحامين، لأنهم يعرفون الفقه والقانون، ويستطيعون بهذه المعرفة أن يجنبوا الصحف مواطن الزلل فيما تأتي وما تقول. وأما في مصر، فيجب أن يبعد المحامون عن الصحافة، لأن الصحافة يجب أن تزل دائمًا، وهي إذا زلت تعرضت للعقاب، وما قيمة الصحافة إذا لم تتعرض للعقاب؟ والصحفيون قوم يريدون أن يمتازوا، وأي امتياز يشبه العقاب والتعرض له في الصباح والمساء؟
وأمر هذا القانون أظرف من هذا كله وأطرف، فهو لا يحظر الصحافة وحدها على المحامين، وإنما يكاد يحظر معها السياسة نفسها، فليس ينبغي أن تعنى نقابة المحامين بالسياسة، فإن فعلت عوقبت بالحل. وأي حل؟ حل سيهبط عليها من مجلس الوزراء!
ومعنى ذلك أن مجلس الوزراء، وهو هيئة سياسية قبل كل شيء، هو الذي يقضي في أن النقابة قد اشتغلت أو لم تشتغل بالسياسة. يقضي في ذلك لا مرد لقضائه، ويحكم في ذلك لا معقب لحكمه. ويكفي أن تأتي النقابة عملًا يخالف ميل مجلس الوزراء لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل، ويكفي أن تنتخب النقابة رجلًا لا يعجب مجلس الوزراء، كمكرم مثلًا، لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل.
ويستتبع ذلك، في أغلب الظن، أن يخصص للمحامين ونقابتهم مكتب، أو قلم، أو مصلحة في وزارة الحقانية أو في مجلس الوزراء، لتتبين الوزارة دائمًا أن النقابة مشتغلة بالسياسة أو غير مشتغلة بالسياسة.
أرأيت أن المحامين لم يكونوا يقدرون ما كان ينتظرهم من الشر حين خالفوا أمر الوزارة، وأبوا أن يقدموا لها الطاعة والإذعان؟ فليذوقوا الآن هذه الثمرات الحلوة لتلك الكرامة المرة التي آثروها وحرصوا عليها. كأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا كرامًا، وكأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا أعزاء!
ما أشد حرص المحامين على القديم، وميلهم إلى المحافظة، وزهدهم في التجديد! الكرامة، والعزة، وإباء الضيم، وحرية الرأي، واستقلال الضمير، كل هذا كلام يكثر المحامون منه، ويسرف المحامون فيه، كأنهم لا يعلمون أنه أصبح من حق التاريخ، وأنه أصبح لا يلائم ظروف الزمان والمكان، كما يقول النحويون.
فليستمتعوا الآن بكرامتهم، فسيصبحون، إن شاء الله، بعد صدور القانون، أشبه الناس بالطلاب والتلاميذ، يبعدون عن الصحافة، ويحمون من شر السياسة، وتشتد الرقابة عليهم فيما يقولون وما يعملون. ومن يدري، لعل الله يرزقهم بوزير تقاليد يغلق لهم ناديهم، ويختمه بالشمع الأحمر، كما فعل وزير التقاليد بطلاب الجامعة ونادي طلاب الجامعة.
ليت المحامين استشاروني قبل أن يقدموا على ما أقدموا عليه، إذن لنصحت لهم بالإذعان المطلق، والطاعة التي لا حد لها. فنحن نعيش في أيام لا تستقيم فيها الحياة، ولا تطمئن فيها النفوس، ولا تستقر فيها القلوب بين الجنوب، إلا إذا اتخذنا الإذعان المطلق والطاعة التي لا حد لها قاعدة، لا أقول للقول والعمل وحدهما، بل للتفكير أيضًا.
ولكن المحامين لم يستشيروني، فليس لهم مني إلا ما أملك، وهو أن أرحمهم، وأرثي لهم، وأعطف عليهم، وأتمنى أن يوفقوا منذ اليوم إلى ما لم يوفقوا إليه من قبل، إلى هذه النعمة التي لا تشبهها نعمة، وهي نعمة الطاعة والإذعان.
طه حسين
(*) كوكب الشرق، ١٩ إبريل سنة ١٩٣٤. -
عيد (٢)
حديث المساء: عيد (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
١ يناير ١٩٣٤
قل: إنه كان أمس، وقل: إنه ما زال متصلًا اليوم، فقد احتفلت الأسرة القضائية به واتصل بأول العام فلم يكن عيدًا لمعنى واحد، بل كان عيدًا لمعنيين أو لمعانٍ مختلفة كثيرة لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكان غيره من الأعياد الخليقة بهذا الاسم حافلًا بما يملأ النفوس بهجة وحبورًا، وبما يثير في القلوب ألمًا وحزنًا. فأين المصري الذي لا يبتهج ولا يغتبط حين يرى أسرة القضاء مبتهجة مغتبطة؛ لأنها تحيي عيدها الذهبي، وتودع نصف قرن أنفقته جاهدة، مخلصة صادقة في إحياء العدل وتأمين الناس على أحب ما يطمعون في الأمن عليه وفي إحياء مصر بالعدل ورفع ذكرها بين الأمم وإعلاء كلمتها بين الشعوب وتستقبل نصف قرن جديد — أو قل: تستقبل الزمان كله — بقلوب يملؤها الإيمان بالعدل والحرص على حمايته، وصيانته والارتفاع به عن أغراض الحياة وأمراضها التي تفسد على الناس أمورهم، وتشوه مثلهم العليا وتردهم لولا العدل إلى حياة لا تليق بالإنسان؟ أين المصري الذي لا يبتهج حين يرى أسرة القضاء مبتهجة، بتوديع ما ودعت من أيامها الخصبة، واستقبال ما تستقبل من أيامها السعيدة؟ بل أين المصري الذي لا يشعر بأن ابتهاج الأسرة القضائية إنما هو ابتهاج مصر كلها، وعهد لمصر على الزمان أنها ستمضي جادة في طريق مستقيمة يسيرة إلى الرقي واستكمال حظها الطبيعي من الاستقلال؟ كل المصريين كان مشاركًا لأسرة القضاء في عيدها أمس، وكل المصريين كان سعيدًا بهذا العيد، وكل المصريين كان يشعر أمس بما كانت تشعر به أسرة القضاء من العزة والكرامة، وكان يشعر بما لم تكن تشعر به أسرة القضاء من حب لها وازدهاء بها، واستشعار لهذه العزة المقدسة التي يشعر بها الرجل الحر في بلد حر يظله قضاء حر.
ولكن أين المصري الذي لم يكن يشعر في الوقت نفسه أمس بحزن لاذع وألم ممض حين يرى السياسة تدخل بين أسرة القضاء فتفرقها فريقين، وتشقها قسمين، وتدفع طائفة منها إلى الأوبرا وسيمراميس وطائفة أخرى إلى فندق هليوبوليس؟
ليقل أنصار الوزارة ما يقولون، وليقل الوزراء أنفسهم ما يقولون؛ فلن يستطيعوا أن ينكروا أن السياسة قد اقترفت أمس إثمًا عظيمًا، وأن أسرة القضاء كلها قد أحست أمس ما أحس المصريون جميعًا من الحزن اللاذع والألم الممض لهذه الفرقة التي لم يكن يدعو إليها داعٍ، ولا يدفع إليها دافع لولا هذه الأهواء التي تعبث بنفوس الساسة فتُحمِّلهم وتُحمِّل غيرهم من الأبرياء شططًا ما كان ينبغي أن يحتملوه. لقد كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها هذا العبء الذي لا طاقة لها بها؛ عبء التفريق حين يجب التأليف. ولقد كانت تستطيع أن تجنب أمتها هذا الألم الذي لم تكن في حاجة إليه؛ ألم النظر إلى الإخوة يشتركون في الابتهاج بالعيد، ولكنهم لا يستطيعون أن يجتمعوا لإظهار هذا الابتهاج؛ فيظهره كل فريق منهم بمعزل عن صاحبه، تأتلف القلوب والنفوس، وتفترق الأجسام والأصوات؛ لأن هذا السلطان السياسي المادي قد منع الأجسام والأصوات من أن تجتمع وتلتقي. كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها وتجنب الأمة هذه الفرقة التي حدثت أمس فآلمت المصريين وصورتهم في نفوس الأجانب تصويرًا لا يلائم الحق ولا يمثل الواقع؛ لأن المصريين ورجال القضاء منهم بنوع خاص متفقون غير مفترقين ومؤتلفون غير مختلفين، ولا سيما في حب العدل وإكبار القضاء.
كانت الوزارة تستطيع ذلك لو أنها استطاعت أن تضبط نفسها وتكبح ميولها وأهواءها وتنسى السياسة في أشياء لا ينبغي أن تدخل فيها السياسة، وتذكر المثل العليا في أشياء لا ينبغي أن يذكر فيها إلا المثل العليا. وقد أشار إلى ذلك قاضي القضاء أمس في عبارة مهما تكن رفيقة، فقد كانت لاذعة شديدة القسوة، مصورة لما كان يحسه القضاة ورجال النيابة أمس من الألم لاضطرار المحامين إلى ألا يشاركوهم في أعيادهم المادية وإن شاركوهم في أعيادهم المعنوية كلَّ المشاركة. ولست أدري كيف وقعت هذه العبارة الرفيقة القاسية على الوزارة وتصرفها من قلوب الوزراء وضمائرهم وقلوب أنصار الوزراء وضمائرهم؟ ولكني أعلم أنها وقعت من قلوب المصريين موقع الحكم على هذا التصرف الذي لا يوصف بأقل من أنه كان اندفاعًا مع العواطف الجامحة، لا سلطان للإرادة الهادئة المطمئنة عليه.
كان المصريون جميعًا مبتهجين أمس مع أسرة القضاء، وكان المصريون جميعًا محزونين أمس مع أسرة القضاء. وكان الوزراء لو فتشت عن قلوبهم وقرأت في نفوسهم في موقف يشبه موقف الحياد لا يبتهجون ولا يبتئسون، وإنما يؤدون عملًا من هذه الأعمال الرسمية، وينهضون بتكليف من هذه التكاليف التي لا ينهض بها الوزراء في أيام الحفل والأعياد.
وبينما كان المحامون مجتمعين في هليوبوليس، وكان إخوتهم مجتمعين في سيمراميس كان المصريون يتحدثون فيما بينهم، فيقول بعضهم لبعض: ماذا أفادت الوزارة من هذا الاندفاع وما انتهى إليه من التفريق؟ أرادت أن تخرج مكرمًا من نقابة المحامين فجمعت حوله قلوب المحامين على اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم وآرائهم، وأتاحت للأستاذ فكري أباظة أن يلقي كلمته البليغة أمس فيسجل فيها أن الحكومة والبرلمان لو أرادا تكريم هذا الرجل وتسجيل إكبارهما له وإعجابهما به لما بلغا من ذلك ما بلغاه أمس حين أرادا إقصاءه عن نقابة المحامين. أرادت أن تظهر قوة وبأسًا وأن تبين أنها قادرة على أن تأمر فتكره الناس على إنفاذ ما تأمر به، فلم تزد على أن جمعت أكثر من ثلاث عشرة مائة من المحامين أقبلوا من أقطار مصر كلها ليظهروا — وقد أظهروا بالفعل — تضامنهم واحترامهم لأنفسهم وحسن فهمهم لمعاني العدل والإنصاف والمحاماة والقضاء.
وفيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن عدد المحامين الذي كانوا يجتمعون في هليوبوليس قد أربى على الألف، وكلهم منكر لما فعل الوزراء، ساخط على ما فعل الوزراء، يحكم عليه في قسوة حازمة عادلة لا تقبل هوادة ولا لينًا؟ فيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن ألفًا ونصف ألف من المصريين المثقفين الممثلين في غير شك لأقطار مصر قد اجتمعوا ليقضوا على تصرفها قضاء لا لين فيه؟ لم يكونوا يفكرون في شيء، إنما كانوا يستمعون لغناء أم كلثوم وتوقيع الموقعين، ويشهدون مناظر الرقص مع الشاهدين. أما الذين كانوا يقدرون اجتماع هليوبوليس ويفهمون مغزاه ويتمثلون نتائجه ويتخذونه مقياسًا للحكم على تصرف الوزارة، هم المصريون الذين لم تفكر فيهم الوزارة، وإنما فكرت في نفسها، ولم تحفل بهم الوزارة وإنما حفلت بنفسها.
كان أمس عيدًا، وكان كغيره من الأعياد حافلًا بالمواعظ البالغة والعبر النافعة، ولكنه لم يكن على ذلك يخلو من الفكاهة. والله عز وجل رفيق بالناس عطوف عليهم يبتليهم بالحزن، ويمتحنهم بالألم، ولكنه يسوق لهم ما يبعث في نفوسهم العزاء، ويسري عنهم من الهم بعض ما يجدون. فقد كان المحامون أمس يجتمعون إلى الشاي ويجتمعون إلى الخطب، وأي خطب؟ كلها جِدٌّ حازم صارم كأنه العدل. وكانت الوزارة في الوقت نفسه تحيي لرجال القضاء حفلة ساهرة لا بأس بها ولا غضاضة فيها على القضاة. ولكنها على كل حال لم تكن تحب التقاليد ولا توافقها ولا تطمئن إليها. فليس بالغناء بأس فيما يقال، وليس بالتوقيع بأس فيما يذاع من كلام الناس. ولكن الغناء والتوقيع في رمضان لا يوافق التقاليد، وإنما تلاوة القرآن الكريم هي التي تلائم التقاليد لو فكر وزير التقاليد، بل لو فكرت وزارة التقاليد، فأما مناظر الرقص، وما أدراك ما مناظر الرقص! ففيها قولان؛ فأما المعتدلون فلا يرون فيها بأسًا بشرط أن لا يكون الشهر شهر الصوم، وأما المتحرجون فيرون فيها البأس كلَّ البأس، في شهر الصوم وفي شهور الإفطار. وأما التقاليد فتحرمها في معهد التمثيل وتبيحها في سيمراميس بمحضر من كبار الدولة ووجوهها. وأما شيخ الأزهر ورجال الدين وعبد الحميد أفندي سعيد فلا يقولون شيئًا الآن؛ لأنهم في شغل بطاعة الله عن نقد الناس.
لتسعد أسرة القضاء كلها بعيدها أمس ولتكن أيامها كلها أعياد! وليسعد المصريون بالقضاء وأعياد القضاء، ولتهنأ الحكومة بما أحرزت أمس من فوز أقل ما يوصف به أنه كان صورة صادقة للقوة البالغة والذوق الجميل!