تأديب…
ليس من شك في أن أظهر ما يمتاز به الإنسان من العيب والنقص، إن صح أن يمتاز بالعيب والنقص، هو أنه لا يحسن قراءة الغيب، ولا التنبؤ بما يستتر في ضمير الأيام والليالي من الحوادث والخطوب. فلو قد برئ الإنسان من هذا العيب، ولو قد ارتفع الإنسان عن هذا النقص، ولو قد أتيح له أن لا يتم يومًا إلا وهو عالم بما سيستقبله به الغد، لتجنب شرًا كثيرًا، ولتقى من الأهوال والكوارث أشكالًا وألوانًا.
وأنا أملي هذه المقدمة الموجزة لهذا الفصل الموجز رثاء لإخواننا وأصدقائنا وأساتذتنا، فهم خليقون بالرثاء، وهم خليقون بالعطف، وهم خليقون بالرحمة تفيض بها عليهم قلوب الأخيار.
وليس من الضروري أن يكون الناس جميعًا قضاة يلومون المسيء إذا أساء، ويعاقبون المسرف إذا أسرف على نفسه أو على الناس، بل من الخير أن يكون منهم القضاة الذين يحملون كتب الأخلاق، فيقيسون أعمال الناس بهذه المقاييس الخلقية، يحمدون منها ما يستحق الحمد، ويذمون منها ما يستحق الذم، وأن يكون منهم الرحماء الأخيار الذين يرحمون المسيء ويعطفون عليه، ويعزونه لا عن إساءته وحدها، بل عن آثارها أيضًا.
وأنا أريد أن أكون من هؤلاء، وأن أعزي إخواننا وأصدقاءنا وأساتذتنا المحامين عن هذا الذنب العظيم الذي اقترفوه، وعن هذه الآثار الخطيرة التي يتعرضون لها، فهم قد اقترفوا ذنبًا عظيمًا، وهم معرضون لعقاب عظيم. ولولا أنهم لم يمنحوا القدرة على التنبؤ بالغيب، والقراءة في ضمير الأيام، لما اقترفوا هذا الذنب، ولما تعرضوا لهذا العقاب.
فأما الذنب فهو انتخابهم للأستاذ مكرم نقيبًا لهم، وأما العقاب فهو هذه الأهوال التي تصب عليهم صبًا منذ أشهر. ولو أن الله فتح عليهم، وألهمهم العلم بما سيكون، لثابوا إلى رشدهم، ولآثروا القصد والاعتدال، ولكرهوا أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الأسود. والأسود بالطبع هم الوزراء، الذين يريدون فيما يظهر أن يأكلوا هؤلاء المحامين المساكين أكلًا، ويهضموهم هضمًا، ويردوهم إلى ما ينبغي لهم من التواضع، ويصرفوهم عما أمعنوا فيه من الكبرياء.
لو أن المحامين قرؤوا في ضمير الأيام، لأعرضوا عن مكرم، بل لو أن مكرمًا نفسه قرأ في ضمير الأيام، لأعرض عن نفسه، ولضن بها وبزملائه على هذه الأهوال الجسام التي لا طاقة لهم بها، ولا قدرة لهم على احتمالها.
انظر إليهم، لم يكادوا يفكرون في انتخاب مكرم حتى جاءهم النذير، وأي نذير! وحتى انتهى إليهم التحذير، وأي تحذير! ولكنهم غرتهم أنفسهم، وظنوا بالوزارة الظنون، وقدروا أن تنديد الوزارة ليس إلا تخويفًا، وأن تحذير الوزارة ليس إلا إرهابًا، وأنهم يستطيعون أن ينهوا ما بدأوا فيه دون أن ينالهم مكروه.
فمضوا إلى ما أرادوا، وأتموا ما بدأوا، ولكنهم لم يكادوا يفرغون من الانتخاب حتى زلزلت تحتهم الأرض، واضطربت فوقهم السماء، وعصفت من حولهم الريح، وإذا قانون يهيأ، ثم يقدم، ثم يدرس، ثم يصدر، كل ذلك في أقصر وقت وأسرعه.
والغريب أن هؤلاء المحامين، الذين لا يقرؤون الغيب ولا يتنبؤون بما في ضمير الأيام، لم يخافوا من هذا الزلزال، ولم يراعوا من هذا الاضطراب، ولم يضطربوا من هذه العواصف، ولم يزيدوا على أن اعتقدوا أن الوزارة تداعبهم وتلاعبهم، وتصطنع معهم فنًا من هذه الفنون التي يستعان بها على إنفاق الوقت، وتسرية الهم، وتسلية النفوس.
فاجتمعوا ـ ويا ليتهم ما اجتمعوا ـ وقرروا ـ ويا ليتهم ما قرروا ـ أن القانون الذي صدر لا يلزمهم، لأنه مخالف للدستور، وأنهم لذلك لا يذعنون له، ولا ينفذونه، لأنهم حماة العدل، والذادة عنه، فلا ينبغي لهم أن يذعنوا للجور.
ثم اتفقوا ـ ويا ليتهم لم يتفقوا ـ على أن انتخابهم الأول صحيح، وعلى أنهم ليسوا في حاجة إلى انتخاب جديد، وعلى أن مكرمًا ما زال لهم نقيبًا، بعد صدور القانون، كما كان لهم نقيبًا قبل صدور القانون.
هنالك زلزلت الأرض زلزالًا مضاعفًا، واضطربت السماء اضطرابًا مضاعفًا، وعصفت الريح عصفًا مضاعفًا.
ولست في هذا مازحًا ولا مسرفًا، فإذا كان قانون واحد تزلزل له الأرض، وتضطرب له السماء، وتعصف له الريح مرة، فإن قانونين اثنين تزلزل لهما الأرض، وتضطرب لهما السماء، وتعصف لهما الريح مرتين.
وكانت وزارة الحقانية قد هيأت قانونين، أحدهما يحل النقابة فورًا، والآخر ينظم أمور المحامين إلى أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فلا غرابة في أن تضاعف زلزلة الأرض، واضطراب السماء، وزعزعة الريح.
وكانت هذه الحوادث الجسام خطيرة مروعة، حتى شغلت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر، وحتى خدعت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر أيضًا. فظنت الوزارة أنها حلت أزمة المحاكم المختلطة، مع أنها لم تحلها، وأنها زادتها تعقيدًا، وليس لهذا مصدر إلا هذه العواصف والزلازل التي أثيرت حول المحامين.
ثم ينتهي القانونان إلى مجلس الوزراء، فتبارك الله الذي يستطيع أن يرد المغضب إلى الحلم، والقادر إلى العفو، والقاسي إلى الرحمة. وتبارك الله الذي ألهم مجلس الوزراء أن يهمل أحد القانونين، ويكتفي بقانون واحد يدرسه، ويقره، ويتهيأ لتقديمه إلى البرلمان. ومع ذلك، فلو عرف المحامون ما كانت تضمره لهم الأيام لما تعرضوا لهول هذا القانون الجديد.
فالقانون الجديد هائل حقًا، مروع حقًا، لست أدري كيف ينام المحامون ليلهم أو بعض ليلهم، وكيف يفرغ المحامون لقضاياهم بعد أن عرفوا بعض ما جاء فيه.
وما ظنك بقانون يريد أن يحظر على المحامين أن يشتغلوا بالصحافة؟ يريد أن يحظر عليهم أن يكونوا رؤساء تحرير، أو محررين مأجورين في الصحف السياسية. أتظن أن مثل هذا القانون يمكن الصبر عليه، أو يمكن أن تنام معه الجفون؟ المحامون يقصون عن الصحافة السياسية في القرن العشرين! أليس هذا من أطرف وأظرف ما عرف الناس؟ بلى. وظرفه وطرافته هما اللذان دفعا وزارتنا إليه.
فوزارتنا لا تحب أن تكون كغيرها من الوزارات، ولا أن تكون مصر كغيرها من البلاد، وإنما هي وزارة ممتازة، لبلد ممتاز، وإذن فكل ما يصدر عنها يجب أن يمتاز.
أما في البلاد الأخرى، فالناس يحرصون على أن يكون الصحفيون من المحامين، لأنهم يعرفون الفقه والقانون، ويستطيعون بهذه المعرفة أن يجنبوا الصحف مواطن الزلل فيما تأتي وما تقول. وأما في مصر، فيجب أن يبعد المحامون عن الصحافة، لأن الصحافة يجب أن تزل دائمًا، وهي إذا زلت تعرضت للعقاب، وما قيمة الصحافة إذا لم تتعرض للعقاب؟ والصحفيون قوم يريدون أن يمتازوا، وأي امتياز يشبه العقاب والتعرض له في الصباح والمساء؟
وأمر هذا القانون أظرف من هذا كله وأطرف، فهو لا يحظر الصحافة وحدها على المحامين، وإنما يكاد يحظر معها السياسة نفسها، فليس ينبغي أن تعنى نقابة المحامين بالسياسة، فإن فعلت عوقبت بالحل. وأي حل؟ حل سيهبط عليها من مجلس الوزراء!
ومعنى ذلك أن مجلس الوزراء، وهو هيئة سياسية قبل كل شيء، هو الذي يقضي في أن النقابة قد اشتغلت أو لم تشتغل بالسياسة. يقضي في ذلك لا مرد لقضائه، ويحكم في ذلك لا معقب لحكمه. ويكفي أن تأتي النقابة عملًا يخالف ميل مجلس الوزراء لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل، ويكفي أن تنتخب النقابة رجلًا لا يعجب مجلس الوزراء، كمكرم مثلًا، لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل.
ويستتبع ذلك، في أغلب الظن، أن يخصص للمحامين ونقابتهم مكتب، أو قلم، أو مصلحة في وزارة الحقانية أو في مجلس الوزراء، لتتبين الوزارة دائمًا أن النقابة مشتغلة بالسياسة أو غير مشتغلة بالسياسة.
أرأيت أن المحامين لم يكونوا يقدرون ما كان ينتظرهم من الشر حين خالفوا أمر الوزارة، وأبوا أن يقدموا لها الطاعة والإذعان؟ فليذوقوا الآن هذه الثمرات الحلوة لتلك الكرامة المرة التي آثروها وحرصوا عليها. كأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا كرامًا، وكأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا أعزاء!
ما أشد حرص المحامين على القديم، وميلهم إلى المحافظة، وزهدهم في التجديد! الكرامة، والعزة، وإباء الضيم، وحرية الرأي، واستقلال الضمير، كل هذا كلام يكثر المحامون منه، ويسرف المحامون فيه، كأنهم لا يعلمون أنه أصبح من حق التاريخ، وأنه أصبح لا يلائم ظروف الزمان والمكان، كما يقول النحويون.
فليستمتعوا الآن بكرامتهم، فسيصبحون، إن شاء الله، بعد صدور القانون، أشبه الناس بالطلاب والتلاميذ، يبعدون عن الصحافة، ويحمون من شر السياسة، وتشتد الرقابة عليهم فيما يقولون وما يعملون. ومن يدري، لعل الله يرزقهم بوزير تقاليد يغلق لهم ناديهم، ويختمه بالشمع الأحمر، كما فعل وزير التقاليد بطلاب الجامعة ونادي طلاب الجامعة.
ليت المحامين استشاروني قبل أن يقدموا على ما أقدموا عليه، إذن لنصحت لهم بالإذعان المطلق، والطاعة التي لا حد لها. فنحن نعيش في أيام لا تستقيم فيها الحياة، ولا تطمئن فيها النفوس، ولا تستقر فيها القلوب بين الجنوب، إلا إذا اتخذنا الإذعان المطلق والطاعة التي لا حد لها قاعدة، لا أقول للقول والعمل وحدهما، بل للتفكير أيضًا.
ولكن المحامين لم يستشيروني، فليس لهم مني إلا ما أملك، وهو أن أرحمهم، وأرثي لهم، وأعطف عليهم، وأتمنى أن يوفقوا منذ اليوم إلى ما لم يوفقوا إليه من قبل، إلى هذه النعمة التي لا تشبهها نعمة، وهي نعمة الطاعة والإذعان.
طه حسين
(*) كوكب الشرق، ١٩ إبريل سنة ١٩٣٤.
تأديب
Share:
Leave a Reply