تأديب …! (١)
طه حسين
جريدة البلاغ
٣١ يوليو ١٩٤٥
لعل أقوى ما يشعر به المصريون الذين لا يشملهم عطف الحكومة ورضاها في هذه الأيام — وهم بالطبع أكثر المصريين — هو أن الحكومة تقوم على تأديبهم أكثر مما تقوم على رعايتهم؛ فهي — والحمد لله — لا تأخذهم بالرفق ولا تسوسهم باللِّين، وإنما تمضي في سياستها لهم على الحزم والعزم وإظهار البأس الشديد.
وليس أدل على ذلك من تصوُّر حكومتنا للحرية وضربها على أيدي الذين يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الله قد خلقهم ليكونوا أحرارًا. فالمصريون مراقبون، لا يجتمعون إلا إذا أذِنت لهم الحكومة في الاجتماع، ولا يخطبون إلا إذا أذنت لهم الحكومة في الخطابة، ولا يأمنون حين يكتُبون إلا إذا رضيت الحكومة عمَّا يكتبون، فإن كتبوا ما يحزنها أو يسوءها، فقد كانت الرقابة قائمة تمنع الإذاعة، فلما أُلغِيَت الرقابة قامت النيابة تُحقِّق وتواصل في التحقيق، وترسل إلى السجن الاحتياطي، وتفرض الكفالات المالية فرضًا متَّصِلًا لا يعرِف الانقطاع. وما أُحِبُّ أن أجادل النيابة فيما تدعو إليه من تحقيق، ولا فيما تُقدِم عليه من حبس احتياطي، ولا فيما تفرض من كفالات مالية؛ فالنيابة سلطة قضائية أمامها قانون تنفذه كما ترى، وهي مسئولة أمام ضميرها وأمام القانون عن هذا التنفيذ، وإنما أريد — ومن حقي أن أريد — لفتَ المصريين إلى أن الله لم يخلُق الحكومات لتأديب المحكومين، وإنما خلقها لرعاية حقوقهم والقيام على مصالحهم. فهي خادم لهم لا أكثر ولا أقل. وليس من حق الخادم أن يؤدِّب المخدوم، وإنما الحق عليه أن يطيعه وينفِّذ أمره وينزل عند إرادته ويتخلى عن عمله حين يريد الشعب، وهو سيد نفسه وسيد حكومته أن يتخلَّى عن هذا الأمر. ومن حقي أيضًا أن ألفت المصريين إلى أن لهم أن يطالبوا بتعديل القوانين القائمة إذا تبينت لهم مصلحة في تعديل هذه القوانين، أو تبيَّن لهم شَرٌّ في بقاء هذه القوانين كما هي. فاحترام القانون القائم شيء طبيعي، ولكن احترام القانون شيء وتقديسه شيء آخر. وقد وضعت القوانين لخدمة الشعوب، ولم تخلق الشعوب لتقديس القوانين، فإذا كان من حق النيابة ومن واجبها أن تنفذ القوانين كما ترى، فمن حَقِّنَا نحن أن نطالب بتعديل هذه القوانين حين تظهر حاجتنا إلى هذا التعديل.
وقد يكون من الظريف الطريف أن يلاحظ المصريون أننا لا نعرف بلدًا من بلاد الله في هذه الأيام يُحبس فيها الكتاب حبسًا احتياطيًّا في قضايا الرأي إلا مصر، مصر وحدها؛ فمصر التي لم تشارك في الحرب إلا بعد أن وضعت أوزارها، مصر التي احتملت أوزار الحرب، ولم تجنِ من ثمارها إلى الآن إلا هذا التضييق على أبنائها لا في أرزاقهم وحدها، بل حرياتهم أيضًا.
وقد كان زيد يتحدث إلى أهل البصرة فيسألهم أن يدعو الله لأئمتهم الذين يؤدبونهم ويسوسونهم بسلطان الله الذي أعطاهم، ولكن هذا كان منذ اثني عشر قرنًا، وأصبحنا نحن الذين نعطي الحكومة ما في يدها من سلطان، ونستطيع أن نسترد ما أعطينا.
فمن حقنا إذن أن نكلف الحكومة ما ترى المصلحة في أن نكلفها إياه.
ونحن نرى المصلحة الآن في أن نطلب إليها تعديل القوانين بحيث لا يُسمح للنيابة بالحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.
وقد اتخذت الحكومة قانونًا — أستغفر الله، بل مرسومًا بقانون — منعت فيه المحاكم من أن تسمع للقضايا التي تُرفع بشأن الاستثناءات. وهذا القانون ما زال مشكوكًا في دستوريته، ولكن الحكومة اتخذته على كل حال.
ونحن نطلب أن تتَّخذ الحكومة الخطوات الدستورية لتعديل القوانين التي نطلب تعديلها؛ فإن لم تفعل فإن البرلمان لم يوجد ليذهب ويجيء ويخطب ويسمع الخطب، وإنما وُجِدَ ليكلف الحكومة ما يريد الشعب، وليفرض على الحكومة ما يريد الشعب، فليَقُم البرلمان بتعديل القوانين إذا لم تستجب الحكومة إلى ما يدعوها إليه. وليعلم الشيوخ والنواب أن ليس مما يشرف مصر أن يتحدَّث الناس عنها في الخارج بأن كُتَّابَهَا ومفكريها يُلقَوْن في أعماق السجون احتياطًا قبل أن تصدر عليهم الأحكام؛ لأنهم كتَبوا ما لا يسر الحكومة أو يرضيها.
فإذا لم تفعل الحكومة ما ندعوها إليه، وإذا لم يفعل البرلمان ما نطلب إليه؛ فمن حق المصريين أن يعتقدوا أن ديمقراطيتهم كلام، وأن حريتهم لغو، وأنهم يعيشون في ظل حكومة تريد أن تؤدبهم وتحملهم على ما تعتقد هي، لا على ما يعتقدون هم أنه الحق والخير.
وقد قررت صحف الوفد ألا تَصدُر غدًا لتلفت الحكومة ولتلفت البرلمان ولتلفت الشعب إلى أن في مصر شرًّا يجب أن يُرفَع، وإلى أن هذا الشر واقع على الحرية التي يكفُلُها الدستور، والتي كانت الحرب في سبيل حمايتها وتقريرها، وهي حرية الرأي.
وقد يقول القائلون كلامًا كثيرًا في احتجاب صحف الوفد غدًا، ولكن المهم هو أن يعلم الشعب أن حرية الرأي فيه تؤذى إيذاءً متصلًا، وقد يكون من المهم أن يمضي يوم لا تحتاج فيه النيابة إلى تحقيق، ولا تقرأ فيه الحكومة ما يسوءها، ويخلو فيه الميدان للذين يطلبون الطعن والنزال إذا خَلَوْا إلى أنفسهم.
ومن يدري لعل احتجاب الصحف الوفدية غدًا أن يُلهِم الحكومة شيئًا من الجِد، ويحملها على أن تستأنف النظر في سياستها، ويبين لها أن القوة قد تعظُم وتشتد، ولكن الحرية ستظل أقوى منها دائمًا، ولا سيما حين تلجَأ إلى السلب، وحين تؤثر الاحتجاب على الظهور، وحين تؤثِر الصمت على الكلام.
ولتحذر الحكومة أن يكثر احتجاب الصحف، ولتحذر الحكومة أن يتصل صمت الكُتَّاب.
Tag: press freedom
-
تأديب٢
-
غرابيل٢
حديث الوادي
غرابيل…
لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.
ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.
كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.
وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.
فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.
فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.
كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.
وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.
وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.
وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.
ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.
وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ . -
خوف
حديث الوادي
خوف…
يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.
نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.
حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.
هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.
كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة
وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.
إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.
فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.
طه حسين
الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤. -
تأديب
تأديب…
ليس من شك في أن أظهر ما يمتاز به الإنسان من العيب والنقص، إن صح أن يمتاز بالعيب والنقص، هو أنه لا يحسن قراءة الغيب، ولا التنبؤ بما يستتر في ضمير الأيام والليالي من الحوادث والخطوب. فلو قد برئ الإنسان من هذا العيب، ولو قد ارتفع الإنسان عن هذا النقص، ولو قد أتيح له أن لا يتم يومًا إلا وهو عالم بما سيستقبله به الغد، لتجنب شرًا كثيرًا، ولتقى من الأهوال والكوارث أشكالًا وألوانًا.
وأنا أملي هذه المقدمة الموجزة لهذا الفصل الموجز رثاء لإخواننا وأصدقائنا وأساتذتنا، فهم خليقون بالرثاء، وهم خليقون بالعطف، وهم خليقون بالرحمة تفيض بها عليهم قلوب الأخيار.
وليس من الضروري أن يكون الناس جميعًا قضاة يلومون المسيء إذا أساء، ويعاقبون المسرف إذا أسرف على نفسه أو على الناس، بل من الخير أن يكون منهم القضاة الذين يحملون كتب الأخلاق، فيقيسون أعمال الناس بهذه المقاييس الخلقية، يحمدون منها ما يستحق الحمد، ويذمون منها ما يستحق الذم، وأن يكون منهم الرحماء الأخيار الذين يرحمون المسيء ويعطفون عليه، ويعزونه لا عن إساءته وحدها، بل عن آثارها أيضًا.
وأنا أريد أن أكون من هؤلاء، وأن أعزي إخواننا وأصدقاءنا وأساتذتنا المحامين عن هذا الذنب العظيم الذي اقترفوه، وعن هذه الآثار الخطيرة التي يتعرضون لها، فهم قد اقترفوا ذنبًا عظيمًا، وهم معرضون لعقاب عظيم. ولولا أنهم لم يمنحوا القدرة على التنبؤ بالغيب، والقراءة في ضمير الأيام، لما اقترفوا هذا الذنب، ولما تعرضوا لهذا العقاب.
فأما الذنب فهو انتخابهم للأستاذ مكرم نقيبًا لهم، وأما العقاب فهو هذه الأهوال التي تصب عليهم صبًا منذ أشهر. ولو أن الله فتح عليهم، وألهمهم العلم بما سيكون، لثابوا إلى رشدهم، ولآثروا القصد والاعتدال، ولكرهوا أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الأسود. والأسود بالطبع هم الوزراء، الذين يريدون فيما يظهر أن يأكلوا هؤلاء المحامين المساكين أكلًا، ويهضموهم هضمًا، ويردوهم إلى ما ينبغي لهم من التواضع، ويصرفوهم عما أمعنوا فيه من الكبرياء.
لو أن المحامين قرؤوا في ضمير الأيام، لأعرضوا عن مكرم، بل لو أن مكرمًا نفسه قرأ في ضمير الأيام، لأعرض عن نفسه، ولضن بها وبزملائه على هذه الأهوال الجسام التي لا طاقة لهم بها، ولا قدرة لهم على احتمالها.
انظر إليهم، لم يكادوا يفكرون في انتخاب مكرم حتى جاءهم النذير، وأي نذير! وحتى انتهى إليهم التحذير، وأي تحذير! ولكنهم غرتهم أنفسهم، وظنوا بالوزارة الظنون، وقدروا أن تنديد الوزارة ليس إلا تخويفًا، وأن تحذير الوزارة ليس إلا إرهابًا، وأنهم يستطيعون أن ينهوا ما بدأوا فيه دون أن ينالهم مكروه.
فمضوا إلى ما أرادوا، وأتموا ما بدأوا، ولكنهم لم يكادوا يفرغون من الانتخاب حتى زلزلت تحتهم الأرض، واضطربت فوقهم السماء، وعصفت من حولهم الريح، وإذا قانون يهيأ، ثم يقدم، ثم يدرس، ثم يصدر، كل ذلك في أقصر وقت وأسرعه.
والغريب أن هؤلاء المحامين، الذين لا يقرؤون الغيب ولا يتنبؤون بما في ضمير الأيام، لم يخافوا من هذا الزلزال، ولم يراعوا من هذا الاضطراب، ولم يضطربوا من هذه العواصف، ولم يزيدوا على أن اعتقدوا أن الوزارة تداعبهم وتلاعبهم، وتصطنع معهم فنًا من هذه الفنون التي يستعان بها على إنفاق الوقت، وتسرية الهم، وتسلية النفوس.
فاجتمعوا ـ ويا ليتهم ما اجتمعوا ـ وقرروا ـ ويا ليتهم ما قرروا ـ أن القانون الذي صدر لا يلزمهم، لأنه مخالف للدستور، وأنهم لذلك لا يذعنون له، ولا ينفذونه، لأنهم حماة العدل، والذادة عنه، فلا ينبغي لهم أن يذعنوا للجور.
ثم اتفقوا ـ ويا ليتهم لم يتفقوا ـ على أن انتخابهم الأول صحيح، وعلى أنهم ليسوا في حاجة إلى انتخاب جديد، وعلى أن مكرمًا ما زال لهم نقيبًا، بعد صدور القانون، كما كان لهم نقيبًا قبل صدور القانون.
هنالك زلزلت الأرض زلزالًا مضاعفًا، واضطربت السماء اضطرابًا مضاعفًا، وعصفت الريح عصفًا مضاعفًا.
ولست في هذا مازحًا ولا مسرفًا، فإذا كان قانون واحد تزلزل له الأرض، وتضطرب له السماء، وتعصف له الريح مرة، فإن قانونين اثنين تزلزل لهما الأرض، وتضطرب لهما السماء، وتعصف لهما الريح مرتين.
وكانت وزارة الحقانية قد هيأت قانونين، أحدهما يحل النقابة فورًا، والآخر ينظم أمور المحامين إلى أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فلا غرابة في أن تضاعف زلزلة الأرض، واضطراب السماء، وزعزعة الريح.
وكانت هذه الحوادث الجسام خطيرة مروعة، حتى شغلت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر، وحتى خدعت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر أيضًا. فظنت الوزارة أنها حلت أزمة المحاكم المختلطة، مع أنها لم تحلها، وأنها زادتها تعقيدًا، وليس لهذا مصدر إلا هذه العواصف والزلازل التي أثيرت حول المحامين.
ثم ينتهي القانونان إلى مجلس الوزراء، فتبارك الله الذي يستطيع أن يرد المغضب إلى الحلم، والقادر إلى العفو، والقاسي إلى الرحمة. وتبارك الله الذي ألهم مجلس الوزراء أن يهمل أحد القانونين، ويكتفي بقانون واحد يدرسه، ويقره، ويتهيأ لتقديمه إلى البرلمان. ومع ذلك، فلو عرف المحامون ما كانت تضمره لهم الأيام لما تعرضوا لهول هذا القانون الجديد.
فالقانون الجديد هائل حقًا، مروع حقًا، لست أدري كيف ينام المحامون ليلهم أو بعض ليلهم، وكيف يفرغ المحامون لقضاياهم بعد أن عرفوا بعض ما جاء فيه.
وما ظنك بقانون يريد أن يحظر على المحامين أن يشتغلوا بالصحافة؟ يريد أن يحظر عليهم أن يكونوا رؤساء تحرير، أو محررين مأجورين في الصحف السياسية. أتظن أن مثل هذا القانون يمكن الصبر عليه، أو يمكن أن تنام معه الجفون؟ المحامون يقصون عن الصحافة السياسية في القرن العشرين! أليس هذا من أطرف وأظرف ما عرف الناس؟ بلى. وظرفه وطرافته هما اللذان دفعا وزارتنا إليه.
فوزارتنا لا تحب أن تكون كغيرها من الوزارات، ولا أن تكون مصر كغيرها من البلاد، وإنما هي وزارة ممتازة، لبلد ممتاز، وإذن فكل ما يصدر عنها يجب أن يمتاز.
أما في البلاد الأخرى، فالناس يحرصون على أن يكون الصحفيون من المحامين، لأنهم يعرفون الفقه والقانون، ويستطيعون بهذه المعرفة أن يجنبوا الصحف مواطن الزلل فيما تأتي وما تقول. وأما في مصر، فيجب أن يبعد المحامون عن الصحافة، لأن الصحافة يجب أن تزل دائمًا، وهي إذا زلت تعرضت للعقاب، وما قيمة الصحافة إذا لم تتعرض للعقاب؟ والصحفيون قوم يريدون أن يمتازوا، وأي امتياز يشبه العقاب والتعرض له في الصباح والمساء؟
وأمر هذا القانون أظرف من هذا كله وأطرف، فهو لا يحظر الصحافة وحدها على المحامين، وإنما يكاد يحظر معها السياسة نفسها، فليس ينبغي أن تعنى نقابة المحامين بالسياسة، فإن فعلت عوقبت بالحل. وأي حل؟ حل سيهبط عليها من مجلس الوزراء!
ومعنى ذلك أن مجلس الوزراء، وهو هيئة سياسية قبل كل شيء، هو الذي يقضي في أن النقابة قد اشتغلت أو لم تشتغل بالسياسة. يقضي في ذلك لا مرد لقضائه، ويحكم في ذلك لا معقب لحكمه. ويكفي أن تأتي النقابة عملًا يخالف ميل مجلس الوزراء لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل، ويكفي أن تنتخب النقابة رجلًا لا يعجب مجلس الوزراء، كمكرم مثلًا، لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل.
ويستتبع ذلك، في أغلب الظن، أن يخصص للمحامين ونقابتهم مكتب، أو قلم، أو مصلحة في وزارة الحقانية أو في مجلس الوزراء، لتتبين الوزارة دائمًا أن النقابة مشتغلة بالسياسة أو غير مشتغلة بالسياسة.
أرأيت أن المحامين لم يكونوا يقدرون ما كان ينتظرهم من الشر حين خالفوا أمر الوزارة، وأبوا أن يقدموا لها الطاعة والإذعان؟ فليذوقوا الآن هذه الثمرات الحلوة لتلك الكرامة المرة التي آثروها وحرصوا عليها. كأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا كرامًا، وكأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا أعزاء!
ما أشد حرص المحامين على القديم، وميلهم إلى المحافظة، وزهدهم في التجديد! الكرامة، والعزة، وإباء الضيم، وحرية الرأي، واستقلال الضمير، كل هذا كلام يكثر المحامون منه، ويسرف المحامون فيه، كأنهم لا يعلمون أنه أصبح من حق التاريخ، وأنه أصبح لا يلائم ظروف الزمان والمكان، كما يقول النحويون.
فليستمتعوا الآن بكرامتهم، فسيصبحون، إن شاء الله، بعد صدور القانون، أشبه الناس بالطلاب والتلاميذ، يبعدون عن الصحافة، ويحمون من شر السياسة، وتشتد الرقابة عليهم فيما يقولون وما يعملون. ومن يدري، لعل الله يرزقهم بوزير تقاليد يغلق لهم ناديهم، ويختمه بالشمع الأحمر، كما فعل وزير التقاليد بطلاب الجامعة ونادي طلاب الجامعة.
ليت المحامين استشاروني قبل أن يقدموا على ما أقدموا عليه، إذن لنصحت لهم بالإذعان المطلق، والطاعة التي لا حد لها. فنحن نعيش في أيام لا تستقيم فيها الحياة، ولا تطمئن فيها النفوس، ولا تستقر فيها القلوب بين الجنوب، إلا إذا اتخذنا الإذعان المطلق والطاعة التي لا حد لها قاعدة، لا أقول للقول والعمل وحدهما، بل للتفكير أيضًا.
ولكن المحامين لم يستشيروني، فليس لهم مني إلا ما أملك، وهو أن أرحمهم، وأرثي لهم، وأعطف عليهم، وأتمنى أن يوفقوا منذ اليوم إلى ما لم يوفقوا إليه من قبل، إلى هذه النعمة التي لا تشبهها نعمة، وهي نعمة الطاعة والإذعان.
طه حسين
(*) كوكب الشرق، ١٩ إبريل سنة ١٩٣٤. -
يستغيثون
حديث الوادي
يستغيثون …
الآن وقت القلوب وكانت غلاظًا لا ينفذ منها شيء، والآن دقت الحواس وكانت صفاةً لا يؤثر فيها شيء. والآن استيقظ العدل وكان نائمًا مغرقًا في النوم، والآن أصبح الظلم بغيضًا وكان محببًا في النفوس، والآن أصبح الجور مرًا وقد كان حلوًا يُستلذ ولا يُقضى الكلف به والميل إليه والتهالك عليه.
والآن أصبح دعاة الظلم يستغيثون من ضحايا الظلم، وأصبح الذين نشروا الجور في الأرض وأقاموا صرحه شاهقًا في السماء، يستغيثون من الذين صُب عليهم الجور صبًّا، وبُسط عليهم العذاب بسطًا. والآن أصبح أصدقاء الإجرام يستغيثون من الذين وقع عليهم الإجرام، والآن أصبحت ضمائر هؤلاء الناس متحرجة تعرف أن في الأرض خيرًا يجب أن يُبتغى، وشرًا يجب أن يُتقى، وأن السلطان يستطيع أن يُغيث إذا استُغيث به، وأن يستجيب إذا دُعيَ، وأن يَحمِيَ اللاجئين إليه. والآن أصبح الذين يسمون أنفسهم شعبيين يشعرون بأنهم قد يتعرضون للخوف، وبأن لهم على السلطان حقوقًا في الحماية فهم يتقاضونها منه، وهم يتقاضونها في جرأة. إن صورت شيئًا فإنما تصور ضعف عاطفة الحياة في نفوس هؤلاء الناس. الله يشهد ما نريد بهم شرًا، فهم أهون من أن نريد بهم الشر، والله يشهد ما ندبر لهم كيدًا، فهم أحقر من أن ندبر لهم الكيد. والله يشهد ما نغري بهم أحدًا، فهم أيسر من أن نفكر في الإغراء بهم أو التحريض عليهم، والله يشهد ما نكتب احتفالًا بشكاتهم حين شكوا واستغاثتهم حين استغاثوا، فهم أدنى من أن يُحفل بهم حين يشكون أو حين يستغيثون. والله يعلم ما نكره للسلطان أن يحميهم فقد أصبحوا ضعافًا يخافون الظلال، بعد أن كانوا قساةً لا يرعون شيئًا ولا يخافون شيئًا، الله يشهد ما نكتب لهم ولا نكتب عنهم، فهم أهون على الناس، وأهون على أنفسهم وأهون علينا من أن نكتب لهم أو نكتب عنهم. إنما نكتب ليرى الناس موضع العبرة فيما انتهت إليه الأمور في مصر، إنما نكتب ليرى الناس موضع العظة فيما تكشفت عنه الحوادث من النتائج والآثار. هؤلاء قوم لم يكونوا يعدلون عند أنفسهم ولا عند الناس ولا عند الله شيئًا، جمعهم الإبراشي باشا وصدقي باشا من كل مكان، واستخرجوهم من كل زاوية، واستلّوهم من كل جحر، ثم جمعوهم في مكان قد هيأه لهم وقالا لهم كونوا
رجالًا فكانوا، ثم قالا لهم كونوا حزبًا فكانوا، ثم قالا لهم اتخذوا لأنفسكم هذه الصحيفة التي نخلقها لكم خلقًا، وننشئها لكم إنشاءً، وننفق لكم عليها من أموال لا تعرفون من أين تأتي ولكنا نحن نعرف من أين تأتي، لا تتكلفوا جهدًا فسنحتمل عنكم كل جهد، ولا تنفقوا مالًا فسننفق عنكم كل مال، بل سننفق عليكم أنتم من المال ما تقدرون وما لا تقدرون. لا تخافوا فسنؤمنكم من كل خوف، ولا تعملوا فسنريحكم من كل عملٍ، حسبكم أن تنطقوا إذا أنطقناكم، وحسبكم أن تسكتوا إذا أسكتناكم، حسبكم أن تتحركوا إذا جذبنا الخيط، وحسبكم أن تسكنوا إذا أرسلنا الخيط، إنما نريد منكم أن تكونوا صورًا متحركةً وتماثيلَ تخدع الناس عن نفسها بما تتكلف من عملٍ وقولٍ، على حين لا تعمل ولا تقول. أجيبوا إلى ذلك فإذا أجبتم لكم ما تشتهون، لكم أن تصبحوا سادة الأرض تخضع لكم الإدارة، ويذعن لكم المديرون تُعفون من كل تكليفٍ، وتفرضون على غيركم ما شئتم من تكليفٍ وإن أبت القوانين أن تمتازوا، وتستثنون وإن أبى الدستور أن تستثنوا، تصبحون في ظاهر الأمر كل شيء، وإن لم تكونوا في حقيقة الأمر شيئًا. كذلك قال الإبراشي باشا وصدقي باشا لهؤلاء الناس، وكذلك استمع هؤلاء الناس وآمنوا واستكانوا لهذين الرجلين، وكذلك بدأ التمثيل الذي اتصل أعوامًا. عبث كان خليقًا أن يضحك ولكنه انتهى إلى الألم اللاذع والحزن الممض، عبث كان خليقًا أن يُلهي ولكنه أحدث من الجرائم ما حرم اللهو على هذا الشعب، حتى تُردَّ له حقوقه الضائعة، وتُرعى له حرماته المنتهكة ويُرفع عنه هذا الذل الثقيل. لقد كان هؤلاء الناس وأدواتهم من رجال الإدارة وجنود الشرطة يبسطون على أبناء الشعب من ألوان الظلم والجور ما يخزي له كل إنسان يجري في عروقه دم، وكانت الشكوى محرمة على أبناء الشعب وكانت الاستغاثة محظورة على أبناء الشعب، وكانت النيابة ممنوعة من الاستماع لأبناء الشعب إذا شكوا والاستجابة لهم إذا استغاثوا، وكان القضاة معرضين لغضب السلطان ونقمته إن عاقبوا الظالم وأنصفوا المظلوم، ولقد حدثنا المحدثون الصادقون أن الرجل من أبناء الشعب الأبرياء كان يُؤخذ إلى دار الشرطة في بعض المدن فيُصب عليه العذاب صبًّا، وتعبث في جسمه السياط عبثًا، وتنفجر الدماء من عروقه فتخضب جسمه الممزق، وهو يصيح ويستغيث وأبناء الشعب يصيحون ويستغيثون والعذاب يُصب ويُصب، والسياط تعبث وتعبث، ورئيس الشرطة يرى ويسمع، ويجد فيما يرى ويسمع لذةً مجرمةً، ولقد رأى
رجل من اليونانيين منظرًا كهذا في مدينة القيسي باشا فانفطر قلب الأجنبي حزنًا على هذا المصري الذي كان يعذبه المصريون، وثار ضميره الأجنبي غضبًا لهذا المصري الذي كان يهينه المصريون، وذهب إلى النيابة يستعديها ويستنجدها فلم تستطع النيابة أن تسمع له لأنها كانت مأمورةً ألا تفعل. ومضى الرجل المسكين يحتمل العذاب ومضى أبناء الشعب المساكين يستغيثون، وعاد الرجل الأجنبي يدق يدًا بيدٍ وقد عجز عن أن يصنع لهؤلاء البائسين شيئًا. وفي أثناء هذا كان الطغاة في القاهرة ينعمون بالحياة ويستعذبون الطغيان ويفيضون على صورهم المتحركة وتماثيلهم الناطقة بفضل ما رزقهم الله، وكانت هذه الصور المتحركة والتماثيل الناطقة تُثنى وتغلو في الثناء، وتُحمد وتُغرق في الحمد، وتعلن أن العدل قائمٌ وأن الإنصاف ميسرٌ، وأن النظام مستقرٌ، وأن ظل الأمن مبسوطٌ. وكان ضمير صدقي باشا وخليفته، وكانت ضمائر القيسي باشا وأعوانه مطمئنةً راضيةً، لا تنغص على أصحابها يومًا ولا تؤرقهم إذا كان الليل فالآن نعم الآن وقد رُفِعَ هذا الشر عن الشعب، الآن وقد هزت جماعاتٌ من الشعب بحجر هؤلاء الناس، تدعو بحياة العدل وأصحابه وبسقوط الظلم ودعاته، الآن يخاف هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن يخيفوا الناس، الآن يستغيث هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن لا يُغيثوا أحدًا، وقد كانوا يجدون من الإثم أن يُغاث المستغيث ويُنصف المظلوم، الآن يجد هؤلاء الناس من الجرأة ما يبيح لهم أن يطالبوا رئيس الوزراء بحمايتهم وأن يحملوه تبعة المظاهرات فما لهم لم يحتملوا إذن تبعة الجرائم التي اقترفوها والآثام التي استعذبوها وما بالُ الذين يخوضون المظاهرات البريئة لم يخافوا من سفك دماء الشعب واستصفاء أمواله وانتهاك حرماته، وتضييع حقوقه، وإهدار منافعه.
ليحمِهم رئيس الوزراء وإن كانوا لا يتعرضون لخطرٍ. وليقم رئيس الوزراء حول دارهم حراسًا وإن كانت دارهم لا يُخاف عليها الاقتحام.
ليقم رئيس الوزراء جنودًا وشرطةً حول دار هؤلاء الناس حمايةً لهم من الوهم وحراسةً لهم من الخيال، ولينظر المصريون إلى هذه الشرطة وإلى هذا الجند فلعلهم يذكرون دارًا أخرى كان يقوم الجند والشرطة من حولها لا حمايةَ لها بل حمايةً منها، ولا خوفًا عليها بل بغيًا عليها.
نعم قد يذكر المصريون بيت الأمة الذي أقام صدقي وخلفاؤه من حوله جنودًا لم تُرسَل للحماية وإنما أرسلت للكيد، وقد رد الله الكيد إلى نحور صدقي وخلفائه فأصبحوا يستغيثون ويستجيرون ورئيس الوزراء خير من يستجيبهم إلى ما يطلبون من الغوث والجوار.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٨ فبراير ١٩٣٤.