مصادفة
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢١ أبريل ١٩٤٦
قوم يُنْكِرونها أشدَّ الإنكار يَرَوْن في ذلك انتصارًا للعلم وتأثُّرًا بروح العصر الحديث،
وقوم يَعْرِفونها أشدَّ المعرفة، يَرَوْن في ذلك انتصارًا للواقع ومقاومة للبدع واحتفاظًا
بالقديم الموروث. وأولئك وهؤلاء يسرفون فيما يظهر على أنفسهم إسرافًا عظيمًا.
فالمصادفة شيء واقع ما في ذلك شك، نلقاه في كل يوم ونُجرِّبه في كل لحظة من لحظات الحياة.
يخرج أحدنا من داره إلى قصد معلوم وليس في نيته أن يلقى فلانًا، بل لعل فلانًا هذا لم يخطر له
على بال، ولكنه يلقاه في بعض الطريق مصادفة، لم يفكر أحد الرجلين في صاحبه ولم يتعمد لقاءه،
ولكنهما التقيا عن غير إرادة، فكانت التحية وكان الحديث، ومن يدري لعل هذا الحديث أن يكون له
أبعد الأثر في حياة الرجلين أحدهما أو كليهما، فقد وقعت المصادفة إذن، لم ينكر وقوعها أحد؛
لأنها كما هي لا تناقض علمًا ولا تنافي روحًا حديثًا، كما أنها لا تؤيد إيمانًا ولا تلائم روحًا
قديمًا، وإنما هي شيء كهذه الأشياء التي نشهدها في كل لحظة، فلا ننكرها لأنها تنتج عن قوانين
طبيعية لا تتعرض لشك أو جدال، وكل ما في الأمر أننا لا نلاحظ هذه القوانين حين تؤدِّي عملها
وتنتج نتائجها، فإذا أصابنا شيء من الدهش أو العجب، فليس مصدر ذلك أن القوانين الطبيعية قد
خُولِفَتْ وأن شيئًا خارقًا لهذه القوانين قد كان، وإنما مصدر ذلك أننا نحن لم نلتفت لما يجري
حولنا ولم نلاحظه ملاحظة دقيقة فتعرَّضنا لما نتعرض له من الاستنكار والاستغراب.
كل هذا الكلام كان يقوله كامل حين قص عليَّ قصة وقعت لأسرته حين كان صبيًّا يختلف إلى مدرسته
الابتدائية في مدينة من مدن الأقاليم، ولم يكن عجبه ينقضي من هذه القصة على كثرة ما لقي من
المصادفات، وعلى كثرة ما بلا من التجارب. وأكبر الظن أنه إنما احتفظ بذكرى هذه القصة؛ لأنها
أذاقت الأسرة في عام واحد يومين كان أحدهما من أسعد أيامها، وكان أحدهما الآخر من أشقى هذه
الأيام، وكان سبب السعادة والشقاء في هذين اليومين شيئين يتصلان فيما بينهما اتصالًا
غريبًا.
وكان كامل يحب أن يبدأ قصته من آخرها لينتهي إلى أولها، يرى أن في ذلك شيئًا من العجب يثير
الموعظة ويدعو إلى التفكير والاعتبار.
فقد عاد ذات يوم من مدرسته فرحًا مغتبطًا يدير في نفسه خواطر كلها رضا وبهجة؛ لأنه كان يستقبل
إجازة عيد من الأعياد، وأكبر الظن أنه كان عيد الأضحى، وكان ينعم في ذات نفسه بهذه الحرية التي
أُتيحت له منذ عصر ذلك اليوم، فلن يبلغ الدار حتى يلقي الكتب والكراسات في ناحية من نواحي حجرته
ويُعْرِض عنها إعراضًا يتصل أيامًا، ويُقْبِل على ألوان من اللعب والنشاط في الدار والشارع
والحقل ستتصل أيامًا أيضًا لا يقطعها الاختلاف المنظم إلى المدرسة ولا تقطعها الحاجة إلى
المذاكرة والاستعداد لسؤال المعلمين.
وكان يستحضر في نفسه ألوان اللعب كما كان يستحضر في نفسه أيام العيد، وما سيُتاح له فيها من
الترف والهدايا، وكان يُقدِّر أنه إذا بلغ الدار فسيصيب شيئًا يسيرًا من طعام، ثم يمضي مع إخوته
فيما كانوا يحبون أن يمضوا فيه من لعبهم ذاك الطريف يقلدون الممثلين الذين زاروا المدينة منذ
أشهر يقودهم الشيخ سلامة حجازي رحمه الله، فمثلوا لهم صلاح الدين ومثلوا لهم روميو وجولييت،
ومثلوا لهم قصصًا أخرى حفظ الصبية منها أطرافًا؛ فَهُم يُعِيدون ذلك فيما بينهم كلما أُتِيحَتْ
لهم فرصة اللعب، وهم يزيدون فيما حفظوا وينقصون ويضيفون ويحذفون ويُغيِّرون ويبدلون، ولكنهم
يمثلون على كل حال ويرون أنهم يجيدون التمثيل.
ولكن كاملًا بلغ الدار في ذلك المساء فلم يُصِب طعامًا ولم يشارك في لعب، وإنما قضى ساعات
بغيضة ثقلت عليه حتى ألجأته إلى كتاب من كتبه التي كان يريد أن يهجرها، فأخذ ينظر في هذا الكتاب
كأنما يذاكر درسًا من الدروس، حتى إذا صُلِّيَتِ المغرب لم يُدْعَ إلى العشاء كأنما نسيت الأسرة
أن تتعشى، ثم صُلِّيَتِ العشاء الآخرة وأقبل أبوه متضاحكًا يُذَكِّر الأُسْرة بأن من عادتها أن
تتعشى وبأن الصِّبْيَة لا ينبغي أن يستقبلوا النوم وهم جياع.
وقد تعشت الأسرة في شيء من الفتور المتناقض؛ فقد كان زعيم الأسرة باسِمَ الثغر حاضر النكتة
سريعًا إلى الفكاهة، وكان الصبية لا يتمنون شيئًا أكثر من أن يشاركوه في هذا الرضا، ولكن ربة
البيت كانت عابسة مظلمة الوجه والنفس جميعًا لا تجيب إذا دُعِيَتْ، ولا ترُدُّ الحديث على زوجها
إلا بالإشارة والإيماء، وكان كامل يرى لأول مرة هذا الاختلاف بين أبويه، فقد كان عهده بهما غير
ذلك؛ كان يراهما يرضيان معًا ويسخطان معًا، يشتركان فيما يُصِيب الأُسْرَة من خير أو شر فيكون
السرور الذي يملأ الدار سعادة، ويكون الحزن الذي يملأ الدار شقاء، فأما هذا المساء فإنه يُظْهر
الصبي على شيء جديد؛ يُظْهِره على أن الأبوين قد يختلفان فيبتهج أحدهما ويبتئس الآخر، ويضحك
الأب حين تبكي الأم أو تبكي الأم حين يضحك الأب.
وقد أوى الصبية إلى حجرة نومهم آخر الأمر وأغلقوا من دونهم بابها واستقولوا على حصرهم والتفوا
في لحفهم، ثم أخذوا يتحدثون كما تعودوا أن يفعلوا حين ينتظرون أن يُقْبِل عليهم النوم، وفي هذا
الحديث عرف كامل مصدر هذا الخلاف بين الأبوين وإن لم يفهمه على وجهه إلا بعد أن مضت أعوام
طوال.
في ذلك اليوم، فَقَدَ أبوه كُلَّ ما كان يحمل من النقد في بعض الطريق، وكان هذا النقدُ كُلَّ
ما كانت الأسرة تملك، وكُلَّ ما كانت تريد أن تستقبل به العيد، وكُلَّ ما كانت تعتمد عليه لترضي
هذه الحاجات الكثيرة المختلفة التي تَجِدُها أُسْرَةٌ كبيرة ليست بذات ثراء، ولكنها مع ذلك تحرص
على أن يكون لها مظهر وجيه بعض الشيء حين تُقْبِل المواسم والأعياد.
وكانت الأسرة قد رأت أمرها ونظَّمَتْ حاجاتها وعَرَفت أنها ستشتري كذا وكذا من عند فلان،
وستشتري كذا وكذا من عند غيره من التجار، وستشتري كذا وكذا من السوق العامة التي ستُقام إذا كان
الغد. وكانت ربة الدار قد أخذت تستعد لتملأ دارها نشاطًا وحركة في هذه الأيام التي تَسْبِقُ
العيد، فتُشَغِّل بناتها جميعًا وتُشَغِّل معهن بعضَ هؤلاء النساء البائسات اللاتي يجدن النعمة
في مثل هذه الأيام حين يُعاوِنَّ في مثل هذه الدار على استقبال المواسم والأعياد.
وكان كامل وإخوته يُعلِّلون أنفسهم بكثير من العبث والمرح؛ لأنهم سيشاركون بعض المشاركة في
هذا النشاط الذي سيملأ الدار وسيأخذ كلٌّ منهم بحظه من هذه الأعمال التي لا يشتغل بها الفتيان
عادة وإنما هي مقصورة على النساء؛ فقد انهارت هذه الآمال وانتُقِضَتْ كل هذه الخطط حين فَقَد
زعيمُ الأسرة ما كان يَحْمِل من النقود، ولم يكن شيئًا قليلًا فقد تجاوز خمسة عشر جنيهًا ذهبًا،
كان أكثر من نصفها يمثل مرتبه، وكان سائرها يمثل قروضًا عُقِدَتْ هنا وهناك لاستقبال أيام
العيد.
ولكن هذا كله قد فارق جيب الرجل في بعض الطريق بين المحكمة حيث كان يعمل وبين داره، وهو لا
يدري كيف أضل هذا الذهب، أسقط من جيبه أم سُرِق منه وهو لم يتعوَّد أن يقبل ذهبًا ولا فضة ولا
أن يُضِيع من النقد قليلًا ولا كثيرًا؟!
ومهما يكن من شيء، فقد أضاع الذهب وعاد إلى أهله عابسًا خزيان فلم ينبئ امرأته بذلك إلا بعد
كثير من التردد، ولم تكد تسمع منه هذا النبأ حتى انهلت دموعها صامتة لا يُسمَع لها صوت ولا
تنفرج شفتاها عن لفظ ولا يضطرب جسمها للشهيق، وإنما هي دموع صامتة تنهلُّ غزارًا فتُصوِّر
تصويرًا رائعًا فاجعًا ما يكون من هذه الآمال التي تَخِيب والأماني التي تذهب بها الريح فجاءة،
وما يكون من انكسار النفس حين لا تنتظر النفس انكسارًا.
وقد كانت هذه المرأة ترى في لحظة قصيرة — ودموعها تنهل — دارَها ساكنةً صامتةً بعد أن
قدَّرَتْ أنها ستكون عظيمة النشاط كثيرة الصخب، وكانت ترى بنيها وبناتها واجمين محزونين ينكرون
ما يرون من هذا الهدوء، ولكنهم لا يجهرون من إنكارهم بشيء؛ لأنها أدَّبَتْهم فأحسنت تأديبهم
وعلَّمَتْهم على ألا يسألوا عما لا يَعْنِيهم … فيؤثرون أنفسهم بالحزن إذن.
وكانت ترى هؤلاء النساء البائسات يُقْبِلن على الدار يلتمسن العمل وشيئًا من خفض العيش فلا
يجدن عملًا ولا أملًا، وكانت تريد أن ترى أيام العيد، فلا تدري كيف تتصورها، أتتصورها شاحبة
حزينة أم تتصورها متماسكة تتكلف الفرح وتتصنع الرضا؟
كانت تجيل كل هذه الخواطر في نفسها المنكسرة ودموعها الصامتة تنهل غزارًا وزوجها ينظر إليها
خجلًا حزينًا، ولكن لسانه منطلق لا يعرف السكون فهو يحمد الله على ما أخذ كما يحمد الله على ما
أعطى، وهو يتلو آيات من القرآن ويُردِّد ألوانًا من الدعاء والابتهال، ثم نهضت امرأته متثاقلة
فتركته يحمد الله ويبتهل إليه وانحازت هي إلى حجرتها لا تحمد ولا تبتهل، ولكنها لا تنكر ولا
تثور، وإنما ترسل ما في عينيها من الدموع، حتى إذا استنفدت دموعها لبثت واجمة لا تقول شيئًا،
وقد أقبل بناتها فأطفن بها وعلمن علمها، فَهَمَّ حزنُهن أن يظهر ولكنهن رَدَدْنه في سرعة إلى
دخائل الضمائر وأعماق النفوس، وأخذن يسلين أمهن ويشجعنها على احتمال هذا المكروه.
وكذلك انقضى آخر النهار على هذه الدار بين أم حزينة لا تجد من حزنها مخرجًا ولا تُحْسِن له
احتمالًا، وأب راضٍ يستعين على هذا الخَطْب الذي أصابه بحمد الله والابتهال إليه، وأبناء وبنات
يواسون الأم ويعجبون من أمر الأب ويُظْهرون على قسمات الوجوه وأطراف الألسنة غير ما يضمرون في
ذات النفوس وسرائر القلوب.
وقد فهم كامل حزن أمه وبؤس الأسرة، ولكنه لم يفهم رضا أبيه ولم يفهم بنوع خاص هذا الابتهاج
الذي كانت تمتلئ به نفس الرجل شيئًا فشيئًا كلما مضى الوقت، حتى رُئِي في أول الليل سعيدًا أو
كالسعيد!
فلما أصبح سَمِعَه يُؤدِّي صلاة الصبح، ويرتل القرآن في صلاته كأحسن ما تعوَّد أن يرتل
القرآن، ويثني على الله بعد صلاته كأحسن ما سمعه يثني على الله، ثم يداعب ابنته حين قدَّمَتْ
إليه القهوة ويضحك منها ومن أمها الحزينة كأنْ قد ماتَ لها أكرمُ الناس عليها وآثرهم عندها، مع
أن الأمر لا يعدو أن يكون حادثًا يسيرًا من هذه الحوادث التي تلم في كل يوم! وهو بعد هذا كله
دَيْن كان عليه، ولم يكن يعرف كيف يؤديه؛ فقد امتحنه الله حين مكنه من أداء هذا
الدَّيْن.
ثم سكت الشيخ لحظة كأنما كان يستعرض شيئًا في نفسه، ثم قال: «لقد نَسِيَتْ أُمُّك في سرعة ما
أصابنا من الخير منذ شهور حين كنا في أشد الضيق، فقد أقرضنا الله قرضًا في ذلك اليوم، ثم
استردَّ هذا القرض أمس.»
وعاد الشيخ إلى صمته، ثم تلا قول الله عز وجل: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ
شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )، ثم خرج الشيخ غاديًا على
عمله وعاد مع الظهر مبتهجًا كعهده، وقد سبقته إلى الدار أكثر الأشياء التي كانت الأسرة تريد أن
تشتريها للعيد، فلما لقي امرأته وهمَّتْ أن تسأله ألقى في يدها دنانير، وهو يُقَبِّلها، ثم يتلو
قول الله عز وجل: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ
خَيْرُ الرَّازِقِينَ )، قالت امرأته: ممن اقترضت هذا المال؟ قال: ستعرفين ذلك بعد
العيد، ولكن العيال ينبغي أن يستقبلوا عيدهم فرحين، وألا يَشْقَوا لأن أباهم أضاع ما كان يحمل
من نقود.
ولم يفهم كامل قصة الدَّيْن هذه، ولم يَدْرِ كيف أقرض اللهُ أباه ذهبًا منذ أشهر ثم استردَّه
منه أمس حين أضاع ذَهَبَه في أشد أوقات الحاجة إليه، فانتظر بأمه حتى صُلِّيت العصر، ثم أقبل
عليها يسألها عن هذا القرض كيف كان وكيف أُدِّيَ على هذا النحو الغريب؟! فلما قصَّتْ عليه أمه
قصة ذلك القرض ذَكَرَ أشياءَ وتأثَّر بأشياء، ثم لم يَنْسَ ما ذكر، ولم تَنْمَحِ من نفسه تلك
الآثار على تقدُّم سنِّه وكثرة ما بلا من التجارب.
حدثته أمه أن الأسرة مرَّتْ بيوم عصيب من أشد أيامها حرجًا، وما كان أكثر ما تمر الأسرة بيوم
عصيب بين حين وحين، ولا سيما حين يعود الشباب من أبنائها إلى القاهرة في أول العام
الدراسي!
في ذلك اليوم، عاد الشباب إلى القاهرة وقد استنزفوا كل ما كان في الدار من خير وكل ما كان عند
أبيهم من ذهب، وأمست الأسرة وهي لا تدري كيف تعيش إذا كان الغد ولا كيف تؤدي بعض ما عليها من
دَيْن، فلم يكن بُدٌّ من دفع أجور التعليم وإعطاء هؤلاء الشباب ما ينفقون وتدبير ما يحتاجون
إليه من كسوة وزاد، وقد نهضت الأسرة بهذا كله في عزم يوشك أن يكون بطولة، ولكنها أمست ذلك اليوم
مجهودة قد فقدت قوتها وقدرتها على الاحتمال، وأصبحت من الغد مقسمة بين حزن الفراق وبين هذا
البؤس المقيم.
وغدا الشيخ على عمله ولكنه عاد محبورًا. صادف في بعض الطريق منديلًا أحمر يعبث النسيم ببعض
أطرافه فأهوى إليه، فإذا طرف من أطرافه قد عُقِد على شيء يشبه أن يكون نقدًا، فينظر الرجل أمامه
ووراءه فلا يرى أحدًا، وينظر الرجل عن يمينه فيرى القناة تجري هادئة مطمئنة ولا يرى أحدًا،
وينظر عن شماله فيرى الخط الحديدي يمتد من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب إلى الشمال، وقد
استقر مكانه نائمًا أو كالنائم ولا يرى أحدًا! وإذا هو يحل العقدة فيجد بضعة عشر جنيهًا ذهبًا،
وإذا هو يشك غير طويل، وإذا الذهب قد اندس في جيبه، وإذا المنديل قد عُقِد على حَجَر ثقيل
واستقر في قاع القناة، وإذا هو يعود إلى الدار فرحًا مسرورًا، يرى أن الله قد أتاح له فرجًا من
حرج ومخرجًا من ضيق، ويُردِّد قول الله عز وجل: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا )، والأسرة سعيدة ناعمة رضية البال مطمئنة النفس بأن الله يرزق من يشاء بغير
حساب.
ولكن الشيخ يعود إلى امرأته حين تقدَّمَ الليل محزونًا كاسف البال مُحطَّم الصوت لا يكاد
يتحدث حتى تسبق الدموع ألفاظه؛ فقد علم أثناء السمر مع أصدقائه أن فلانًا من أهل القرية
المجاورة قد باع بقرته في السوق، ثم أضل ثمنها في بعض الطريق فأسرته شقية بائسة. عرف الشيخ أن
هذا الرزق الذي سِيقَ إليه قد أُخِذ من ذلك الرجل البائس الذي فقد بقرته وفَقَد ذهبه، ولو
استطاع الشيخ لرَدَّ المال إلى صاحبه، ولكنه كان قد أنفق أكثره في أداء بعض ما كان قد احتمل من
دين، وهو يقول لامرأته في صوت محطم يبله الدمع: سأشقى بهذا الذهب الذي أخذته بغير حق إلى آخر
الدهر.
قال كامل: فعلمتُ حين قصَّتْ عليَّ أمي هذه القصة أن مصادفة قد مَحَتْ من قلب أبي الساذج أثر
مصادفة أخرى، وأن حادثة قد انتقمت من حادثة، وأن هذا الرجل الطيب الذي كان ضميره يشقى بما أنفق
من مال حرام قد رَضِيَتْ نفسه عما أضاع أمس واطمأنت إلى أن الله قد طهَّرَه في الدنيا من هذا
الإثم؛ فلن يسأله عنه في يوم الحساب.
قال كامل: ومنذ ذلك اليوم أخذْتُ نفسي بألا أنظر إلى شيء مما يلقاه الناس أمامهم على الأرض،
أخاف أن يعرض مثل ما عرض لأبي من المصادفة!
Tag: Loss
-
مصادفة
-
عدلي
عدلي…
يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير. ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم إلى استبقائها ومد أسبابها. فهم كانوا إذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذي أصابهم، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة. ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا إلى الألم متنوعة، ووسائل إلى الحزن متباينة، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت، حتى إذا عملت الأيام عملها، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد، لتقاوم الظروف، وتمانع النسيان وتستبقي شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي أنفسها فيه.
كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت. وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها. فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين. وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما. كثرت عليهم الأحداث والخطوب، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن. وعجزت أعصابهم عن المقاومة، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها الحوادث، وتتقاذفها الكوارث، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة، حتى تشب وتقفز مسرعة، خفيفة، عنيفة، تبتغي حادثة أخرى وكارثة أخرى، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى.
وهذا وحده هو الذي يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذي ألم بهم حين نعت إليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله، فقد وقعت هذه الأنباء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام. أفاقوا وجزعوا، واشتد عليهم الجزع، حتى كاد يشبه اليأس، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه، وإنما صرفوا عنه صرفا، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها. وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار إذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه، ولا يستقبلون الليل إذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده، يصبحون وهم يجهلون إلى أين يدفعهم النهار المضيء، ويمسون وهم يجهلون إلى أين يذهب بهم الليل المظلم.
كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل إلى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع إلى الحرج، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه، لم يعبر جثمانه البحر بعد إلى وطنه ليوارى في ترابه، ويدفن في ثراه المقدس.
هم معذورون. وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه. ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال. والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له. أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان. وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل. ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم. كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة: سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم، ولا يدنو منها شيء إلا التهب. والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة إلى أبعد الأماكن منها فتذكي فيها نارا، وتثير في جوها أوارا، وتخرج أهلها عن أطوارهم، وتدفعهم إلى حب الحياة بعد الموت، والعزة بعد الذل، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان.
وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة.
وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور.
وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم، الذي لا يقوم إلا على بصيرة، ولا يقبل إلا على ثقة، وبعد تفكير طويل، وروية متصلة. ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء. قلما تظفر بمثلها عند الزعماء. ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذي نعرفها به، ولا طبعت بهذا الطابع الذي يميزها من غيرها من الثورات.
كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية. وقد اختلفوا واختصموا، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا. ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضي بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا. ورضي الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم في إثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام. ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه.
وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه. فإذا أتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه.
والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك من أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، أكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة. الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمّت بها فجرت عليها شرا كثيرا.
ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا.
الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتي من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات: فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره. ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الإباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة، أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دُعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف. وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهينا ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير، وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟
طه حسين
الرسالة – 1/11/1933