Tag: Modernism

  • أصداء النيل

    أصداء النيل
    للشاعر السوداني الأديب عبد الله الطيب
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ١٣ مارس ١٩٥٧

    أما اليوم سأحدثك عن شعر جديد كل الجدة، قديم مع ذلك ممضٍ في القِدم، هو جديد؛ لأن صاحبه معاصر يعيش في ريعان الشباب، ما أحسبه جاوز الثلاثين إلا قليلًا، وموضوعاته كلها معاصرة، نتحدث عنها حين يلقى بعضنا بعضًا، يكتب فيها كُتابنا، وينظم فيها شعراؤنا تضطرب بها خواطرنا، فهو يذكر مصر المعاصرة التي نعيش فيها، ويذكر السودان المعاصر الذي يعيش فيه، وهو يذكر بلاد الإنجليز التي أقام فيها أعوامًا فعرف مدنها وقُراها ومطرها وضبابها، وبلًا من خصال أهلها فنونًا وألوانًا، وهو يبكي هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة رغم إقامته في بلاد الإنجليز، واتصال الأسباب بينه وبينهم، وهو يصف أشياء كثيرة يألفها الناس جميعًا في هذه الأيام، فليس في موضوعات شعره شيء تنبو عنه طباعنا، أو تنفر منه أذواقنا، ولكنه على هذا كله ممضٍ في القدم؛ لأنه يصطنع لغة وأساليب لا يذوقها إلا الأقلون الذين يذوقون الشعر العربي القديم، والقديم جدًّا.

    هذا الذي نقرأه للجاهليين والإسلاميين من شعراء القرنين الأول والثاني، ولا بدَّ من أنْ أتحفظ حين أذكر شعراء القرن الثاني، فشاعرنا لا يصطنع لغة أبي نواس ومسلم ومن إليهما وأساليبهم، وإنما هو يصطنع لغة الذين يؤثرون جزالة اللفظ والأسلوب منهم، كبشار ومروان ابن أبي حفصة، وعسى أنْ يؤثر لغة الغريب أكثر من هذين الشاعرين، ومن يذهب مذهبهما وهو لا يتعمد ذلك، وإنما يدفعه إليه طبعه وذوقه وبيئته جميعًا، هو لا يحس العجز عن سلوك الطريق التي يسلكها أهل هذا العصر في البلاد العربية، أو في المهاجر الأمريكي، وإنما يحس القدرة كل القدرة على ذلك، وقد جرَّبه وأطال تجربته، ولكنه صد عنه صدودًا؛ لأنه كرهه وضاق به ورأى أنه لا يلائم طبعه ولا ذوقه ولا مذهبه في الجمال.

    بدوي النشأة
    ذلك أنه بدوي النشأة بدوي الثقافة في الطور الأول من حياته، درس اللغة العربية فأتقن درسها، وتعمَّق الشعر العربي القديم، كما لم يتعمقه أحد من المعاصرين، وقرأ الشعر العربي في العصور المختلفة، ودرسه درس المتقن له، ولكن شعرنا القديم وحده هو الذي استأثر بمكان الرضى من قلبه وعقله وذوقه جميعًا، وقد خلق شاعرًا دقيق الحس، ثائر العاطفة، حاد الشعور، مرهف المزاج، قوي الخيال، ولكنه حين أراد أنْ يعرب عن ذات نفسه إعرابًا يلائم طبعه وهواه سلك إلى ذلك طرقًا مختلفة، فلم يعجبه من هذه الطرق إلا نهج القدماء من شعرائنا، فآثرها وأمعن فيها كأنه خُلق لها، وكأنها خلقت له. والعجيب من أمره أنه وُفق من ذلك إلى أروع ما يتاح لشاعر أنْ يبلغه من الإجادة والإتقان، وأعجب من هذا أنه طوع الحضارة الحديثة للغته القديمة، أو طوع لغته القديمة لهذه الحضارة الحديثة، فلاءم بينها ملاءمة لا تحس فيها نبوًا ولا اعوجاجًا.

    وأنت تقرءه حين يصف مظاهر الحياة في بلاد الإنجليز، فلا تجد في وصفه تكلفًا ولا تعملًا، وإنما تراه يمضي مع طبعه الخصب في يسر وإسماح، لا يشق عليه وصف، ولا يعييه تصوير، وإنما يشق عليك أنت في كثير من الأحيان أنْ تسايره أو تتبعه؛ لأنك تشعر بالحاجة إلى أنْ تقف لتفهم عن هذا اللفظ أو ذاك في معجم من معجمات اللغة، أو لترد هذا الأسلوب، أو ذاك إلى ما ألفت من صور التعبير، فأنت لا تقدم على قراءته إلا إذا كنت من أولي العزم أولًا، ومن أصحاب العلم الدقيق العميق الواسع باللغة العربية وأسرارها وغريبها، وأساليبها حين يلتوي بها الشعراء عن منهجها الواضح المألوف.

    وليس في هذا كله شيء من الغرابة، فقد قلت: إنه بدوي والثقافة في الطور الأول من حياته، وأضيف إلى ذلك أني لا أعرف معاصرًا عربيًّا تعمق مثله درس الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه، وهو قد درس هذا كله أوفى دراسة وأشملها في كتاب ضخم يقع في جزءين عظيمين، وهو كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها».

    الجزء الأول
    وقد وصفت الجزء الأول من هذا الكتاب منذ قريب من عامين، فأي عجب في أنْ يكون صاحب هذا الكتاب مؤثرًا بطبعه لمذهب القدماء في شعرهم، وهو قد فُتن بالشعر العربي القديم فتنة لا حدَّ لها ولا غاية، فهو ينبئنا بأنه قرأ الشعر الإنجليزي على اختلاف ألوانه وعصوره، فلم يجده قادرًا على أنْ يثبت للشعر العربي، ولم يستثنِ من ذلك شعر شكسبير على غرابة الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي وشعر شكسبير خاصة؛ لأن الأمر مختلف بين الشعرين؛ ولأن أسباب الموازنة بينهما لا تتصل ولا تستقيم، فلم يخطر لشاعر عربي قديم أنَّ من الممكن أنْ يذهب شاعر بشعره مذهب شكسبير، أو ملتون، أو بيرون أو غيرهم من شعراء الإنجليز والأوروبيين عامة.

    كل شيء بين الشعرين مختلف والموازنة بينهما عبث من العبث، ولكن من الافتتان بالشعر العربي قد ملك على شاعرنا أمره، ودفعه إلى هذا الغلو الذي لا ينتهي إلى شيء، وقد آن لنا أنْ نصل إلى شعر صاحبنا، وأنْ نقف عنده وقفات قصارًا تعطيك منه صورًا، ألا تكن دقيقة كل الدقة، فهي مقاربة أشد المقاربة، واعترف بأني أجد في هذا شيئًا من الجهد، مع أني أحب هذا الشعر واستعذبه وأرضى عنه، ولكن كما أذوق شعر جرير واستعذبه وأرضى عنه، ولو كنت شاعرًا لما سلكت طريق شاعرنا الأديب؛ لأني أوثر أنْ أصل إلى قلوب الذين يقرءونني وأذواقهم.

    هذا الجهد
    وإذا تكلفت أنا هذا الجهد لأقرب إليك هذا الشعر، فلا أقل من أنْ تتكلف أنت هذا الجهد لتقرأ وتفهم وتذوق، وتعلم آخر الأمر أنَّ الشعر العربي القديم ما زال حيًّا في بعض المواطن العربية، كان حيًّا في أوائل هذا القرن حين كان الكاظمي — رحمه الله — ينظم قصائده الغر، وهو حي في هذه الأيام حين نقرأ هذا الديوان ودواوين أخرى لم ينشرها شاعرنا المجيد بعد. وكنا نقول: إنَّ شعراءنا الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وفي الثلث الأول من هذا القرن من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس في تقليد العباسيين، فكيف بمن يذهب مذهب الجاهليين والإسلاميين غير مقلد ولا متكلف.

    واقرأ معي هذه الأبيات:

    طربت لذكر النيل إذ شط منزليبلندن حولي كل أعجم رطانوهيجني صوت البلابل صدحًاوأسراب طير ذي وصيع وأرنانألم ترني أصبحت في الناس مغردًاوخان وما خنت المودة خلانيوجربت من دهري صروفًا وزارنيزرافات أحداث له بعد أحدانفراق أحباء وثكل عشيرةوإخفاق آمال وهجرت أوطانفما أوهنت مر الليالي جلادتيولا عاصفات الدهر فللن صواني
    القافية التامة
    وأول ما يلاحظه أيسر القُرَّاء علمًا بالشعر العربي القديم، هو هذه القافية التامة المطمئنة لهذه الأبيات، وكل من له إلمام بالأدب العربي يذكر حين يقرأها أو حين يقرأ البيت الأول منها شعرًا قديمًا، يُنسب إلى امرئ القيس جاء على هذا الوزن وعلى هذه القافية وأوله:

    قفا نبك من ذكري حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
    وما أشك في أنَّ شاعرنا قد نظر إلى هذا الشعر القديم حين نظم هذه الأبيات أو هذه القصيدة التي اختار لنا منها هذه الأبيات، فبينه وبين شعره نوع من العهد يملكه الفن، فلا يستطيع إلا أنْ يستجيب له ويكتب ما يملي عليه، فإذا انجلى عنه شيطان الشعر نظر هو في هذا الشعر، فأثبت منه ما يختار، ومحا منه ما لا يختار.

    وهو لا يكاد ينظم قصيدة جادة إلا نظر على نحو من الأنحناء إلى نموذج قديم.

    شطره الأخير
    وانظر بعد ذلك إلى البيت الثاني، فسترى فيه ميلًا ظاهرًا إلى الغريب فصوت البلابل الصادحة يثيره ويهيج عواطفه وحنينه إلى وطنه، ولكن البلابل وحدها لا تكفيه، فهناك أسراب أخرى للطير بعضها ضعيف الصوت وهي ذات الوصيع، والوصيع صوت صغار الطير، كما يقول هو في شرح الديوان، وبعضها الآخر له أرنان وهو الصوت الرفيع. فانظر إلى هاتين الكلمتين الوصيع والأرنان يرى الشاعر أنهما لفظان فصيحان لا غبار عليهما، وهما من ألفاظ الشعر القديم فيقبل عليهما مبتهجًا بهما، ولا عليه أنْ يسيغهما القارئ المعاصر أو لا يسيغهما، فهو كغيره من ذوي الأصالة في الشعر يفكر في فنه ويستجيب له قبل أنْ يفكر في قارئه وفيما يسيغ أو لا يسيغ.

    وانظر إلى البيت الثالث فسترى في شطره الأخير أسلوبًا ألفه الشعراء القدماء، وعني به النحويون عناية شديدة، ولكن المحدثين لا يألفونه ولا يكرهون الإعراب عنه حين ينشئون الشعر والنثر، وذلك قوله: وخان وما خنت المودة خلاني.

    يريد أنْ يقول: وخان خلاني المودة وما خنتها أنا. فآثر الإيجاز في هذا الأسلوب الجميل كما فعل امرؤ القيس حين قال:

    ولو إنما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلًا من المال
    أراد أنْ يقول: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيره.

    وهذه الزرافات والأحدان، في البيت الرابع نعرفهما في الشعر القديم، ولا يكاد الشعراء المعاصرون يلمون بهما. والشاعر بالطبع يريد أنْ يقول: إنَّ الأحداث ألمت به مفردة ومجتمعة.

    مر الليالي
    وفي البيت الأخير أنت مر الليالي؛ لأن القدماء يفعلون ذلك في شعرهم واضطر إلى أنْ ينبهنا إلى ذلك، واتخذ الصوان قافية له إيثار الجزالة اللفظ ورصانته، وأي شيء أمتن وأرصن من الصوان، ولكن انظر إلى ما كلفته هذه القافية من تشبيه نفسه بالصخور الصلبة التي لا توهنها أحداث الزمان، فهذا الشعر جزل رصين فيه إيثار للغريب من اللفظة والغريب من الأساليب، وهو مع ذلك يؤدي به معانٍ قريبة كل القُرب يسيرة كل اليسر، وأي شيء أقرب وأيسر من أنْ يذكر الغريب من أبناء النيل في لندره نهره العزيز؛ فيطرب لهذه الذكرى ويحن للنيل، ويهيج عواطفه غناء البلابل وأصواب صغار الطير وكبارها، ثم يدعوه هذا الحنين في غربته إلى أنْ يشكو انفراده ووحدته؛ لا لأنه غريب فحسب؛ بل لأن إخوانه قد خانوا عهده ونسوا مودته، وهو لهم ذاكر ولعهدهم وفي، على أنه لا يشكو الغربة وتضييع إخوانه للعهد والود فحسب، وإنما يشكو معهما هذه الأحداث التي ألمت به جماعات وأفرادًا، وهو يستقبلها ثابتًا لها جَلدًا صبورًا عليها.

    كل هذه المعاني قريبة يسيرة — كما ترى — وهي جديرة أنْ تؤدى في ألفاظ وأساليب قريبة يسيرة مثلها تبلغ القلوب في غير مشقة ولا جهد. ولكن ماذا تصنع وصاحبنا قد خلق للحَزْن لا للسهل، وهو بالطبع يرى هذه الألفاظ والأساليب قريبة كل القرب، يسيرة كل اليسر، ويستطيع أنْ يقول لنا: إنكم تنكرون هذه الألفاظ وهذه الأساليب؛ لأنكم لم تألفوها في شعركم، ولا في نثركم، ولا فيما تعودتم قراءته من الكتب والدواوين، وما عسى أنْ تقولوا لو أني آثرت ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليبهما، فلم أتح لكم أنْ تقرءوا شعري إلا مع مراجعة المعجمات وكتب النحو والغريب؛ لتفهموا كل بيت من أبياته.

    والحمد لله على أنه لم يفعل، ولو قد فعل لكان إنما ينشئ الشعر لنفسه ولأمثاله الذين يحصون.

    وشاعرنا شديد الحب للنيل، لا تكاد تخلو من ذكره قصيدة أو مقطوعة من شعره، وهو يؤثر النيل على كل شيء، ويؤثر الحياة في وادي النيل على كل ألوان الحياة مهما تكن الظروف. وهو مع ذلك شاعر يشتاق إلى النيل، فيطرب لذكره ويحن إليه ما أقام في بلاد الإنجليز، فإذا عاد إلى النيل شاقته لندره، وما عرف فيها من علم وجمال وسحر، وأي غرابة في ذلك.

    الشعراء يرضون
    فالشعراء يرضون، فيقولون خير ما يعلمون، ويسخطون فيقولون شر ما يعلمون، وقديمًا قال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا.»

    وانظر إلى أبيات أخرى من هذا الديوان يصف فيها الشاعر حنينه إلى النيل، ويصور فيه الطبيعة تصويرًا جميلًا رائعًا مؤثرًا في النفوس حقًّا، ويحذو فيها حذو امرئ القيس أيضًا في الوزن والقافية، ولكنه لا يصطنع اللفظ الغريب إلا قليلًا.

    بلندن ما لي من أنيس ولا مالوبالنيل أمسى عاذري وعذاليذكرت التقاء الأزرقين كما دناأخو غزل من خدر عذراء مكسالينازعها كيما تجود وينثنيوقد كاد محبورًا مؤانس آمالإذا الأبيض الزخار هاج عبابهله زجل من بين جال إلى جالترافقه من فوقه قزع الطخافتحسبهن الطير تهفو لأوشالويا حبذا تلك السواقي وقد غدتبألحان عبري ثرة العين مشكالونخل إذا ما البدر أشرق خلفهأطل على الرائين كالغيق الحاليوشوك سيال يلمع النور فوقهطرائق مثل الذر يلمع في الآلألا ليت شعري هل أبيتن ليلةيكثبان داري والأحبة أحواليوهل أسمعن الدهر تغريد طائروبالفجر ترجيع المؤذن والتالي
    أترى إلى وصفه لالتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، وقد شبهه هذا التشبيه البدوي، الذي بَعُدَ به العهد وحجبته عنا القرون، لولا أنا نقرأه في الشعر القديم، فأحد النهرين عذراء مكسال والآخر يسعى إلى خدرها، كأنه امرؤ القيس في لاميته المشهورة:

    ألا عم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعما من كان في الصر الخالي
    وفيها يقول:

    اصطحاب النيلسموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالًا على حال
    أو كأنه عمر بن أبي ربيعة في رائيته التي أولها:

    أمن آل نعم أنت غادر فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
    وانظر إليه كيف وصف اصطخاب النيل الأبيض بأمواجه الزاخرة وقطع السحاب الرقيق من فوقه، كأنها الطير تهفو إلى الماء لتحسو منه، وكيف وصف السواقي وهي تبكي على الشاطئ بكاء الحزينة ذات الدموع الغذار، وانظر إلى النخل وقد أطل البدر من خلفه، فخيل إلى رائيه أنه عنق قد أطاف به الحلي.

    وانظر إلى هذه الصورة الشعرية الرائعة، وهي صورة شجر السيال يلمع النور فوق شوكه طرائق دقاقًا، كأنه أنذر يلمع في السراب.

    ثم اسمع إلى الشاعر كيف يتمنى ويسأل نفسه: هل يتاح له أنْ يبيت ليلة على تلك الكثبان التي تقوم عليها داره، حيث ينظر منها إلى هذه الطبيعة الحلوة التي خالطت قلبه، وهل يتاح له أنْ يسمع ولو مرة تغريد الطائر أول الليل وآخر الصبح، وصوت المؤذن، وصوت من يتلو القرآن من آخر الليل، وعند أسفار الصبح.

    وليس عليك بأس من كلمة الطخا، فهو قد فسرها لك في الديوان بأنها السحاب الخفيف. والشاعر يحس إحساسًا قويًّا أنه غريب في شعره أيضًا؛ لأنه يؤثر جزالة اللفظ ورصانة الأسلوب، والمعاصرون لا يحبون هذه الجزالة، وإنما يكلفون بهذا الكلام الهين اليسير المهجن، الذي لا تزينه الفصاحة الخالصة.

    فاسمع له كيف يقول:

    مالك والجزالة في زمانيحب به من القول الهجينتبين به وليس له سميعوينظمه سواك فلا يبينفإن ذوي الجزالة قد طواهملدى غبرائه الزمن الخئون
    ولو قبل الشاعر منا لرددنا عليه بعض حزنه؛ لأنه يستطيع أنْ يكون جزلًا رصين القول، رائع اللفظ والأسلوب، دون أنْ يورط نفسه ويورطنا معه في الطخا، وفي السبنتاة، وفي الوصيع وأمثالها من هذه الألفاظ الغلاظ التي تسجل في المعجمات لنستعين بها على فهم النصوص القديمة، ولكن جريان الألسنة بها حتى في أجمل الشعر وأروعه قد انقضى عصره منذ عهد بعيد.

    ولغات الناس صورة لحياتهم، فإذا اتخذوها وسيلة إلى الفن تخيروا منها أصفاها وأنقاها وأحسنها، مسًّا للسمع وموقعًا من القلب، وملاءمة للذوق.

    وليس يكفي أنْ يقرأ الإنجليزي شعر شكسبير؛ ليتخذ ألفاظه وأساليبه نماذج يحتذيها، ولا أنْ يقرأ الفرنسي المعاصر شعر راسين؛ لينظم الشعر على مثاله، ولا أنْ يقرأ الإيطالي شعر دانتي؛ ليصطنع ألفاظه وأساليبه التي كانت تجمل وتروق في القرن الرابع عشر، وما زالت إلى الآن تجمل وتروق حين يقرؤها الممتازون من العلماء والأدباء، ولكنها لا تُقبل من كاتب أو شاعر معاصر.

    واللغة العربية كغيرها من اللغات تحيا مع الناس الذين يتكلمونها، وتخضع لما يخضعون له من طور الحياة وخطوبها، تغلظ حين تغلظ الطباع، وتلين وتعذب حين تعذب الطباع وتلين.

    وليحدثني الشاعر المجيد كيف السبيل إلى أنْ يفهم القارئ المعاصر ذو الثقافة المعتدلة من الأدب العربي مثل هذا البيت، دون أنْ يرجع إلى المعجمات، ويفهم ما تروى من الأمثال والشواهد من شعر جرير والذين عاصروه، وأين نحن من جرير ومعاصريه؟

    فظلت أروض النفس بعد نفارهاوأكرهها حتى استمر مريرها
    أي الناس يستطيع أنْ يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة، وتعمقوا شعر القدماء من شعرائها، ولا سيما حتى استمر مريرها هذه، وما على الشاعر لو قد آثر اليسر، فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها.

    والبيت الذي يلي هذا البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى المعجمات:

    على حين قاربت الثلاثين وانتمتإلى المرء أحداث كثير شقورها
    لفهم كلمة الشقور هذه. والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور، فما ضره لو اصطنع كلمة الأمور نفسها، فأقام وزنه وقافيته، ولم يغير من جمال الشعر شيئًا.

    سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ لهافتك بنفسجي بين أوصالي
    وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه، كيف يستطيع المعاصرون أنْ يفهموها دون الرجوع إلى معجم من المعجمات؟! وكيف السبيل إلى أنْ يذوقوها بعد أنْ يفهموها؟!

    وأشهد لقد صادفت هذه الكلمة في شعر قديم رثى به عمر بن الخطاب — رحمه الله — فضقت بها أشد الضيق؛ لأني قرأت هذا الشعر في إيطاليا، ولم يكن لسان العرب قريبًا مني، وإنما كان بيني وبينه البحر، أو بيني وبينه السفر إلى روما في البيت المشهور.

    وما كنت أخشى أنْ تكون وفاته بكفي سبنتاه طائش الكف أخرق، والشاعر الذي يرثي عمر يذكر الغلام الفاسي الذي طعنه.

    أما شاعرنا فيصطنع السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء، قد أسكرها الشباب، وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة أخرى تؤدي معناه، ولا تشق على الأساتذة والطلاب وأوساط الناس جميعًا.

    وعلى رغم هذا كله فشاعرنا فذ ما في ذلك شك، ليس في ديوانه على طوله بيت واحد يمكن أنْ يطرح أو يهمل، وهو يعرف أحيانًا كيف يعذب ويلين حين يعبث، وحين يداعب الطبيعة، أو يتحدث إلى الأطفال، فهو قد مارس التعليم، وهو الآن أستاذ، ولكنه مع الأسف حين يعبث لا يلبث أنْ يسأم السهولة ويضيق بها، ويقول في آخر مقطوعة من مقطوعاته: هذا كلام فارغ ونؤثر اطراحه.

    وليست المقطوعة كلامًا فارغًا، وإنما أفرغها عنده أنها لا تشتمل على الطخا، ولا على السبنتاة، ولا على ما يشبههما من هذه الألفاظ التي هي إلى نوادر أبي زيد الأنصاري أقرب منها إلى أي شيء آخر.

    وللشاعر غناء رائع كنت أحب أنْ أقف عنده، وأنْ أطيل الوقوف، ولكن إنْ فعلت لم أفرغ، ولم يفرغ القارئ، ولم يجد هذا الحديث مكانه في الجمهورية.

    ومن حق كل مثقف في الأدب العربي أنْ يقرأ هذا الديوان، فسيجد فيه متعة لا شك فيها وروعة، قلما نظفر بها في شعر معاصر، ولكنه محتاج دائمًا إلى أنْ يكون المعجم قريبًا منه.

    ولي بعد هذا كله عتب على الشاعر المجيد، وعتب لا يخلو من مرارة، ومن بعض ما يجد الصديق من خيبة الأمل. فما هذا التعريض بمصر في بعض شعره، أو ما خوفه أنْ تستأثر مصر بالنيل من دون السودان، ومتى خطر لذي عقل أنَّ مصر يمكن أنْ تستأثر بخير دون جيرانها من قرب منها ومن بعد عنها.

    والتاريخ لم يعرف مصر منذ أقدم عصورها إلا مؤثرة على نفسها، لا تكره أنْ توسع على غيرها وإنْ ضاق بها العيش، وما أعرف أنَّ مصر استأثرت بشيء دون جيرانها في يوم من الأيام، والشاعر نفسه — فيما أعلم — مدين لمصر بالكثير فبعلمها عرف العربية، وتثقف فيها وبلغ من الفقه بها ما بلغ.

    والشعر الذي يغمز فيه مصر هو قوله:

    وإني لأخشى أنْ أرى النيل في غدشريعة مصر علها وانتهالهانحن إلى وادٍ خصيب ومنزلسباسب تقلي الناجيات اعتمالهانحن إلى ود خصيب ومنزاونخل على شاطئيه أرخت ظلالهاونبدل خطا بعد جنتنا التيجنينا جناها وارتوينا ذلالها
    عفا الله عنك — أيها الشاعر الصديق — ما أكثر ما ذكرت خيانة الود ونقض العهد والإخلال بحق الإخاء، وها أنت ذا تورط نفسك في بعض ما أنكرت على من خان عهدك من الإخوان والخلان، فاردد على نفسك بعض حلمك، ولا نطع الهوى فيضلك عن سبيل الله، واذكر قول الشاعر القديم:

    إذا أنت طاوعت للهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك سبيل
    وأنا على رغم هذا كله أهنئك بشعرك الرائع، وأتمنى أنْ يذوق منه قراؤك مثل ما ذقت، وأنْ يجدوا فيه من الروعة مثل ما وجدت، وإنْ كان هذا على أكثرهم عسيرًا.

  • كتاب عن مصر …

    كتاب عن مصر …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ أغسطس ١٩٥٤

    لو أَطَعْتُ نَفْسِي لَتجاوَزْتُ هذا الموضوعَ، وعَدَلْتُ عن إملاء هذا المقال؛ لأن موضوعه هو آخر الموضوعات التي ينبغي لِمِثْلِي أن يعرض لها.

    وحَسْبُك أن تعلم أني أريد أن أتحدث إليك عن كتاب ظهر في فرنسا منذ أسابيع، موضوعه التصوير عند المصريين القدماء، وصاحبه رجل من أرفع رجال الفن في فرنسا مكانةً اليوم؛ هو الأستاذ أندريه لوت الذي يعرفه أصحاب الفن جميعًا في مصر؛ لأنه زارهم عامين متواليين، وتحدَّث إلى شبابهم في كلية الفنون الجميلة وفي غيرها من الأندية حيث كانوا يجتمعون إليه، وتحدث إلى شيوخهم في القاهرة والإسكندرية، وتحدث إلى الجمهور من أهل القاهرة في محاضرات عامة ألقاها في الجمعية الجغرافية …

    وإذا قلت إن أصحاب الفن في مصر يعرفون الأستاذ أندريه لوت، فلم أَقُلْ شيئًا ذا خطر؛ لأن أصحاب الفن في أقطار الأرض كلها يعرفون هذا المصور العظيم حق المعرفة، كلهم رأى آثاره وأُعْجِبَ بها، وكلهم قرأ كتبه وأُعْجِبَ بها أيضًا، فهو رجل عالمي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، عالمي بما أنتج من الآثار الرائعة، وعالمي بما ألَّفَ من الكتب الممتعة، وعالمي بعد ذلك أو قبل ذلك، بثورته على الفن التقليدي المقرر المألوف في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وفي المجمع الفرنسي للفنون الجميلة أيضًا.

    وهذا كله يكفي لأتردد في إملاء هذا المقال عن كتابه هذا الرائع الذي ظهر في هذا الصيف، وواضح كل الوضوح أن غيري من أصحاب الفن، ومن الذين يحسنون العلم بالتصوير والقول فيه، أجدر مني بنقد هذا الكتاب أو تقريظه … وأقدر مني على نقد هذا الكتاب أو تقريظه.

    وأنا من أجل ذلك أترك لهم النقد والتقريظ، وأكتب عن هذا الكتاب لأدل عليه وأنبه إليه أولًا، ولأسجل بعض الخواطر التي اضطربت في نفسي حين تفضل فأهدى إليَّ هذا الكتاب، وحين قرأته على ثقة مني بأني سأفهم أَقَلَّه، وبأن أكثره سيند عني وسيستعصي عليَّ، وأين أنا من التصوير وأين التصوير مني؟! … وكيف السبيل إلى فهم كتاب قوامه هذه الصور الكثيرة التي يعرضها ليستدل بها على ما يقرر من رأي ويثبت بها ما يصدر من حكم؟!

    ومع ذلك، فقد أُنْسِيتُ نفسي وقتًا غير قصير حين أُهْدِيَ إليَّ هذا الكتاب، وأُنْسِيتُ نفسي أوقاتًا طوالًا أخرى حين قُرِئَتْ عليَّ نصوص هذا الكتاب.

    أُنْسِيتُ نفسي وشُغِلْتُ بشيء آخر، بل بأشياء أخرى كثيرة، أولها أن هذا الكتاب يصدر باللغة الفرنسية، ويؤلفه مصور فرنسي عظيم. وكنت أتمنى وما زلت أتمنى أن يصدر كتاب مثله باللغة العربية أو باللغة الفرنسية، أو بما شاء الله من اللغات الأجنبية، وأن يكون مؤلفه مصورًا مصريًّا عظيمًا، وهذا كله يقتضي أن تُعنَى مصر بالفن الجميل في نفسه أكثر مما عُنِيَتْ به إلى الآن، وأن تُعْنَى مصر بعد ذلك بالفن الجميل الحديث، وبالفن الجميل المصري القديم؛ لِتَعْرِفَ أين يقع فنها القديم من الفنون الجميلة فيما مضى من الأزمان، ومن الفنون الجميلة في العصر الذي نعيش فيه؛ أيقع منها موقع الفن الطفل من الفنون التي استكملت نضجها ونموها، أم يقع منها موقع الفن الناضج الكامل الذي يكتفي بنضجه وكماله، وإنما أفاض منها على فنون الأمم الأخرى نضجًا وكمالًا.

    كنت وما زلت أتمنى أن تُعنى مصر الحديثة بالفن الجميل، وأن توازن بين فنها الحديث وفنها القديم، وأن ترى أمتصلة هي بتاريخها أم منقطعة هي عن هذا التاريخ، أمتأثرة هي في فنها الحديث بفنها القديم أم معرضة هي عنه ومتأثرة بالفن الغربي الحديث الذي يَعْبُر البحر إليها بين حين وحين، والذي يعبر أبناؤها البحر إليه من حين إلى حين أيضًا.

    ولكني أبحث عن هذا الكتاب المصري في لغتنا العربية أو في أية لغة أخرى من اللغات العالمية فلا أجده، ولا أجد ما يدلني على أني سأظفر به اليوم أو غدًا … لأن مصر الحديثة لم تمنح الفن الجميل بَعْدُ ما ينبغي له من العناية، بل لم تمنح الثقافة الفنية ما ينبغي لها من العناية على كثرة المجتهدين الموفقين من شيوخنا وشبابنا في محاولة الإنتاج الفني.

    وينبغي أن يُقال الحق مهما يكن قاسيًا ممضًّا، وأن نعفي أنفسنا من التبعة التي يجب أن نحتمل ثقلها، وهي تبعة النصح والإرشاد، مهما تكن عواقب النصح والإرشاد.

    فمصر المعاصرة مقصرة في ذات الفن الجميل تقصيرًا لا يليق بحاضرها ولا يليق بماضيها، ولا يلائم المستقبل الذي تسمو إليه، فيها مدرسة للفنون الجميلة، أستغفر الله! بل كلية للفنون الجميلة … ولكن هذه الكلية يُنظَر إليها على أنها عبء ليس من احتماله بد، ويُنفَق عليها مال لا أدري أقليل هو أم كثير، ولكنه أقل مما ينبغي على كل حال، وقد أُهْمِلَتْ هذه الكلية حتى أصبحت مدرسة كغيرها من المدارس، تجري الأمور فيها كما تجري في مدارس وزارة المعارف، وتتأثر بالتقاليد الكتابية المعروفة أكثر مما تتأثر بهذا النشاط الخصب الذي يبعث فيها الحياة ويجعلها مصدر وحي فني رائع متصل منتج، وتتقيد بالقيود المألوفة في مصر؛ فطلابها يجب أن يظفروا بالشهادة الثانوية قبل أن يلتحقوا بها، وأن يؤدوا الامتحانات في آخر كل عام، وأن ينفقوا فيها أعوامًا معدودة، ثم يظفرون منها بالدبلوم، ثم يتوسلون بهذا الدبلوم ليظفروا بمنصب من مناصب الدولة في التعليم أو في غير التعليم، فهي كلية تخرج الموظفين لا أكثر ولا أقل.

    وقد أُنْشِئَ في هذه الكلية قسم حر لا يتقيد بالقيود التي فُرِضَتْ عليها في الالتحاق بها والخروج منها، فأخذ يؤتي ثمرات قيمة، وأخذ يثبت أن المصريين حين تُتاح لهم حرية الفن قادرون على أن يتفوَّقوا ويُنْتِجوا، ويبلغوا ما يبلغه الشباب في الأمم الأخرى، من حب الفن وإتقانه والبراعة فيه، ولكن وزارة المعارف تهمل هذا القسم الحر أشد الإهمال، وقد كدت أملي أنها تقاوم هذا القسم الحر أشد المقاومة. والفن الجميل كالأدب الرفيع وكالعلم الخالص في حاجة إلى التأييد والتشجيع والمعونة ليعيش أولًا، ويزدهر ثانيًا، ويتيح لأصحابه التفوق والامتياز بعد ذلك. وأين نحن مما ينبغي للفن الجميل والأدب الرفيع والعلم الخالص من المعونة والتشجيع والتأييد؟!

    في هذا كله فكرت حين أُهْدِيَ إليَّ هذا الكتاب، ثم لم أكد أقرأ أطرافًا منه حتى فكرت في شيء آخر لعله أن يكون أعظم منه خطرًا وأجل منه شأنًا، وقد طال ما أكثرت القول فيه حتى مللتُ وملَّني الناس، وهو أن المصريين يذكرون وطنهم معجبين به، مُؤْثِرين له ويملأون أفواههم بهذه الكلمة الرائعة «مصر الخالدة»، فإذا سألتهم عن خلود مصر: ما مصدره؟ وما عسى أن يكون؟ لم تجد عندهم شيئًا ذا بال، وإنما عللوك وعللوا أنفسهم بهذه الألفاظ التي لا تُغْنِي عنهم ولا عن غيرهم شيئًا؛ فذكروا مجد الفراعنة، وذكروا الأهرام وأبا الهول، وآثار الأقصر والكرنك وغيرهما من مواطن الآثار! ثم لا يتجاوزون هذا إلى شيء يدل على فقههم لِمَا يذكرون، وإنما هي ألفاظ تملأ الأفواه، ويَحْسُن وَقْعُها في الآذان وتثير في نفوس قائليها وسامعيها صُوَرًا غامضة لا تمتاز بالجلاء ولا بالوضوح.

    فإذا أردنا أن نحقق خلود مصر، التمسنا تحقيقه عند الأجانب فيما ألَّفُوا من كتب التاريخ، وفيما صوَّرُوا من أدب مصر القديمة … وفيما أحبوا من فنها القديم أيضًا.

    نحن لا نكاد ننظر في كتب الأجانب هذه حتى نستيقن أن مصر ليست خالدة فحسب، ولكنها مُلْهِمَة أيضًا، مُلْهِمَة دائمًا وناطقة دائمًا، ولكن الأجانب هم الذين استأثروا أو كادوا يستأثرون إلى الآن بإلهام مصر المتصل، وبالدروس الرائعة التي تلقيها على الإنسانية في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. هم قرءوا لغتها القديمة واستطاعوا أن يكتبوا تاريخها القديم، وهم فهموا آثارها القديمة واستعانوا بفهمها على تحقيق تاريخها وتاريخ غيرها من الأمم، وهم يعرفون إلى الآن من حقائق مصر الفرعونية، ومن حقائق مصر في عصر اليونان والرومان، بل من حقائق مصر الإسلامية أكثر مما نعرف! ونحن ساهون لاهون نملأ أفواهنا بالكلمات الجوفاء التي لا تُحقِّق شيئًا ولا تُغْنِي عنها شيئًا.

    وما رأيك في أن مصر قد ألهمت هيرودوت منذ خمسة وعشرين قرنًا، أروع ما كتب كاتب قديم عن بلد أجنبي؟! وما رأيك في أنها ألهمت فلاسفة اليونان وشعراءهم وكتابهم آيات في الأدب والفن والتاريخ؟! وما رأيك في أنها قد صنعت مثل ذلك بالرومان، وهي تصنع الآن أكثر وأروع بالقياس إلى الغرب المعاصر؟!

    وهي على ذلك بالقياس إلى أبنائها جامدة هامدة وخرساء صامتة، لا تلهمهم شيئًا ولا تقول لهم شيئًا، لا أستثني من أبنائها إلا أشخاصًا يُحصَون إحصاء لا مشقة فيه ولا عسر.

    مصر إذن ملهمة، ولكن لغير أبنائها، متحدثة ولكن إلى غير أبنائها … قد شُغِلَ عنها أبناؤها بأنفسهم وبمنافعهم القريبة العاجلة.

    هذا المُصوِّر العظيم أندريه لوت قد يزور مصر سنة ١٩٥٠م وسنة ١٩٥١م، وقد نيف على الستين وقارب السبعين من عمره ونضج فنه وآتى ثمره كأحسن ما يؤتي الفن ثمره، ولكنه لا يكاد يزور مصر، ويقف عند آثارها، ويحدق في فنِّها حتى يتأثر أعمق التأثر، وإذا فنه الناضج الكامل يتطور في الشيخوخة كما يتطور الفن في عصر الشباب، وإذا هو ينتج آثارًا جديدة يشيع فيها الوحي المصري والفن المصري والجمال المصري، وإذا هو يعرض آثاره الجديدة مرتين في باريس فيبهر من زار معرضيه بهذه النزعة الجديدة الفتية التي أوحتها إليه مصر، ثم هو لا يكتفي بما جنى من فنه الجديد في مصر، ولكنه يؤلف كتابًا عن الفن المصري يقول الإخصائيون إنه لم يُسبَق إليه، ويقول الإخصائيون أيضًا إنه قد كشف لأول مرة عن التصوير المصري القديم؛ فأظهر للمصورين المعاصرين أشياء لم تكن تخطر لهم على بال، وأظهر للمصورين المعاصرين في فرنسا وفي غير فرنسا أن التصوير المصري القديم لم يكن يسيرًا ولا ساذجًا ولا تصوير أمة حديثة العهد بالفن، وإنما كان تصويرًا ناضجًا كأقصى ما يمكن أن يكون النضج، تصويرًا سبق إلى ما يحاوله أصحاب المذاهب الجديدة في التصوير من الابتكار والاختراع والخروج بالفن من التقليد الموروث.

    والمؤلف لا يقول ذلك دون أن يُقِيمَ عليه الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا جدالًا، فأبرع المصورين المعاصرين إذن حين ابتكروا ما ابتكروا من فنهم الجديد لم يزيدوا على ما صنع المصريون القدماء شيئًا.

    كذلك يقول الأستاذ أندريه لوت وهو حجة فيما يقول، لا ينازعه في ذلك منازع.

    كم أحب أن يقرأ المصريون هذا الكتاب وأن يقرأه أصحاب الفن منهم خاصة، وكم أحب آخر الأمر أن يقرأ هذا الكتاب وزيران من وزرائنا، أحدهما وزير الشئون البلدية والقروية، لعل قراءة صحف من هذا الكتاب تحمله بأن يُعنى بآثارنا في الصعيد، فيمهد إليها الطرق ويتيح لها أن تكون أفصح منطقًا حين تتحدث إلى السائحين وإلى المصريين أيضًا، والآخر وزير الإرشاد، فسيرى حين يقرأ هذا الكتاب أن مذهبنا في نشر الدعوة لمصر محتاج إلى كثير من العناية والتجديد.

    أما بعد، فإني أشكر للأستاذ أندريه لوت هذه الخدمة الرائعة القيمة التي أسداها إلى مصر، وأنا أعلم أنه إنما فكر قبل كل شيء في أن يسدي خدمة إلى الفن والعلم جميعًا.

  • ماتت الساحرة

    ماتت الساحرة

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٦ أغسطس ١٩٥٤

    لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، أم يعرفها من بينهم فريق بعينه من أولئك الذين يعنون عناية صادقة بالأدب الرفيع، ويتتبعون الإنتاج الأدبي الفرنسي بشيء من هذا الشغف الذي لا يتاح إلا للذين يسحرهم جمال الفن من حيث هو، لا من حيث إنه يحقق هذه المنفعة أو تلك، ويوصل إلى هذا الغرض أو ذاك، من حيث إنه الجمال الخالص الذي تجد النفس فيه الرضا والمتعة، وإن ضاقت ببعض ما فيه من التفصيل؟

    لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، ولكني أعلم أن الفرنسيين جميعًا يُكْبِرونها ويُقدِّرون أثرها في حياتهم الأدبية، ويرونها من أبرع كُتَّابهم في هذا العصر الحديث، ويتجاوزون ذلك إلى ما هو أعظم منه خطرًا، فيرون أنها قد رقَّت النثر الفرنسي وارتفعت به إلى منزلة لم يبلغها إلا قليل من كُتَّابهم النابهين.

    وأعلم كذلك أن صوتها الأدبي قد تجاوز حدود وطنها منذ عهد بعيد جدًّا، فأصبحت علمًا من أعلام الأدب الإنساني في هذا القرن، وما أرى إلا أن كثيرًا من آثارها قد نقل إلى اللغات الحية الكبرى، وإنْ كنتُ لا أذكر أني رأيت ترجمة لأثر من آثارها في لغتنا العربية.

    هذه هو كوليت التي نقلت إلينا الصحف الإيطالية نعيها منذ يومين، ووصلت إلينا الصحف الفرنسية اليوم تحدثنا عن حياتها الخصبة المضطربة الرائعة المروعة بالشيء الكثير.

    وقد أخذت هذه الكاتبة تسلك طريقها الأدبي إلى المجد منذ أواخر القرن الماضي قبل أن تبلغ الخامسة والعشرين، وظلت تنتج فتبهر وتسحر بإنتاجها إلى أن أدركها الموت بعد أن جاوزت الثمانين، فهي قد أنفقت أكثر من نصف قرن منتجة للأدب الرفيع، مجاهدة ألوانًا من الجهاد الغريب في حياتها المضطربة الحافلة بالخطوب، المليئة بما يرضي وما يسخط، وبما يسرُّ وما يَسوءُ.

    وما رأيك في فتاة تنشأ في قرية من قرى بورجونيا، فلا تكاد تعقل حتى تألف الطبيعة وتهيم بها وتوشك أن تغني فيها؟ فهي كلفة بالغابات، مشغوفة بالحدائق، مولهة بكل ما يروع ويعجب من مناظر الطبيعة، وهي لا تشغف بالطبيعة كما يشغف بها أمثالها من الصبية فتتخذها متاعًا ولهوًا، وإنما تشغف بها شغفًا خاصًّا: تريد أن تبلوها، وتصل إلى أعماقها وحقائقها، وتمتزج بها، وتصير جزءًا منها، وهي إلى ذلك تحب الخلوة إلى هذه الطبيعة مُتحدثةً في أعماق نفسها إلى شجرها، وزهرها، وثمرها، وعشبها، وحيوانها النافر والمستأنس.

    تعيش بين هذا كله كما يعيش الطفل بين أهله وأدوات لعبه، وتسبغ على هذا كله من نفسها خير ما فيها من الحياة والحس والشعور، وتسبغ على نفسها من هذا كله خير ما فيه من الجمال والروعة والحياة الطلقة الحرة الجامحة التي لا تحب نظامًا ولا قيدًا.

    فإذا أرسلت إلى المدرسة لم يصرفها الدرس عن حبيبتها الطبيعة، بل أصبحت المدرسة جزءًا من هذه الطبيعة، فهي تلاحظ أترابها ومعلماتها كما تلاحظ الشجر والثمر والزهر، ولا تكاد تتجاوز العشرين من عمرها حتى يلمَّ بأسرتها فتى كاتب مستهتر من باريس فيَشْغفها حبًّا. وأكبر الظن أنها أحبته على هذا النحو الذي ألفته من حب الشجر والزهر والثمر.

    والمهم أنها كلفت به وأصبحت له زوجًا، وانتقلت معه إلى باريس، وكأنها خلبته بما كانت تتحدث به إليه من أنباء حياتها الناشئة في المدرسة، فطلب إليها أن تكتب أحاديثها هذه لينظر فيها بعد ذلك، وقد فعلتْ، ونظر الزوج فيما ألقت إلى الدفتر من أحاديث نفسها فلم يحفل بها أول الأمر، ثم عاد إليها بعد عام وبعض عام، فرضي عنها وأصلح فيها ودفعها إلى الناشر، فظهر أول كتاب شاركت فيه هذه الفتاة، ولم يكد يظهر حتى فتنت به باريس، ثم فتنت به فرنسا، ثم أصبح الحلقة الأولى من سلسلة ظهرت كلها مصورة لحياة كوليت في المدرسة وفي الأسرة وفي بيت الزوجية، وأصبحت هذه السلسلة من أعظم الكتب رواجًا في أول هذا القرن.

    يقرؤها الأديب الممتاز فيرى فيها بشائر تفوق وتجديد، ويقرؤها الفرنسي المتوسط — والفرنسية المتوسطة خاصة — فيرى فيها مرآة لنفسه وميوله وأهوائه، وخفايا ضميره التي لا يكاد يظهرها أو يجمجم بها، ويرى فيها مرآة لوطنه وطبيعته الساحرة الآخذة بالقلوب والأحباب.

    ولا يكاد القرن يبلغ السادسة من عمره حتى تضيق الكاتبة بزوجها، فيكون بينهما الطلاق الذي يفتح لها أبوابًا من الحياة الغريبة والمغامرات التي لا تنقضي؛ فهذه المرأة التي لم تجاوز الثلاثين إلا قليلًا جامحة الطبع، مرسلة نفسها على سجيتها، معتدة بقوتها وقدرتها على الجهاد، غير حافلة برأي الناس فيها أو حديثهم عنها، غير قادرة إلا لرأيها هي وحكمها هي على الناس والأشياء. وهي في الوقت نفسه مرسلة نفسها على سجيتها، مخلية بين غرائزها وبين الحياة تأخذ منها ما تحب، وتدع منها ما تكره، لا مقياس لها في ذلك إلا ذوقها هي، وحكمها هي، وما تجد من لذة أو ألم، ومن رضا أو سخط، ومن إقبال أو نفور.

    وهي في حاجة إلى أن تعيش، فما لها لا تكسب حياتها من حيث تحب أن تكسبها، وإذا هي راقصة في مراقص باريس، وإذا إقبالها على الرقص يتيح لها الإبداع فيه، وإذا هي تجدد وتبتكر ولا تكتفي بالرقص، بل تبتكر فيه فنونًا وألوانًا، فإذا ضاقت بالرقص أو أخذت منه ما يكفيها، أقبلت على التمثيل فمثَّلت قصصَ غيرِها، وأتاح لها ذلك أن تتقن دقائق التمثيل، وأن تصبح في يوم من الأيام منشئة للقصص التمثيلي، ممثلة للشخصيات التي تبتكرها.

    فإذا أخذت من هذه الحياة المضطربة بحظها أصبحت صحفية تشهد جلسات البرلمان وتصورها أبدع تصوير، وتشرف على القسم القصصي في إحدى الصحف الباريسية الكبرى، ثم تميل إلى حياة الأسرة فتتخذ لنفسها زوجًا من الأشخاص البارزين في الحياة الفرنسية، ثم تمضي في حياتها هذه المضطربة الهوجاء، المنتظمة رغم ذلك؛ لأنها تلائم طبيعة الكاتبة ومزاجها وذوقها. وهي في أثناء هذا كله متصلة الإنتاج لا يكاد يمضي عام أو عامان حتى يظهر لها كتاب يملأ النفوس إعجابًا بها، وحبًّا لها، ورضًا عن فنها، وإذا هي تصبح ذات يوم عضوًا في المجمع الأدبي البلجيكي تشغل مكان الشاعرة الفرنسية العظيمة أنادي نواي.

    ولا تمضي أعوام على هذا النُّجْح حتى تصبح عضوًا في مجمع جونكور بباريس، ثم رئيسة لهذا المجمع، وإنتاجها الأدبي مع ذلك مستمر مطَّرد، ولا يدركه ضعف ولا وهن ولا فتور، وإذا هي ملهمة للموسيقى؛ فموريس رافل يضع التلحين لإحدى قصصها التي تمثل في الأوبرا كوميك، وتلهم التمثيل الخالص فتمثل قصصها في ملاعب باريس المختلفة، وتلهم السينما فتعرض بعض قصصها في أفلام تظفر بالنُّجْح كل النُّجْح. وهي بعد هذا كله مستقرة على عرش القصة قد بلغت فيها أقصى ما يمكن أن يبلغ كاتب من الإتقان، مستقرة على عرش النثر الفرنسي قد جودته وبرزت فيه حتى أصبحت رابعة أربعة يراهم الفرنسيون أئمة النثر الفرنسي الحديث؛ وهم: أندريه جيد، وبول فاليري، وكلوديل، وكوليت.

    وربما كانت أقرب الناس في فنها إلى أندريه جيد؛ فقد أرسلت نفسها مثله على سجيتها في الحياة أولًا، وفي التعبير عن هذه الحياة بعد ذلك، ولم تحفل بسخط الناس على سيرتها أو رضاهم عنها، كما أن أندريه جيد لم يحفل بشيء من ذلك، على حين تحفظ كلوديل بحكم مسيحيته، وتحفظ فاليري بحكم فلسفته الصارمة.

    والغريب من أمر كوليت وأندريه جيد أنهما لم يحفلا بالأوضاع الاجتماعية، والتقاليد الموروثة، والسنن المألوفة بحال من الأحوال، ولم يخضعا إلا لسلطان واحد لم يحاولا في يوم من الأيام أن يخالفا من أمره، أو يخرجا على قوانينه؛ وهو سلطان الفن. كلاهما حجة في اللغة كصاحبيهما، وكلاهما حريص أشد الحرص على صفاء اللفظ ورصانته ودقته ورقته، وعلى القواعد التي رسمها الأدب الفرنسي القديم كصاحبيهما في ذلك أيضًا، وكلاهما بعد هذا حر إلى أبعد آماد الحرية في التعبير: يصف من حقائق الحياة ودقائقها ما كان الأدب الكلاسيكي يترفع عن وصفه، ويصور من شئون الغرائز والأهواء والميول ما كان الأدب الفرنسي الكلاسيكي ينأى عن تصويره.

    والغريب مع ذلك أن هذه الحرية الواسعة إلى أبعد غايات السعة، العميقة إلى أقصى غايات العمق، لم تسفل بأحدهما عن أصول الأدب الرفيع، وإنما أتاحت لكليهما آفاقًا وميادين لم يكن الأدب الرفيع يبلغهما، فكلاهما قد بسط سلطان الأدب على فنون من الشعور والميول والأهواء والحس كان الأدب يتحرج من مقاربتها، وكلاهما من أجل ذلك قد فرض نفسه على الناس فرضًا، فأخذ الناس يقرءون آثار جيد وآثار كوليت على كره شديد منهم لحياة جيد وكوليت. وقل في هذا الكره ما شئت، قل: إنه كان صادقًا عند أصحاب الوقار والتزمت الاجتماعي، وعند أصحاب الإيمان والتزمت الديني، وقل: إنه كان كاذبًا منافقًا عند الذين يتكلفون الوقار والدين.

    ولكن الشيء المحقق هو أن هذين الكاتبين قد اغتصبا إعجاب الخصوم والصديق جميعًا، وظفرا بهذا الإعجاب غلابًا؛ فرضاه فرضًا على النفوس لما أتيح لهما من صفاء الفن، وجمال الرونق، وصدق اللهجة، وإيثار الحرية الفنية على كل شيء. فليس غريبًا أن يجزع الشعب الفرنسي لموت أندريه جيد مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بأندريه جيد وحريته في القول والسيرة جميعًا، وليس غريبًا كذلك أن يبتئس الشعب الفرنسي من موت كوليت، مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بهذه الحياة المضطربة التي أنتجت أدب كوليت.

    وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن الجماعات المختلفة من الفرنسيين، على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، قد جعلت تحتشد حول المنزل الذي استقر فيه جثمان كوليت بعد أن أدركها الموت. وقد كان جيد بروتسنتي النشأة، ولم يحفل قط بأن يرضى عنه أو يسخط عليه رجال الدين، وكانت كوليت كاثوليكية النشأة، ولم تحفل قط في أن يرضى عنها أو يسخط عليها رجال الدين، ولكن أسرتها حريصة فيما يظهر على أن تراعي الأوضاع الكاثوليكية في دفنها. وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن المفاوضات تجري والمساعي تُبذل لتظفر الأسرة بإذن الكنيسة بدفن كوليت على الأوضاع المسيحية الكاثوليكية.

    وأخص ما يلاحظ حين نقرأ نعي كوليت أمران؛ أحدهما: أن هذه الكاتبة ربما كانت أعظم كاتبة فرنسية على كثرة النساء والكاتبات المتفوقات في الأدب الفرنسي منذ القرن السابع عشر، وهي مَدينةٌ بمجدها للفن وحده؛ ليست من أسرة نبيلة، وليست لها مشاركة في السياسة كما كان هذا شأن كثير من النساء النابهات قبل الثورة الفرنسية وأثناء القرن الماضي، وإنما طبيعتها الخصبة الحرة الممتازة، وصدقها في تصوير نفسها وفي تصوير الناس والأشياء من حولها، واستمساكها بالأصول التقليدية للأدب الفرنسي، كل هذه الخصال هي التي أتاحت لكوليت هذا المجد الأدبي الذي لم يُتح لكاتبة غيرها من الفرنسيات. وقد كان الناس يحتفلون في هذا العام بالكاتبة الفرنسية البارعة في القرن الماضي، جورج صاند؛ لمرور قرن ونصف قرن منذ مولدها، وهم الآن يذكرون أفول هذا النجم الفرنسي المشرق الذي ملأ الحياة الأدبية الفرنسية جمالًا ونورًا في هذا القرن.

    الأمر الثاني أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرتهم آنفًا، والذين اعتبرهم الفرنسيون أئمة أدبهم الحديث، قد مات منهم الآن ثلاثة، كان أولهم بول فاليري، وكانت ثالثتهم كوليت، ولم يبق منهم إلا الشاعر الكاتب العبقري بول كلوديل. والغريب أن كل واحد من هؤلاء الأربعة قد أثر في الحياة الفرنسية أعظم الأثر وأعمقه، ولكن واحدًا منهم لم يترك تلميذًا يمضي على نهجه، ويحفظ سنته، ويصون مذهبه الفني من الضياع. وربما كان أندريه جيد أحسنهم حظًّا، فبَينَ الفرنسيين الذين قاربوا الشيخوخة من يكتب على مذهبه، ويحرص على منهجه الفني، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن موت هؤلاء الأئمة الثلاثة فقر خطير للأدب الفرنسي المعاصر.

    وما أكثر ما تلقى الفرنسي الذي يلتمس غذاء عقله ومتاع ذوقه الآن عند الأمم الأخرى: عند الكتاب الأمريكيين، أو الإنجليز والإيطاليين، أو كتاب شمال أوروبا، أو الكُتَّاب الألمانيين؛ لأنهم لا يجدون أو لا يكادون يجدون ما يقرءون في الإنتاج الأدبي الفرنسي الخالص، ولكن للفرنسيين مزية تتيح لهم أن يلتمسوا المتاع الفني في الآداب الأجنبية إذا لم يجدوا في أدبهم الوطني؛ وهي عنايتهم بالترجمة، وحرصهم على الاستكثار منها ما أتاحت لهم ذلك وسائل النشر. ومن يدري لعل الأزمة المحققة التي يشقى بها الأدب الفرنسي في هذه الأعوام الأخيرة ليست إلا فصلًا من فصول الأزمة الشاملة التي تشقى بها فرنسا في حياتها كلها منذ ألمت بها كوارث الحرب العالمية الأخيرة، ولعل هذه الأزمة الشاملة أن تكون ليلة طويلة ثقيلة من هذه الليالي الطوال الثقال التي تغشى حياة الأمم بين حين وحين، والتي لا يلبث الصبح أن يبدد ظلماتها؟ ومن يدري أتجد المرأة الفرنسية في النصف الثاني من هذا القرن كاتبة تؤثر في الأدب الفرنسي، بل في الأدب العالمي مثل ما أثرت فيه هذه الكاتبة الساحرة التي تتوارى في قبرها منذ اليوم؟

  • بعض بيئاتنا الأدبية

    بعض بيئاتنا الأدبية

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٩ مايو ١٩٤٧

    لنْ يكون هذا الحديثُ شَاملًا؛ لأنَّه لا يُمكن أن يكون شامِلًا ولا قريبًا من الشمول، ففي مصر بيئات أَدَبِيَّة مُخْتَلفة لم يُتح لي أنْ أعْرِفَها، ولا أنْ أتَّصل بها.

    وفي مصر بيئات أدبية وصلتُ إلى أطراف من أحاديثها، ولكني لم أعلم من حقائق علمها شيئًا ذا خطر … بعض هذه البيئات لا يزال قائمًا يُنتج آثاره المُختلفة، ويبعث تَيَّاراتِه المُتَبَاينة في حياتنا الأدبية، وبعضُ هذه البيئات قد ذهب مع ما تذهب به الأيام في هذا العصر الذي يَمضي فيه التطور مُسرعًا إلى غاية وإلى غير غاية؛ فلن أتحدث إذنْ إلَّا عن بعض البيئات الأدبية التي عَرَفْتُها وتَأثَّرت بها من غير شكٍّ، ولعَلِّي أكونُ قد أثَّرتُ فيها بعض التأثير.

    وسيكون هذا الحديث أشبه بالذِّكرى منه بالدِّراسة، ومِنْ أَجْلِ هذا أبدأ بالحديث عن البيئة الأدبية الأولى التي عرفتها وشاركت فيها أعوامًا في أول هذا القرن … فأنت إذا دخلت الأزهر من باب الرِّواق العَبَّاسي وجدت إدارة الأزهر — أو ما كان يُسمى في ذلك الوقت إدارة الأزهر — عن شِمَالكَ، والرِّواق العباسي عن يمينك، وبين هذين البناءين في هذا الممر الضَّيق الذي يفصل بينهما نشأت هذه البيئة الأدبية الأولى في أواسط السنة الرَّابعة من هذا القرن.

    كان الرِّواق العَباسي في ذلك الوقت ملتقًى لطلاب الجديد من الأزهريين ومن غير الأزهريين، مَرَّتين في كلِّ يَومٍ، يَلْتَقُون فيه حينَ يَرْتَفِعُ الضحى ليجتمعوا حول الأستاذ الشيخ سيد المرصفي، يسمعون منه تفسير الحَمَاسة في بعض أيام الأسبوع، وتفسير المُفَصَّل للزمخشري في بعضها الآخر، ويلتقون فيه بعد أن تُصلَّى المغربُ، ليجتمعوا حول الأستاذ الإمام يسمعون منه في بعض ليالي الأسبوع دروسه في البلاغة، وفي بعضها الآخر تفسيره للقرآن الكريم.

    وكان أولئك وهؤلاء يتفرقون بعد انتهاء هذه الدروس، ولكن جماعة ضئيلة كانت قد اتخذت هذا الممر، بين الرواق العباسي وإدارة الأزهر، مُستقرًّا لها، تسبق إليه قبل أن يرتفع الضُّحى لتنتظر دَرْسَ الأستاذ المرصفي، وتُسرع إليه بعد أن تُصلي العصر لتنتظر درس الأستاذ الإمام.

    وكانت هذه الجماعة قد اختارت هذا الممر لمَكانه من الرواق العباسي أولًا، ولأنَّه كان يُتِيحُ لها أنْ ترى الداخلين إلى إدارة الأزهر والخارجين منها ثانيًا، ولأنه كان يوشك أن يكون مَكانًا أرستقراطيًّا مُمتازًا لجدَّته ووقوعه بين هذين البناءين. وكانت هذه الجماعة تتحدث حين تلتقي بما تسمع من الأستاذين — أحدهما أو كليهما — أحاديث الإعجاب والإكبار، وبما تسمعُ من الأساتذة الآخرين في الفقه والنَّحو والمَنْطِق والأصول، أحاديث السُّخرية والعَبَث! ثم كانت تعلق على إقبال المُقبلين وانصراف المُنصرفين، وعلى ما يكون بينهم من تفاوت في الأشكال والأزياء والسِّمات. تذهب في هذا كله مذهب النقد، أو مذهب العبث والتشنيع، لا تحفل بشيء ولا تأبه لأحد، ولا تتحرج من لفظ!

    كانت تسمع من الأستاذ المرصفي أن لا حياء في العلم، وكانت تسمع من أساتذة الفقه أن لا حياء في الدِّين؛ فاستقرَّ في نَفْسِها أن لا حياء في شيء من الأشياء؛ لأنَّ كُلَّ شيء من الأشياء لن يكون له خطر الدين والعلم، وإذن فمِنْ حَقِّها أن تخوض في كل شيء، وأنْ تخوض في كل شيء كما تشتهي! وكانت تسمع نقد الأزهر والأزهريين لاذعًا منَ الأستاذين الجليلين في الصباح والمساء، فكانت ترى ذلك مُباحًا لها، بل فرضًا عليها، وكانت تمضي فيه إلى غير حد، حتى فرقها الأستاذ الشيخ حسونة النواوي — رحمه الله — ذات يوم، في قصة ذكرتُها في غير هذا الحديث!

    في هذه البيئة الأدبية الأولى تخرج ثلاثة يعرفهم المِصريون في هذا الجيل؛ وهم: محمود حسن الزناتي، وأحمد حسن الزيات، وطه حسين.

    على أنَّ هذه البيئة قد اتصلت ذات يوم ببيئة أدبية جديدة من طراز آخر، لم تنشأ في الأزهر ولا قريبًا مِنْه، وإنَّما نشأتْ في شَارع غيط العدة، حيث قامت إدارة «الجريدة»، وأشرف على هذه الإدارة منذ قامت أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد باشا.

    فتنت هذه البيئة كما فُتن غيرها من شباب الأزهر بالجريدة؛ لأنها كانت تُصور لونًا جديدًا من ألوانِ التَّعبير لم يَكن مَألوفًا في «المؤيد» المحافظ، ولا في «اللواء» الذي كان يلتهب وطنية، وإنما كان فيه شيء من اعتدال واستقامة في التفكير، وكانت فيه بنوع خاص نفحة من الجديد حين كان لطفي السيد يتحدث عن مونتسكيو، وروسو، وفولتير، وجول سيمون. ولم يكن تَأَثُّر هذه البيئة الأزهرية بهذا اللون الجديد من التفكير والتعبير أقلَّ من تأثر البيئات المدنية في المدارس العليا، ولا سيما مدرسة الحقوق.

    ومن هنا سعى الشباب إلى مدير «الجريدة» مُعَمَّمين ومُطربشين، وأَصبح مكتبه ناديًا أدبيًّا، يلتقون فيه مصبحين فيَشقُّون فيه على الأستاذ، ويُكلِّفونه العناء كل العناء في التماس الفراغ الذي يكتب فيه مَقَالته! ويلتقون فيه إذا أقبل المساء، فيقول بعضُهم لبَعْضٍ، ويقولون للمُدير ويَسْمعون منه، وما هي إلا أنْ يُفكر المُدير في أنْ ينظم لهم بعض المُحاضرات، يلقي بعضها هو، ويُلقي بعضها غيره من أعلام الفِكر والقانون في ذلك الوقت.

    وكذلك التقى الشباب الناشئ بعضهم ببعض، فأخذت الأسوار تنهار بين العَمَائم والطرابيش، والتقوا بالشباب الناضج والكهول والشيوخ من أعلام الحياة المصرية على اختلاف فروعها، فأخذ دم جديد يدور في جيل جديد من المصريين.

    ولم يكد يتقدم القرن نحو الحرب العالمية الأولى حتى اتَّصَلت هذه البيئة الجديدة عمائمها وطرابيشها، أو قُل حتى أنشأت هذه البيئة الجديدة لنفسها ناديًا آخر قريبًا من ناديها الأول في الجريدة. وكان هذا النادي في تلك الدَّار التي أثرت في الحياة العقلية المِصْرِيَّة أقوى أثر وأبقاه، وهي دار آل عبد الرازق.

    كانت هذه الدار ناديًا بأدق معاني هذه الكلمة وأحدثها، يجد فيه أعضاؤه ما يشتهون من أدب وعلم، وجد وفكاهة، وسياسة واجتماع، ويَجدون فيه إلى ذلك مَائدة مَنْصوبة للغداء والعشاء يسعى إليها من شاء، وما كان أكثر من يشاءون، ويتخلف عنها من أراد، وما كان أقل من يريدون، ويجدون فيه إلى ذلك ما شاءَ اللهُ من قهوة وسجائر، وما يُشبه القهوة والسجائر من ألوان الترفيه!

    ولم يكن هناك فرق بين هذا النادي وغيره من الأندية الحديثة، إلا أنَّ أعضاء النادي لم يكونوا يؤدون اشتراكًا. وفي هذا النادي تم الاتصال بين العمائم والطرابيش والقلانس على أوسع ما يُمكن أن يكون الاتصال؛ فازدادت الدورة الدموية الجديدة قوَّة وخصبًا ونشاطًا.

    في هذا النادي كانت تُحَرر الفصول الأدبية والسياسية الخطيرة في الجريدة، وفي هذا النادي أنشئت جريدة «السفور» الأسبوعية. ولست أدري أين تقرر إنشاء «السياسة»، ولكني أعلم أنَّ أهم ما كان ينشر في «السياسة» من أدب وفلسفة ونقد وسياسة كان يُهيَّأ في هذا النادي، ويَخرجُ منه مكتوبًا أو كالمكتوب ليُنشر في جريدة السياسة!

    في نادي «الجريدة»، وفي نادي آل عبد الرازق تخرَّج جيل من الأدباء والعُلماء والأساتذة والمُفكرين والوزراء، نهضوا بجزء عظيم جدًّا من الحياة العقلية والأدبية والسياسية في مصر نحو ثلاثين عامًا. في هذين الناديين نَشَأ «حزبُ الأُمَّة» في أول القرن، وفي ثانيهما نشأ الحزب الديمقراطي بعد انقضاء الحرب، ونضجت فكرة حزب الأحرار الدستوريين بعد إلغاء الحماية. ولن يتسع هذا الحديث الإجمالي ما كان لهذين الناديين من أثر بعيد أشد البعد في إحياء الأدب العربي القديم، وفي توجيه الأدب العربي الحديث.

    على أن نادي آل عبد الرازق كان كالنهر العظيم الذي تلتقي فيه نهيرات صغيرة كثيرة، منها نادي المدارس العليا، ومنها تلك البيئات الأزهرية المُختلفة، ومنها بيئات مُشتتة كانت تستقر في بعض القهوات هُنا وهناك! في باب الخلق حول حِفني ناصف، وفي حي سيدنا الحُسين حول الشيخ سيد المرصفي، وفي قهوة «متاتيا» وقهوات أخرى حول حافظ إبراهيم الذي كان يتنقل ببيئته الأدبية كما يتنقل الحي من أحياء البادية.

    وفي الصالونات الأرستقراطية التي لم يكن يرقى إليها أوساط الناس: في صالون الأميرة نازلي فاضل، وعند سعد زغلول، وفي صالون آخر كان أمره عجبًا، كان يلتقي فيه المِصْريون والشرقيون من أهل البلاد العربية وبعض الفرنجة حول آنسة كان الحديث عنها والحديث إليها مُحببًا مُمتعًا، وهو صالون «مي»، الذي كان يجتمع فيه يوم الثلاثاء من كل أسبوع حين يدنو النهار من آخره، ولا يتفرق إلا حين يتقدم الليل. كان أوله حين كنت أتردد عليه حديثًا في الأدب والفن والعلم، وكان آخره حين تنصرف كثرة الزائرين، وتبقى القلة المُختارة قراءة وعَزفًا وغِناء.

    وفي هذا النهر الكبير الذي كانت تلتقي فيه تلك النهيرات الكثيرة كان يصب نهير آخر أصبح الآن ذا خطر، وهو «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، التي لم تكتف بحديث الفُكاهة والجد ونشر المقالات هنا وهناك، وإنما حولت نشاطها إلى ترجمة وتأليف ونشر وإصدار للصحف والمجلات، وكانت مِنْ أَهَمِّ الوَسَائل التي تجاوزت بحياتنا العقلية حدود مصر ونشرتها في جميع أقطار الشرق، وفي جميع طبقات الناس الذين يحيون في هذه الأقطار.

    وأي نُهير من هذه النهيرات خَلِيقٌ وَحْدَه بأنْ يُؤلف فيه كتاب، فكيف بها كلها حين تلتقي في هذا النهر العظيم، وكيف بأنهار ونهيرات أخرى كانت تسلك طرقها المُختلفة مُستقلة مُنحازة إلى نفسها، شديدة الحرص على ما كانت تؤثر من استقلال وانحياز؟!

    وليس من شك في أن أخص ما يمتاز به النصف الأول من القرن العشرين بالقياس إلى حياتنا العقلية في مصر، هو أنه نقلها من البساطة واليسر إلى التعقيد والعسر، وجعل مهمة الذين يُريدون أنْ يُؤرخوا الأدب المِصْرِيَّ مِنْ أَشَدِّ المهمات عُسرًا وأعظمها تعقيدًا والتواء!

    ولكنه مع ذلك، أو من أجل ذلك، قد مَنَحَها من القُوَّة والخصب والتنوع والاختلاف ما رَدَّ إلى الأدب العربي الحديث مجده القديم، ورفعه إلى حيث أصبح أدبًا من الآداب العالمية الكبرى.

  • حول قصيدة

    حول قصيدة
    للدكتور طه حسين
    في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
    وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
    وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
    على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
    وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
    وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
    حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
    وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
    كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
    فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
    وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
    "أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها".
    وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
    الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
    والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
    ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
    الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣