Tag: national unity

  • الشعب الديمقراطي

    الشعب الديمقراطي
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٠ سبتمبر ١٩٤٠

    نحن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها. ولكنْ، كثير جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكُّون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا. فإذا جد الجِدُّ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب، وقلوبنا مختلفة وضمائرنا متباعدة، فعلينا أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة، وأن نقنع الضمائر المصرية كلها بأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق دائمًا، هي خط مشترك بين المصريين جميعًا.

    أخصُّ ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديمقراطية أنها لا تفرض على الشعب، وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغبًا فيها مريدًا لها.

    ومن هنا كانت الشعوب الديمقراطية مسئولة عن أعمالها، تستمتع بثمراتها كما تحتمل سيئاتها؛ لأنها هي التي أرادتها، لم يفرضها عليها أحد ولم يكرهها عليها عسف أو طغيان.

    ومن هنا أيضًا كان من الطبيعي أن يقال للشعب الديمقراطي إذا تعرضت حياته للخطر: هلم دافع عن نفسك، وذُدْ عن كرامتك، واحتفظ بحريتك، وضحِّ بمجهودك وأموالك ونفوس أبنائك في سبيل شرفك وسيادتك.

    يقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي؛ فيقع في نفسه أحسن موقع ويبلغ من ضميره أعماقه، ويدفعه إلى العمل والجهاد والتضحية بكل ما يتطلبه الجهاد.

    ويقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي، فيذوقه الشعب ويفهمه ويجد لكل كلمة منه معناها الواضح الجلي. يحسُّ هذا المعنى إحساسًا قويًّا في كل عمل يأتيه أفراده مجتمعين أو متفرقين، وفي كل كلمة يقولها أفراده مجتمعين أو متفرقين أيضًا. ذلك أنهم يلاحظون أنهم في حياتهم اليومية يغدون أحرارًا ويروحون أحرارًا ويقولون أحرارًا ويعملون أحرارًا. يأتون من الأمر ما يريدون لا يردهم عنه راد، إلَّا القانون الذي وُضِع ملائمًا لحقوق الأفراد والجماعات وحريتها، منظمًا لهذه الحقوق والحرية. ويعرضون عما يريدون الإعراض عنه لا يدفعهم إليه دافع من غير أنفسهم، ولا يفرضه عليهم سلطان قوي جائر أو متعسف.

    فكل فرد إذن إذا ثار للدفاع عن الوطن، فهو يدافع عن نفسه أولًا وعن وطنه ومواطنيه ثانيًا، ولا كذلك الشعوب التي يقهرها السلطان العنيف ويملك عليها أمرها؛ فيدفعها إلى ما يريد هو لا إلى ما تريد هي، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، وقد تكون هي شديدة الميل إلى أن تقدم إليه. هذه الشعوب تساق إلى الحروب كارهة لها وتخوض غمراتها زاهدةً فيها. وقد يتاح لها النصر ولكنها لا تستمتع به ولا تذوق لذته؛ لأنه نصر لم ينشأ عن إرادة، وإنما نشأ عن تكليف، وقد تقدر عليها الهزيمة فتتجرع مرارتها مضاعفةً؛ لأنها هزيمة لم تنشأ عن خطأ أقدم الشعب عليه وهو حر أو تقصير دفع الشعب إليه غير مكره، وإنما نشأت عن تحكم المتحكمين، وتعسف المتعسفين، واستبداد المتسلطين بما لا ينبغي لهم أن يستبدوا به. ومن هنا نلاحظ أن الشعوب الديمقراطية إذا خاضت غمرات الحرب كان من الطبيعي أن تظهر من أمور الحرب على كل شيء، وألَّا يخفي قادتها وساستها عليها شيئًا من الخير أو الشر؛ لأن هؤلاء القادة والساسة لا يحتملون وحدهم تبعات الحرب التي لم ينكروها، ولم يستبدوا بها، وإنما يحتملونها مع غيرهم من أبناء الشعب؛ لأن الشعب هو الذي أقدم على الحرب وكلفهم قيادتها وتدبير أمورها، فهم يطالعونه بأنباء الحرب أحرارًا متخففين من التبعات، وهم لا ينتظرون منه إلَّا ما ينتظره القائد المصيب من التشجيع والتأييد، أو ما ينتظره القائد المخطئ من اللوم والتثريب.

    فأمَّا الشعوب التي تفرض عليها الحرب ولم تردها، وتدفع إلى القتال ولا رغبة لها فيه، فهي لا تعرف من أمر الحرب شيئًا إلَّا ما يريد أن يقول لها قوَّادها وسادتها، وهم لا يقولون لها إلَّا ما يريدون، ولا يظهرونها إلَّا على ما يحبون أن تظهر عليه، يتوخون في ذلك مصلحتهم أكثر مما يتوخون مصلحة الشعب، ويحرصون في ذلك على أن يجنبوا أنفسهم اللوم أكثر مما يحرصون على أن يبصروا الشعوب بأمرها، ويواجهوها بالحق الصريح.

    وما أظن إلَّا أن الناس يلاحظون الفرق العظيم بين ما يتحدث به المستر تشرشل إلى الشعب البريطاني، وما كان يتحدث به الوزراء الفرنسيون قبل الهزيمة إلى الشعب الفرنسي، وما يتحدث به قادة الألمان والإيطاليين وسادتهم إلى الشعب الألماني والشعب الإيطالي. أولئك يصارحون الشعب بالحقائق، وينذرونه بالخطر، ويدلونه على مواطن الضعف، ويرشدونه إلى مصادر القوة، يقوون في نفسه الأمل، ولكنهم لا يضلونه ولا يخدعونه عما قد يخبئ له الغيب من أسباب القلق، وما يدعوه إلى التحفظ والاحتياط. وهؤلاء يزينون له الحرب ويرغبونه فيها ويهونون عليه الخسائر، ويحقرون له من أمرها ويهولون له أمر الفوز، ويسرفون له في تعظيم أمره. أولئك في حاجة إلى تأييد الشعب ونصحه، فهم يصارحونه بأن التأييد والنصح إنما يأتيان عن الرغبة لا عن الرهبة، وعن الإرادة لا عن الخضوع والإذعان. وهؤلاء يريدون الطاعة والانقياد، فهم لا يصارحون وإنما يهولون ويضللون؛ لأن الطاعة والانقياد إنما يصدران عن الخوف والرهبة لا عن الأمن والثقة والاقتناع.

    هذه هي حالة الحرب في هذين النوعين من أنواع الشعوب؛ قوم يحاربون؛ لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأن كرامتهم ومصالحهم وحرصهم على حياتهم الحرة المستقلة تدفعهم إلى أن يحاربوا. وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأنهم إن لم يحاربوا فسيتعرضون لأنواع الهول في حياتهم الداخلية، إن لم تقتلهم أسلحة العدو فستقتلهم أسلحة القادة والسادة من المواطنين. وهناك نوع ثالث من الشعوب يتردد بين هذين النوعين، ويضطرب بين هذين الفريقين، له من الحرية ظاهرها ومن الديمقراطية أشكالها وصورها، فإذا تحققت أمره لم تجد حريته إلَّا كلامًا، ولم تجد ديمقراطيته إلَّا لونًا من ألوان اللعب.

    فإذا ألمت الحرب بساحة شعب من هذه الشعوب؛ فهو معرض لأشد الأخطار وأعظمها نكرًا كذلك؛ لأن ظواهر أمره تصوره على أنه يثور إذا حارب لحريته وكرامته وحياته المستقلة، وحقائق أمره بعيدة كل البعد عن هذا؛ لأنه لا يشعر بحريته، ولأنه لا يجد كرامته موفورة، ولأنه لا يطمئن إلى حياته المستقلة. فهو يحارب مأمورًا، وهو يجاهد مدفوعًا إلى الجهاد، على حين يظن الناس به أنه يحارب حفاظًا للوطن وذيادًا عن الحقوق. وهو خليق أن يتعرض لكل ما يتعرض له من يقدم على عظائم الأعمال في غير إيمان ولا اقتناع، فهو ظاهر القوة خفي الضعف. وهو مقدم فيما ترى العين ومحجم فيما يرى العقل وفيما يحس الضمير.

    يقول له قادته وسادته: هلم دافع عن حريتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: أين هي الحرية التي أُراد على أن أدافع عنها؟! يقول له رؤساؤه ومدبرو أمره: هلمَّ احتفظ بكرامتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني لا أجد لهذه الكرامة طعمًا ولا أحس لها ذوقًا، وإذا لم يكن بدٌّ من الاحتفاظ بالكرامة فما ينبغي أن أحارب هذا العدو الخارجي، وإنما ينبغي أن آخذ هذه الكرامة من الرؤساء والقادة قبل كل شيء. ويقول له قادته ومدبرو أمره: هلم ذُد عن حياتك المستقلة! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني أحب أن أكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبينكم من الصلة؛ لأكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبين الأجانب من الصلات. حتى إذا جدَّ الجِد وأقبل الهول؛ رأيت قومًا يقدمون على غير ثقة، ويجاهدون في غير إيمان بالجهاد، ويتعرضون لكل ما يتعرض له غير المؤمنين من الفشل والضعف، ومن التهالك والتخاذل، ثم من الإذعان والاستسلام.

    والشعوب التي تخضع للسلطان الغاشم خضوعًا صريحًا جليًّا، قد تجد في هذا الخضوع نوعًا من الإيمان بغيضًا لا يليق بالإنسانية الكريمة، ولكنه مع ذلك يقنعها ويدفعها إلى العمل والاستماتة في الجهاد. وقد ظهر شيء من ذلك في هذه الحرب، فقد رأى الفرنسيون من أعدائهم في موقعة فرنسا عجبًا من العجب: رأوا ألوفًا من الناس، بل مئات الألوف يقبلون على الموت متهافتين عليه متساقطين فيه كما تتساقط الفراش في النار، لا يحفلون بمكروه ولا يحجمون عن بأس، وهم ينطقون بكلمة واحدة هي اسم زعيمهم الطاغية الألماني.

    والشعوب قد تؤمن بالضلال وتتفانى في سبيله، ولكن الشر كل الشر ألَّا تؤمن الشعوب بالضلال ولا بالهدى، وأن تقف حائرة مترددة بين ذلك، لا تجد من إيمانها واقتناع ضمائرها ما يدفعها إلى هذا النحو أو ذاك.

    هذا هو الخطر كل الخطر، هذا هو الشر كل الشر، فإنك لا تطلب من الفرد أن يزهق نفسه أو يريق دمه إلَّا أن يكون ذلك سبيلًا لبلوغ مثل أعلى وطريقًا إلى تحقيق أمل عزيز على النفس حبيب إلى القلب، يهون في سبيله أن تزهق النفوس وتراق الدماء.

    وإذن، فماذا يجب أن نفعل نحن، وقد أخذت نذر الحرب تصيح بنا من كل وجه، وجعلت أخطار الحرب تسعى إلينا من كل مكان، وأصبح من أشد الأشياء جوازًا وأعظمها احتمالًا أن نصلى نارها راضين أو كارهين. أظنُّ أن الجواب على هذا السؤال يسير لا عسر فيه، وقريب لا يحتاج إلى تفكير طويل. فنحن أمة ديمقراطية ليس في ذلك شك، قد بذلنا في سبيل الديمقراطية جهودًا عنيفة، واحتملنا في سبيلها أعباءً ثقالًا، وضحينا في سبيلها بالشيء الكثير. ولو خُيِّرنا بين الديمقراطية وأي نظام آخر من نظم الحكم لما ترددنا في الاختيار، فقد اخترنا منذ عهد بعيد.

    نحن إذن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها، نؤثر كرامتنا ونحتفظ بها مهما يكلفنا ذلك من ضروب المشقة والعناء، وما أشك في أننا لا نتردد إذا تعرضت ديمقراطيتنا للخطر وللحظر الذي يأتيها من الأجنبي في أننا سنضاعف الجهد ونمضي في التضحية إلى أبعد غاية؛ لنرد العدوان عن هذه الديمقراطية ونحميها من الضياع.

    كل هذا حق لا شك فيه، ولكن هناك حقًّا آخر لا شك فيه، وهو أن كثيرًا جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا، ولا تطمئن قلوبهم إلى أنهم يأخذون من نعمة الديمقراطية نصيبهم المقسوم لهم، وقد يعتقدون أن الديمقراطية المصرية مباحة لفريق من المصريين ومحظورة على فريق آخر. فإذا جدَّ الجد وأقبل الهول؛ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب وقلوبنا مختلفة، وضمائرنا متباعدة، وإيماننا بالمثل الأعلى الذي نراد على أن ندافع عنه ليس مشتركًا ولا سواءً.

    فإذا كان هناك واجب ينبغي أن ننهض به قبل أن يأخذنا الخطر من جميع أقطارنا، فهو أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة ونلائم بين هذه الأهواء المتباينة، ونقنع الضمائر المصرية كلها؛ لأن الديمقراطية المصرية ليست لعبًا وإنما هي الجد كل الجد، وبأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق، وإنما هي حظٌّ مشترك بين المصريين جميعًا، وبأن العدل السياسي والاجتماعي ليس شجرة يستظل بها أولئك دون هؤلاء، وإنما هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي تظل المصريين جميعًا، ولعلها تستطيع أن تظل غير المصريين أيضًا. وبأن الحقوق السياسية والاجتماعية التي يسجِّلها الدستور المصري للمصريين ليست مباحة لأولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات السياسية والاجتماعية ليست مفروضة على أولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات التي ستطلبها الحرب إن اضطررنا إليها لن تفرض على أولئك دون هؤلاء.

    وقد تسألني: كيف السبيل إلى تحقيق هذه الوحدة وإشاعة هذا الإيمان بين المصريين جميعًا؟ وجوابي على ذلك يسير، وهو أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه إليَّ أنا وإنما ينبغي أن يوجه إلى الذين يعنون بأمور السياسة المصرية، ويقفون عليها ما يملكون من وقت وجهد.

  • رجاء٢

    حديث الوادي
    رجاء . . .
    – ٢ –

    مولاي،
    ولم يألم المصريون في هذه الأيام الثقيلة لشيء كما ألموا هذا التناقض الغريب الذي يحسونه فيتأذون به أشد الأذى، ويحزنون له أعظم الحزن، وتثور ضمائرهم إنكاراً له، وسخطاً عليه، وذلك حين يقرأون ما تذيعه الصحف الإنجليزية من جهة وما تذيعه الصحف المصرية من جهة أخرى. فأما الصحف الإنجليزية فتذيع بإيعاز من وزارة الخارجية مرة وبغير إيعاز مرة أخرى، ولكنها تذيع على كل حال، أن الإنجليز يرون أن رأي المصري قد نضج، وأن إرضاء الشعب المصري قد آن أوانه وأصبح شيئاً لابد منه. وأنهم إنما يقفون موقفهم الذي يقفونه الآن دفاعاً عن مصالح الأجانب من ناحية، ورغبة في إرضاء الشعب المصري من ناحية أخرى.

    وأما الصحف المصرية فتذيع نقلاً عن رئيس مجلس الشيوخ الحاضر يوماً ونقلاً عن رئيس مجلس النواب الحاضر يوماً آخر، أن جلالتكم تحرصون حرصاً شديداً على نظام الحكم الذي أحدثه صدقي باشا، وتأبون إباءً شديداً أن يمس هذا النظام بتغيير أو تبديل. والشعب المصري ينكر هذا النظام ويرفضه اليوم كما أنكره ورفضه أمس وكما أنه سينكره ويرفضه دائماً. قد احتمل في سبيل ذلك آلاماً ثقالاً وضحى في سبيل ذلك بكثير من الأنفس والأموال، ومن المنافع والمرافق، وهو مستعد دائماً للمضي في هذه التضحية، مهما تثقل، ومهما تكن نتائجها وآثارها.

    فالشعب المصري يألم أشد الألم حين يرى هذين الأمرين المتناقضين، حين يرى الإنجليز يظهرون التودد له والاعتراف به والتقرب إليه، وحين يرى بعض المسئولين وغير المسئولين، من أنصار هذا النظام القائم يذيعون في الشعب غير متحرجين ولا متحفظين ولا خائفين التكذيب فضلاً عن أن يخافوا العقاب، أن جلالتكم تحرصون على نظام لا يحبه الشعب، وتؤيدون عهداً قد كرهه الشعب، وتأبون أن تأذنوا بافتتاح عهد لا يريد الشعب به بديلاً.

    والمصريون يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أن ما تذيعه أنصار هذا النظام القائم كذب، وإن ما يحملونه على جلالتكم مختلق منحول، ولكنهم على ذلك يألمون لأنهم يكرهون أن يضاف إلى ملك مصر ما لا ينبغي أن يضاف إليه، وأن يحمل على ملك مصر ما لا ينبغي أن يحمل عليه، وأن يكون الذين يضيفون هذا ويحملونه من الذين تأخذهم مراكزهم بالصدق، وتضطرهم مناصبهم إلى الأمانة والإخلاص، وتحرم عليهم مناصبهم أن يسعوا بين الشعب ومليكة بألوان السوء وضروب الفساد.

    والمصريون يعتقدون مؤمنين أن المصدر الذي ينبغي أن يأتيهم منه الخير، وينالهم منه البر، ويبلغهم منه الرضي، إنما هو العرش المصري الذي أقاموه بسواعدهم، وأحاطوه بمودتهم وقلوبهم، وفدوه وما يزالون مستعدين لفدائه بأنفسهم وأموالهم. وهم يعتقدون مؤمنين أن العرش يجب أن يكون أسبق إلى إرضائهم، وأحرص على تحقيق مصالحهم، وأرغب في احترام إرادتهم والاعتراف بها من الإنجليز، لأن العرش منهم وهم منه، ولأن العرش لهم وهم له، ولأن الإنجليز أجانب وخصوم على كل حال، قد تحسن الصلة بيننا وبينهم وقد تسوء، ولكن الصلة بيننا وبين العرش، لا يمكن ولا ينبغي إلا أن تكون حسنة دائماً.

    فالمصريون يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بكف هؤلاء الساعين عن سعيهم، ووقف ألسنة السوء عن أن تذيع السوء، ومنع المفسدين بين الشعب والعرش، عن أن يفسدوا بين الشعب والعرش.

    والمصريون يعلمون حق العلم أن مليكهم مثقف أرقى الثقافة، يمتاز بالبصيرة النافذة والحلم الراجح والنظر البعيد، وأنه يعرف تاريخ مصر الحديثة حق المعرفة وأنه بصير بحياة الشعوب، وما يختلف عليها من الأطوار، وأنه عليم بأن الشعوب لا ترجع إلى وراء، وإنما تسعى إلى أمام، وبأن الشعب المصري الذى ثار منذ أكثر من نصف قرن يبتغي الإصلاح والدستور، والذى احتمل في سبيل الإصلاح والدستور ما احتمل منذ الثورة الأولى إلى أن انقضت الحرب الكبرى وإلى أن كانت الثورة الثانية، وإلى أن اعترف الإنجليز له بالاستقلال، وآمنوا له بحقه في الإصلاح والدستور، هذا الشعب لا يستطيع أن يرجع إلى وراء، ولا أن يقبل حكماً يقوم على غير إرادته، ويصرف على غير هواه، ويعتمد على غير المسئولين من رجال القصر، وعلى المسئولين من الذين لا يقدرون التبعات، ولا يحسنون النهوض بالواجب، ولا يقدمون إرادة الشعب على إرادة الفرد، ولا يؤثرون رضي الشعب، على رضي أصحاب الجاه والسلطان.

    نعم يا مولاي لا يستطيع المصريون مهما تسلطت عليهم المحن، ومهما تكتنفهم الخطوب، ومهما يصب عليهم من الهول أن ينكروا أنفسهم، أو يجحدوا ماضيهم، أو ينسوا تضحياتهم، أو ينزلوا عن بعض ما كسبوا من الحق، أو يقصروا في طلب ما بقي لهم من الحق. هم يؤمنون بأنهم قد خلقوا ليعيشوا كراماً أحراراً وهم مصممون على أن يعيشوا كراماً أحراراً. وهم لا يستطيعون من أجل ذلك أن يذعنوا لرجل كبير مهما يكن وإن كان الإبراشي باشا. ولا أن يخضعوا لوزير خطير مهما يكن وإن كان صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، وأن لا يفهموا رجال الدولة إلا على أنهم خدام الشعب، وأن لا يفهموا رجال القصر إلا على أنهم خدام الملك:

    وهم يأبون أشد الإباء أن يطغى رجال القصر حتى يدخلوا فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه. وحتى يسخروا رجال الدولة لغير سلطان الشعب، ومنافعه الخالصة الواضحة. أعلنوا ذلك منذ كان الانقلاب، بل أعلنوا ذلك في أوقات مختلفة منذ كانت الثورة وهم يعلنون ذلك الآن، وهم مستعدون لإعلانه غداً وبعد غد، ولكنهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تعفوهم من ذلك، وفي أن تقفوا رجال القصر عند خدمة القصر، وفي أن تخلوا بين رجال الدولة ومصالح الدولة، وفي أن تخلوا بين الشعب وسلطان الشعب.

    وليس بين المصريين يا مولاي مثقف عظيم الخطر أو ضئيلة، رفيع المكانة أو وضيعها، إلا هو مؤمن أشد الإيمان بأن عصر الطغيان قد انقضى ولا يمكن أن يعود، وبأن الأمم لا تحكم إلا بالنظام الذى تريده وترضاه، وعلى النحو الذى تريده وترضاه، وبأن نظم الحكم لا تمنح للشعوب، ولا يهبط الوحي بها من السماء، وإنما تنشئها الشعوب إنشاءً، وتقرها الشعوب إقراراً، وتغيرها الشعوب إن أرادت تغييرها وتمنع الشعوب ما لا نريد من التعديل والإصلاح عنها وحدها يصدر هذا كله، وإليها وحدها يرد هذا كله، ليس لأحد أن يفرض عليها من ذلك ما لا تريد مهما يكن، ومهما تؤيده القوة وتواتيه الظروف.

    آمن المصريون بهذا كله في هذا العصر، كما آمن الأوروبيون بهذا كله قبل هذا العصر، ولن ينزع هذا الإيمان من قلوب المصريين لأنهم كما قلت يسعون إلى أمام، ولا يرجعون إلى وراء. وهم يرون في غير تردد ولا شك ولا امتراء أن صدقي باشا قد كان متمرداً حين وثب إلى الحكم، وقد كان متمرداً حين غير الدستور في غير احترام لأصول الدستور، وهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بإصلاح ما أفسده صدقي باشا وأصحابه وفي أن تتفضلوا فتأمروا بمحو آثار هذا التمرد على حقوق الشعب، ورفع أوزار هذا العدوان مع سلطان الأمة وفي أن تتفضلوا فتأمروا برجوع الدستور الذى لم يلغِه صدقي باشا لأنه لم يكن يملك إلغاءه، وفي أن تتفضلوا فتأمروا برفع هذا النظام القائم الذى لم يستطع صدقي باشا، ولن يستطيع غيره أن يفرضه على الأمة شرعاً، لأن نظم الحكم لا تفرض على الشعوب، وإنما تصدر عن الشعوب.

    والمصريون يا مولاي يأسفون أشد الأسف لأن تمرد المتمردين وعبث العابثين وطغيان الطغاة، يفسد على الشعب أموره الداخلية، ويشغله بخصومات كان يحب ألا يشغل بها وألا يضيع فيها وقته وجهده ليفرغ لما بينه وبين الإنجليز من خلاف، وليتوفر على معالجة ما بينه وبين الإنجليز من خصومة، وليجد في تحقيق الاتفاق المصري الإنجليزي الذي يحقق لمصر استقلالها التام.

    والمصريون واثقون بأن جلالتكم ستعنون بهذا كله. وستتخذون من القرارات الحكيمة، ما يكفل للشعب رضاه وحريته، ويحميه في المستقبل من كل عدوان أو طغيان، ويمكنه من تحقيق هذا الغرض الأسمى وهو الاستقلال التام – والمصريون وقد ملئت قلوبهم ثقة بذلك وأملاً في ذلك، يرجون ألا ينقضي يوم أو أيام حتى تكون آمالهم حقائق، وحتى يكون رجاؤهم يقيناً. وهم يتمنون لجلالتكم حياة ناعمة سعيدة كلها خير لجلالتكم وللشعب، الذي يرفع إلى جلالتكم أصدق آيات الحب والإخلاص.

    طه حسين
    الوادي، ١٢ نوفمبر ١٩٣٤.

  • اعترافات

    حديث الوادي
    اعترافات. . .
    من زعم لك أن الرجل الطيب، هادئ النفس مطمئن القلب، فارغ البال، ينام ملء جفونه إذا كان الليل ويضحك ملء شدقيه إذا كان النهار فلا تصدقه ولا تسمع لما يقول. فرئيس الوزراء بعيد كل البعد عن هدوء النفس، ناءٍ كل النأي عن اطمئنان القلب، محروم كل الحرمان ما يحب من فراغ البال، وليست المشكلات العادية هي التي تنغص نهاره وتؤرق ليله، فالرجل قد عاش مع هذه المشكلات منذ أسندت إليه أمور الحكم، وهو قد عاش معها كما يعيش الصديق مع الصديق، عيشة كلها صفو ومودة، لا ينغصها ملل ولا سأم ولا يفسدها ضجر ولا ضيق – ولعل رئيس الوزراء لم ينتهِ إلى حل المشكلات لأنه يألف أن يعيش مع المشكلات ويرى في عشرتها المتصلة لذة ومتاعًا لا لأنه يعجز عن حل هذه المشكلات – فالرجل طيب ولكنه ذكي، والرجل طيب ولكنه قوي، ولو أنه أراد أن يحل هذه المشكلات لما أعجزه ذلك، ولكنه استبقاها حتى لا تصبح حياته كلها سهلة يسيرة ممهدة. هو إذن مشغول البال بغير هذه المشكلات العادية؛ لأن هذه المشكلات العادية لا تشغل باله، إنما هي المشكلات الطارئة التي تحدث الناس بها في أول الصيف، ثم أخذوا يلحون في الحديث بها شيئًا فشيئًا كلما تقدم الصيف، ثم امتلأ بها الجو المصري امتلاءً، منذ أقبل نائب المندوب السامي. وقد انتشرت الإشاعات واختلفت واصطدمت فيما بينها اصطدامًا عنيفًا حتى شغلت الناس عن كل شيء أثناء هذه الأسابيع الماضية، وكان رئيس الوزراء شجاعًا جلدًا وحازمًا جريئًا، فثبت لهذه الإشاعات وقاومها بالصمت العميق، ثم خرج عن المقاومة إلى المهاجمة، فتحدث وأكثر من الحديث، وتبعته الصحف الوزارية فهاجمت كما هاجم وتحدثت كما تحدث، ولجت في النفي والتكذيب كما لج الرجل الطيب نفسه في النفي والتكذيب، ولكن الإشاعات فيما يظهر لا تريد أن تخاف، ولا أن تعرف الخوف، ولا تحب أن تفر ولا أن تفكر في الفرار، وإنما تثبت لرئيس الوزراء كما يثبت لها رئيس الوزراء، وقد آثرت الإشاعات أن تسكت أيامًا لتتيح لرئيس الوزراء وأنصاره أن يفرغوا جعبتهم وأن يقولوا كل ما عندهم. ثم بدا لها فعادت إلى الحركة والنشاط، وإلى الانتشار والإلحاح فيه، وهذه المقطم التي كانت تنفي وتسرف في النفي، والتي كانت تكذب وتغلو في التكذيب، والتي كانت تتخذ الشعر ولغته وسيلة إلى النفي والتكذيب، قد عادت أمس تسجل بعض ما كانت تنفي من الإشاعات فتتحدث بأن للإنجليز رغبات قد تحدثت بها بعض نواحيهم لتبلغ جهة مصرية ما، وتتحدث بما يقال من رئاسة الديوان الملكي قد تسند إلى رئيس بعد أن ظلت خالية وقتًا طويلاً، ولم يكد الناس يقرأون المقطم ويفقهونه ويتبينون ما أراد المقطم أن يشير إليه حتى أسفر صبح اليوم، وإذا صحيفة من صحف الوزارة تصدر بالفرنسية قد كتبت فصلاً غريبًا، لم تتعود أن تكتب مثله، ولم يكن ينتظر منها أن تكتب مثله، فهي تثني على الصحافة المصرية كلها، وهي تثني على الصحافة المعارضة خاصة، وهي تثني على رؤساء التحرير في صحف المعارضة بعد أن كانت يوم الأحد الماضي، تنصح لهم بأن يحطموا أقلامهم ويشتغلوا بتجارة «المودة» وبعد أن كانت تصفهم بالجبن والخوف.
    نعم هي تثني على صحف المعارضة ومحرريها لأن هذه الصحف نسيت ما كان يملأ قلب أصحابها وأحزابها من الحقد والموجدة وأعرضت عن الخصومات الداخلية كلها، فاتفقت مع غيرها من الصحف الموالية على شيء واحد تأمر به الوطنية الصادقة وهو حماية الاستقلال، ومقاومة التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية الخاصة. ومن المحقق أن صحف المعارضة قد استجابت اليوم كما استجابت من قبل، وكما ستستجيب دائمًا لدعوة الوطنية الصادقة، وقاومت وستقاوم دائمًا كل تدخل أجنبي في الشؤون المصرية الخاصة لأنها لم تنشأ إلا لهذا ولأنها لا تفهم الحياة إلا على هذا، ولكن قومًا آخرين تعرفهم هذه الصحيفة يحسنون جدًا وضع أصابعهم في آذانهم حين تدعوهم الوطنية الصادقة إلى حماية الاستقلال، وإنكار التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية، والاحتجاج على التفتيش الذي قام به نائب المندوب السامي على الشرطة والمطالبة بترضية مصر والمصريين عن اعتداء الجند البريطانيين على أبناء الشعب اعتداءً كان من نتائجه الموت.
    هؤلاء الناس يتجرون بالوطنية يلوذون بها حين يرون في ظلها أملًا في البقاء، ويعرضون عنها حين يرون في ظلها تعرضًا للخطر. مهما يكن من شيء فصحيفة الوزارة هذه تسجل كما سجلت المقطم أمس أن الموقف السياسي دقيق وأن الاستقلال المصري معرض للخطر وأن الوطن في حاجة إلى اتحاد أبنائه، وإذن ففي الجو شيء، وفي الجو شيء خطير، وقد كانت نفس هذه الصحيفة منذ يوم أو يومين تنكر أن يكون في الجو شيء كما كانت صحيفة المقطم تنكر أن يكون في الجو شيء. وإذن فهل طرأ طارئ جديد؟ وهل حدث حادث لم يكن يعرفه الناس وما يزالون يجهلونه؟ وصحيفة رئيس الوزراء نفسها تسجل أن في الجو شيئًا صباح اليوم فهي تشتم المعارضة كما تعودت ولكنها تتحدث عن الساعة الرهيبة وتذكر أن الوزارة لا تستطيع أن تفرغ للمعارضة لأن عليها واجبًا جليل الخطر هو إنقاذ الوطن، إنقاذ الوطن من ماذا؟ لقد كان كل شيء هادئًا في رأي الوزارة وصحفها إلى أمس فهل حدث شيء منذ أمس؟ وماذا عسى أن يكون هذا الشيء؟ كلا لم يكن كل شيء هادئًا، وإنما كان كل شيء مضطربًا أشد الاضطراب، ولكن الوزراء وأنصار الوزراء كانوا يتكلفون المقاومة ثم أدركهم العجز عن هذه المقاومة فأخذت صحفهم تعترف ببعض الحق لن تنقضي أيام حتى تعترف هذه الصحف ويعترف الوزراء معها بالحق كله وحتى يعلم الناس علم اليقين أن هذه الإشاعات التي حدثتهم عن الأزمة لم تكذبهم وإنما صدقتهم كل الصدق، وحدثتهم بالحق الذي لا شك فيه. ولو أن الوزراء يقدرون ما يحملون أمام وطنهم من تبعات لما ترددوا في أن يظهروا مصر على ما يمكن أن تظهر عليه من أمور هذه الأزمة، ولما تركوا هذا الشعب كله في هذه الحيرة وفي هذا الاضطراب ولكنهم منحوا أنفسهم من العصمة ما لا يملكون فاستأثروا بأمور الشعب من دون الشعب وظنوا أنهم قادرون على أن ينهضوا بالأثقال وحدهم، ثم لم يلبثوا أن أحسوا العجز وتبينوا أنهم أضعف من أن ينهضوا بهذه التبعات وهاهم أولاء الآن يلتمسون عون الشعب وتأييده وما كان الشعب ليبخل بالعون والتأييد ولكن على قوم يحبهم ويحبونه، يثق بهم ويثقون به، يطمئن إليهم ويطمئنون إليه. والوزراء يعلمون حق العلم مكانهم الصحيح من حب الشعب وثقته واطمئنانه ونظنهم يعلمون حق العلم أيضًا أن الواجب الوطني يكلفهم في هذه الأيام العصيبة أن يستقيلوا وأن يدعوا مكانهم لقوم آخرين يجدون من نصر الشعب لهم وتأييده إياهم قوة تمكنهم من أن يحققوا للوطن ما يجب له من حقوق. فالشعب أكرم من أن يهن في المطالبة بما يجب له من حق، فالذين ينتظرون تأييد الشعب، يجب عليهم أن يرضوا الشعب، والذين يعتمدون على حب الشعب، يجب عليهم أن يعلموا أن الشعوب لا تحب بالإكراه وإنما تحب بالرضى. والشعب المصري لا يحب إلا الذين يعترفون له بحقه الكامل في الحرية والكرامة والعزة والاستقلال، فعلى الذين يريدون هذا الشعب على أن يؤيدهم وينصرهم، أن ينزلوا قبل كل شيء لهذا الشعب عن حريته وأن يحفظوا له كرامته وعزته، وأن يعترفوا بأن أمور الشعب يجب أن يديرها وكلاء الشعب الذين يربطهم به الرضى والحب، لا القهر والعنف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩ أكتوبر ١٩٣٤.

  • عيد (٢)

    حديث المساء: عيد (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١ يناير ١٩٣٤

    قل: إنه كان أمس، وقل: إنه ما زال متصلًا اليوم، فقد احتفلت الأسرة القضائية به واتصل بأول العام فلم يكن عيدًا لمعنى واحد، بل كان عيدًا لمعنيين أو لمعانٍ مختلفة كثيرة لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكان غيره من الأعياد الخليقة بهذا الاسم حافلًا بما يملأ النفوس بهجة وحبورًا، وبما يثير في القلوب ألمًا وحزنًا. فأين المصري الذي لا يبتهج ولا يغتبط حين يرى أسرة القضاء مبتهجة مغتبطة؛ لأنها تحيي عيدها الذهبي، وتودع نصف قرن أنفقته جاهدة، مخلصة صادقة في إحياء العدل وتأمين الناس على أحب ما يطمعون في الأمن عليه وفي إحياء مصر بالعدل ورفع ذكرها بين الأمم وإعلاء كلمتها بين الشعوب وتستقبل نصف قرن جديد — أو قل: تستقبل الزمان كله — بقلوب يملؤها الإيمان بالعدل والحرص على حمايته، وصيانته والارتفاع به عن أغراض الحياة وأمراضها التي تفسد على الناس أمورهم، وتشوه مثلهم العليا وتردهم لولا العدل إلى حياة لا تليق بالإنسان؟ أين المصري الذي لا يبتهج حين يرى أسرة القضاء مبتهجة، بتوديع ما ودعت من أيامها الخصبة، واستقبال ما تستقبل من أيامها السعيدة؟ بل أين المصري الذي لا يشعر بأن ابتهاج الأسرة القضائية إنما هو ابتهاج مصر كلها، وعهد لمصر على الزمان أنها ستمضي جادة في طريق مستقيمة يسيرة إلى الرقي واستكمال حظها الطبيعي من الاستقلال؟ كل المصريين كان مشاركًا لأسرة القضاء في عيدها أمس، وكل المصريين كان سعيدًا بهذا العيد، وكل المصريين كان يشعر أمس بما كانت تشعر به أسرة القضاء من العزة والكرامة، وكان يشعر بما لم تكن تشعر به أسرة القضاء من حب لها وازدهاء بها، واستشعار لهذه العزة المقدسة التي يشعر بها الرجل الحر في بلد حر يظله قضاء حر.

    ولكن أين المصري الذي لم يكن يشعر في الوقت نفسه أمس بحزن لاذع وألم ممض حين يرى السياسة تدخل بين أسرة القضاء فتفرقها فريقين، وتشقها قسمين، وتدفع طائفة منها إلى الأوبرا وسيمراميس وطائفة أخرى إلى فندق هليوبوليس؟

    ليقل أنصار الوزارة ما يقولون، وليقل الوزراء أنفسهم ما يقولون؛ فلن يستطيعوا أن ينكروا أن السياسة قد اقترفت أمس إثمًا عظيمًا، وأن أسرة القضاء كلها قد أحست أمس ما أحس المصريون جميعًا من الحزن اللاذع والألم الممض لهذه الفرقة التي لم يكن يدعو إليها داعٍ، ولا يدفع إليها دافع لولا هذه الأهواء التي تعبث بنفوس الساسة فتُحمِّلهم وتُحمِّل غيرهم من الأبرياء شططًا ما كان ينبغي أن يحتملوه. لقد كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها هذا العبء الذي لا طاقة لها بها؛ عبء التفريق حين يجب التأليف. ولقد كانت تستطيع أن تجنب أمتها هذا الألم الذي لم تكن في حاجة إليه؛ ألم النظر إلى الإخوة يشتركون في الابتهاج بالعيد، ولكنهم لا يستطيعون أن يجتمعوا لإظهار هذا الابتهاج؛ فيظهره كل فريق منهم بمعزل عن صاحبه، تأتلف القلوب والنفوس، وتفترق الأجسام والأصوات؛ لأن هذا السلطان السياسي المادي قد منع الأجسام والأصوات من أن تجتمع وتلتقي. كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها وتجنب الأمة هذه الفرقة التي حدثت أمس فآلمت المصريين وصورتهم في نفوس الأجانب تصويرًا لا يلائم الحق ولا يمثل الواقع؛ لأن المصريين ورجال القضاء منهم بنوع خاص متفقون غير مفترقين ومؤتلفون غير مختلفين، ولا سيما في حب العدل وإكبار القضاء.

    كانت الوزارة تستطيع ذلك لو أنها استطاعت أن تضبط نفسها وتكبح ميولها وأهواءها وتنسى السياسة في أشياء لا ينبغي أن تدخل فيها السياسة، وتذكر المثل العليا في أشياء لا ينبغي أن يذكر فيها إلا المثل العليا. وقد أشار إلى ذلك قاضي القضاء أمس في عبارة مهما تكن رفيقة، فقد كانت لاذعة شديدة القسوة، مصورة لما كان يحسه القضاة ورجال النيابة أمس من الألم لاضطرار المحامين إلى ألا يشاركوهم في أعيادهم المادية وإن شاركوهم في أعيادهم المعنوية كلَّ المشاركة. ولست أدري كيف وقعت هذه العبارة الرفيقة القاسية على الوزارة وتصرفها من قلوب الوزراء وضمائرهم وقلوب أنصار الوزراء وضمائرهم؟ ولكني أعلم أنها وقعت من قلوب المصريين موقع الحكم على هذا التصرف الذي لا يوصف بأقل من أنه كان اندفاعًا مع العواطف الجامحة، لا سلطان للإرادة الهادئة المطمئنة عليه.

    كان المصريون جميعًا مبتهجين أمس مع أسرة القضاء، وكان المصريون جميعًا محزونين أمس مع أسرة القضاء. وكان الوزراء لو فتشت عن قلوبهم وقرأت في نفوسهم في موقف يشبه موقف الحياد لا يبتهجون ولا يبتئسون، وإنما يؤدون عملًا من هذه الأعمال الرسمية، وينهضون بتكليف من هذه التكاليف التي لا ينهض بها الوزراء في أيام الحفل والأعياد.

    وبينما كان المحامون مجتمعين في هليوبوليس، وكان إخوتهم مجتمعين في سيمراميس كان المصريون يتحدثون فيما بينهم، فيقول بعضهم لبعض: ماذا أفادت الوزارة من هذا الاندفاع وما انتهى إليه من التفريق؟ أرادت أن تخرج مكرمًا من نقابة المحامين فجمعت حوله قلوب المحامين على اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم وآرائهم، وأتاحت للأستاذ فكري أباظة أن يلقي كلمته البليغة أمس فيسجل فيها أن الحكومة والبرلمان لو أرادا تكريم هذا الرجل وتسجيل إكبارهما له وإعجابهما به لما بلغا من ذلك ما بلغاه أمس حين أرادا إقصاءه عن نقابة المحامين. أرادت أن تظهر قوة وبأسًا وأن تبين أنها قادرة على أن تأمر فتكره الناس على إنفاذ ما تأمر به، فلم تزد على أن جمعت أكثر من ثلاث عشرة مائة من المحامين أقبلوا من أقطار مصر كلها ليظهروا — وقد أظهروا بالفعل — تضامنهم واحترامهم لأنفسهم وحسن فهمهم لمعاني العدل والإنصاف والمحاماة والقضاء.

    وفيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن عدد المحامين الذي كانوا يجتمعون في هليوبوليس قد أربى على الألف، وكلهم منكر لما فعل الوزراء، ساخط على ما فعل الوزراء، يحكم عليه في قسوة حازمة عادلة لا تقبل هوادة ولا لينًا؟ فيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن ألفًا ونصف ألف من المصريين المثقفين الممثلين في غير شك لأقطار مصر قد اجتمعوا ليقضوا على تصرفها قضاء لا لين فيه؟ لم يكونوا يفكرون في شيء، إنما كانوا يستمعون لغناء أم كلثوم وتوقيع الموقعين، ويشهدون مناظر الرقص مع الشاهدين. أما الذين كانوا يقدرون اجتماع هليوبوليس ويفهمون مغزاه ويتمثلون نتائجه ويتخذونه مقياسًا للحكم على تصرف الوزارة، هم المصريون الذين لم تفكر فيهم الوزارة، وإنما فكرت في نفسها، ولم تحفل بهم الوزارة وإنما حفلت بنفسها.

    كان أمس عيدًا، وكان كغيره من الأعياد حافلًا بالمواعظ البالغة والعبر النافعة، ولكنه لم يكن على ذلك يخلو من الفكاهة. والله عز وجل رفيق بالناس عطوف عليهم يبتليهم بالحزن، ويمتحنهم بالألم، ولكنه يسوق لهم ما يبعث في نفوسهم العزاء، ويسري عنهم من الهم بعض ما يجدون. فقد كان المحامون أمس يجتمعون إلى الشاي ويجتمعون إلى الخطب، وأي خطب؟ كلها جِدٌّ حازم صارم كأنه العدل. وكانت الوزارة في الوقت نفسه تحيي لرجال القضاء حفلة ساهرة لا بأس بها ولا غضاضة فيها على القضاة. ولكنها على كل حال لم تكن تحب التقاليد ولا توافقها ولا تطمئن إليها. فليس بالغناء بأس فيما يقال، وليس بالتوقيع بأس فيما يذاع من كلام الناس. ولكن الغناء والتوقيع في رمضان لا يوافق التقاليد، وإنما تلاوة القرآن الكريم هي التي تلائم التقاليد لو فكر وزير التقاليد، بل لو فكرت وزارة التقاليد، فأما مناظر الرقص، وما أدراك ما مناظر الرقص! ففيها قولان؛ فأما المعتدلون فلا يرون فيها بأسًا بشرط أن لا يكون الشهر شهر الصوم، وأما المتحرجون فيرون فيها البأس كلَّ البأس، في شهر الصوم وفي شهور الإفطار. وأما التقاليد فتحرمها في معهد التمثيل وتبيحها في سيمراميس بمحضر من كبار الدولة ووجوهها. وأما شيخ الأزهر ورجال الدين وعبد الحميد أفندي سعيد فلا يقولون شيئًا الآن؛ لأنهم في شغل بطاعة الله عن نقد الناس.

    لتسعد أسرة القضاء كلها بعيدها أمس ولتكن أيامها كلها أعياد! وليسعد المصريون بالقضاء وأعياد القضاء، ولتهنأ الحكومة بما أحرزت أمس من فوز أقل ما يوصف به أنه كان صورة صادقة للقوة البالغة والذوق الجميل!

  • إياب …

    إياب …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٩ نوفمبر ١٩٣٣

    كان المصريون يستعدون للقائهما باسمَيْن في جوٍّ باسم، مُشْرِقَيْن في سماء مشرقة، فعادا إليهم هامدَيْن خامدَيْن لا يعرفان ابتسامًا ولا إشراقًا يحملهما قطار يمشي على الأرض وسفينة تَسْبَح في الماء، ثم قطار يمشي على الأرض ثم عربة تجرها الجياد. لا يذل لهما متن الهواء، ولا يبتهج لهما ضوء الشمس، ولا تصعد إليهما أصوات المصريين رافعة إليهما التهنئة والإعجاب، وإنما تحتجب الشمس ويكتئب الجو، وتبكي السماء وتضطرم نار الحزن واللوعة في قلوب المصريين، وقد تَغْلِب العبراتُ جَهْدَ الجاهد وصبر الصابر، وجَلَد المتجلِّد، فتفلت من العيون، وتنحدر على الخدود.

    كان المصريون يرجون أن يكون اليوم يوم ابتهاج فأبى الدهر إلا أن يكون يوم ابتئاس، كان المصريون يقدرون أن الجو سيؤدي إليهم أمانتهم، ويرد عليهم أبناءهم موفورين سالمين، فإذا الجو يخون أمانة الأرض، وإذا السحاب يخفر ذمة الإنسان، وإذا الخطوب تعتدي على هذين الشابين الباسلين فتقهرهما، بعد طول الصراع، وتفجع فيهما أسرتين بائستين وبلدًا مكلومًا حزينًا.

    إن من حق المحن على كرام الناس أن يلقوها معترفين بها ومقدرين وقعها في القلوب وأثرها في النفوس، ثم محتملين لها وصابرين عليها، ملتمسين في احتمالها والصبر عليها والانتفاع بها وسيلة إلى المجد، وطريقًا إلى جلال الخطر وارتفاع الشأن.

    يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بأنهم قد فقدوا شابين عظيمين كان كل منهما ابتسامة نضرة مشرقة في حياتهم، وكان كل منهما قرة بأعينهم وصلة بينهم وبين الأمل القوي، ورسولًا لهم إلى المجد والعز، وقوامًا لأسرة تعتمد عليه وتفخر به وتعقد به كبار الآمال.

    يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بهذا كله، وأن يذوقوا لذع الألم ومرارة الحزن لهذا كله حتى إذا أرضوا حاجة نفوسهم إلى الحزن وحاجة قلوبهم إلى الألم، جدُّوا في التماس ما تحتاج إليه نفوسهم الحزينة من العزاء، وما تحتاج إليه قلوبهم الكئيبة من الأمل والرجاء.

    إن حياة المصريين جميعًا فداءٌ في كل وقت وفي كل محنة لمصر الخالدة، ولكن هذا الفداء لا خطر له، إذا لم يشعر المصريون بقيمته، إذا لم يعلم المصريون أنه عزيزٌ عليهم أثيرٌ عندهم، وأنهم لو خُلِّي بينهم وبينه لضنوا به وحرصوا عليه، فنحن لا نريد أن نبذل في سبيل الوطن نفوسًا تَهُون علينا، ولا نريد أن نحتمل في سبيل الوطن آلامًا يخف علينا احتمالها. إنما نريد أن نبذل نفوسًا غالية كريمة في سبيل وطن غالٍ كريمٍ، وأن نحتمل آلامًا فادحة ثقيلة في سبيل وطن نُؤْثِره ونُكْبِره، ونحتمل في سبيله ما يشق حمله، ونرضى في سبيله بما لا يسهل الرضا به والصبر عليه.

    لا تتحرج القلوب إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بالحزن اللاذع العميق، ولا تتحرج الوجوه إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بهذه الكآبة القاتمة التي تقطب لها الجباه، وتظلم لها الوجوه، وتنهلُّ لها الدموع، فقد فقدت مصر عزيزًا، ومُنِيَتْ مصر برزءٍ عظيمٍ.

    لِنَحْزَن اليوم ولْنُظْهِر حزننا في غير تحرج ولا احتشام؛ فذلك أيسر ما لهذين الشابين العظيمين علينا من حق، ثم لنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من أملٍ، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من جدٍّ ونشاط، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من تضحية وفداءٍ فهذا أيسر ما يجب للوطن علينا من حق.

    إن القلوب الكريمة لا تأبى الحزن ولا تكره الألم، ولكنها لا تحب الجزع ولا تعرف اليأس. وقد كانت قلوب المصريين كريمة دائمًا فلم تلقَ الخطوب مُنْكِرةً لها ولا ضيِّقةً بها، وإنما عرفت دائمًا كيف تَفِي للذين وفوا لها فتُكْبِرهم أحياء وتذكرهم مع الحب والحزن والألم حين يفارقون الحياة، ثم لا يمنعها ذلك أن تمضي في طريقها إلى ما قُدِّر لها من الرقي، لا وانية ولا يائسة ولا مستسلمة للخطوب. وهل كانت حياة مصر الخالدة إلا مزاجًا من الألم المُلِحِّ والأمل المبتسم الذي لا يعرف ضعفًا ولا فتورًا؟!

    إن في هذا الخطب العظيم لعِبَرًا يجب أن يعتبر بها المصريون وإلا تلهيهم عنها الحياة بهزلها وجدِّها، وإلا تلهيهم عنه بنوع خاص هذه الألفاظ الضخمة التي تمتلئ بها الأفواه والأسماع وقلما تصل إلى القلوب والنفوس.

    يجب أن يعلم المصريون أن الوفاء لهذين الشهيدين ليس بالحزن عليهما اليوم والانصراف عنهما إذا مضى هذا الجيل وأقبلت الأجيال التي تليه فإنهما لم يضحيا بنفسيهما فحسب، ولكنهما أنْبَأَا العالم الحديث بأن المصريين يعرفون الآن كما كانوا يعرفون من قبل كيف يموتون في ميدان الشرف، وكيف يبذلون أنفسهم ثمنًا لرفعة مصر الخالدة.

    نعم؛ وأنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين نهضوا، ولم يكونوا يلغون حين فدوا بلادهم بأنفسهم، وإنما كانوا يجدون حقًّا ويريدون ما يقولون حقًّا ولا يبخلون بالحياة حين تطلب إليهم مصر بذل الحياة، وهما أنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين أرادوا أن يرفعهم نشاطهم إلى الجو، لم يكونوا يتخذوا الطيران لهوًا ولعبًا، وإنما كانوا كغيرهم من الشعوب يتخذون الطيران وسيلة من وسائل الرقي، وسببًا من أسباب النضال الصحيح في الحياة يحتملون في سبيل ذلك ما يُفرَض عليهم من التكاليف، ويبذلون في سبيل ذلك ما ينبغي بذله من النفس والمال.

    فهذان الشهيدان خليقان أن يعرفهما هذا الجيل، وأن تعرفهما الأجيال المقبلة وأن يظل شخصاهما ماثلين لا في قلوب المصريين فحسب بل على الأرض المصرية وتحت السماء المصرية تُحَيِّيهما الشمس في كل صباح، وتُحَيِّيهما النجوم في كل مساء.

    نعم؛ وقد أَبَتْ عناية الله بمصر، وحب الله لمصر، إلا أن يكون هذا الخطب العظيم رمزًا مقدسًا لحقيقة مقدسة، يجب أن تكون قوام الحياة المصرية دائمًا، ويجب أن تكون فوق كل الحقائق، فهما مصريان، أحدهما مسلم والآخر مسيحي.

    كلاهما كان في مهمة وطنية، كانا يؤديانها معًا في حب مشترك لمصر، ووفاء مشترك لمصر، واحتمال مشترك لأمانة مصر، حتى إذا هاجمتهما الخطوب لم تُؤثِر أحدَهما دون صاحبه ولم تُفرِّق بينهما فيما أضمرت لمصر من كيد، وإنما هاجمتهما معًا وصرعتهما معًا ودفعتهما معًا إلى موتٍ مشتركٍ كريم، فالجو الفرنسي قد شهد مصر الخالدة الخالصة من كل خلاف تصارع الموت. والأرض الفرنسية قد تلقَّتْ رمز مصر الخالدة الخالصة من كل خلافٍ حين صرعه الموت.

    ومصر الآن، مصر الخالدة مصر الخالصة من كل خلاف، مصر التي تسمو فوق كل فكرة وفوق كل اعتبار، مصر الواحدة ستلقى رمزها الواحد، وستودع هذا الرمز المقدس أرضها المقدسة، وسترمم هذا الرمز المقدس في قلوب أبنائها جميعًا. فيجب أن يفكر المصريون في هذا، ويجب أن يقدر المصريون هذا، ويجب أن يعلم المصريون أن الخطوب والمحن حين تلم بمصر لا تختار من أهلها فريقًا دون فريق، وأن المجد والعز حين يطلبان التضحية من مصر لا يطلبانها من فريق دون فريق وإنما يطلبانها من المصريين؛ لأنهم مصريون لا أكثر ولا أقل.

    ولو لم يكن في هذا الخطب العظيم إلا هذا الدرس العظيم الذي تلقيه الأيام على المصريين، لكان هذان الشهيدان خليقين بألا نكتفي بأن نواري جسميهما في التراب ونحفظ شخصيهما في القلوب، ونسفح عليهما بعض الدموع.

    كلا، كلا. يجب أن يظل هذا الرمز المقدس للوحدة المصرية خالدًا ماثلًا أمام الأجيال المصرية كلها تحييه الشمس إذا أشرقت، وتحييه النجوم إذا تألقت في السماء.

    نعم؛ وعبرة أخرى في هذا الخطب العظيم يجب أن يعيها المصريون جميعًا وأن يعيها الشباب من المصريين خاصة وهي أن لمصر عند الجو ثأرًا، وأن هذا الثأر يجب أن يُنال، وأن هذا الجو الذي خان أمانة مصر، وقتل ابنين كريمين من أبنائها يجب أن يؤدي ثمن هذه الخيانة، وأن يذل للأجنحة المصرية، وأن يذعن متنه، لا لطائرتين ولا لطائرات تُعَدُّ بل لطائرات كثيرة كثيرة، تلائم نشاط الشباب ونهضته واعتداده بنفسه واعتزازه بوطنه، وحرصه على أن يثأر لنفسه حتى من الطبيعة حين تعتدي عليه الطبيعة.

    أفيبلغ هذا النداء قلوب الشباب المصريين؟

  • تعليم

    تعليم

    كنت في الفصل الماضي أضع الثقافة موضع البحث، وألاحظ أن التطور الحديث الذي خضعنا له منذ أول القرن الماضي قد أثّر في ثقافتنا هذه آثارًا مختلفة، وذهب بها في طرق متباعدة، فتناقضت، وباين بعضها بعضًا.

    وكانت لنا عقول متفاوتة، يذهب كل منها في التصور والتفكير والحكم مذهبًا لا يذهبه الآخر. فالعقل الأزهري، والعقل الذي تنتجه المدارس المدنية الخالصة، والعقل الذي تنتجه المدارس المشتركة بين النظامين الديني والمدني، كل هذه العقول تتصور وتحكم وتفكر على أسلوب خاص بها، مقصور عليها.

    وينتج من هذا أن وحدتنا القومية شبه ضعيفة واهية، معرضة للخطر إذا عصفت بها الحوادث، وأصابتها فتنة أو محنة من هذه الفتن التي لا تكاد ترى منها أمة من الأمم في عصر من العصور.

    وكنت أرى أن الخير إنما هو في أن يجتهد المشرفون على التعليم في وزارة المعارف والأزهر في أن يقربوا مسافات الخلف بين هذه العقول المتباعدة، حتى تصبح لنا ثقافة واحدة، وحتى نصبح بفضل هذه الثقافة أمة واحدة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة.

    وأنا أحب أن أعود إلى هذا الموضوع اليوم، لا لأوجز، بل لأستقصي القول فيه. فكل شيء يدعو المفكرين في مصر الآن إلى أن يتناولوا هذا الموضوع بالدرس والاستقصاء.

    فنحن ننفق من حياتنا القومية عصرًا سيكون له أعظم الأثر، لا في مستقبلنا وحده، بل في مستقبل الشرق العربي الذي نؤثر فيه، ويتخذنا له إمامًا.

    نحاول أن نظفر بالاستقلال السياسي الآن، وما أرى أن عصرًا طويلًا سينقضي دون أن نكون قد ظفرنا به.

    والاستقلال السياسي تبعة قبل أن يكون مزيّة، فهو يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.

    وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بأعبائنا الخاصة، ندبرها وحدنا، لا نعتمد في تدبيرها على أحد، ولا نستطيع أن نحمل غيرنا تبعة الخطأ في هذا التدبير.

    وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بواجباتنا الدولية على أحسن وجه ممكن، لا نعتمد في ذلك على المصلحين فنًا، ولا نستطيع أن نعتذر من التقصير فيه لأن غيرنا قد حال بيننا وبين ما كنا نريد.

    فالاستقلال السياسي إذن يضطرنا إلى أن نواجه كثيرًا من الحقائق الواقعة، كأنْ لم يكن غيرنا ينوب عنا في مواجهتها، ونعالج كثيرًا من المسائل المعقدة، كأنْ لم يكن غيرنا يكفينا مشقة البحث عما تحتاج إليه من حل أو علاج.

    وكل ما نأتيه من أمر في مواجهة تلك الحقائق، أو التماس العلاج لهذه المسائل، يترك آثاره الباقية في حياتنا الخاصة، وفي حياة الأمم الشرقية العربية التي نسير على آثارها، ونحرص على تقليدنا قليلًا وكثيرًا.

    فمن أوضح الأمر إذن أن نستعد للنهوض بهذه الأعباء، واحتمال هذه التبعات التي يفرضها علينا الاستقلال السياسي الذي نجد في طلبه، ونوشك أن نظفر به.

    وأول عدة يجب أن نتخذها لهذا، أن نكوّن وحدتنا القومية إذا لم تكن موجودة، ونقويها إن كان فيها شيء من الضعف أو الفتور.

    وأوضح سبيل إلى تكوين هذه الوحدة أو تقويتها إنما هو وضع نظام تعليمي عام يلائم حاجاتنا ومثلنا العليا من جهة، ويحقق لنا وحدة الثقافة من جهة أخرى.

    ونحن نعنى بأمر التعليم وإصلاحه منذ ظهرت حركتنا الاستقلالية الأخيرة، وأتيح لنا من الحرية حظ يمكننا من أن نقضي في هذا الأمر من غير رقيب.

    ولكن الغريب أننا نحس الحاجة إلى الإصلاح، ونحاول السعي إليه في غير روية، ولا أناة، ولا تفكير. ونحن نفكر فيه تفكيرًا مضطربًا لا نظام له ولا قوام.

    نشعر أن الأجنبي قد أشرف على أمور التعليم عندنا، يوجهها وجهة تلائم منفعته هو أكثر مما تلائم حاجتنا نحن، فنجد في هدم ما بناه الأجنبي، لا نكاد نفرق بين الجيد منه والرديء.

    وربما حاولنا أن نلتمس لهذا الهدم عللًا أخرى غير هذه العلة، فزعمنا أن المنفعة الصحيحة تقتضي أن نعدل عن منهج قديم إلى منهج جديد، وأن طاقة التلاميذ والطلاب تقتضي أن تنصرف عن نظام إلى نظام، وأن طبيعة الحياة الجديدة التي نحياها تقتضي أن نجدد التعليم كما نجدد غيره من ضروب النشاط العقلي والاجتماعي، إلى غير ذلك من هذه العلل المسرفة في الغموض أو المسرفة في الوضوح، والتي تقرؤها كل يوم فيما ينشئ الكتاب من فصول، وما يصدر الوزراء من قرارات، وما يلقي النواب من خطب، وما يضع الفنيون من تقارير.

    والحق الذي لا يحتمل الشك هو أن وزارة المعارف إلى الآن لم تستطع أن ترسم لنفسها طريقًا واضحًا تسلكه إلى إصلاح التعليم، لأنها لم تستطع إلى الآن أن تتبين في وضوح وجلاء الغرض الصحيح الذي من أجله توجد وزارة المعارف، والذي من أجله يتعلم الناس.

    وأكبر الظن أن وزارة المعارف تشعر أنها موجودة لأن طبيعة الأشياء اقتضت وجودها، وأن الناس يتعلمون لأن العادة جرت بأن يتعلموا، ليس غير.

    ولكن الواقع أن طبيعة الحياة الجديدة في هذا العصر الحديث قد اقتضت وجود وزارة المعارف في البلاد المتحضرة، لأنها اقتضت أن يصبح التعليم قوميًّا بعد أن كان فرديًّا، وأن تشرف الدولة قليلًا أو كثيرًا على هذا التعليم القومي، بعد أن كانت تتركه حرًّا يذهب فيه الأفراد مذاهبهم المختلفة المتباينة.

    فالتعليم إذن أمر قومي، تشرف الدولة عليه إشرافًا يختلف قوةً وضعفًا باختلاف المذاهب السياسية في بسط سلطان الدولة على الأمور العامة أو قبضه عنها، ولكنها تشرف عليه في كل حال، كما تشرف على سلامة الوطن، وأمنه، واستقرار العدل فيه.
    وإذا كان التعليم قوميًّا، فيجب أن يكون له غرض قومي يسعى إلى تحقيقه، ويكون ملائمًا له في الطبيعة والجوهر والنظام.

    فما الغرض القومي الذي نسعى إليه حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفرض لذلك الضرائب، وننفق في ذلك الأموال؟

    ونلاحظ، قبل أن نجيب عن هذا السؤال، أنه من الواجب أن نجتنب هذه الألفاظ العامة المبهمة التي لا تدل على شيء؛ لأنها تدل على كل شيء، كالمنفعة، والرقي، والتقدم، والجهاد في سبيل الحياة، وما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي يألفها الناس ويكتفون بها؛ لأنها سهلة على الألسنة، يسيرة على العقول، لا يحتاج من يسمعها أو نطق بها إلى أن يحقق لها معنًى دقيقًا محدودًا.

    يجب أن نجتنب هذه الألفاظ، أو نجتنب على أقل تقدير استعمال هذه الألفاظ في غير ضبط أو تحديد، فلم يؤخر فوزنا بما نبتغي من إصلاح التعليم إلا الركون إلى مثل هذه الألفاظ العامة الغامضة.

    يخيل إلي أن للتعليم القومي أغراضًا ثلاثة نحرص عليها، حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفتح دور العلم للناس.

    فالأمة تعلم أبناءها لتنقل إلى هؤلاء الأبناء تراث الأمة من جهة، والتراث العقلي والفني والأدبي للإنسانية من جهة أخرى. وهي حين تنقل هذين النوعين من التراث إلى الأجيال الناشئة، تحتفظ للأمة بشخصيتها ومقوماتها من حيث هي وحدة مستقلة، وتقوي الصلة بينها وبين الأمم الأخرى، فتمكنها من أن تأخذ بحظها من التضامن الإنساني العام، الذي دفع الإنسانية إلى أن تنحيا، وترتقي، وتصلح من أمرها إصلاحًا مضطردًا.

    فالغرض الأول إذن من التعليم القومي يجب أن يكون الاحتفاظ بشخصية الأمة، لتعيش مستقلة من ناحية، ومتضامنة مع غيرها من ناحية أخرى.

    والأمة تعلم أبناءها ليظهروا على أسرار الطبيعة وظواهر الكون، فيتمكنوا من أن يسيطروا على هذه الطبيعة، ويسخروها لإرضاء حاجاتهم المختلفة، ليعيشوا، وليعيشوا عيشة مرفهة، أو على أقل تقدير عيشة تكفل لهم حظًّا معتدلًا من الراحة والنعيم.

    فهم يدرسون من العلم والأدب والفن ما يتيح لهم أن يزاولوا ضروب الصناعة، والزراعة، والتجارة، وغيرها من الأعمال التي تقتضيها الحضارة، والتي يعتمد عليها الناس ليكسبوا ما يحتاجون إليه من رزق.

    فالغرض الثاني من أغراض التعليم القومي تمكين الأجيال الناشئة من أن يصلوا حاضرهم بحياة آبائهم، ويرقوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

    والأمة تعلم أبناءها أيضًا؛ لأن الله قد وهبهم عقولًا تحب الحق من حيث هو حق، وتلتمسه، ونفوسًا تحب الجمال من حيث هو جمال، وتطمح إليه. وقد أودع الله هذا العالم حقًّا وجمالًا، فنحن مفطورون على أن نحبهما، ونسمو إليهما، وعقولنا تستكمل بطبيعتها وتنمو بذلك الحب وهذا السمو. ونفوسنا كذلك لا تعتدل ولا تستريح من آلام الحياة ولا تنتج إلا بذلك الحب وهذا السمو.

    فالغرض الثالث من أغراض التعليم القومي هو تمكين الأجيال الناشئة من أن تستكمل حياتها العقلية والشعورية الصحيحة بحب الحق والخير، وتحصيل أعظم حظ ممكن منهما.

    ولكل غرض من هذه الأغراض الثلاثة نوع من أنواع التعليم القومي؛ لأنه يعين على تحقيقه. وهذه الأنواع كلها متضامنة في تكوين الرجل النافع الذي يصلح عضوًا منتجًا، قيمًا في الحياة، نافعًا للأمة وللإنسانية.

    فالتعليم الأولي يكون أقل مقدار ممكن من الثقافة التي يجب أن نشترك فيها الأمة كلها لتحقيق وحدتها، والإنسانية كلها ليتحقق التضامن بين أجزائها.

    والتعليم الثانوي والفني جميعًا يحققان هذا الغرض الأول، ويحققان الغرض الثاني؛ لأنهما يمكنان الشباب من العمل، ويفتحان لهم أبواب الجد والنشاط فيما يحتاجون إليه ليعيشوا عيشة خفض ونعيم.

    والتعليم العالي يحقق هذين الغرضين، ويحقق الغرض الثالث؛ لأنه يمكن الشباب من أن يبروا الحق والخير، ويأخذوا منهما ما يلائم أمزجتهم وطاقتهم من الحظوظ.

    على هذا النحو نفهم التعليم القومي، وعلى هذا النحو وحده تفهم عناية الحكومة بالتعليم القومي، وما تضطرها إليه هذه العناية من فرض الضرائب، وشرع القوانين، وتقييد حرية الأفراد والجماعات.

    وإذا كان هذا النحو من فهم التعليم القومي صحيحًا، فمن الواضح أن الحكومة، حين تعنى به وتشرف عليه، يجب أن تضع من النظم والمناهج ما يلائم هذه الأغراض ويعين على تحقيقها.

    فليس تعليمًا قوميًّا صحيحًا هذا التعليم الأولي الذي لا يعرف التلميذ تاريخ أمته ومنزلتها الصحيحة من الحياة العالمية.

    وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم الثانوي أو الفني الذي لا يمكن التلميذ من العمل المنتج، ولا يفتح له أبواب الحياة.

    وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم العالي الذي لا يثير في نفس الطالب حب البحث والاستكشاف، والرغبة الصادقة في تنمية التراث العلمي والفني للإنسانية.

    وإذن فليس وضع مناهج التعليم وبرامجه أمرًا يسيرًا يمكن أن يعهد به إلى كل إنسان مثقف، وإنما هو أمر دقيق يجب أن يعهد به إلى الذين يعرفون تاريخ الأمة، ويقدرون حاجاتها، ويستطيعون أن يلائموا بين هذا التاريخ وهذه الحاجات، وبين ما ينبغي أن يكون للأمة من مثل أعلى في الحياة.

    وما أبعد المسافة بين هذا النحو من تصور التعليم القومي، وبين هذه الخطط المضطربة التي اتخذها أولو الأمر عندنا وسيلة إلى تنظيم التعليم.

    وأنا أرجو أن أعود إلى هذا الموضوع، فأبسط فيه القول مرة أخرى.

    طه حسين
    المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠.