Tag: Political ethics

  • رسالة لم يكتبها الجاحظ

    رسالة لم يكتبها الجاحظ

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٢ مارس ١٩٤٨

    إلى …

    يسَّرَك الله للخير، ويسَّر الخير لك، وصرفك الله عن الشر، وصرف الشر عنك، ودلَّك الله على الحق، ودل الحق عليك، وساقك الله إلى الصواب، وساق الصواب إليك، وأشاع الله في قلبك الغبطة، وأسبغ على نفسك البهجة، وأنزل على ضميرك السكينة، ونقَّى دخيلتك من الموجدة والضغينة، وجعل ما ظهر من أمرك بشرًا ويمنًا، وما خفي من سرِّك دعة وأمنًا، ووطأ كنفك للصديق المقارب، ومهَّد عفوك للعدو المجانب، ورفع مكانك عن كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وخفض جناحك للَّائذين بك واللاجئين إليك، وثبَّتك على ما ركب في طبعك من إعطاء المحروم، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، وتعزية الملتاع، والأخذ بيد الضعيف، والتجاوز عن إساءة المسيء، والإعراض عن جهل الجاهلين.

    ***

    بهذا كله أدعو لك حين ألقاك، وحين أنأى عنك، وبهذا كله أدعو لنفسي حين أخلص لها خاليًا إليها، وحين أشغل عنها نافرًا منها. فالله يشهد ما أحببت لنفسي شيئًا إلا أحببت لك مثله، أو خيرًا منه، وما كرهت لنفسي أو من نفسي شيئًا إلا تمنيت أن يعصمك الله منه، وينزهك عنه، ويجنبك التورط فيه. فأنت رفيق الصبا وصديق الشباب، وأنت شقيق نفسي وأليف قلبي، والشريك في النعمة حين تظل، والحليف على النائبة حين تنوب، والمعين على الخطب حين يَدْلَهِمُّ، والظهير على الأيام حين تحدث فيها الأحداث وتتعقد فيها المشكلات. فما نصحت لك قط ولا أشرت عليك ولا رفقت بك، إلا رأيتني لها ناصحًا وعليها مشيرًا وبها رفيقًا.

    وما أعلم أنَّك احتجت قَطُّ إلى نصح الصديق ومشورة الخليل كما تحتاج إليهما الآن حين ارتفعت منزلتك عند أصحاب الشأن، وأُلْقِيَ إليك الخطير من أَزِمَّةِ الحكم، فطمِع فيك الطامعون، وأشفق منك المُشفِقون، وانعقدت بك الآمال، ولاذت بك الأماني، وأصبحت من وفور النعمة وبسطة الجاه بحيث لا تستقبل النهار ولا تستقبل الليل، ولا تعبر ساعة من ساعاتهما أو لحظة من لحظاتهما إلا فكَّر فيك مفكِّر يريد أن يستظل بجناح من نعمتك أو يتقي طائفة من نقمتك؛ فأنت المرجو المَخوف، وأنت المحبب المبغض، وأنت المرموق المرموق، وأنت المغبوط المحسود. وإذا بلغ الإنسان مثل ما بلغت من ارتفاع المنزلة وعلو المكانة وانبساط السلطان وامتداد القوة؛ كان خليقًا أن ينأى بنفسه عن الغرور والتِّيهِ، ويبرئها من الصَّلَفِ والكبرياء، ويحميها من الاندفاع في الثقة، والاعتداد بالحول والطول، والاستغناء بالثراء والبأس، ويذكر أنَّه قد قوي بعد ضعف، وأثرى بعد فقر، واستغنى بعد احتياج، وأنَّ ضمائر الأيام تحفظ للناس من أسرار الغيب ما يُحبُّون وما يكرهون، وتدَّخر لهم من الأحداث ما يعرفون وما ينكرون. فمن أتيحت له القوة قد يُقدر له الضعف، ومن مُكِّنَ له في الأرض قد تنبو به الدار، ومن ابتسمت له الأيام قد يعبس له الدهر، النعمة وديعة في أيدي أصحابها قد يطلبها من استودعهم إياها، والقوة عارية في أيدي الأقوياء، قد تُؤخذ منهم لتُردَّ على الضعفاء، والله عز وجل يقول: ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) وقد قال الشاعر القديم:

    فيومٌ علينا ويومٌ لنا ويوم نُسَاءُ، ويوم نُسَرُّ

    فأحذرك أول ما أحذرك أيها الأخ الصديق والخليل الشفيق: الاعتداد بالنفس، والاغترار بالحول والطول، والانخداع بابتسامات الدهر؛ فإنَّها قد تصدقك اليوم لتكذبك غدًا. فاحذر نفسك أول ما تحذر، وأشفق عليها منها قبل أن تشفق عليها من الناس، واذكر قول الله عزل وجل في قصة يوسف عليه السلام: ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )؛ فلا تنفذ لنفسك أمرًا تتلقاه منها حتى تتدبره وتفكر فيه؛ فتطيل التفكير، ومهما يواتيك الحظ فاذكر حالك قبل أن يواتيك، وقدِّر أنَّك قد تعود إلى مثل ما كنت فيه، واذكر رأيك في أصحاب الرأي قبل أن تكون منهم، ونقدك لهم وحكمك عليهم قبل أن ترقى إلى مكانك بينهم. واعلم أنَّ النَّاس يقولون فيك مثل ما كنت تقول فيهم، ويحكمون عليك بمثل ما كنت تحكم عليهم، واذكر في أول ما تذكر أنَّ لك ضميرًا يرضى ويسخط، ويعرف وينكر، ويحمد ويذم، وأنَّ أعباء الحكم قد تشغلك عنه أو تشغله عنك، ما امتدت لك أسباب القوة. ولكن ستفرغ له كما أنَّه سيفرغ لك ذات يوم أو ذات ليل؛ فاحرص على ألَّا تسمع منه إلا خيرًا.

    ***

    وأنت بعد ذلك محتاج إلى نصح الصديق ومعونة الخليل فيما أحدث الحكم بينك وبين الناس من صلات، فأنت تدبر أمورهم وترعى مرافقهم، تسوسهم باللِّين حينًا، وتسوسهم بالشدة أحيانًا. فأنت تُطمِع وتُخيف، وأنت تُشيع الرغب وتُشيع الرهب، وأنت تمد أسباب الرجاء وتُرسل إلى القلوب صواعق اليأس. فالنَّاس بين مبتغٍ إليك الوسيلة، ومتربص بك الدائرة، ومنتهز فيك الفرصة. كلهم يظهر لك المودة، وأكثرهم يُضمر الموجدة عليك، ويطوي قلبه لك على شر ما تُطوى عليه القلوب.

    وأخوف ما أخاف عليك من الناس: سعيهم عندك بالنميمة، ومشيهم إليك بالوقيعة، وابتغاؤهم رضاك بالوشاية؛ فالنَّاس يبتغون إلى الحاكم كل وسيلة، ويتقربون إليه من كل سبيل، يتنافسون فيما عنده، ويغريهم ذلك بأن يكيد بعضهم لبعض، ويمكر بعضهم ببعض، ويتكذب بعضهم على بعض، كلهم يريد أنْ ينالَ منَ الحكومة أكثر ممَّا ينال غيره من النظراء، وهم من أجل ذلك في هَمٍّ مقيم وتحاسُد متصل وتباغُض ملح، يسعون إلى آمالهم بما يستقيم من الطرق وما يعوج، وبما يباح من السيرة وما يحظر، وبما يَحسُن من القول والعمل وما يقبح، يتبادلون المساءة فيما بينهم، ولكنَّهم يختصونك بشرِّ ما يتبادلون من النكر والسوء، ويفسدون قلبك على الناس، فيفسدون قلوب الناس عليك، ويسيئون رأيك فيهم فيسيئون رأيهم فيك. ثم ينتهون آخر الأمر إلى أن يُفسدوا عليك أمرك، ويسيئوا رأيك في نفسك، ويباعدوا بينك وبين ضميرك، وينغصوا عليك راحة الليل، ونشاط النهار.

    ***

    وإذا وجب عليك أن تحذر نفسك، وأن تحذر الناس، فقد يستبين لك أنَّ الحكم نقمة لا نعمة، ومحنة تُبتلى بها النفوس، وتُفتن بها القلوب، وتُمحص بها الضمائر، فهو عناء لا راحة، وهو شقاء لا سعادة، وهو قلق لا هدوء، وهو خوف لا أمن. واذكر — أصلحك الله — أيام كنا نلتقي فنذكر فلانًا وفلانًا من الحكام الذين سبقوك، نعيبهم كثيرًا ونثني عليهم قليلًا، ونرثي لهم دائمًا، ونتمنى للصديق منهم أن يجلي الله عنه الغمرة ويُفرج عنه الكربة، ويحط عنه أعباء الحكم وأوزاره، ويرده إلى الحياة الحرة السمحة التي لا يحمل الإنسان فيها إلا أوزار نفسه، والتي لا يثقل الإنسان نفسه فيها بأوزار الناس، وما أكثر أوزار النَّاس!

    ولقد تبتسم راضيًا أو ساخطًا حين تعلم أني أكتب إليك هذه الرسالة، وفي نفسي من الحب لك والرفق بك والإشفاق عليك، ما يحملني على أنْ أسأل الله لك العافية، وأتمنى عليه أن يضع عنك إصر الحكم وأغلاله، وأن يردك إليَّ من هذه المحنة سالمًا موفورًا، وقانعًا من الغنيمة بالإياب؛ فخير غنيمة للحاكمين أن يخرجوا من الحكم أنقياء كما كانوا قبل أن يدخلوا فيه، لم يغنموا منه إلا سلامة الإياب!

  • إقطاع

    إقطاع
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢ مايو ١٩٤٧

    لو فهمنا الديمقراطية على وجهها؛ لما شك الحاكم في أنه خادم عليه من الواجبات أكثر مما له من الحقوق، ولما شك المحكوم في أنه سيد في وطنه، لا ينبغي أن يخاف الحاكم أو يرهبه، ولا أن يتملقه أو يستعطفه! وإنما يؤدي إليه الحق على أن حق الدولة كلها على المحكومين، ويطلب إليه الحق على أنه حق الشعب كله من الحاكمين.

    هذا إقطاع أشدُّ خطرًا وأعظم نكرًا من الإقطاع القديم، الذي عرف في الزمان الأول، ولعله لا يزال يعرف إلى الآن في بعض أقطار الأرض. فقد كان الإقطاع القديم طورًا من أطوار الاجتماعية الإنسانية اقتضته ظروف الحضارة، فكان في وقته ملائمًا للأخلاق وملائمًا للدين، وملائمًا للسياسة. وكان الناس يطمئنون إلى نظام طبيعي مألوف نشأ في غير تكلف، ولم يفرضه تحكم ولا طغيان.

    أمَّا الإقطاع الذي أريد أن أتحدث عنه، فإنه شيءٌ لم تفرضه طبيعة الحياة، ولم يقتضه تطور الحضارة، ولم يطمئن الناس إليه، ولا يمكن أن يطمئنوا إليه؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ومخالف لرأي الناس في طبيعة الأشياء، ومخالف لتصور الناس حقائق الحياة وحكمهم على هذه الحقائق.

    ومصدر هذا الإقطاع البغيض خطأ في الفهم، وخطأ في الحكم، وخطأ في التقدير، وأخشى أن أقول: إن من مصادره فسادًا في الأخلاق وغلظة في الأذواق! فالأصل أن المصالح العامة ملك للشعب كله، وأن الحكومات والهيئات الاجتماعية المختلفة إنما تنوب عن الشعب في تحقيق هذه المصالح وتدبيرها والعناية بها. فُهِمَت المصالح العامة على هذا النحو منذ العصور القديمة جدًّا، وفي بيئاتها المختلفة أشد الاختلاف. فهمها على هذا النحو اليونان والرومان على اختلاف نظمهم السياسية، وفهمها على هذا النحو المسلمون في عصورهم الذهبية الممتازة، وفهمها على هذا النحو الأوروبيون والأمريكيون، وسيظلون يفهمونها على هذا النحو. فالوزارة من الوزارات ليست ملكًا للوزير، وإنما هي ملك للدولة، بل إن هذه الوزارة من الوزارات ليست ملكًا للحكومة كلها، وإنما هي ملك للدولة التي هي أبقى وأعم وأشمل من الحكومة. وليست الحكومة في حقيقة الأمر نظامًا عمليًّا تصطنعه الدولة لرعاية مصالحها وتدبير أمورها، وليس أعضاء الحكومة في حقيقة الأمر إلَّا جماعة من الناس ترى فيهم الدولة — مخطئة أو مصيبة — الكفاية والقدرة على رعاية هذه المصالح وتدبيرها وقتًا يقصر أو يطول. فهي تكلفهم هذا الواجب، وتأجرهم على النهوض به، وتراقبهم أثناء النهوض به، فتبقيهم في عملهم ما رضيت عنهم، وتقصيهم عن عملهم إن سخطت عليهم أو أنكرت منهم شيئًا أو آنست منهم تقصيرًا أو قصورًا!

    فأعضاء الحكومة موظفون لا أكثر ولا أقل، وهيئة الحكومة جماعة من الموظفين يعملون متضامنين، ويخضعون لرقابة الدولة، ويتعرضون لما يتعرض له أي موظف من رضا الدولة وسخطها.

    هذا هو الأصل الذي يعرفه الناس جميعًا ويقره الناس جميعًا حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، وحين يلقى بعضهم بعضًا ويتحدث بعضهم إلى بعض. تعلموه في المدرسة، وقرءوه في الكتب، وهم يقرءونه في الصحف حين يصبحون وحين يمسون. ولكن العمل في مصر — وفي بلاد أخرى تشبه مصر شبهًا قريبًا أو بعيدًا — يخالف هذا الأصل أشد الخلاف ويناقضه أعظم المناقضة!

    فالوزير لا يكاد يجلس على كرسيه حتى يغره الغرور؛ فيخدعه عن نفسه وعن سلطانه، وعن حقه وعن واجبه، وينسيه أنه موظف وُلِّيَ اليوم وقد يُعزل غدًا، وأنه مراقب يمكن أن يسأل عمَّا يأتي، ويمكن أن يسأل عما يدع، ويمكن أن يعاقب على ما يتورط فيه من قصور أو تقصير! ينسى هذا كله وينسى أنه لم يكن وزيرًا أمس، وأنه قد لا يكون وزيرًا غدًا، ولا يذكر إلَّا شيئًا واحدًا هو أنه يستطيع أن يأمر وينهى، وأن في وزارته موظفين يجب عليهم أن يأتمروا إذا أمرهم، وأن ينتهوا إذا نهاهم. ويسرف الغرور على نفسه، ويسرف هو على نفسه في الغرور، فيخيل إليه أنه مستأثر بمنصبه إلى آخر الدهر، وينسى نسيانًا تامًّا هذه الصيغة التي كانت «المقطم» تمهِّد بها فيما مضى من الأيام لسقوط الوزارات، وهي أن الحكم تقليد لا تخليد. وإذا هو يقتنع فيما بينه وبين نفسه، ثم يقنع الناس من حوله بأن الوزارة التي يتولاها إنما هي إقطاع من الإقطاعات قد أُهدي إليه ووُقِف عليه، فهو يتصرف فيه كما كان السادة يتصرفون فيما يُهدى إليهم من الإقطاعات!

    ونظام الإقطاع دقيق، فيه السيد الذي يلقب أحيانًا بالدوق، وأحيانًا بالمركيز، وأحيانًا بالكونت. ثم فيه السادة الذين يلون هذا السيد الأعظم، ويحملون مختلف ألقاب الشرف، وقد رُتِّبت درجات بعضها فوق بعض. ثم فيه بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، ليس لها رأي في شيء، ولا ينبغي أن يكون لها رأي في شيء! وهذا النظام هو الذي يطبق في وزاراتنا ومصالحنا تطبيقًا دقيقًا: فالوزير هو السيد الأعظم، ثم يليه السادة الوكلاء، ثم تليهم طبقات مختلفة من الرؤساء قد رُتِّبت درجاتٍ بعضها فوق بعض. ثم تأتي بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، والتي تأتلف منك ومني ومن أمثالنا بين عباد الله البائسين!

    ونظام الأحزاب في مصر ليس كنظام الأحزاب في البلاد الأخرى؛ فالحزب الذي يتولى الحكم إنما يتسلم مصر على أنها إقطاع من الإقطاعات يقسم بين الوزراء، ويحكم على النحو الذي كانت تحكم عليه الإقطاعات في الزمان الأول، وينظر إلى الأحزاب التي لا تتولى الحكم على أنها من الدهماء التي لا يعبأ اللَّه بها، فلا ينبغي أن يعبأ بها الناس!

    والحكم في مصر دُولَةٌ بين الأحزاب، فهو اليوم إلى هذا الحزب، وهو غدًا إلى حزب آخر. فالحزب الذي يحكم اليوم لم يكن حاكمًا أمس، ولن يكون حاكمًا غدًا. وكان هذا خليقًا أن يعلِّم الأحزاب أنها حين تتولى الحكم لا تتسلم إقطاعًا، وإنما تكلف خدمة. ولكن الأحزاب مع ذلك لا تتعظ ولا تتعلَّم، وإنما تلي الحكم فيسرع النسيان فيمحو من رءوسها كلَّ ذكرى، ويسرع الغرور فيلقي بينها وبين المستقبل أستارًا كثيفة، وإذا هي تعمل ليومها غير ذاكرة أمس، ولا محتاطة للغد، حتى إذا جاءت الساعة التي لا بدَّ من أن تجيء، وأنزلت الأحزاب الحاكمة إلى منازل الدهماء، ورفعت الأحزاب المحكومة إلى مناصب الحكم؛ لم يتغير شيء، وإنما مضى سادة ليصبحوا مسودين، وأقبل مسودون ليصبحوا سادة، وشكا المحكومون دائمًا من ظلم الحكام، وسخر الحاكمون دائمًا من شكوى المحكومين!

    ولولا أننا قدرنا الأشياء كما ينبغي أن تقدر في ظل النظام الديمقراطي؛ لما نظرنا للوزراء والرؤساء على أنهم سادة ينبغي لهم أن يأمروا وينبغي لنا أن نطيع، بل على أنهم وكلاء قد ائتمناهم على مصالحنا، فإن رعَوها فذاك، وإن لم يرعوها ففي القانون والدستور وازعٌ للجميع.

    نعم، ولكن الحق يجب أن يُقال، والحق أن الحاكمين والمحكومين في مصر لا يفهمون الديمقراطية على وجهها، وهم من أجل ذلك لا يتداولون الحكم فيما بينهم، وإنما يتداولون الظلم والاستبداد!

    فالحكم إقطاع للأحزاب الحاكمة لا أكثر ولا أقل، وليس بينه وبين الإقطاع القديم إلَّا فرق واحد ظاهر، وهو أن الإقطاع القديم كان ثابتًا مستقرًّا لأصحابه، تتوارثه ذريتهم بعد أن يموتوا. أمَّا الإقطاع الحديث فمتنقل لا يحب أن يستقر ولا يخضع لنظام الميراث. وهو من أجل ذلك أشدُّ خطرًا من الإقطاع القديم؛ لأنه فرصة يجب أن تُنتهز، فلعلها لا تعود، أو لعلها لا تعود إلَّا بعد وقت طويل! وإذن فيجب أن يستأثر الحاكمون ما وسعهم الاستئثار، وأن يدخروا منذ اليوم ما يمكن أن يفوتهم في غد، ويجب أن يتربص المحكومون، وأن يكيدوا ويمكروا، وأن يسجلوا ويستعدوا للانتقام!

    وكذلك تضيع المصالح العامة أولًا، ويفسد الحكم ثانيًا، وتفسد الأخلاق ثالثًا، وينحل التضامن الاجتماعي بعد ذلك، ويصبح بعض المصريين لبعض عدوًّا. وليس لهذا كله من دواء إلَّا أن نفهم الديمقراطية على وجهها. ولكن أتظن أن من الممكن أن تُفهم الديمقراطية على وجهها، وقد شبَّ عمرو على الطوق؟ ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

    والشيخ إن قومته من زيغه لم يُقِمِ التثقيف منه ما انحنى!

  • امتحان

    امتحان
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٦ سبتمبر ١٩٤٦

    لم تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية كما تُمتحن الآن، ولم ترسب مصر في امتحان خطر كما ترسب الآن في هذا الامتحان. ويكفي أن تلاحظ أن حديث المفاوضات بدأ بيننا وبين الإنجليز منذ العام الماضي، وأنه لم ينقضِ إلى الآن ولا يعرف متى يريد أن ينقضي. ومصدر ذلك بسيط، وهو ضعف الخلق السياسي عند فريق من المصريين؛ فهم لا يتحدثون إلى الإنجليز كما يتحدث الندُّ المؤمن بحقه إلى الندِّ المغتصب لهذا الحق، وإنما يتحدثون إليهم كما يتحدث الضعيف المتهالك الذي لا يقدر على شيء — والذي يريد مع ذلك أن يعيش — إلى القوي المتماسك الذي لا يشفق من شيء ولا يحتاج إلى شيء، والذي يملك من أمر هذا الضعيف كل شيء.

    من أجل هذا تردد النقراشي باشا وأسرف في التردُّد قبل أن يطلب من الإنجليز الأخذ في المفاوضات، حتى تعجله صدقي باشا وألحَّ في تعجله، وحتى أنذره مكرم باشا وألح في إنذاره، وحتى غَلَى الرأي العام وكاد ينفجر. هنالك تقدم النقراشي باشا في أدب واستحياء وتسليم بأكثر من نصف الحق، ورد عليه الإنجليز في فتور وبرود واستمساك بما قُدِّم إليهم من الحق. ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسيسكو قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن يُدفعوا إلى هذه المطالبة بالوكز والوخز واللكز كأنما كانوا يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.

    ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق كاملًا غير منقوص، ولطالبوا به في لهجة جازمة حاسمة، لا تهالك فيها ولا استحياء. ولكنهم كانوا مُحدَثِين أتيح لهم الحكم على غير استحقاق منهم للحكم، فآثروا أنفسهم على أمَّتِهم، وآثروا بقاء عهدهم السعيد على الجلاء ووحدة وادي النيل. ثم عصفت العاصفة بالنقراشي باشا وأنصاره، ونهضت الوزارة القائمة بأعباء الحكم، وكان المنتظر من رئيسها الذي تعجَّل حتى تعب وأتعب، وألح حتى مَلَّ وأَمَلَّ، كان المنتظر أن يكون أصرح لهجةً وأمضى عزمًا، وأحرص على أن يستخلص الحق في غير تردُّد ولا تلكؤ ولا إبطاء، ولكنه نهض بالحكم في فبراير ولم يصِل إلى شيء، ونحن الآن في شهر سبتمبر لأن خلقه السياسي وخلق أنصاره ليس أقوى من خلق النقراشي باشا وأنصاره. ولم يكن الفرق بين أولئك وهؤلاء إلَّا أن فريقًا كان في الحكم فأظهر الحكم في أخلاقهم ما كان خفيًّا، فلما وثب الآخرون إلى الحكم أظهر الحكم من أخلاقهم ما كان خفيًّا أيضًا.

    ولو كان سادتُنا المفاوِضُون ذوِي شدة في الحق، وصلابة في الرأي، وقوة في الخلق السياسي، وقدرة على أن يقولوا لا حين يجب أن تُقال؛ لما وقفوا أنفسهم وأمتهم هذا الموقف الرائع البديع الذي يصوره أبدع تصوير قول العاشق القديم:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم
    ولكن الله أراد أن تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية، وبرجال هذا العهد السعيد، أولئك الذين يرون كل شيء متاحًا مباحًا إلَّا أن ينزلوا عن الحكم، ويوضعوا حيث وضعهم الله في منزلة القلة التي لا ينبغي أن تنوب عن الشعب، ولا أن تنطق بلسانه، ولا أن تتحدث باسمه، ولا أن تقضي في أمره؛ لأنها لا تملك من ثقته شيئًا، ولأن النيابة عن الأمة لا ينبغي أن تكون إلَّا نتيجة للثقة الخالصة الكاملة.

    سادتنا اليوم مستأثرون بشئون الحكم والسياسة عن غضب لا عن ثقة، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك حين يتقاذفون تهم التزوير في الانتخابات.

    هم غاضبون لحقوقنا الداخلية، كما أن الإنجليز غاضبون لحقوقنا الخارجية؛ فأي غرابة في أن يشق الأمر على الغاصبين من أولئك وهؤلاء؟ وأي غرابة في أن يشفق الإنجليز من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة، فالاتفاق مع القلة أيسر من الاتفاق مع الكثرة؟

    وأي غرابة في أن يشفق ساستنا من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة التي تتيح لهم البقاء في الحكم والاستمتاع بما يتيح لهم من جاهٍ وسلطان. والأمر كله راجع إلى ضعف الخلق السياسي. فلو قد كان الخلق السياسي قويًّا لآثر ساستنا أمتهم على أنفسهم، ولما رضُوا أن يقِفُوا أنفسهم وأمتهم من الإنجليز هذا الموقف المؤذي المهين. وما رأيك في قوم يُقدِّمون إلى الإنجليز مذكرة يسجلون فيها الحماية على وطنهم تسجيلًا، فإذا أحسوا من الإنجليز تمنُّعًا واستعلاءً لم يجرءوا على قطع المفاوضات، وإنما طاولوا وماطلوا وألقَوْا بعض أعينهم إلى جنة الحكم، وألقوا بعضها الآخر إلى نار الحرمان، فطاولوا وماطلوا وأضافوا مطاولة ومماطلة حتى أصبح الأمر مماحكةً لا أكثر ولا أقل.

    ومن ذا الذي يستطيع أن يلوم الإنجليز إذا دلوا وتاهوا وأسرفوا في الدل والتيه … وتركوا ساستنا المحنكين ينضجون على نار هادئة؟

    وليس أمر التعديل الوزاري بأقل دِلالة على ضعف الخلق السياسي من أمر المفاوضات. فقد استكشف رئيس الوزراء — فجأة وعلى غير انتظار — أن وزارته ضعيفة تحتاج إلى تقوية، ومزعزعة تحتاج إلى تثبيت؛ لأنه رأى فيما يُقال فريقًا من المفاوِضين يتردَّدون في أن يمضوا معه إلى آخر الشوط، فأراد أن يأخذ للأمر عُدَّتَهُ، وأن يدعم وزارته بالقادرين على أن يمضوا معه إلى آخر الشوط بقوم أشجع من هؤلاء السادة الذين يستحون من أنفسهم ويوشكون أن يستحوا من الناس. وأغرب من هذا أن النقراشي باشا استكشف — فجأة وعلى غير انتظار — أنه يستطيع أن يتعاون مع صدقي باشا بعد أن كان يرى أن هذا التعاون آثم في شهر فبراير الماضي. ولِمَ لا؟ لقد أظهر صدقي باشا أنه كفؤ للتعاون مع النقراشي باشا، فحكومته قد سفكت دم الشباب كما سفكته حكومة النقراشي، وحكومته قد أهدرت حرية الشعب كما أهدرتها حكومة النقراشي باشا، وحكومته قد تهالكت على رضى الإنجليز كما تهالكت عليه حكومة النقراشي باشا. وكان النقراشي باشا يخاف في شهر فبراير أن يكون صدقي باشا قد غيَّر سيرته حقًّا، فلان لمواطنيه وخشن على الإنجليز، فلمَّا رأى أن البيت القديم ما زال صادقًا، وأن صدقي باشا ما زال يطرب حين ينشد المنشدون:

    أسد عليَّ وفى الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
    لم ير بأسًا من أن يشاركه في النهوض بأعباء الحكم.

    أمَّا الأحرار الدستوريون فليسوا هناك، وإنما هم قوم هيِّنون ليِّنون كما يقول الشاعر القديم؛ يستجيبون لكل دعاء، ويسرعون إلى كل مائدة، ويذوقون من كل صنف، يرضون ليغضبوا، ويغضبون ليرضوا، وأمرهم أيسر من أن يشقى به رئيس وزراء كائنًا ما يكون. أحبُّ شيءٌ إليهم الحكم، وأبغض شيءٌ إليهم اعتزال الحكم؛ فهم يشاركون النقراشي باشا وهم يشاركون صدقي باشا، وهم يشاركون الرجلين حين يتفقان، وليس عليهم بأس من أن يشاركوا النقراشي باشا وحده، أو من شئت من رؤساء الوزارات إن كتب الله على صدقي باشا أن يريح ويستريح.

    وقد قيل إن الأحرار الدستوريين غاضبون لأن صدقي باشا يريد أن يزحزح أحدهم عن منصبه، وهم غاضبون حتى يروا العين الحمراء، ويتبيَّن لهم أن الغضب لن يغني عنهم شيئًا. هنالك يرضون كل الرضى، ويستقبلون ما يعرض عليهم من مناصب الحكم باسمين شاكرين، أو قُلْ فَرِحين مرحين مستبشرين. والغريب أن بين المصريين من هؤلاء الساسة من يعرفون المثل القديم: إنك لا تجني من الشوك العنب.

  • حياد …

    حياد …

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٦ سبتمبر ١٩٤٠

    ما أظن أن أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد، هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته.

    كلمة يحبها الناس أشد الحب؛ لأنها تُصوِّر أمالًا عِذابًا وأماني خلابةً، تصور الأمن والدعة، وتصور السلم والعافية، وتصور الاستمتاع بلذات الحياة المادية والمعنوية، والناس من حولك يشقون بالخوف والفزع وبالهلع والجزع وبالحرب وآثامها، وبضروب الحرمان التي لا تُحصَى، والإنسان مؤثر لنفسه بالخير دائمًا، تدفعه هذه الأثرة إلى الجبن والضعة في كثير من الأحيان، وهو أشد استعذابًا لسعادته حين يشقى الناس من حوله، وأشد استمتاعًا بأمنه حين يخاف الناس من حوله، يرى نفسه ممتازًا بالخير الذي لم يظفر به غيره؛ فيرى بذلك لنفسه فضلًا على الناس. وأي الناس لم يكلف بالتفوق؟! وأي الناس لم ينعم بالامتياز؟!

    وكلمة الحياد تصور هذا الامتياز تصويرًا خلابًا رائعًا، فهناك أمم تشقى بالحرب وتحترق بنارها المهلكة، تُزهَق نفوس أبنائها، وتُراق دماؤهم، وتذهب جهودهم الهائلة وأموالهم الطائلة في نفقات الحرب وما تحتاج إليه من أدوات التدمير ووسائل الموت.

    وإلى جانب هذه الأمم أمم أخرى ترى هذا الهول من حولها، فتنظر إليه مشفقة على الذين يلم بهم.

    وفي هذا الإشفاق نفسه لون من الكبرياء؛ لأن الناس من حولها يشقون وهي سعيدة، ويسرعون إلى الموت أو يسرع الموت إليهم وهي ناعمة بالحياة ومشفقة على نفسها أن يبلغها الشر أو يمسها لسان من ألسنة هذه النار المندلعة من حولها.

    وفي هذا الإشفاق ضرب من ضروب الجبن، وفن من فنون الذل؛ لأن الأثرة كانت دائمًا وستظل دائمًا مصدرًا من مصادر الجبن والذل.

    ومهما يكن من شيء، فكلمة الحياد محببة إلى نفوس الناس؛ لأنها تصور لهم ما يحبون بحق — أو بغير حق — من الأمن والعافية ومن السعادة والنعيم.

    الحياد السياسي ضرب من المحال ولكن هذه الكلمة قد فقدت معناها الصحيح في هذا العصر الذي نعيش فيه، فأصبحت سرابًا لا يُغْنِي شيئًا لسببين يسيرين؛ أولهما مادي يتصل برقي الحضارة وما انتهى إليه من إلغاء المسافات في الزمان والمكان بين الأمم والشعوب، ومن إلغاء العزلة التي كانت الأمم والشعوب تعتصم بها إذا جد الجد وصرح الشر، ومن توفيق الصلات بين الدول والأوطان مهما تتباعد أقطارها ومهما تتباين مذاهبها في الحياة؛ فالأمم التي كانت تستمتع بالحياد ولذاته في الحرب الماضية وتجني منه منافع مادية لا تكاد تُحصَى؛ قد شقيت بالحياد في هذه الحرب شقاءً ليس أهون من شقاء الأمم المحاربة إلَّا قليلًا. وقع ذلك لهولندة وبلجيكا في هذه الحرب. وكم حرصت هولندة وبلجيكا على الحياد! وكم بذلت هولندة وبلجيكا في سبيله من جهد! وكم أغمضت هولندة وبلجيكا في سبيله جفونهما على القذى! ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. أصاب ذلك النرويج والدانمرك في هذه الحرب، وكم بذلت النرويج والدانمرك من جهد، وكم احتملت النرويج والدانمرك من عناء في سبيل الحياد، ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. وهناك سبب معنوي ليس أقل من السبب المادي شرًّا، وهو أن المقياس الخلقي قد تغير تغيُّرًا شديدًا في نفوس أجيال من الأوروبيين، فقد كانت ألمانيا لا تقدر الحق قدره ولا تؤمن إلَّا بالقوة منذ القرن الماضي، ولكنها دُفِعَتْ من ذلك إلى أقصاه في هذا العصر؛ فصارحت الناس به جهرة وفي غير تردد ولا استحياء، وأعلن طاغيتها قبل الحرب بالقول والعمل أنه لا يعرف حقًّا ولا باطلًا ولا عدلًا ولا جورًا، أو أنه لا يقيس الحق والباطل والعدل والجور بمقاييسها المعروفة المألوفة، وإنما يقيسها بمصلحة ألمانيا، وبمصلحة ألمانيا كما يراها هو، لا كما يراها غيره من الناس؛ فهو معصوم من الخطأ، وما ينبغي لأحد أن يجادله في رأي إلَّا أن يكون قادرًا على أن يقهره ويضطره إلى الخضوع والإذعان! فالحق والعدل عنده هما ما يلائمان رأيه وهواه! وإذن؛ فالقانون الفقهي، والقانون الفلسفي، والقانون الاقتصادي، والقانون الخلقي؛ كل ذلك لغو وهراء لا قيمة له ولا غناء فيه! وليس هناك إلَّا قانون واحد، له وحده القيمة وعليه وحده المعول؛ وهو قانون الأثرة الألمانية، والأثرة الألمانية كما يشعر بها طاغية الألمان. وإذن؛ فكل ما كانت تراه الأخلاق وتقرره القوانين الوضعية والطبيعية من أمر الحياد كلام فارغ، يتشدق به الفقهاء ويتعلل به الضعفاء، وتَخْدَع به الأمم الصغيرة نفسها عما ينتظرها من الشقاء يوم يريد لها طاغية الألمان هذا الشقاء لمصلحته أو لمصلحة ألمانيا. وقد انتقلت هذه العدوى من ألمانيا إلى إيطاليا، فإذا طاغية إيطاليا يطلِّق الشرائع الرومانية والقواعد المسيحية تطليقًا، ويعتنق الدين الجديد؛ دين المنفعة التي لا يقوم أمامها شيء والتي يُضحَّى في سبيلها بكل شيء. رقي الحضارة من جهة وانهيار المقاييس الخلقية في ألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى قد جردا كلمة الحياد من معناها ذلك الجميل الخلاب الذي صورته في أول هذا الحديث، وجعلا لها معنى آخر جديدًا هو الانتظار القلق المضطرب الذي يمحو من النفوس كل أمن ومن القلوب كل دعة، الذي يذود الهدوء عن الناس أثناء النهار، ويذود النوم عنهم أثناء الليل، ويملأ عقولهم وقلوبهم وضمائرهم بالخوف المتصل والهلع المستمر، والتوقع في كل لحظة أن يصيبهم ما أصاب الهولنديين والبلجيكيين وأهل الدانمرك والنرويج، فكلمة الحياد الآن إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الانتظار الذي يشبه انتظار الفأر لبطش هذه الهرة التي تلاعبه وتداعبه، ولا تنتظر إلَّا أن تبطش به متى أحست أن أوان البطش به قد آن.

    الحياد الفكري جبن وضعة هذا هو الحياد السياسي الذي جَنَتْ ثمراته الأمم التي ذكرتها آنفًا، وأخذت تَجْنِي ثمراته أمم أخرى في البلقان طوعًا أو كرهًا، ولكن هناك حيادًا آخر ليس أقل ضعة من هذا الحياد السياسي، ولعله أن يكون أشد منه إيغالًا في الضعة وتعمقًا في الجبن وإمعانًا في الهوان، وهو الحياد الفكري. حياد الأفراد المثقفين والمفكرين أمام الأزمات التي تضطرب لها الأرض، وتصطدم فيها الأمم، وتتعرض فيها الحضارة الإنسانية للزوال. هؤلاء الأفراد المفكرون الذين امتازوا من غيرهم في الثقافة والعلم وفي الأدب والفن والذين اعترف لهم الناس بالامتياز، فأنزلوهم منازل القادة المرشدين، وقبلوا هم هذه المنازل، فجعلوا إذا تكلموا انتظروا أن يسمع الناس لهم، وإذا دعوا انتظروا أن يستجيب الناس لهم؛ لأنهم قد نزلوا من أممهم منزلة الأرستقراطية العقلية التي يجب أن تقول فيُسمَع لها، وأن تأمر فتُطاع. هؤلاء المفكرون المثقفون الذين ينظرون إلى هذه المشكلات الخطيرة والأزمات العنيفة، ثم يردون أبصارهم عليها غير حافلين بها ولا مكترثين لها؛ لأنهم قد آثروا الحياد والتزموا العزلة واختاروا لأنفسهم مكان الأمن والدعة ليسوا من التفكير ولا من الثقافة في شيء، وإنما هم قوم أثرون يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الحق والعدل والحضارة والرقي، فإذا حللت حبهم لأنفسهم رأيته حقيرًا دنيئًا؛ فهم لا يؤثرون أنفسهم بخيرات الحضارة وثمرات العقل ونتائج الفن؛ لأن هذا كله هو موضوع الحرب، ولأن هذا كله هو موضوع الصراع، ولأن هذا كله معرض للفناء. ولو آثروه لافتدوه بأنفسهم، ولو آثروه لدعوا الناس إلى حمايته والذود عنه، ولكنهم يؤثرون أنفسهم بهذه اللذات المادية القريبة الوضيعة التي تنجلي آخر الأمر إلى الطعام والشراب، وإلى هذه الحياة التي يحياها الحيوان. إنهم يخدعون أنفسهم ألوانًا من الخداع، فيخيِّلون إليها أنهم يفرغون للعلم والأدب والفن، فيقرءون ويبحثون ويتأملون. ولكن هذا خداع لا أكثر ولا أقل؛ فإن الاستمتاع بالعلم والأدب والفن إذا قرأت فيجب أن تقرأ ليستفيد غيرك من قراءتك، وإذا بحثت فيجب أن تبحث لينتفع غيرك ببحثك. فأمَّا أن تقرأ لنفسك ليس غير وأمَّا أن تبحث لنفسك وحدها؛ فأمرك فيه كأمر الذي يأكل ليشبع ويشرب ليدفع عن نفسه الظمأ ليس غير. هؤلاء المثقفون المفكرون الذين يخلون إلى أنفسهم ويفرغون لمتاعها المادي والمعنوي، ويعلنون أو يسِّرون أنهم يلتزمون الحياد فيما يضطرب له العالم من المشكلات ليسوا من الثقافة الصحيحة ولا من التفكير الصحيح في شيء، إنما هم قوم قد قصروا أنفسهم على أنفسهم، وقد خسرتهم أممهم وخسرتهم الإنسانية وخسرتهم الحضارة؛ لأنهم قطعوا ما بينهم وبين أممهم وما بينهم وبين الإنسانية والحضارة من أسباب. فإذا دعا هؤلاء المثقفون المفكرون إلى ما يحبون من الحياد الفكري، كانوا شرًّا يجب أن يُقاوَم وخطرًا يجب أن يُرَدَّ؛ لأنهم يدعون إلى الشر الذي ليس بعده شر، يدعون إلى إلغاء التضامن الاجتماعي، وإلى أن يفرغ الفرد لنفسه ليعيش لها ويضحي في سبيلها بما تقوم به الأمم والجماعات.

    الحياد يتنافى وروح الشباب ولهذا الحياد الفكري ولذلك الحياد السياسي خطر أحب أن يفكر فيه الناس؛ لأنه بعيد الأثر في حياة الأمم والشعوب حقًّا، بعيد الأثر في حياة الأمم الآن وفي حياتها بعد أن تنحل الأزمات وتعود الأمور إلى الاستقرار؛ ذلك أنه يفسد خلق الشباب ويفل عزمهم ويُغيِّر طبيعتهم ويمحو من نفوسهم هذه الحماسة التي تميزهم من الأجيال التي تقدَّمَتْ بها السن. فأخص ما يمتاز الشباب حماسته الخيرة التي يقبل بها على الحق لأنه الحق، ويدافع بها عن العدل لأنه العدل، والتي تدفعه إلى التضحية بجهده ونفسه في سبيل ما يؤمن به من الرأي، غير حافل بالنتائج ولا مكترث بالعواقب، وإنما يرى الواجب فيُدفَع إليه ويسمع داعي الحق فيستجيب له. بهذه الحماسة عاشت الأمم، أو بهذه الحماسة نهضت الأمم، أو بهذه الحماسة حفظت الأمم تراثها القديم وأضافت إليه تراثًا جديدًا، وبهذه الحماسة نقلت الأمم تليدها وطريفها لأجيالها المقبلة. فإذا انتشرت فكرة الحياد وأُلْقِيَتْ في نفس الشباب، وعلَّمهم القادة أن الفرد خليق أن يفرغ لنفسه ويعكف عليها ويلزم الحيدة المادية إذا استطار الشر من حوله، والحيدة الفكرية إذا اصطدمت من حوله المذاهب والآراء؛ هانت عليهم الحقوق العامة، وشُقَّتْ عليهم الواجبات العامة أيضًا، أُشْعِرُوا في قلوبهم حبَّ العافية وإيثار السلامة على المخاطرة في سبيل النهوض بالحق، والتضحية في سبيل أداء الواجب، واطمأنوا إلى أن الحياة لذة تُدْرَك من أقصر الطرق وأيسرها، لا يمنع من إدراكها أن يتعرض الوطن للخطر، ولا يمنع من إدراكها أن يخضع الوطن لسلطان الأجنبي، ولا يؤثر في إدراكها أن يكون الوطن عزيزًا أو ذليلًا وحرًّا كريمًا أو مستعبدًا رقيقًا. وما أظن أنَّ أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته. وما أظن أحدًا من الشباب المصريين يقبل من قادته الضعفاء — إن وُجِدَ هؤلاء القادة — أن يعلموه حياة الحياد هذه، وأن يلقوا في روعه أن أمن الفرد يجب أن يكون أعظم خطرًا من عزة الأمة وكرامتها واستقلالها. أفهم إلى حدٍّ ما أن يُقال للشباب المصريين: لا تُغِيروا قبل أن يُغار عليكم، ولا تبدءوا بالشر قبل أن تُبدَءوا به. ولكن أحب أن أفهم متى يمكن أن يُقال لهؤلاء الشباب: ادفعوا عن وطنكم فقد اعْتُدِيَ عليه، وذودوا عن كرامتكم فقد امتُهِنَتْ؟! أيُقال لهم ذلك حين تُقتحَم الحدود المصرية عنوة، وحين لا يَبْقَى من الذود عنها بد، أم يُقال لهم ذلك حين يصبح من المرجح أن هذه الحدود قد تُقتحَم غدًا أو بعد غد؟! أيُقال لهم ذلك حين تقتحم المشاة من جيش الأجنبي حدود الوطن أم يُقال لهم ذلك حين تقتحمها طائرات الأجنبي، فتلقي القنابل على أرض الوطن، وتقتل الآمنين الوادعين من أبنائه؟! أرأيت لو قصرت الحكومة في الاحتياط لفيضان النيل، فلم تُقِم الجسور ولم تَدْعُ إلى إقامتها، حتى يفيض النيل، وتغمر مياهه الأرض، وتغرق القرى والدساكر، وتهلك الحرث والنسل. أترضى عن الحكومة أم تسخط عليها؟ أتراها خليقة بالحكم أم تراها خليقة بالتنحي عن الحكم؟ أرأيتك لو انتظرت الحكومة بالأوبئة المعدية أن تشيع في الأرض وتقتحم على الناس دورهم فتفتك بهم أشنع الفتك وأفظعه، ثم دعت بعد ذلك إلى مقاومة هذه الأوبئة؛ أترضى عنها أم تسخط عليها؟ لا أكاد أُفرِّق بين هذه الأخطار القريبة التي تحتاط لها الحكومة قبل أن تقع وبين هذا الخطر الداهم، خطر الحرب الذي يلم بالبلاد قبل أن يأتيها النذير لأنه علم. فإذا قيل للمصريين لا تغيروا قبل أن يُغار عليكم، فلا أقل من أن يتبين للمصريين حتى يُغار عليهم، ولا أقل من أن يُهيَّأ المصريون لدفع الغارة إذا صُبَّتْ عليهم. وما أدري إلى أي حدٍّ هُيِّئ المصريون للدفاع المادي عن أنفسهم إذا حُمِلَتْ إليهم الحرب، وإن كنت أراها قد حُمِلَتْ إليهم بالفعل منذ عهد بعيد، ولكن الشيء الذي أعرفه معرفة اليقين هو أن المصريين لم يُهيَّأوا كما ينبغي أن يُهيَّأوا لدفع الغارة المعنوية عن أنفسهم إذا صُبَّتْ عليهم هذه الغارة المعنوية، وما أرى إلَّا أنها قد صُبَّتْ عليهم منذ زمن بعيد منذ أُعْلِنَتِ الحرب، بل قبل أن تُعْلَن الحرب، وما أدري على من تقع التبعة في إهمال هذا الإعداد المعنوي للشعب المصري؟ ومن الذي يمكن أن يُسأَل عن هذا التقصير الشنيع في تهيئة الروح المصرية للمقاومة المعنوية التي تنبغي له والتي تليق بماضيه المجيد وحاضره الناهض ومستقبله العظيم؟ وما أحب أن أبحث عن المسئولين، ولا أن أدل عليهم، ولكن الشيء الذي أعلمه علم يقين أن هناك تقصيرًا، وأن من الواجب أن يزول هذا التقصير، وأن يزول في أسرع وقت ممكن، وأن يشعر المصريون شعورًا قويًّا عميقًا بأن الوطن قد يطلب إليهم النهوض بأعباء ثقال، وبأنهم قد يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وقد يصيبهم نقص فيما تعوَّدوا أن ينعموا به من الخير والثمرات، وبأن الحق عليهم لأنفسهم ووطنهم أن يستعدوا لهذا كله كرامًا أعزةً لا معرضين للضعف، ولا مهيئين للاستسلام. وما أظن أن حديث الحياد وحديث الخوف من الزج بالبلاد في غمار الحرب، وحديث الحرص على تجنيب مصر أخطار الحرب، وما أظن أن هذه الأحاديث من شأنها أن تشيع في الروح المصري ما ينبغي أن يشيع فيها من القوة والرجولة واليأس الذي ينبغي أن يمتاز به كرام الناس حين تلم الخطوب أو حين يكون إلمامها منتظرًا. فلْنَدَعْ إذن هذه الأحاديث التي لا تغني شيئًا، ولنتجنب خداع الشعب بالآمال والأماني، وليؤثر ضعاف الناس أنفسهم بهذه الآمال الكاذبة التي يتعلل بها أنصار الحياد، وليُقَلْ للمصريين: انظروا فليس بينكم وبين الخطر إلَّا لحظات قد تطول وقد تقصر، وأكبر الظن أنها لن تطول.

  • كنافة

    حديث الوادي
    كنافة

    ستضحك حين تقرأ هذا العنوان ولا بأس على من أن تضحك، ولعلي لم أكتب اليوم إلا لهذا. وأنا أعلم وأنت تعلم أيضاً أن في حياتنا السياسية الآن أموراً عظاماً، تفرض على الكُتّاب أن يُعنوا بها، ويكتبوا فيها، وهم يفعلون. ولكني مع ذلك أريد أن أدع هذه الأمور العظام اليوم لغيري من الكتاب، بل أريد أن أدعها للذين يملكون تصريفها والقضاء فيها، فقد يحدثنا بعض الكتاب بأن القضاء فيها قد يتم اليوم.

    أريد أن أدع هذه الأمور العظام للذين لا يعرفون إلا الجد، ولا يحبون غيره، وأن أقف عند هذا الشيء الصغير الذي لا نذكره إلا ضحكنا، وهو الكنافة. وإني لأملي هذه الكلمة فيأخذني ضحك شديد أدافعه عن نفسي لأمضي في الإملاء، ويأخذني حياء من أن أتخذ هذه الكلمة عنواناً لمقال في صحيفة سياسية، ومن أن أتخذ هذا اللون من الطعام موضوعاً لفصل افتتاحي في صحيفة سياسية أيضاً، وفي اليوم الذي لا يتحدث الناس فيه إلا عن النظام وإلغائه، وانتظار الأمر الملكي بهذا الإلغاء، ولكني أدافع الحياء كما أدافع الضحك لأمضي في الإملاء، فلا بد من الكتابة عن الكنافة، لا لأن شهر رمضان يُقبل علينا سريع الخطى، ويفتح موسم هذا اللون من الطعام على مصراعيه، فليس ذلك من السياسة في شيء، وأنا أزعم أني سأكتب عن الكنافة لأنها تتصل بالسياسة، وتتصل بها اتصالاً قوياً متيناً، والمسؤول عن هذا هو صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا الذي يفصل الموظفين من الخاصة برغم أمانتهم ودقتهم لأنهم يريدون أن يتشددوا في الحرص على الأمانة والدقة وأن يساوموا في أثمان الكنافة. والأستاذ الدكتور أحمد ماهر لأنه هو الذي أذاع في الناس قصة الكنافة هذه حين تحدث عن سوء إدارة الإبراشي باشا في الخاصة الملكية أمس.

    وما دامت الكنافة تفصل الموظفين من أعمالهم فهي كدكتوراه الشرف بالضبط لا فرق بينهما في قليل ولا كثير، وهي كتحية من موظف من كبار الموظفين لعضو من أعضاء الوفد، وهي كإباء التزوير في الانتخاب، وهي كإباء بيع الضمائر في أعمال الانتخاب أيضاً، وهي كإباء الخضوع لجور السلطان حين يريد أن يفرض الجور على الناس، وهي كإباء الكتابة في جريدة الشعب، وهي كالذهاب إلى نادي المحامين حين يفتتح المحامون ناديهم. هي كهذه الأشياء كلها، وكغير هذه الأشياء من الأسباب التي كان يعتمد السلطان عليها، ليفصل كبار الموظفين وصغارهم من العمل، وليحول بينهم وبين ما ينبغي من الأمانة والدقة والإخلاص، وليحول بينهم وبين ما ينبغي لهم من النزاهة والحرية والكرامة أيضاً. هي إذن سبب من أسباب العزل والفصل، ووسيلة من وسائل التحكم في نزاهة الناس وضمائرهم وفي أرزاقهم وأرزاق أبنائهم، وفي حياة الأسر ومن يُكونها من الرجال والنساء، ومن الأبناء والبنات. وهي من هذه الناحية ومن هذه الناحية وحدها، خليقة أن تكون موضوعاً لمقال سياسي في صحيفة سياسية، وأن يكون اسمها المضحك عنواناً لهذا المقال.

    وليس على التاريخ السياسي لمصر بأس من أن يُسجل أن عصراً من عصور الخزي قد مر على المصريين فكانوا يتحملون الأذى في سبيل الكنافة! وكانوا يفصلون من أعمالهم ويطاردون كلما قصدوا إلى عمل آخر لأنهم أرادوا أن يساوموا في ثمن الكنافة، وكان أبناؤهم وبناتهم يعرضون للجوع ويفرض عليهم البؤس والشقاء، وتحرم عليهم الكنافة تحريماً، لأن آباءهم كانوا يريدون أن يكونوا أمناء فيما يدفع للكنافة التي تُورد للقصر من ثمن.

    ومن الناس من يزعم أن الأستاذ الدكتور أحمد ماهر قد دفع إلى الفضول، وتحدث فيما لا يعنيه حين ذكر ما ذكر من قصة الكنافة أمس، فإن هذه القصة تمس السراي الملكية، وهي لا تمس الشؤون العامة بحال من الأحوال. ولكن الذي نعلمه أن الذين يعملون في الخاصة الملكية من الموظفين كباراً وصغاراً، ومن الخدم على اختلاف طبقاتهم مصريون، وأنهم أحرار لم تشترهم الخاصة ولم يشترهم زكي الإبراشي باشا، ولا ينبغي للخاصة ولا لزكي باشا الإبراشي أن يسيرا فيهم سيرة السيد في العبيد، وأن يعاقباهم ويعاقبا أبناءهم وبناتهم بالجوع والحرمان لأنهم أرادوا أن يكونوا أمناء في أثمان الكنافة! والذي نعلمه أن هذه المظالم لو ارتفعت إلى جلالة الملك لعاقب عليها الإبراشي باشا أشد العقاب. فجلالة الملك قد أقر الحكم الدستوري وأقر بهذا الحكم أن المصريين أحرار كرام في بلادهم، وأنهم يجب أن يُعاملوا معاملة الأحرار الكرام، سواء أكان ذلك في مصالح الدولة أم في مصالح الأفراد أم في مصالح الجماعات الحرة. وهب أن أي فرد من أفراد المصريين استخدم جماعة من مواطنيه، ثم سار فيهم كما يسير الإبراشي باشا في موظفي الخاصة سيرة الظلم والجور، والعقاب على الأمانة، والفصل للتدقيق في ثمن الكنافة، أفلا يكون من حق كل مصري يقدر الحرية والعدل ويعرف للأخلاق حقها وللكرامة الإنسانية ما ينبغي لها أن يُنكر على هذا المصري سيرته وأن يلومه في ظلمه وأن يبين أمره للناس، وإن لم يكن من رجال السياسة، ولا من المسيطرين على المصالح العامة، فكيف إذا كان هذا المصري الذي يظلم المصريين مديراً للخاصة الملكية التي يريد الناس بحق أن تكون إدارتها مثلاً للعدل والإنصاف وإيثاراً للنزاهة والمؤثرين لها من الموظفين. كلا، من حق الدكتور أحمد ماهر أن يذيع هذه القصة وأن يُنكر ما تشتمل عليه من ظلم وأن يتخذها دليلاً على أن الإبراشي باشا لم يكن بارعاً ولا موفقاً حتى في إدارة الخاصة الملكية على كثرة ما قيل في براعته وتوفيقه.

    ومن حقنا نحن أن نسأل عن هذه القصة أصحيحة هي أو غير صحيحة؟ فإن كانت صحيحة فمن حقنا أن نأسف أشد الأسف وأن نتحدث بهذا الأسف إلى المصريين ليأسفوا معنا على أن مثل هذا الظلم الصغير في مظهره، الكبير في معناه، الخطير في آثاره، يقع من مدير الخاصة الملكية على موظف الخاصة الملكية.

    إن الذين يأخذون أنفسهم بخدمة الملوك وإدارة شؤونهم الخاصة يجب أن يشعروا بأنهم ينهضون بأعباء ثقال، ليست كأعباء غيرهم من الناس، لأن الملوك في هذه العصور خاصة يجب أن يكونوا المثل العليا للشعب في جميع أنحاء الحياة، فيجب أن يكون خدامهم مظاهر لهذا الرقي الخُلقي، ومظاهر للارتفاع عن الصغائر، ومظاهر للبراءة من الظلم، ومظاهر لتحقيق العدل، مهما تكن الظروف، فإذا قصروا في ذلك عن غير علم فهم ليسوا أهلاً لخدمة الملوك، وإذا قصروا في ذلك عن علم وإرادة وعمد فهم أولى ألا يكونوا أهلاً لخدمة الملوك، لأنهم يدلون بذلك على أنهم يفهمون خدمة الملوك على غير وجهها، ولا يكنون ما ينبغي للملوك من الإخلاص الصحيح الذي يحقق ما لا بد من تحقيقه من جعل الملوك مثلاً عليا، ومن جعل إدارات الشؤون الخاصة لهم مثلاً عليا للإدارات في إيثار العدل والإنصاف والنزاهة والبقاء.

    هذا الموظف الذي أراد أن يكون أميناً فعوقب على أمانته بالفصل، والذي أراد بعد ذلك أن يعمل فطورد في كل ما أراد من عمل وفرض عليه العقاب المتصل فرضاً، رجل مصري، فأمره يعني المصريين جميعاً، وأمانته خُلق مصري فأمره يعني المصريين جميعاً، واحتماله للأذى في سبيل الأمانة محنة مصرية فأمرها يعني المصريين جميعاً، ومحنته هذه صدرت عن رجل كان ينبغي ألا يصدر عنه إلا الخير، لأنه يدير الخاصة الملكية فأمره يجب أن يحزن المصريين جميعاً.

    أرأيت أن الأشياء قد تكون في نفسها صغيرة دقيقة لا تستحق عناية ولكنها قد تثير مع ذلك من الحوادث ما هو عظيم خطير يستحق العناية كل العناية، ويرتقي بالتفكير الإنساني إلى أرقى أصول العدل السياسي وإلى أرقى أصول الأخلاق.

    أرأيت أن اسم الكنافة مضحك ولكنه قد يبكي، وهو قد أبكى بالفعل الذين يتصلون بهذا الموظف الذي فصل لأنه أراد أن يكون أميناً؟

    أرأيت أن صغار الأمور هي التي تكون كبارها وأن حياة الأمم والشعوب ليست إلا نسيجاً من هذه الأمور اليسيرة الهينة؟ أما أنا فأعتقد أن إساءة الإبراشي باشا بتدخله في السياسة المصرية خطيرة جداً، ولكن إساءته في قصة الكنافة هذه ليست أقل منها خطراً. وإذا كان أصحاب السياسة يريدون أن يكفوا الإبراشي باشا عن الأمور العامة لأن تدخله فيها يفسدها، فإن من حق رجال الأخلاق والذين يحبون العدل والإنصاف أن يتمنوا كف الإبراشي باشا عن أمور الخاصة الملكية لأنه يُسيء إليها في سمعتها، وما ينبغي أن يتحدث الناس عن الخاصة الملكية وإدارتها بالسوء.

    طه حسين
    الوادي، ٢٠ نوفمبر ١٩٣٤.

  • طرائق قددا

    حديث الوادي
    طرائق قددا …
    الناس طرائق قدد، أي فرق يختلفون في الأهواء والميول ويتباعدون في المذاهب والآراء، ويتفاوتون في حظوظهم من الذوق، وقد أراد الله بالناس خيرا من غير شك حين جعلهم طرائق قددا. فمنهم الصالحون ومنهم دون ذلك. وللفلاسفة والمفكرين لذة في أن يتبينوا صلاح الصالح، وفساد الفاسد، وعلى الفلاسفة واجب إذا تبينوا الصلاح أن يدعوا إليه، وإذا تبينوا الفساد أن يصدوا عنه.

    فلولا أن الله عز وجل قد جعل الناس طرائق قددا لما وجدت الفلسفة الخلقية التي تبين للناس الخير والشر ومقاييسهما، بل لولا أن الله قد جعل الناس طرائق قددا لما وجد علم النفس الذي يقوم على تحليل العواطف والأهواء ودرس الأذواق والميول واستقصاء الحس والشعور وملكات العقل على اختلافها وتباينها. فعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأخلاق، بل علوم القانون، والاقتصاد، والسياسة، وكل هذه العلوم، وكل هذه الفلسفة التي تتصل بحياة الناس، لم تكن لتوجد، ولا لتنمو، ولا لتؤتي ثمراتها العجيبة الطيبة، لو أن الله عز وجل لم يجعل الناس طرائق قددا. بل نحن نستطيع أن نهبط من هذه الفلسفة العليا، ونعيش مع الناس على الأرض، وننظر في حياتنا اليومية القريبة التي نشترك فيها، فنحدث بعض مظاهرها، ونتأثر ببعض مظاهرها الآخر. فسنرى أن الله قد جعل الناس طرائق قددا، أي فرقا متباينة في الأعمال والآمال وفي الفهم والذوق ليستطيع أمثالنا من الكتاب أن يفكروا فيجدوا في التفكير لذة، وأن يكتبوا فيقدموا للناس ما يقرؤون.

    فالوزراء مثلا طرائق قدد؛ منهم قوم يمتازون بدقة الحس ورقة الشعور لا يكاد النسيم يمر بهم حتى يؤذيهم مسه وإذا هم يستقيلون، أو ينذرون بالاستقالة حتى يرضوا ويعود إليهم الاطمئنان. ولا ينبغي أن نلتمس الأمثال لذلك في مصر؛ فإن التحدث عن الوزراء في مصر مباح في ظاهر الأمر، ولكنه خطر في الحق الواقع، يدفع إلى مجالس النيابة، ثم إلى مجالس القضاء، ثم إلى غيابات السجون. والرجل العاقل خليق أن يقلل زياراته للنيابة وللمحاكم، وإلماماته بالسجن، ما وجد إلى ذلك سبيلا.

    وإنما نلتمس الأمثال في فرنسا، فعند الفرنسيين حلم، وفيهم احتمال للنقد، وقد أقامت وزارة المسيو دومرج دليلا على أن الوزراء طرائق قدد، فمنهم من يستقيل قبل أن يطلب إليه ذلك، كوزير الداخلية المسيو سارو الذي لم يكد يحس لوم الناس له بعد مصرع الملك ألكسندر حتى استقال، فأراح واستراح. ومنهم الذي يتعلق بالحكم ويشد نفسه إليه بحبال متينة لا تحل وإنما تقطع بالسيف قطعا، كوزير الحقانية الذي ألح الرأى العام عليه في أن يستقيل، واتهمته الصحف الفرنسية بما شاء الله من التهم التي لا تطاق، وتنكر له الزملاء، وضاق به رئيس الوزراء، فلم يزده ذلك إلا إصرارا على الحكم، وابتغاء للوسيلة عند رئيس الجمهورية، حتى اضطر وزير الحربية الماريشال بيتان أن يطلب في مجلس الوزراء إقالة هذا الوزير الذي لا يريد أن يستقيل، ولولا أن الوزير فكر وقدر العواقب في آخر الأمر لأقاله مجلس الوزراء إقالة، ولكن الله هداه فاستقال. فالوزراء كما نرى طرائق قدد، وأمناء الدعوى العامة طرائق قدد أيضا. منهم من يتحرج من كل شيء، ويؤثر الدقة في كل شيء، وفي إحساسه القضائي بنوع خاص، فلا يكاد يحس شكا فيه، أو لوما له، حتى يسرع فيستقيل، ومنهم من لا يحفل بشيء ولا يقف عند شيء، حتى تضطر السلطة التنفيذية إلى أن تناله بالعزل. والكثرة المطلقة من أمناء الدعوى في فرنسا، من الطراز الأول، حساسة جدا متحرجة جدا، لا تقال وإنما تستقيل، ولكن بين أمناء الدعوى العامة في فرنسا طراز آخر يقال ولا يستقيل، لأنهم كما قلنا طرائق قدد. فهناك النائب العام الذي أثيرت حوله الشبهات، والشكوك في فضيحة ستافسكي فلم يحفل ولم يتحرج وانتظر حتى أقاله صهره المسيو شوتان إقالة، وكان رئيسا للوزراء.

    والرجال البرلمانيون من النواب والشيوخ، طرائق قدد، منهم من تمطره السماء وابلا من التهم، فلا يحس كأنه قد اتخذ من إرادته معطفا صفيقا لا ينفذ منه الماء، ومنهم من لا يكاد يبلغه الشك فيه، حتى يحسه ويستقيل من عمله البرلماني، ليرى أيستطيع أن يبرئ نفسه فيعود شريفا إلى عمله البرلماني أم لا يستطيع فينصرف إلى ما يحسن من الأعمال الأخرى. وأكثر البرلمانيين الفرنسيين من الطراز الأول، لا يحسنون اللوم حتى يوجه إليهم جهرة، وحتى يدافعوا عن أنفسهم في أحد المجلسين وأمام المحكمة العليا، ولكن الطراز الآخر موجود، لأنهم كما قلنا طرائق قدد، فالمسيو شوتان مثلا لم يستقل من رئاسة الوزارة وحدها، حين أثيرت حوله الشكوك، وإنما استقال من مجلس النواب أيضا. وما زال يدافع ويكافح حتى أظهر أنه بريء، ثم تقدم للانتخاب لعضوية الشيوخ لا لعضوية النواب، فظفر بالكثرة الضخمة من أصوات الناخبين، وهو مع ذلك يأبى أن يرأس لجنة من لجان المجلس حتى يتبين الحق كله في قصة ستافسكي وما يتصل بها من الفضائح. وتستطيع أن تذهب في هذا النحو من التفكير فسترى الموظفين طرائق قدد، وسترى الصحفيين طرائق قدد، وسترى العلماء أنفسهم طرائق قددا، وسنرى أن كل فريق من الناس طرائق قدد، فرق تتباين في الأهواء والميول، وفي الحس والشعور وفي الذوق والفهم. وستعلم أن الله عز وجل قد جعل الناس طرائق قدد لحكم كثيرة مختلفة، منها أننا نستطيع أن نفكر فيما بينهم من الاختلاف والتفاوت والتباين فنجد في هذا التفكير لذة عقلية عليا، كما نجد فيه عظة وعبرة تنفعنا حين نعمل، وتنفعنا حين نقول. فإذا أصبحت فسل نفسك لماذا جعل الله الناس طرائق قددا؟ وإذا أمسيت فسل نفسك لماذا جعل الله الناس طرائق قددا؟ بل ألق على نفسك هذا السؤال كلما أتيحت لك الراحة وفراغ البال، فإن هذه الطرائق القدد كنز لا يفنى للذين يعرفون كيف يستخرجون الكنوز، ويستغلون ما فيها من كل معدن نفيس.

    طه حسين
    الوادي، ٢٧ أكتوبر ١٩٣٤.

  • أخلاق٢

    حديث الوادي
    أخلاق
    دع حديث المصريين الذين تشتد عليهم المحنة السياسية الحاضرة، فيعجزون عن احتمالها، ويضعفون عن الثبات لها، وتضيق عليهم الحيلة، وتغلق أمامهم الأبواب، فيلجأون إلى دار المندوب السامي يبثونها شكواهم ويلتمسون منها العون، ويبتغون عندها الإنصاف. فهذا فساد في الخلق والضمير، لم يكن منه بد بعد أن بلغت المحنة السياسية ما بلغت، وبعد أن فسد رأي الناس في العدل الاجتماعي، وساء ظنهم بالقيام على هذا العدل، والاحترام لما ينبغي أن يصوره من قانون.
    ونعوذ بالله أن نعتذر عن هؤلاء المصريين، فما كنا لنعتذر عن قوم ينتهي بهم فساد الخلق والضمير إلى إنكار الوطن والتفريط في حقه، والتضحية بالكرامة القومية في سبيل الحصول على منفعة عاجلة، أو التخلص من ظلم مهما يكن شديدًا. أولئك قوم ضعاف، لم يخلقوا للجهاد، ولا للثبات فيه. ولم تخل منهم أمة من الأمم، ولم يبرأ منهم شعب من الشعوب. ولكن حديثهم طويل ثقيل، ليس هو الذي نريد أن نعرض له الآن. ودع حديث هؤلاء المصريين الذين تثقل عليهم المحنة السياسية وتتنكر لهم الخطوب، فينتقلون بالشكوى وطلب الإنصاف من القاهرة إلى لندرة، ويعرضون مظالمهم على الإنجليز في بلاد الإنجليز. فهؤلاء كأولئك قوم ضعاف هانت عليهم أنفسهم وهانت عليهم بلادهم، فهم لا يقدرون كرامة، ولا يرعون حقًا. وحديثهم أيضًا طويل ثقيل لا نريد أن نعرض له الآن. أولئك وهؤلاء خليقون بأثقل اللوم، ولكنهم لا ينفردون به، وإنما يشاركهم فيه هؤلاء الذين سلطوا عليهم الظلم الثقيل وصبوا عليهم البلاء المتصل، واضطروهم إلى ما تورطوا فيه من الخزي. إنما نريد أن نتحدث عن هذه المسألة التي أثيرت في لندرة، ونقلت إلينا رسائل البرق أنباءها أمس. فقد ذهب مدير البلدية السابق في الإسكندرية إلى لندرة، وزار جمعية النيل فيما تروي المقطم، وأخذ فريق من أعضاء هذه الجمعية يسألونه عن أحداث الكورنيش، وأخذ هو يجيبهم متبسطًا غير متحفظ. ثم انتهى الحديث به وبهم إلى أن الموظف مخطئ حين يطيع ما يصدر إليه رؤساؤه من الأمر، إذا كان هذا الأمر يخالف القانون. هنالك ظهرت معاذير وبدت ألوان من العلة، فقال قائلون إن الموظف معذور إن خالف القانون ليطيع الرئيس، لأنه في
    حاجة إلى أن يعيش، ولأنه لا يأمل، إن لم يُضَحِّ بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء، أن يُقصى عن منصبه، ويضطر إلى البطالة وما يتبعها من الحرمان. وقال قائلون إن ضعف الموظفين، وفساد أخلاقهم وضمائرهم، هما اللذان يدفعانهم إلى التضحية بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء. ولو قد قويت نفوسهم، ولو قد استقامت أخلاقهم، ولو قد صفت ضمائرهم، لما رضوا بالأمانة للقانون والنظام بديلًا. وقال قوم آخرون بل اللوم كل اللوم على النظام الذي يتيح للرؤساء أن يطغوا على الموظفين ويستبدوا بهم، ويأخذوهم بمخالفة القانون. فلو قد صلح النظام، وعوقب الرئيس الذي يخالف القانون، أو يأمر بمخالفته، قبل أن يعاقب المرؤوس الذي ينفذ هذا الأمر، لما تعرض الموظفون لهذه المعركة المؤلمة بين حاجاتهم وضمائرهم، ولما اضطر الضعفاء منهم إلى التضحية بالضمير ليعيشوا، ولما اضطر الأقوياء منهم إلى التضحية بالراحة والدعة والمنفعة، وإلى احتمال الشقاء والمكروه، ليرضوا الضمائر والأخلاق. وأكبر الظن أن الفريقين المختصمين لم ينتهيا إلى الاتفاق في أمر هذه المسألة التي تثار كل يوم في مصر، منذ أظلها هذا العهد السعيد الذي نعيش فيه.
    وليس من الممكن أن يتفق الفريقان المختصمان. فالموظفون ناس لهم حاجاتهم، ولهم منافعهم، ولهم أبناؤهم وأسرهم، ولهم آمالهم ومطامعهم، وفيهم ضعف الناس، وكل ذلك يدفعهم إلى حب الحياة، والعمل على أن يحيوها آمنين مطمئنين ما أتيح لهم الأمن والاطمئنان. وكل ذلك يدفعهم إلى أن يذعنوا لأمر الرؤساء حتى حين يكون هذا الأمر مخالفًا للقانون وخارجًا عليه. وكل ذلك يخيل إليهم أنهم مأمورون فيجب عليهم أن يطيعوا، مكرهون، فيجب عليهم أن يذعنوا. وكل ذلك يملأ نفوسهم بهذه الجملة التي يرددها المضطرون إلى ما لا يحبون: «الضرورات تبيح المحظورات». والرؤساء ناس فيهم ما يمتاز الإنسان به من الضعف، ومن هذا الضعف المنكر الذي يغريه بالطغيان حين تفتح له أبواب الطغيان، وينسيه القانون حين يتاح له نسيان القانون، ويخيل إليه أنه إن قدر فليس لقدرته حد، وإن استطاع فليس لاستطاعته قيد. ويخيل إليه أن القوة فرصة تتاح فيجب أن تنتهز، وإن من الحمق أن يقدر ثم لا يعمل وإن كان هذا العمل مخالفًا للقانون.
    كل ذلك يدفع الرؤساء إلى إهمال الواجب وتجاوز الحد، وإلى الاندفاع الذي يخيل إلى الإنسان أنه قد أصبح إلهًا أو شيئًا يشبه الإله. وما دام الموظفون ضعافًا، تفرض عليهم الحياة آلامها وآمالها، وما دام الرؤساء ضعافًا يغريهم الطغيان بالجور والظلم ومخالفة القانون، فستتجدد قصة الكورنيش وما يشبه قصة الكورنيش من الفضائح والمخزيات. وإنما تستطيع الأمم الرشيدة أن تأمن ضعف الموظفين وضعف الرؤساء إلى حد بعيد حين تتخذ من النظم ما يأخذ المذنب بذنبه، ويسأل المجرم عن إجرامه، مهما يكن ومهما تكن منزلته، ومهما تكن الظروف المحيطة به. ولو أن الذين أهمهم أمر الكورنيش سألوا صدقي باشا كما سألوا صديق بك، لكانت قصة الكورنيش درسًا نافعًا حقًا، ولكان خيرها أعظم من شرها، لأنها كانت تعلم الناس من الحاكمين والمحكومين من الرؤساء والمرؤوسين أن القانون فوق الأشخاص وأن منفعة الشعب فوق منفعة الأفراد والطبقات، وأن المصريين جميعًا سواء أمام النظام، لا يمتاز بعضهم من بعض. ولكن قصة الكورنيش كما جرت وكما أرادت الحكومة أن يجري أمرها بعد استكشافها وتحقيقها كانت فضيحة منكرة، وكانت إغراء بالشر وترغيبًا فيه، وكانت تشجيعًا للطغاة على أن يطغوا، وتشجيعًا للموظفين على أن يحتاطوا لأنفسهم فيخالفوا القانون في مهارة وحذر واتقاء للافتضاح.
    نعم، وأمر آخر تلجأ إليه الأمم الرشيدة لتأمن ضعف الموظفين، الذي يدفعهم إلى التضحية بالقانون مخافة الرؤساء، وضعف الرؤساء الذي يدفعهم إلى أخذ الموظفين بمخالفة القانون، وهو التربية الصالحة والتعليم الصحيح. فلو أن مدارسنا ومعاهدنا تُلقَى في روع الأطفال والشبان أن الموظفين ليسوا خدامًا للحكومة، وإنما هم خدام للشعب، وأن الحكومة ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى خدمة الشعب، لاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس سواء أمام القانون، وأمام الشعب الذي هو مصدر القانون. ولاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس شريكان يتعاونان على العمل. لا يتسلط أحدهما ولا يخضع أحدهما الآخر، لا يعلو أحدهما ولا يسفل أحدهما الآخر، وإنما هما يعملان لغاية واحدة هي منفعة الشعب. فليس لأحدهما على الآخر سلطان ولا طاعة إلا في حدود هذه المنفعة وحدها، كما ينظمها القانون. ولكن الذي يُلقَى في روع الأطفال والشبان عندنا شيء آخر يخالف هذا كله أشد الخلاف، فأبناؤنا يعلمون الطاعة أكثر مما يعلمون الحرية، وأبناؤنا يعلمون الخضوع أكثر مما يعلمون احترام الكرامة، وأبناؤنا يؤخذون بالإذعان أكثر مما يؤخذون باحترام القانون عن بصيرة وفهم وإيمان.
    والمُثل التي تُقدَّم لأبنائنا كل يوم لا تثير في نفوسهم عواطف الثقة بأنفسهم، والاحترام لضمائرهم والاعتداد بآرائهم، وإنما تثير في أنفسهم عواطف الطاعة والتملق والمصانعة والإذعان ليتمكنوا من كسب العيش والتماس القوت.
    وما دامت هذه أخلاقنا العامة، وما دامت هذه هي الصور التي تُلقَى إلى الأطفال والشبان، فسيوجد بيننا الموظفون الذين يخالفون القانون ليرضوا الرؤساء ويضحوا بمنافع الشعب، ليحققوا منافع الحكام، حتى إذا سئلوا عن ذلك قالوا مثل ما يقوله مدير البلدية السابق: «كنا مأمورين ولم نكن نستطيع إلا الطاعة والإذعان»!
    طه حسين
    الوادى، ٢٤ يوليه ١٩٣٤.

  • أخلاق

    حديث الوادي
    أخلاق . . .
    هي أخلاقنا السياسة، فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حد يستحيي منه المصري الذي يكبر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصرية إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.
    نعم، وانتهت إلى حد من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد، موظفين أو غير موظفين، من المسائل السياسية، والمنافع العامة، ولا أن نبعد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسية عظيم.
    لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألا تتم، ورغبة الوزارة في أن يفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوربا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك، على فساد أخلاقنا السياسية، ولكنه على قرب العهد به، وعلى أن ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعد، قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه. وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي محجمة وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تضمر فزعًا وترددًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.
    كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن اذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحيي المصري منها، ويود لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير، الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند من تأخر؟ ثم يبدو له فجأة أن يعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة، واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النذر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكأون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تبدو، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب، موقف الغريم الملح من المدين المقصر.
    ثم لا تقف عند الوزير وحده، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة والسياسة تتأثر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قف عند هؤلاء النواب، الذين نيفوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل. والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب. ويتحدثوا عن ذلك في الصحف، كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء. مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسية والخلقية جميعًا. هو خطر على الحياة السياسية، لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطرحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزءًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسية، لأنه يلقي في روع المصريين، أن النواب، والوزراء، ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم، ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة، ناله اللوم والعقاب. وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يردوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة، أو الإقالة، لا لشيء، إلا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب، الذين يختلفون إلى البرلمان، ولا يستمتعون بالثروة والجاه.
    هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره، والجدال فيه. فكل هذا يدل على أن الحق والعدل والمساواة، قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتباين النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر، حين ينتشر بين الجماهير، لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يعرض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.
    لا بد من أن يسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس، وتتحدث الصحف. فإما أن يسحب وزير المالية منشوره ويعتذر منه ليبقى في منصبه، وإذن فسيعلن في مصر أن العدل إثم يعاقب عليه، وأن الحق ذنب يعتذر منه، وأن المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإما أن يسحب النواب كتابهم، الذي أعذروا فيه وأنذروا وهددوا فيه وخوفوا، وإذن فسيعلن في مصر، أن الحق والعدل والمساواة، مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.
    وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال تأخر للدولة عند فريق من المصريين، فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يشفقون من أن يطالبوا به.
    أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدين؟ أكانوا يقاضون الفرد لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة وحقوق الدولة، فيما يظهر، أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر، لأنه يدل على أن خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حد من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب، كيف يدفعون هذا الشر؟ ويحتاطون لهذا الخطر؟ وأكبر الظن، أن ليس إلى هذا من سبيل، إلا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يؤثر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل، لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة.
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

  • حماية (٢)

    حديث المساء: حماية (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ فبراير ١٩٣٤

    نعودُ اليومَ إلى هذا العنوان، وإلى الموضوع الذي تحدثنا فيه أمس، فقد يظهر أنَّ هذا الموضوع خَليقٌ أَنْ يتصل الحديث فيه؛ لأنَّه ليس من اليسر ولا من السهولة، ولا من الهوان بحيثُ ينبغي أن يمر كما يمر غيره من الموضوعات التي تتعرض لها الصحف، ثم لا تلبث أن تذهب بها الريح حين تشرق الشمس أو حين يقبل المساء.

    فهذا الموضوع له خطره العظيمُ من وجوه مُختلفة: هو خطيرٌ لأنَّ قصة الكورنيش نفسها خطيرة؛ ولأنَّ المال الذي ذهب فيها كثير، يكاد يبلغ نصف مليون جنيه؛ ولأنَّ الناس قد عنوا أعظم العناية بهذا المِقْدَار الضَّخْم من أَموال الإسكندرية، وحرصوا أشد الحرص على أن يعرفوا فيمَ أنفق؟ وكيف أنفق؟ وماذا أفادت الإسكندرية من إنفاقه؟ ولأنَّ الوزارة القائمة قد تكلفت إظهار العناية بهذا الأمر، والجد في الكشف عن وجه الحق فيه، فألفت لجنتها التي ألفتها، وانصرف أعضاء هذه اللجنة عن أعمالهم اليومية التي تتصل بمناصبهم وبمصالحهم الخاصة أيضًا إلى درس هذا الأمر وتحقيقه، فكل هذا لا يكون إلا حين يكون موضوع التحقيق خطيرًا حقًّا، خليقًا بهذه العناية العَظيمة من الناس، خليقًا بأنْ تخرج له الوزارة عما ألفت من الأناة والهدوء والاستقرار الذي يُشْبِهُ النَّوم.

    وقد أُثيرت قِصَّةُ الكورنيش في حدة غير مألوفة، ألقيت إلى الناس كما تلقى الصخرة من مكان مُرتفع شَاهق، فكان لوقعها ضجة عنيفة، لفتت إليها كل إنسان، وأطلقت بها كل لسان، وشغلت بها كل ضمير. وما دام الأمرُ كذلك فلا بُدَّ فيما يظهر من أنْ يَنْتَهِيَ التحقيقُ في قِصَّة الكورنيش هذه إلى أقصى ما ينبغي أن ينتهي إليه.

    وهناك ناحية أخرى تجعل هذا الموضوع عظيم الخطر بعيد الأثر في حياة المصريين، فهو في حقيقة الأمر امتحان عسير لأخلاقنا السياسية ولفهمنا للديمقراطية، واستعدادنا لاحتمالها، واحتمال ما تُكَلِّفنا النهوض به من الأثقال. فليست الديمقراطية صورًا وأشكالًا، وإنَّما الدِّيمُقراطية حقيقة من الحقائق، لا قِوَامَ لها ولا ثَبَاتَ، ولا استقرار ولا غناء، إلا إذا اعتمدت على أخلاق مُسْتَقِيمةٍ وطِبَاعٍ قَوِيَّةٍ، وضَمَائِرَ حية، ونفوس مُخْلِصَةٍ في حبها والتضحية في سبيلها بكل شيء.

    وأظهر ما تمتاز به الديمقراطية الصحيحة في الشعوب الحية، إنما هو إكبارها للمساواة، وحرصها عليها، واتخاذها أساسًا لما يكونُ بين الأفرادِ والجَمَاعَات من صلات، ولما يكون بين الشعب والحكومة من صلات. فإذا امْتَازَ بعضُ النَّاس من بعض فيما يتصل بالعدل والحق، أو تفوق بعض الناس على بعض فيما يتصل بالعدل والحق، فليست هناك مُسَاواة، وليست هناك ديمقراطية، وليس هناك عدل ولا حق، وإنما هناك سياسة تقوم على الاستئثار، وتقوم على نظام الطبقات أو على ما هو شَرٌّ من نظام الطبقات. تقوم على هذا النظام المنكر الذي يؤثر فردًا على أمة، والذي يجعل القانون حكمًا عدلًا بالقياس إلى الناس جميعًا، إلا هذا الفرد أو ذاك؛ فإنه يميزه ويؤثره ويرفعه فوق القانون.

    وكل هذا شر لا يُلائم النظام الديمقراطي، ولا يُلائم أخلاق الشعب الديمقراطي، ولا يلائم حياة الشعب الذي يراد أخذه بالتربية الديمقراطية. والواجب الوطني على كل فرد من أفراد الشعب وعلى أفراد المثقفين خاصة، وعلى الذين تكون إليهم قيادةُ الشَّعْبِ بِوَجْهٍ أَخَصَّ، إنَّما هو مُقَاوَمة هذا الفساد بكل ما يملكون من قوة وجهد، والتضحية في سبيل ذلك حتى بما لا تَطِيبُ النَّفس بالتضحية به إلا في مشقة وعسر.

    وليس في الديمقراطية شيء أشد إحساسًا مِنْ هذه الأمور التي تمس المساواة بين الأفراد من جهة، والتي تمس جباية الأموال العامة، وتدبيرها وإنفاقها في وجوهها من جهة أخرى. فكل بلد يَحْرص على الحياة الديمقراطية، حريصٌ بطبعه على المُساواة، وحريصٌ بطبعه على النزاهة وطهارة اليد والقلب والضمير في كل ما يمس أموال الشعب.

    ومن هنا قلنا وما زلنا نَقول: إنَّ قِصَّةَ الكورنيش التي أُثِيرتْ في هذه الأَيام امتحانٌ دَقِيقٌ عَسِيرٌ للنظام الدِّيمُقْراطي في مصر، ولمقدار الشعور في مصر الرسمية بحب الديمقراطية وتقديسها، والإخلاص في حمايتها. ففي قصة الكورنيش مساس بالأموال العامة، وفي تحقيق قصة الكورنيش اختبار للمساواة. ولا بد أن ينتهي هذا التحقيق إلى إظهار كل شيء. وليعلم المصريون جميعًا وليعلم الأجانب الذين يرقبون أمور المصريين أن الدولة المصرية مخلصة في حماية الأموال المصرية، مخلصة في تحقيق المساواة بين المصريين.

    وقد أَشَرْنا أمس إلى أنَّ صدقي باشا لم يُسأل، ولم يسأل أمامَ لجنة التحقيق؛ لأَنَّه ظَهَر في آخر الأمر أو في أَوَّلِهِ لا ندري، أو لا نُريد أن ندري، ظهر أنَّ هذه اللجنة لا تستطيع أن تدعو صدقي باشا، ولا أن تسأله؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا، وإنما يسأل الوزراء أمام البرلمان. فإذا صح هذا وانتهى التحقيق دون أن يسأل صدقي باشا بوجه من الوجوه، فإنَّ رُكنًا ذا خطر عظيم من أركان الديمقراطية سينهدم، وستسجل مصر الرسمية انهدام هذا الركن؛ وهو ركن المساواة. فليس هناك فرق ما بين صدقي باشا وبين غيره من الذين سئلوا في قصة الكورنيش أمام لجنة التحقيق إلا أن صدقي باشا كان وزيرًا، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون الوزارة حصنًا يَحْمي صدقي باشا من أن يسأل عما أتى من الأَعمال ليسمع جوابه، وليُحكم له، أو ليحكم عليه؛ فليستْ الوزارة امتيازًا، وإنما الوزارة خدمة للدَّولَة، يقتضي صاحبها عليها أجرًا، فيجبُ أَنْ يُؤدي عن أعماله فيها حسابًا، إنْ ظهرت الحاجة إلى أن يؤدي هذا الحساب.

    والعقبة الوحيدة التي تحول دون سؤال صدقي باشا هي أنه كان وزيرًا، وأنَّ الوزراء يُسألونَ أمَامَ البرلمان، فلا بُدَّ إذن من أن توجد الوسيلة لإزالة هذه العقبة التي تقوم في سبيل المساواة، ولا بد إذن من أن توجد الوسيلة ليسمع صدقي باشا ما ينبغي أن يُوجه إليه من سؤال، وليقول صدقي باشا ما عنده من جواب. وما نظن أنَّ صدقي باشا نفسه يكره هذا أو يَضيق به؛ فصدقي باشا قد صال وجال، وتحدث إلى الصحف في قصة الكورنيش، وكتب لها البيانات، ودافع عن نفسه قبل أنْ يُهاجمه أحد. ومن فعل هذا كله، فهو مُطْمئن واثق، لا يكره السؤال ولا يتردد في أنْ يجيب إذا دعي، وفي أن يرد إذا وُجِّهَ إليه السؤال.

    ومن هنا نستطيعُ أنْ نُعين بجهدنا الضعيف على إيجاد الوسيلة لإزالة هذه العقبة، فهناك طَرِيقانِ من أَيسر الأُمور أنْ تسلكا إلى تحقيق هذه الغاية؛ الأُولى: يستطيع أن يحققها صدقي باشا نفسه، وهي أن يذهب إلى اللجنة دون أن تدعوه، وأن يدلي إليها بما عنده من البيان وإن لم تسأله. فقد ينبغي أن يكون صدقي باشا أكرم على نفسه، وأَحَبَّ للديمقراطية، وأحرص على المصالح العامة من أن يؤثر الصمت والاستقرار؛ لأنَّ أحدًا لم يدعه، ولأن أحدًا لم يسأله، وهو الذي تحدث إلى الصحف، ولم يكرهه أحد على الحديث، فليتحدث إلى اللجنة دون أن يضطره أحد إلى الحديث.

    وليس من شك في أن حديث صدقي باشا إلى اللجنة سينفعها ويعينها؛ فقد كان صدقي باشا وزيرًا للداخلية، وقد أجازَ صدقي باشا ما أجاز من قصة الكورنيش، وأَجَازَهُ في عجل، وفي غير مهل، وله في ذلك رأي، وله في ذلك حكمة، وله في ذلك تعليلات، من الخير أن تسمعها اللجنة لتقيم حكمها على أساس صحيح. فإذا آثر صدقي باشا الرَّاحة واختار لزوم الصمت، والاستقرار — وهذا حقه طبعًا — فقد نظُنُّ أنَّ الطريق الثانية لا بُدَّ منها، وهي مفروضة حينئذٍ على الرجل الطيب ووزارة الرجل الطيب. وهذه الطريق الثانية هي أنْ يُسْأَل صدقي باشا أمام البرلمان، وقد بين الدستور كيف يكون سؤال الوزراء والتحقيق معهم.

    ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ القانون الذي ينظم هذا لم يصدر بعد. ولكن عدم صدور القانون لا يلغي حق البرلمان، ولا يعطل واجبه، ولا يعفي الوزراء من أن يتحملوا تبعات أعمالهم. فالبرلمان قادرٌ في حدود الدستور على أن يؤلف اللجنة البرلمانية التي نص عليها الدستور، وهذه اللجنة تنظم أعمالها وإجراءاتها بنفسها ما دام القانون لم يصدر، وهذه اللجنة تسأل صدقي باشا وتسمع منه، وتتبين وجه الحق في موقفه من قصة الكورنيش. وهذه اللجنة إنْ أُلِّفت وسألت صدقي باشا؛ تحمي المساواة، وتثبت أن الدستور لا يفرق بين الوزراء وغير الوزراء في احتمال التبعات، وتثبت أنَّ لأموال الشعب حماة يصونونها، ويذودون عنها، ويبحثون عما ضاع منها، ويبينون للناس كيف ضاع، ويحاسبون الذين أضاعوه.

    وبإحدى هاتين الطريقتين يعلم المصريون جَمِيعًا، ويعلم الأجانب الذين يرقبون مصر، أن مصر بلد حر، ديمقراطي، لا يتميز فيه أحدٌ بحماية مهما تكن، ولا يرتفع فيه أَحدٌ عن تأدية الحساب عما يأتي من الأعمال. فليختر صدقي باشا، وليختر رئيس الوزراء، ولننتظر نحنُ لنرى أَيَسْعَى صدقي باشا إلى اللجنة القائمة، أم يُدعى صدقي باشا إلى اللجنة التي سيؤلفها البرلمان؟

  • هزيمة (١)

    حديث المساء: هزيمة (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ ديسمبر ١٩٣٣

    ليست هزيمة صدقي باشا؛ فقد فرغ الناس الآن من صدقي باشا، ولعل صدقي باشا أن يكون قد فرغ من نفسه إلى وقت ما. إنما هي هزيمة هؤلاء الذين قد جمعهم حوله، وزعم لنفسه وزعم لهم أنهم حزب سياسي، شديد الأركان، متين البنيان، تستطيع أن تعتمد عليه الوزارات، بل يستطيع أن يعتمد عليه النظام.

    عن هؤلاء الناس وعما أصابهم من الهزيمة نريد أن نتحدث اليوم، فهم ما زالوا يزعمون أن لهم وجودًا سياسيًّا، وهم ما زالوا يزعمون أنهم يستطيعون أن يسندوا الوزارة، ويثبتوا النظام، ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدث بعضهم إلى بعض لا يخفون على أنفسهم أنهم ممثلون، لا يمثلون للناس فحسب، وإنما يمثلون لأنفسهم قبل أن يمثلوا للناس.

    وقد يكون حظ الرجل من الذكاء والفطنة قويًّا أو ضعيفًا، ولكنه لا يبلغ من الضعف في يوم من الأيام هذا الحد الذي يخيل إليه أنه جاد وهو يلعب، وأنه مخلص وهو ينافق، وأنه صادق وهو يكذب، وهؤلاء الناس الذين بناهم صدقي باشا ليهدموه، وأحياهم ليُميتوه، وآواهم ليطردوه. هؤلاء الناس يعلمون حق العلم أنهم إذا أشرقت عليهم الشمس، وتنفس الصبح عن وجوههم الحسان، اتخذوا لأنفسهم من السياسة ثيابًا، فإذا أقبل الليل واحتوتهم ظلمته المخيفة الرهيبة، خلعوا هذه الثياب، ورأوا أنفسهم كما هي لا تحفل بالسياسة ولا بالساسة، ولا تفكر في السياسة ولا في الساسة، وإنما تحفل بالحياة اليومية التي يجب أن تحتمل، وتفكر في المنافع العاجلة التي يجب أن تُقْضَى.

    وهم كذلك يلبسون السياسة مع الصبح، ويخلعونها مع الليل، يتخذون السياسة ليلقوا بها الناس، لا ليلقوا بها أنفسهم؛ فالسياسة عندهم عَرَضٌ من الأعراض، ووسيلة من الوسائل لا أكثر ولا أقل، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا أنبأهم بأن الدستور القديم مُضِرٌّ فصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد نافع فصدَّقوه، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا لو قد بقي في الحكم ثم أنبأهم بأن الدستور القديم خير كله لصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد شر كله لصدقوه، وهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء القائم لو دعاهم إلى حب النظام القديم وبغض النظام الحديث؛ لاستجابوا له مسرعين، ولو دعاهم إلى بغض النظامين جميعًا، وإيثار الحياة في غير دستور؛ لما ترددوا في طاعته والاستماع له.

    وهم يعلمون حق العلم، وهم يتحدثون بهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وهم يتحدثون بهذا إذا اجتمعوا بعضهم بعضًا، ولكنهم على ذلك كله يجدون أقلامًا تزعم لهم أنهم حزب، ويجدون ألسنة تذيع عنهم أن لهم مبادئ وآراء. وهم ينعمون بهذه الإذاعة كما ينعمون بكل شيء، وهم يسعدون بهذه الأحاديث كما يسعدون بكل شيء؛ لأن الله قد منحهم من فراغ البال، وسعة الضمير ومرونته ما يرضيهم بكل شيء، ويلهيهم عن كل شيء، ما داموا يظفرون بما تحتاج إليه أجسامهم من هذه اللذات العاجلة الزائلة، ومن إرضاء هذه الحاجات المادية التي تسيطر على بعض النفوس فتنسيها أن وراء المادة شيئًا آخر، وأن وراء الطعام والشراب لذات أخرى تنعم بها النفوس الراقية، وتطمح إليها القلوب الكريمة، وتسعد بها الضمائر الحية، ولا يستطيع أن يعيش بدونها كرام الناس.

    لقد كان صدقي باشا منذ أشهر نابغة لم يعرف العالم نابغة مثله في عصر من العصور عند هؤلاء الناس، وكان قوام الحياة السياسية في مصر، وكان قوام النظام الحاضر، وكان منقذ مصر من الفوضى، ومخرجها من الظلمة إلى النور، وكان وجهها الوضيء، وسراجها المضيء.

    كان كل هذا، ثم أصبح الآن رجلًا ممتازًا، ولكن لا يمتاز بالنبوغ، بل يمتاز بالقصور، متفوقًا ولكن لا في الخير، بل في الشر، وظهر أنه لم يكن قوام الحياة السياسية، وإنما كان لها مفسدًا، وأنه لم يكن قوام النظام، وإنما كان مُضَيِّعًا، وأنه لم يكن فخرًا لمصر، وإنما كان وصمة لها، وأنه لم يكن هاديًا يقود مصر إلى الرقي والفلاح، وإنما كان مُدمِّرًا يدفع مصر إلى الانحطاط والشقاء، وخلعت كل تلك الصفات الباهرة التي كانت تُمْنَحُ لصدقي باشا على رئيس الوزارة القائمة عبد الفتاح يحيى باشا.

    فأصبح هو النابغة الفذ، وأصبح هو قوام السياسة، وركن النظام، وأصبح هو الوجه الوضيء، والسراج المضيء، وأصبح هو رجل مصر الذي لا تستطيع مصر أن تحيا بدونه. وكان رئيس الوزارة القائمة منذ أشهر رجلًا من عامة الناس، لا يمتاز بشيء، ولا يتفوق في شيء، دخل الوزارة فاحتمله الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أدخله الوزارة، وخرج من الوزارة فنسيه الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أخرجه من الوزارة.

    وهَبْ الظروف تنكرت لعبد الفتاح يحيى باشا، وستتنكر له من غير شك؛ فسيتنكر الشعبيون له مع الظروف، وهب الظروف ابتسمت لعلام باشا، ورفعته إلى رئاسة الوزارة، فسيتهالك الشعبيون على علام باشا، وسيخلعون عليه من الصفات ما كانوا يخلعون على صدقي باشا أمس، وما يخلعون على عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.

    وهؤلاء هم الذين ينهضون بأعباء السياسة المصرية، وهؤلاء هم الذين يُرجون لحل المعضلات، وإزالة المشكلات، وهؤلاء هم الذين تعتمد عليهم الوزارة. كلا، إن الوزارة لا تعتمد عليهم، ولا تحفل بهم، وإنما هم الذين يعتمدون على الوزارة، ويعيشون للوزارة وبالوزارة، عاشوا لصدقي باشا وبه منذ أشهر، وهم يعيشون لعبد الفتاح باشا وبه في هذه الأيام.

    ولو أتاحت لهم الظروف أن يعيشوا لعلام باشا وبه في يوم من الأيام؛ لكانوا بذلك مغتبطين أشد الاغتباط، مبتهجين أشد الابتهاج، هم لا يعيشون لأنفسهم، وهم لا يعيشون بأنفسهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، وأنصار كل مستنصر، والسامعون لكل من أمر، والمستجيبون لكل دعاء.

    كلا، لم يعتمد عليهم صدقي باشا في يوم من الأيام، وإنما غَشَّ بهم نفسه، وخدع بهم الناس، وخَيَّلَ إليهم أنهم أنصاره وشيعته؛ فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، ثم جاء عبد الفتاح يحيى باشا، فبَيَّنَ لهم أن صدقي باشا كان خادعًا أو مخدوعًا، وأنهم لم يُخْلَقُوا لصدقي، وإنما خُلِقُوا لعبد الفتاح، فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، وإلا فحدثني كيف يستطيع هؤلاء الناس أن يخلعوا صدقي باشا، وقد كانوا لا يؤمنون إلا به، وأن يثبتوا عبد الفتاح باشا، وقد كانوا لا يثورون إلا عليه.

    كيف استطاع هؤلاء الناس أن يدينوا بالطاعة لرئيس الوزارة القائمة، وهم الذين أمطروا رئيس الوزارة القائمة منذ أيام وابلًا من الأسئلة يتهمون فيها وزارته بإفساد الحياة النيابية، والاعتداء على ضمائر النواب، وإهمال المصالح العامة، وإيثار المصالح الخاصة، كيف استطاع هؤلاء الناس أن ينسوا هذه الأسئلة، ويستكينوا للوزارة التي كانوا يلومونها فيسرفون في لومها، ويتهمونها فيتجاوزون معها القصد في الاتهام، مع أن الوزارة لم تحفل لهم بسؤال، ولم تدفع عن نفسها تهمة من هذه التهم التي وجهوها إليها؟

    فكيف غَيَّرُوا رأيهم؟ وكيف اقتنعوا بأنها وزارة العدل والإنصاف، ووزارة البر ورعاية المصالح، ووزارة النزاهة والنقاء، في السر والجهر؟ إنما غيروا رأيهم لأنهم وجدوا من الخير أن يغيروه؛ إنما اقتنعوا لأنهم لم يجدوا بدًّا من الاقتناع. هؤلاء الناس سعداء بأنفسهم راضون عنها، يفاخرون بها ويكاثرون، ولكن الغريب أن يطمئن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى إلى أمثال هؤلاء الناس، وأن يظن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى أنه انتصر على خصمه حين غلبه على هؤلاء الناس.

    وأغرب من هذا أن يتصل التمثيل، ويستمر اللعب، ويصدق غير المصريين أن لهؤلاء الناس شأنًا في السياسة المصرية، أو أثرًا في تصريف الأمور، وأشد غرابة من هذا وذاك أن يُعْنَى بعض الناس بما يكون بين هذه الجماعات من الخلاف والخصومة حول بعض المناصب والأعمال، كما يُعنون بالجد من الأمر، مع أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة كله، منذ ابتدأ إلى أن ينتهي في وقت قريب، دعابة لا أكثر ولا أقل، ولكن فيها من المرارة ما يُمَزِّقُ القلوب ويملؤها لوعة وأَسًى؛ لأنها أضاعت على مصر من حياتها أعوامًا، فَوَّتَتْ على مصر كثيرًا من المنافع والحقوق.

    ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تلهو دون أن تدفع للهوها ثمنًا؟ ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تسلك طريقها إلى الحرية والاستقلال، وإلى الرقي وارتفاع الشأن، دون أن تتعثر في هذه الطريق بأمثال صدقي باشا، ومَنْ يلوذ به وبهم من النفعيين والوصوليين؟

    لم ينهزم صدقي باشا وحده، ولو أن صدقي باشا وحده هو الذي انهزم لما حفل به أحد، وإنما القيمة الصحيحة لهزيمته هي أنها هزيمة عامة تتجاوز شخصه إلى سياسته كلها، سواء أكان هو المنفذ لهذه السياسة أم كان المنفذ لها رجلًا آخر مهما يكن. والقيمة الصحيحة لهذه الهزيمة هي أنها جاءت من أن هذه السياسة لم تعتمد على ما ينبغي أن تعتمد عليه السياسة الصالحة للبقاء، التي تستطيع أن تطمع في الفوز، وتظفر به، وتمتنع على الخيبة والخذلان؛ وهو حب الأمة وتأييدها وإيمانها.

    هذه السياسة التي أقامها صدقي باشا بعيدًا كل البعد عن حب المصريين وتأييدهم وإيمانهم، كانت قائمة في الهواء، معرضة بأن تعصف بها الريح في كل لحظة. وقد عصفت بها الريح، فهَوَتْ بصدقي باشا إلى الحضيض، وأظهرت من أسرار أصحابه ومواطن الضعف فيهم ما لا يستطيعون بعده أن يثبتوا لأول عاصفة تأتيهم من أي ناحية من النواحي، وإن هبوب هذه العاصفة غير بعيد.