يوم الثورة …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٩ أغسطس ١٩٦٢
في مصيفه بإيطاليا سمع الدكتور طه حسين بقيام ثورة ٢٣ يوليو منذ عشر سنوات، وفي عيد الثورة العاشر كتب طه حسين من نفس المكان عن يوم الثورة وعن عيدها العاشر، ولكن البريد حمل إلينا كلمة الدكتور طه حسين متأخرة عن موعدها.
***
في نفس هذه القرية المتواضعة التي أُملي منها هذا الحديث فاجأتنا الصحف ذات صباح بأنباء الأحداث الأولى للثورة التي شبَّت في مصر، واضطرت وزارة إلى أن تستقيل، وأكرهت الملك على أن يولي أمور الحكم وزارة أخرى فرضها عليه الجيش الثائر الذي لم تستطع وزارته المستقيلة أن ترده عن الثورة ولم يستطع هو إلا أن يُذعن لما طُلب إليه.
ولم تكن قد مضت إلا ساعات قليلة على هذه الأحداث التي حملتها إلينا الصحف، واللَّه وحده يعلم كم كان ابتهاجنا بهذه الأحداث وكم كان اندفاعنا إلى التفكير في أعقابها، ولكن الصحف لم تضطرنا إلى كثير من التفكير والتقدير؛ فقد كانت تأتينا مصبحة وممسية بأنباء الأحداث إثر وقوعها.
وما أعلم أننا أقبلنا على قراءة الصحف الإيطالية كما أقبلنا عليها في تلك الأيام رغم قصورنا عن فهم اللغة التي كانت تحمل إلينا هذه الأنباء. كنا نصبح فنقرأ الأنباء في الصحف الإقليمية، فإذا تقدم النهار قليلًا أسرعنا إلى شراء الصحف التي تصدر في روما مصبحة، فإذا كان المساء أسرعنا إلى شراء الصحف المسائية.
وكذلك عشنا أيامًا لا همَّ لنا إلا تتبع الأنباء واستقصاؤها في كل ما يصل إلينا من الصحف، وكان لنا صديق في روما قدَّر اهتمامنا بهذه الأنباء، فجعل يبرق إلينا بها مرات في كل يوم ويسبق الصحف بحملها إلينا. وفي ذات صباح وصلت إلينا الأنباء بنزول الملك عن عرشه وسفره من مصر منفيًّا إلى إيطاليا.
هنالك استيقنا أن الثورة قد أصبحت حقيقة واقعة لم يستطع أحد أن يخمدها بل لم يحاول أحد أن يخمدها، ورأينا الدول الأجنبية قد اعترفت بها في غير تردد ولا تلكؤ.
هنالك اطمأنت نفوسنا إلى أننا أبناء شعب ثائر منتصر في ثورته لا يكتفي بإقالة وزارة وتولية وزارة أخرى؛ بل يتجاوز هذا إلى إقالة ملك وتولية ملك قاصر وإقامة مجلس للوصاية عليه.
ومنذ ذلك الوقت أخذنا نفكر ونقدر تفكير الثائرين وتقديرهم، وأذكر أني أمليت حديثًا نشرته الأهرام تنبأت فيه بأن هذه الثورة ستكون لها آثار كبرى لا تقتصر على مصر وحدها ولكنها ستتجاوزها إلى بلاد أخرى، وقدرت أن هذه الآثار الكبرى ستكون أشبه شيء بآثار الثورة الفرنسية التي أيقظت الشعوب الأوروبية ودفعتها إلى المطالبة بالحرية ثم الظفر بها على رغم ما قام في سبيلها من المصاعب والعقبات.
وقد أظهرت الأعوام العشرة التي انقضت أني لم أكن مخطئًا في هذا التفكير والتقدير. ويكفي أن نذكر كيف كانت أفريقيا منذ عشر سنين وكيف هي الآن، وأن نذكر كيف كانت البلاد العربية منذ عشر سنين وكيف هي الآن؛ لنعرف أن ثورتنا لم تكتفِ بتغيير الحياة في وادي النيل وحده، ولكنها تجاوزته إلى بلاد كثيرة غيره. ويكفى أيضًا أن نذكر كيف كان الاستعمار منذ عشر سنين وننظر أين هو الآن وماذا بقي من سلطانه العريض؟
ولست أكتب الآن لأتحدث عن آثار الثورة في مصر من الناحية المادية، ولا عن الرقي المادي الذي أُتيح لها في هذه الأعوام العشرة، ولا عما أُتيح لمصر من فوز سياسي بجلاء الجيش البريطاني عنها وتحرير قناة السويس والخروج من أزمة هذه القناة كما خرجت منها ظافرة بتأييد العالم الحر كله، رغم ما أعلن عليها من حرب ورغم ما كان عليها من عدوان. ولا أكتب الآن عن المركز الممتاز الذي أُتيح للجمهورية العربية المتحدة في العالم الخارجي بعد انتصار الثورة على كل ما أُثير في سبيلها من المصاعب وما بث في طريقها من العقبات.
لا أكتب عن شيء من هذا كله؛ فقد عرفه الناس جميعًا وكثر القول فيه داخل الجمهورية العربية المتحدة وخارجها. وإنما أريد أن أتحدث عن شيء آخر طالما كنا نفكر فيه ونطيل الحديث عنه ونقدر له الزمان، كان يقصر في نظر بعضنا ويطول في نظر بعضنا الآخر: وهو التربية السياسية لشعب الجمهورية العربية المتحدة.
وكان أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد يقدر لهذه التربية السياسية سبعين عامًا، وكنا نجادله في ذلك، يستكثر بعضنا هذه العشرات السبع من السنين ويستقلها بعضنا الآخر، فأين نحن من هذه التربية السياسية الآن. أما أنا فأعتقد أن أعظم فوز أتيح للثورة إنما هو الفوز في ميدان التربية السياسية، لا أقول للشعب المصري وحده، بل لشعوب أخرى تعودَت أن تنظر إلى مصر وتتخذها قدوة وأسوة. ويكفي أن نفكر في الحياة السياسية التي كان الشعب المصري يحياها قبل هذه الأعوام العشرة وفي الحياة السياسية التي يحياها الآن؛ لنرى بُعد الأمد بين هاتين الحياتين.
لم يخطر لأحد قبل الثورة أن يستفتي الشعب المصري في أمر من أمور حياته العامة، لم يُستفت قط في الدستور الذي كان يُهدى إليه حينًا، ويُفرض عليه حينًا آخر، ويُنزع منه نزعًا في بعض الأحيان دون أن يقول الشعب في ذلك نعم أو لا، بل دون أن يكون له الحق في أن يقول إحدى هاتين الكلمتين.
وكان الأمراء والملوك يتبع بعضهم بعضًا ويتعاقبون على العرش دون أن يخطر لأحد أن يفكر في الشعب أراضٍ هو عن تعاقب هؤلاء الأمراء والملوك أو ساخط عليهم، وحين تفضَل ملك من الملوك فأنعم بالدستور على الشعب المصري كما كان يتفضل فينعم بالرتب والأوسمة على الأفراد. كان الذين يتحدثون فيما بينهم حديثًا أقرب إلى الهمس منه إلى الجهر عن أن الدستور حق من حقوق الشعب لا يُهدى إليه ولا يُنعَم به عليه وإنما يُرد إليه. والخير كل الخير في أن يكون الشعب هو الذي يضع هذا الدستور ويعلنه على أنه عقد بينه وبين الذين يتعاقبون على العرش من الأمراء والملوك.
كان هؤلاء الذين يتحدثون فيما بينهم بهذا الحديث قلة يمكن إحصاؤها في غير مشقة ولا جهد، وإذا أحصيت لم يبلغ أفرادها المائة بل لم يبلغ الخمسين.
ولا أتحدث عن الانتخابات البرلمانية، فالحديث عنها لم يصبح معادًا وإنما أصبح مملًّا. ولكني أذكر ذات يوم كانت القاهرة فيه مقبلة على الانتخابات للمجلس النيابي وكنا نؤدي واجباتنا في الجامعة، فكنا نسمع في حجرات الدرس وفي المكاتب دوي الطلقات النارية التي كانت تُطلق هنا وهناك في أنحاء المدينة تخويفًا للشعب أو تفريقًا للمتظاهرين. وأذكر أنَّا لم نستطع في ذلك اليوم أن نعود إلى بيوتنا في وقت الغداء، وإنما انتظرنا حتى ينقضي النهار وعدنا إلى دورنا مع الليل.
كذلك كانت الحياة السياسية قبل الثورة، كانت حرية الانتخاب في تلك الأيام أبغض شيء إلى الملوك وإلى بعض الأحزاب السياسية، ومهما أنسَ فلن أنسَ خطبة لرجل من رجال السياسة في أوائل الحياة النيابية التي أتيحت لمصر إثر صدور الدستور سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وألف؛ فقد قال ذلك السياسي في خطبته تلك: لو أمرنا سعد أن ننتخب حجرًا لانتخبناه.
رحم اللَّه ذلك الخطيب وتجاوز له عن تلك الجملة التي ضحك منها الضاحكون في تلك الأيام.
فأين نحن من هذا الآن؟ نحن الآن بحيث يُستفتى الشعب في دستوره، ونحن الآن بحيث ينتخب الشعب رئيس الدولة، ونحن الآن بحيث يستطيع الأفراد — مثقفين كانوا أو غير مثقفين — أن يناقشوا رئيس الدولة مناقشة صريحة ليس فيها عوج ولا التواء.
رأينا ذلك في اللجنة التحضيرية، ورأيناه في المؤتمر الوطني الأخير، وسنراه من غير شك فيما سنستقبل من اجتماعات شعبية تدرس فيها المشكلات التي تتصل بالحياة العامة.
لم يكن يخطر لأحد قبل الثورة أنه سيُتاح للعمال والزراع أن يتحدثوا في المسائل العامة حديثًا صريحًا بمحضر من رئيس الدولة ونوابه وزملائهم الوزراء، وأن يكون لأحاديث العمال والزراع نفس الوزن الذي يقدر لأحاديث أساتذة الجامعة وكبار المثقفين وأولي الرأي في السياسة وغير السياسة مما يمس الحياة العامة.
ولست أزعم أن التربية السياسية للشعب المصري قد بلغت غايتها، ولست أزعم كذلك أن كل الذين يتحدثون في الشئون العامة أمام رئيس الجمهورية وزملائه يبلغون من الإخلاص والصراحة غايتهما، ولكني أعتقد أننا قد قطعنا في سبيل التربية السياسية شأوًا أبعد جدًّا مما كنا نقدر أو ننتظر.
وأزعم أيضًا أن الأمر بيننا وبين النضج السياسي لا يقدر بعشرات السنين، وإنما هو أقرب جدًّا مما يظن إذا مضينا في طريقنا إلى غايته وسنمضي فيه إلى غايته إن شاء اللَّه.
ولقد قرأت في بعض الصحف الفرنسية حديثًا أشفق فيه كاتبه على الشعب المصري وجمهوريته من هذا الإسراع الذي مضينا به إلى التربية السياسية. أشفق من إشراك العمال والزراع وطوائف الشعب على اختلافها في مناقشة المسائل العامة على النحو الذي كان في المؤتمر الوطني، مقدِّرًا أن هذا النمو نوع من المخاطرة بمستقبل الشعب؛ لأن هذه الطوائف كلها إذا أُتيح لها أن تعرف حقها كاملًا ليست مأمونة فيما يستقبل من الأيام؛ لأنها قد تطمع في أكثر من حقها، وقد تغلو في تقدير مركزها الاجتماعي والسياسي، وقد تندفع في ذلك إلى غير مدى.
وأعترف بأني ضحكت، بل غرقت في الضحك، حين قرأت هذا الكلام؛ فكاتبه لا يعرف الشعب المصري ولا يعلم أن الاعتدال طبيعة فيه، وأنه قد فُطر على القصد، وليس أبغض إليه من الشطط والإسراف.
والثورة المصرية نفسها أوضح دليل على ذلك، ولا سيما حين تُقاس إلى ثورات كثيرة شبَّت في الشرق والغرب جميعًا.
والفضل في هذا الذي أتيح لنا من التربية السياسية يرجع كله إلى رئيس الجمهورية، فهو الذي آثر أن يتحدث إلى الشعب في صراحة لا تشبهها صراحة وفي جلاء لا يشوبه لبس أو غموض، وهو الذي آثر ألا يخفي على الشعب شيئًا من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو الذي آثر أن يعترف أمام الشعب في وضوح كل الوضوح بما قد تتورط فيه الحكومة من الأخطاء وبالطريق إلى إصلاح هذه الأخطاء.
وهو الذي كره أن يكون رئيسًا للجمهورية دون أن يكلفه الشعب هذه الرياسة، وهو الذي استفتى الشعب في الوحدة مع سوريا، وهو الذي دعا إلى عقد المؤتمرات الوطنية المختلفة وأنشأ اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأخير، وعرض على المؤتمر نظام الحياة الجديدة التي يجب أن يحياها المصريون بل يجب أن تحياها الأمة العربية. وهو الذي قرر أن يكون للعمال والزراع نصف المجالس النيابية، وعرض ذلك على المؤتمر فيما عرض عليه من الميثاق ومن النظام السياسي للحياة الشعبية الجديدة، وأقل ما ينشأ عن هذا كله تبصير الشعب بواجباته أولًا وبحقوقه بعد ذلك، وليست التربية السياسية شيئًا إلا أن يتعلم الشعب ما يجب عليه أولًا وما يجب له أخيرًا.
فليس من الغلو ولا من السرف أن أقول إن مصر مدينة بهذه التربية السياسية للثورة ولرئيس الجمهورية خاصة، وليس من الغلو ولا من السرف ولا من محاولة التقرب إلى الرئيس أو ابتغاء الوسيلة إليه أن أقول إنه مربي الشعب حقًّا.
Tag: Political Maturity
-
شبَّ عمرو عن الطوق
شبَّ عمرو عن الطوق
طه حسين
النداء
٣ فبراير ١٩٤٨
وعمرو هو الشرق العربي، والطوق هو الاستعمار الأوروبي الأمريكي. ولعل القارئ يذكر أن هذا المثل يضرب لمن يلابس شيئًا دون قدره، وأن أصله فيما يقول الرواة أن أُمًّا ضلت ابنها وكان اسمه عَمْرًا! فلما عاد إليها بعد وقت طويل جدًّا أرادت أن تلبسه طوقًا كانت تزينه به أيام الطفولة، ورآه خاله فقال: شب عمرو عن الطوق. ولكن الدول المستعمرة لم ترزق من الحكمة وصواب الرأي وحسن التقدير وصدق الحكم على الأشياء والناس ما رُزقه ذلك الخال، فهي ما زالت ترى الشرق صبيًّا يمكن أن تغره بالقلائد والأطواق. وهذا اللون من ألوان الحُمق وسوء التقدير يكلِّف الغرب والشرق جميعًا خطوبًا وأهوالًا. فالشرق يأبى أن يُطوَّق والغرب يأبى إلَّا أن يطوِّقه، ويكون الصراع بينهما ويتصل ويشتد وتكثر آثاره وتسوء. والشرق يأبى أن يرتد صبيًّا والغرب يأبى إلَّا أن يرُده صبيًّا، وهيهات أن يبلغ الغرب ما يريد؛ لأن من أخص ما يمتاز به الصبا أنه لا يعود إذا مضى وانقضى عهده، شأنه في ذلك شأن الشباب، بل شأنه في ذلك شأن كل شيء تمضي به الأيام.
وما دام الزمن لا يخضع لإرادة الناس، ولا يمكن أن يعود أدراجه، ولا أن يُردَّ عن طريقه، ولا أن يوقف عن حركته؛ فليس من سبيل إلى أن يرد الصبا ولا إلى أن يعود الشباب. وهذا اليأس من عودة الشباب ورجوع الصبا قد ألهم الشعراء والكتَّاب في الشرق والغرب جميعًا شيئًا كثيرًا من رائع الشعر وبارع النثر، كما ألهم الفنيين شيئًا كثيرًا من آيات الفن. فليس شيء يدعو إلى الحسرة واللوعة والجزع كاليأس، وليس شيء يدعو إلى البهجة والغبطة والرضا كالأمل. والناس مقسمون بين اليأس والأمل، يروع اليأس قلوبهم فيتغنون غناءً حزينًا ملتاعًا، ويحيي الأمل نفوسهم فيتغنون غناءً مشرقًا مبتهجًا، وقد يحلمون فيقيمون الأمل مقام اليأس، ويخدعون أنفسهم ويتمنون ما ليس إليه سبيل. وما أكثر ما يحلم الشيوخ بأنهم قد عادوا شبابًا، وما أكثر ما يحلم الشباب بأنهم قد ارتدوا أطفالًا، وما أكثر ما يثير ذلك في نفوسهم هذه اللذات المخادعة التي لا تلبث اليقظة أن تبددها وتذروها كما تذرو الرياح الهشيم! والكبار يخدعون أنفسهم دائمًا حين ينظرون إلى أبنائهم، أو يفكرون فيهم: يرون أبناءهم صغارًا مهما يكبروا، وأطفالًا مهما تتقدم بهم السن، ويهمُّون أن يسيروا معهم كما كانوا يسيرون معهم أيام الطفولة والصبا، ولكن حقائق الحياة لا تلبث أن تقول لهم كما قال ذلك الخال لأخته: شب عمرو عن الطوق. هنالك يضطرون عن رضًا أو عن كره، وفي سرور أو في حزن، إلى أن يسيروا مع أبنائهم كما يحبون أن يسير الناس معهم، وإلى أن ينظروا إليهم على أنهم أخوة كبار لا أبناء صغار. وليس الغرب للشرق أبًا، ولكنه تكلف هذه الأبوة ذات يوم، وكانت أبوة قاسية أشد القسوة، لم تخل مع ذلك من رضاء ولين. كانت أبوة كتلك الأبوة التي عرفها رؤساء الأسر في العصور القديمة، والتي محتها الحضارة وغيرها الرقي. كانت أبوة تتيح للآباء السلطان كله، وتحرم الأبناء كل سلطان. كانت أبوة تمنح الآباء حق الحياة والموت على الأبناء والبنات والزوجات، وكل من يلوذ بالأسرة من الخدم والموالي والرقيق. ثم ما زالت الحضارة تغيِّرها قليلًا قليلًا حتى استقامت للأبناء والبنات والزوجات ومن يلوذون بالأسرة أمورهم، وسلمت لهم حقوقهم وأصبحوا سادة أنفسهم لا يتحكم فيهم أحد ولا يستأثر بأمورهم أحد. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء ورؤساء الأسر قد قاوموا تلك القوانين التي قوَّت الضعفاء، وردَّت إليهم حريتهم. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء قد ضاقوا بهذه القوانين، وبرموا بهذه الحرية، وسخطوا على الزمان الجديد، وحزنوا على الزمان القديم، وتمنَّوا أن يعود لهم سلطانهم القوي الواسع القاسي كما كان. ولكن الزمان إذا مضى، فليس إلى عودته سبيل. هذا بالضبط هو شأن الغرب مع الشرق، تكلف الأبوة المتسلطة القاهرة القاسية المسلطة المستذلة، واستمتع بها وألفها وحرص عليها، وهو الآن يرى القاصرين يرشدون، والضعفاء يقوون، والعاجزين يقدرون؛ فيضيق بما يرى، ويودُّ لو استطاع أن يحتفظ بما كان في يده ويبذل في سبيل ذلك ما يملك من قوة فلا تغنيه القوة، ومن جهد فلا يفيده الجهد، ومن حيلة فلا تبلغه الحيلة شيئًا مما يريد. رأينا ذلك في سيرة البريطانيين مع مصر، تسلطوا عليها دهرًا، واستأثروا بالأمر فيها عصرًا، ثم نظروا فإذا هي قد شبَّت عن الطوق، وإذا هي تريد أن تكون سيدة نفسها ومالكة أمرها، وإذا هي تجاهد ما وسعها الجهاد؛ لترد هذا الطوق فتبلغ من ذلك كثيرًا مما أرادت، وتأبى أن تريح أو تستريح حتى تبلغ من ذلك كل ما تريد. ورأينا ذلك بالقياس إلى سوريا ولبنان حين جاهدا حتى ردَّا إلى فرنسا طوقها، ونحن نرى ذلك بالقياس إلى العراق الذي ردَّ إلى الإنجليز طوقهم في عنف عنيف لم ينقضِ الحديث عنه ولن ينقضيَ الحديث عنه فيما يظهر قبل وقت طويل. والأوروبيون والأمريكيون يرون ذلك ضيقين به منكرين له محتالين في اتقائه، يدورون حول المصاعب والعقبات لعلهم أن يجدوا منها منفذًا هنا أو هناك، ليس لذلك مصدر إلَّا أنهم يصرون على أن يروا أنفسهم كبارًا، وعلى أن يروا شعوب الشرق العربي صغارًا، وعلى أن يحتفظوا بما ألفوا من التسلط والاستئثار.
فمن ذا الذي يلقي في رُوع …
فقد جرت أن عَمْرًا قد شب عن الطوق، وأن هذه الجهود التي تبذل جهرة، وتلك الجهود التي تبذل خفية؛ لن تغني شيئًا، وأن الشرق العربي لم يبقَ الآن كما كان في آخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن؛ ضعيفًا متواكلًا محتملًا للاستغلال والاستذلال. ومن ذا الذين يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن الشرق العربي لا يحرص على شيء كما يحرص على التعاون والتضامن والمشاركة في ترقية الحضارة وتنمية الاقتصاد وحماية السلم، ولكن بشرط ألَّا يرده ذلك إلى ضعف أو ضعة أو خضوع. ومن ذا الذي يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن احتفاظهم بروح الاستعمار والاستعلاء والغلب في سيرتهم مع الشرق العربي خليق أن يجر إلى كوارث وخطوب رأوا أولها في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان ولكنهم لا يعرفون … ولكنه لا يستطيع أن يردَّ نفسه صبيًّا ولا أن يرجع أدراجه، ولا أن يقف في وسط الطريق، وإنما هو ماضٍ إلى غايته مهما تكن الظروف. لو قد أُلقيت هذه المعاني في رُوع الساسة الذين يدبرون أمور الدول الكبرى؛ لجنَّبوا الشرق والغرب كثيرًا من الشر والهول، ولمهَّدوا للشرق والغرب طريقًا إلى التعاون الخصب والتضامن الذي لا يُظِلُّ عليهما جميعًا إلا خيرًا.
وليس الغرب وحده هو الذي يحتاج إلى أن يتدبر هذا المثل العربي القديم: «شبَّ عمرو عن الطوق.» بل ليس من شك أن الحكومات المسيطرة على أمور الشعوب العربية خليقةٌ هي أيضًا بأن تتدبر هذا المثل وتفكر فيه وتعتبر به، وتنظر إلى الشعوب لا على أنها أطفال تعلل بالأماني، وتُخدع بالآمال الكاذبة، وتُفتن بالألفاظ والمظاهر التي لا تدلُّ على شيء، بل على أنها شعوب راشدة قد بلغت من الرشد حظًّا ليس به بأس، ويدفعها كل شيءٍ من حولها إلى أن تتزيد منه وتمعن … كما أن الشرق نفسه [يمعن] فيه إمعانًا من يوم إلى يوم.
فقد أصبح من المستحيل أن تُحجب شمس الحرية عن هذه الشعوب بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان، وبعد أن أصبحت هذه الشعوب تشهد في كل يوم — بل في كل لحظة — ما يقع في أقطار الأرض كلها من الأحداث. فتنتفع بما تشهد، تخطئ حينًا وتصيب أحيانًا، ولكنها ترى وتسمع وتحس وتفهم وتتأثر وتقلد، لا يردها عن ذلك راد. إنما سبيل الحكومات المسيطرة على شئون البلاد العربية إن أرادت أن تظل مستأثرة بالأمر، وأن تمسك الشعوب في هذه الحياة البائسة التي تحياها؛ هي أن تقطع كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فتلغي البرق والبريد والتليفون والراديو والصحافة والسينما، وتقطع المواصلات فلا يكون هناك تنقل ولا مبادلة مع الأقطار الخارجية الأخرى، وتغلق المدارس وتحظر التعليم وتخرج الأجانب من بلادها، وتلغي كل تعامل بين المواطنين وغيرهم من الناس. فإن استطاعت أن تفعل شيئًا من ذلك، فقد تستطيع أن تسيطر وتتسلط وتستأثر. ولكنها تعلم أنها لن تستطيع من ذلك شيئًا، وأن طبيعة الحياة أقوى من تسلط المتسلطين وتجبر المتجبرين وأمل الذين يضللون أنفسهم بالأمل.
وإذن، فمن ذا الذي يلقي في رُوع الحكومة المتسلطة المستأثرة أن عَمرًا قد شبَّ عن الطوق، وأن ما كان يتاح من التسلط والتجبر في عصر مضى قد أصبح الآن شيئًا إن أُتيح له البقاء وقتًا يقصر أو يطول فهو منتهٍ آخر الأمر إلى أن يزول. ولو قد فهمت الحكومات الشرقية المستأثرة هذه الحقيقة ووعتها، وردَّت إلى الشعوب حقَّها الكامل في الحرية والعدل والمساواة والاستقلال الداخلي؛ لما استطاعت أوروبا ولا أمريكا محاولة للقهر والبطش والاستعمار.
فالمستبدُّون بأمور الشرق من الشرقيين هم الذين يغرون المستعمرين من الغربيين. فمتى يهدي اللَّه أولئك وهؤلاء إلى أن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، وإلى أن الشعوب العربية قد أصبحت تحرص على أن يكون الناس أحرارًا؛ لأن أمهاتهم قد ولدتهم أحرارًا. -
في التربية السياسية
في التربية السياسية
طه حسين
مجلة المصور
٢٢ نوفمبر ١٩٤٦
لستُ أدري إلى أي حدٍّ يستطيع هذا الجيلُ من المصريين المثقفين، ومن المصريين الذين يتداولون أمور الحكم فيما بينهم، ويتداولون أمور التمثيل البرلماني فيما بينهم أيضًا أن يرضى عن نفسه وعن بلائه في أول واجب كان من الحق عليه أن ينهض به، وهو التربية السياسية للشعب. فما أكثر ما نتحدث عن الديمقراطية المصرية! وما أكثر ما نقول إن الأمة مصدر السلطات! وما أقلَّ ما عملت وما نعمل لتحقيق هذه الديمقراطية المصرية من جهة، ولتعليم الشعب مباشرة سلطته الدستورية وتحقيق سيادته على نفسه وعلى وطنه من جهة أخرى!
ونحن حين يتحدث بعضنا إلى بعض، وحين نكتب من نقد الحياة الديمقراطية في مصر؛ نعتقد أننا نتعمق الأمر حين نقرر أن الديمقراطية لا تتحقق على وجهها الصحيح إلَّا إذا حُورِبَتِ الأمية وانتشر التعليم، وتثقف الشعب، وعرف ما عليه من الواجبات وما له من الحقوق.
ثم نلاحظ بعد ذلك أن التعليم لم ينتشر كما ينبغي، وأن كثرة الشعب ما زالت أمية جاهلة، وأن الديمقراطية المصرية ما زالت من أجل ذلك، لا أقول في طور الصبا، بل أقول في طور الطفولة! ثم يمضي أصدقاء الديمقراطية منا في ملاحظاتهم، فيلحون في محاربة الجهل وتثقيف الشعب؛ لتصبح الديمقراطية حقيقةٌ واقعةٌ في مصر. وينتهز الذين تؤمن ألسنتهم بالديمقراطية وتفكر بها قلوبهم هذه الفرصة ليقرروا أن من الحق أن نرجئ الحياة الديمقراطية في مصر حتى نهيئ لها الشعب تهيئة صالحة.
فإذا لم يكن هذا الإرجاء ممكنًا، فلا أقل من ألَّا نتحرج في رعاية الديمقراطية، ونزاهة ما تحتاج إليه من الإجراءات، ولا نتشدد في حسن العناية بالدستور والدقة في تنفيذه؛ فكل هذه أشياء لا ينبغي أن نطالب بها إلَّا حين نستوثق من أن الشعب حريصٌ عليها حقًّا، يؤثرها على كل شيء ويذود عنها ما وجد إلى الذياد سبيلًا!
وما أشك في أن انتشار التعليم وسيلة من أَقْوَم الوسائل وأقواها لتحقيق الديمقراطية الصالحة، ولإعداد الشعب لمباشرة حقوقه السياسية كما ينبغي أن يباشرها.
وما أشك في أن من واجب المصريين، بل من أخطر الواجبات على المصريين، أن يبذلوا أعنف الجهد ليعلِّموا الشعب ويثقفوه في أقصر وقت ممكن، وعلى أحسن وجه ممكن.
ولكني لا أشك أيضًا في أن التعليم ليس وحده الوسيلة القويمة لتحقيق الديمقراطية وإيصالها إلى قلوب الشعب وإجرائها في عروقه، بل أعتقد أن هناك وسائل أخرى ليست أقل من التعليم أثرًا في تربية الشعب، ولعلها أن تكون أقوى منه أثرًا وأعظم خطرًا؛ لأنها لا تتصل بالحياة النظرية، وإنما تتصل بالحياة العملية اليومية التي يباشرها الناس حين يصبحون وحين يمسون.
وأنت لا تعلِّم الطفل أن يأكل ويشرب ويحبو ويمشي ويتكلم من طريق القراءة والكتابة والحساب، ولا من طريق النحو والجغرافيا والتاريخ، وإنما تدفعه غرائزه إلى هذه الألوان من النشاط. وتكمل التربية عمل الغرائز؛ لأنها تُرشِّدها وتُقوِّمها: تدفعها إن قصرت، وتردها إلى الاعتدال إن جمحت أو أسرفت.
ومن أسخف السخف أن تلقي على الطفل في السنة الأولى أو الثانية من عمره درسًا نظريًّا تعلمه به كيف يستقل على قدميه، وكيف يمشي بهاتين القدمين! وأكبر الظن أن الصبي يتعلم من الحياة العملية الواقعة أشياء لا يمكن أن تُقاس إلى ما يُتعلَّم في المدرسة أو الكُتَّاب.
فإذا افترضنا أن الديمقراطية المصرية ما زالت في طور الطفولة، فقد يكون من الحق علينا أن نربيها كما يُربَّى الطفل، نعتمد على الحياة العملية أولًا، ثم على الدروس النظرية بعد ذلك.
وهذه الحياة العملية شيءٌ مخالف كل المخالفة لما أَلِفْناه منذ عُرِفَتْ عندنا الحياة الديمقراطية. فنحن مثلًا نعتقد أننا نمرِّن الشعب على الحياة السياسية الحديثة حين ندعوه إلى الانتخاب بين وقت ووقت، وحين ندعوه إلى شهود جلسات البرلمان، وننشر له في الصحف ما يدور في هذه الجلسات من جدال. وقد يكون هذا كله مفيدًا، بل هو مفيد من غير شك، ولكن هناك أشياء أخرى أدنى إلى النفع وأقرب إلى الفائدة وأشمل لأفراد الشعب. فليس المصريون جميعًا قادرين على أن يشهدوا جلسات البرلمان، أو يقرأوا ما يُنشَر عنها، وليس اختلافهم إلى صناديق الانتخاب مرة كل خمسة أعوام كما يريد الدستور أو كل عامين كما تريد التقاليد المصرية منذ صدر الدستور، ليس هذا شيئًا كافيًا ليعلم الشعب ممارسة سلطانه الدستوري، وإنما السبيل إلى ذلك — السبيل التي لم نكد نفكر فيها أو نحفل بها أو نصل بينها وبين حياتنا الديمقراطية — هي أن تكون في كل قرية من القرى المصرية وفي كل مدينة من المدن مدرسة مستقرة، يتعلم فيها أهل القرية أو أهل المدينة كيف يمارسون هذه الحقوق والواجبات!
وما ينبغي أن يرتاع القارئ ولا أن يفزع وزير المعارف؛ فهذه المدرسة يسيرة بكل اليسر، ليس من شأنها أن تُخِيف أحدًا، ولكن من شأنها أن تُحقِّق التربية السياسية للشعب على أحسن وجه وأكمله …
من الخير أن يستمتع كل مصري بلغ الرشد السياسي بحقوقه الوطنية، فينتخب النواب والشيوخ، ويرشح نفسه ليكون نائبًا أو شيخًا، ولكن هناك مجالس أخرى أقرب إلى الشعب وأدنى إلى حياته اليومية وأمسُّ بمصالحه المباشرة الفردية، وهي هذه المجالس التي تشرف على أمور القرية وعلى أمور المدينة إشرافًا يوميًّا متصلًا، وتنعقد انعقادًا منظمًا في جميع فصول السنة، ويتعلم الشعب حين ينتخبها كيف يكون الانتخاب، وفيمَ يكون الانتخاب، ويتعلم الشعب حين يراقبها كيف تكون مراقبة الرأي العام لخدَّام الرأي العام، وإلى أي حدٍّ يمكن أن يستمتع ممثل الشعب بثقة الشعب، وإلى أي حدٍّ يمكن أن يشعر هؤلاء الممثلون بأنهم ليسوا سادة الشعب يأمرونه ليطيع، وإنما هم خدَّام الشعب يأتمرون بأمره وينفذون إرادته، فإن قصروا في شيء من ذلك فقدوا ثقته وصُرِفوا عن خدمته أو صُرِفَتْ عنهم خدمته!
ويكفي أن يتصور القارئ أهل قرية صغيرة ينتخبون في كل عام أو عامين مجلسهم الخاص الذي يدبِّر أمورهم بأعينهم، لا يفلت من مراقبتهم الدقيقة في هذه الحدود الضيقة حدود القرية، بل لا يفلت من نقدهم حين يجتمعون ليتحدثوا آخر النهار أو ليسروا أول الليل … يكفي أن يتصور القارئ هذا ليقدر تأثيره في التربية السياسية لأهل القرية، وفي تعليمهم معنى الحق والواجب ومعنى النيابة عن الشعب ومعنى انتخاب الشعب لنوَّابه وإشرافه على هؤلاء النواب، ومعنى مراقبة النواب لتصرفات الحكومة … فليس من شك في أن نواب القرية سيراقبون تصرف العمدة الذي سينتخب كما ينتخبون، وسيكون صلة بين القرية وبين السلطة الإدارية العامة.
ومن المحقق أننا قد أضعنا وقتًا لا سبيل إلى تقدير قيمته، فلو أن القانون المنشئ لهذا النظام صدر مع الدستور أو صدر بمجرد انعقاد البرلمان المصري لأول مرة، ولو أنه نُفِّذَ منذ ذلك الوقت لاستطاع الشعب المصري في عشرين عامًا أن يذوق الحق السياسي والواجب السياسي، وأن يعرف قيمة الديمقراطية كأحسن ما يمكن أن تُعرف هذه القيمة، وأن يباشر بعد ذلك سلطته العليا في انتخاب البرلمان ومراقبة البرلمان، بل توجيه البرلمان كما يجري ذلك في البلاد المتحضرة … ولكننا أقمنا حياتنا الديمقراطية على غير أساس؛ بنينا الطابق الأخير من الدار فظل معلقًا في الهواء يعصف به أيسر الريح!
إن الذين يسألون عن مصدر هذا الشقاء الذي ينقل الحياة المصرية، ويحول بينها وبين الاستقرار، يجعل حياتها النيابية شيئًا يشبه أن يكون عبثًا ينبغي ألَّا يتكلفوا كثيرًا من البحث. فمصدر هذا الشقاء قريبٌ جدًّا هو أننا لم نغرس شجرة الديمقراطية الصحيحة في كل قرية من قرى مصر وفي كل مدينة من مدن مصر … ولو قد فعلنا منذ عشرين سنة لكانت لنا حال غير هذه الحال، ولكان من العسير جدًّا أن تتعرض مصر لما تتعرض له الآن من هذا الاضطراب السياسي الذي تدفعنا إليه الأهواء والشهوات!
لو قد فعلنا ذلك منذ عشرين سنة لعرف كل مواطن مصري معرفة واضحة مباشرة ملموسة باليد، أن له حقًّا يجب أن يُؤدَّى إليه، وأن عليه واجبًا ينبغي أن يؤديه، وأن الشئون العامة التي ينهض بها البرلمان هي خلاصة الشئون الخاصة التي تنهض بها مجالس القرى، وأن حق الشعب على البرلمان وعلى الوزراء كحق أهل القرية على مجلس القرية وعلى العمدة.
وحدِّثْني بعد ذلك إن شئت عن حل مجلس النواب، فلن يكون لحل مجلس النواب هذه الآثار الخطيرة التي نراها الآن، والتي تنقل أمور الشعب فجأة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، أو من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، والتي تتيح للحكومات صنع المجالس النيابية كما تُصنَع أصناف الطعام!
فلو قد أنشأنا هذا النظام الديمقراطي الأساسي في المدن والقرى؛ لأصبح حل مجلس النوَّاب أداة غير ذات موضوع كما يقول الأستاذ لطفي السيد باشا؛ لأن الشعب إن كان واثقًا بالمجلس المنحل أعاد انتخابه، ولم يقبل تزويرًا أو تزييفًا، وإن كان غير واثق بهذا المجلس انتخب مجلسًا آخر، وكان استفتاء الشعب صحيحًا حقًّا ملائمًا لإرادته حقًّا.
ويقول المَثَل الفرنسي: رُبَّ عمل متأخر خير من لا شيء. وقد أضعنا أكثر من عشرين سنة، فهل من سبيل إلى أن نستدرك ما فات، ونبدأ الطريق من حيث ينبغي أن نبدأ، ونشرع القانون الذي يجعل مجالس القرى نظامًا أساسيًّا من نظم الديمقراطية المصرية، والذي يجعل سلطان الشعب وسيادته حقيقة واقعة لا كلامًا تمضي به الريح؟!