في التربية السياسية
طه حسين
مجلة المصور
٢٢ نوفمبر ١٩٤٦
لستُ أدري إلى أي حدٍّ يستطيع هذا الجيلُ من المصريين المثقفين، ومن المصريين الذين يتداولون أمور الحكم فيما بينهم، ويتداولون أمور التمثيل البرلماني فيما بينهم أيضًا أن يرضى عن نفسه وعن بلائه في أول واجب كان من الحق عليه أن ينهض به، وهو التربية السياسية للشعب. فما أكثر ما نتحدث عن الديمقراطية المصرية! وما أكثر ما نقول إن الأمة مصدر السلطات! وما أقلَّ ما عملت وما نعمل لتحقيق هذه الديمقراطية المصرية من جهة، ولتعليم الشعب مباشرة سلطته الدستورية وتحقيق سيادته على نفسه وعلى وطنه من جهة أخرى!
ونحن حين يتحدث بعضنا إلى بعض، وحين نكتب من نقد الحياة الديمقراطية في مصر؛ نعتقد أننا نتعمق الأمر حين نقرر أن الديمقراطية لا تتحقق على وجهها الصحيح إلَّا إذا حُورِبَتِ الأمية وانتشر التعليم، وتثقف الشعب، وعرف ما عليه من الواجبات وما له من الحقوق.
ثم نلاحظ بعد ذلك أن التعليم لم ينتشر كما ينبغي، وأن كثرة الشعب ما زالت أمية جاهلة، وأن الديمقراطية المصرية ما زالت من أجل ذلك، لا أقول في طور الصبا، بل أقول في طور الطفولة! ثم يمضي أصدقاء الديمقراطية منا في ملاحظاتهم، فيلحون في محاربة الجهل وتثقيف الشعب؛ لتصبح الديمقراطية حقيقةٌ واقعةٌ في مصر. وينتهز الذين تؤمن ألسنتهم بالديمقراطية وتفكر بها قلوبهم هذه الفرصة ليقرروا أن من الحق أن نرجئ الحياة الديمقراطية في مصر حتى نهيئ لها الشعب تهيئة صالحة.
فإذا لم يكن هذا الإرجاء ممكنًا، فلا أقل من ألَّا نتحرج في رعاية الديمقراطية، ونزاهة ما تحتاج إليه من الإجراءات، ولا نتشدد في حسن العناية بالدستور والدقة في تنفيذه؛ فكل هذه أشياء لا ينبغي أن نطالب بها إلَّا حين نستوثق من أن الشعب حريصٌ عليها حقًّا، يؤثرها على كل شيء ويذود عنها ما وجد إلى الذياد سبيلًا!
وما أشك في أن انتشار التعليم وسيلة من أَقْوَم الوسائل وأقواها لتحقيق الديمقراطية الصالحة، ولإعداد الشعب لمباشرة حقوقه السياسية كما ينبغي أن يباشرها.
وما أشك في أن من واجب المصريين، بل من أخطر الواجبات على المصريين، أن يبذلوا أعنف الجهد ليعلِّموا الشعب ويثقفوه في أقصر وقت ممكن، وعلى أحسن وجه ممكن.
ولكني لا أشك أيضًا في أن التعليم ليس وحده الوسيلة القويمة لتحقيق الديمقراطية وإيصالها إلى قلوب الشعب وإجرائها في عروقه، بل أعتقد أن هناك وسائل أخرى ليست أقل من التعليم أثرًا في تربية الشعب، ولعلها أن تكون أقوى منه أثرًا وأعظم خطرًا؛ لأنها لا تتصل بالحياة النظرية، وإنما تتصل بالحياة العملية اليومية التي يباشرها الناس حين يصبحون وحين يمسون.
وأنت لا تعلِّم الطفل أن يأكل ويشرب ويحبو ويمشي ويتكلم من طريق القراءة والكتابة والحساب، ولا من طريق النحو والجغرافيا والتاريخ، وإنما تدفعه غرائزه إلى هذه الألوان من النشاط. وتكمل التربية عمل الغرائز؛ لأنها تُرشِّدها وتُقوِّمها: تدفعها إن قصرت، وتردها إلى الاعتدال إن جمحت أو أسرفت.
ومن أسخف السخف أن تلقي على الطفل في السنة الأولى أو الثانية من عمره درسًا نظريًّا تعلمه به كيف يستقل على قدميه، وكيف يمشي بهاتين القدمين! وأكبر الظن أن الصبي يتعلم من الحياة العملية الواقعة أشياء لا يمكن أن تُقاس إلى ما يُتعلَّم في المدرسة أو الكُتَّاب.
فإذا افترضنا أن الديمقراطية المصرية ما زالت في طور الطفولة، فقد يكون من الحق علينا أن نربيها كما يُربَّى الطفل، نعتمد على الحياة العملية أولًا، ثم على الدروس النظرية بعد ذلك.
وهذه الحياة العملية شيءٌ مخالف كل المخالفة لما أَلِفْناه منذ عُرِفَتْ عندنا الحياة الديمقراطية. فنحن مثلًا نعتقد أننا نمرِّن الشعب على الحياة السياسية الحديثة حين ندعوه إلى الانتخاب بين وقت ووقت، وحين ندعوه إلى شهود جلسات البرلمان، وننشر له في الصحف ما يدور في هذه الجلسات من جدال. وقد يكون هذا كله مفيدًا، بل هو مفيد من غير شك، ولكن هناك أشياء أخرى أدنى إلى النفع وأقرب إلى الفائدة وأشمل لأفراد الشعب. فليس المصريون جميعًا قادرين على أن يشهدوا جلسات البرلمان، أو يقرأوا ما يُنشَر عنها، وليس اختلافهم إلى صناديق الانتخاب مرة كل خمسة أعوام كما يريد الدستور أو كل عامين كما تريد التقاليد المصرية منذ صدر الدستور، ليس هذا شيئًا كافيًا ليعلم الشعب ممارسة سلطانه الدستوري، وإنما السبيل إلى ذلك — السبيل التي لم نكد نفكر فيها أو نحفل بها أو نصل بينها وبين حياتنا الديمقراطية — هي أن تكون في كل قرية من القرى المصرية وفي كل مدينة من المدن مدرسة مستقرة، يتعلم فيها أهل القرية أو أهل المدينة كيف يمارسون هذه الحقوق والواجبات!
وما ينبغي أن يرتاع القارئ ولا أن يفزع وزير المعارف؛ فهذه المدرسة يسيرة بكل اليسر، ليس من شأنها أن تُخِيف أحدًا، ولكن من شأنها أن تُحقِّق التربية السياسية للشعب على أحسن وجه وأكمله …
من الخير أن يستمتع كل مصري بلغ الرشد السياسي بحقوقه الوطنية، فينتخب النواب والشيوخ، ويرشح نفسه ليكون نائبًا أو شيخًا، ولكن هناك مجالس أخرى أقرب إلى الشعب وأدنى إلى حياته اليومية وأمسُّ بمصالحه المباشرة الفردية، وهي هذه المجالس التي تشرف على أمور القرية وعلى أمور المدينة إشرافًا يوميًّا متصلًا، وتنعقد انعقادًا منظمًا في جميع فصول السنة، ويتعلم الشعب حين ينتخبها كيف يكون الانتخاب، وفيمَ يكون الانتخاب، ويتعلم الشعب حين يراقبها كيف تكون مراقبة الرأي العام لخدَّام الرأي العام، وإلى أي حدٍّ يمكن أن يستمتع ممثل الشعب بثقة الشعب، وإلى أي حدٍّ يمكن أن يشعر هؤلاء الممثلون بأنهم ليسوا سادة الشعب يأمرونه ليطيع، وإنما هم خدَّام الشعب يأتمرون بأمره وينفذون إرادته، فإن قصروا في شيء من ذلك فقدوا ثقته وصُرِفوا عن خدمته أو صُرِفَتْ عنهم خدمته!
ويكفي أن يتصور القارئ أهل قرية صغيرة ينتخبون في كل عام أو عامين مجلسهم الخاص الذي يدبِّر أمورهم بأعينهم، لا يفلت من مراقبتهم الدقيقة في هذه الحدود الضيقة حدود القرية، بل لا يفلت من نقدهم حين يجتمعون ليتحدثوا آخر النهار أو ليسروا أول الليل … يكفي أن يتصور القارئ هذا ليقدر تأثيره في التربية السياسية لأهل القرية، وفي تعليمهم معنى الحق والواجب ومعنى النيابة عن الشعب ومعنى انتخاب الشعب لنوَّابه وإشرافه على هؤلاء النواب، ومعنى مراقبة النواب لتصرفات الحكومة … فليس من شك في أن نواب القرية سيراقبون تصرف العمدة الذي سينتخب كما ينتخبون، وسيكون صلة بين القرية وبين السلطة الإدارية العامة.
ومن المحقق أننا قد أضعنا وقتًا لا سبيل إلى تقدير قيمته، فلو أن القانون المنشئ لهذا النظام صدر مع الدستور أو صدر بمجرد انعقاد البرلمان المصري لأول مرة، ولو أنه نُفِّذَ منذ ذلك الوقت لاستطاع الشعب المصري في عشرين عامًا أن يذوق الحق السياسي والواجب السياسي، وأن يعرف قيمة الديمقراطية كأحسن ما يمكن أن تُعرف هذه القيمة، وأن يباشر بعد ذلك سلطته العليا في انتخاب البرلمان ومراقبة البرلمان، بل توجيه البرلمان كما يجري ذلك في البلاد المتحضرة … ولكننا أقمنا حياتنا الديمقراطية على غير أساس؛ بنينا الطابق الأخير من الدار فظل معلقًا في الهواء يعصف به أيسر الريح!
إن الذين يسألون عن مصدر هذا الشقاء الذي ينقل الحياة المصرية، ويحول بينها وبين الاستقرار، يجعل حياتها النيابية شيئًا يشبه أن يكون عبثًا ينبغي ألَّا يتكلفوا كثيرًا من البحث. فمصدر هذا الشقاء قريبٌ جدًّا هو أننا لم نغرس شجرة الديمقراطية الصحيحة في كل قرية من قرى مصر وفي كل مدينة من مدن مصر … ولو قد فعلنا منذ عشرين سنة لكانت لنا حال غير هذه الحال، ولكان من العسير جدًّا أن تتعرض مصر لما تتعرض له الآن من هذا الاضطراب السياسي الذي تدفعنا إليه الأهواء والشهوات!
لو قد فعلنا ذلك منذ عشرين سنة لعرف كل مواطن مصري معرفة واضحة مباشرة ملموسة باليد، أن له حقًّا يجب أن يُؤدَّى إليه، وأن عليه واجبًا ينبغي أن يؤديه، وأن الشئون العامة التي ينهض بها البرلمان هي خلاصة الشئون الخاصة التي تنهض بها مجالس القرى، وأن حق الشعب على البرلمان وعلى الوزراء كحق أهل القرية على مجلس القرية وعلى العمدة.
وحدِّثْني بعد ذلك إن شئت عن حل مجلس النواب، فلن يكون لحل مجلس النواب هذه الآثار الخطيرة التي نراها الآن، والتي تنقل أمور الشعب فجأة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، أو من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، والتي تتيح للحكومات صنع المجالس النيابية كما تُصنَع أصناف الطعام!
فلو قد أنشأنا هذا النظام الديمقراطي الأساسي في المدن والقرى؛ لأصبح حل مجلس النوَّاب أداة غير ذات موضوع كما يقول الأستاذ لطفي السيد باشا؛ لأن الشعب إن كان واثقًا بالمجلس المنحل أعاد انتخابه، ولم يقبل تزويرًا أو تزييفًا، وإن كان غير واثق بهذا المجلس انتخب مجلسًا آخر، وكان استفتاء الشعب صحيحًا حقًّا ملائمًا لإرادته حقًّا.
ويقول المَثَل الفرنسي: رُبَّ عمل متأخر خير من لا شيء. وقد أضعنا أكثر من عشرين سنة، فهل من سبيل إلى أن نستدرك ما فات، ونبدأ الطريق من حيث ينبغي أن نبدأ، ونشرع القانون الذي يجعل مجالس القرى نظامًا أساسيًّا من نظم الديمقراطية المصرية، والذي يجعل سلطان الشعب وسيادته حقيقة واقعة لا كلامًا تمضي به الريح؟!
في التربية السياسية
Share:
Leave a Reply