تجنٍّ
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣١ يناير ١٩٥٦
لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها من ظلمٍ سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأت مصر من هذا الظلم أولًا، وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر.
أحق أن المرأة تصنع شيئًا لإصلاح حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما يقول الأستاذ سامي داود في المقال الذي نشرتْه له جريدة الجمهورية يوم الخميس، وأنها ملأت الدنيا ضجيجًا وعجيجًا ومطالبة وإلحاحًا؛ لتظفر بحقوقها السياسية، فلما رُدت إليها هذه الحقوق زهدت في الاستمتاع بها، ونكلت عما ينبغي لها من احتمال ما تفرضه عليها من التبعات …
قال صديقنا هذا كله؛ لأن ثلاثًا أو أربعًا من زميلاته أنبأنَه بشيء من ذلك، وزعمْن له أن المرأة راضية؛ لأن حقها قد رُدَّ إليها، وأن هذا الرضى شيء، والإقبال على الحقوق المردودة والانتفاع والنفع بها شيء آخر.
كانت مغيظة لأنها كانت محرومة، فقد ذهب عنها الغيظ وانجاب عنها الحرمان؛ فاطمأنت إلى المساواة، ثم لم تزد — أو هى لا تريد أن تزيد — على الاطمئنان شيئًا. ومتى أُتيح للثلاث أو للأربع أن يُعربن عن الملايين المملينة من السيدات إعراب الممثلات لهنَّ، الناطقات بلسانهن، المصورات لما يضطرب في صدورهن من العواطف، وما يدور في رءوسهن من الخواطر والآراء؟!
وهل وثق الصديق بأن أولئك الزميلات كن جادات حين زعمن له ما زعمن؟! وما يمنعهنَّ من العبث في القول والرجال من حولهن في القول والعمل جميعًا؟! أليس للمرأة حق المزاح هذا الذي يسرف الرجال في الاستمتاع به غير مقدِّر لعواقبه، ولا حاسب لنتائجه حسابًا؟!
ومتى أقبل الرجال صادقين مخلصين على حقوقهم السياسية يستمتعون بها في جد وحزم وإيمان بأن استمتاعهم بها ليس حقًّا فحسب؛ ولكنه واجب لا يقصر في أدائه إلا الذين يستخفون بالمصالح الوطنية العليا؟!
متى أقبل الرجال على النفع والانتفاع بالحق السياسي، غير عابثين به ولا بائعين له ولا مداحين فيه ولا متخلفين عنه، يكسلون مرة ويسخرون مرة أخرى، وينسون في كثير من الأحيان؟! أليس الحق على الرجال لأنفسهم ولوطنهم أن يُقوِّموا ما في سيرتهم من عوج قبل أن يحاولوا تقويم غيرهم؟!
إن الصديق يعلم حق العلم أن تقصير الرجال في أداء الواجبات السياسية شائع ذائع لا يحتمل خلافًا ولا جدالًا، وأن هذا التقصير ليس عيبًا في المصريين وحدهم، ولكنه عيب فيهم وفي غيرهم. وهم حين يستجيبون لدعوة الانتخاب يوم يُدعون إليه، إنما يستجيبون لشهواتهم وأهوائهم في كثير من الأحيان. أليس من الإنصاف أن يُنتظر بالمرأة يوم الانتخاب؛ ليُرى أتُقبل عليه أم تعرض عنه، ثم يتحدث في ذلك عن علم وثقة لا عن شك وتجنٍّ.
لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها عن ظلم سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأتْ مصر من هذا الظلم أولًا وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر، وما ينبغي أن يُشاب هذا الإنصاف بما تورط فيه الصديق من الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة، وبهذا التشاؤم الذي يغرق فيه كثير من كتَّابنا في هذه الأيام، ويتخذونه قِوامًا لآرائهم في الناس وفي الحياة.
وما هذه المشاركة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، التي أحجمت عنها المرأة، مكتفية بالإلحاح في المطالبة بحقوقها السياسية؟!
ومتى مُكِّنت المرأة المصرية من المشاركة المنتجة في الإصلاح على اختلاف ألوانه؛ لِتؤخذ بالإحجام عنها والتقصير فيها؟! إن الصديق يعترف بأن المرأة حين أُتيح لها التعليم تعلَّمت على أحسن وجه، وعلَّمت على أحسن وجه أيضًا، وحين أُتيح لها العمل في بعض المناصب العامة أدَّت واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات.
فلْينتظرْ بها حتى يُتاح لها الاشتراك الفعلي في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم يحدثنا بعد ذلك عن بلائها في هذا الإصلاح. وما أشك في أنه سيحدثنا عن ذلك حديث الرضى والاغتباط والإعجاب والحزن على ما فات مصر من هذا البلاء فيما مضى من العهود.
والصديق ظالم للمرأة ظلمًا كنت أحب ألَّا يتورط فيه؛ يرى أنها لم تشارك في علاج ما عرض للحياة المصرية من العلل والأدواء، فهي لم تعالج غلاء الأسعار مثلًا، وما أرى إلا أن العجلة وخطف الآراء هما اللذان اضطراه إلى هذا الظلم؛ إن المصريين قد احتملوا أثقال هذا الغلاء كِرامًا بفضل المرأة أولًا، فهي التي احتملت أعباءه، ونفذَتْ من مشكلاته، وأتاحت للرجال أن يعيشوا وأن يؤدوا أعمالهم وينهضوا بتبعاتهم؛ لأنها هي التي دبرت اقتصاد البيت، وأتاحت للأفراد الكثيرين فيه أن يعيشوا بالدخل القليل، ولو خُلِّي بين الرجال وبين دخولهم القليلة وحياتهم الغالية وحاجاتهم التي لا تنقضي ولا تُطاق؛ لوقعوا ولوقعت مصر معهم في شرٍّ عظيم.
تدبير المرأة هو الذي أتاح للساسة أن ينهضوا بأعباء السياسة، وأتاح لأصحاب الاقتصاد أن ينهضوا بأعباء الاقتصاد، وأتاح للذين يحاولون الإصلاح الاجتماعي أن ينهضوا بأثقال هذا الإصلاح. والمرأة بعد هذا كله هي الأم التي تنشئ الطفل، وتتيح له أن يتعلم وأن يشارك في الواجبات الاجتماعية، وهي الزوج التي تحمل عن زوجها هذه الأثقال السخيفة الممضَّة التي لا تقوم الحياة إلا بها، والتي لو احتملها الرجل لما استطاع أن يفرغ لعمل من أعماله فضلًا عن أن يحسنه. وفي حياة كل رجل — كائنًا من يكون — أثر خطير للمرأة، لا ينكره ولا يغض منه إلا العاقُّون الجاحدون الذين ليسوا أهلًا للحياة ولا أهلًا للاستمتاع بما فيها من خير والاحتمال لما فيها من شر.
لم أحب للصديق ولأمثاله من كتابنا الذين تعجلهم الصحافة عما ينبغي لهم من الأناة والتفكير؛ أن يقاوموا هذه العجلة ما استطاعوا، وأن يعلموا أن عواقب الأناة خير دائمًا وأن عواقب العجلة شر دائمًا، وأنهم ينشرون ما يتعجلون به من الأحاديث فيتلقاه الناس ويقرءونه ويتأثر به كثير منهم بإرادة وعن غير إرادة؛ فتصيبهم عدوى التفكير السريع الذي تنقصه الرويَّة والأناة.
ولم أحب للصديق ولأمثاله من كتَّابنا أن يقاوموا هذا التشاؤم الذي يفسد عليهم وعلى قرائهم آراءهم في الحياة وسيرتهم فيها أيضًا. إن في حياتنا شرًّا كثيرًا، ولكن الشر لا يُعالج بالتشاؤم؛ لأن التشاؤم يُدني إلى اليأس، ويصد عن المقاومة، ويفل العزائم، ويثبط الهمم. وكل هذه خصال أقل ما توصف به أنها تفسد الحياة ولا تصلحها، وتدفع إلى الانحلال والهزيمة لا إلى التماسك والانتصار على الخطوب.
Tag: political rights
-
في التربية السياسية
في التربية السياسية
طه حسين
مجلة المصور
٢٢ نوفمبر ١٩٤٦
لستُ أدري إلى أي حدٍّ يستطيع هذا الجيلُ من المصريين المثقفين، ومن المصريين الذين يتداولون أمور الحكم فيما بينهم، ويتداولون أمور التمثيل البرلماني فيما بينهم أيضًا أن يرضى عن نفسه وعن بلائه في أول واجب كان من الحق عليه أن ينهض به، وهو التربية السياسية للشعب. فما أكثر ما نتحدث عن الديمقراطية المصرية! وما أكثر ما نقول إن الأمة مصدر السلطات! وما أقلَّ ما عملت وما نعمل لتحقيق هذه الديمقراطية المصرية من جهة، ولتعليم الشعب مباشرة سلطته الدستورية وتحقيق سيادته على نفسه وعلى وطنه من جهة أخرى!
ونحن حين يتحدث بعضنا إلى بعض، وحين نكتب من نقد الحياة الديمقراطية في مصر؛ نعتقد أننا نتعمق الأمر حين نقرر أن الديمقراطية لا تتحقق على وجهها الصحيح إلَّا إذا حُورِبَتِ الأمية وانتشر التعليم، وتثقف الشعب، وعرف ما عليه من الواجبات وما له من الحقوق.
ثم نلاحظ بعد ذلك أن التعليم لم ينتشر كما ينبغي، وأن كثرة الشعب ما زالت أمية جاهلة، وأن الديمقراطية المصرية ما زالت من أجل ذلك، لا أقول في طور الصبا، بل أقول في طور الطفولة! ثم يمضي أصدقاء الديمقراطية منا في ملاحظاتهم، فيلحون في محاربة الجهل وتثقيف الشعب؛ لتصبح الديمقراطية حقيقةٌ واقعةٌ في مصر. وينتهز الذين تؤمن ألسنتهم بالديمقراطية وتفكر بها قلوبهم هذه الفرصة ليقرروا أن من الحق أن نرجئ الحياة الديمقراطية في مصر حتى نهيئ لها الشعب تهيئة صالحة.
فإذا لم يكن هذا الإرجاء ممكنًا، فلا أقل من ألَّا نتحرج في رعاية الديمقراطية، ونزاهة ما تحتاج إليه من الإجراءات، ولا نتشدد في حسن العناية بالدستور والدقة في تنفيذه؛ فكل هذه أشياء لا ينبغي أن نطالب بها إلَّا حين نستوثق من أن الشعب حريصٌ عليها حقًّا، يؤثرها على كل شيء ويذود عنها ما وجد إلى الذياد سبيلًا!
وما أشك في أن انتشار التعليم وسيلة من أَقْوَم الوسائل وأقواها لتحقيق الديمقراطية الصالحة، ولإعداد الشعب لمباشرة حقوقه السياسية كما ينبغي أن يباشرها.
وما أشك في أن من واجب المصريين، بل من أخطر الواجبات على المصريين، أن يبذلوا أعنف الجهد ليعلِّموا الشعب ويثقفوه في أقصر وقت ممكن، وعلى أحسن وجه ممكن.
ولكني لا أشك أيضًا في أن التعليم ليس وحده الوسيلة القويمة لتحقيق الديمقراطية وإيصالها إلى قلوب الشعب وإجرائها في عروقه، بل أعتقد أن هناك وسائل أخرى ليست أقل من التعليم أثرًا في تربية الشعب، ولعلها أن تكون أقوى منه أثرًا وأعظم خطرًا؛ لأنها لا تتصل بالحياة النظرية، وإنما تتصل بالحياة العملية اليومية التي يباشرها الناس حين يصبحون وحين يمسون.
وأنت لا تعلِّم الطفل أن يأكل ويشرب ويحبو ويمشي ويتكلم من طريق القراءة والكتابة والحساب، ولا من طريق النحو والجغرافيا والتاريخ، وإنما تدفعه غرائزه إلى هذه الألوان من النشاط. وتكمل التربية عمل الغرائز؛ لأنها تُرشِّدها وتُقوِّمها: تدفعها إن قصرت، وتردها إلى الاعتدال إن جمحت أو أسرفت.
ومن أسخف السخف أن تلقي على الطفل في السنة الأولى أو الثانية من عمره درسًا نظريًّا تعلمه به كيف يستقل على قدميه، وكيف يمشي بهاتين القدمين! وأكبر الظن أن الصبي يتعلم من الحياة العملية الواقعة أشياء لا يمكن أن تُقاس إلى ما يُتعلَّم في المدرسة أو الكُتَّاب.
فإذا افترضنا أن الديمقراطية المصرية ما زالت في طور الطفولة، فقد يكون من الحق علينا أن نربيها كما يُربَّى الطفل، نعتمد على الحياة العملية أولًا، ثم على الدروس النظرية بعد ذلك.
وهذه الحياة العملية شيءٌ مخالف كل المخالفة لما أَلِفْناه منذ عُرِفَتْ عندنا الحياة الديمقراطية. فنحن مثلًا نعتقد أننا نمرِّن الشعب على الحياة السياسية الحديثة حين ندعوه إلى الانتخاب بين وقت ووقت، وحين ندعوه إلى شهود جلسات البرلمان، وننشر له في الصحف ما يدور في هذه الجلسات من جدال. وقد يكون هذا كله مفيدًا، بل هو مفيد من غير شك، ولكن هناك أشياء أخرى أدنى إلى النفع وأقرب إلى الفائدة وأشمل لأفراد الشعب. فليس المصريون جميعًا قادرين على أن يشهدوا جلسات البرلمان، أو يقرأوا ما يُنشَر عنها، وليس اختلافهم إلى صناديق الانتخاب مرة كل خمسة أعوام كما يريد الدستور أو كل عامين كما تريد التقاليد المصرية منذ صدر الدستور، ليس هذا شيئًا كافيًا ليعلم الشعب ممارسة سلطانه الدستوري، وإنما السبيل إلى ذلك — السبيل التي لم نكد نفكر فيها أو نحفل بها أو نصل بينها وبين حياتنا الديمقراطية — هي أن تكون في كل قرية من القرى المصرية وفي كل مدينة من المدن مدرسة مستقرة، يتعلم فيها أهل القرية أو أهل المدينة كيف يمارسون هذه الحقوق والواجبات!
وما ينبغي أن يرتاع القارئ ولا أن يفزع وزير المعارف؛ فهذه المدرسة يسيرة بكل اليسر، ليس من شأنها أن تُخِيف أحدًا، ولكن من شأنها أن تُحقِّق التربية السياسية للشعب على أحسن وجه وأكمله …
من الخير أن يستمتع كل مصري بلغ الرشد السياسي بحقوقه الوطنية، فينتخب النواب والشيوخ، ويرشح نفسه ليكون نائبًا أو شيخًا، ولكن هناك مجالس أخرى أقرب إلى الشعب وأدنى إلى حياته اليومية وأمسُّ بمصالحه المباشرة الفردية، وهي هذه المجالس التي تشرف على أمور القرية وعلى أمور المدينة إشرافًا يوميًّا متصلًا، وتنعقد انعقادًا منظمًا في جميع فصول السنة، ويتعلم الشعب حين ينتخبها كيف يكون الانتخاب، وفيمَ يكون الانتخاب، ويتعلم الشعب حين يراقبها كيف تكون مراقبة الرأي العام لخدَّام الرأي العام، وإلى أي حدٍّ يمكن أن يستمتع ممثل الشعب بثقة الشعب، وإلى أي حدٍّ يمكن أن يشعر هؤلاء الممثلون بأنهم ليسوا سادة الشعب يأمرونه ليطيع، وإنما هم خدَّام الشعب يأتمرون بأمره وينفذون إرادته، فإن قصروا في شيء من ذلك فقدوا ثقته وصُرِفوا عن خدمته أو صُرِفَتْ عنهم خدمته!
ويكفي أن يتصور القارئ أهل قرية صغيرة ينتخبون في كل عام أو عامين مجلسهم الخاص الذي يدبِّر أمورهم بأعينهم، لا يفلت من مراقبتهم الدقيقة في هذه الحدود الضيقة حدود القرية، بل لا يفلت من نقدهم حين يجتمعون ليتحدثوا آخر النهار أو ليسروا أول الليل … يكفي أن يتصور القارئ هذا ليقدر تأثيره في التربية السياسية لأهل القرية، وفي تعليمهم معنى الحق والواجب ومعنى النيابة عن الشعب ومعنى انتخاب الشعب لنوَّابه وإشرافه على هؤلاء النواب، ومعنى مراقبة النواب لتصرفات الحكومة … فليس من شك في أن نواب القرية سيراقبون تصرف العمدة الذي سينتخب كما ينتخبون، وسيكون صلة بين القرية وبين السلطة الإدارية العامة.
ومن المحقق أننا قد أضعنا وقتًا لا سبيل إلى تقدير قيمته، فلو أن القانون المنشئ لهذا النظام صدر مع الدستور أو صدر بمجرد انعقاد البرلمان المصري لأول مرة، ولو أنه نُفِّذَ منذ ذلك الوقت لاستطاع الشعب المصري في عشرين عامًا أن يذوق الحق السياسي والواجب السياسي، وأن يعرف قيمة الديمقراطية كأحسن ما يمكن أن تُعرف هذه القيمة، وأن يباشر بعد ذلك سلطته العليا في انتخاب البرلمان ومراقبة البرلمان، بل توجيه البرلمان كما يجري ذلك في البلاد المتحضرة … ولكننا أقمنا حياتنا الديمقراطية على غير أساس؛ بنينا الطابق الأخير من الدار فظل معلقًا في الهواء يعصف به أيسر الريح!
إن الذين يسألون عن مصدر هذا الشقاء الذي ينقل الحياة المصرية، ويحول بينها وبين الاستقرار، يجعل حياتها النيابية شيئًا يشبه أن يكون عبثًا ينبغي ألَّا يتكلفوا كثيرًا من البحث. فمصدر هذا الشقاء قريبٌ جدًّا هو أننا لم نغرس شجرة الديمقراطية الصحيحة في كل قرية من قرى مصر وفي كل مدينة من مدن مصر … ولو قد فعلنا منذ عشرين سنة لكانت لنا حال غير هذه الحال، ولكان من العسير جدًّا أن تتعرض مصر لما تتعرض له الآن من هذا الاضطراب السياسي الذي تدفعنا إليه الأهواء والشهوات!
لو قد فعلنا ذلك منذ عشرين سنة لعرف كل مواطن مصري معرفة واضحة مباشرة ملموسة باليد، أن له حقًّا يجب أن يُؤدَّى إليه، وأن عليه واجبًا ينبغي أن يؤديه، وأن الشئون العامة التي ينهض بها البرلمان هي خلاصة الشئون الخاصة التي تنهض بها مجالس القرى، وأن حق الشعب على البرلمان وعلى الوزراء كحق أهل القرية على مجلس القرية وعلى العمدة.
وحدِّثْني بعد ذلك إن شئت عن حل مجلس النواب، فلن يكون لحل مجلس النواب هذه الآثار الخطيرة التي نراها الآن، والتي تنقل أمور الشعب فجأة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، أو من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، والتي تتيح للحكومات صنع المجالس النيابية كما تُصنَع أصناف الطعام!
فلو قد أنشأنا هذا النظام الديمقراطي الأساسي في المدن والقرى؛ لأصبح حل مجلس النوَّاب أداة غير ذات موضوع كما يقول الأستاذ لطفي السيد باشا؛ لأن الشعب إن كان واثقًا بالمجلس المنحل أعاد انتخابه، ولم يقبل تزويرًا أو تزييفًا، وإن كان غير واثق بهذا المجلس انتخب مجلسًا آخر، وكان استفتاء الشعب صحيحًا حقًّا ملائمًا لإرادته حقًّا.
ويقول المَثَل الفرنسي: رُبَّ عمل متأخر خير من لا شيء. وقد أضعنا أكثر من عشرين سنة، فهل من سبيل إلى أن نستدرك ما فات، ونبدأ الطريق من حيث ينبغي أن نبدأ، ونشرع القانون الذي يجعل مجالس القرى نظامًا أساسيًّا من نظم الديمقراطية المصرية، والذي يجعل سلطان الشعب وسيادته حقيقة واقعة لا كلامًا تمضي به الريح؟! -
إشاعة
حديث الوادي
إشاعة…
أذاعتها بعض الصحف منذ أيام حول المؤتمر الوطني، الذي يريد الوفد أن يعقده في الأسابيع المقبلة والذي يلقاه المصريون مغتبطين به، مسرعين إليه، حراصاً أشد الحرص على أن يكون الاشتراك فيه عاماً، شاملاً، مصوراً أصدق تصوير لإيمان الشعب المصري بحقه واحتفاظه بكرامته، وجده في تحقيق آماله، وإصراره على أن تتحقق هذه الآمال في غير لعب ولا لهو، وفي غير تهاون ولا تفريط.
ولم تصدر دعوة الوفد إلى المؤتمر بعد، ولم يعين رئيس الوفد اليوم الذي يبدأ فيه اجتماع المؤتمر، ولا المكان الذي تنعقد فيه اجتماعاته، ولم ينشر رئيس الوفد برنامج أعمال المؤتمر، ولا أسماء الذين سيخطبون فيه ولا الموضوعات التي سيتناولها الخطباء. ولم يزد رئيس الوفد وأعضاؤه على أن آذنوا المصريين بأن الوفد سيدعو إلى مؤتمر يدرس شؤون مصر العامة وطلبوا إلى الوفديين في لجان الوفد المختلفة أن يرسلوا عنواناتهم إلى سكرتيرية الوفد في مدة كان آخرها أول أمس. ومع ذلك فقد وجم الوزاريون وأشباه الوزاريين لنبأ هذا المؤتمر وضاقوا به أشد الضيق، وكتبت صحف الوزارة غير مرة تنكر التفكير فيه، والدعوة إليه، وتراه ضرباً من ضروب الشغب وفناً من فنون المظاهرات التي يخشى منها على الأمن، ويخاف منها على النظام. ولم يحفل الوفد ولا الوفديون بهذا السخف الذي هتت به الصحف الوزارية، فقد مضى الوفد في استعداده للمؤتمر، ومضى المصريون في إرسال عنواناتهم وطلب اشتراكهم فيه حتى زادت الطلبات التي انتهت إلى الأستاذ الكبير مكرم عبيد على عشرة آلاف.
هنالك ولدت هذه الإشاعة الظريفة التي نريد أن نتحدث عنها فأذاعت بعض الصحف أن رأي الوزارة قد استقر على منع اجتماع المؤتمر، ورفض الإذن به، إذا طلب إليها هذا الإذن.
أذيعت هذه الإشاعة في صحيفة من صحف الصباح فلم يلتفت إليها أحد ثم أذيعت في صحيفة من صحف المساء فلم يحفل بها أحد. ثم انتشر الدعاة والمرجفون من الوزاريين يتحدثون بها في المجالس، وينقلونها في الأندية المختلفة، فلم يعن بها أحد. وأكبر الظن أن الصحف التي أذاعتها ستعود إلى إذاعتها وأن المرجفين الذين تحدثوا بها سيصيبون في حديثهم، وليس من شك في أن المصريين الذين أعرضوا عنها سيمضون في إعراضهم عنها، ذلك أن هذه الإشاعة مهما يلح فيها الملحون خليقة بالإعراض حقاً، بل خليقة بالازدراء، فقد تعزم الوزارة على ما تريد أن تعزم عليه، وقد تقرر الوزارة ما تريد أن تقرره وقد تقسم الوزارة جهد أيمانها إنها مانعة هذا المؤتمر من أن يجتمع، حائلة بين أعضائه وبين أن يلتقوا. فكل ذلك لن يغير من رأي الوفد شيئاً. ولن يمحو من قرار الوفد حرفاً، ولن يصرف عن الاشتراك في المؤتمر مصرياً، لأن الوفديين لم يتعودوا مثل هذا الخوف، ولم يألفوا مثل هذا الانزعاج مما يذيع الوزاريون أن الوزارة تريد أن تفعل أو مما تعلن الوزارة أنها ستفعل، إنما الوفديون قوم يرون الرأي ثم يمضون فيه، ويتخذون القرار ثم ينتهون إلى تنفيذه لا يردهم نذير، ولا يخيفهم وعيد، ولا يثنيهم عن همهم إرجاف المرجفين.
والوزارة تعرف منهم ذلك حق المعرفة فكثيراً ما أذاع الوزاريون وأشاعوا فلم يحفل الوفديون بإذاعة ولا بإشاعة، وكثيراً ما أنذرت الوزارة وأوعدت فلم يسمع الوفديون لنذير ولا لوعيد. ونظن أن الوزارة لم تنس بعد أنها نهت المحامين عن بعض الشيء، فلم ينتهوا، وأنها أمرت المحامين ببعض الشيء، فلم يأتمروا، وأنها أصدرت للمحامين قانوناً، فلم يذعنوا لأنهم لم يؤمنوا بأن هذا القانون دستوري.
وإذن فالوفديون لا يؤمنون بأن من حق الوزارة أن تمنعهم من الاجتماع إذا أرادوا أن يجتمعوا في حدود الدستور والقانون. وإذن فإشاعة الوزاريين أن الوزارة ستمنع هذا الاجتماع لغو لم يتعود الوفديون أن يسمعوا له، أو يحفلوا به، أو يشفقوا منه. وإذن فإثارة الوزارة نفسها إن صدر عنها هذا الإنذار بأنها ستمنع الاجتماع لن يصرف الوفديين عن الجد في سبيله، لأنهم لا يرون للوزارة الحق في أن تمنع اجتماعاً يريده المصريون في حدود الدستور والقانون والوزارة لم تصدر بعد هذا النذير، ونظنها أذكى من أن تصدره، وهي لا تعرف من أمر هذا الاجتماع إلى الآن إلا أن الوفديين يريدون أن يعقدوه والوزارة أمهر من أن تتحمل الحوادث ومن أن تتورط فيما لا ينبغي لها أن تتورط فيه. فليس أحد يعلم كيف تكون الظروف السياسية في الشهر المقبل حين يهم الوفد بعقد المؤتمر. وليس أحد يعلم أتبقى الوزارة في الحكم إلى هذا الوقت. أم تصرف عنه. وليس أحد يعلم أتملك الوزارة من تصريف أمور السياسة إذا بقيت في الحكم مثل ما ملكت إلى الآن. أم تتغير من حولها الظروف؟ أفترضى بعض ما كانت تأبى، وتأبى بعض ما كانت ترضى، ويترك تسيير أمور السياسة العامة، يسلك طرقاً غير التي سلكها إلى الآن.
والوزارة نفسها تريد أن تعقد اجتماعات في الإسكندرية يخطب فيها الوزراء وأنصار الوزراء، ويتحدث الوزاريون بأن لأحزاب الوزارة لجاناً يريدون أن يطلبوها، وبأن لهم آراء يريدون أن يتحدثوا فيها إلى الناس في خطب يلقونها فيها دفاعاً عن سياسة الوزارة وفيها رد على نقد المعارضة، وفيهما ما توحي به التقاليد، إلى وزير التقاليد وما توحي به الكياسة إلى وزير الزراعة، وما توحي به اللياقة والعظمة إلى غيرهما من الوزراء، فقد لا تسمح الظروف الجديدة، بأن تبيح الوزارة لنفسها ما تحرم على غيرها. وقد لا تسمح الأيام المقبلة بأن يباح الاجتماع والخطب، وتنظيم اللجان، للقلة الضعيفة من المصريين ويحظر الاجتماع، والخطب، وتنظيم اللجان على الكثرة الضخمة من المصريين. والوزارة أذكى من أن تخدع نفسها بأن أيام الوزارات صفو كلها، وبأن سفن الوزارات تجري دائماً على بحر هادئ مستقر، وفي ريح طيبة مواتية. وتنسى أن البحر قد يضطرب وأن الريح قد تعصف، وأن السفينة قد تحتاج إلى كثير جداً من المهارة لتسلم من اضطراب البحر وعصف الريح.
وإذن فالذين أشاعوا أن الوزارة ستمنع اجتماع المؤتمر لم ينصحوا للوزارة ولم يحسنوا إليها، وإنما هموا أن يورطوها، فيما يحسن بها ألا تتورط فيه، وهم مع ذلك لم يوفقوا إلى ما حاولوا من تخويف الوفديين أو صرفهم عن المؤتمر فالوفديون لا يعرفون الخوف والوفديون لا ينصرفون بهذه السهولة وهذا اليسر، عما يريدون.
فلتطمئن الوزارة، وليطمئن الوزاريون فسيجتمع المؤتمر وإن كان اجتماعه أذى في بعض الأجواف وغصة في بعض الحلوق، وخطراً على بعض الذين يعملون في السياسة وليسوا من السياسة في شيء.
طه حسين
الوادي، ٢٢/ ٩/ ١٩٣٤.