Tag: political rights

  • تجنٍّ

    تجنٍّ

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٣١ يناير ١٩٥٦

    لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها من ظلمٍ سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأت مصر من هذا الظلم أولًا، وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر.

    أحق أن المرأة تصنع شيئًا لإصلاح حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما يقول الأستاذ سامي داود في المقال الذي نشرتْه له جريدة الجمهورية يوم الخميس، وأنها ملأت الدنيا ضجيجًا وعجيجًا ومطالبة وإلحاحًا؛ لتظفر بحقوقها السياسية، فلما رُدت إليها هذه الحقوق زهدت في الاستمتاع بها، ونكلت عما ينبغي لها من احتمال ما تفرضه عليها من التبعات …

    قال صديقنا هذا كله؛ لأن ثلاثًا أو أربعًا من زميلاته أنبأنَه بشيء من ذلك، وزعمْن له أن المرأة راضية؛ لأن حقها قد رُدَّ إليها، وأن هذا الرضى شيء، والإقبال على الحقوق المردودة والانتفاع والنفع بها شيء آخر.

    كانت مغيظة لأنها كانت محرومة، فقد ذهب عنها الغيظ وانجاب عنها الحرمان؛ فاطمأنت إلى المساواة، ثم لم تزد — أو هى لا تريد أن تزيد — على الاطمئنان شيئًا. ومتى أُتيح للثلاث أو للأربع أن يُعربن عن الملايين المملينة من السيدات إعراب الممثلات لهنَّ، الناطقات بلسانهن، المصورات لما يضطرب في صدورهن من العواطف، وما يدور في رءوسهن من الخواطر والآراء؟!

    وهل وثق الصديق بأن أولئك الزميلات كن جادات حين زعمن له ما زعمن؟! وما يمنعهنَّ من العبث في القول والرجال من حولهن في القول والعمل جميعًا؟! أليس للمرأة حق المزاح هذا الذي يسرف الرجال في الاستمتاع به غير مقدِّر لعواقبه، ولا حاسب لنتائجه حسابًا؟!

    ومتى أقبل الرجال صادقين مخلصين على حقوقهم السياسية يستمتعون بها في جد وحزم وإيمان بأن استمتاعهم بها ليس حقًّا فحسب؛ ولكنه واجب لا يقصر في أدائه إلا الذين يستخفون بالمصالح الوطنية العليا؟!

    متى أقبل الرجال على النفع والانتفاع بالحق السياسي، غير عابثين به ولا بائعين له ولا مداحين فيه ولا متخلفين عنه، يكسلون مرة ويسخرون مرة أخرى، وينسون في كثير من الأحيان؟! أليس الحق على الرجال لأنفسهم ولوطنهم أن يُقوِّموا ما في سيرتهم من عوج قبل أن يحاولوا تقويم غيرهم؟!

    إن الصديق يعلم حق العلم أن تقصير الرجال في أداء الواجبات السياسية شائع ذائع لا يحتمل خلافًا ولا جدالًا، وأن هذا التقصير ليس عيبًا في المصريين وحدهم، ولكنه عيب فيهم وفي غيرهم. وهم حين يستجيبون لدعوة الانتخاب يوم يُدعون إليه، إنما يستجيبون لشهواتهم وأهوائهم في كثير من الأحيان. أليس من الإنصاف أن يُنتظر بالمرأة يوم الانتخاب؛ ليُرى أتُقبل عليه أم تعرض عنه، ثم يتحدث في ذلك عن علم وثقة لا عن شك وتجنٍّ.

    لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها عن ظلم سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأتْ مصر من هذا الظلم أولًا وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر، وما ينبغي أن يُشاب هذا الإنصاف بما تورط فيه الصديق من الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة، وبهذا التشاؤم الذي يغرق فيه كثير من كتَّابنا في هذه الأيام، ويتخذونه قِوامًا لآرائهم في الناس وفي الحياة.

    وما هذه المشاركة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، التي أحجمت عنها المرأة، مكتفية بالإلحاح في المطالبة بحقوقها السياسية؟!

    ومتى مُكِّنت المرأة المصرية من المشاركة المنتجة في الإصلاح على اختلاف ألوانه؛ لِتؤخذ بالإحجام عنها والتقصير فيها؟! إن الصديق يعترف بأن المرأة حين أُتيح لها التعليم تعلَّمت على أحسن وجه، وعلَّمت على أحسن وجه أيضًا، وحين أُتيح لها العمل في بعض المناصب العامة أدَّت واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات.

    فلْينتظرْ بها حتى يُتاح لها الاشتراك الفعلي في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم يحدثنا بعد ذلك عن بلائها في هذا الإصلاح. وما أشك في أنه سيحدثنا عن ذلك حديث الرضى والاغتباط والإعجاب والحزن على ما فات مصر من هذا البلاء فيما مضى من العهود.

    والصديق ظالم للمرأة ظلمًا كنت أحب ألَّا يتورط فيه؛ يرى أنها لم تشارك في علاج ما عرض للحياة المصرية من العلل والأدواء، فهي لم تعالج غلاء الأسعار مثلًا، وما أرى إلا أن العجلة وخطف الآراء هما اللذان اضطراه إلى هذا الظلم؛ إن المصريين قد احتملوا أثقال هذا الغلاء كِرامًا بفضل المرأة أولًا، فهي التي احتملت أعباءه، ونفذَتْ من مشكلاته، وأتاحت للرجال أن يعيشوا وأن يؤدوا أعمالهم وينهضوا بتبعاتهم؛ لأنها هي التي دبرت اقتصاد البيت، وأتاحت للأفراد الكثيرين فيه أن يعيشوا بالدخل القليل، ولو خُلِّي بين الرجال وبين دخولهم القليلة وحياتهم الغالية وحاجاتهم التي لا تنقضي ولا تُطاق؛ لوقعوا ولوقعت مصر معهم في شرٍّ عظيم.

    تدبير المرأة هو الذي أتاح للساسة أن ينهضوا بأعباء السياسة، وأتاح لأصحاب الاقتصاد أن ينهضوا بأعباء الاقتصاد، وأتاح للذين يحاولون الإصلاح الاجتماعي أن ينهضوا بأثقال هذا الإصلاح. والمرأة بعد هذا كله هي الأم التي تنشئ الطفل، وتتيح له أن يتعلم وأن يشارك في الواجبات الاجتماعية، وهي الزوج التي تحمل عن زوجها هذه الأثقال السخيفة الممضَّة التي لا تقوم الحياة إلا بها، والتي لو احتملها الرجل لما استطاع أن يفرغ لعمل من أعماله فضلًا عن أن يحسنه. وفي حياة كل رجل — كائنًا من يكون — أثر خطير للمرأة، لا ينكره ولا يغض منه إلا العاقُّون الجاحدون الذين ليسوا أهلًا للحياة ولا أهلًا للاستمتاع بما فيها من خير والاحتمال لما فيها من شر.

    لم أحب للصديق ولأمثاله من كتابنا الذين تعجلهم الصحافة عما ينبغي لهم من الأناة والتفكير؛ أن يقاوموا هذه العجلة ما استطاعوا، وأن يعلموا أن عواقب الأناة خير دائمًا وأن عواقب العجلة شر دائمًا، وأنهم ينشرون ما يتعجلون به من الأحاديث فيتلقاه الناس ويقرءونه ويتأثر به كثير منهم بإرادة وعن غير إرادة؛ فتصيبهم عدوى التفكير السريع الذي تنقصه الرويَّة والأناة.

    ولم أحب للصديق ولأمثاله من كتَّابنا أن يقاوموا هذا التشاؤم الذي يفسد عليهم وعلى قرائهم آراءهم في الحياة وسيرتهم فيها أيضًا. إن في حياتنا شرًّا كثيرًا، ولكن الشر لا يُعالج بالتشاؤم؛ لأن التشاؤم يُدني إلى اليأس، ويصد عن المقاومة، ويفل العزائم، ويثبط الهمم. وكل هذه خصال أقل ما توصف به أنها تفسد الحياة ولا تصلحها، وتدفع إلى الانحلال والهزيمة لا إلى التماسك والانتصار على الخطوب.

  • الشعب الديمقراطي

    الشعب الديمقراطي
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٠ سبتمبر ١٩٤٠

    نحن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها. ولكنْ، كثير جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكُّون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا. فإذا جد الجِدُّ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب، وقلوبنا مختلفة وضمائرنا متباعدة، فعلينا أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة، وأن نقنع الضمائر المصرية كلها بأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق دائمًا، هي خط مشترك بين المصريين جميعًا.

    أخصُّ ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديمقراطية أنها لا تفرض على الشعب، وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغبًا فيها مريدًا لها.

    ومن هنا كانت الشعوب الديمقراطية مسئولة عن أعمالها، تستمتع بثمراتها كما تحتمل سيئاتها؛ لأنها هي التي أرادتها، لم يفرضها عليها أحد ولم يكرهها عليها عسف أو طغيان.

    ومن هنا أيضًا كان من الطبيعي أن يقال للشعب الديمقراطي إذا تعرضت حياته للخطر: هلم دافع عن نفسك، وذُدْ عن كرامتك، واحتفظ بحريتك، وضحِّ بمجهودك وأموالك ونفوس أبنائك في سبيل شرفك وسيادتك.

    يقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي؛ فيقع في نفسه أحسن موقع ويبلغ من ضميره أعماقه، ويدفعه إلى العمل والجهاد والتضحية بكل ما يتطلبه الجهاد.

    ويقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي، فيذوقه الشعب ويفهمه ويجد لكل كلمة منه معناها الواضح الجلي. يحسُّ هذا المعنى إحساسًا قويًّا في كل عمل يأتيه أفراده مجتمعين أو متفرقين، وفي كل كلمة يقولها أفراده مجتمعين أو متفرقين أيضًا. ذلك أنهم يلاحظون أنهم في حياتهم اليومية يغدون أحرارًا ويروحون أحرارًا ويقولون أحرارًا ويعملون أحرارًا. يأتون من الأمر ما يريدون لا يردهم عنه راد، إلَّا القانون الذي وُضِع ملائمًا لحقوق الأفراد والجماعات وحريتها، منظمًا لهذه الحقوق والحرية. ويعرضون عما يريدون الإعراض عنه لا يدفعهم إليه دافع من غير أنفسهم، ولا يفرضه عليهم سلطان قوي جائر أو متعسف.

    فكل فرد إذن إذا ثار للدفاع عن الوطن، فهو يدافع عن نفسه أولًا وعن وطنه ومواطنيه ثانيًا، ولا كذلك الشعوب التي يقهرها السلطان العنيف ويملك عليها أمرها؛ فيدفعها إلى ما يريد هو لا إلى ما تريد هي، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، وقد تكون هي شديدة الميل إلى أن تقدم إليه. هذه الشعوب تساق إلى الحروب كارهة لها وتخوض غمراتها زاهدةً فيها. وقد يتاح لها النصر ولكنها لا تستمتع به ولا تذوق لذته؛ لأنه نصر لم ينشأ عن إرادة، وإنما نشأ عن تكليف، وقد تقدر عليها الهزيمة فتتجرع مرارتها مضاعفةً؛ لأنها هزيمة لم تنشأ عن خطأ أقدم الشعب عليه وهو حر أو تقصير دفع الشعب إليه غير مكره، وإنما نشأت عن تحكم المتحكمين، وتعسف المتعسفين، واستبداد المتسلطين بما لا ينبغي لهم أن يستبدوا به. ومن هنا نلاحظ أن الشعوب الديمقراطية إذا خاضت غمرات الحرب كان من الطبيعي أن تظهر من أمور الحرب على كل شيء، وألَّا يخفي قادتها وساستها عليها شيئًا من الخير أو الشر؛ لأن هؤلاء القادة والساسة لا يحتملون وحدهم تبعات الحرب التي لم ينكروها، ولم يستبدوا بها، وإنما يحتملونها مع غيرهم من أبناء الشعب؛ لأن الشعب هو الذي أقدم على الحرب وكلفهم قيادتها وتدبير أمورها، فهم يطالعونه بأنباء الحرب أحرارًا متخففين من التبعات، وهم لا ينتظرون منه إلَّا ما ينتظره القائد المصيب من التشجيع والتأييد، أو ما ينتظره القائد المخطئ من اللوم والتثريب.

    فأمَّا الشعوب التي تفرض عليها الحرب ولم تردها، وتدفع إلى القتال ولا رغبة لها فيه، فهي لا تعرف من أمر الحرب شيئًا إلَّا ما يريد أن يقول لها قوَّادها وسادتها، وهم لا يقولون لها إلَّا ما يريدون، ولا يظهرونها إلَّا على ما يحبون أن تظهر عليه، يتوخون في ذلك مصلحتهم أكثر مما يتوخون مصلحة الشعب، ويحرصون في ذلك على أن يجنبوا أنفسهم اللوم أكثر مما يحرصون على أن يبصروا الشعوب بأمرها، ويواجهوها بالحق الصريح.

    وما أظن إلَّا أن الناس يلاحظون الفرق العظيم بين ما يتحدث به المستر تشرشل إلى الشعب البريطاني، وما كان يتحدث به الوزراء الفرنسيون قبل الهزيمة إلى الشعب الفرنسي، وما يتحدث به قادة الألمان والإيطاليين وسادتهم إلى الشعب الألماني والشعب الإيطالي. أولئك يصارحون الشعب بالحقائق، وينذرونه بالخطر، ويدلونه على مواطن الضعف، ويرشدونه إلى مصادر القوة، يقوون في نفسه الأمل، ولكنهم لا يضلونه ولا يخدعونه عما قد يخبئ له الغيب من أسباب القلق، وما يدعوه إلى التحفظ والاحتياط. وهؤلاء يزينون له الحرب ويرغبونه فيها ويهونون عليه الخسائر، ويحقرون له من أمرها ويهولون له أمر الفوز، ويسرفون له في تعظيم أمره. أولئك في حاجة إلى تأييد الشعب ونصحه، فهم يصارحونه بأن التأييد والنصح إنما يأتيان عن الرغبة لا عن الرهبة، وعن الإرادة لا عن الخضوع والإذعان. وهؤلاء يريدون الطاعة والانقياد، فهم لا يصارحون وإنما يهولون ويضللون؛ لأن الطاعة والانقياد إنما يصدران عن الخوف والرهبة لا عن الأمن والثقة والاقتناع.

    هذه هي حالة الحرب في هذين النوعين من أنواع الشعوب؛ قوم يحاربون؛ لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأن كرامتهم ومصالحهم وحرصهم على حياتهم الحرة المستقلة تدفعهم إلى أن يحاربوا. وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأنهم إن لم يحاربوا فسيتعرضون لأنواع الهول في حياتهم الداخلية، إن لم تقتلهم أسلحة العدو فستقتلهم أسلحة القادة والسادة من المواطنين. وهناك نوع ثالث من الشعوب يتردد بين هذين النوعين، ويضطرب بين هذين الفريقين، له من الحرية ظاهرها ومن الديمقراطية أشكالها وصورها، فإذا تحققت أمره لم تجد حريته إلَّا كلامًا، ولم تجد ديمقراطيته إلَّا لونًا من ألوان اللعب.

    فإذا ألمت الحرب بساحة شعب من هذه الشعوب؛ فهو معرض لأشد الأخطار وأعظمها نكرًا كذلك؛ لأن ظواهر أمره تصوره على أنه يثور إذا حارب لحريته وكرامته وحياته المستقلة، وحقائق أمره بعيدة كل البعد عن هذا؛ لأنه لا يشعر بحريته، ولأنه لا يجد كرامته موفورة، ولأنه لا يطمئن إلى حياته المستقلة. فهو يحارب مأمورًا، وهو يجاهد مدفوعًا إلى الجهاد، على حين يظن الناس به أنه يحارب حفاظًا للوطن وذيادًا عن الحقوق. وهو خليق أن يتعرض لكل ما يتعرض له من يقدم على عظائم الأعمال في غير إيمان ولا اقتناع، فهو ظاهر القوة خفي الضعف. وهو مقدم فيما ترى العين ومحجم فيما يرى العقل وفيما يحس الضمير.

    يقول له قادته وسادته: هلم دافع عن حريتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: أين هي الحرية التي أُراد على أن أدافع عنها؟! يقول له رؤساؤه ومدبرو أمره: هلمَّ احتفظ بكرامتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني لا أجد لهذه الكرامة طعمًا ولا أحس لها ذوقًا، وإذا لم يكن بدٌّ من الاحتفاظ بالكرامة فما ينبغي أن أحارب هذا العدو الخارجي، وإنما ينبغي أن آخذ هذه الكرامة من الرؤساء والقادة قبل كل شيء. ويقول له قادته ومدبرو أمره: هلم ذُد عن حياتك المستقلة! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني أحب أن أكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبينكم من الصلة؛ لأكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبين الأجانب من الصلات. حتى إذا جدَّ الجِد وأقبل الهول؛ رأيت قومًا يقدمون على غير ثقة، ويجاهدون في غير إيمان بالجهاد، ويتعرضون لكل ما يتعرض له غير المؤمنين من الفشل والضعف، ومن التهالك والتخاذل، ثم من الإذعان والاستسلام.

    والشعوب التي تخضع للسلطان الغاشم خضوعًا صريحًا جليًّا، قد تجد في هذا الخضوع نوعًا من الإيمان بغيضًا لا يليق بالإنسانية الكريمة، ولكنه مع ذلك يقنعها ويدفعها إلى العمل والاستماتة في الجهاد. وقد ظهر شيء من ذلك في هذه الحرب، فقد رأى الفرنسيون من أعدائهم في موقعة فرنسا عجبًا من العجب: رأوا ألوفًا من الناس، بل مئات الألوف يقبلون على الموت متهافتين عليه متساقطين فيه كما تتساقط الفراش في النار، لا يحفلون بمكروه ولا يحجمون عن بأس، وهم ينطقون بكلمة واحدة هي اسم زعيمهم الطاغية الألماني.

    والشعوب قد تؤمن بالضلال وتتفانى في سبيله، ولكن الشر كل الشر ألَّا تؤمن الشعوب بالضلال ولا بالهدى، وأن تقف حائرة مترددة بين ذلك، لا تجد من إيمانها واقتناع ضمائرها ما يدفعها إلى هذا النحو أو ذاك.

    هذا هو الخطر كل الخطر، هذا هو الشر كل الشر، فإنك لا تطلب من الفرد أن يزهق نفسه أو يريق دمه إلَّا أن يكون ذلك سبيلًا لبلوغ مثل أعلى وطريقًا إلى تحقيق أمل عزيز على النفس حبيب إلى القلب، يهون في سبيله أن تزهق النفوس وتراق الدماء.

    وإذن، فماذا يجب أن نفعل نحن، وقد أخذت نذر الحرب تصيح بنا من كل وجه، وجعلت أخطار الحرب تسعى إلينا من كل مكان، وأصبح من أشد الأشياء جوازًا وأعظمها احتمالًا أن نصلى نارها راضين أو كارهين. أظنُّ أن الجواب على هذا السؤال يسير لا عسر فيه، وقريب لا يحتاج إلى تفكير طويل. فنحن أمة ديمقراطية ليس في ذلك شك، قد بذلنا في سبيل الديمقراطية جهودًا عنيفة، واحتملنا في سبيلها أعباءً ثقالًا، وضحينا في سبيلها بالشيء الكثير. ولو خُيِّرنا بين الديمقراطية وأي نظام آخر من نظم الحكم لما ترددنا في الاختيار، فقد اخترنا منذ عهد بعيد.

    نحن إذن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها، نؤثر كرامتنا ونحتفظ بها مهما يكلفنا ذلك من ضروب المشقة والعناء، وما أشك في أننا لا نتردد إذا تعرضت ديمقراطيتنا للخطر وللحظر الذي يأتيها من الأجنبي في أننا سنضاعف الجهد ونمضي في التضحية إلى أبعد غاية؛ لنرد العدوان عن هذه الديمقراطية ونحميها من الضياع.

    كل هذا حق لا شك فيه، ولكن هناك حقًّا آخر لا شك فيه، وهو أن كثيرًا جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا، ولا تطمئن قلوبهم إلى أنهم يأخذون من نعمة الديمقراطية نصيبهم المقسوم لهم، وقد يعتقدون أن الديمقراطية المصرية مباحة لفريق من المصريين ومحظورة على فريق آخر. فإذا جدَّ الجد وأقبل الهول؛ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب وقلوبنا مختلفة، وضمائرنا متباعدة، وإيماننا بالمثل الأعلى الذي نراد على أن ندافع عنه ليس مشتركًا ولا سواءً.

    فإذا كان هناك واجب ينبغي أن ننهض به قبل أن يأخذنا الخطر من جميع أقطارنا، فهو أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة ونلائم بين هذه الأهواء المتباينة، ونقنع الضمائر المصرية كلها؛ لأن الديمقراطية المصرية ليست لعبًا وإنما هي الجد كل الجد، وبأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق، وإنما هي حظٌّ مشترك بين المصريين جميعًا، وبأن العدل السياسي والاجتماعي ليس شجرة يستظل بها أولئك دون هؤلاء، وإنما هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي تظل المصريين جميعًا، ولعلها تستطيع أن تظل غير المصريين أيضًا. وبأن الحقوق السياسية والاجتماعية التي يسجِّلها الدستور المصري للمصريين ليست مباحة لأولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات السياسية والاجتماعية ليست مفروضة على أولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات التي ستطلبها الحرب إن اضطررنا إليها لن تفرض على أولئك دون هؤلاء.

    وقد تسألني: كيف السبيل إلى تحقيق هذه الوحدة وإشاعة هذا الإيمان بين المصريين جميعًا؟ وجوابي على ذلك يسير، وهو أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه إليَّ أنا وإنما ينبغي أن يوجه إلى الذين يعنون بأمور السياسة المصرية، ويقفون عليها ما يملكون من وقت وجهد.

  • إشاعة

    حديث الوادي
    إشاعة…
    أذاعتها بعض الصحف منذ أيام حول المؤتمر الوطني، الذي يريد الوفد أن يعقده في الأسابيع المقبلة والذي يلقاه المصريون مغتبطين به، مسرعين إليه، حراصاً أشد الحرص على أن يكون الاشتراك فيه عاماً، شاملاً، مصوراً أصدق تصوير لإيمان الشعب المصري بحقه واحتفاظه بكرامته، وجده في تحقيق آماله، وإصراره على أن تتحقق هذه الآمال في غير لعب ولا لهو، وفي غير تهاون ولا تفريط.
    ولم تصدر دعوة الوفد إلى المؤتمر بعد، ولم يعين رئيس الوفد اليوم الذي يبدأ فيه اجتماع المؤتمر، ولا المكان الذي تنعقد فيه اجتماعاته، ولم ينشر رئيس الوفد برنامج أعمال المؤتمر، ولا أسماء الذين سيخطبون فيه ولا الموضوعات التي سيتناولها الخطباء. ولم يزد رئيس الوفد وأعضاؤه على أن آذنوا المصريين بأن الوفد سيدعو إلى مؤتمر يدرس شؤون مصر العامة وطلبوا إلى الوفديين في لجان الوفد المختلفة أن يرسلوا عنواناتهم إلى سكرتيرية الوفد في مدة كان آخرها أول أمس. ومع ذلك فقد وجم الوزاريون وأشباه الوزاريين لنبأ هذا المؤتمر وضاقوا به أشد الضيق، وكتبت صحف الوزارة غير مرة تنكر التفكير فيه، والدعوة إليه، وتراه ضرباً من ضروب الشغب وفناً من فنون المظاهرات التي يخشى منها على الأمن، ويخاف منها على النظام. ولم يحفل الوفد ولا الوفديون بهذا السخف الذي هتت به الصحف الوزارية، فقد مضى الوفد في استعداده للمؤتمر، ومضى المصريون في إرسال عنواناتهم وطلب اشتراكهم فيه حتى زادت الطلبات التي انتهت إلى الأستاذ الكبير مكرم عبيد على عشرة آلاف.
    هنالك ولدت هذه الإشاعة الظريفة التي نريد أن نتحدث عنها فأذاعت بعض الصحف أن رأي الوزارة قد استقر على منع اجتماع المؤتمر، ورفض الإذن به، إذا طلب إليها هذا الإذن.
    أذيعت هذه الإشاعة في صحيفة من صحف الصباح فلم يلتفت إليها أحد ثم أذيعت في صحيفة من صحف المساء فلم يحفل بها أحد. ثم انتشر الدعاة والمرجفون من الوزاريين يتحدثون بها في المجالس، وينقلونها في الأندية المختلفة، فلم يعن بها أحد. وأكبر الظن أن الصحف التي أذاعتها ستعود إلى إذاعتها وأن المرجفين الذين تحدثوا بها سيصيبون في حديثهم، وليس من شك في أن المصريين الذين أعرضوا عنها سيمضون في إعراضهم عنها، ذلك أن هذه الإشاعة مهما يلح فيها الملحون خليقة بالإعراض حقاً، بل خليقة بالازدراء، فقد تعزم الوزارة على ما تريد أن تعزم عليه، وقد تقرر الوزارة ما تريد أن تقرره وقد تقسم الوزارة جهد أيمانها إنها مانعة هذا المؤتمر من أن يجتمع، حائلة بين أعضائه وبين أن يلتقوا. فكل ذلك لن يغير من رأي الوفد شيئاً. ولن يمحو من قرار الوفد حرفاً، ولن يصرف عن الاشتراك في المؤتمر مصرياً، لأن الوفديين لم يتعودوا مثل هذا الخوف، ولم يألفوا مثل هذا الانزعاج مما يذيع الوزاريون أن الوزارة تريد أن تفعل أو مما تعلن الوزارة أنها ستفعل، إنما الوفديون قوم يرون الرأي ثم يمضون فيه، ويتخذون القرار ثم ينتهون إلى تنفيذه لا يردهم نذير، ولا يخيفهم وعيد، ولا يثنيهم عن همهم إرجاف المرجفين.
    والوزارة تعرف منهم ذلك حق المعرفة فكثيراً ما أذاع الوزاريون وأشاعوا فلم يحفل الوفديون بإذاعة ولا بإشاعة، وكثيراً ما أنذرت الوزارة وأوعدت فلم يسمع الوفديون لنذير ولا لوعيد. ونظن أن الوزارة لم تنس بعد أنها نهت المحامين عن بعض الشيء، فلم ينتهوا، وأنها أمرت المحامين ببعض الشيء، فلم يأتمروا، وأنها أصدرت للمحامين قانوناً، فلم يذعنوا لأنهم لم يؤمنوا بأن هذا القانون دستوري.
    وإذن فالوفديون لا يؤمنون بأن من حق الوزارة أن تمنعهم من الاجتماع إذا أرادوا أن يجتمعوا في حدود الدستور والقانون. وإذن فإشاعة الوزاريين أن الوزارة ستمنع هذا الاجتماع لغو لم يتعود الوفديون أن يسمعوا له، أو يحفلوا به، أو يشفقوا منه. وإذن فإثارة الوزارة نفسها إن صدر عنها هذا الإنذار بأنها ستمنع الاجتماع لن يصرف الوفديين عن الجد في سبيله، لأنهم لا يرون للوزارة الحق في أن تمنع اجتماعاً يريده المصريون في حدود الدستور والقانون والوزارة لم تصدر بعد هذا النذير، ونظنها أذكى من أن تصدره، وهي لا تعرف من أمر هذا الاجتماع إلى الآن إلا أن الوفديين يريدون أن يعقدوه والوزارة أمهر من أن تتحمل الحوادث ومن أن تتورط فيما لا ينبغي لها أن تتورط فيه. فليس أحد يعلم كيف تكون الظروف السياسية في الشهر المقبل حين يهم الوفد بعقد المؤتمر. وليس أحد يعلم أتبقى الوزارة في الحكم إلى هذا الوقت. أم تصرف عنه. وليس أحد يعلم أتملك الوزارة من تصريف أمور السياسة إذا بقيت في الحكم مثل ما ملكت إلى الآن. أم تتغير من حولها الظروف؟ أفترضى بعض ما كانت تأبى، وتأبى بعض ما كانت ترضى، ويترك تسيير أمور السياسة العامة، يسلك طرقاً غير التي سلكها إلى الآن.
    والوزارة نفسها تريد أن تعقد اجتماعات في الإسكندرية يخطب فيها الوزراء وأنصار الوزراء، ويتحدث الوزاريون بأن لأحزاب الوزارة لجاناً يريدون أن يطلبوها، وبأن لهم آراء يريدون أن يتحدثوا فيها إلى الناس في خطب يلقونها فيها دفاعاً عن سياسة الوزارة وفيها رد على نقد المعارضة، وفيهما ما توحي به التقاليد، إلى وزير التقاليد وما توحي به الكياسة إلى وزير الزراعة، وما توحي به اللياقة والعظمة إلى غيرهما من الوزراء، فقد لا تسمح الظروف الجديدة، بأن تبيح الوزارة لنفسها ما تحرم على غيرها. وقد لا تسمح الأيام المقبلة بأن يباح الاجتماع والخطب، وتنظيم اللجان، للقلة الضعيفة من المصريين ويحظر الاجتماع، والخطب، وتنظيم اللجان على الكثرة الضخمة من المصريين. والوزارة أذكى من أن تخدع نفسها بأن أيام الوزارات صفو كلها، وبأن سفن الوزارات تجري دائماً على بحر هادئ مستقر، وفي ريح طيبة مواتية. وتنسى أن البحر قد يضطرب وأن الريح قد تعصف، وأن السفينة قد تحتاج إلى كثير جداً من المهارة لتسلم من اضطراب البحر وعصف الريح.
    وإذن فالذين أشاعوا أن الوزارة ستمنع اجتماع المؤتمر لم ينصحوا للوزارة ولم يحسنوا إليها، وإنما هموا أن يورطوها، فيما يحسن بها ألا تتورط فيه، وهم مع ذلك لم يوفقوا إلى ما حاولوا من تخويف الوفديين أو صرفهم عن المؤتمر فالوفديون لا يعرفون الخوف والوفديون لا ينصرفون بهذه السهولة وهذا اليسر، عما يريدون.
    فلتطمئن الوزارة، وليطمئن الوزاريون فسيجتمع المؤتمر وإن كان اجتماعه أذى في بعض الأجواف وغصة في بعض الحلوق، وخطراً على بعض الذين يعملون في السياسة وليسوا من السياسة في شيء.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢/ ٩/ ١٩٣٤.