Tag: Political Theater

  • الملعب الأكبر

    الملعب الأكبر
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٣ يناير ١٩٤٦

    هو هذا الذي يفتتح اليوم (الخميس) في لندرة، ويقوم فيها أسابيع، بعد أن افتُتح في أبريل الماضي في مدينة سان فرنسسكو وقام فيها شهرين، وهو الملعب الأكبر بأدقِّ معاني هذه الكلمة وأوسعها، فيه جدٌّ كثير؛ لأنه يمسُّ مستقبل الإنسانية كلها، ويحاول أن يتصوره وأن يصوره على نحو ما، وفيه هزل كثيرٌ؛ لأن الإنسان مغرور بطبعه، محاول أكثر مما يستطيع، متعرِّض في هذه المحاولة لألوان من الخلط والخطأ، تضحك أحيانًا، وتبكي أحيانًا أخرى. وفيه فكاهة كثيرة؛ لأن الذين يمثلون فيه قد أقبلوا من أكثر أقطار الأرض، مندوبين عن أكبر شعوب الأرض، وكل منهم يحمل مزاج شعبه أولًا، ومزاج نفسه ثانيًا، أو قل إن شئت إن كلًّا منهم يحمل مزاج نفسه، ثم يحمل مزاج شعبه.

    ومهما يكن من شيء فهم يحملون أمزجة مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، وكل هذه الأمزجة المختلفة المتباينة ستتفق وتفترق، وستأتلف وتختلف، وستتصل وتنفصل، وسينشأ عن اتفاقها وافتراقها، وعن ائتلافها واختلافها، وعن اتصالها وانفصالها كثيرٌ جدًّا من الدعابة التي تثير الابتسام، والفكاهة التي تدفع إلى الضحك، والجد الذي يحمل على التفكير.

    وقد كان من الظواهر التي تؤيد ما ذهب إليه أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع، أن يجتمع أهل المدينة الواحدة كافة ليشهدوا التمثيل في الملعب، أو أن يجتمع نوَّابهم وشيوخهم ليديروا بينهم حديث السياسة والإدارة والتشريع، أو أن يجتمع مندوبو المدن المختلفة من الأمة الواحدة ليزوروا معبد أبولون، أو ليشهدوا الألعاب الأولمبية ويشاركوا فيها.

    وكان اجتماع المندوبين عن القبائل العربية — ليحجوا البيت قبل الإسلام، أو ليبيعوا ويشتروا في سوق عكاظ — مظهرًا أيضًا من مظاهر التأييد لما كان يقوله أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع.

    والذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحضارة — على اختلاف الأمم والشعوب، وعلى اختلاف العصور والظروف — يقتنعون فيما أظن بأن الإنسانية ما زالت تجتهد لتثبت أنها مدنية بالطبع، وأنها في حاجة إلى التعاون والتآزر؛ لتعيش أولًا ولترقى وترقي الحضارة ثانيًا. ولكن الذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحياة الإنسانية يقتنعون أيضًا فيما أظن بأن الإنسانية وحشية بالطبع، تتعاون ما وسعها التعاون، ولكنها تتنافر ما وسعها التنافر أيضًا. ولعلها لا تقبل على التعاون ولا تحرص عليه إلَّا بعد أن تذوق مرارة التنافر، وتصطلي نار الحرب، وتضيق بما يزهق من النفوس، وما يسفك من الدماء. فالإنسانية مدنية بالطبع، ووحشية بالطبع، أو هي كما يقول أبو العلاء: إنسية الولادة، وحشية الغريزة.

    ولكن أرستطاليس لم يقرر هذه الحقيقة وحدها في كتاب السياسة، وإنما قرر حقيقة أخرى في كتاب المنطق، وهي أن النقيضين لا يجتمعان. وكما أن الإنسانية عملت وستعمل ما تستطيع؛ لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة، فهي كذلك قد عملت، وستعمل ما تستطيع لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة الثانية. فالإنسانية تتعاون في السلم وتتنافر في الحرب، وهي لا تجمع بين التعاون والتنافر في وقت واحد وفي مكان واحد وفي ظروف واحدة. وكذلك تجري الأمور كما أراد المعلم الأول أن تجري؛ فتتحقق للإنسانية مدنيتها وقتًا طويلًا تزهر فيه الحضارة، وتثمر فيه المدنية، ويشتدُّ فيه التعاون، ويعظم فيه الائتلاف والإخاء. ثم تتحقق للإنسانية وحشيتها؛ فتضطرب الحضارة، وتفسد المدنية، وتضيع الألفة، ويصبح بعض الناس لبعض عدوًّا. غير أن الإنسانية متقدمة دائمًا، وهي تحب أرستطاليس أشدَّ الحب، وتكبر فلسفته أعظم الإكبار، ولكنها في الوقت نفسه تصلح هذه الفلسفة ما وسعها الإصلاح، وتهدمها إن اقتضى الإصلاح هدمها!

    ولم يكن تاريخ النهضة الأوروبية في العصر الحديث إلَّا تقويمًا لما اعوجَّ من فلسفة المعلم الأول، وإصلاحًا لما فسد من نظرياته، وإلغاءً لبعض هذه النظريات حين يقتضي تقدم العقل إلغاءها. فليس من الضروري مثلًا ألَّا يجتمع النقيضان، وألَّا يكون الناس في وقت واحد ممعنين في الحرب والسلم، وغارقين في المدنية والوحشية، وإنما التقدم الصحيح والرقي العقلي المنتج هو الذي يتيح للإنسان أن يحارب ويسالم، وأن يتحضَّر ويتوحش، وأن يرفع بيمينه غصن الزيتون، ويشهر بشماله السيف الذي يتراءى فيه الموت، أو الذي يقطر منه الموت والدمار.

    كل ذلك شيءٌ ممكن، أو شيء يجب أن يكون ممكنًا، أو شيء يجب أن يتحقق بالفعل؛ ليعلم الناس أنهم يرتقون، وأن عقولهم تخضع الطبيعة لسلطانها، وأن فلسفة المعلم الأول — على ما تحف به من التوقير والإجلال — قد أصبحت قديمة رَثَّة لا تلائم حياة النهضة والتجديد. وقد نجحت الإنسانية المتحضِّرة بعضَ النجاح في الجمع بين النقيضين، وفي تحقيق الحرب والسلم معًا، حين كانت عصبة الأمم تمثل فصولها الرائعة في جنيف في نفس الوقت الذي كانت إيطاليا تعتدي فيه على الحبشة اعتداءً خليقًا بآلهة العصر القديم. ولكن الإنسانية في ذلك الوقت لم تبلغ من النجاح أقصاه، ولم تنته به إلى غايته، فهي قد حاولت أن تكفَّ إيطاليا عن الأذى، وتردَّها عن العدوان، وهي قد فرضت على إيطاليا عقوبات اقتصادية لم تنفذها، أو لم تُرِدْ تنفيذها، أو لم تفلح في تنفيذها.

    وهي على كل حال قد أنكرت عدوان إيطاليا، وتركتها مع ذلك تعتدي، وتركت لسفنها وجندها قناة السويس تمر بها مرفوعة الأعلام موفورة الحظ من التوقير والإجلال، تحمل الهول والموت والدمار إلى قومٍ لم يكن لهم حول ولا طول ولا قدرة على الدفاع. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما اعترفت الإنسانية بالفتح الإيطالي في أرض الحبشة، وقبلت بريطانيا العظمى وفرنسا وغيرهما أن يلقب ملك إيطاليا — كما يلقب ملك بريطانيا العظمى — بهذا اللقب العظيم: الملك الإمبراطور.

    بل لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما نظرت الإنسانية — راضيةً ساخطةً، وقابلةً رافضةً — إلى إيطاليا وهي تعتدي على ألبانيا، وتمطر عليهم الموت في يوم من الأيام المقدسة عند المسيحيين، وإلى ألمانيا وهي تُلغِي استقلال النمسا إلغاءً، وتعلن الحماية على تشكوسلوفاكيا إعلانًا، وفي أثناء هذا كله كانت المدنية الطبيعية تستخفي شيئًا فشيئًا، وكانت الوحشية الطبيعية تتراءى قليلًا قليلًا. حتى إذا كان اليوم المعلوم شبَّت نار الحرب العالمية الثانية، وامتلأت الأرض هولًا، واستمتعت بهذه النعمة العظيمة، نعمة الدمار يهدم كل عمران، والموت يختطف الأبرياء والضعفاء، يخرج لهم من الأرض، ويهبط عليهم من السماء، وهم يقبلون على هذه الخطوب راضين بها أو كارهين لها، ولكنهم يقبلون عليها لأنهم لا يجدون عنها مرَدًّا.

    ثم ضعفت القوى، وفتر النشاط، فأغمي علي إيطاليا، ثم استسلمت ألمانيا، ثم صرعت اليابان. ثم أخذت الوحشية تستخفي شيئًا فشيئًا، وجعلت المدنية الطبيعية تظهر قليلًا قليلًا. ثم استُؤْنِفَ التمثيل في الملاعب الخاصة، واستؤنف بعد ذلك في الملعب العام، فمثلت في سان فرنسسكو قصة ميثاق الأمم المتحدة، وأخذ الآن في تمثيل قصة أخرى هي جماعة الأمم المتحدة، وما سيتصل بها من المجالس واللجان.

    وكان التمثيل في العصر القديم يستغرق يومًا كاملًا، يبتدئ مع الصبح وينتهي عند مقدم الليل، ثم أصبح يستغرق ساعات قليلة، ولكنه في هذه الأيام قد أخذ يستغرق الأسابيع، ولعله يستغرق الأشهر أحيانًا.

    وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة؛ فإن القصص التي تمثل في الملعب الأكبر طويلة مسرفة في الطول، معقدة مغرقة في التعقيد؛ لأنها تمثيل بشئون الإنسانية كلها، لا شئون مدينة واحدة من المدن، أو فرد واحد من الأفراد.

    وكان القدماء يعرفون نوعين من التمثيل؛ التمثيل المحزن … التراجيديا، والتمثيل الملهي … الكوميديا. ثم جاء المحدثون فأنشئوا فنًّا ثالثًا يضحك ويبكي، ويسوء ويسر، وهو الدراما. وربما افتنُّوا في هذا الفن الجديد، فخالفوا فيه بين الضحك والبكاء، وبين الحديث والغناء، وأكثروا من ذلك حتى يتنوع الفن، وتجد فيه ملكات الإنسان كلها ما تريد من المتاع.

    وقد آثر الملعب الأكبر هذا النوع المعقد من الفن الجديد. فقد رأيت في سان فرنسسكو ما شاء الله أن ترى — وسمعت ما شاء الله أن تسمع — من الخصام العنيف، والوئام الظريف، ومن الجدِّ الذي يرتفع حتى يبلغ الروعة، والهزل الذي ينخفض حتى ينتهي إلى الإسفاف، ولم يكد يلقى الستار في الصيف الماضي حتى تبين أن أبا نُوَاس لم يكن مخطئًا حين قال:

    صار جدًّا ما مزحت بهرُب جدٍّ جره اللعبُ
    فقد لعبت الأمم في سان فرنسسكو ما شاء الله لها أن تلعب، ثم انتهت إلى هذا الجدِّ المخيف، وهو أن الأمم الصغيرة الضعيفة كانت مضطرة إلى أن تخضع لسلطان الأقوياء، غير مقرة بهذا الخضوع ولا مذعنة له إلَّا كارهة، فأصبحت الآن تخضع لهذا السلطان عن رضًا خالص، واختيار حر، وإيمان لا إكراه فيه.

    لقد أمضى ممثلوها ميثاق سان فرنسسكو، وأقرت برلماناتها هذا الميثاق، واعترفت هذه الأمم بأن من حقِّ القوي أن يتحكم في الضعيف، وبأن من حق الكبير أن يسيطر على الصغير، وبأن من حق الغني أن يصرِّف أمور الفقير كما يحب ويهوى؛ فأمور العالم قد أصبحت بحكم الميثاق إلى طبقتين من الأمم: إحداهما طبقة الأرستقراطية العليا، وهي الدول الثلاث المنتصرة، والأخرى طبقة الأرستقراطية المتوسطة، وهي هذه الدول الثلاث، يضاف إليها فرنسا والصين. ولا تقل إن الأمم المتحدة كلها ممثلة في الجمعية العامة، فليس لهذه الجمعية العامة رأي ذو خطر في الحرب والسلم، ولا تقل إن هذه الجمعية ممثلة في مجلس الأمن، فليس لمجلس الأمن رأي ذو خطر في الحرب والسلم، إلَّا إذا أقرته الدول الخمس الكبرى مجتمعة. بل قل إن شئت إن النظام الجديد للعالم الجديد يتيح لدولة واحدة من الدول الخمس أن تتحكم في العالم كما تريد، فقد عاد النظام الدولي إلى لون طريف من حكم الفرد، أو قل إلى لون طريف من تحكم الفرد. وإذا ذكرت الفرد فإنما أريد به معناه الدقيق. فقد تدبر الأمم الكبرى والصغرى شيئًا من الأشياء، ولكنه لا يتم لأن المستر إتلي، أو المستر ترومان، أو الماريشال ستالين، أو الجنرال ديجول، أو المارشال تشاي كنج تشيك، قال عابسًا أو مبتسمًا: لا …

    ثم نحن نشهد الآن القصة الثانية في الملعب الأكبر الذي يقوم في لندرة، والذي سينشئ جماعة الأمم المتحدة … أستغفر الله، بل سيمنحها الوجود، ويضع لها القواعد واللوائح والأصول، وينشئ مجلس الأمن، ومجلس الوصاية، ومجلس الطاقة الذرية، وما شئت من المجالس واللجان، والقصة تمثل على نفس النحو الذي مثلت عليه قصة سان فرنسسكو؛ فقد اجتمع المنتصرون في القرم، ووضعوا القصة التمثيلية لملعب سان فرانسسكو، فمثلها أحسن تمثيل، ثم اجتمع المنتصرون في موسكو أخيرًا، فوضعوا القصة التمثيلية لملعب لندرة، وسيمثلها بإذن الله أحسن تمثيل.

    على أن هناك قصصًا يتاح لها النجاح، وأخرى يتاح لها السقوط؛ فقد وضع المنتصرون قصة سان فرنسسكو، وأتيح لها النجاح، ولكنهم وضعوا قصة أخرى في بوتسدام، فلما عُرِضت للتمثيل في لندرة أثناء الخريف؛ أخفق وزراء الخارجية الخمسة في تمثيلها إخفاقًا شنيعًا. وهم قد وضعوا التمثيلية الثالثة في موسكو، ورفع الستار عنها في لندرة اليوم، وأخذ العالم كله يشهد التمثيل من طريق الراديو والبرق والصحف، وستنبئنا الأيام المقبلة بما كتب لهذه التمثيلية من نجاح أو سقوط.

    والشيء المحقق هو أن الصلة مقطوعة قطعًا خطيرًا بين هذا الفن من التمثيل وبين الحياة، فتستطيع أن تقول إن هذا التمثيل يجري على هامش العالم، وتستطيع أن تقول إن حياة العالم نفسه تجري على هامش التمثيل. فمشكلة إيران ومشكلة تركيا، ومشكلات الشرق الأدنى، ومشكلات الشرق الأقصى؛ كل هذه المشكلات تسلك طريقها إلى التعقد والارتباك — أو إلى الحل والانفراج — دون أن يظهر أثر شيء من ذلك فيما يجري على الملعب من تمثيل. ومن يدري لعلها تتعقد وترتبك — أو تنحل وتنفرج — فيما بين الفصول من أوقات الراحة. ومهما يكن من شيء فمن حق العالم أن يلهو وينعم بعد أن حُرِمَ اللهو والنعيم ستة أعوام. والتمثيل لون من ألوان اللهو، وضرب من ضروب النعيم، فليستمتع العالم بقصة لوندرة كما استمتع بقصة سان فرنسسكو. ولكن الخطر كلَّ الخطر أن تنخدع الأمم الصغيرة فتأخذ التمثيل على أنه حق، فليس التمثيل إلَّا فنًّا، فأمَّا الحق فهو عناية الأمم بنفسها، واعتمادها على ما تبذل من الجهود.

  • بين الفصلين

    بين الفصلين

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٦ ديسمبر ١٩٤٥

    قد يطول وقت الراحة بين الفصلين وقد يقصر، ولكن الشيء المحقق هو أن النظارة في حاجة إلى أن يستريحوا الآن. الفصل كان طويلًا حقًّا بالقياس إلى غيره من فصول القصة التمثيلية الرائعة التي تمثل في ملعبنا السياسي البديع.

    كان الفصل طويلًا حقًّا أطول مما ينبغي، وكان معقدًا حقًّا أشد تعقيدًا مما ألِف الناس. وقد كان اليونان القدماء يحبُّون التمثيل حبًّا شديدًا، وكان شعراؤهم يرضون حبهم هذا للتمثيل إرضاءً شديدًا، وكانت أيام بعينها من العام تخصص لهذا الفن الجميل. وكان التمثيل يبتدئ مع الصبح وينتهي مع انتهاء النهار، ولكن الممثلين لم يكونوا ينفقون اليوم كله في تمثيل فصل واحد ولا في تمثيل قصة واحدة، وإنما كانوا يمثلون فصولًا كثيرة وقصصًا مختلفة، منها ما يحزن ومنا ما يسر!

    أمَّا نحن فقد تفوقنا على اليونان تفوقًا سيُسجَّل لنا في تاريخ التمثيل. وما رأيك في فصل يُبدأ في تمثيله يوم الجمعة الماضي، ثم يشرق الصبح يوم الخميس والستار لم يُسدل بعد، وإنما يهم العمال أن يسدلوه حين تصدر إليهم الإشارة بذلك من منظم الفرقة؟ فقد يسدل الستار على أحداث هذا الفصل اليوم، وقد يُسدل غدًا، وقد يُسدل في أي وقت وفي أي يوم، متى اجتمع مجلس الوزراء ليقرَّ ما ليس من إقراره بدٌّ، ويوافق على ما لا يستطيع إلَّا أن يوافق عليه. وما من شك في أن النظارة قد جعلوا يسأمون طول هذا الفصل ويتعجلون إسدال الستار؛ حتى قال صحفي لبق ممتاز من الذين يحبون هذا الفن من فنون التمثيل أمس: لو أنصف رئيس الوزراء لدعا زملاءه إلى اجتماع يُعقد بعد انفضاض الهيئة السياسية؛ ليُريح الناس من هذا العناء الطويل.

    والحمد لله على أن التمثيل في هذه القصة يجري على الطريقة المصرية المألوفة، أو التي كانت مألوفة قبل أن تدنو مصر من أوروبا، أو قبل أن تدنو أوروبا من مصر، حين كان الممثلون يلعبون، وكان النظارة يأكلون ويشربون ويدخنون، ويتسلون بهذه السخافات التي تعوَّد كثيرٌ منهم أن يقطعوا بها الوقت. فلا يشق عليهم أن يقصر التمثيل أو يطول؛ لأنهم لا يشكون جوعًا أو ظمأً، ولا يتكلفون جهدًا عسيرًا في تتبع التمثيل. فممثلونا سياسيون يلعبون حين يشرق الصبح، ويلعبون حين يرتفع الضحى، ويلعبون حين تميل الشمس إلى الغروب، ويلعبون حين ينشر الليل ظلمته على أرجاء مصر، لا يملون اللعب، ولا يتعرضون للإعياء. والنظارة في أثناء ذلك يعملون ويكسلون، ينشغلون ويفترون، يتضاحكون ويتندرون، والأمور تجري على خير ما نحب. أليس حافظ رحمه الله هو الذي قال:

    وإذا سُئلت عن الكنانة قل لهم: هي أمة تلهو وشعب يلعب

    وماذا تريد أن تصنع الأمة إذا قررت حكومتها أن تلهيها؟ وماذا تريد أن يصنع الشعب إذا صممت وزارته على أن تلعب له من حين إلى حين فصلًا أو فصلين من فصول التمثيل؟

    بدأ هذا الفصل إذن يوم الجمعة في نادٍ من أندية الأحزاب المؤتلفة، حين اتخذ هذا الحزب الخطير في هذا الوقت الخطير قرارًا خطيرًا؛ ليقدَّم إلى الرئيس الخطير للوزارة الخطيرة صباح السبت. وكان مشوِّقًا حقًّا أول هذا الفصل حين رفع عنه الستار، فقد أراد النظارة أن يتبينوا حقيقة هذه الأخطار الكثيرة التي يتلو بعضها بعضًا في غير ريث ولا أناة. ولكن الممثلين مهرة بارعون يعنيهم قبل كل شيء أن تتعقد الأمور وتتعقد، وأن تتحرج الأمور وتتحرج، وأن تتعلق أنفس النظارة أطول وقت ممكن بما يقولون وما يعملون، وبما يمكن أن يقولوا ويعملوا؛ ولذلك جعل الممثلون يقولون ويعملون، وجعل النظارة يتشوقون ويتحرقون حتى كان مساء السبت، أو حتى تقدم الليل في مساء السبت، وإذا القوم قد عملوا كثيرًا وقالوا كثيرًا، ولم يفهم النظارة شيئًا. وإنما عرفوا أن اجتماعًا كان في ذاك المكان، وأن المجتمعين قد تفرقوا ليلتقوا، فازداد النظارة شوقًا إلى شوق، وتوقًا إلى توق، وارتفاعًا إلى تحت وانحدارًا إلى فوق، وظلوا في هذا كله ليلةً كاملةً ونهارًا كاملًا، وليلةً كاملةً أخرى. ثم أصبحوا يوم الإثنين، وقد عرفوا القرار الخطير الذي أبلغه الوزير الخطير إلى الرئيس الخطير؛ فضحكوا أو أغرقوا في الضحك. ولكن الرئيس الخطير لم يضحك، بل لم يبتسم، بل لم يحتفظ بوجهه هادئًا مستقرًّا، وإنما تجهم وتنمر، وأعرض واستكبر، وقرر أن يعصف بكل شيء.

    ولست أدري أتوافقني أم تخالفني؟ ولكن أرى من أجمل الأشياء وأشدها روعةً في ملاعب التمثيل أن يظهر الغضب الشديد في وجوه الممثلين وفي أقوالهم وأعمالهم وحركاتهم، وأن تمضي النظارة في ضحكها الهادئ المتصل. هذا التناقض بين الغضب المتكلف على المسرح، والرضا الطبيعي بين النظارة رائع حقًّا. وهو الذي أتيح للمصريين أن يشهدوه ويستمتعوا به بياض النهار يوم الإثنين وبياض النهار يوم الثلاثاء وسواد الليل بين هذين النهارين.

    وقد كان رئيس الوزراء غاضبًا كل الغضب، ثائرًا كل الثورة، يريد أن يعصف، ولا يريد أن يعطف كما يحب مكرم باشا أن يقول. وكان مكرم باشا نفسه ثائرًا هادئًا ومضطربًا مستقرًّا وساخطًا راضيًا، يدور حول رئيس الوزراء دون أن يدنو منه أو يبعد عنه. وكان النظارة يشهدون ويضحكون، ويغرقون في الضحك حينًا، ويغرقون في النوم حين يشق عليهم الضحك، ولكنهم استأنفوا نشاطهم مساء الثلاثاء حين اجتمع بالهيئة السياسية من أساطين العهد. فقد خُيِّل إلى النظارة أن الفصل يوشك أن ينتهي، وأن الكتاب يوشك أن يبلغ أجله؛ فجددوا نشاطهم كما يجدد المسافر نشاطه حين يدنو من غايته. ولكن الهيئة السياسية اجتمعت وطال اجتماعها، ثم انصدعت وطال انصداعها، ولم يعرف النظارة شيئًا إلَّا أنه لا بد من الاجتماع بعد الانصداع.

    وهل الحياة إلَّا اجتماع وانصداع، أو قل كما يحب مكرم باشا أن يقول: هل الحياة إلَّا انقضاض وانفضاض. فقد انقضت الهيئة يوم الثلاثاء، ثم انفضت ولم يعرف النظارة من أمرها شيئًا، فظلُّوا يتشوقون ويتلهفون، يريدون أن يبلغوا آخر السفر، وأن يشهدوا إسدال الستار، ولكن قيل لهم: انتظروا فسيكون اجتماع وانصداع وانقضاض وانفضاض. وقد انقضت الهيئة مساء الأربعاء ثم انفضت، ولكن أي انفضاض سيسجله التاريخان: تاريخ السياسة وتاريخ الأدب جميعًا؛ تاريخ السياسة لأن الهيئة السياسية قد اتخذت بالإجماع قرارًا خطيرًا بالغ الخطورة، فأثبتت بذلك أن حزب الكتلة ليس هو وحده الذي يحسن اتخاذ القرارات الخطيرة، وأن في مصر رجالًا غير المتكتلين يحسنون اتخاذ القرارات الخطيرة أيضًا.

    وتاريخ الأدب وهذه مسألة المسائل، ومشكلة المشاكل، والقصة التي سترفع رأس مصر بين الرءوس، وسترفع صوت مصر عاليًا بين الأصوات، وستبلغ رسالة مصر إلى الأجيال المقبلة إلى آخر الدهر، ألم تفهم بعد؟ ألم تقرأ قول رئيس الوزراء للصحفيين في هذا الإيجاز الرائع البارع: «اجتمعنا، وتناقشنا، واتفقنا»؟ ألا يذكرك هذا الكلام شيئًا؟ إنه صورة مطابقة للأصل لكلمة خالدة في تاريخ الأدب العالمي يُضرب بها المثل لأنها سارت مسير الأمثال. ولست أزعم — وأعوذ بالله أن أزعم — أن رئيس الوزراء قد قلَّدها أو حاكاها، فأنا أقطع — أو أكاد أقطع — بأن رئيس الوزراء إنما قال كلمته هذه الخالدة عفو الخاطر؛ لأنه لم يعرف تلك الكلمة الخالدة الأخرى التي أرسلها قيصر إلى مجلس الشيوخ الرومان حين هزم بعض الجيوش. أتعرف هذه الكلمة؟ إنها تشبه كلمة رئيس الوزراء كأنما قُدَّت الكلمتان من أديم واحد هو أديم التفوق والنبوغ. قال رئيس الوزراء للصحفيين: اجتمعنا وتناقشنا واتفقنا، وكتب قيصر إلى مجلس الشيوخ: «وصلت، ورأيت، وانتصرت.» ألست ترى أن رئيس وزرائنا يشبه قيصر في براعته وبلاغته وتفوقه في الإيجاز؟ فكيف إذا أضفت إلى ذلك أنه يشبه قيصر في الحزم والعزم والانتصار؟! كل هذا حسن، ولكن النظارة لم يعرفوا شيئًا، أو قل: إنهم عرفوا قليلًا وجهلوا كثيرًا، وسيعرفون كل شيء حين يجتمع مجلس الوزراء اليوم أو غدًا أو في أي وقت. أرأيت أن الفصل قد ابتدأ تمثيله يوم الجمعة حين أقبل المساء، ولم ينتهِ تمثيله يوم الخميس حين أقبل الصباح؟!

    أرأيت أننا قد تفوقنا على اليونان في الإطالة والإسهاب، وتفوقنا على الرومان في الاختصار والإيجاز؟ أتستطيع أن تكابر بعد ذلك أو أن تماري أو أن تشك في أن مصر هي كنانة الله في أرضه، وهي البلد المختار المتفوق على جميع البلاد، الذي يسكنه شعب مختار متفوق على جميع الشعوب، وتحكمه وزارة مختارة متفوقة على جميع الوزارات، ويظله عهد سعيد مختار متفوق على جميع العهود.

    وبعد، فأين نحن من المفاوضات؟! مقبلون نحن عليها أم منصرفون نحن عنها؟ أيقبل عليها منَّا شخص واحد هو رئيس الوزراء، أم شخصان هما رئيس الوزراء ووزير الخارجية؟ أيشارك مكرم باشا في أولها أم يشارك في وسطها أم يشارك في آخرها؟ والأحرار الدستوريون أين يقعون من هذا كله؟ أيقعون موقع الأنف أم موقع الذنب؟ كل هذه أسئلة لا سبيل إلى الإجابة عنها قبل أن يُرخى الستار. ولكن لي أنا جوابين على هذه الأسئلة: أحدهما بيت حافظ رحمه الله:

    وإذا سئلت عن الكنانة قل لهم: هي أمة تلهو وشعب يلعب

    والثاني: أن المفاوضات قد تكون وقد لا تكون، وأن من الأحزاب من يقوم منها مقام الأنف ومن يقع منها موقع الذيل، ولكن المهم هو شيء آخر غير المفاوضات وغير موقع الأحزاب من المفاوضات، هو أن يبقى العهد السعيد، وأن يظل الشعب حيث أريد له أن يكون خاضعًا خاشعًا يرضى من الغنيمة بأن يشهد ساسته يلعبون له في ملعب التمثيل.

  • تمثيل

    تمثيل
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢ ديسمبر ١٩٤٥
    فكاهة محزنة أو مأساة مضحكة هذه التي تمثلها الأحزاب المؤتلفة في ملعب السياسة المصرية؛ فقد أصبح للسياسة المصرية ملعب في هذه الأيام، ملعب طريف تُعرَض فيه صور مضحكة لمن شاء أن يضحك، ومحزنة لمن شاء أن يحزن، ومسلية لعامة الناس على كل حال. فليس من شك في أن ما تحدثه أحزابنا المؤتلفة من الفر والكر، ومن الإقبال والإدبار، ومن الإقدام والإحجام، ومن الانحياز إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى، كل ذلك يُسلِّي عامة الناس ويلهيهم. ولست في حاجة إلى أن يُقام لك الدليل على شيء من ذلك، وإنما يكفي أن تمر بالأندية، وتلم بالقهوات، وتستمع للناس وهم يديرون الحديث بينهم؛ لتعلم أن الأمة المصرية تلهو بأحزابها، وتعبث بهذا الطراز الجديد من الساسة الذين يقولون ولا يعملون، والذين يأتلفون وهم مختلفون، ويتعاونون وبعضهم يكيد لبعض ألوان الكيد كأنما يراد أن يتعلم المصريون كيف يكون العبث، وكيف يكون اللعب، وكيف يُظهر الناس الجد وهم عابثون، وكيف يتكلف الناس العمل وهم كسلون، وكيف يكون خداع الناس عن أنفسهم وعن آمالهم وأمانيهم، وكيف تكون تلهية الناس بالسخف عن الحق حين لم تبق إلى إدراك الحق سبيل. وفكاهتنا هذه المحزنة، أو مأساتنا هذه المضحكة طويلة كليل الشتاء، لا تريد أن تنقضي، قد بعد العهد بأولها حتى نسيه الناس أو كادوا ينسونه، فأمَّا آخرها فسرٌّ من أسرار الغيب. وليس المهم أن تنتهي القصة، بل المهم ألَّا تنتهي؛ لأن في انتهائها انتهاء هذا العهد السعيد الذي يضحك فيه المصريون. وكيف يعيش المصريون إذا لم يضحكوا؟! ولا تقل: إن المصريين يستطيعون أن يضحكوا في ملاعب التمثيل ودور السينما؛ فإن هذا الضحك ليس شيئًا؛ لأنه ينقضي بانقضاء التمثيل، وينتهي بانطواء ما يسمونه الشاشة البيضاء. فأمَّا الضحك السياسي فإنه يصبِّح المصريين حين يهبون من نومهم، ويصاحب المصريين حين يغدون على أعمالهم، ويرافقهم حين يروحون إلى أهلهم، ويلازمهم حين يلتقون بين الليل والنهار في الأندية والقهوات. ومن يدري لعله لا يفارقهم حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، ولعله لا يفارقهم حين يأوي كل واحد منهم إلى مضجعه، ولعله يصيبهم في أحلام الليل. وأي غرابة في هذا، فموضوع القصة هو حياة المصريين في بلادهم، وصلات المصريين بحلفائهم وأصدقائهم؟ والمصريون في هذه الأيام يقظون يفكرون في هذا كله، ويتساءلون عن هذا كله، فأي شيء أجمل وأشد روعة من أن يفكر الإنسان في الجد فيضطر إلى الضحك، ومن أن يبحث الإنسان عن الجد فلا يرى إلَّا سخفًا وهزلًا؟! في شهر أغسطس الماضي، بدأت الفكاهة المحزنة أو المأساة المضحكة حين ألح المصريون على رئيس وزرائهم في أن ينبئهم عن موقف حكومتهم من الحقوق الوطنية، فتكلم رئيس الوزراء في البرلمان ولم يقل شيئًا، وصفق له أنصاره لأنهم يفهمون شيئًا من لا شيء، ولأنهم يستخرجون الجد من اللعب، والحقائق من الكلام الذي لا غناء فيه. في ذلك الوقت قال رئيس الوزراء للمصريين: إنه لن يهمل فرصة تسنح للمطالبة بحقوق مصر والظفر بهذه الحقوق، لن يهمل فرصة بشرط أن تسنح هذه الفرصة. وكيف تسنح هذه الفرصة؟ أتخلق نفسها، أم يخلقها الإنجليز، أم يخلقها المصريون؟ فأمَّا الإنجليز فقد قال وزير خارجيتهم: إنه ينتظر الوقت المناسب، وأمَّا المصريون فقد قال رئيس وزارتهم: إنه ينتظر سنوح الفرصة. وفي أثناء ذلك كثر الفر والكر، وكثر الاعتراف والإنكار، فقال قائلون: لقد طلبت المفاوضات، وقال قائلون: بل لم تطلب المفاوضات. وجمعت اللجنة التي يسمونها الهيئة السياسية فقالت وقال بعدها مجلس الوزراء: إن الوقت ملائم للمفاوضات، ثم أرسلت اللجنة إلى سريرها لتنام، فنامت نومًا عميقًا، وبقي الوزراء وحدهم في الملعب يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، ومن ورائهم أحزابهم تتصايح وتتناوح، وتثير في الجو غبارًا لا يستر شيئًا، بل يفضح كل شيء. وفي ذات يوم — أو في ذات ليل — سمعت الهيئة السياسية صوتًا أيقظها من نومها العميق، فهبت مذعورة لأنها رأت — فيما يرى النائم أو فيما يرى اليقظان — أن وزير الخارجية البريطانية يعلن في البرلمان البريطاني أنه لم يتلق من الحكومة المصرية شيئًا يمس المفاوضات. وهمت الهيئة السياسية — أستغفر الله — بل همَّ إمامها صدقي باشا أن يصنع شيئًا، ولكنه لقي رئيس الوزراء، ولم يكد يخرج من دار الرياسة حتى أسرع إلى سريره فنام مع النائمين، وظلت الهيئة السياسية نائمة منذ أواخر سبتمبر إلى أوائل ديسمبر، والوزراء وحدهم في الملعب، يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، وأحزابهم من ورائهم تتصايح وتتناوح؛ حتى بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ. واستبان لبعض الوزراء أن جمهور النظارة قد كاد يسأم هذا اللعب الفاتر، وينصرف عن هذا التمثيل الممل. هنالك نشط الممثلون، وشاع في اللاعبين فضل من حياة، فإذا وزير يستقيل ويذهب إلى أقصى الصعيد، وإذا وزير آخر يعرض نفسه على النظارة في موقف الحائر الموله، يغشى وجهه الابتسام حينًا، والعبوس حينًا آخر، يتقدم ثم لا يلبث أن يتأخر، ينحرف إلى يمين، ثم لا يلبث أن ينحرف إلى شمال. والنظارة يرون ذلك فيضحكون ويتفكهون، والوزير ماضٍ في لعبه، وحزبه من ورائه يشجعه ويحثه بالصياح والنواح والتصفيق والصفير، حتى إذا بلغ نشاط الوزير أقصاه مضى إلى الخطوة الحازمة الحاسمة، فلقي رئيس الوزراء، وظنَّ النظارة أن فصلًا من فصول القصة يوشك أن ينتهي، ولكن الفصل لم ينته ولم يؤذن بالانتهاء، وإنما هو منظر يتلوه منظر آخر؛ فقد خرج الوزير البارع من دار الرياسة غامضًا كأنه الغيب، يومئ ببعض الألفاظ كأنه كاهن أبولون، ولم يقبل المساء حتى كان لقاء ثم انجلت الغمرة، وانحلت الأزمة كأن غمرة كانت قد عمَّت الناس، وكأنه أزمة كانت قد انتهت من التعقيد إلى أقصاه. ولم تكن هناك غمرة، ولم تكن هناك أزمة، وإنما كان تمثيل وتخبيل. والمهم أن الهيئة السياسية ستستيقظ من نومها، ويظهر أن إيقاظها يحتاج إلى بعض الوقت لأنها غارقة في نوم عميق، عميق جدًّا، فهي لن تجتمع اليوم، ولن تجتمع غدًا، ولكنها ستجتمع بعد غد إن شاء الله. ولكن تجتمع لتصنع ماذا؟ لقد اجتمعت في شهر سبتمبر فقالت وقال معها مجلس الوزراء: إن ذلك الوقت كان أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضات. فلم يحفل بها أحد؛ لأنها لم تحفل بنفسها، ولم يلتفت إليها أحد لأنها نامت وأغرقت في النوم، ولم يستطع وزير الخارجية البريطانية أن يوقظ من أعضائها إلَّا عضوًا أو عضوين، لم يكادا يستيقظان حتى عادا إلى الغطيط. وإذن فستجتمع الهيئة يوم الثلاثاء لتصنع ماذا؟! لتصنع شيئين أو ثلاثة أشياء، أو قل لتصنع شيئًا واحدًا؛ هو المضي في التمثيل وإشاعة شيء من الحياة والنشاط في الممثلين، فما ينبغي أن يسأم النظارة أو أن يدركهم النوم. ستجتمع يوم الثلاثاء لتقنع وزير العدل بالإعراض عن الاستقالة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير المالية بأنه في حاجة إلى شيء من الاستقرار والهدوء؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير التجارة بأنه في حاجة إلى شيء من الريث والأناة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتُقنع المؤتلفين جميعًا، ومنهم المستقلون، بأن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام قويًّا كما هو الآن، وبأن مصر لم تحتج في يوم من الأيام إلى قوة الائتلاف كما تحتاج إليها الآن منها؛ فما زال الوفد قائمًا، وما زال رئيسه يذهب إلى الإسكندرية ويعود منها، ويشهد الصلاة في المساجد المختلفة يوم الجمعة، وما دام رئيس الوفد يذهب ويجيء ويشهد الصلاة ويستقبل الناس؛ فمصر في خطر، ولن يَدرَأ هذا الخطر إلَّا الائتلاف المتين بين خصوم الوفد. فأمَّا المطالب المصرية فأمرها يسيرٌ جدًّا. لقد صرَّح وزير العدل البريطاني في مجلس اللوردات — كما صرَّح وزير الخارجية منذ أسابيع في مجلس العموم — بأن بريطانيا العظمى مستعدة للمفاوضة في الوقت الملائم، وبأنها لا تريد السيطرة على مصر، وإنما تريد شركة مع مصر قوامها الزمالة والمساواة. وهل تطمع مصر في شرف أعظم من أن تشارك بريطانيا العظمى في إدارة الشئون المصرية على أساس من الزمالة والمساواة، ثم إن بريطانيا العظمى مسدية إلينا بعد هذا كله فضلًا لن نستطيع له شكرًا، فهي ستصلح من شأننا، وسترفع مستوى معيشتنا، وستعصم جائعنا من الجوع، ومحرومنا من الحرمان، وستحمينا من البؤس كما تحمينا من غارة الأجنبي، فماذا نريد أكثر من هذا؟! ولم لا يُعرض وزير العدل عن استقالته؟ ولم لا يثوب وزير المال إلى الهدوء والاستقرار؟ ولِمَ لَمْ يعد وزير التجارة إلى الريث والأناة؟ ولِم لا تعود الهيئة السياسية إلى نومها العميق؟ ولِمَ لا يمكَّن رئيس الوزراء ووزير الداخلية من الفراغ لمهمته الخطيرة؟ فما زال رئيس الوفد يذهب ويجيء، ولا بد من مراقبته حين يذهب ويجيء، وما زال رئيس الوفد يشهد الصلاة، وما زال الناس يحبونه، فيجب أن يُراقب حين يشهد الصلاة، وأن نغلق المساجد حين يدخل وحين يخرج، وأن يُصدَّ الناس عن هذا الحب الأثيم، وأن يُؤدَّبوا إذا أصروا على هذا الحب الأثيم. وما زال رئيس الوفد يستقبل الناس، فيجب أن تُراقب داره وتُحاصر، وأن يرد الناس عن هذه الدار. يجب أن يختار المصريون بين اثنين لا سبيل إلى اجتماعهما؛ فإمَّا أن يُحارب الوفد ورئيسه، وإمَّا أن يفاوض الإنجليز في حقوق مصر. وواضح جدًّا أن محاربة الوفد ورئيسه هي غاية الغايات، وغرض الأغراض؛ لأن استقلال مصر في خطر أي خطر ما دام الوفد قائمًا، وما دام رئيسه يشهد الصلاة ويستقبل الناس. فأمَّا تلكؤ الإنجليز في المفاوضة وانتظار الوقت الملائم، وإقامة الشركة الجديدة على أساس من المساواة والزمالة، واتخاذ القاهرة عاصمة جديدة في أوقات السلم لمنطقة النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط، وإنشاء المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في مدينة القاهرة إلى جانب السفارة البريطانية دون أن تفاوض مصر في إنشائه، ودون أن تتفق مصر على إنشائه، ودون نظر إلى أن إنشاءه يلائم الاستقلال أو لا يلائمه، ويوافق السيادة أو لا يوافقها. كل هذه الأمور هينة ولينة، لا ينبغي أن تضيق بها أو تشفق منها؛ لأن خطرها على الاستقلال أقلُّ جدًّا من هذا الخطر الداهم الذي يصوره مصطفى النحاس حين يشهد الصلاة ويستقبل الناس. وكذلك تمضي فكاهتنا المحزنة ومأساتنا المضحكة في سبيلها، لا يقف الممثلون عن التمثيل، ولا يكف النظارة عن الضحك والعبث. ولست أدري أيقرأ أعضاء الهيئة السياسية ما ينشر عن مصر في خارج مصر، أم يصرفهم نومهم العميق عن القراءة. أمَّا أنا فقد قرأت في جريدة الموند الفرنسية أن سادة مصر يختلفون إلى نادي محمد علي، ويغرقون في كراسيه الوثيرة، يشربون ويلعبون ويناورون في أثناء ذلك ويداورون. ولم تنس جريدة الموند إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن سادة مصر قد يجتمعون بين حين وحين حول رئيس الوزراء ليقرروا أن الوقت ملائم للمفاوضات. لقد كان الرومانيون يطلبون إلى قياصرتهم اللعب والخبز، وكان الرومانيون يسرفون على قياصرتهم حين يطلبون إليهم هذين الأمرين الخطيرين، فقد أصبحنا نحن أعقل من الرومانيين وأشد منهم قناعة، لا نطلب اللعب والخبز؛ فهذا كثير، وإنما نطلب اللعب وحده. وحكومتنا رشيدة حقًّا؛ فهي تعطينا من اللعب ما نريد، وأكثر مما نريد، فأمَّا الخبز فيجب أن نطلبه من الله، وأمَّا الاستقلال فيجب أن ننتظر حتى يتفضل به علينا الإنجليز.

  • رحمة

    حديث المساء: رحمة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ ديسمبر ١٩٣٣

    لا ينبغي أن نيأس من قلوب الناس؛ فقد تقسو هذه القلوب حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة، ثم يمسها بعد ذلك جناح من الخير والبر، ومن العطف والإشفاق؛ فإذا هي ترق وتلين حتى كأنها النسيم الرقيق، والماء العذب الصفو.

    ولا ينبغي أن تيأس من نفوس الناس؛ فقد تخشن وتجفو، ثم إذا بلغت أقصى غاية الخشونة، وأبعد آماد الجفوة، مسها ذلك الجناح السحري، فإذا هي ناعمة ملساء صافية حلوة كأنها العسل الماذي الذي تحدَّث عنه الشعراء الأقدمون.

    لا ينبغي أن تيأس من شيء؛ فكل شيء ممكن حتى أن يلين قلب صدقي باشا بعد شدة، وتلطف نفس صدقي باشا بعد حدة، ويصفو طبع صدقي باشا بعد جفوة، ويصبح هذا الطاغية الجبار مَلَكًا حلو الشمائل، كريم النفس، رحيم القلب، عطوفًا على الناس رءوفًا بهم، يرحمهم حتى إنه ليحتمل في سبيلهم المكروه، ويتجشم في سبيلهم الأهوال. وماذا تنكر من هذا وأنت ترى صدقي باشا يرق للحياة النيابية، ويفيض رحمةً للنواب، وحنانًا عليهم، وخوفًا أن تمسهم الحكومة بما يكرهون، أو أن يردهم الحل إلى حيث كانوا قبل أن يدعوا إلى قبة البرلمان، وإذا هو يخرج من صمته، ويتخلص من هدوئه وسكونه، ويتخفف من عزلته، ويضحي براحته، ويكتب إلى رئيس مجلس النواب يسحب استقالته من مجلس النواب؟!

    وقد يظهر لك هذا غريبًا طريفًا، ولكن الغرائب قد تقع، والطرائف قد تحدث، وليس على الله بمستنكر أن يرد الأشياء إلى أضدادها، ويحول سير الناس إلى نقائضها، ويجعل صدقي باشا رجلًا شفيقًا رحيمًا يشفق على النواب من مس النسيم بعد أن لم يشفق على الشعب من مس النار والحديد.

    نعم، لم يشفق صدقي باشا على أولئك المصريين الذين حصد الرصاص نفوسهم حصدًا، ومزقت الحراب أجسامهم تمزيقًا، وهشمت المقامع عظامهم تهشيمًا.

    لم يشفق صدقي باشا على واحد من هؤلاء، بل كان صدقي باشا ينظر إليهم وإلى ما يصيبهم، فيطغيه ما يرى، ويزدهيه ما يسمع، ويعلن إلى محدثيه أنه أصبح لا يخشى إلا الموت.

    فلما أبعد عن الحكم وأخرج من الحرب، واضطر إلى أن يستقيل من مجلس النواب؛ عادت إلى قلبه الرحمة، وثابت إلى نفسه الدعة، فلم يكد يحس نذير الحكومة أمس بحل مجلس النواب إن لم يقبل استقالته، حتى أسرع إلى هذه الاستقالة فسحبها سحبًا، وابتلعها ابتلاعًا، رحمةً بالنواب، وحمايةً للنظام الحاضر، وصيانة للتقاليد الدستورية.

    ألست ترى معي أن النكتة فاترة، وأن المزاح سخيف، وأن التكلف بريء كل البراءة من المهارة الفنية، خلو كل الخلو من اللباقة والرشاقة اللتين كان الناس يعرفونهما عن الدكتاتور العظيم، أيام كان قويًّا جريئًا لا يخاف إلا الموت؟

    بلى، وليس من شك في أن رئيس الوزراء لم يخطئ حين صوَّر موقف صدقي باشا أمس في صورته الصحيحة، فأعلن أنه إنما استرد استقالته حين استيقن أن المجلس سيقبلها، واستيأس من أن أحدًا سيذود عنه أو يتعصب له؛ ذلك أن صدقي باشا أعلم الناس بأصحابه، وأشد الناس، وأحسن الناس ابتلاءً لسرائرهم، وامتحانًا لطاقتهم.

    رأى منهم الخذلان فاستقال حتى لا ينهزم أمام الدكتور رفعت باشا، ثم رأى منهم الخذلان فاسترد استقالته أمس حتى لا يقبلها النواب بالإجماع أو شيء يشبه الإجماع. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء كان مصيبًا في هذا التصوير؛ فهذا مرشح الوزارة لوكالة المجلس قد ظفر أمس بمائة أو نحو مائة من الأصوات بعد أن لم يظفر يوم الخميس إلا بأربعة وخمسين صوتًا، فكان النذير إذن قد أحدث آثاره، وانتهى إلى نتائجه، وكانت نظرات الغضب التي أرسلها الرجل الطيب ووزير التقاليد القديم ووزير التقاليد الجديد قد انتهت إلى غايتها، فطابت قلوب النواب لما تحب الوزارة، ولو قد عرضت استقالة الدكتاتور أمس لقبلت دون أن تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل القديم.

    فصدقي باشا إذن لم يشفق على النواب ولا على الحياة النيابية من الخلاف بين الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية حول شخصه العظيم، وإنما أشفق على نفسه من الاتفاق بين الهيئتين على شخصه هذا. ولعله أشفق على النواب والحياة النيابية من قبول استقالته، فلو قد قبل النواب استقالته، وذلك شيء لم يكن منه بد لسجلوا على أنفسهم أنهم قد سمعوا النذير فخافوه، واضطروا إلى الطاعة والإذعان.

    وصدقي باشا رجل يحب النواب، ويؤثرهم بالخير، ويفديهم بالنفس والمال، ولا يريد أن يعرضهم لرفض الاستقالة، وما يتبعه من الحل، أو لقبول الاستقالة وما يتبعه من سوء الحديث؛ فهو على كل حال بطل من أبطال التضحية، وهو على كل حال خليق أن يعرف له النواب هذه الصنيعة، ويشكر له النواب هذه النعمة، ولكن صدقي باشا رجل قد أصبح الآن فيلسوفًا، يعرف الناس، ولا ينتظر منهم فوق ما يطيقون، ولكن صدقي باشا قد أصبح الآن خيِّرًا بطبعه يعمل الصالحات، ويقدم المعروف، ويحسن إلى الأصدقاء والخصوم، ولا يبتغي بذلك جزاءً ولا شكورًا، ولا يريد بذلك إلا وجه الله، وخدمة الوطن خالصة لوجه الله، ولوجه الوطن. وقد يكون هذا غريبًا، ولكن الغرائب تقع، والطرائف تكون.

    وتسألني بعد ذلك عن التفسير الصحيح لهذا الموقف الظريف الذي وقفه صدقي باشا أمس، فعلم هذا التفسير عند الله، ولعله عند أكواب الشاي التي شهدت خلوته مع المندوب السامي السابق مساء الثلاثاء. فأنت توافقني على أن من الغريب أن يخلو صدقي باشا إلى السير برسي لورين مساء الثلاثاء، فيتقبل صورته الفوتوغرافية، حتى إذا كان مساء الأربعاء عاد صدقي باشا إلى الصحف، فتحدث إلى الأهرام، حتى إذا كان الخميس سقط مرشح الحكومة لوكالة النواب، وكاد مرشحها الآخر أن يبلغ القاع، حتى إذا كان صباح الجمعة ظهرت لصدقي باشا صحيفة تذود عنه وتنطق بلسانه، حتى إذا كان السبت والأحد كثر الكلام وشاعت الإشاعات، وتحدث الناس بأن لصدقي باشا أنصارًا قد يأبون قبول استقالته، واضطر الحزبان الشقيقان أن يحتاطا لذلك، فقال رئيس الوزراء ما قال، وقال وزير التقاليد ما قال، وقال وزير الداخلية ما قال، حتى إذا كان مساء الأمس ظهر صدقي باشا فجأة في الملعب، فاسترد استقالته وعاد إلى الحظيرة في مجلس النواب.

    قل ما شئت؛ فإن هذه الحوادث المتعاقبة لا تخلو من دلالة، وقل ما شئت في هذه الدلالة، فإنها كافية لدفع رجل ضعيف كصدقي باشا إلى أن تعاوده الآمال الكذاب؛ فيستأنف النشاط، ويسترد استقالته من مجلس النواب، ويعود إلى حيث يناوئ خصمه الرجل الطيب رئيس الوزراء.

    ورب لين خير منه القسوة، ورب رحمة خيرٌ منها العنف، وهل يعلم صدقي باشا أنه كان أقسى على النواب أمس من رئيس الوزراء، وأنه كان أغلظ عليهم وأعنف بهم من وزير الداخلية ووزير التقاليد؟ فهو يسجل عليهم أن رئيس الوزراء قد أنذرهم، وهو يسجل عليهم أنه استرد استقالته ليحمي الحياة النيابية، فقد كانوا هم إذن عاجزين عن أن يحموا الحياة النيابية، وعن أن يذودوا عن أنفسهم ويحفظوا كرامتهم.

    أكان صدقي باشا مخلصًا فيما يقول؟ وهل بلغ ازدراؤه لكفاية النواب وقدرتهم على النهوض بواجبهم لأنفسهم وللحياة النيابية إلى هذا الحد؟ أكان صدقي باشا عابثًا فيما يقول؟ وهل بلغ استخفافه بعقول النواب والوزراء إلى هذا الحد؟ أم يريد صدقي باشا أن يشارك رئيس الوزراء فيسجل الفشل الذي ليس بعده فشل على سياسة هذه الأيام؟

    رئيس الوزراء ينذر بحل المجلس إذا لم يذعن النواب لما تريد الحكومة، وصدقي باشا يسترد استقالته خوفًا على المجلس من الحل، والنواب ماذا يصنعون بين هذين الرجلين. هذا يدفعهم، وهذا يلقاهم! هذا يخوفهم، وهذا يحميهم. ومعنى هذا كله أن الحياة النيابية في مصر قوية ثابتة صالحة لا خوف عليها، ولا بأس بها، ولا فساد فيها. أليس هذا مضحكًا؟ أليس هذا مُسلِّيًا للصائمين؟ أليس هذا مُعينًا على احتمال أثقال الصوم؟ بلى، ولكنه في الوقت نفسه مؤلم ممض؛ فقد استحالت أمور السياسة الرسمية إلى نوع من العبث الرخيص الذي لا مهارة فيه ولا لباقة ولا فن، وأصبحت شئون مصر الرسمية فنًّا من فنون اللهو التي يصطنعها الناس في أنديتهم ومجالسهم لا أكثر ولا أقل.

    ألم يُقدِّر الله لهذا البلد أن تعود أموره إلى شيءٍ من الجد، وألا تفسد سياسته بين رجلين يختصمان فإذا هما يلعبان؟

  • هزيمة (١)

    حديث المساء: هزيمة (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ ديسمبر ١٩٣٣

    ليست هزيمة صدقي باشا؛ فقد فرغ الناس الآن من صدقي باشا، ولعل صدقي باشا أن يكون قد فرغ من نفسه إلى وقت ما. إنما هي هزيمة هؤلاء الذين قد جمعهم حوله، وزعم لنفسه وزعم لهم أنهم حزب سياسي، شديد الأركان، متين البنيان، تستطيع أن تعتمد عليه الوزارات، بل يستطيع أن يعتمد عليه النظام.

    عن هؤلاء الناس وعما أصابهم من الهزيمة نريد أن نتحدث اليوم، فهم ما زالوا يزعمون أن لهم وجودًا سياسيًّا، وهم ما زالوا يزعمون أنهم يستطيعون أن يسندوا الوزارة، ويثبتوا النظام، ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدث بعضهم إلى بعض لا يخفون على أنفسهم أنهم ممثلون، لا يمثلون للناس فحسب، وإنما يمثلون لأنفسهم قبل أن يمثلوا للناس.

    وقد يكون حظ الرجل من الذكاء والفطنة قويًّا أو ضعيفًا، ولكنه لا يبلغ من الضعف في يوم من الأيام هذا الحد الذي يخيل إليه أنه جاد وهو يلعب، وأنه مخلص وهو ينافق، وأنه صادق وهو يكذب، وهؤلاء الناس الذين بناهم صدقي باشا ليهدموه، وأحياهم ليُميتوه، وآواهم ليطردوه. هؤلاء الناس يعلمون حق العلم أنهم إذا أشرقت عليهم الشمس، وتنفس الصبح عن وجوههم الحسان، اتخذوا لأنفسهم من السياسة ثيابًا، فإذا أقبل الليل واحتوتهم ظلمته المخيفة الرهيبة، خلعوا هذه الثياب، ورأوا أنفسهم كما هي لا تحفل بالسياسة ولا بالساسة، ولا تفكر في السياسة ولا في الساسة، وإنما تحفل بالحياة اليومية التي يجب أن تحتمل، وتفكر في المنافع العاجلة التي يجب أن تُقْضَى.

    وهم كذلك يلبسون السياسة مع الصبح، ويخلعونها مع الليل، يتخذون السياسة ليلقوا بها الناس، لا ليلقوا بها أنفسهم؛ فالسياسة عندهم عَرَضٌ من الأعراض، ووسيلة من الوسائل لا أكثر ولا أقل، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا أنبأهم بأن الدستور القديم مُضِرٌّ فصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد نافع فصدَّقوه، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا لو قد بقي في الحكم ثم أنبأهم بأن الدستور القديم خير كله لصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد شر كله لصدقوه، وهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء القائم لو دعاهم إلى حب النظام القديم وبغض النظام الحديث؛ لاستجابوا له مسرعين، ولو دعاهم إلى بغض النظامين جميعًا، وإيثار الحياة في غير دستور؛ لما ترددوا في طاعته والاستماع له.

    وهم يعلمون حق العلم، وهم يتحدثون بهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وهم يتحدثون بهذا إذا اجتمعوا بعضهم بعضًا، ولكنهم على ذلك كله يجدون أقلامًا تزعم لهم أنهم حزب، ويجدون ألسنة تذيع عنهم أن لهم مبادئ وآراء. وهم ينعمون بهذه الإذاعة كما ينعمون بكل شيء، وهم يسعدون بهذه الأحاديث كما يسعدون بكل شيء؛ لأن الله قد منحهم من فراغ البال، وسعة الضمير ومرونته ما يرضيهم بكل شيء، ويلهيهم عن كل شيء، ما داموا يظفرون بما تحتاج إليه أجسامهم من هذه اللذات العاجلة الزائلة، ومن إرضاء هذه الحاجات المادية التي تسيطر على بعض النفوس فتنسيها أن وراء المادة شيئًا آخر، وأن وراء الطعام والشراب لذات أخرى تنعم بها النفوس الراقية، وتطمح إليها القلوب الكريمة، وتسعد بها الضمائر الحية، ولا يستطيع أن يعيش بدونها كرام الناس.

    لقد كان صدقي باشا منذ أشهر نابغة لم يعرف العالم نابغة مثله في عصر من العصور عند هؤلاء الناس، وكان قوام الحياة السياسية في مصر، وكان قوام النظام الحاضر، وكان منقذ مصر من الفوضى، ومخرجها من الظلمة إلى النور، وكان وجهها الوضيء، وسراجها المضيء.

    كان كل هذا، ثم أصبح الآن رجلًا ممتازًا، ولكن لا يمتاز بالنبوغ، بل يمتاز بالقصور، متفوقًا ولكن لا في الخير، بل في الشر، وظهر أنه لم يكن قوام الحياة السياسية، وإنما كان لها مفسدًا، وأنه لم يكن قوام النظام، وإنما كان مُضَيِّعًا، وأنه لم يكن فخرًا لمصر، وإنما كان وصمة لها، وأنه لم يكن هاديًا يقود مصر إلى الرقي والفلاح، وإنما كان مُدمِّرًا يدفع مصر إلى الانحطاط والشقاء، وخلعت كل تلك الصفات الباهرة التي كانت تُمْنَحُ لصدقي باشا على رئيس الوزارة القائمة عبد الفتاح يحيى باشا.

    فأصبح هو النابغة الفذ، وأصبح هو قوام السياسة، وركن النظام، وأصبح هو الوجه الوضيء، والسراج المضيء، وأصبح هو رجل مصر الذي لا تستطيع مصر أن تحيا بدونه. وكان رئيس الوزارة القائمة منذ أشهر رجلًا من عامة الناس، لا يمتاز بشيء، ولا يتفوق في شيء، دخل الوزارة فاحتمله الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أدخله الوزارة، وخرج من الوزارة فنسيه الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أخرجه من الوزارة.

    وهَبْ الظروف تنكرت لعبد الفتاح يحيى باشا، وستتنكر له من غير شك؛ فسيتنكر الشعبيون له مع الظروف، وهب الظروف ابتسمت لعلام باشا، ورفعته إلى رئاسة الوزارة، فسيتهالك الشعبيون على علام باشا، وسيخلعون عليه من الصفات ما كانوا يخلعون على صدقي باشا أمس، وما يخلعون على عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.

    وهؤلاء هم الذين ينهضون بأعباء السياسة المصرية، وهؤلاء هم الذين يُرجون لحل المعضلات، وإزالة المشكلات، وهؤلاء هم الذين تعتمد عليهم الوزارة. كلا، إن الوزارة لا تعتمد عليهم، ولا تحفل بهم، وإنما هم الذين يعتمدون على الوزارة، ويعيشون للوزارة وبالوزارة، عاشوا لصدقي باشا وبه منذ أشهر، وهم يعيشون لعبد الفتاح باشا وبه في هذه الأيام.

    ولو أتاحت لهم الظروف أن يعيشوا لعلام باشا وبه في يوم من الأيام؛ لكانوا بذلك مغتبطين أشد الاغتباط، مبتهجين أشد الابتهاج، هم لا يعيشون لأنفسهم، وهم لا يعيشون بأنفسهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، وأنصار كل مستنصر، والسامعون لكل من أمر، والمستجيبون لكل دعاء.

    كلا، لم يعتمد عليهم صدقي باشا في يوم من الأيام، وإنما غَشَّ بهم نفسه، وخدع بهم الناس، وخَيَّلَ إليهم أنهم أنصاره وشيعته؛ فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، ثم جاء عبد الفتاح يحيى باشا، فبَيَّنَ لهم أن صدقي باشا كان خادعًا أو مخدوعًا، وأنهم لم يُخْلَقُوا لصدقي، وإنما خُلِقُوا لعبد الفتاح، فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، وإلا فحدثني كيف يستطيع هؤلاء الناس أن يخلعوا صدقي باشا، وقد كانوا لا يؤمنون إلا به، وأن يثبتوا عبد الفتاح باشا، وقد كانوا لا يثورون إلا عليه.

    كيف استطاع هؤلاء الناس أن يدينوا بالطاعة لرئيس الوزارة القائمة، وهم الذين أمطروا رئيس الوزارة القائمة منذ أيام وابلًا من الأسئلة يتهمون فيها وزارته بإفساد الحياة النيابية، والاعتداء على ضمائر النواب، وإهمال المصالح العامة، وإيثار المصالح الخاصة، كيف استطاع هؤلاء الناس أن ينسوا هذه الأسئلة، ويستكينوا للوزارة التي كانوا يلومونها فيسرفون في لومها، ويتهمونها فيتجاوزون معها القصد في الاتهام، مع أن الوزارة لم تحفل لهم بسؤال، ولم تدفع عن نفسها تهمة من هذه التهم التي وجهوها إليها؟

    فكيف غَيَّرُوا رأيهم؟ وكيف اقتنعوا بأنها وزارة العدل والإنصاف، ووزارة البر ورعاية المصالح، ووزارة النزاهة والنقاء، في السر والجهر؟ إنما غيروا رأيهم لأنهم وجدوا من الخير أن يغيروه؛ إنما اقتنعوا لأنهم لم يجدوا بدًّا من الاقتناع. هؤلاء الناس سعداء بأنفسهم راضون عنها، يفاخرون بها ويكاثرون، ولكن الغريب أن يطمئن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى إلى أمثال هؤلاء الناس، وأن يظن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى أنه انتصر على خصمه حين غلبه على هؤلاء الناس.

    وأغرب من هذا أن يتصل التمثيل، ويستمر اللعب، ويصدق غير المصريين أن لهؤلاء الناس شأنًا في السياسة المصرية، أو أثرًا في تصريف الأمور، وأشد غرابة من هذا وذاك أن يُعْنَى بعض الناس بما يكون بين هذه الجماعات من الخلاف والخصومة حول بعض المناصب والأعمال، كما يُعنون بالجد من الأمر، مع أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة كله، منذ ابتدأ إلى أن ينتهي في وقت قريب، دعابة لا أكثر ولا أقل، ولكن فيها من المرارة ما يُمَزِّقُ القلوب ويملؤها لوعة وأَسًى؛ لأنها أضاعت على مصر من حياتها أعوامًا، فَوَّتَتْ على مصر كثيرًا من المنافع والحقوق.

    ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تلهو دون أن تدفع للهوها ثمنًا؟ ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تسلك طريقها إلى الحرية والاستقلال، وإلى الرقي وارتفاع الشأن، دون أن تتعثر في هذه الطريق بأمثال صدقي باشا، ومَنْ يلوذ به وبهم من النفعيين والوصوليين؟

    لم ينهزم صدقي باشا وحده، ولو أن صدقي باشا وحده هو الذي انهزم لما حفل به أحد، وإنما القيمة الصحيحة لهزيمته هي أنها هزيمة عامة تتجاوز شخصه إلى سياسته كلها، سواء أكان هو المنفذ لهذه السياسة أم كان المنفذ لها رجلًا آخر مهما يكن. والقيمة الصحيحة لهذه الهزيمة هي أنها جاءت من أن هذه السياسة لم تعتمد على ما ينبغي أن تعتمد عليه السياسة الصالحة للبقاء، التي تستطيع أن تطمع في الفوز، وتظفر به، وتمتنع على الخيبة والخذلان؛ وهو حب الأمة وتأييدها وإيمانها.

    هذه السياسة التي أقامها صدقي باشا بعيدًا كل البعد عن حب المصريين وتأييدهم وإيمانهم، كانت قائمة في الهواء، معرضة بأن تعصف بها الريح في كل لحظة. وقد عصفت بها الريح، فهَوَتْ بصدقي باشا إلى الحضيض، وأظهرت من أسرار أصحابه ومواطن الضعف فيهم ما لا يستطيعون بعده أن يثبتوا لأول عاصفة تأتيهم من أي ناحية من النواحي، وإن هبوب هذه العاصفة غير بعيد.

  • معلّق

    معلّق
    رئيس الوزراء معلّق بين البقاء في الحكم والنزول عنه كما كان المندوب السامي معلّقًا بين البقاء في القاهرة والانتقال عنها. وكل ما نرجوه لرئيس وزرائنا المريض، ألا يطول تعليقه كما طال تعليق المندوب السامي؛ فمهما يكن حظ الرجل من الشفاء وحسن الحال، فإن هذا التعليق مؤذٍ للأصحاء فضلاً عن المرضى. وقد كانت أسرار هذا التعليق غامضة، شديدة الغموض عند الذين يخوضون في أحاديث السياسة، فهم جميعًا يؤمنون إيمانًا لا يخالطه الشك في أن نقل المندوب السامي أمر من أمور الإنجليز، قد يكون جدًّا من الجد، قد يكون لهوًا من اللهو، ولكنه على كل حال مقصور على الإنجليز، لا يمس مصر بقليل ولا كثير. وماذا يعني مصر أن ينقل الإنجليز مندوبًا ويرسلوا مندوبًا، أو ينقل الفرنسيون وزيرًا ويرسلوا وزيرًا؟ فالإنجليز أحرار في بلادهم، والفرنسيون أحرار في بلادهم، والمصريون أحرار في بلادهم، لكل منهم أن ينقل ويعزل، وأن يغير ويبدل دون أن يكون لغيره حق في أن يعرض له أو يتدخل في شأن من شؤونه، فإن فعل فهو الاعتداء الصارخ والنذير بالشر العظيم. ذلك شيء كان يؤمن به الناس جميعًا، لا يشكون فيه ولا يرتابون، ولم يخطر لهم على بال أن الإنجليز حين نقلوا مندوبهم بعد أن علقوه، قد يسقطون رئيس وزارتنا بعد أن يعلقوه أيضًا. ولهذا أخذ الناس يتساءلون عن الحبال التي علق بها مركز وزارتنا القائمة: ما هي؟ ومم صيغت؟ ومن صاغها؟ قال لهم قائلون: إن هذه الحبال إنما هي حبال المرض الذي أصاب رئيس الوزراء منذ أشهر طوال، فلم يصدقوا؛ لأن الأزمة لم تظهر حين مرض رئيس الوزراء، ولا بعد أن مرض بزمن قصير أو طويل، وإنما ظهرت بعد أن تقدم رئيس الوزراء نحو الشفاء وأرضى عن حاله الأطباء. وبعد نقل المندوب السامي قيل لهم إن هذه الحبال إنما هي الخلاف بين رئيس الوزراء وبين موظف من كبار الموظفين، فشكوا في ذلك وأنكروه؛ لأن أمر رؤساء الوزارات ليس إلى الموظفين مهما كبروا، وإنما هو إلى البرلمان وصاحب العرش. ورئيس الوزراء يعلن ويعلن أنه مستمتع بثقة البرلمان، وما ينبغي له غير ذلك، وأنه مستمتع بعطف جلالة الملك، فوقوع خلاف بينه وبين موظف مهما يكن كبيرًا أو صغيرًا لا ينبغي أن يعلقه، ولا أن يحرجه، ولا أن يضطره إلى أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل. وقد يوجد هذا الخلاف، وقد يضيق به رئيس الوزراء، ولكنه على كل حال أيسر — أو ينبغي أن يكون أيسر — من أن يثير أزمة وزارية حادة كهذه الأزمة التي نشهدها الآن. ولكن «الأهرام» ظهرت صباح اليوم، وفيها أنباء تدعو إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل الدقيق. وتبين أننا لم نكن مخطئين أمس حين قلنا إن وراء هذه الأزمة، القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم، جدًّا لعله أن يكون مخيفًا. و«الأهرام» تقطع بهذه الأنباء وتؤكدها تأكيدًا. و«الأهرام» تشفق من هذه الأنباء وتدافع عن رئيس الوزراء، وتلتمس له المعاذير من حسن النية وزعامة الكثرة البرلمانية. وخلاصة هذه الأنباء التي تؤكدها «الأهرام»، أن رئيس الوزراء بدا له أن يستقيل حين كان في أوروبا، و«الأهرام» لا تعلل هذا التفكير في الاستقالة، فعلله أنت كما تشاء، ولكن رئيس الوزراء أراد أن ينشئ الأزمة وأن يوجد لها الحل؛ فأرسل كتابًا إلى مصر، يقسم فيه الأمر تقسيمًا، فيقترح أن تكون رئاسة الوزارة لصاحب الدولة «شفيق باشا»، وأن تكون له هو زعامة الكثرة في البرلمان. وقد ذكرنا حين قرأنا هذا الكلام في «الأهرام» كلامًا آخر نقرؤه في التاريخ يضاف إلى أحد المتنبيين، وهو قوله: «لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قوم يظلمون». وقد أنكرنا هذا الكلام حين قرأناه في «الأهرام»؛ لأنه يخلف ظننا برئيس الوزراء إلى أبعد حد، ويغير رأينا في رئيس الوزراء إلى أبعد مدى؛ فقد كنا نرى في رئيس الوزراء ما نرى من إيثار العنف على اللين، وسياسة القهر على سياسة المودة، وفرض نفسه على أمته فرضًا، واضطراره بحكم هذه السياسة إلى طائفة من الأغلاط المنكرة في تصريف الأمور، ولكننا كنا نعتقد اعتقادًا لا يشوبه الشك أن رئيس الوزراء سياسي لبق ماهر واسع الحيلة عميق العلم بأمور السياسة، قوي الإلمام بواجبات الساسة، وكنا نأبى أن نفكر في أن رئيس الوزراء يمكن أن يؤتى من ناحية التقصير في بسائط السياسة وأولياتها. ومن أبسط البسائط السياسية أن رؤساء الوزارات إذا أرادوا أن يستقيلوا رفعوا استقالاتهم إلى رئيس الدولة حتى إذا أراد رئيس الدولة أن يستشيرهم في شيء كانوا عندما يريد من تقديم المشورة ناصحين له وللدولة، مخلصين له وللبلاد. فأما أن يستقيل رؤساء الوزارات ويشيروا مع ذلك بمن يحبون أن يخلفهم على كرسي الحكم فشذوذ كنا نصدق كل شيء قبل أن نصدق أن يقع من رئيس وزرائنا الماهر الكفء. والمعروف من التقاليد في البلاد الديمقراطية أن رؤساء الوزارات إذا استقالوا فلرئيس الدولة أن يراجعهم في هذه الاستقالة أو لا يراجعهم، ولرئيس الدولة أن يقبل هذه الاستقالة ثم يستشير بعد ذلك في أمر الحكم رئيس البرلمان من الساسة والزعماء، ثم يسند الوزارة إلى من يرى بعد ذلك. فكان المألوف والمعقول والملائم للواجب والتقاليد أن يستقيل رئيس الوزراء إذا لم ير من الاستقالة بدًّا، ثم ينتظر حتى يراجعه جلالة الملك في هذه الاستقالة أو يستشيره فيمن يخلفه قبل أو بعد أن يستشير غيره من الساسة والزعماء. ولكن رئيس الوزراء خالف هذه التقاليد كلها، إن صح ما قالته «الأهرام»، ونحن نرجو ألا يكون صحيحًا برغم هذا التأكيد القاطع الذي تلح «الأهرام» فيه. خالف رئيس الوزراء هذه التقاليد، فأشار قبل أن يستشار، وسبق رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ إلى إبداء الرأي. وقد يكون مصدر ذلك إيمان «صدقي باشا» بزعامته ل «حزب الشعب»، وبأنه سيكون زعيم الكثرة في البرلمان بعد أن يخرج من الحكم، ولكن زعيم الكثرة نفسه — وهو زعيم للكثرة بالفعل — ليس له أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره جلالة الملك، وليس له أن يتقدم بمشورته قبل رئيس البرلمان؛ لأنه مهما يكن زعيم كثرة، فهو زعيم فريق من النواب والشيوخ، يجب أن يتقدمه رئيس النواب جميعًا، ورئيس مجلس الشيوخ جميعًا. وزعيم الكثرة يمثل حزبًا، ورئيس أحد المجلسين يمثل الأحزاب التي يتألف منها مجلسه، ولكن هذه الحقائق كلها غابت عن رئيس الوزراء، لأنه متعب مكدود، أو لأنه مؤمن بنفسه وبقوته أكثر مما ينبغي. والغريب أن أنصار الوزارة القائمة ينكرون على خصومهم أنهم كانوا طغاة يستأثرون بالأمر دون أنصارهم وأعوانهم وزملائهم، ولكنا لا نعرف أن أحدًا من هؤلاء الخصوم وصل به اعتداده بالنفس إلى أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره، أو يتقدم رئيسي المجلسين بحجة أنه زعيم الكثرة. إنما يقع هذا الشذوذ من رئيس الوزراء الذي جاء فيما يقول لمحاربة الطغيان الشعبي والقضاء عليه. ومن المعقول بعد ذلك أن تكون هذه الأزمة التي نشهدها دقيقة مظلمة شديدة التعقيد، فإن رئيس الوزراء — إن صح ما قالته «الأهرام» — قد أحدث أو حاول أن يحدث بهذه الغلطة سابقة سيئة لا تلائم الحياة الدستورية في بلد من البلاد، وهي رفع رئيس الوزراء إلى حيث يرى لنفسه هذا الحق الغريب، وهو ألا يستقيل حتى يولي عهد الوزارة بعده من شاء من الزعماء. هذا كثير، وأكثر منه أن يقع من رئيس الوزراء، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكون هذا الحديث الذي أذاعته «الأهرام» وهمًا كله، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، ونحن لا نشك في أن هذا الحديث إن صح فقد تكون آثاره أبعد جدًّا مما يظن الذين يتحدثون في الشؤون السياسية من الوزاريين. فلننتظر، فقد لا تغرب الشمس مساء اليوم إلا وقد كذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، فصفا الجو من هذا السحاب المنكر، أو لم يكذب هذا الحديث، فأصبحت استقالة الوزارة أمرًا ليس منه بد، وليس إلى الشك فيه من سبيل.
    كوكب الشرق في ٨ – ٨ – ١٩٣٣

  • وداع١

    حديث المساء: وداع (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١ أبريل ١٩٣٣

    زعموا أن زيادًا لما ضبط العراق لمعاوية، وأقَرَّ فيه النظام الجديد بالقهر والعنف، كتب إلى الخليفة يسأله أن يضمَّ إليه ولاية الحجاز، وهمَّ الخليفة أن يفعل، وجزع أهل الحجاز حين انتهى إليهم هذا النبأ، فلجئوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، يسألونه أن يدعو على زياد، فلم يَدْعُ عبد الله على أحد، ولكنه استقبل القبلة فيما يقال، وسأل الله العافية والسلامة والمغفرة للمسلمين، وكفى الله أهل الحجاز زيادًا، وأراح الله أهل العراق من زياد؛ لأنه نقَلَ زيادًا إلى دار أخرى، لا ولاية فيها إلا لله، ولا سلطان فيها إلا لله، وليس فيها خوف من والٍ، ولا إشفاق من أمير …

    وكان أهل الحجاز معذورين حين أشفقوا من ولاية زياد؛ لأنه كان قد جشم أهل العراق أهوالًا، وجرعهم من العذاب ألوانًا، وكان أهل العراق معذورين حين تنفَّسوا الصعداء لانتقال زياد عنهم؛ لأنه كان قد أذاقهم ألوانًا من الذل، وأخضعهم لضروب من الخسف لم يعرفوها من قبلُ، وإن كان انتقال زياد عنهم لم يُرضِهم حقًّا؛ فقد ولي أمورهم بعدُ مَن لم يكن خيرًا من زياد، بل مَن كان شرًّا من زياد.

    وأنا بعيد كل البعد عن أن أفكِّر في أن بين ولاتنا في الأقاليم هؤلاء الذين نسميهم المديرين، وبين زياد شبهًا ما! فقد كانت في زياد خصال من الخير ليست فيهم مع الأسف، وكانت في زياد خصال من الشر لم يبلغوها مع السرور!

    ولكن الشيء بالشيء يُذكَر، وتوزيع المديرين على الأقاليم في هذه الأيام القاتمة يذكِّر بقصة زياد مع أهل الحجاز وأهل العراق، يذكِّر بها لأن رضى أهل الأقاليم عن المديرين الراحلين عنهم وأمل أهل الأقاليم في المديرين المقبلين عليهم لا يخلو من شوائب لا تصوِّر الرضى، ولعلها تصوِّر السخط، ولا تصوِّر الأمل، ولعلها تصوِّر الخوف واليأس. فمهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن ينكروا أن أهل أسيوط ساخطون على مديرهم القديم سخطًا سجَّله القضاء غير مرة، وتحدَّثَ به الناس في مصر وغير مصر فأكثروا الحديث، وما أظن أن أهل الغربية يستقبلون مديرهم الجديد في أمل مشرق ورجاء مبتسم، وهو يُقبِل عليهم ومن ورائه البداري والمطيعة وبني حسين …! وأكبر الظن بل الحق الذي لاشك فيه، هو أن هذه الأحداث المنكرة التي استُحْدِثَتْ في أسيوط، قد سبقت مديرها إلى أهل الغربية، فملأت قلوبهم، لا أقول رعبًا وفزعًا، فالمصريون بحمد الله لا يعرفون الآن رعبًا ولا فزعًا؟! ولكن ملأت قلوبهم حزنًا وأسًى؛ لأنهم يتوقَّعون أن يسير فيهم مديرهم الجديد سيرته في أهل أسيوط.

    ومهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن يزعموا أن أهل الدقهلية يحفظون لمديرهم الراحل عنهم ذكريات ملؤها الحب الخالص والثناء الجميل، وأن أهل المنوفية يستقبلونه بهذا الأمل الواسع الطلق، وهذا الرجاء الباسم العريض، وما يستقبل به خيار المديرين، من حسن الاستعداد للتعاون الصادق، ولم تجفَّ بعدُ هذه الدماء التي سُفِكت في أرض الدقهلية، ولم تستقرَّ بعدُ هذه النفوس التي أُزهِقت في جو الدقهلية، ولم يَنْسَ الناس بعدُ أن سوء الإدارة كان السبب القريب أو البعيد الذي سُفِكت له هذه الدماء، وأُزهِقت له هذه النفوس، والذي لم تستطع قوانين الناس أن تعاقِب عليه لأمرٍ من الأمور، فإن قوانين الله لا تهمله، ولا تمحو إثمه، ولا تدعه يمضي بغير حساب!

    وقُلْ شيئًا كهذا، أو قريبًا من هذا، في سائر الأقاليم التي رحل عنها مدير، وانتقل إليها مدير، فكلها يودع في سخط ويستقبل في حزن ويذكِّر بقصة زياد!

    ومع ذلك فهل قرأت المقطم أمس، وهل رأيت أن جميع الأقاليم التي انتقل عنها المديرون قد وجدت من أهلها مَن رضي عن المديرين، وأسف لفراقهم، وحرص على أن يودِّعهم وداعًا فيه الحب والود، وفيه الإعجاب والإكبار! وهل لاحظت أن أخبار هذا الوداع قد وصلت إلى المقطم كلها في لحظة واحدة، ونشرها المقطم كلها في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما كانت من المقطم على ميعاد! وكأنها التقَتْ في هذا الميعاد فحيَّا بعضها بعضًا، وصافَحَ بعضها بعضًا، وانتقلت جميعًا إلى المقطم، لتنزل في هذه المنزلة التي أُعِدَّتْ لها من قبلُ إعدادًا، ومُهِّدَتْ لها من قبلُ تمهيدًا!

    ألم تنكر شيئًا من هذا التوافق الغريب بين مكاتب البريد في قنا وجرجا وأسيوط والزقازيق ودمنهور، وبين سعاة البريد في القاهرة على اختلاف المسافات بُعْدًا وقُرْبًا من القاهرة؟ ألم تحس أن هذا أيضًا أمرٌ قد دُبِّرَ بليل وأُرِيدَ به شيء غير هذا الظاهر الذي تراه أنت وأراه أنا؟ أما أنا فلستُ أدري لِمَ لا أكتفي بظواهر الأشياء؟ ولِمَ أبحث دائمًا عن دخائلها وأسرارها؟ والحق أني لم أُطِل البحثَ، ولم أتكلَّف فيه شيئًا من العناء، فقد أنكرت الصحف حفلات الوداع هذه، وتقدَّمَ بعض النوَّاب بأسئلة فيها إلى وزير الداخلية، وكان حوار في الصحف حول هذه الأسئلة. وإذا وحيٌ يصدر فيسمع، وأمرٌ يبلغ فيطاع، وإذا توافُقٌ غريب بين المديرين على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم، كلهم زاهد في الحفلات كاره لها، وكلهم راغب عنها معتذر منها، وكلهم حريص على أن تنشر الصحف زهده واعتذاره. ألستَ تنكر من توافُقِ المديرين على هذا الزهد الطارئ مثل ما أنكرتَ من توافُقِ الرسائل على الظهور في المقطم في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما جاءت على ميعاد؟!

    عَفَا الله عن وزارتنا القائمة، ماذا صنعت بإرادة الأفراد والجماعات وطبيعة الأشياء، أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يكون مرتَّبًا مصنوعًا؟ أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يخضع لهذا العبث الغريب الذي يؤلِّف بين المختلفات ويوفِّق بين المفترقات؟

    ثم ماذا أراد العابثون بهذا النوع من العبث؟ تستطيع أن تصدِّقني لم يريدوا به المصلحة، لم يريدوا به التخفيف على هؤلاء المأزومين الذين يكفلون دفع الأموال وهم لا يملكون منها شيئًا، لم يريدوا به إلا اللعب بعقول الناس، وإلا هذه الحرب السخيفة التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر. هؤلاء أهل البحيرة قد جمعت منهم الأموال فأدَّوها كارهين، ثم أوحي إلى المدير ألَّا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، فهل ترى أن الأموال قد رُدَّتْ على أصحابها؟ كلا، لم تردَّ، أو قيل لأصحابها لا تقبلوها إن رُدَّتْ عليكم، فسيشترون بها إذًا سندات يُنفَق ريعها في بعض الجوائز المدرسية تخليدًا لاسم المدير. وأي تخليد؟ لم يصدر إلا عن الحب الخالص الذي يدفع إلى الجود لا بالأموال في وقت الشدة بل بالأنفس أيضًا.

    وهؤلاء أهل قنا، نعم أهل قنا! أهل قنا بعد أن كان فيها ما كان، بعد أن خطف منها الرئيس وصاحبه، بعد أن ظهر حب أهلها للمدير والإدارة والوزير والوزارة، بعد أن قام ألف دليل ودليل على أن أهلها يؤيدون النظام الجديد، ويذرون عنه بالأنفس والأموال، بعد هذا كله جمعت الأموال من أهل قنا لتكريم المدير، ثم أوحي إليه أن لا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، وإذا هو يعتذر ويلح في الاعتذار، وأهل قنا يأبَون ويصرون على الإباء، ثم ينتهي الأمر إلى أن يستأجر أهل قنا … نعم، يستأجرون قطارًا خاصًّا يشيعون فيه — وقد كدتُ أملي: يزفون فيه — المدير إلى إقليمه الجديد. ماذا؟ أجدٌّ هذا أم هزلٌ؟ بعقول مَن يعبث العابثون؟ إن حكومتنا لقاسية، قاسية مسرفة في القسوة، ما لها تقف موقف العزول بين المحبين فتفرِّق بين المديرين وعشَّاقهم من أهل الأقاليم؟ ما لها لا تَدَع هؤلاء المديرين حيث كانوا هم راضون عن أقاليمهم وأقاليمهم راضية عنهم! فلِمَ تنغص العيش عليها وعليهم؟ الغريب أن أهل الأقاليم سيعشقون المديرين الذين سيُنقَلون إليهم، وسيهيمون بهم هيامًا لا حدَّ له. سيجد أهل قنا في مديرهم الجديد رجلًا يعشقونه كما عشقوا مديرهم القديم، وسيجد مدير قنا القديم من أهل المنيا قومًا يحبهم ويكلف بهم كما أحبَّ القنائيين وكلف بهم من قبلُ، فما تفسير هذه الظواهر التي تعجز عن فهمها العقول؟ تفسيرها يسير، فأهل الأقاليم لا يحسون عشقًا ولا غرامًا، والمديرون لا يجدون حبًّا ولا هيامًا، وإنما كل ذلك شيء مصنوع موضوع يجب أن يقبله أولئك وهؤلاء لتقوم الأدلة الواضحة على أن الأمور تجري في مصر على خير حال.

    ولكن مع الأسف الشديد ليس من المصريين ولا من الإنجليز مَن يصدِّق شيئًا من هذا، أو ينخدع لحيلة من هذه الحيل، وإذًا ففيما هذا العبث وفيما الإلحاح في هذا العبث؟ جواب هذا يسير أيضًا، فإن مَن لم يستطع الجد مضطرٌّ إلى الهزل، وإلا فوجوده مستحيل.

    صدِّقني إن أمر المديرين الراحلين وأقاليمهم لا يعدو قصة زياد، كل إقليم يودِّع مديره مستريحًا لهذا الوداع، ويستقبل مديره الجديد خائفًا من هذا الاستقبال.

  • تهنئة

    حديث المساء: تهنئة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٦ مارس ١٩٣٣

    نعم لا بد من تهنئةٍ، بل من تهنئاتٍ كثيرة يساق بعضها إلى الأمة، ويساق بعضها إلى الحكومة،
    وتتصل بأشياء كثيرة لا ينبغي أن تمر دون أن تُهنَّأ عليها الأمة، ودون أن تُهنَّأ عليها
    الحكومة، ولست أدري لماذا لا أحس حاجة إلى الاستعجال في تهنئة الأمة، وإنما أنا حريص أشد الحرص
    على أن أقدم للحكومة قبل الأمة أصدق التهنئة وأخلصها؛ لما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في فن
    التمثيل المضحك، والتفوق في فن التسلية وتجلية الهموم.

    ومع ذلك، فليس من أعضاء الوزارة من درس في معهد التمثيل، الذي ألغاه وزير التقاليد، أو غيره
    من معاهد التمثيل في أوروبا! ولسنا نعلم أن أحدًا منهم تخرج على زعيم من زعماء الفن المضحك
    المُلهي في مسرح من مسارح القاهرة، أو ملعب من ملاعب لندرة وباريس، ولكن الناس جميعًا يذهبون
    إلى الملاعب ودور السينما، ويشهدون فنون البارعين من اللاعبين الذين يسحرون العقول بمهارتهم،
    ويستهوون الألباب بلباقتهم، وقدرتهم العجيبة على الفر والكر، وعلى الظهور والاستخفاء، وعلى
    الخطف والاختلاس؛ فليس غريبًا أن يبرع منهم ذوو الكفاية والذكاء في تقليد اللاعبين ومحاكاتهم،
    وقدرتهم على الإتيان بالأعاجيب.

    ومن ذا الذي ينكر أن لسادتنا اليوم حظوظًا موفورة من الكفاية والذكاء، ومن ذا الذي ينكر أنهم
    قادرون على أن يستفيدوا بفضل ذكائهم وكفايتهم من اختلافهم على الملاعب ودور السينما، فيبرعوا في
    فن التسلية وتجلية الهموم. ومصر في حاجة إلى حكومة من غير شك، ولكن الشعوب تحتاج أيضًا إلى
    المُسلِّين والمضحكين.

    ولم تحتج مصر في يوم من الأيام إلى مَن يُضحكها ويسليها كما احتاجت اليوم، وقد أحاطت بها
    الخطوب من كل مكان، وأخذت عليها الأحزان والآلام كل سبيل، ومصر ممتازة من البلاد دائمًا، وأهلها
    ممتازون من الناس دائمًا، فكما أن بلدًا من البلاد لا يستطيع أن يفاخر مصر بالأهرام وأبي الهول؛
    فليس في الأرض شعب من الشعوب يستطيع أن يفاخر الشعب المصري بأن له وزارة كوزارتنا تسوءُه وتسره
    معًا، وتغضبه وترضيه معًا، تُنزِل بساحته الهموم والأحزان حتى إذا غمرته من ذلك بما يُطيق وما
    لا يطيق؛ رفعت له الستار عن مهزلة بديعة كلها دعابة وفكاهة، ولباقة وظرف، وأي شعب من الشعوب
    يستطيع أن يقول كما يقول الشعب المصري اليوم بحق: إن لي حكومة تجمع بين السياسة والإدارة
    والتمثيل، فتتقن السياسة والإدارة والتمثيل، ولا تأخذ على هذا كله إلا أجرًا واحدًا؟!

    والمصريون معروفون بالذكاء دائمًا، ولكن حظهم من الاختراع في هذه الأيام قد ضعف بعض الشيء،
    وكانوا يحسون شيئًا من الألم لتفوق الأوروبيين والأمريكيين عليهم في الابتكار؛ فقد أذن الله لهم
    أن يرفعوا رءوسهم بعد أن وُفِّقت وزارتهم إلى ما لم يُوفَّق إليه موسوليني ولا هتلر، فجعلت
    التمثيل المضحك أصلًا من أصول الحكم، وجعلت الدعابة فصلًا من فصول السياسة، فكيف لا تُهنَّأ
    الحكومة المصرية على هذا الفوز العظيم؟ بل كيف لا تُقدَّم لها التهنئة بهذا الفوز قبل أن
    تُقدَّم التهنئة إلى الأمة بأي لون من ألوان الانتصار؟

    أما أنا فلن أُقصِّر في النهوض بهذا الواجب، ولن أدع للوزارة القائمة سبيلًا إلى لومي، وللعتب
    عليَّ بأني لم أعرف لها حقها، ولم أُقدِّر لها ما تأتيه من جلائل الأعمال، ولن أتردد في إعلان
    ما يملأ نفسي من إكبار الحكومة، والإعجاب ببراعتها فيما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في خطف
    الزعماء. لغيري من الكُتاب والسياسيين والذين يعارضون الحكومة، فيحزنون لكل شيء، ويأسون لكل
    شيء، ويسخطون على كل شيء، أن يلوموا الحكومة ويؤنبوها على ما اقترفت أمس من اعتداءٍ على الدستور
    الذي وضعته، وجناية على القانون الذي تحوطه، وخروج على النظام الذي تحميه. أما أنا فلا أستطيع
    أن أحزن لما يسر، وأغضب لما يرضي، وألوم على ما يستحق التهنئة والثناء!

    أنا أريد أن ألقى سياستنا المصرية ضاحكًا دائمًا؛ لأن سياستنا المصرية أصبحت مضحكة، ومضحكة
    فحسب منذ حين. وقد فهمت الآن ما لم أكن أفهمه من قبلُ السببَ الحقيقي الذي دعا إلى ترقيع
    الوزارة منذ أيام؛ فقد كانت الوزارة قاتمة اللون حزينة فيما تقول، حزينة فيما تفعل، باعثة للحزن
    في نفوس الأفراد والجماعات، ولا سيما منذ مرض رئيس الوزراء، فظهر أن طول الحزن يفل العزائم،
    ويبعث شيئًا من الفتور في الهمم، وظهر أن لا بد من أن يضاف إلى الوزارة واحد أو غير واحد من
    الذين يحسنون فن التسلية والتسرية عن النفوس.

    وقد اختار رئيس الوزراء فوفق في الاختيار، وأؤكد له أني شديد الإعجاب بوزير داخليتنا الجديد.
    قل ما شئت، واغضب ما استطعت أن تغضب، واحتد ما وسعتك الحدة؛ فلن تستطيع أن تزيل عن شفتي ابتسامة
    الإعجاب بصاحب السعادة القيسي باشا، ولن تستطيع أن تمنعني من أن أقول للذين اختاروه: إنهم قد
    وُفِّقوا أحسنَ التوفيق.

    هذا رئيس الوفد وصاحبه يركبان القطار ومن ورائه مدينة مائجة بالناس قد أصمت آذان الإدارة
    بالهتاف لهما وبالتصفيق، وبإعلان السخط على الماضي القريب، والأمل في المستقبل القريب، وأمامهما
    مدن وقرى تموج بالناس وهم يهتفون ويصفقون، وهم يسخطون على اليوم، ويبتهجون للغد، وهم ينكرون
    قومًا ويعرفون آخرين، وهم يدعون لقوم وينعون على قوم آخرين، ورئيس الوفد وصاحبه يودعان هذه
    الأمواج الهاتفة المصفقة، والساخطة الراضية، وقد امتلأت قلوبهما أملًا وثقة ورضى وهما يتهيَّأن
    لاستقبال أمواج — كتلك الأمواج التي ودَّعاها — فيها أمل ورجاء، وفيها رضى وابتهاج، وفيها إنكار
    لقوم ومعرفة لقوم آخرين، وفيها دعاء لقوم ونعي على قوم آخرين.

    والقطار يسير والناس يرافقونه بأجسامهم ما وسعتهم القوة على العدْو، فإذا أعجزهم العدْو
    أرسلوا قلوبهم وآمالهم تحف القطار من جانبيه، وإذا القطار يقف في الطريق، وإذا العربة التي
    تقلهما تُفصل ثم تُوصل، وإذا قطار آخر يستأنف السير، بل ينهب الأرض نهبًا، وإذا رئيس الوفد
    وصاحبه قد خُطفا. نعم خطفا، خُطفا من الشعب الذي خُدع وغُرِّر به، وخُطفا من أنفسهما فلم
    يُنَبَّها ولم يُنْذَرا، ومتى نُبِّه المخطوف إلى أنه سيُخطَف؟ أو متى نُبِّه المسروق إلى أنه
    سيُسرق؟ ومتى نُبِّه الناس إلى أن كيدًا قد دُبِّر لهم بليلٍ!

    وكان هذا الكيد قد دُبِّر بليل، ولم يُدبَّر حيث تُدبَّر أعمال الحكومة، لا في رياسة مجلس
    الوزراء، ولا في وزارة الداخلية، ولا في ديوان من دواوين الحكومة، ولا في مكان من الأماكن التي
    يلتقي فيها الوزراء، ولا في وضح النهار وبأعين الناس كما تفعل الحكومات الساذجة العبيطة — إن صح
    هذا التعبير — وإنما دبر في ظلمة الليل بعيدًا عن القاهرة في ظل الأهرام وفي هليوبوليس بعد ذلك،
    ويقال إن تدبيره لم يكن سهلًا ولا ميسورًا، وإن مدبريه قد أرقوا له ليلهم كله أو أكثره.

    وأكبر الظن أنهم لم يحسوا طول الليل؛ لأنهم كانوا عن النوم في شغل، وأكبر الظن أن غير واحد
    منهم قد تمثل في نفسه قول بشار:

    لم يَطلْ ليلي ولكنْ لم أنَمْ ونفَى عني الكرَى طَيفٌ ألَمْ

    وكان هذا الطيف طيفين: رئيس الوفد، وطيف صاحبه الأستاذ مكرم. وكان هذان الطيفان لا يحبان
    الإلمام، وإنما يحبان اللزوم المُلحَّ والزيارة الطويلة، فارتسما أمام الوزراء في الصباح
    والمساء، وفي كل لحظة تمر، وفي كل مكان يستقرون فيه، فلم ينفيا عنهم الكرى وحده؛ بل نفيا عنهم
    الراحة والهدوء، وزهداهما في الطعام والشراب.

    فلما أُحكِم الكيدُ أُخِذ في تنفيذه، فسافر من سافر، وأقام من أقام، ونامت أعمال الدولة صباح
    أمس، وغدَا وزراء الدولة على زميلهم وزير الداخلية، فأقاموا عنده يرقبون ويتحسسون الأخبار، حتى
    إذا انتهى إليهم النبأ أن قد نفذ الكيدُ، وخُدع الشعب، وسُرق الرئيس وصاحبه؛ انطلقت أنفاس حارة
    كانت تكوي القلوب، وتلهب الصدور.

    هنالك انحلت عقدة الألسنة، وهنالك نشطت العقول للتفكير، وهنالك فكر الوزراء وقدروا وأعدوا
    تفسيرًا للقصة التمثيلية المضحكة؛ فكتبوا بلاغهم الرسمي البديع. وتريدني بعد ذلك على أن أغضب!
    وتريدني بعد ذلك أن ألوم الوزراء! صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى اللوم، ولم تريد أن تغضب وقد
    عجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش، والمعتزة بتأييد الحياد النزيه عن أن تواجه
    رئيس الوفد وتطلب إليه أن يقطع رحلته؟ وعجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش،
    والمعتزة بالحياد النزيه عن أن تأخذ الرئيس وصاحبه عنوة من الأمة التي كانت تحيط بهما، وتلتف
    حولهما! وعجزت الحكومة التي أقرت النظام، وملكت قياد الشعب، وملأت قلوب الناس حبًّا لها،
    وإعجابًا بها، واستعدادًا لفدائها بالأنفس والأموال عن أن تدع الرئيس وصاحبه ينتقلان من مدينة
    إلى مدينة لزيارة هؤلاء الأفراد القليلين الخاملين الذين ما زالوا يحبون الوفد؛ يؤمنون له بشيء
    يسير — يسير جدًّا — من السلطان على القلوب.

    أي شيء يغضبك في هذا؟ أكنت تريد نصرًا فوق هذا النصر؟ أكنت تريد فوزًا فوق هذا الفوز؟ أليس
    يرضيك أن تضطر الحكومة كلها — بحولها وطولها وبأسها وقوتها — إلى أن تخطف من الشعب زعماء الشعب؟
    أليس يرضيك أن تعترف الحكومة كلها — بحولها وطولها وجيشها وشرطتها وسلطانها على النفوس والقلوب
    — أمام مصر وأمام إنجلترا وأمام العالم كله، بأنها مضطرة إلى إحدى اثنتين لترد رئيس الوفد
    وصاحبه إلى القاهرة؟ فإما الحيلة والكيد وما بعدهما من الخطف والاختلاس، وإما الكر والفر وما
    بعدهما مما لا أحب أن أذكره.

    ستقول: لو قد تركت الحكومة رئيس الوفد وصاحبه يُتِّمان رحلتهما لما كان شرٌّ، ولما تعرض
    النظام لخطرٍ ولا بأسٍ، ولكن هذا كلام تفهمه أنت وأفهمه أنا؛ لأننا نعرف مصر ونفهمها، فأما
    الذين يرهبون الخيال، ويخافون من الظلال، فلا يفهمون الأمر كما نفهمه، ولا يلقون الأمر كما
    تلقاه وألقاه، وإنما يحمون أنفسهم بالعنف الذي ليس فوقه عنف، أو الكيد الذي ليس دونه
    كيد.

    صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى الغضب، وإنما الأمر يدعو إلى تهنئة الحكومة ببراعتها في
    التمثيل المضحك، وتهنئة الأمة بفوزها الذي لا حد له، والذي ستظهر آثاره في وقت قريب، أقرب مما
    يظن الممثلون!