سراب
بقلم الدكتور طه حسين
لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الأقوياء وأوهام الضعفاء، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل في الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف، ويطمئن القلق، وتستقر القلوب بين الجوانح.
لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديًا ولم تقمع باغيًا، ولم تقر أمنًا ولم تشع عدلًا ولم تزد على أن أنفقت مالًا كثيرًا وملأت الأرض كلامًا وأوهامًا، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والأقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسًا للسلم، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التي ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعًا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الأطلنطي فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه. كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك في بلاد اليونان التي كانت حليفته في الحرب، والتي اصطلت النار الألمانية، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الإنجليزية أيضًا.
لم أؤمن بشيء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الإخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشيء فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين في أحدهما الرحمة وفي الآخر صنوف العذاب. وهم يبرعون في بذل الوعود كما يبرعون في إخلافها ويمتازون في إعطاء العهود كما يمتازون في نقضها، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفًا، وأهون من أعظم الناس هوانًا.
كذلك تملق الإنجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا في البغي والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التي أعلنها في ميثاق الأطلنطي فقال: تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول.
وما كرهت شيئًا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت في شيء قط كما شككت في مجلس الأمن هذا الذي لا يؤمن أحدًا ولا يرد إلى أحد حقًا ولا ينصف مظلومًا من ظالم ولا يصد معتديًا عن عدوان والذي سميته غير مرة مجلس الخوف. ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد. ولم نر قط قويًا أعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض. وإنما الأقوياء بين اثنتين دائمًا، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون إن لم يجدوا إلى البطش سبيلًا.
وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع في كل عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال. وهذا مجلس الأمن يجتمع في كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفًا آمن ولا باغيًا كف عن بغيه، ولا مظلومًا أتيح له الإنصاف، ولا ظالمًا آثر العدل والقصد.
وإنما تجري أمور الاستعمار في ظلهما كما تعودت أن تجري لم يتغير منها شيء. شعوب تستذل وتستغل في غير رفق ولا لين وفي غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلًا إلى شيء من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروهًا. وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلى أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضي في جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين، والله خير الحاكمين.
وأروع من هذا كله وأبرع أن ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل في الدفاع عنها الجهود التي لا تحصى، وتوضع أيدي هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه في مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التي يقع فيها الظلم المنكر في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذي يقال، والجهود التي تبذل، وينتظر العالم هذا القرار الذي ستصدره الهيئة أو المجلس، والذي ينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل في حياة راضية آمنة.
ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء. هذه الدماء التي تسفك وهذه النفوس التي تزهق وهذه الحقوق التي تهدر، وهذه الحرمات التي تنتهك، وهذه الشعوب التي تصبح وتمسي في شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان. كل ذلك لا خطر له ولا ينبغي أن يكون له خطر. وإنما الشيء الوحيد الذي يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص، وتضحي في سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل اتفاق الدول المستعمرة قائمًا لا يصل إليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلًا.
فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغى بريطانيا العظمى على من تريد أن تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما، وإنما المهم أن تظل الدولتان على شيء من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعًا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التي لا توافقها في المذهب ولا في الرأي، ولا في تدبير شؤون المال.
الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء، ومنفعة الأقوياء في أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغي أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء ولا عليهم أن يضحي بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة.
ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون. فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضًا، وقد يصدم بعضها بعضًا، وقد يجب أن يضحي ببعضها في سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغي أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبي وإن كرهه الشعب الفرنسي وقد ينبغي أن تمضي فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية في غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التي لا تعرف لها غاية.
وقد ينبغي أن تضحي بريطانيا العظمى بشيء من تجارتها في الشرق الأقصى وفي شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديًا. وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنًا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم في أقطار أخرى من الأرض.
وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شيء من المصاعب أو العقبات. فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت في غير طائل، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
إذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها، صورها الشاعر العربي القديم أروع تصوير وأبرعه في بيته الخالد.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهْدَم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدًا ولا نرضى أن يظلمنا أحد.
طه حسين
الجمهورية ١١ ديسمبر ١٩٥٣.
Tag: Power dynamics
-
سراب
-
حلفاء …
حلفاء …
طه حسين
جريدة البلاغ
١٤ مارس ١٩٤٦
رئيس وزرائنا لبق ما في ذلك شك، قد جرب المصريون لباقته منذ أكثر من ربع قرن، منذ شارك في الحكم وزيرًا، ومنذ سيطر على الحكم رئيسًا للوزراء، بل منذ كان عضوًا في الوفد، ومنذ فصل عن الوفد، بل منذ ائتلف مع المؤتلفين، واختلف مع المختلفين، بل منذ رأى نفسه زعيمًا ليس فوقه زعيم، ومنذ رأى نفسه جنديًّا يعمل تحت رياسة هذا وذاك من الزعماء.
رئيس وزرائنا لبق ما في ذلك شك، جرب المصريون لباقته في جميع هذه الأطوار، وذاقوا مرارة هذه اللباقة كلما تولى الحكم أو شارك فيه، وذاقوا حلاوة هذه اللباقة كلما أُبعد عن الحكم وجلس في مرقبه ذاك من نادي محمد علي ينتظر الأحداث قبل أن تقع، ويُفسِّرها لجلسائه بعد أن تقع، ويرسل إلى الأهرام بين حين وحين كلمة حلوة مرة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، يعارض فيها الحكومة القائمة، ويلقي عليها دروسًا في السياسة مرة، وفي الاجتماع مرة أخرى، وفي الاقتصاد مرة ثالثة، وفي تدبير الميزانية مرة رابعة، ثم ينتظر ما يكون لكلمته تلك الحلوة المرة من صدًى في الحكومة، ومن صدًى في بيئات المال والأعمال، ومن صدًى في البيئات السياسية الشعبية. وربما انتظر ما يكون لها من صدًى في البيئات السياسية الأجنبية عامة، والبريطانية خاصة.
وهو في أثناء هذا كله يفرك يديه، ويباعد بين شفتيه، ويلقي كلمات هنا وهناك يجري بها لسانه، ويشك فيها جنانه؛ لأنه رجل لبق يُلمِّح دائمًا ولا يُصرِّح إلَّا قليلًا.
رئيس وزرائنا رجلٌ لبق ما في ذلك شك، قد عرف المصريون لباقته حين شارك في تكوين الجبهة التي وثبت إلى الحكم في هذا العهد السعيد، شارك فيها صامتًا لا يقول، نشيطًا لا يهدأ، متحركًا لا يحب السكون، وعرف المصريون لباقته حين رفع مكرم باشا إلى السماء بعد خروجه من الحكم، وإبعاده عن الوفد، وإقصائه عن البرلمان.
رفعه إلى السماء ووقف حائرًا لا يدري في أي نجم من النجوم يتخذ له مستقرًّا ومقامًا؛ فقد كان يرى النجوم كلها ضئيلة بالقياس إلى المجد العظيم الذي اكتسبه مكرم باشا حين فارق الوفد، وحين انقلب على رئيس الوفد. وكان صدقي باشا — فيما يظهر — يذكر ذلك البيت المشهور الذي يحفظه تلاميذ المدارس الابتدائية في جميع الأجيال منذ وجدت المدارس الابتدائية:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
والناس يبلغون الشباب، ويبلغون الكهولة، ويتقدمون في الشيخوخة، وينتهون إلى الهرم، وينسون كثيرًا جدًّا من الأشياء، ولكنهم يحتفظون بقليل من ذكريات الطفولة تطفو على ضمائرهم، وتجري بها أطراف ألسنتهم؛ لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر كما يقول الأساتذة لتلاميذهم في المدارس الابتدائية أيضًا؛ فقد كان صدقي باشا — فيما يظهر — يذكر هذا البيت كلما أحدث مكرم باشا حدثًا.
ولم يكن صدقي باشا في ذلك الوقت يؤمن بمكرم باشا؛ فصدقي باشا لا يؤمن بأحدٍ، ولا يؤمن لأحدٍ، وإنما يؤمن بنفسه ولنفسه ليس غير. كل شيء وكل إنسان عند صدقي باشا وسيلة لا غاية، وسيلة لا أكثر ولا أقل، ينتفع بها ما أمكن الانتفاع بها، ثم يعدل عنها حين يتاح العدول عنها.
فقد كان مكرم باشا العظيم عند صدقي باشا اللبق وسيلة لا أكثر ولا أقل، وكان مكرم باشا مفتونًا بثناء الرجل اللبق. وأي إنسان لا يُفتن بثناء صدقي باشا حين يفقد ثناء الجماهير؟ وأي الناس لا يزدهيه التقريظ يأتيه من نادي محمد علي حين يفوته التقريظ الذي كان يأتيه من بيئات الشعب؟
كان صدقي باشا يهدي الثناء، وكان مكرم باشا يتلقى الثناء، وكان أحد الرجلين يبتسم ساخرًا، وكان أحدهما الآخر يبتسم مفاخرًا، حتى إذا بدئ العهد السعيد وقفز مكرم إلى وزارة المالية فصال وجال وطلب الطعن والنزال، كان صدقي باشا من ورائه يدفعه ويرفعه، ويعد عليه ما يقول، ويحصي عليه ما يفعل، ويتربص به الدوائر، وينتهز به الفرص، وكان في الوقت نفسه يثني عليه أجمل الثناء، ويطريه أحسن الإطراء، فكان مكرم باشا سياسيًّا كبيرًا، وماليًّا خطيرًا. وقد يختلف صدقي باشا معه في هذا الأصل أو ذاك من أصول الاقتصاد، وفي هذا الفن أو ذاك من فنون المال، ولكنه لا ينكر براعة مكرم باشا في السياسة، وبلاءه في الوطنية، وإقدامه على جلائل الأعمال.
كان صدقي باشا يُظهر الرضا، ويُضمر السخط، ويُعلن الثناء، ويُسرُّ النقد، وكان مكرم باشا يندفع ويندفع، ولم يدفع مكرم باشا إلى جلائل الأعمال قط شيء كما يدفعه الثناء من حيث جاء.
وقد كان مكرم باشا رجلًا ضروريًّا تفرضه الظروف فرضًا، وتقتضيه الحياة اقتضاءً، فقد كان النقراشي باشا رئيسًا للوزراء، ولا بدَّ من أن يستقيل النقراشي باشا، ومن أن تُنغص عليه أمور الحكم تنغيصًا، وأي رجل أقدر على ذلك من مكرم باشا؛ فهو الشريك المخالف، والزميل المعاكس دائمًا، وإذن فليُثنِ صدقي باشا وقد أثنى، وليندفع مكرم باشا وقد اندفع، وليشقى النقراشي باشا وقد شقيَ.
ولعل القرَّاء قد لاحظوا هذا التوافق الغريب الذي كانت تأتي به المصادفات دائمًا بين سياسة مكرم باشا داخل الوزارة، وسياسة صدقي باشا خارج الوزارة. كان مكرم باشا ينكر إبطاء النقراشي باشا في المطالبة بالمفاوضات، وكان صدقي باشا ينكر هذا الإبطاء في الأهرام، ويسميه سياسة كسب الوقت، فلما ضاق مكرم باشا بهذا الإبطاء، واستقال ليُكره النقراشي باشا على الإسراع بطلب المفاوضات، كان صدقي باشا مؤيدًا له وظهيرًا خارج ما كان يسمى يومئذ بالهيئة السياسية، وداخل ما كان يسمى يومئذ بالهيئة السياسية أيضًا، حتى غُلِب النقراشي باشا على أمره وطلب المفاوضات على كرهٍ منه. وكان مكرم باشا متحرجًا من الردِّ البريطاني على مذكرة الحكومة المصرية؛ يرى فيه قيودًا لا يحبها ولا يرضاها، ويودُّ لو أزيلت هذه القيود.
وكان صدقي باشا يرى مثل ذلك في الأهرام، حتى كان الناس يتساءلون عن هذا التوافق الغريب بين الرجلين العظيمين في شئون المال والسياسة والاقتصاد. والحق أن صدقي باشا كان له تلميذان بارعان؛ أحدهما: كان مكرم باشا، وكان بارعًا في السياسة والاقتصاد والمال، والآخر: النقراشي باشا، وكان بارعًا في الحزم والعزم، وفي الضبط والربط، وفي تسليط الشرطة على نفوس الشباب لتُزهق، وعلى دماء الشباب لتُراق، وعلى رءوس الشباب لتُهشم، وعلى أعضاء الشباب لتُحطم محافظة على الأمن وإقرارًا للنظام دائمًا، وبرًّا بمصر والمصريين على كل حال.
وكان الأستاذ العظيم ينظر إلى تلميذيه العظيمين نظرة عطف وحنان، فيها ملاعبة ومداعبة، يغري أحدهما بالآخر، ويهيج أحدهما على الآخر ليضحك منهما، وليضحك غيره منهما، كما يفعل الأب الكريم حين يداعب أبناءه البررة الأوفياء.
ولم يكد وزير خارجيتنا السابق يقول ما قال في لندرة حول مجلس الأمن: أمختصٌ هو بأحداث مصر والشرق العربي أم غير مختص؟ حتى ثار الرجلان العظيمان، ثار الأستاذ في نادي محمد علي، وفي الأهرام، وفي مجلس النوَّاب، وثار التلميذ في ناديه وصحيفته وفي الوزارة، ثم استقال، وأُحرج التلميذ العظيم الثاني بين فكاهة أستاذه صدقي باشا ودعابة زميله مكرم باشا، وما ينبغي لزميله الآخر بدوي باشا من الاحترام والوفاء أثناء غيبته على الأقل.
وكذلك لها الأستاذ البارع بالتلميذين البارعين، وكان كلما لها لم يكتفِ باللهو، وإنما يسجل الحوادث، ويستخلص النتائج، وينتظر دورة الفلك، حتى كان يوم ٩ فبراير، فبلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ، وفاض الإناء، وأجمع نادي محمد علي على أن وزارة النقراشي باشا لم يبق لها في الحكم مقام. ولم يكد الأسبوع ينتهي حتى كان مكرم باشا قد استقال، وحتى كانت الوزارة كلها قد انهارت انهيارًا، وحتى كان الأستاذ العظيم قد جلس على كرسيه القديم، وأخذ في يديه القويتين وزارة المالية ووزارة الداخلية.
فأمَّا الرياسة فقد وضعها في قلبه وفي رأسه، وفي كل جزء من أجزاء شخصه العظيم، ومنذ ذلك اليوم أخذ الأستاذ يعلم تلميذيه كيف يكون الحزم والعزم، وكيف يكون الضبط والربط، وكيف يكون حفظ الأمن وإقرار النظام، وكيف يكون تدبير المال وإصلاح الاقتصاد، والتلميذان ينظران وينتفعان ويستعدان ليوم قد يأتي بعد انتظار طويل أو قصير لينتفعا بالدروس التي تُلقى عليهما الآن.
والواقع أن الأحداث التي أطاحت بوزارة النقراشي باشا قليلة جدًّا بالقياس إلى الأحداث التي تثبت صدقي باشا في الحكم، وتمنحه ما يريد وما لا يريد من النصر والتأييد. وقد كان صدقي باشا أستاذًا بارعًا بأدق معاني الكلمة وأروعها، فهو لم يشرك النقراشي باشا معه في الحكم؛ لأنه لم يرد أن يحمل أوزاره وأوزارًا مع أوزاره، ولم يرد أن يشارك في تبعات ٩ فبراير؛ لأن ما كان وما هو كائن وما سيكون من التبعات يكفيه، ولم يشرك مكرم باشا معه في الحكم؛ لأنه لا يريد أن يأتيه التنغيص من خارج الوزارة، ولو قد أشرك مكرم باشا في الحكم لاستقال مكرم باشا في ٢١ فبراير، ولاستقال مكرم باشا بعد حوادث الإسكندرية، ولاستقال مكرم باشا أول أمس حين أثيرت في مجلس النواب قصة مجلس الأمن. وكذلك استطاع صدقي باشا أن يجنب وزارته ثلاث أزمات في أقل من شهر. فوَازِنْ أنت بينه وبين تلميذه النقراشي باشا البسيط.
وربما كان موقف صدقي باشا من قصة مجلس الأمن هذه من أروع المواقف وأجدرها بالإعجاب؛ فهو قد أقام الدنيا وأقعدها مع مكرم باشا احتجاجًا على وزير خارجيتنا السابق، ولكنه نهض بأعباء الحكم قبل أن يفصل في هذه القضية، وعاد وزير خارجيتنا السابق إلى مصر قبل أن يفصل في هذه القضية أيضًا، ونظر صدقي باشا فإذا هو بين رجلين كلاهما خليق بعنايته، وكلاهما يضطره إلى التحفظ والاحتفاظ.
ولذلك شُغل صدقي باشا يوم الثلاثاء فلم يحضر مجلس النواب، ورؤساء الوزارات يشغلون متى أرادوا، ويفرغون متى أرادوا؛ فقد شُغل صدقي باشا إذن يوم الثلاثاء وترك أمر هذه القضية لأستاذنا صديق الطرفين، أو صديق الأطراف الثلاثة وزير الخارجية القائم. وقد نفذ الأستاذ من هذه القضية كما ينفذ السهم من الرمية، فاستفسر بدوي باشا، وتلقى منه التفسير، وألقاه على مجلس النواب فرضي المجلس، وشكر الوزير السابق، وسخط مكرم باشا، ولكنه أُكره على الصمت إكراهًا، ثم خرج فكتب كتابًا إلى صدقي باشا تلقاه صدقي باشا باسمًا ودسَّه في درج من الأدراج، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
أترى إلى هؤلاء الأصدقاء الأعداء؟! أترى إلى هؤلاء الحلفاء الخصوم؟! أترى إلى هؤلاء الذين يتعاونون أمام الناس ويخذل بعضهم بعضًا من وراء الستار؟! أترى إلى هؤلاء الذين أقاموا العهد السعيد ثم جعلوا يتهالكون على ما فيه من حول وطول من حكم وسلطان؟! إنهم سيفاوضون البريطانيين غدًا أو بعد غد ليستخلصوا منهم حقوقًا كاملة في الجلاء التام ووحدة وادي النيل.
سيذهبون إلى المفاوضات مجتمعين في ظاهر الأمر، مختلفين في حقيقة الأمر، كلهم ينتهز الفرص، وكلهم يتربص الدوائر، وكلهم رقيب على أصحابه، وكلهم خائف من أصحابه، وهم — بهذه الحال الرائعة من الوفاق الذي يخفي الخلاف، ومن التعاون الذي يخفي التدابر — سيفاوضون الإنجليز ليستخلصوا منهم حقوق مصر في الجلاء ووحدة وادي النيل!
عفا الله عنهم، أليس من الخير أن يبدءوا فيفاوضوا أنفسهم ليستخلصوا من أنفسهم للشعب المصري حقَّه في أن يكون حرًّا كريمًا، يحكم نفسه بنفسه ولنفسه، ولا تحكمه قلة ضئيلة قليلة تُظهر الائتلاف، وتُضمر الاختلاف، وتُضحِك الناس لا من نفسها فحسب، بل من نفسها ومن وطنها أيضًا؟
ولكن هذه قصة أخرى. -
الملعب الأكبر
الملعب الأكبر
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٣ يناير ١٩٤٦
هو هذا الذي يفتتح اليوم (الخميس) في لندرة، ويقوم فيها أسابيع، بعد أن افتُتح في أبريل الماضي في مدينة سان فرنسسكو وقام فيها شهرين، وهو الملعب الأكبر بأدقِّ معاني هذه الكلمة وأوسعها، فيه جدٌّ كثير؛ لأنه يمسُّ مستقبل الإنسانية كلها، ويحاول أن يتصوره وأن يصوره على نحو ما، وفيه هزل كثيرٌ؛ لأن الإنسان مغرور بطبعه، محاول أكثر مما يستطيع، متعرِّض في هذه المحاولة لألوان من الخلط والخطأ، تضحك أحيانًا، وتبكي أحيانًا أخرى. وفيه فكاهة كثيرة؛ لأن الذين يمثلون فيه قد أقبلوا من أكثر أقطار الأرض، مندوبين عن أكبر شعوب الأرض، وكل منهم يحمل مزاج شعبه أولًا، ومزاج نفسه ثانيًا، أو قل إن شئت إن كلًّا منهم يحمل مزاج نفسه، ثم يحمل مزاج شعبه.
ومهما يكن من شيء فهم يحملون أمزجة مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، وكل هذه الأمزجة المختلفة المتباينة ستتفق وتفترق، وستأتلف وتختلف، وستتصل وتنفصل، وسينشأ عن اتفاقها وافتراقها، وعن ائتلافها واختلافها، وعن اتصالها وانفصالها كثيرٌ جدًّا من الدعابة التي تثير الابتسام، والفكاهة التي تدفع إلى الضحك، والجد الذي يحمل على التفكير.
وقد كان من الظواهر التي تؤيد ما ذهب إليه أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع، أن يجتمع أهل المدينة الواحدة كافة ليشهدوا التمثيل في الملعب، أو أن يجتمع نوَّابهم وشيوخهم ليديروا بينهم حديث السياسة والإدارة والتشريع، أو أن يجتمع مندوبو المدن المختلفة من الأمة الواحدة ليزوروا معبد أبولون، أو ليشهدوا الألعاب الأولمبية ويشاركوا فيها.
وكان اجتماع المندوبين عن القبائل العربية — ليحجوا البيت قبل الإسلام، أو ليبيعوا ويشتروا في سوق عكاظ — مظهرًا أيضًا من مظاهر التأييد لما كان يقوله أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع.
والذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحضارة — على اختلاف الأمم والشعوب، وعلى اختلاف العصور والظروف — يقتنعون فيما أظن بأن الإنسانية ما زالت تجتهد لتثبت أنها مدنية بالطبع، وأنها في حاجة إلى التعاون والتآزر؛ لتعيش أولًا ولترقى وترقي الحضارة ثانيًا. ولكن الذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحياة الإنسانية يقتنعون أيضًا فيما أظن بأن الإنسانية وحشية بالطبع، تتعاون ما وسعها التعاون، ولكنها تتنافر ما وسعها التنافر أيضًا. ولعلها لا تقبل على التعاون ولا تحرص عليه إلَّا بعد أن تذوق مرارة التنافر، وتصطلي نار الحرب، وتضيق بما يزهق من النفوس، وما يسفك من الدماء. فالإنسانية مدنية بالطبع، ووحشية بالطبع، أو هي كما يقول أبو العلاء: إنسية الولادة، وحشية الغريزة.
ولكن أرستطاليس لم يقرر هذه الحقيقة وحدها في كتاب السياسة، وإنما قرر حقيقة أخرى في كتاب المنطق، وهي أن النقيضين لا يجتمعان. وكما أن الإنسانية عملت وستعمل ما تستطيع؛ لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة، فهي كذلك قد عملت، وستعمل ما تستطيع لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة الثانية. فالإنسانية تتعاون في السلم وتتنافر في الحرب، وهي لا تجمع بين التعاون والتنافر في وقت واحد وفي مكان واحد وفي ظروف واحدة. وكذلك تجري الأمور كما أراد المعلم الأول أن تجري؛ فتتحقق للإنسانية مدنيتها وقتًا طويلًا تزهر فيه الحضارة، وتثمر فيه المدنية، ويشتدُّ فيه التعاون، ويعظم فيه الائتلاف والإخاء. ثم تتحقق للإنسانية وحشيتها؛ فتضطرب الحضارة، وتفسد المدنية، وتضيع الألفة، ويصبح بعض الناس لبعض عدوًّا. غير أن الإنسانية متقدمة دائمًا، وهي تحب أرستطاليس أشدَّ الحب، وتكبر فلسفته أعظم الإكبار، ولكنها في الوقت نفسه تصلح هذه الفلسفة ما وسعها الإصلاح، وتهدمها إن اقتضى الإصلاح هدمها!
ولم يكن تاريخ النهضة الأوروبية في العصر الحديث إلَّا تقويمًا لما اعوجَّ من فلسفة المعلم الأول، وإصلاحًا لما فسد من نظرياته، وإلغاءً لبعض هذه النظريات حين يقتضي تقدم العقل إلغاءها. فليس من الضروري مثلًا ألَّا يجتمع النقيضان، وألَّا يكون الناس في وقت واحد ممعنين في الحرب والسلم، وغارقين في المدنية والوحشية، وإنما التقدم الصحيح والرقي العقلي المنتج هو الذي يتيح للإنسان أن يحارب ويسالم، وأن يتحضَّر ويتوحش، وأن يرفع بيمينه غصن الزيتون، ويشهر بشماله السيف الذي يتراءى فيه الموت، أو الذي يقطر منه الموت والدمار.
كل ذلك شيءٌ ممكن، أو شيء يجب أن يكون ممكنًا، أو شيء يجب أن يتحقق بالفعل؛ ليعلم الناس أنهم يرتقون، وأن عقولهم تخضع الطبيعة لسلطانها، وأن فلسفة المعلم الأول — على ما تحف به من التوقير والإجلال — قد أصبحت قديمة رَثَّة لا تلائم حياة النهضة والتجديد. وقد نجحت الإنسانية المتحضِّرة بعضَ النجاح في الجمع بين النقيضين، وفي تحقيق الحرب والسلم معًا، حين كانت عصبة الأمم تمثل فصولها الرائعة في جنيف في نفس الوقت الذي كانت إيطاليا تعتدي فيه على الحبشة اعتداءً خليقًا بآلهة العصر القديم. ولكن الإنسانية في ذلك الوقت لم تبلغ من النجاح أقصاه، ولم تنته به إلى غايته، فهي قد حاولت أن تكفَّ إيطاليا عن الأذى، وتردَّها عن العدوان، وهي قد فرضت على إيطاليا عقوبات اقتصادية لم تنفذها، أو لم تُرِدْ تنفيذها، أو لم تفلح في تنفيذها.
وهي على كل حال قد أنكرت عدوان إيطاليا، وتركتها مع ذلك تعتدي، وتركت لسفنها وجندها قناة السويس تمر بها مرفوعة الأعلام موفورة الحظ من التوقير والإجلال، تحمل الهول والموت والدمار إلى قومٍ لم يكن لهم حول ولا طول ولا قدرة على الدفاع. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما اعترفت الإنسانية بالفتح الإيطالي في أرض الحبشة، وقبلت بريطانيا العظمى وفرنسا وغيرهما أن يلقب ملك إيطاليا — كما يلقب ملك بريطانيا العظمى — بهذا اللقب العظيم: الملك الإمبراطور.
بل لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما نظرت الإنسانية — راضيةً ساخطةً، وقابلةً رافضةً — إلى إيطاليا وهي تعتدي على ألبانيا، وتمطر عليهم الموت في يوم من الأيام المقدسة عند المسيحيين، وإلى ألمانيا وهي تُلغِي استقلال النمسا إلغاءً، وتعلن الحماية على تشكوسلوفاكيا إعلانًا، وفي أثناء هذا كله كانت المدنية الطبيعية تستخفي شيئًا فشيئًا، وكانت الوحشية الطبيعية تتراءى قليلًا قليلًا. حتى إذا كان اليوم المعلوم شبَّت نار الحرب العالمية الثانية، وامتلأت الأرض هولًا، واستمتعت بهذه النعمة العظيمة، نعمة الدمار يهدم كل عمران، والموت يختطف الأبرياء والضعفاء، يخرج لهم من الأرض، ويهبط عليهم من السماء، وهم يقبلون على هذه الخطوب راضين بها أو كارهين لها، ولكنهم يقبلون عليها لأنهم لا يجدون عنها مرَدًّا.
ثم ضعفت القوى، وفتر النشاط، فأغمي علي إيطاليا، ثم استسلمت ألمانيا، ثم صرعت اليابان. ثم أخذت الوحشية تستخفي شيئًا فشيئًا، وجعلت المدنية الطبيعية تظهر قليلًا قليلًا. ثم استُؤْنِفَ التمثيل في الملاعب الخاصة، واستؤنف بعد ذلك في الملعب العام، فمثلت في سان فرنسسكو قصة ميثاق الأمم المتحدة، وأخذ الآن في تمثيل قصة أخرى هي جماعة الأمم المتحدة، وما سيتصل بها من المجالس واللجان.
وكان التمثيل في العصر القديم يستغرق يومًا كاملًا، يبتدئ مع الصبح وينتهي عند مقدم الليل، ثم أصبح يستغرق ساعات قليلة، ولكنه في هذه الأيام قد أخذ يستغرق الأسابيع، ولعله يستغرق الأشهر أحيانًا.
وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة؛ فإن القصص التي تمثل في الملعب الأكبر طويلة مسرفة في الطول، معقدة مغرقة في التعقيد؛ لأنها تمثيل بشئون الإنسانية كلها، لا شئون مدينة واحدة من المدن، أو فرد واحد من الأفراد.
وكان القدماء يعرفون نوعين من التمثيل؛ التمثيل المحزن … التراجيديا، والتمثيل الملهي … الكوميديا. ثم جاء المحدثون فأنشئوا فنًّا ثالثًا يضحك ويبكي، ويسوء ويسر، وهو الدراما. وربما افتنُّوا في هذا الفن الجديد، فخالفوا فيه بين الضحك والبكاء، وبين الحديث والغناء، وأكثروا من ذلك حتى يتنوع الفن، وتجد فيه ملكات الإنسان كلها ما تريد من المتاع.
وقد آثر الملعب الأكبر هذا النوع المعقد من الفن الجديد. فقد رأيت في سان فرنسسكو ما شاء الله أن ترى — وسمعت ما شاء الله أن تسمع — من الخصام العنيف، والوئام الظريف، ومن الجدِّ الذي يرتفع حتى يبلغ الروعة، والهزل الذي ينخفض حتى ينتهي إلى الإسفاف، ولم يكد يلقى الستار في الصيف الماضي حتى تبين أن أبا نُوَاس لم يكن مخطئًا حين قال:
صار جدًّا ما مزحت بهرُب جدٍّ جره اللعبُ
فقد لعبت الأمم في سان فرنسسكو ما شاء الله لها أن تلعب، ثم انتهت إلى هذا الجدِّ المخيف، وهو أن الأمم الصغيرة الضعيفة كانت مضطرة إلى أن تخضع لسلطان الأقوياء، غير مقرة بهذا الخضوع ولا مذعنة له إلَّا كارهة، فأصبحت الآن تخضع لهذا السلطان عن رضًا خالص، واختيار حر، وإيمان لا إكراه فيه.
لقد أمضى ممثلوها ميثاق سان فرنسسكو، وأقرت برلماناتها هذا الميثاق، واعترفت هذه الأمم بأن من حقِّ القوي أن يتحكم في الضعيف، وبأن من حق الكبير أن يسيطر على الصغير، وبأن من حق الغني أن يصرِّف أمور الفقير كما يحب ويهوى؛ فأمور العالم قد أصبحت بحكم الميثاق إلى طبقتين من الأمم: إحداهما طبقة الأرستقراطية العليا، وهي الدول الثلاث المنتصرة، والأخرى طبقة الأرستقراطية المتوسطة، وهي هذه الدول الثلاث، يضاف إليها فرنسا والصين. ولا تقل إن الأمم المتحدة كلها ممثلة في الجمعية العامة، فليس لهذه الجمعية العامة رأي ذو خطر في الحرب والسلم، ولا تقل إن هذه الجمعية ممثلة في مجلس الأمن، فليس لمجلس الأمن رأي ذو خطر في الحرب والسلم، إلَّا إذا أقرته الدول الخمس الكبرى مجتمعة. بل قل إن شئت إن النظام الجديد للعالم الجديد يتيح لدولة واحدة من الدول الخمس أن تتحكم في العالم كما تريد، فقد عاد النظام الدولي إلى لون طريف من حكم الفرد، أو قل إلى لون طريف من تحكم الفرد. وإذا ذكرت الفرد فإنما أريد به معناه الدقيق. فقد تدبر الأمم الكبرى والصغرى شيئًا من الأشياء، ولكنه لا يتم لأن المستر إتلي، أو المستر ترومان، أو الماريشال ستالين، أو الجنرال ديجول، أو المارشال تشاي كنج تشيك، قال عابسًا أو مبتسمًا: لا …
ثم نحن نشهد الآن القصة الثانية في الملعب الأكبر الذي يقوم في لندرة، والذي سينشئ جماعة الأمم المتحدة … أستغفر الله، بل سيمنحها الوجود، ويضع لها القواعد واللوائح والأصول، وينشئ مجلس الأمن، ومجلس الوصاية، ومجلس الطاقة الذرية، وما شئت من المجالس واللجان، والقصة تمثل على نفس النحو الذي مثلت عليه قصة سان فرنسسكو؛ فقد اجتمع المنتصرون في القرم، ووضعوا القصة التمثيلية لملعب سان فرانسسكو، فمثلها أحسن تمثيل، ثم اجتمع المنتصرون في موسكو أخيرًا، فوضعوا القصة التمثيلية لملعب لندرة، وسيمثلها بإذن الله أحسن تمثيل.
على أن هناك قصصًا يتاح لها النجاح، وأخرى يتاح لها السقوط؛ فقد وضع المنتصرون قصة سان فرنسسكو، وأتيح لها النجاح، ولكنهم وضعوا قصة أخرى في بوتسدام، فلما عُرِضت للتمثيل في لندرة أثناء الخريف؛ أخفق وزراء الخارجية الخمسة في تمثيلها إخفاقًا شنيعًا. وهم قد وضعوا التمثيلية الثالثة في موسكو، ورفع الستار عنها في لندرة اليوم، وأخذ العالم كله يشهد التمثيل من طريق الراديو والبرق والصحف، وستنبئنا الأيام المقبلة بما كتب لهذه التمثيلية من نجاح أو سقوط.
والشيء المحقق هو أن الصلة مقطوعة قطعًا خطيرًا بين هذا الفن من التمثيل وبين الحياة، فتستطيع أن تقول إن هذا التمثيل يجري على هامش العالم، وتستطيع أن تقول إن حياة العالم نفسه تجري على هامش التمثيل. فمشكلة إيران ومشكلة تركيا، ومشكلات الشرق الأدنى، ومشكلات الشرق الأقصى؛ كل هذه المشكلات تسلك طريقها إلى التعقد والارتباك — أو إلى الحل والانفراج — دون أن يظهر أثر شيء من ذلك فيما يجري على الملعب من تمثيل. ومن يدري لعلها تتعقد وترتبك — أو تنحل وتنفرج — فيما بين الفصول من أوقات الراحة. ومهما يكن من شيء فمن حق العالم أن يلهو وينعم بعد أن حُرِمَ اللهو والنعيم ستة أعوام. والتمثيل لون من ألوان اللهو، وضرب من ضروب النعيم، فليستمتع العالم بقصة لوندرة كما استمتع بقصة سان فرنسسكو. ولكن الخطر كلَّ الخطر أن تنخدع الأمم الصغيرة فتأخذ التمثيل على أنه حق، فليس التمثيل إلَّا فنًّا، فأمَّا الحق فهو عناية الأمم بنفسها، واعتمادها على ما تبذل من الجهود. -
أزمة
أزمة
كانت هذه الأزمة متوقعة قبل أن تنتهى الحرب ، حين اجتمع رؤساء الدول الثلاث الكبرى فى يالتا ، وآثروا أنفسهم بالقضاء فى شؤون العالم وحدهم ، وأبوا أن يشركوا معهم غيرهم من رؤساء الدول التي احتملت مثل ما احتملت الدول الثلاث من أثقال الحرب ، وضحت بأكثر مما ضحت به الدول الثلاث فى مقاومة العدوان .
وقد كان رؤساء الدول الثلاث الكبرى يحتجون فى نوفمبر الماضي بأن شؤون الحرب ، وخطط الهجوم ، انما يدرسها الذين يشاركون في الحرب مشاركة خطيرة ، ويحتملون أعباءها الثقال . وكانت الجيوش التي تخوض غمار الحرب في ذلك الوقت ، هي جيوش هذه الدول الكبرى . ولكن دولا أخرى تلقت الصدمة الأولى ، وسرعت في الميدان ، واحتلها العدو وأذاق أهلها ألوان العذاب ، وجعلت تقاوم في ميادين أخرى ، وتشارك في الحرب كما تستطيع ، وتعين الحلفاء بما كانت تملك من جهد وقوة ومال . وكان من حق هذه الدول ألا تهمل ، وألا ينظر اليها على انها دول تابعة ، تتلقى أوامر السادة المنتصرين فى شيء من الرفق بها ، والعطف عليها ، كما يتلقى العدو المنهزم أوامر السادة المنتصرين ، فى كثير من الشدة والعنف .
في ذلك الوقت كان من الطبيعى أن تشترك فرنسا فى مؤتمر يالتا ، وهي التي فقدت جيشها وأسطولها ، والتي احتل العدو أرضها ، والتي قاومت فى امبراطوريتها وحرصت على أن تمثل في جميع ميادين القتال . وكان من الطبيعى ألا تهمل بلجيكا ، والا تهمل هولندا التي فقدت وطنها ، كما فقدت امبراطوريتها ، وكان من الممكن أن يجد تشرشل و روزفلت و ستالين وسيلة لأشعار هذه الدول بأن حلفاءها يعرفون لها ما احتملت من جهد ، وما بذلت من تضحية ، ويحسبون حسابها للمستقبل ، كما انتفعوا بجهودها في الماضي ، ولكن هؤلاء الرؤساء الثلاثة قسموا العالم فى ذلك الوقت إلى طبقات بعضها فوق بعض ، أولاها طبقة السادة المنتصرين ، والأخرى طبقة الشعوب المحررة والثالثة طبقة الشعوب المستضعفة التى لم تحارب رسميا ، ولكنها أعانت الحلفاء من قريب أو بعيد ، والأخيرة طبقة العدو المنهزم . وخيل المنتصرون لأنفسهم انهم يستطيعون أن يقضوا فى شؤون العالم وحدهم ، لأنهم يملكون القوة فيجب أن يملكوا الحق ، ولأنهم ينقذون العالم من طغيان هتلر وموسوليني فمن حقهم أن يفرضوا سلطانهم مكان هذا الطغيان .
وليس من شك فى أن الرؤساء الثلاثة كانوا أقوياء بهذه الجيوش التي كانوا يدبرون أمرها ، وبهذه الشعوب التي كانوا يقودونها إلى النصر ، وبهذه الأموال والمؤن التي كانوا يعينون بها الشعوب المحررة ، وليس من شك فى أنهم كذلك قد كانوا ساسة بارعين ، بل كانوا ائمة العالم فى السياسة البارعة والذكاء النافذ ، ولكن الناس يخطئون مهما يعظم حظهم من الذكاء ، ومهما أتيح لهم من التفوق والبراعة .
وقد أخطأ الرؤساء الثلاثة فى ذلك الوقت ، لأنهم فكروا فى الحاضر وحده ، ونسوا عبرة الماضي ، ولم يحسنوا تقدير المستقبل القريب ، فضلا عن المستقبل البعيد ، فهم كانوا قادرين على إنهاء الحرب وإحراز النصر ، ولكنهم لم يكونوا قادرين على أن ينهضوا وحدهم بتنظيم السلم ووضع الأسس المتينة للعالم الجديد .
ولم يكد مؤتمر الرؤساء الثلاثة يجتمع فى القرم ، حتى انكرت فرنسا إقصاءها عنه ، والقضاء في شؤون الحرب والسلم وهى غائبة ، ولم تكتف فرنسا بالإنكار اللفظي ، ولكنها رفضت الاشتراك فى الدعوة إلى مؤتمر سان فرنسسكو ، ثم لم تكتف بهذا بل تجاوزته إلى شيء من الغضب الذى لم يخل من بعض العنف ، فاعتذر الجنرال دى جول من عدم مقابلة الرئيس روزفلت حين دعاه لمقابلته في الجزائر . وكان لهذا الاعتذار اثر بغيض في العلاقات بين الدولتين الديمقراطيتين اللتين يرجع الود بينهما إلى عهد بعيد . ومهما يكن من شيء فقد فهم العالم ، بعد انعقاد مؤتمر القرم ، أن أموره لن تجرى على المساواة الصحيحة بين الأمم ، وأن التعاون لن يقوم مقام الاثرة ، وأن العالم الجديد لن يكون خيرا من العالم القديم . ومنذ ذلك الوقت كثرت الشكوك ، وساءت الظنون وأصبح الخوف أساس السياسة مكان الثقة والرجاء . ثم انعقد مؤتمر سان فرنسسكو بعد ضجيج وعجيج وإعلان كثير ، وطال اجتماعه ، وكثر الجدل فيه ، وانتهى إلى نتيجتين خطيرتين ، أولاهما أن الأمم الضعيفة والمتوسطة فقدت الثقة بالأقوياء ، والثانية أن الأمم القوية نفسها فقدت الثقة بحسن التعاون بينها . ووضع ميثاق يغطى هذا الشك ، كما يغطى الرماد ما يستخفى تحته من النار . وعاد المؤتمرون وفى النفوس ما فيها : أمل ظاهر ويأس خفى ، ثقة متكلفة وشك طبيعي .
ثم تضع الحرب أوزارها في اوروبا ، ويجتمع الثلاثة مرة ثانية في بوتسدام ، وتتكرر الغلطة الأولى فتهمل الدول التى لم يكن ينبغى أن تهمل ، ويقرر الثلاثة ما يقررون ، وينشئون مجلس وزراء الخارجية ، ويكلفون وضع الأسس التى يقام عليها العالم الجديد . وقد أضافوا إلى وزرائهم وزيرين ، أحدهما وزير الخارجية الفرنسية ، والثاني وزير خارجية الصين . وهنا تصبح الأزمة التي كانت متوقعة حقيقة واقعة بالفعل ، فقد أقبل وزير الخارجية الفرنسية ووزير الخارجية الصينية وفى أنفسهما ما فيها ، وأقبل وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى معتزين بالنصر ، واثقين بالفوز فى السلم ، كما فازوا في الحرب ، ولكنهم يختلفون بعد ذلك اختلافا شديدا ، فأما الوزير الروسي فيريد أن يمضى على الخطة التي رسمت في القرم وفى بوتسدام ، وهى أن للعالم دولا ثلاثا ينبغى أن تسود ، وأن ترجع إليها الأمور وأن ما تقرر في يالتا وبوتسدام لا يصح الانحراف عنه في لندره . وأما الوزير البريطاني والأمريكى فقد أقبلا يستأنفان حياة جديدة ويريان أن الحرب قد انتهت ، وأن السلم يحتاج إلى تعاون الأقوياء والضعفاء بشرط ألا يكون ضعفهم شديدا . ومن هنا تصور الوزير الروسى أن أمور السلم فى شرق أوروبا وفى البلقان يجب أن تقضى فيها الدول الثلاث وحدها ، وتصور الانجليز والأمريكيون أن سلم أوروبا أولا ، وسلم العالم كله ثانيا ، لا سبيل إلى تنظيمه إلا إذا اشتركت فيه الدول الخمس ، وحاول المجتمعون أن يتفقوا ، وبذلوا في سبيل هذا الاتفاق جهودا وجهودا ، ولكنهم لم يظفروا بشيء فتفرقوا ، وأخفق المؤتمر الأول لوزراء الخارجية .
وليس من شك فى أن لروسيا حجتها الشكلية ، فما قرره الرؤساء الثلاثة لا يصح أن ينقضه الوزراء الخمسة ، لأن الرؤساء الثلاثة هم سادة العالم ، وهم أصحاب الكلمة الأخيرة . وفرنسا والصين لم تعلنا الحرب على دول البلقان ، ولم تمضيا الهدنة ، فلا معنى لاشتراكهما فى الصلح . ولكن المسألة ليست مسألة الهدنة والصلح وحدهما وانما هي مسألة السلم كله : أيقوم على التعاون الصادق ، لا أقول بين المنتصرين جميعا ، بل بين كبار المنتصرين ، أم يقوم على الأثرة والاختصاص بالنفوذ وتوزيعه في أجزاء العالم بين المنتصرين ..؟
هذه هى المسألة التى لم يتفق وزراء الخارجية حين أرادوا أن يجيبوا عليها ، وهم لم يتفقوا لأنهم لا يملكون هذه الثقة الخالصة التي تمكن من الاتفاق ، فالروسيون يودون لو يستأثرون وحدهم بالنفوذ في شرق أوروبا وفى البلقان ، ويكرهون أن تتدخل الدول الغربية في شؤون هذا الجزء من أوروبا ، ويريدون أن يضيقوا حدود هذا التدخل ما وجدوا إلى تضييقها سبيلا ، وللإنجليز والأمريكيين والفرنسيين مصالحهم في شرق أوروبا وجنوبها ، وهم يحرصون على حماية هذه المصالح ، وهم يشفقون من أن تكون روسيا كتلة شرقية تصبح خطراً على السلم . وهم يرون أن السلم وحدة لا يتجزأ ، وأن حمايته يجب أن تكون إلى الأمم الكبرى كلها ، ولكن الروسيين يشفقون أيضا من انشاء كتلة في غرب أوروبا نقوم على الحلف بين فرنسا وبريطانيا العظمى .
وكذلك فقد وزراء الخارجية هذه الثقة المتبادلة ، وساء ظن بعضهم ببعض ، فلم يستطيعوا أن يتفقوا ، وانتهى مؤتمرهم الأول إلى هذا المأزق البغيض .
وإذا فقد الكبار ما ينبغى أن يكون بينهم من ثقة ، فأجدر بالأمم الضعيفة أن تفقد ثقتها بهؤلاء الكبار الذين لا يستطيعون أن يتفقوا فيما بينهم ، والذين يتخذون العالم موضوعا للخلاف والنزاع .
هذه هى أصول الأزمة التى يواجهها العالم فى هذه الأيام ، وهي أزمة عنيفة من غير شك ، خطيرة من غير شك ، ولكنها بعيدة كل البعد عن الحرج المخيف ، فستجد الدول الكبرى سبيلها إلى الاتفاق وإلى الاتفاق المؤقت بالطبع ، فليس إلى الاتفاق الدائم من سبيل ، لأن طبائع الناس لم تتغير ولن تتغير إلا بعد كثير جدا من الوقت ، وكثير جدا من الخطوب ، والى أن ترقى طبائع الناس حتى تقرب من طبائع الملائكة ستختلف الدول حول مطامعها ومنافعها ، وسيفقد الأقوياء ثقتهم بالأقوياء ، ويفقد الضعفاء ثقتهم بأنفسهم وبالأقوياء أيضا ، وسيعيش العالم في هذا الخوف المتصل والقلق الملح ، يفرغ من الحرب ليستريح ويجدد قوته ، ثم يستعد لاستئناف حرب أخرى .
ونحن الآن نعيش فى وقت الراحة الذى قد يقصر أو يطول ، ولكنه على كل حال وقت الراحة الذي تضطر فيه الدول المنتصرة الى أن تضمد الجراح ، وتقيم ما انهدم من البناء . فلنخف لا من الحرب ، بل من الظلم ، ولتوطن أنفسنا على هذا الخوف ، ولنجتهد في اتقائه إن وجدنا إلى ذلك سبيلا .
وقد يقال إن رؤساء الدول الثلاث الكبرى سيجتمعون ليتفقوا على ما لم يستطع الوزراء أن يتفقوا عليه ، وقد يقال بل سيجتمع رؤساء الدول الخمس الكبرى . وسواء اجتمع الثلاثة أو الخمسة واستأنف الوزراء اجتماعهم فليس عندى شك في أن هذه الدول ستجد سبيلها إلى الاتفاق ، لأن طبيعة الأشياء تفرض عليها هذا الاتفاق ، ولكن ليس عندى شك في أن هذا الاتفاق سيكون على أساس بسيط ، وهو أن يتراضى المختلفون فينزل بعضهم لبعض عن شيء هنا وشيء هناك . وسيكون هذا التراضي على حساب الأمم الضعيفة قطعاً ، ولا غرابة في ذلك ، فقد يظهر أن الضعفاء انما خلقوا ليأكلهم الأقوياء ، فان أرادوا الا يؤكلوا فسبيلهم إلى ذلك أن يلتمسوا القوة ، وليس لهم سبيل غير هذه السبيل .
وأحب أن يذكر القارئ ما حدثته به غير مرة في هذه الفصول ، وهو أن أخص ما يمتاز به هذا العصر الذي نعيش فيه ، هو أن الشعوب تذهب في النظم السياسية والاجتماعية مذاهب صحيحة صادقة تلائم طبائعها السليمة ، وأمزجتها المعتدلة ، وأن الحكومات تذهب في هذه النظم مذاهب أخرى ملتوية شديدة الالتواء ، وأن شؤون العالم إنما تصلح حقا يوم تكون كلمة الشعوب وحدها هى العليا ، ومازال العالم بعيدا عن هذه المنزلة ، حتى فى أشد البلاد إمعانا فى الديمقراطية ، وإيثاراً للعدل والمساواة ، فكيف بالشعوب التي مازالت فى أول الطريق إلى العدل والاخاء والمساواة؟!
طه حسین
مسامرات الجيب ، ١٧ أكتوبر سنة ١٩٤٥ . -
مساومات
مساومات
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٣ سبتمبر ١٩٤٥
لم ترخص حياة الناس قط كما رخصت في الحرب العالمية الثانية، ولم ترخص كرامة الشعوب قط كما رخصت في السلم الجديد؛ فقد كانت نفوس الناس تزهق، ودماؤهم تُراق، ومرافقهم تُدمر، وآمالهم تُحطم بغير حساب أثناء الحرب.
وكان هذا كله يحدث حين تقتضيه الحرب وحين لا تقتضيه، كانت الضحايا تقدم في البر والبحر والجو من الجنود والمحاربين، وكانت الضحايا تقدم في المدن والقرى من المدنيين الذين يقدر لهم الأمن، ويفرض أنهم بمعزل من العاديات. ثم كان الألمان واليابانيون يقدمون الضحايا التي لا تُحصى بعشرات الألوف من الأسرى الذين كان يُظن أن الحرب انتهت بالقياس إليهم، وكان هذا كله يدل على شيء واحد، وهو أن الإنسانية المتحضرة قد فقدت رشدها، وجن جنونها، واندفعت بها غرائزها الجامحة إلى الهول الهائل الذي لا يُبقي ولا يذر.
ثم وضعت الحرب أوزارها، وخيل لمن بقي على الأرض أن النفوس قد عُصمت، وأن الدماء قد حُقنت، وأن الأمن أصبح مكفولًا للجنود والمدنيين على السواء. وقد يكون هذا حقًّا، فقد كفَّت المدافع عن ضجيجها، وردت السيوف إلى أغمادها، ولم يصبح الجو والبحر ضميرًا غامضًا كضمير الغيب يمكن أن يتكشف بين لحظة وأخرى عن طائرات تصب الهول من أطباق السماء، أو غائصات تقذف الموت من أطباق الماء.
وظن من بقي على الأرض أن هذه الأهوال المنكرة قد كانت ثمنًا غاليًا لعالم جديد يستقر فيه السلم والأمن، وتحفظ فيه الشعوب كرامتها وحرماتها، ولم لا يظن الناس ذلك وقد تحدث القادة إليهم به حديثًا متصلًا مكررًا معادًا ستة أعوام كاملة؛ حتى أصبح تشرشل وستالين وروزفلت وترومان واتلي وغيرهم من القادة والسادة رسل الحياة الكريمة الآمنة لشعوب الأرض جميعًا، دون تفريق بين قوي وضعيف، ولا بين كبير وصغير.
ولم تمض على انقضاء الحرب أسابيع حتى أخذت الظنون تكذب، وأخذت الآمال تخيب، وأخذت بعض الصحف البريطانية تعلن خيبة الأمل وكذب الظن، وما يملأ النفوس من حسرات، وأخذت المنشستر جارديان تلح على بريطانيا العظمى في أن تحتفظ بيدها نقية من هذه الآثام التي يوشك الطمع أن يقترفها هنا وهناك في هذا الجزء أو ذلك من أقطار الأرض.
وقد ظن الناس أن الذين ائتمروا في بوتستدام إنما ائتمروا ليقروا الأمن والسلم والعافية والكرامة لأهل الأرض جميعًا، حتى الذين دارت عليهم دوائر الحرب، واضطروا إلى الهزيمة والاستسلام، ثم ظن الناس أن هؤلاء المؤتمرين قد وضعوا الأسس لهذه الحياة الجديدة الكريمة، ثم أنشئوا مجلس وزراء الخارجية، وكلفوه أن يجتمع في لندرة لينسق وينظم، ويبين لكل أمة مكانها المقسوم لها في هذه الجنة التي فُقدت، ثم وُجدت، والتي سيثمر فيها الحق والعدل والإنصاف ثمرات لم تخطر قط للناس على بال.
وقد اجتمع مجلس وزراء الخارجية، وأخذ يقسم الجنة على سكانها، فإذا الجنة توشك أن تكون جحيمًا للمنتصرين والمنهزمين، وللأقوياء والضعفاء على السواء! فأما المنتصرون فيشقون بهذه الغنائم الكثيرة التي تملأ نفوسهم طمعًا وجشعًا وبطرًا وأشرًا، والتي لا يعرفون كيف يقسمونها فيما بينهم؛ لأن كل واحد منهم يريد أن يختص نفسه بنصيب الأسد، وأن يترك لغيره نصيب الثعلب وابن آوى.
وأما المنهزمون فيعذبهم ما يتعرضون له من هذا الصراع العنيف حول أجزائهم الممزقة، وأشلائهم المفرقة، يعرفون أنهم مأكولون، ولكنهم لا يعرفون من سيأكلهم، وهناك آخرون لم ينتصروا ولم ينهزموا، ولكنهم مع ذلك سيشقون كما يشقى المنتصرون، أو كما يشقى المنهزمون، سيعذبهم الطمع فيما لا حق لهم فيه، أو سيعذبهم الخوف مما لم يكن ينبغي أن يخافوه. فكلها أنباء تأتي من لندرة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في لندرة الآن سوقًا عظيمة للبيع والشراء، وفي هذه السوق تباع حقوق الشعوب وتُشترى، وتخضع لمساومة رائعة أقل ما توصف به هو أنها لا تتصل بالمحافظة على كرامة الشعوب من قريب أو بعيد.
وهذه المساومات ألوان وأشكال، مساومات بين المنتصرين، ومساومات بين المنهزمين، ومساومات بين المحايدين، فمثلًا من الذي يدبر أمور المستعمرات الإيطالية في أفريقيا؟! أيدبرها مجلس دولي يرأسه حاكم عام؟ ولكن كيف يُختار الحاكم العام؟ أو من أي أمة يُختار؟ أيُختار من الأمم المنتصرة؟ وإذن فمن أيها؟ أيكون بريطانيًّا؟ أيكون روسيًّا؟ أيكون أمريكيًّا؟ أم يُختار من الأمم المنهزمة؟ وإذن فما قيمة الانتصار؟ أم يُختار من الأمم المحايدة؟ وإذن ففيم سفكت الأمم المحاربة دماء أبنائها؟
وهذا المجلس الدولي للوصاية، كيف يُؤلف؟ ومن أي الأمم يختار أعضاؤه؟ من الأمم المنتصرة أم من الأمم المنهزمة، أم من الأمم المحايدة، أم من الأمم المحررة؟ وتستطيع أن تدور في هذه الدائرة كما يدور فيها مجلس وزراء الخارجية حتى يتعبك الجهد، ويأخذك الدوار. أم يوكل تدبير هذه المستعمرات إلى وصاية فردية تنهض بأعبائها دولة منتصرة؟ وإذن فأي الدول المنتصرة يمكن أن تنهض بهذه الأعباء؟ بريطانيا العظمى التي غزت ليبيا وطردت منها المنهزمين؟ والتي لا تكره أن تتخذ من طرابلس قاعدة بحرية لها خطرها إذا انضمت إلى مالطة؟ والتي لا تكره أن تتخذ من برقة قواعد لقواتها في البر والبحر والجو تراقب منها مصر إن قضت الظروف عليها بالجلاء عن مصر؛ فهي قد تستطيع هذا الجلاء، ولكنها تفضل أن تجلو إلى الغرب لتستقر في برقة، وإلى الشرق لتستقر في فلسطين، وبذلك تكون قريبة جدًّا من صديقتها وحليفتها مصر، تجيبها عند أول دعوة، وتطير لنصرها عند أي عدوان.
أم توكل هذه الوصاية إلى روسيا، فقد سئمت روسيا هذه العزلة في أرضها الواسعة التي فصلت من البحر الأبيض المتوسط فصلًا عنيفًا، وقد طال شوقها إلى البحر الأبيض المتوسط، وحنينها إلى أن تستقر على بعض سواحله؟ ولبريطانيا العظمى مستعمرات، ولها بلاد تديرها بنظام الانتداب، وليس لروسيا مستعمرات، وهي لا تريد استعمارًا، ولكنها دولة منتصرة من حقها أن تنتدب كما ينتدب غيرها، وهي دولة متحضرة من واجبها أن تحضر الشعوب كما تحضرها الدول الأخرى.
وبريطانيا العظمى تحضر شعوبًا كثيرة، ولها مراكز ممتازة على البحر الأبيض المتوسط، فهل يستكثر على روسيا أن تحضر الشعب الليبي؟ وأن تستقر في هذا الجزء من ساحل بحر الروم؟ على أن أمريكا ليست أقل استحقاقًا للانتداب من هاتين الدولتين، ولا هي أقل منهما استعدادًا لتحضير الشعوب، فلِمَ لا تنتدب في ليبيا؟ وإن كانت لا تطلب هذا الانتداب، وليس من الضروري أن تطلبه، فإن أيسر الذوق يقتضي أن يقدم إليها مجاملة لها، وتقديرًا لجهودها، وتشجيعًا لها على خدمة أوروبا في السلم كما خدمتها في الحرب. وفرنسا جارة لليبيا، والجارة أحق بالشفعة، فلم لا تُنتدب فرنسا لإدارة ليبيا؟ ومصر كذلك جارة ليبيا، وليس حقها في الشفعة بأقل من حق فرنسا؛ فلتُقسم الأرض بين فرنسا ومصر، فتدير فرنسا مستعمرة طرابلس، وتدير مصر مستعمرة برقة.
وقد كاد المتساومون في لندرة ينسون التاريخ، فذكرتهم اليونان بأنها كانت تملك في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، مستعمرة خطيرة الشأن في برقة، وهي بعدُ دولة من دول البحر الأبيض المتوسط يميل أهلها إلى الهجرة ميلًا شديدًا، وقد شاركت في الحرب أي مشاركة، وشارك أبناؤها في غزو برقة مع الجيش الثامن، ألا يكون من المعقول أن تمنح قطعة من الأرض تقيم عليها مستعمرة في العصر الحديث كما أقامت مستعمرتها في العصر القديم؟!
والأمريكيون لا ينسون التاريخ، ولا يكرهون الرحمة والإنصاف، وهم يذكرون أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد ملكت ليبيا، وأن إيطاليا الحديثة قد استعمرتها، وأن إيطاليا المنهزمة تستحق العقاب، ولكن في شيء من الرحمة، فلنُكلِّف إيطاليا إدارة ليبيا بشرط أن تقدم حسابًا عن هذه الإدارة إلى مجلس الوصاية الذي تمثل فيه الأمم المتحدة.
وبينما القوم في هذا كله، وإذا بأصدقائنا الترك يُذكِّرونهم في ابتسامة حلوة بأن إيطاليا إنما اغتصبت ليبيا منها اغتصابًا؛ فقد كان الترك أصحاب الأمر والنهي في هذه الأرض إلى أن اعتدى عليها الإيطاليون سنة ١٩١١، فلِمَ لا تُردُّ ليبيا إلى أصحابها؟ ولم لا يخفق العلم التركي على طرابلس وبني غازي وطبرق؟ ومن أوضح الأشياء أن المصريين قد سيطروا على ليبيا في كثير من العصور: في العصر القديم، وفي القرون الوسطى، وقد كانت الدولة الفاطمية في القاهرة تبسط سلطانها العظيم على ليبيا.
هذه أشياء لا يشك فيها المؤرخون، ومن حق مصر أن تحيي تاريخها، ومن حقها على كل حال أن تُؤمِّن حدودها؛ لذلك تقدمت في كثير من الذوق والأدب؛ لأن المصريين أصحاب ذوق وأدب، وفي كثير من الاستحياء؛ لأن الذين يستحون قد ماتوا جميعًا، ولم يبق منهم إلا المصريون! تقدمت مصر إذن في ذوق وأدب واستحياء تطلب الوصاية على ليبيا إذا لم يكن بد من الوصاية، وتطلب في ذوق وأدب واستحياء واحترام أن يُستفتى أهل ليبيا، فلعلهم يريدون الاستقلال، ومصر لا تكره أن تراهم مستقلين، وأن تراهم أعضاء في جامعة الأمم العربية، ولكن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر ذوق وأدب واستحياء، وإنما هو عصر ينجح فيه الذين قست قلوبهم، وجفت طباعهم، وغاض ماء الحياء من وجوههم؛ ولذلك ابتسم المنتصرون لمصر ابتسامة ظريفة، وأعرضوا عمَّا طلبت من الوصاية، وتجافوا عمَّا عرضت من الاستفتاء والاستقلال.
واستُبعد أكثر المقترحات التي عرضتها عليك في هذا الفصل، ولم يبق إلا اقتراح واحد، وهو أن تخضع ليبيا للوصاية، ولكن من يكون الوصي؟ أتقول روسيا: أنا، وتقول لها بريطانيا العظمى: لا، وتحاول الأخرى أن تلتمس وسيلة للتوفيق بين الحليفتين العظيمتين؟ فأما الشعب الليبي نفسه فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد؛ لأنه لم ينتصر، ولم ينهزم، ولم يحايد، وإنما كان موضوعًا للصراع بين المنتصرين والمنهزمين، كان موضوعًا للصراع أثناء الحرب، وسيظل موضوعًا للصراع أثناء السلم. بذلك جرى القلم، وبذلك حكم القضاء.
والذي يحدث بالقياس إلى ليبيا يحدث بالقياس إلى كثير من أجزاء الأرض في جميع البلاد التي اختلف عليها المنتصرون والمنهزمون، بحيث لو أردت أن أعرض عليك ألوان المساومة حول شرق أفريقيا، وحول البلقان، وحول الحدود الإيطالية اليوجسلافية، وحول حدود ألمانيا من جميع جهاتها، وحول أقطار الشرق الأقصى على اختلافها، لاضطررت إلى أن أضع لك مجلدًا ضخمًا يملأ نفسك سأمًا ومللًا.
فهذه هي الحياة الجديدة التي كتبت للعالم الجديد، ليست إلا صورة مطابقة للحياة القديمة التي عذبت العالم القديم. وإذن فقد كُتب على الإنسانية أن تحيا حياة قوامها العذاب، وأي غرابة في هذا؟ ما أكثر ما يقترف الإنسان من الجرائم والآثام! وما أجدره أن يعاقب على جرائمه وآثامه! فتقوم حياته القديمة والجديدة على الظلم والجور، وعلى القوة والبأس، وعلى المساومة والبيع والشراء. تباع حياة أفراده بأرخص الأثمان وقت الحرب، وتباع كرامة شعوبه بأرخص الأثمان وقت السلم، وليس له من ذلك مخرج؛ لأن أبا العلاء لم يخطئ حين قال:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء -
العالم الجديد
العالم الجديد
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٢ أغسطس ١٩٤٥
كانت أيامًا خطيرة حقًّا في تاريخ العالم الجديد، هذه هي التي بدأت يوم الخميس الماضي ٢ أغسطس، وانتهت يوم الخميس ٩ أغسطس.
ففي اليوم الثاني من هذا الشهر أعلن رؤساء الدول الثلاث الكبرى بعض ما اتخذوا من قرارات في اجتماعهم ببوتسدام، وفي السابع من هذا الشهر عرف العالم هذا الحدث الخطير، حدث استعمال القنابل الذرية على أنها وسيلة من وسائل التعجيل بإنهاء الحرب. وفي اليوم التاسع من هذا الشهر عرف العالم أن روسيا قد أعلنت الحرب على اليابان، وكذلك يسعى العالم القديم سعيًا سريعًا نحو غايته، وهي الفناء في العالم الجديد الذي ينتظر أن يقوم مقامه بما يهيأ له من نظم، وبما يرسم له من خطط، وبما يؤمل فيه من إصلاح شامل وأمن كامل وسلام طويل.
ولست أدري إلى أي حدٍّ يحسن التفاؤل، ولا إلى أي حدٍّ يفرض التشاؤم على الذين يحسنون التفكير فيما كان والتقدير فيما هو كائن، والتنبؤ بما يمكن أن يكون؟ فقد رأى بعض فلاسفة التاريخ منذ زمن طويل أن حياة الناس يشبه بعضها بعضًا كما تشبه القطرة من الماء قطرة من الماء، وأن حياة الناس يباين بعضها بعضًا كما يكون التباين بين الليل والنهار، وأن تاريخ هذا النوع الإنساني يقوم على هذين القانونين الخطيرين؛ قانون التوافق من جهة، وقانون التخالف من جهة أخرى. فبحكم قانون التوافق يكون التفاهم بين الأفراد والجماعات، ويكون التعاون بين الأمم والشعوب، ويتم ما يتم من رقي الحضارة وتقدم المعرفة وتسلط الإنسان على ما يعترض سبيله من المصاعب والعقبات، وبحكم قانون التخالف يكون افتراق الكلمة وانشقاق العصا بين الأفراد والجماعات في الوطن الواحد، ثم يكون تباين المنافع وتغاير الأهواء وتدابر المصالح، وما ينشأ عن ذلك من التنافس والخصام والحرب.
وليس من سبيل فيما يظهر إلى أن يخلص النوع الإنساني خلوصًا تامًّا من سلطان هذين القانونين أحدهما أو كليهما، وإنما هو خاضع لهما في جميع الأوقات وفي جميع الظروف. وكل ما في الأمر أن هذين القانونين يختصمان، فيسود أحدهما حينًا ويسود أحدهما الآخر مرة أخرى.
وواضح جدَّا أننا نعيش الآن في عصر يسود فيه قانون التخالف. فلم تكن الحرب العالمية الأولى، ولم تكن الحرب العالمية الثانية، ولم يكن التنافس بين الحربين إلَّا مظاهر لهذه السيادة البغيضة. ولست من الذين يكلفون بفلسفة التاريخ أو يؤمنون بقوانينها هذه العامة التي ترسل إرسالًا وتخلب العقول بما يظهر عليها من مظاهر الدقة والشمول. ولكن من المحقق أن العصر الذي نعيش فيه ليس بعصر اتفاق ووئام، وإنما هو عصر اختلاف وخصام. وقد قيل لنا في أول القرن: إن الحرب العالمية الأولى ستقضي على أسباب الفرقة، وسترد العالم إلى الوفاق الكامل والأمن المطمئن والأمل العريض والنشاط الخصب. فلما لم تحقق تلك الحرب هذه الوعود الخلَّابة ولم يستقر السلم في الأرض؛ قال القائلون: إنها لم تنتهِ في سنة ١٩١٨، وإنما كانت هدنة بين الحربين، ثم استؤنف الخصام. وقيل لنا بعد ذلك: إن انهيار ألمانيا، وخضوعها الكامل لسلطان المنتصرين، واحتلال جيوشهم المظفرة أرضها في الشرق والغرب؛ هو الذي سيبلغ الحرب غايتها، وسيقر السلام على الأرض، وسيضع الأساس المتين للعالم الجديد.
وقد انهارت ألمانيا واحتلت الجيوش المنتصرة أرضها كلها، واجتمع رؤساء الدول المنتصرة في عاصمتها؛ ليضعوا أساس الصلح، وليحكِّموا نظام السلم. ولكن يقال لنا: إن الحرب لم تبلغ غايتها بعد، فما زالت اليابان تقاوم في أقصى الشرق، ولا بدَّ من أن تنهار كما انهارت ألمانيا؛ ليكون الحديث عن السلم صريحًا صحيحًا منتجًا. كل هذا قيل، وكل هذا ما زال يقال. وقد حرص الإنجليز والأمريكيون والصين على أن يفرغوا من حرب اليابان؛ ليعجِّلوا وصول العالم إلى هذا السلام الذي يتحرق شوقًا إليه، فأرسلوا إلى اليابان إنذارًا نهائيًّا خطيرًا يطلبون إليها فيه أن تسلم كما سلَّمت حليفتها الهتلرية بلا قيد ولا شرط. فلما أبت رموها بقنبلتين هائلتين في أقل من أسبوع، بل في أقل من ثلاثة أيام … رموها بالقنبلة الذرية يوم الإثنين الماضي، ثم رموها بإعلان الحرب الروسية عليها يوم الأربعاء. وهم الآن ينتظرون أن تتدبر اليابان عاقبة أمرها. فإما أن تستسلم بلا قيد ولا شرط فيعود السلام الشامل، وإمَّا أن تصرَّ على العناد فتصب عليها القنابل الذرية صبًّا، وتغزوها جيوش الحلفاء من كل وجه، والغاية محققة لا شك فيها وهي انهزام اليابان واستسلامها في أقرب وقت ممكن.
وكذلك نخرج — بإذن الله — من سلطان قانون التخالف لندخل — بإذن الله — في قانون التوافق في ظل ذلك السلطان، يسيطر على العالم سلام قوامه النظام والانسجام والوئام الذي لا يعرف اختلافًا ولا افتراقًا. وكذلك تجري الأمور ميسرة سهلة في أحاديث الناس حين يتحدثون، وعلى أقلام الكتَّاب حين يكتبون، ونستطيع أن نتمثل باسمين مطمئنين قول الشاعر القديم:
منى إن تكن حقًّا تكُن أحسن المنىوإلَّا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا
وأكبر الظن أن هذه المنى ليست حقًّا، وأن قانون التخالف جزءٌ مقوم للطبيعة الإنسانية، وأن منافع الأفراد والجماعات ومنافع الأمم والشعوب ستصطدم دائمًا في ظل السلم ما دامت الدولة متعبة مكدودة. فإذا استراحت واستجمعت واستردت قوتها الحربية والاقتصادية ظهر التنافس العنيف والتخاصم المخيف، وصرح قانون التخالف عن نفسه واستؤنف الاصطدام المسلح. وقال لنا القائلون: إن الحرب الثانية لم تنهِ الحرب، وإنما وصلت بالعالم إلى هدنة طويلة أو قصيرة، كتلك الهدنة التي كانت بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٣٩. ذلك أن كل ما أعلن من القرارات التي اتخذت في بوتسدام لا يدل على أن الإنسانية قد رُدَّت إلى العقل، وثابت إلى الرشد، وآثرت العافية، ووضعت الأسس لسلام متصل صحيح. وما أحب أن أعرض لهذه القرارات التي اتخذها الرؤساء الثلاثة بشأن الشعب الألماني، فهم منتصرون قد لقوا من ألمانيا المحاربة هولًا عظيمًا، وهم مضطرون إلى أن يقسوا على هذا الشعب الظالم كما قسا على شعوبهم وعلى غيرها من الشعوب، وهم مضطرون إلى أن يجرِّدوه من السلاح تجريدًا تامًّا، ويمرنوه على الحضارة تمرينًا دقيقًا، ويغيِّروا عقليته التي أفسدها الطغيان. ولست أدري أينجحون في ذلك أم يخفقون؟ ولكني أفهم هذه المحاولة وأكاد أجد ما يسوغها. أمَّا الذي أريد أن أعرض له هو هذه المواقف التي اتخذها الرؤساء الثلاثة من أنفسهم أولًا ومن حلفائهم ثانيًا، ومن الأمم الأخرى المحايدة آخر الأمر. فهم قد وقفوا من أنفسهم موقفًا فيه كثيرٌ جدًّا من الأثرة وقليلٌ جدًّا من القصد، فأعطوا أنفسهم ما استطاعوا أن يعطوها، ولم يكادوا يعطون غيرهم شيئًا. ومن الحق أن بريطانيا العظمى وأمريكا لم تأخذا شيئًا من الأرض الألمانية، بل تكتفيان بالاحتلال الذي يقصر أو يطول، ولكن روسيا قد أخذت لنفسها جزءًا من ألمانيا، وفيه مدينة كونجسبرج مدينة الفيلسوف الألماني العظيم كانت، وأعطت جزءًا آخر لبولندا لتعوضها عما أخذت منها في الشرق حين غيرت الحدود. فأمَّا مصانع الألمان فقد قسمت بين الدول الثلاث تقسيمًا تفوقت فيه روسيا؛ لأنها احتملت من الشر أكثر مما احتمل حليفاتها، وواضح جدًّا أن هذا التقسيم الأثِر لن يُحفظ ألمانيا وحدها، ولكنه يترك في نفس الحلفاء الآخرين الذين مستهم الحرب بمثل ما مسَّت به غيرهم من الأذى آثارًا خطرة على السلام المستقبل. ومهما يكن من شيء فلن يستطيع أحد أن يقول إن فرنسا وبلجيكا وهولندا واليونان راضية كل الرضا عن هذا المذهب الذي ذهبه الرؤساء الثلاثة في بوتسدام. أمَّا الأمم الأخرى المنبثة في أقطار الأرض، فقد كان موقف الرؤساء الثلاثة منها غريبًا أيضًا لا يخلو من هذه الأثرة الظاهرة. فرومانيا وبلغاريا والمجر ويوغوسلافيا خاضعة للنفوذ الروسي ما في ذلك شك، والنمسا موضع خلاف بسيط. أمَّا الشرق الأدنى فلم يجهر الرؤساء برأيهم فيه؛ لأن فيه مشكلات لم تستطع حكومة العمال الجديدة فيما يظهر أن تقطع فيها برأي قبل أن تدرس وتقلب وجوه التفكير. فلروسيا مطالب عند الترك ونظرة خاصة إلى المضايق … وفي البلاد العربية مشكلات خطيرة ليست مشكلة فلسطين أقلها خطرًا. وإذن، فالتمهل فيها خير وحلَّها شيئًا فشيئًا أدنى إلى اليسر وأقرب إلى النجح. وأمَّا مسألة إيران، فلم يقل المؤتمرون فيها شيئًا، ولكن ظهر اليوم أنهم قد اتفقوا بشأنها على المقدمات الأولى التي تعلل الأطفال، ولكنها لا تقيد المستقبل تقييدًا خطيرًا، فسيجلو الحلفاء عن طهران فورًا، فأمَّا الجلاء عن إيران فمسألة فيها نظر يمكن البحث عنها بعد أن تستسلم اليابان. وكذلك وُضعت للعالم الجديد أسس لا تختلف عن أسس العالم القديم؛ لأنها تقوم قبل كل شيء على الأثرة التي يشتد لها التنافس من جهة، وعلى التوازن الدولي الذي يخيف بعض المنتصرين من بعض من جهة أخرى، ثم على المساومة والمداورة التي تؤجل حل المشكلات المعقدة من جهة ثالثة. وواضح جدًّا أن ما ظفرت به روسيا من التفوق قد كان ثمنًا معجلًا لما قرأنا من إعلان روسيا الحرب على اليابان اليوم. فأمَّا الثمن المؤجل فستنكشف عنه الأيام في تركيا أو في إيران أو فيهما معًا، وفي الشرق الأقصى على كل حال. والنتيجة الواضحة لكل هذا هو أن من الممكن أن يظفر العالم بسلام طويل، ولكنه سيكون كالسلام الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية على العالم القديم، قوامه القوة والتفوق والبأس، وقد استأثرت الدول الثلاث بالقوة والتفوق والبأس، فستفرض سلمها على الإنسانية، وأقول: سلمها، وأنا أريد ما أقول. لن تفرض على الإنسانية سلامًا إنسانيًّا يستمتع به الناس جميعًا في حدود العدل والمساواة، ولكنها ستفرض عليها سلامًا سكسونيًّا روسيًّا يظل شاملًا ما استقامت الأمور بين الروس والسكسون، فأمَّا سائر أمم الأرض فليس عليها إلَّا أن تسمع وتطيع، فإن أبت فالقنبلة الذرية موجودة تستطيع أن ترد العقل إلى المجانين، وأن تحبب الأمن والنظام إلى الذين يخطر لهم أن يكدروا صفو الأمن والنظام. ولكن المسألة الخطيرة التي ينبغي أن نلقيها على أنفسنا هي هذه، أيهما سيكون أقوى سلطانًا على الناس وأمضى أثرًا في توجيه الإنسانية: قوة القنبلة الذرية أم قوة الحق والعدل والمساواة؟ -
طبيعة الأشياء
طبيعة الأشياء
طه حسين
جريدة البلاغ
١٥ فبراير ١٩٤٥
وأخيرًا أصدر الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم بيانهم المشترك بعد أن طال انتظار اجتماعهم أولًا، وبعد أن طال انتظار قراراتهم ثانيًا. فأما الاجتماع فلم يكن شيئًا يسيرًا؛ فقد دعا إليه رئيس الوزارة البريطانية منذ شهور، وألح في الدعوة إليه حتى خيِّل إلى العالم أن أموره لن تستقيم إلَّا إذا عُقد هذا الاجتماع. وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولًا بانتخابات الرياسة في وطنه، وكان رئيس الحكومة الروسية مشغولًا بإحراز الانتصارات الهائلة الرائعة التي أحرزها الجيش الأحمر وما زال يحرزها إلى الآن. ثم تمت الانتخابات، وزُلِّلت المصاعب، ويُسِّرت الأمور، واجتمع الأقطاب، وجعل العالم ينتظر ما سيتكشف عنه الاجتماع.
وقد تكشف الاجتماع عن نوعين من القرارات؛ أحدهما: خطير كل الخطورة له أبعد الأثر في مصير العالم، ولكنه مجهول كل الجهل، سيعلمه الناس شيئًا فشيئًا مع الشمس التي تطلع، ومع الشمس التي تغيب. وهو هذه القرارات التي تتصل بتنظيم خطط الحرب حتى تتم الهزيمة الألمانية، وحتى يمحق النظام محقًا، ويسحق النظام العسكري الألماني سحقًا، وتصير ألمانيا إلى حال من العجز يمنعها من إزعاج العالم مرة أخرى بهذه الحروب المنكرة التي تثيرها من حين إلى حين.
وما دام الثلاثة قد قرروا أن خططهم هذه لن تعلن إلَّا وقت تنفيذها؛ فلن يستطيع العالم إلَّا أن يمضي في انتظار الأخبار التي يخفق بها البرق، ويضطرب بها الجو، وتنشرها الصحف، ويذيعها الراديو كشأنه منذ شبت هذه الحرب. ومن يدري لعل الخير في هذا الانتظار. وقد تعلَّم النوع الإنساني في هذه الأعوام الخمسة ألوانًا من الانتظار وضروبًا من المفاجأة، فلن يضيره أن ينتظر، ولن تخرجه المفاجآت عن طوره.
أمَّا النوع الثاني من القرارات، فمعلوم كل العلم أو بعضه، وهو واضح الاتجاهات على كل حال وضوحًا كافيًا، ولكن الغريب أنه لم يعلم الناس شيئًا، ولم يحدث في نفوسهم حتى هذا الاضطراب العنيف أو الخفيف الذي تحدثه الأنباء ذات الخطر، كأنما كان العالم ينتظر مطمئنًا أن ينتهي الثلاثة إلى هذه القرارات السياسية التي أصدروها؛ لأن طبيعة الأشياء كانت تفرض عليهم أن يُصدروها كما هي.
وقد لاحظ الرأي العام العالمي قبل كل شيء أن الدول الثلاث الكبرى أغرقت في تشجيع فرنسا، والاعتراف بمركزها الخطير، وبأنها يجب أن تسترد مكانتها القديمة بين الدول المنظمة لشئون العالم، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن بين هذا الإغراق في تشجيع فرنسا وبين الحقائق الواقعة أمرًا بعيدًا. فلم تدع فرنسا إلى هذا الاجتماع الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم العالم. وإنما ظلت منتظرة متحفظة حتى انتهى الاجتماع، وقرر الثلاثة أن فرنسا تستطيع أن تشترك في الاجتماعات المقبلة التي سيعقدها وزراء الخارجية، أو التي سيعقدها السفراء. ومن قبل ذلك، لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين هي الدولة الرابعة أثناء غيبة فرنسا حين كان العدو يحتل أرضها، وأنه كان يقال: إن الصين ستشترك في تنظيم العالم، ووضع أسس السلام، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين غابت عن اجتماع الثلاثة كما غابت عنه فرنسا، وأنها ستُدعى بعد هذا الاجتماع كما ستُدعى فرنسا إلى الاجتماعات الأخرى، أمَّا بقية الأمم المتحدة فستُدعى إلى نوع ثالث من الاجتماعات.
ومعنى ذلك أن هناك طبقات ثلاثًا للدول: الطبقة الأولى تتألف من الدول الثلاث التي اجتمع رؤساؤها في القرم، الطبقة الثانية تتألف من هذه الدول الثلاث على أن تضاف إليها فرنسا والصين، الطبقة الثالثة تتألف من الأمم المتحدة جميعًا. وقد يكون في هذا شيء مما يؤذي الخلق، ويخيب الأمل، مما أشرت إليه في الحديث الماضي من هذه الأهوال الهائلة التي احتملتها فرنسا والصين وغيرهما من الأمم المحاربة، والتي كانت تستحق تقديرًا أكثر من التقدير الذي ظهر إلى الآن، ولكن هذا الوضع الذي تكشف عنه اجتماع الثلاثة في القرم ملائم كل الملاءمة لطبيعة الأشياء في هذا الوقت على أقل تقدير.
وطبيعة الأشياء لم تُعط على نفسها عهدًا لئلا تؤذي الخلق، ولا تخيب الأمل من قريب أو بعيد، وطبيعة الأشياء واضحة جدًّا، فأعباء الحرب في هذه الأيام إنما تنهض بها هذه الدول الثلاث. ومن عزَّ بزَّ كما يقول المثل العربي القديم.
وما دامت الجيوش الروسية تحرر ما تحرر من الأمم، وتجتاح ما تجتاح من الأرض، وما دامت الجيوش البريطانية والأمريكية تقاتل في خطوط سيجفريد، وتصب الهول على ألمانيا، وما دامت الأساطيل البريطانية الأمريكية تحمي طرق البحار، فرؤساء هذه الدول الثلاث هم الذين يستطيعون أن يقضوا في أمور العالم، سواء حضر العالم هذا القضاء أو غاب عنه.
وطبيعة الأشياء قد تتغير فتقوى فرنسا بعد ضعف، ويصبح لها جيش وأسطول يحسب لهما حساب، ويومئذ تستطيع فرنسا أن تشترك في القضاء والحكم ووضع النظام؟
وهناك شيء آخر ملائم لطبيعة الأشياء كل الملاءمة، وهو أن القرارات السياسية التي أصدرها الثلاثة في القرم لم تصادف رضًا خالصًا من قلوب الشعوب التي لم تشهد هذا الاجتماع. ففرنسا مثلًا لم تنس مكانها القديم، ولا تضحياتها الهائلة، ولا آمالها الكبرى، ولا ثقتها بالمستقبل، وهي من أجل ذلك لم تتلق هذه القرارات راضية عنها كل الرضا، وإنما أعلنت أنها ستأخذ منها ما يلائمها، وستتحفظ فيما عدا ذلك.
فقد قرر الثلاثة دعوتها إلى الاشتراك في احتلال ألمانيا — وهي تقبل هذا الاشتراك بطبيعة الحال — وقرروا دعوتها إلى الاشتراك في اللجنة التي ستشرف على شئون هذا الاحتلال، فهي تقبل هذا الاشتراك أيضًا، ولكنها تتحفظ في قبول ما دعيت إليه غير ذلك إلى أن تدرس وتستقصي وتتبين الأساس كما كنَّا نقول منذ حين. فهي مثلًا لا تريد أن تشترك في الدعوة إلى مؤتمر الأمن العالمي الذي سيعقد في أبريل المقبل إلَّا بعد الدرس والاستقصاء وتحديد الأساس.
وليس الأمر مقصورًا على فرنسا، فالحكومة البولندية في لندرة ساخطة كل السخط، منكرة كل الإنكار، والرأي العام في أمريكا يظهر مشاركة لها في هذا السخط والإنكار، ولكن أمر الحكومة البولندية في لندرة يسير جدًّا، فقد أظهر المستر تشرشل منذ زمن بعيد أن من الحق عليها أن تقبل ما طلبته روسيا من تعديل الحدود، ولكنها لم تفعل، فناب عنها الثلاثة في هذا القبول.
ومن المرجح أنهم لم يفعلوا إلَّا عن بصيرة بعد أن تبينوا إرادة الشعب البولندي، ويقال: إن إيطاليا تشعر بشيءٍ من خيبة الأمل، ولكن إيطاليا أمةٌ مغلوبةٌ، فليس عليها بأس من خيبة الأمل، بل ذلك قد يكون أيسر ما ينتظرها من العقاب.
وقد نظَّم الثلاثة شئون يوجسلافيا على النحو المعروف، فلم يبق بدٌّ من تنفيذ الاتفاق الذي تم بين روسيا وبين الماريشال تيتو وحكومة المسيو سوبازيك، وقد أخذ في تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل، والشيء الواضح هو أن الدول الثلاث قررت أن تمكن الشعوب المحررة، أو التي خرجت أو أخرجت من حلف المحور من أن تختار نظام الحكم الذي تريد أن تحكم عليه بواسطة الانتخاب الحر، وحتى ولو احتاجت إلى أن تشرف إشرافًا فعليًّا في هذا الانتخاب، فستبين الأيام إلى أي حد توفق الدول الثلاث إلى ما تريد من إرضاء الشعوب.
وهناك شيءٌ آخر ليس أقل وضوحًا من كل ما مضى، وهو أن الدول الثلاث لم تهتم إلَّا بأوروبا المغلوبة والمحررة. فأمَّا الدول المحايدة أو التي كانت تتكلف الحياد، فلم يتخذ الثلاثة بشأنها قرارًا، وأمَّا الدول التي ساعدت الحلفاء، وتعرضت للخطر في سبيل هذه المساعدة، وذاقت مرارة الحرب، واحتملت أثقالها في شرق البحر الأبيض المتوسط مثلًا، فلم يتعرض لها الثلاثة فيما أصدروا من القرارات. وأكبر الظن أنهم تعرضوا للأمور التي لم يكونوا يستطيعون أن يهملوها. فأمَّا الأمور التي تستطيع أن تنتظر، أو تحمل نفسها في يسر وفي حدود ما يسمُّونه مناطق النفوذ؛ فليس من الضروري أن تدرس في القرم، أو أن يشغل الثلاثة بها أنفسهم.
ولذلك مضى العالمُ في سنة ١٩٤٥ كما كان يمضي من قبل، يقضي في أمره أولو القوة وأصحاب الحل والعقد على مقدار طبقاتهم ومراتبهم من القوة، ومن الحل والعقد أيضًا. والشيء المهم هو أن العالم سيستمتع قطعًا بما ضمَّنه ميثاق الأطلنطي للشعوب من اختيار نظم الحكم، ومن أن تعيش في أمن من الظلم والخوف والجوع.
وفي أثناء هذا التطور الذي أحدثه اجتماع الثلاثة في القرم طبقًا لطبيعة الأشياء؛ جاءت الأنباء بأن السلم قد استقر في بلاد اليونان آخر الأمر، وبأن الأحكام العرفية قد ألغيت في بلاد اليونان، وهي جزء من أوروبا، ليس بينها وبين ميادين الحرب البحر الأبيض المتوسط؛ فلنهنئ اليونان بما اكتسبوا من سلم وأمن، ولنتمنَّ لهم مخلصين ما هم أهل له من مجد وعز وكرامة.
وفي أثناء هذا التطور أيضًا جاءت الأنباء بأن الجنرال سبيرس، الوزير السابق لبريطانيا العظمى، وهو في مجلس العموم البريطاني أهتم بمشكلات الشرق الأدنى، وأهم من ذلك أنه استطاع أن يُؤلِّف من كثير من أعضاء البرلمان البريطاني لجنة لشئون الشرق الأدنى تدرس وتعمل وتتكلم وتسعى برياسته.
وقد عرفت مصر بين الحربين هذه اللجان التي تؤلف في البرلمان البريطاني لدرس الشئون الخارجية بطريقة غير رسمية. فلها خطرها من غير شك؛ لأنها تنشر الدعوة، وتبصر الرأي العام، ولكن الخطأ كل الخطأ أن نغلو في تقدير آثار مثل هذه اللجان، وأن نتخذ أعمالها وأقوالها أساسًا لما نقرر من خطة، أو نعتقد من رأي، أو نداعب من أمل.
وإذا كان من الحق على الذين يقودون الرأي العام في بلاد الشرق العربي أن يعرفوا حقائق الأشياء، ويبصروا بها قومهم؛ فإني أعتقد أن حقيقة واحدة يجب أن تظل ماثلة دائمة أمامهم، وهي أن العالم سيمضي اليوم وغدًا كما مضى أمس وأول أمس، وأن الشاعر العربي القديم لم يخطئ حين قال:
وكنت إذا قوم رموني رميتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ -
غرام …
غرام …
طه حسين
كوكب الشرق
١ أبريل ١٩٣٤
نعم غرام، كلمة تقرؤها فتنكرها؛ لأنك لم تتعود أن تراها في هذا المكان من الكوكب، ولأنك لم تتعود أنْ نتحدث إليك في الغرام وفنونه، والهيام وفُتُونه، والحب وجنونه، فلهذا الموضوع وأشباهه ظروف أخرى يَحْسُن التحدث عنه فيها، ولكنني مع ذلك سأتحدَّثُ إليك عن الغرام.
وليس عليَّ بأس من أن تنكر هذا الحديث أو تعرفه؛ فإني لم آخذ على نفسي عهدًا بأنْ لا أتحدث إليك إلا فيما تُريد، ولعلي أخذتُ على نفسي عهدًا ألا أتحدث إليك إلا فيما أُريد أنَا، وأنَا اليوم أُريد أنْ أتَحَدَّث في الغَرَام والنَّاسُ يَظُنُّون بي العُنف، ويتهمونني بالقسوة، ولكني أؤكد لك أني بريء من العُنف والقسوة. فمع أني حريصٌ كل الحرص، مُصِرٌّ كل الإصرار على أن أتحدث إليك في الغرام، فأنَا لا أريد أنْ أَفْرِض عليك هذا الحديث فرضًا، ولا أنْ أَسُوقه إليك دون أنْ أُبين لك لماذا أسوقه إليك؛ فأنا أريد أنْ آخذك بالإقناع لا بالإكراه، وستوافقني بعد أسطر قِصارٍ على أني لم أخطئ حين اخترت الغرام موضوعًا للحديث في هذا اليوم.
فالغرامُ الذي أريد أن أتحدث فيه ليس غرامًا عاديًّا مألوفًا، وإنما هو غرام مُمْتاز، غرام من الطراز الأول، غرام لا أعرف له إلا مَثلًا واحدًا في جميع أطوار الحياة الإنسانية مُنذ بدأتْ إلى الآن.
وأَظُنُّك تَرى معي أنَّ غرامًا من هذا الطراز خَليقٌ أنْ يكون موضوعًا للحديث في صحيفة سيارة شديدة العناية بالسياسة، فإذا عرفت بعد هذا أنَّ هذا الغرام الحديث كذلك الغرام القديم لا يبرأ من السياسة، ولا يخلص من آثارها، وإنما هو سياسة كُلُّه، عرفتَ أنِّي لم أزدك على شيء طريف، وأني لستُ — كما يقول خصومي — مُجدِّدًا مُسرفًا في التجديد، وإنَّما أنا مُحافظ غالٍ في المُحافظة، وآيةُ ذلك أنَّ الغرام القديم هو الذي دفعني إلى الحديث عن الغرام الجديد.
ولعلك سئِمْتَ المُقدمات، ولعلَّكَ اشتَقْتَ إلى هذا الغَرَام، ولعَلَّك تُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ ما هو؟ وما طبيعته؟ ولعلك تستعجلني في أن أصل إلى الموضوع، فقد أصل إليه، وأؤكد لك أني لم أبسط هذه المُقدمة إلا تشويقًا لك؛ لأنَّ الموضوع خليقٌ أنْ تشتاق إليه.
والآن يجبُ أنْ تفتح أذنيك، وأنْ تُصغي لحديث الغرام؛ فالزَّعيم العظيم هتلر مُغرم بالملكة العظيمة نفرتيتي، وأظنك ترى بعد أن سمعتَ هذين الاسمين أنَّ هذا الغرام خليقٌ لا بعنايتي وحدي، بل بعناية الكُتَّاب جميعًا، ومتى ظفر كُتَّابُ السياسة والأدب والفن بموضوع له خطر هذا الموضوع، بل متى ظفر الكُتَّاب والشعراء بعاشق كالزعيم الألماني العظيم، وبمعشوقة كالمَلِكَة المصرية الخالدة؟
قُلتُ لك: إنَّ هذا الغَرَام ليسَ له إلَّا مثلٌ واحِدٌ في حياة الإنسان، وهذا المَثَلُ لا يُوجد إلا في الإلياذة، وهو عشق باييس لهيلانة، على أنَّ الشبه بين هذين الغرامين ليس دقيقًا من كل وجه، فقد كانت هيلانة مِلكة على إسبرتا، كما كانت نفرتيتي ملكة من ملكات مصر، وكان باييس ملك طروادة. أما الزَّعيم هتلر فليس ملكًا، ولا ابن ملك، وليس بينه وبين أسرة مالكة صلة من قريب أو بعيد، إنما هو رجل ديمقراطي، وإنْ كان يُحارب الديمقراطية، ويُؤلب عليها أشد التأليب. هو رجل شعبي، وإن كان يشك في سلطة الشعب، هو على كل حال رجل من أبناء الشعب، رجل مثلك ومِثلي لم ينحدر من هذه العناصر المُمتازة التي كتب الله لها الامتياز، وإنما خرج من هذه الطبقات العادية التي تضطرب في الأرض وتَجِدُّ في كسب الحياة.
ولكنه على كل حال زعيم ألمانيا وعَظِيمُها، قد اجتمعت كلها من حوله، ومَنَحَتْهُ من القوة والتأييد، ومن الثقة والحُبِّ أو الخَوف ما لم يَظفر به كثير من الملوك، وهو من هذه الناحية خليقٌ أنْ يُشَبَّه بباييس بن بريام، ملك طروادة.
باييس ذلك الذي عشق هيلانة فخطفها، وأوى بها إلى مدينته العظيمة المُحَصَّنة، فاحتفظ بها هناك أسيرة أجمل الإسار. باييس ذلك الذي أحفظ اليونان جميعًا، وآثارهم جميعًا لحرب مُنكرة اتصلت أعوامًا وأعوامًا، وانتهت بتدمير طروادة، وأنطقت الشعراء بأجمل ما نطق به الشعراء.
فلولا باييس ما كانت الإلياذة، ولولاه ما كانت الأوديسة، ولولاه ما كانت كل الآداب اليونانية، ولا كل ما نَشَأ عنه مِنَ الأدب القَدِيم والحديث. ونحنُ حين نذكر باييس وحده نَظْلِم ونُسْرِفُ في الظلم، ونُوشك أن نغضب السيدات؛ لأنهن حريصات في هذه الأيام على أنْ لا يستأثر الرَّجُل بشيء من دونهن، فباييس قد أثار هذا كله بفضل الحب والغرام، والعشق والهيام، والهوى الذي كان يملأ قلبه لهيلانة ملكة الحسن والجمال، والقد والاعتدال، كما تقول العامة.
ومِنَ المؤكد أنَّ الزَّعيم هِتْلر كانَ يَسْتَطيع أن يعشق مَلكتنا القديمة الجميلة، وأنْ يصلى من عشقها نارًا لا تخمد دون أن يؤثر ذلك في رجوع هذه الملكة العظيمة إلى ملكها العظيم، لو أنه ظل كما كان رجلًا مثلك ومثلي لا يستمتع بقوة ولا سلطان، ولكنه ارتقى، وارتقى حتى أصبح أقوى ألفي مرة من باييس. وأين تكون قوة طروادة من قوة ألمانيا الآن؟
ولذلك استطاع الزَّعيمُ العظيم هتلر أن يقول: إنه مُغْرَمٌ بهذا الملكة العظيمة غرامًا يَمْنَعُه مِنْ أنْ يَأْذَنَ بِرُجوعها إلى مُستقر آبائها، وموطن مُلكها وسلطانها، على حُبِّه للمصريين، وحرصه على إرضاء المصريين، ولكن الإحسان المنظم يقتضي أن يبدأ الإنسان بنفسه فيحسن إليها، وهو يحب، وحبيبته أسيرة عنده، وهو محتفظ بأسيرته، سواء أرَضِي المصريون أم لم يرضوا، سواء أرَضِي الحق أم لم يرض، ومتى كان الحق قادرًا على أن يَثبُتَ للحب والغرام، والعشق والهيام، ويحمل المُحبَّ على أن يفرط فيمن يحب؟
وإذا كان باييس قد أبى أن يُسلم هيلانة، ونصره الطرواديون جميعًا على هذا الظلم، وتعرَّض الطرواديون جميعًا لتلك الحرب المُنكرة التي مَحقت مدينتهم مَحقًا، وسَحقت سُلطانها سَحقًا، وجعلتها أحاديث، فكيف يقبل الزعيم العظيم أن يسلم الملكة وهو يعلم حق العلم أنَّ الفلك قد دار، وأنَّ الأيامَ قد تَغَيَّرت، وأنَّ مِصْرَ لا تُقاس إلى اليونان القُدماء، ولا تستطيع، بل لا تفكر، بل لا تحلم بأنْ تتهيأ لاستنقاذ المَلكة المصرية العظيمة كما تهيأ اليونان لاستنقاذ المَلكة اليونانية الحسناء فاستنقذوها؟
إذن فالزَّعيم العظيم مُطْمَئِنٌّ إلى أنه سيحتفظ بعشيقته سواء رضي المصريون أم لم يرضوا، سواء رضي الحق أم لم يرض، ولكن السؤال الذي يستحق التفكير هو رأي الملكة العظيمة نفسها: أتلقى حبًّا بحب، وعشقًا بعشق، وغَرامًا بغرام؟
فقد كان يُقال: إنَّ هيلانة أحبت باييس، وكانت تُؤثر المُقام معه في طروادة، فهل أحبتْ المَلِكة نفرتيتي زعيم ألمانيا العظيم؟ وهل آثرت أنْ تُقيم معه في ألمانيا العظيمة؟ أم هل تصبو هذه الأسيرة العزيزة إلى وطنها الذي كان عزيزًا في أيامها، فأصبَح ذليلًا في هذه الأيام؟ سؤال لا سبيل إلى أن يظفر بالجواب؛ لأنَّ مَلِكَتنا العَظيمة القديمة العانية البائسة لا تستطيع أن تسمع، ولا تستطيع أن تُجيب، ولا تستطيع أن تُعرب عما تجد، ولعلها لا تستطيع أن تجد شيئًا.
ومتى أحست التماثيل، ومتى استطاعت التماثيل أنْ تشعر أو تقول؟ مهما يكن من شيء؛ فزعيم ألمانيا عاشق لابنة فرعون، وفي مصر أربعة عشر مليونًا يعشقون ابنة فرعون هذه، ولكنَّ رجلًا واحدًا قادر على أن يُرضي عشقه؛ فأمَّا هذه الملايين، التي تَبْلُغ أربعة عشر أو خمسة عشر، فعَاجِزَة عن أنْ تُرضي عشقها، مضطرة إلى أن تكتفي بهذا الشوق الذي يحرق أفئدتها، ويُؤرق ليلها، ويعلمها أن القوة حق، وأن الضعف حق، وأن اليقظة حق، وأن النوم والغفلة حق أيضًا.
وأظرفُ ما في الأَمْرِ أنْ تَتَحَدَّث بعض الصحف إلى وزير ألمانيا المُفَوَّض لتعرف منه أحق أنَّ الزَّعيم العظيم قد شغفه حب الملكة العظيمة؛ فيُجيبُ الوزير بأنَّ هذا الأمر موضوع مُفاوضات دبلوماسية فلا ينبغي أن يدور حوله الحديث. مَعذرة يا سيدي الوزير، ليكن هذا الأمر موضوع مفاوضات دبلوماسية، فإنا نتخذه مع ذلك موضوعًا للحديث.
وماذا تخاف من هذا الحديث وأنت مُطمئن إلى أنَّ أسيرتنا العزيزة لن تخرج من بلادك إلا إذا أذنتم لها في الخروج؟ لقد ثار اليونان لهيلانة فاقتحموا البحر، وأشهروا الحرب، وغيروا وجه الأرض، واستردوا مَلِكتهم، وعادوا بها أعِزَّاء، أفَلَا يُؤذن لنا نحن — المصريين — في أن نُعلن حُزننا وشوقنا إلى هذه الملكة العظيمة التي تحفظ في مَتحف من متاحف برلين وأنوفنا راغمة؟
هذا كثير، وأكثر منه أن نَقْبَله أو أنْ نمتنع عن الخوض في هذا الحديث.
أرأيت أيها القارئ العزيز أني لم أكن مَازحًا، ولا مُداعبًا، ولا مُخطئًا حين تحدثت إليك في هذا الغرام؟