حديث الوادي
مأساة…
فأما الذين أصابهم شرها، وهم نيف وسبعون من علماء الأزهر، فقد تلقوها كما علمهم الدين أن يتلقوا الشر بالصبر والثبات والإيمان بالحق، والثقة بعدل الله، والانتظار لهذا الإنصاف الذي إن أخره الله عنهم امتحاناً لهم، وابتلاءً لأخلاقهم، واستزادة لهم من الحسنات، واستكثارا لهم من الثواب، فهو مدركهم من غير شك؛ لأن الله عز وجل قد تأذن أنه لا يظلم الناس شيئاً، ولا يضيع على ذي حق حقه، ولا يحول بين المظلوم وبين ما ينبغي له من الإنصاف.
وأما الذين مثلوا هذه المأساة، وصبوا شرها على المظلومين صباً، فما يزالون كما كانوا يوم أقدموا على هذه القسوة، ودفعوا أنفسهم إلى هذا العنف، أقوياء أشداء يستمتعون بلين الحياة، فينعمون بطيباتها، يبتسمون لضوء الشمس إذا أصبحوا، ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويطمئن بعضهم إلى بعض، ويشفق بعضهم من بعض، ويضطربون في حياتهم بعد هذه المأساة كما كانوا يضطربون في حياتهم من قبل، لا يمس قلوبهم حزن، ولا يبلغ نفوسهم أسى، ولا ينتهي إلى ضمائرهم ندم، ولا تغشى وجوههم كآبة، كأنهم لم يحدثوا شيئاً، ولم يظلموا أحداً، ولم يحولوا بين الصغار وبين ما لا ينبغي أن يُصرف عن الصغار من هذا الرزق الحلال، الذي يكسبه الآباء الأخيار لأطفالهم الأبرياء.
وكأنهم لم يخرجوا قوماً من هذا الأمن الذي ينبغي للعلماء، إلى هذا الخوف الذي لا ينبغي للعلماء، وكأنهم لم يصدوا عن العلم قوماً خلقوا للعلم، ولم يصرفوا عن التعليم قوماً أعدوا حياتهم للتعليم، وكأنهم لم يردوا عن تعليم الدين والدعوة إليه قوماً هيئوا لتعليم الدين والدعوة إليه.
نعم، هؤلاء الذين أحدثوا هذه المأساة يستمتعون الآن بلين العيش، وإن نيفاً وسبعين من إخوانهم في العلم ليشكون بالعيش الخشن الغليظ، وهم ينعمون بطيبات الحياة، وإن قوماً من إخوانهم في الدين ليبتئسون بشر ما يبتئس الناس به في هذه الأيام السود، يبتسمون للشمس إذا أصبحوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون الشمس بوجوه لا ترتسم عليها ابتسامة الراحة والأمن والاطمئنان، وإنما ترتسم عليها ابتسامة الصبر، والرضى بقضاء الله، والثقة بأن عدل الله قريب.
ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون ظلمة الليل وفي قلوبهم ألم مما مسهم به النهار من ضر، وفي نفوسهم قلق وإشفاق مما قد يمسهم به الغد من ضر، وفي ضمائرهم مع ذلك إيمان وثقة بأن عدل الله قريب.
نعم، إن الذين أحدثوا هذه المأساة منذ ثلاثة أعوام لا يزالون كما كانوا حين أحدثوها، لم يصل الندم إلى نفوسهم بعد، ولم يبلغ الحزن قلوبهم بعد، ولم يرتسم أمام ضمائرهم أنهم قد ظلموا إخوانهم، وبطشوا بهم في غير حق، وقسوا عليهم في غير ما يدعو إلى القسوة، وابتغوا لهم الشر، وكان ينبغي أن يبتغوا لهم الخير، وألقوا بهم وبمن يعولون من النساء والأطفال، ومن ذوي القربى فرائس لهذه الوحوش الضارية التي تفسد الحياة المصرية في هذه الأيام، وحوش الخوف والقلق، والشقاء، والبؤس، والحرمان.
نعم، لم يحزنوا، ولم يندموا، ولم يذكروا شيئاً من هذا، ولم يفكروا في شيء من هذا، ومع ذلك ففي أعوام ثلاثة ما يكفي ليتوب المذنب، ويتوب المخطئ إلى الصواب، ويتنبه الغافل من غفلته، ويستفيق الجاهل من جهله، ويعتبر من هو قادر على أن يعتبر، ويندم من هو مستعد ليذوق ألم الندم ولذته في وقت واحد.
في ثلاثة أعوام ما يكفي للتذكر والتفكر والرجوع إلى الحق، والانصراف عن الباطل، وإصلاح الخطأ، وإنصاف المظلوم. في هذه الأعوام الثلاثة ما يكفي ليتبين شيخ الأزهر وأصحابه الذين أعانوه على هذه المأساة، أنهم كانوا مسرفين على أنفسهم وعلى هؤلاء الناس، وأن من الحق عليهم لأنفسهم ولهؤلاء الناس أن يتوبوا من هذا الإسراف، ويثوبوا إلى ما ينبغي لهم من القصد، وأنهم كانوا مخطئين، ومن الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، وأن يردوا إلى هؤلاء الناس حقهم ويعيدوهم إلى حيث كانوا يعملون، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه لم يتبينوا إلى الآن شيئاً، أو هم لم يريدوا أن يتبينوا شيئاً، أو هم كانوا يعلمون كل شيء حينما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولكنهم مع ذلك أقدموا، لا خائفين ولا وجلين، ولا حاسبين لشيء حساباً.
ما أقسى قلوب الناس وأغلظها، وما أخشن طباع الناس وأجفاها، وما أشد ما تحب بعض الضمائر أن تخلد إلى النوم. إن شيخ الأزهر وأصحابه ليرون هؤلاء المظلومين منذ ثلاثة أعوام، وهم يحتملون الظلم، ويشقون بآلامه، ويثبتون له كراماً، ويصبرون عليه أقوياء النفوس، وإن في بعض ما يرون من أمرهم وما يعلمون من أطوارهم لما يكفي لتنغيص الحياة أثناء النهار، ورد النوم عن الجفون أثناء الليل، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه يحيون بياض النهار سعداء ناعمين، وينامون ملء جفونهم سواد الليل، لا تؤرقهم الهموم، ولا يقلقهم الندم، ولا تروعهم الأحلام.
لقد كنت أعلم قبل أن يبسط صدقي باشا على المصريين ظل هذا العهد، أن في الدنيا ظلماً كثيراً، وأن الناس جميعاً عرضة لأن يصدر عنهم الظلم، ويقع عليهم، ولكني ما كنت أقدر في يوم من الأيام أن الأزهر الشريف سيصيبه مثل ما أصابه في هذا العهد، وأن نيفاً وسبعين من علمائه ستقطع أرزاقهم في لحظة قصيرة في غير سؤال، ولا تحقيق، ولا محاكمة، ولا رعاية لحرمة من الحرمات، ولا لتقدير ظرف من الظروف، ولا تفكير فيما سيؤول إليه أمر هذا العدد الضخم من علماء الدين، ومن يعولون من الصغار والضعفاء، ولا حساب لأمر هؤلاء الطلاب الذين كانوا يختلفون إلى دروسهم، ويستعينون بهم على التفقه في العلم والدين.
لم أكن أقدر أن حدثاً كهذا الحدث يمكن أن يلم بالأزهر لأني كنت أعتقد أن مكانة الأزهر من الدين ستحميه دائماً من أن يقع فيه الظلم الشنيع أو تحدث فيه الأحداث الجسام، ولكن أيام صدقي باشا أبت إلا أن ترينا كل شيء، وأن تكره التاريخ على أن يسجل ما لم يتعود تسجيله منذ أنشئ الأزهر، ويثبت أن نيفاً وسبعين من العلماء قد أخذوا بالشبهة، وعوقبوا على الظنة، وكانوا آمنين مطمئنين، فدفعوا في لحظة قصيرة إلى القلق والخوف.
ولم أكن أقدر أن علماء الأزهر سيفقدون ما لا ينبغي أن يفقد رجال الدين من التعاطف والتراحم فيما بينهم، ومن إنكار الشر وجحود الظلم والوقوف في وجه العدوان، ولكن قسوة صدقي باشا وصرامة حكمه وهذه الألوان من العنف، التي أحاط بها كل شيء وكل إنسان، كانت أقوى فيما يظهر من التعاطف بين رجال الدين، فأخرج هذا العدد الضخم من الأزهر ودفعه إلى الشارع، ولم يظهر من علماء الأزهر إنكار، ولم يجر لسان واحد منهم باحتجاج، وأكبر الظن أن كثيرين منهم تجنبوا هؤلاء المظلومين مخافة أن يتهموا أو أن يساء بهم الظن، أو أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء من ظلم وجور.
وكذلك انتهى الفساد إلى أقصاه، وبلغ الشر غايته في هذه الأيام؛ يقع الظلم العنيف حيث لا ينبغي أن يقع الظلم، حتى إذا وقع لم ينكره أحد، وإنما استكان له الناس جميعاً، وخاف منه الناس جميعاً، وأصبح الذين كان ينبغي أن يكونوا دعاة إلى العدل وحماة للحق خائفين وجلين، يسألون الله أن يدرأ عنهم الشر، ويدفع عنهم السوء، ويلطف بهم في القضاء.
لا يمكن أن يصل الضعف إلى شر من هذا، لا يمكن أن يعقد الأمل بقوم ينتهون من الضعف إلى مثل هذا، لا يمكن أن ينتظر الخير من قوم يلقون الشر بمثل هذا.
لا يمكن أن يرجى الصلاح عند قوم يطمئنون إلى الفساد مثل هذا الاطمئنان، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، والذين صبروا لهذا الظلم ثلاثة أعوام، مؤمنون بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، ونحن نؤمن معهم أصدق الإيمان بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، وبأنه سيرد عليهم حقهم، ولكن لا على أيدي الأزهريين، بل على أيدي قوم آخرين.
طه حسين
الوادي، ١٧/ ٩/ ١٩٣٤.
Tag: Sidqi Pasha
-
مأساة
-
خوف
حديث الوادي
خوف…
يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.
نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.
حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.
هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.
كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة
وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.
إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.
فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.
طه حسين
الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤. -
أزمة٢
حديث الوادي
أزمة . . .
يتمناها أكثر الناس، لأنها تزيل عنهم همًّا ثقيلًا، ويخافها أقل الناس، لأنها تُغلق في وجوههم أبواب الأمل، وتأخذ عليهم سبل الحياة. ويتحدث عنها المحبون لها، والمثقفون منها، فيطيلون الحديث. أولئك يسألون متى تنشأ، ويتلمسون الأسباب لنشوئها، ولا يكادون يسمعون أن حدثًا قد حدث، أو نبأ قد أُذيع، حتى يجدوا في استكشاف ما بينه وبين الأزمة من سبب، وحتى يتمنوا أن تحقق الأيام ما خيلت الأحلام. وهؤلاء يسألون عنها أيان مرساها. لا يسمعون حديثًا إلا اضطربت قلوبهم، ولا يُلقى إليهم نبأ من الأنباء إلا طارت نفوسهم، فهم يتمنون أن تمحو الأيام ما خيلت الأحلام. أولئك وهؤلاء قلقون، ومن أولئك وهؤلاء تأتلف الأمة، ويتكون الشعب. كثرة قلقة لأنها تريد سقوط الوزارة، وقلة ضئيلة قلقة لأنها تريد بقاء الوزارة. ما نرى أن حالة سياسية تستطيع أن تكون شرًّا من هذه الحال التي لا يبرأ فيها مصري من القلق، ولا يأمن فيها مصري من الخوف، ولا يطمئن فيها مصري إلى غد، ولا يخلو فيها مصري إلى نفسه، إلا أنكر ما كان، وأشفق مما سيكون، وتمنى على الله شيئًا يحلم به، ولا يكاد يطمع فيه، ومع ذلك فهذه هي حال المصريين.
تحدث إلى من شئت من الناس، فسيكون أول الحديث في الأزمة السياسية، وسيكون آخر الحديث الأزمة السياسية، وسيلم الحديث بين هذا وذاك، بأطراف من موضوعات مختلفة، ولكنه سينتهي دائمًا إلى الأزمة السياسية، كأن الناس لا يعيشون إلا بالأزمة السياسية، وكأن أمس الناس ويومهم وغدهم لم تُخلق إلا للأزمة السياسية.
ومع ذلك كله، فالذين أقاموا هذه السياسة السعيدة، وفرضوها على المصريين فرضًا، لم يكونوا يريدون هذا، ولا يسعون إليه، إنما كانوا يريدون أن يصرفوا المصريين عن السياسة، فإذا هم يدفعونهم إليها دفعًا، وأن يزهدوا المصريين في السياسة، فإذا هم يرغبونهم فيها ترغيبًا. فإذا كان هناك إخفاق يمكن أن يُهنأ به المخفقون، وفشل يمكن أن يُهنأ به الفاشلون، فهو هذا الإخفاق وهذا هو الفشل. فأصحاب هذا العهد السعيد لم يوفقوا إلى شيء، ولم يظفروا بشيء. كانوا يريدون أن يُلهوا المصريين عن حقوقهم، فإذا هم ينتهون إلى أن يزيدوا المصريين حرصًا على هذه الحقوق. كانوا يريدون أن يأخذوا المصريين بالخضوع والخنوع، فإذا هم ينتهون إلى قطع الأسباب بين المصريين وبين الخضوع والخنوع. ثم كانوا يريدون أن يردوا المصريين إلى حياة القرون الوسطى، تلك التي لم يكن الشعب يُعنى فيها بالسياسة، وإنما كان يترك الأمر لأولي الأمر، فإذا هم ينتهون إلى أن الشعب قد أصبح يُعنى كله بالسياسة، ويؤمن أصدق الإيمان بأنه وحده صاحب الأمر، وبأن غيره إن عُني بالسياسة، فلا ينبغي أن يُعنى بها إلا نائب عنه ومفوض منه ليس غير.
مهما يكن من شيء، فقد عاد الناس إلى حديث الأزمة السياسية، أو إلى حديث الأزمة الوزارية إن أردت التدقيق. قوم يؤكدون أنها قائمة، وقوم يقسمون بالله جهد إيمانهم أنها وهم من الأوهام، وخيال من الخيالات. أولئك ينظرون إلى طبائع الأشياء، وهؤلاء يعتمدون على الأماني والآمال. فإذا سألت حقائق الأشياء، فالأزمة قائمة منذ نهضت الوزارة بأعباء الحكم، بل منذ فُرضت هذه السياسة على المصريين فرضًا. ففرض هذه السياسة نفسه أزمة لم تخلص منها البلاد بعد. وكل الأحداث التي حدثت أيام صدقي باشا كانت خليقة أن تُسقط ألف وزارة ووزارة، ولكن صدقي باشا ظل قائمًا في منصبه رغم الشعب ورغم الأحداث ثلاثة أعوام وبعض العام، ثم هوى في يوم من الأيام، لسبب لا تزال حقيقته مجهولة من الشعب على الأقل إلى الآن. ونهوض الوزارة القائمة بالحكم كان في نفسه غريبًا، وأعمال الوزارة القائمة منذ نهضت بالحكم، كان كل واحد منها يكفي لإسقاط وزارة. فالوزارة التي تعد بإصلاح الحياة الاقتصادية ثم لا تزيدها إلا فسادًا، خليقة أن تُسقط، ولكنها مع ذلك باقية! والوزارة التي تعد بحل مسألة الدين العام دون مفاوضة، ولا خروج عن قاعدة الدفع ورفضًا، ثم تفاوض، ولا تنتهي إلى شيء، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك باقية! والوزارة التي تأخذ على نفسها العهود، لتحسمن داء الدين العقاري حسمًا، ثم لا تحسم منه شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن موافقتها للقضاة المصريين على موقفهم في المحاكم المختلطة بإزاء رئاسة الدوائر، وبإزاء مسألة اللغة العربية ثم تعجز عن أن تصنع لهم شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن أنها ستفاوض في أمر المحاكم المختلطة، مفاوضة الوزارة التي تقوم على أمر بلد مستقل، ثم لا تُقدم على ذلك إلا أن يأذن به الإنجليز، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي يخرج رئيسها من الحكم منكرًا على صدقي باشا حوادث العبث والتعذيب، ثم تقع في وزارته حوادث العبث والتعذيب، فلا يصلح منها شيئًا، ولا يرد الناس إلى أمن، ولا إلى طمأنينة، ولا يعصم أجسامهم من العذاب، ولا يُخلي بين نفوسهم وبين الحرية، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة. كل شيء يحيط بالوزارة، وكل شيء تأتيه الوزارة، خليق أن يثير الأزمة الوزارية الحادة، وأن ينتهي بالوزارة إلى السقوط، ولكن الوزارة مع ذلك قائمة، تَبسُم للأزمات، وتَبسُم لها الأزمات، كأنما بينها وبين الأزمات مودة ومحالفة. ذلك لأن كل هذه الأزمات إنما تُسقط الوزارات لو أن الوزارات تقوم على إرادة الشعب، وبإرادة الشعب، وتُسقط حين لا يريدها الشعب، ولا يطمئن إلى بقائها. فأما إذا فُرضت الوزارات نفسها، أو فرضتها الظروف على الشعب، فهذه الأزمات لا قيمة لها ولا خطر. وإنما الشيء الذي له القيمة وله الخطر، هو شيء مجهول. لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا. لا تستطيع أن تتنبأ به، ولا أستطيع أنا أن أتنبأ به. هو شيء يستطيع أن يهبط من السماء، أو أن ينجم من الأرض، أو أن تأتي به الريح من مكان سحيق، فإذا هو يُسقط الوزارة، ويرسل الوزراء إلى دورهم، على حين لم تكن الوزارة تُقدر لنفسها السقوط، ولم يكن الوزراء ينتظرون أن يستقروا في الدور. هو شيء كهذا الذي هوى بصدقي باشا، وقد كان صدقي باشا يُعلن أنه قوي متين، مستمتع بثقة البرلمان. هو شيء ليس إلى تعليله ولا إلى تأويله من سبيل. هو شيء فوق البحث، هو شيء فوق الحديث. هو شيء يجب أن ننتظره، وأن ننتظر وقوعه في كل لحظة. حين ينتظر، وحين لا ينتظر، حين يُقدَّر، وحين لا يُقدَّر، حين يُرجى، وحين لا يُرجى، حين يُخاف، وحين لا يُخاف. فإذا زعم الناس أن الأزمة قائمة فهم صادقون، ولكنها أزمة لا تُغني. وإذا زعم الناس أن الأزمة غير قائمة فهم صادقون، لأن أمر الوزارة ليس رهينًا بالأزمات. وإذا قال عبد الفتاح يحيى باشا إن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فهو صادق، لأن الناس ما زالوا يُعذَّبون، ولأن الأحداث والهموم لا زالت تصب على رؤوس المصريين. وإذا انتشر خبر فجال على غير حساب ولا انتظار بأن عبد الفتاح يحيى باشا قد رفع استقالته إلى جلالة الملك، فصدق هذا النبأ فهو ممكن، وقد كان مثله منذ أقل من عام. تستطيع إذن أن تصدق كل شيء، وتستطيع إذن أن تكذب كل شيء. لأننا نعيش في عهد لا قيمة فيه للتصديق، ولا للتكذيب، ولا لأحكام المنطق، ولا لتفكير العقل. وإنما القيمة كل القيمة في هذا العهد للمصادفة، التي لم يوفق الإنسان بعد إلى أن ينظمها بقانون. فانتظر كل شيء، ولا تنتظر شيئًا، واصبر حتى يظهر قضاء الله.
طه حسين
الوادي، ٢٦ يوليه ١٩٣٤. -
نصيحة
حديث الوادي
نصيحة . . .
قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها، لأنه عندنا، وعند غيرنا من الناس، أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أن يحتاج إلى الأوليات. ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إن كان قرب عهده بمصر لم يمكنه من فهم حقائق الأشياء فيها، كما فهم حقائق الأشياء في الصين. ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أن يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سبباً للجاه وطريقاً إلى السلطان، وأسلوباً من أساليب الدعاية، لغاية من هذه الغايات التي تظهر حيناً وتستخفي أحياناً. وهي أن حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان وحملها على الهتاف والتصفيق ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان. كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يكون لوناً من الوان الهزل، وفناً من فنون السخرية، بعد أن يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضرباً من ضروب العنف، وأسلوباً من أساليب السخرة والإكراه.
وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أن يلائم الرجل الكريم وما ينبغي له من الشعور بكرامته والرضا باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة او مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئاً من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به، عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه. وهو في آخر الأمر لهو، وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئاً، وإنما يزيدهم حقداً إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظاً إلى غيظ.
يضيق الناس أشد الضيق بالعمد، وبرجال الإدارة، وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع، لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين، لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أن يفروا منه فراراً، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلاً من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون. فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين ويصفقون محزونين ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضا، والسخط يأكل قلوبهم أكلاً. حتى إذا
انتهت هذه المأساة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين، مما رأوا ومما سمعوا، ومما اتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح. فلا تبقى له باقية وإنما هو كلام يقال، ثم لا يلبث أن ينسى.
وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أن تظفر بالتأييد الخالص. وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم أن تخدع نفسها أولاً فتخيل إلى نفسها أن الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضا الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلاً لأن تحكم الناس وتقضي في أمر الجمهور. وهي قد تصل أحياناً إلى أن تخدع نفسها حقاً، وهذا نادر جداً، حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم. وقد تعجز عن أن تخدع نفسها فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأوليائها من الإنجليز. حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفاً، وسخرة، وإكراهاً، وأنه قد كان لهواً، ولعباً وفكاهة ومزاحاً.
ولعل أصدق الأمثلة لهذه المأساة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين. ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أن الناس راضون عنه محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار. حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئاً، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء. والإنجليز يظهرون تصديقه ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضا المصريين عنه ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه. حتى إذا دارت الدائرة، وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن. أنه لم يكن ظافراً برضا ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمناً بأن أحداً يرضى عنه، أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أن الإنجليز أنفسهم، أبوا أن يفاوضوه. لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب لا يؤيده. ولا يميل إليه.
هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعاً، ويتحدث بها الناس جميعاً، ونحن نحرص أشد الحرص على أن يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين الساميين أيضاً. فقد كان لورد كرومر يظن، وكان الإنجليز يظنون معه، أن أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه، ويثقون به، ويطمئنون إليه. فلما هوى ظهر له وللإنجليز أن أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.
وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر. وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه. فإذا حياة الفلاحين، والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحداً من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة، من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أن يجمع له المصريين وأن يسمعه هتافهم، وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم، وثقتهم. فالخير للمندوب السامي أن يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين. فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف حتى يحل ما بين مصر وإنجلترا من خلاف. ولن يثق الشعب المصري لوزير ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن ومهما تكن الظروف حتى يطمئن الشعب المصري إلى أن هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب. وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أن يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع. والخير كل الخير، والراحة كل الراحة والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي، وكرامة بريطانيا العظمى، ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحراراً في بلادهم حقاً، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين لا خائفين ولا عابثين.
طه حسين
الوادي، ٢٣ يوليه ١٩٣٤. -
استقالة٢
حديث الوادي
استقالة…
لم يرفعها رئيس الوزراء بعد إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يؤثر أمته بالخير ويحب لوطنه العافية وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حق، وتكليف لا تشريف. ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور، فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا يقضي عليه بأن يستقيل. فالشعوب لا تُخدم بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقق بالقصور، والضمائر الحية لا تتيح لأصحابها أن يسرفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به وأن يكابروا الحوادث والخطوب فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها وينفذوا منها مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم ثم إلى آذانهم ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا، لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعنى بأمر الاقتصاد أكثر مما يُعنى بأمر السياسة. وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.
كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان. ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدن لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفيه. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلفها صدقي باشا، عجزًا تامًا. وقد انقضى العام السياسي، ولم يوفق الرجل الطيب ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدد في مسألة الدين العام، تشددًا وضعفًا في وقت واحد. كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها. وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا. وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية، وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا. إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية. واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع. حياة كلها خلط، فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر، والانهزام الذي لا شك فيه. وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًا أو ما يقرب من العام، فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا وفسادًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.
أمة كانت هادئة النفس ومن حقها أن تهدأ فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر حائرة لا تدري ماذا يراد بها. وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تقام الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره، فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني أينما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي ورطت فيه.
كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه يلتمسون المنافع التي تُلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان. فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيَسْمع للضمير ولصوت الوطن وهما يلحان عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟. ولا يخدع رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد، فإن وزارته ميؤوس منها، قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشد عجزًا وأعظم إخفاقًا، ذلك أن الأمم لا تحكم رغم أنفها، ولا تُخدم على غير ما تريد في هذه الأيام. ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيد وزارته ولن تؤيدها. فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئن إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جد الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية، فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب، وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب سيلًا صحيحًا. ولو وثق الأجانب بحكومة يفر منها الشعب، لفاوض الإنجليز صدقي، واطمأن الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب. ولما فشل مؤتمر لندن، فنحن واثقون كل الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكِّنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحل مشكلاته السياسية والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال. فليرفع استقالة وزارته، فإن وزارته هي التي تحول بين مصر وبين هذا كله. وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين. وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.
أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.
فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله. فما نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا…
طه حسين
حديث الوادي، ١٨ يونية ١٩٣٤. -
جريء
حديث المساء: جريء
طه حسين
كوكب الشرق
١٦ فبراير ١٩٣٤
هو — من غير شك — دكتاتورنا العظيم صدقي باشا، فقد تستطيع أن تبحث بين المصريين وغير المصريين عن رجل تستطيع أن تصفه بهذا الوصف وأنت مطمئن واثق بأنك لم تخطئ ولم تقصر ولم تسرف، فلن تجد غير هذا الرجل العظيم.
وعظماء الرجال يمتازون في أكثر الأحيان بصفات خاصة تُشخِّص عظمتهم، وتخطر للناس كلما ذُكِرَتْ أسماؤهم؛ فهذا يمتاز بالرحمة، وهذا يمتاز بالشجاعة، وهذا يمتاز بسعة العقل، وهذا يمتاز بسعة الحيلة، وهذا يمتاز بطيبة القلب، وهذا يمتاز بحب التقاليد، وهذا يمتاز بالإقدام يتبعه الإحجام، وبالكر يتبعه الفر، وبالتورط في الكلام …
أما صدقي باشا فيمتاز بالجرأة … بالجرأة التي لا حد لها … لا في الطول، ولا في العرض، ولا في العمق.
فصدقي باشا جريء في أي نحو من الأنحاء، جريء على نفسه، جريء على الناس، جريء على الدستور، جريء على القانون، جريء على الأجانب، جريء على الإنجليز، جريء على ما شئت وما لم تشأ، جريء على من شئت ومن لم تشأ. لا يخاف شيئًا، ولا يحسب لشيء حسابًا، ولا يرجو لشيء وقارًا. ليس هو الرجل الجريء وإنما هي الجرأة تمثلت رجلًا بهذه الصفة.
امتاز صدقي باشا بين عظماء المصريين، بل بين عظماء العالم كله إن شئت، فما ينبغي أن تتكلف مع صدقي باشا تحقيقًا أو تدقيقًا؛ لأن الرجل لا يتكلف مع نفسه ولا مع الناس تحقيقًا ولا تدقيقًا.
كان محاربًا للوفد، يكيد له ويهجم عليه، يتربص به الدوائر، ويصب عليه ما استطاع من المكروه. ثم لم يمنعه ذلك أن يكون صديقًا للوفد مسرفًا في الصداقة، يجهر بتأييده والذود عن مبادئه، جادًّا في ذلك متهالكًا عليه!
ثم دارت الأيام دورة قصيرة غير طويلة، فإذا صدقي باشا حرب على الوفد يجهر بمخاصمته والتأليب عليه جادًّا في ذلك متهالكًا عليه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة جدًّا وإذا صدقي باشا يفكر في التقرب إلى الوفد، ويسعى في ذلك ولا يتردد في أن يتحدث به أو يستعين عليه بمن وسعه أن يتحدث إليهم أو يستعين بهم.
ثم دارت الأيام دورة قصيرة وإذا صدقي باشا يؤلف وزارته برغم الوفد وبرلمان الوفد، وإذا هو يلغي الدستور وقد كان من أشد أنصار الدستور، وإذا هو يحل البرلمان.
وأغرب من هذا كله أنه لم يتردد لحظة في أن يجهر بأن الأمة كلها كانت معه حين لم يستطع أن يصل إلى البرلمان وكانت معه بعد أن وصل إلى البرلمان، وكانت معه حين لم يستطع أن ينال الإذن بدخول البرلمان وكانت معه حين حل البرلمان، وكانت معه حين كان حريصًا على دستور سنة ١٩٢٣ وكانت معه حين كان معطلًا لهذا الدستور، وكانت معه حين رجع إلى تأييد هذا الدستور ثم كانت معه حين رضي عن تعطيل الدستور، وظلت معه حين كان يسعى إلى الوفد ليستمتع بنعمة هذا الدستور، ثم ظلت معه حين ألغى الدستور وحين أنشأ الدستور الجديد.
ولما ألف وزارته وأصدر الدستور، ودعا إلى الانتخاب وأجرى هذا الانتخاب لم يَبْقَ شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه؛ لأنها أعطته سبعة وستين وسبعة أثمان من أصوات الناخبين، ولم يكن شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه تمنحه التأييد وتخلص له الود، حين كان ما كان في البداري وغير البداري من مواطن الخزي.
وأغرب من هذا أن الأمة كلها كانت معه، حتى خصومه الذين كانوا يحاربونه فهم كانوا يحاربونه في ظاهر الأمر ويؤيدونه من وراء الستار، حتى تلك الأرواح التي أُزْهِقَتْ في ظِلِّ حكمه السعيد فإنها كانت تصعد إلى السماء راضية عنه مثنية عليه، داعية لحكمه بطول البقاء؛ لأنه ضحى بها في سبيل الحرية، وأزهقها في سبيل حماية مصر من الفوضى والخراب!
ثم دارت الأيام دورة كانت قصيرة في حساب الزمان؛ لأنها لم تكن تتجاوز الأعوام الثلاثة، وكانت طويلة في حساب المصريين؛ لأنها كانت مملوءة بالشر والضر، وبالهول والروع …
دارت الأيام هذه الدورة القصيرة الطويلة، وإذا صدقي باشا تزل به قدمه فيهوي عن منصب الحكم، ولكن الأمة في هذا الوقت نفسه كانت معه، كانت تظهر الفرح بسقوطه، وتضمر حزنًا ممضًّا وألمًا لازعًا عميقًا!
واستقال من حزب الشعب فأظهرت الأمة فرحًا بذلك، وأضمرت الأمة حزنًا على ذلك، ورجع إلى حزب الشعب، فلم تبخل الأمة عليه بالتأييد والتشجيع، واستقال من مجلس النواب فجزعت الأمة لهذه الاستقالة فيما بينها وبين نفسها، وفيما بينها وبين الله، وأظهرت الأمة رضا بذلك اتقاء لصولة الرجل الطيب ليس غير، فلما رجع إلى مجلس النواب لم تستطع الأمة أن تخفي ابتهاجها، ولا أن تسر اغتباطها، وإنما اندفعت إلى ذلك اندفاعًا، واستبسلت في ذلك استبسالًا، ولم تحفل بسخط الرجل الطيب ووزارته.
وكان الرجل الطيب طيبًا حقًّا، فلم يؤدبها ولم يعذبها وإنما صبر لها على هذا الجموح، وغفر لها هذه الزلة. وأكبر الظن أنه خاف من صدقي باشا ومن أسئلته في مجلس النواب ومن استجواباته التي لا تثبت لها الوزارات مهما تكن قوية، فكيف إذا كانت وزارة طيبة كوزارة الرجل الطيب؟!
وكان صدقي باشا رجلًا مطمئنًّا كل الاطمئنان أثناء تلك الحرب المنكرة التي أثارها عليه الرجل الطيب، لم يداخله خوف ولم يصل إلى قلبه ذعر، وقد أخطأ من ظن أنه استقال من حزب الشعب أو من مجلس النواب فرارًا أمام الرجل الطيب أو خوفًا من وزارة الرجل الطيب … إنما استقال لعبًا بطيبة الرجل الطيب. واللعب مباح لعظماء الرجال؛ فهم في حاجة إلى أن يرفهوا على أنفسهم، وإلى أن يظفروا بشيء من اللهو البريء الذي يضحكهم ويضحك الناس أيضًا.
وأُثِيرَتْ حول صدقي باشا إشاعات وأنباء تملأ الأرض والسماء فلم يَضِقْ بها ولم يجزع لها، وإنما لقيها باسمًا ساخرًا؛ لأنه جريء لا يخاف شيئًا ولا يحسب لشيء حسابًا ولا يرجو لشيء وقارًا.
أُثِيرَتْ حكاية القطن فابتسم لها وهزأ من الذين أثاروها وتحدَّى وزير المالية أن يتكلم فلم يستطع وزير المالية أن يتكلم.
أُثِيرَتْ قصة الكورنيش؛ فضحك منها وأطمع الناس فيه … دنا من المحققين حتى كادوا يضعون أيديهم عليه، ثم نأى عن المحققين حتى عجزوا عن أن يبلغوه بالأبصار فضلًا عن أن يبلغوه بالأيدي، وهو الآن يذهب ويجيء في القاهرة وفي مصر كلها، وبين داره ومجلس النواب.
ترك حزب الشعب وناديه ارتفاعًا عن حزب الشعب وناديه، ولكنه سينشئ لنفسه ناديًا؛ فهو لا يستطيع أن يعيش من غير أن يكون له نادٍ يتجلى فيه على مريديه، وهو الآن يخطب في مجلس النواب، ويقف أمام الرجل الطيب معتدل القامة، مرفوع الرأس، شامخ الأنف، منطلق اللسان. ثم يخطب فيدفع وزير المالية ووزير الزراعة إلى ما شئت من التورط والاضطراب.
أفتشُكُّ بعد هذا كله في أن عظمة صدقي باشا إذا امتازت بشيء فإنما تمتاز بالجرأة؟!
وقد فرغ صدقي باشا من خصومه الشعبيين وأشباه الشعبيين، والتفت صدقي باشا إلى أصدقائه القدماء … إلى الإنجليز، وهل نَسِيَ صدقي باشا أصدقاءه الإنجليز في يوم من الأيام؟! ولكنه أظهر الالتفات إليهم على كل حال وأخذ يتحدث إلى صحفهم، فبدأ بالإجبشيان جازيت، ولعلَّه أن يُثَنِّي بالديلي تلغراف، وأن يُثلِّث بالتيمس، وأن يغمر الصحف الإنجليزية كلها بأحاديث … يا لها من أحاديث!
وسيعلم الرجل الطيب منذ اليوم كيف تكون السياسة، وكيف تكون الحرب بين أقطاب السياسة، وسيستيقن الرجل الطيب منذ اليوم أن ليله لن ينام، وأن نهاره لن يستريح؛ فقد نشط صدقي باشا وهمَّ بالهجوم، وويل لخصوم صدقي باشا حين ينشط، وحين يهم بالهجوم!
وقد أظهر صدقي باشا في حديثه مع الإجبشيان جازيت أقصى ما يستطيع الرجل الجريء أن يظهره من الجرأة، فأنكر نفسه إنكارًا تامًّا، وكذَّب نفسه تكذيبًا قاطعًا، ومحا شخصية كانت له، واتخذ مكانها شخصية جديدة، ولم يستبدل شخصية بشخصية في السر خلف الأستار، ومن دون الأبواب المغلقة، وإنما خلع ثيابًا ولبس ثيابًا أخرى جهرة أمام الناس جميعًا، لم يتردد في ذلك ولم يشفق منه، ولم يحفل بما سيقوله الناس. ومتى حفل صدقي باشا بما سيقوله الناس؟! فصدقي باشا رجل هو أعظم من الناس جميعًا!
كان صدقي باشا يقول ويقول، ويحمل زملاءه على أن يقولوا ويقولوا أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، وأنه منتهٍ برغم خصومه جميعًا إلى المفاوضة ثم إلى إمضاء المعاهدة، ثم إلى إبرام المعاهدة. قد اتفق على ذلك مع الإنجليز في مصر، ثم اتفق على ذلك مع وزير الخارجية الإنجليزية في جنيف، ثم بدأ في ذلك مع المندوب السامي في مصر حتى أخذ خصومه يسألون أنفسهم: كيف يستطيع رجل أن يجرؤ على تقرير الباطل إلى هذا الحد؟!
ولكن صدقي باشا لم يتردد أول أمس في أن يعلن في هدوء لا يشبهه هدوء أن كل ما قال وحَمَل زملاءه على أن يقولوه إنما كان تمويهًا وتهويشًا ولعبًا بالعقول وضحكًا على الذقون وأن الإنجليز لم يفاوضوه، ولم يهموا بمفاوضته، ولم يظهروا ميلًا إلى هذه المفاوضة وإنما أفهموه أنهم لا يريدون أن يفاوضوا إلا حكومة ديموقراطية حقًّا …
وإذن؛ فقد كان صدقي باشا أثناء الحكم يريد أن يضحك على الناس فيضحك على نفسه وعلى زملائه لتجوز الحيلة ويخفى التكلف، وهو الآن يريد أن يضحك على الناس مرة أخرى فيضحك على نفسه وعلى أصدقائه مرة أخرى لتجوز الحيلة وليظن الناس أنه ما زال رجلًا سياسيًّا يستطيع أن يتحدث في السياسة وأن يرسم الخطط ويفسر التاريخ ويتنبأ بالمستقبل.
ولم ينس صدقي باشا إلا شيئًا واحدًا يسيرًا جدًّا، وهو أن جرأته لم تخدع أحدًا في يوم من الأيام، وأن أحدًا لم يصدقه في شيء مما قال قبل أن يلي الحكم، وحين ولي الحكم وبعد أن ترك الحكم، وأن الناس لن يصدقوه اليوم بعد أن أبوا تصديقه أمس.
إنما كان صدقي باشا رجلًا عظيمًا حين واتته الظروف وأمكنته الفرص، فلما خذلته الظروف وتخلت عنه الفرص أصبح رجلًا كأيسر الناس قدرًا وأهونهم شأنًا؛ فهو يستطيع أن يذهب ويجيء، وأن يصول ويجول، ويكتب ويقول؛ فلن يبلغ شيئًا إلا أن تعطف عليه تلك الظروف التي عطفت عليه من قبل، فجعلته رجلًا عظيمًا.
وصدقي باشا جريء؛ فهو يدور حول هذه الظروف لعلها تعطف عليه، ولعلها تجعله رجلًا عظيمًا مرة أخرى، ولعلها ترفعه إلى الحكم، وتديل له من الرجل الطيب … ولكن الجرأة شيء والفطنة شيء آخر، وكثيرًا ما يكون الرجل جريئًا وتخطئه الفطنة برغم جرأته.
والظاهر أن صدقي باشا لم يفقد جرأته ولكن المرض قد ترك في فطنته ندوًبا وآثارًا، فهو يطمع في غير مطمع، ويدور حول ما لا سبيل إلى الوصول إليه، وأقصى ما يبلغه صدقي باشا بهذه الأحاديث إنما هو تنبيه الرجل الطيب إلى حربه، ولفت الرجل الطيب إلى أنه لم يُلْقِ السلاح بعد، وإلى أنه ما زال قادرًا على أن يعرض به ويكيد له ويتقرب على حسابه إلى الإنجليز، وقد يخاف الرجل الطيب ذلك وقد لا يخافه …
ولكن أحدًا غير الرجل الطيب وأصدقائه لا يستطيع أن يحسب لشيء من هذا حسابًا ولا أن يناقش صدقي باشا فيما يقول مناقشة الجد، إنما أمر صدقي باشا هزل في هزل منذ الآن، وأظرف ما فيه أن صحيفته القديمة وصحيفة الرجل الطيب الآن صامتة مفحمة أمام هذا الحديث لا تنكره؛ لأنها لم تبلغ من الجرأة ما بلغه صدقي باشا؛ فتنكر نفسها كما أنكر نفسه، ولا تقره؛ لأنها لا تستطيع أن تحارب الرجل الطيب وقد أصبحت سلاحًا في يد الرجل الطيب.
وقد كان من الخير أن تتحدث إلينا صحيفة صدقي باشا أمس وصحيفة الرجل الطيب اليوم برأيها في تقرُّب صدقي باشا إلى الإنجليز، والحاجة في هذا التقرب، وكيده للوزارة القائمة، وإغرائه الإنجليز بها، فقد طالما أنكرت ذلك على قوم لم يفعلوه، فما لها لا تنكر ذلك على رجل يفعله ويغرق فيه إلى أذنيه؟! أراضية هي عما يقول مولاها القديم أم ساخطة هي عليه؟!
وشيء آخر ظريف نحب أن نعرف فيه رأي صدقي باشا؛ فهو يرى أن المندوب السامي لا ينبغي له أن يتدخل في شئون الحكم إلا إذا أساءت الحكومة المصرية إلى هذه الشئون، وتعرَّض الحق والعدل والديمقراطية للخطر. هذا رأيه، فقد نحب أن نعلم أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل في موقفه هو من قصة الكورنيش، وفي موقف الحكومة المصرية منه الآن، وفي تقصير الحكومة المصرية أو قصورها عن سؤاله حتى أمام البرلمان.
فليس من شك في أن هذا كله إفساد للحق والعدل والديمقراطية، ودليل واضح على أن أساس الديمقراطية في مصر ضائع أو معرض لخطر عظيم. فما رأي صدقي باشا؛ أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل فيسأل الحكومة المصرية: ما بالها تسأل فلانًا وفلانًا من الموظفين، ولا تفكر، أو لا تريد أن تفكر في سؤال صدقي باشا عن قصة الكورنيش؟
أما نحن فنكره أن يتدخل الإنجليز حتى في هذا، ونؤثر أن يمتاز صدقي باشا، وإن عجزت الحكومة عن سؤاله أو قصَّرت الحكومة في سؤاله؛ لأن امتياز صدقي باشا وإشفاق الحكومة منه أو محاباة الحكومة له إن كانت له نتيجة فإنما هي إقناع الشعب المصري بما هو مقتنع به من أن هذا العهد السعيد، عهد صدقي باشا ليس عهد ديمقراطية، ولا احترام لدستور أو قانون، وإنما هو عهد أزمة من هذه الأزمات التي تعرض للشعوب ثم لا تلبث أن تزول، وهي إنما تزول بتقليم أظافر صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وقطع ما بينهم وبين الحكم أو الطموح إليه من الوسائل والأسباب.
ما أجدر صدقي باشا أن يستريح! فإن استقامة الصحة البدنية ليست كل شيء. -
يستغيثون
حديث الوادي
يستغيثون …
الآن وقت القلوب وكانت غلاظًا لا ينفذ منها شيء، والآن دقت الحواس وكانت صفاةً لا يؤثر فيها شيء. والآن استيقظ العدل وكان نائمًا مغرقًا في النوم، والآن أصبح الظلم بغيضًا وكان محببًا في النفوس، والآن أصبح الجور مرًا وقد كان حلوًا يُستلذ ولا يُقضى الكلف به والميل إليه والتهالك عليه.
والآن أصبح دعاة الظلم يستغيثون من ضحايا الظلم، وأصبح الذين نشروا الجور في الأرض وأقاموا صرحه شاهقًا في السماء، يستغيثون من الذين صُب عليهم الجور صبًّا، وبُسط عليهم العذاب بسطًا. والآن أصبح أصدقاء الإجرام يستغيثون من الذين وقع عليهم الإجرام، والآن أصبحت ضمائر هؤلاء الناس متحرجة تعرف أن في الأرض خيرًا يجب أن يُبتغى، وشرًا يجب أن يُتقى، وأن السلطان يستطيع أن يُغيث إذا استُغيث به، وأن يستجيب إذا دُعيَ، وأن يَحمِيَ اللاجئين إليه. والآن أصبح الذين يسمون أنفسهم شعبيين يشعرون بأنهم قد يتعرضون للخوف، وبأن لهم على السلطان حقوقًا في الحماية فهم يتقاضونها منه، وهم يتقاضونها في جرأة. إن صورت شيئًا فإنما تصور ضعف عاطفة الحياة في نفوس هؤلاء الناس. الله يشهد ما نريد بهم شرًا، فهم أهون من أن نريد بهم الشر، والله يشهد ما ندبر لهم كيدًا، فهم أحقر من أن ندبر لهم الكيد. والله يشهد ما نغري بهم أحدًا، فهم أيسر من أن نفكر في الإغراء بهم أو التحريض عليهم، والله يشهد ما نكتب احتفالًا بشكاتهم حين شكوا واستغاثتهم حين استغاثوا، فهم أدنى من أن يُحفل بهم حين يشكون أو حين يستغيثون. والله يعلم ما نكره للسلطان أن يحميهم فقد أصبحوا ضعافًا يخافون الظلال، بعد أن كانوا قساةً لا يرعون شيئًا ولا يخافون شيئًا، الله يشهد ما نكتب لهم ولا نكتب عنهم، فهم أهون على الناس، وأهون على أنفسهم وأهون علينا من أن نكتب لهم أو نكتب عنهم. إنما نكتب ليرى الناس موضع العبرة فيما انتهت إليه الأمور في مصر، إنما نكتب ليرى الناس موضع العظة فيما تكشفت عنه الحوادث من النتائج والآثار. هؤلاء قوم لم يكونوا يعدلون عند أنفسهم ولا عند الناس ولا عند الله شيئًا، جمعهم الإبراشي باشا وصدقي باشا من كل مكان، واستخرجوهم من كل زاوية، واستلّوهم من كل جحر، ثم جمعوهم في مكان قد هيأه لهم وقالا لهم كونوا
رجالًا فكانوا، ثم قالا لهم كونوا حزبًا فكانوا، ثم قالا لهم اتخذوا لأنفسكم هذه الصحيفة التي نخلقها لكم خلقًا، وننشئها لكم إنشاءً، وننفق لكم عليها من أموال لا تعرفون من أين تأتي ولكنا نحن نعرف من أين تأتي، لا تتكلفوا جهدًا فسنحتمل عنكم كل جهد، ولا تنفقوا مالًا فسننفق عنكم كل مال، بل سننفق عليكم أنتم من المال ما تقدرون وما لا تقدرون. لا تخافوا فسنؤمنكم من كل خوف، ولا تعملوا فسنريحكم من كل عملٍ، حسبكم أن تنطقوا إذا أنطقناكم، وحسبكم أن تسكتوا إذا أسكتناكم، حسبكم أن تتحركوا إذا جذبنا الخيط، وحسبكم أن تسكنوا إذا أرسلنا الخيط، إنما نريد منكم أن تكونوا صورًا متحركةً وتماثيلَ تخدع الناس عن نفسها بما تتكلف من عملٍ وقولٍ، على حين لا تعمل ولا تقول. أجيبوا إلى ذلك فإذا أجبتم لكم ما تشتهون، لكم أن تصبحوا سادة الأرض تخضع لكم الإدارة، ويذعن لكم المديرون تُعفون من كل تكليفٍ، وتفرضون على غيركم ما شئتم من تكليفٍ وإن أبت القوانين أن تمتازوا، وتستثنون وإن أبى الدستور أن تستثنوا، تصبحون في ظاهر الأمر كل شيء، وإن لم تكونوا في حقيقة الأمر شيئًا. كذلك قال الإبراشي باشا وصدقي باشا لهؤلاء الناس، وكذلك استمع هؤلاء الناس وآمنوا واستكانوا لهذين الرجلين، وكذلك بدأ التمثيل الذي اتصل أعوامًا. عبث كان خليقًا أن يضحك ولكنه انتهى إلى الألم اللاذع والحزن الممض، عبث كان خليقًا أن يُلهي ولكنه أحدث من الجرائم ما حرم اللهو على هذا الشعب، حتى تُردَّ له حقوقه الضائعة، وتُرعى له حرماته المنتهكة ويُرفع عنه هذا الذل الثقيل. لقد كان هؤلاء الناس وأدواتهم من رجال الإدارة وجنود الشرطة يبسطون على أبناء الشعب من ألوان الظلم والجور ما يخزي له كل إنسان يجري في عروقه دم، وكانت الشكوى محرمة على أبناء الشعب وكانت الاستغاثة محظورة على أبناء الشعب، وكانت النيابة ممنوعة من الاستماع لأبناء الشعب إذا شكوا والاستجابة لهم إذا استغاثوا، وكان القضاة معرضين لغضب السلطان ونقمته إن عاقبوا الظالم وأنصفوا المظلوم، ولقد حدثنا المحدثون الصادقون أن الرجل من أبناء الشعب الأبرياء كان يُؤخذ إلى دار الشرطة في بعض المدن فيُصب عليه العذاب صبًّا، وتعبث في جسمه السياط عبثًا، وتنفجر الدماء من عروقه فتخضب جسمه الممزق، وهو يصيح ويستغيث وأبناء الشعب يصيحون ويستغيثون والعذاب يُصب ويُصب، والسياط تعبث وتعبث، ورئيس الشرطة يرى ويسمع، ويجد فيما يرى ويسمع لذةً مجرمةً، ولقد رأى
رجل من اليونانيين منظرًا كهذا في مدينة القيسي باشا فانفطر قلب الأجنبي حزنًا على هذا المصري الذي كان يعذبه المصريون، وثار ضميره الأجنبي غضبًا لهذا المصري الذي كان يهينه المصريون، وذهب إلى النيابة يستعديها ويستنجدها فلم تستطع النيابة أن تسمع له لأنها كانت مأمورةً ألا تفعل. ومضى الرجل المسكين يحتمل العذاب ومضى أبناء الشعب المساكين يستغيثون، وعاد الرجل الأجنبي يدق يدًا بيدٍ وقد عجز عن أن يصنع لهؤلاء البائسين شيئًا. وفي أثناء هذا كان الطغاة في القاهرة ينعمون بالحياة ويستعذبون الطغيان ويفيضون على صورهم المتحركة وتماثيلهم الناطقة بفضل ما رزقهم الله، وكانت هذه الصور المتحركة والتماثيل الناطقة تُثنى وتغلو في الثناء، وتُحمد وتُغرق في الحمد، وتعلن أن العدل قائمٌ وأن الإنصاف ميسرٌ، وأن النظام مستقرٌ، وأن ظل الأمن مبسوطٌ. وكان ضمير صدقي باشا وخليفته، وكانت ضمائر القيسي باشا وأعوانه مطمئنةً راضيةً، لا تنغص على أصحابها يومًا ولا تؤرقهم إذا كان الليل فالآن نعم الآن وقد رُفِعَ هذا الشر عن الشعب، الآن وقد هزت جماعاتٌ من الشعب بحجر هؤلاء الناس، تدعو بحياة العدل وأصحابه وبسقوط الظلم ودعاته، الآن يخاف هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن يخيفوا الناس، الآن يستغيث هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن لا يُغيثوا أحدًا، وقد كانوا يجدون من الإثم أن يُغاث المستغيث ويُنصف المظلوم، الآن يجد هؤلاء الناس من الجرأة ما يبيح لهم أن يطالبوا رئيس الوزراء بحمايتهم وأن يحملوه تبعة المظاهرات فما لهم لم يحتملوا إذن تبعة الجرائم التي اقترفوها والآثام التي استعذبوها وما بالُ الذين يخوضون المظاهرات البريئة لم يخافوا من سفك دماء الشعب واستصفاء أمواله وانتهاك حرماته، وتضييع حقوقه، وإهدار منافعه.
ليحمِهم رئيس الوزراء وإن كانوا لا يتعرضون لخطرٍ. وليقم رئيس الوزراء حول دارهم حراسًا وإن كانت دارهم لا يُخاف عليها الاقتحام.
ليقم رئيس الوزراء جنودًا وشرطةً حول دار هؤلاء الناس حمايةً لهم من الوهم وحراسةً لهم من الخيال، ولينظر المصريون إلى هذه الشرطة وإلى هذا الجند فلعلهم يذكرون دارًا أخرى كان يقوم الجند والشرطة من حولها لا حمايةَ لها بل حمايةً منها، ولا خوفًا عليها بل بغيًا عليها.
نعم قد يذكر المصريون بيت الأمة الذي أقام صدقي وخلفاؤه من حوله جنودًا لم تُرسَل للحماية وإنما أرسلت للكيد، وقد رد الله الكيد إلى نحور صدقي وخلفائه فأصبحوا يستغيثون ويستجيرون ورئيس الوزراء خير من يستجيبهم إلى ما يطلبون من الغوث والجوار.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٨ فبراير ١٩٣٤.