دهماء
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٤ فبراير ١٩٤٦
في الساعة الخامسة من مساء الخميس الماضي تحدث المتحدثون بأن مجلس وزرائنا قد اجتمع، ودرس ما وقع من الأحداث في ذلك اليوم، وكلَّف رئيسه أن يحتج على الإنجليز؛ لأنهم تحدَّوا المتظاهرين في القاهرة، فاقتحمت السيارات البريطانية صفوفهم، وتركت منهم على الأرض صرعى كثيرين، منهم القتيل ومنهم الجريح؛ ولأنهم تحدوا السيادة المصرية، فأعطوا أنفسهم الحق في حفظ الأمن وإقرار النظام، على حين لا ينبغي أن ينهض بحفظ الأمن وإقرار النظام إلَّا السلطان المصري وحده؛ ولأنهم تحدوا أيسر المبادئ الإنسانية فأعملوا المتراليوز والبنادق السريعة في جمهور أعزل لا يريد بأحد شرًّا، وإنما دُفع دفعًا إلى أن يتقي الشر الذي صُبَّ عليه. وكان الإنجليز قد اتفقوا مع الحكومة المصرية من قبل على أن القاهرة محرمة على الجنود البريطانيين يوم الخميس، ثم نقضوا هذا الاتفاق لسبب غير معلوم. تحدث المتحدثون نحو الساعة الثامنة إذن بأن مجلس الوزراء كلف رئيسه الاحتجاج، ولكنهم تحدثوا أيضًا بأن رئيسهم وعدهم بأن يحتج ولكن بعد أن يعرف نتيجة التحقيق.
ولست أدري، أقدَّر الوزراء كل هذه الاعتبارات التي ذكرتها أم قدَّروا بعضها، أم قدَّروا اعتبارات أخرى غيرها؟ ولكنهم فيما يقول القائلون طلبوا إلى رئيسهم أن يحتج. وفي منتصف الساعة التاسعة تحدث المتحدثون بأن البريطانيين قد أرسلوا —أو هم يريدون أن يرسلوا — إلى الحكومة المصرية إنذارًا، وذهبت الإشاعات مذاهب مختلفة في التنبؤ بما اشتمل عليه هذا الإنذار. وبعد ذلك بلحظات قال القائلون: إن رئيس الوزراء سيتحدث إلى الشعب في الراديو. وفي الساعة التاسعة والربع تحدث رئيس الوزراء إلى الشعب، فحمل الدهماء — فيما يقول — تبعة ما وقع من الأحداث، وتحدث عن أشياء لم تُفهم بعد، وينتظر أن يجلوها التحقيق، ثم أعلن في صوت أراد أن يكون حازمًا ولكنه تخاذل وانهار كما ينهار البناء المتهدم أنه سيمنع المظاهرات، ويضرب على أيدي اللاعبين بالنار. وخلاصة هذا كله أن حوادث الخميس الماضي لم تكد تنقضي حتى نشأ سباق بين الوزارة المصرية والسفارة البريطانية إلى الاحتجاج. همَّت الوزارة المصرية أن تحتج، ولكنها لم تفعل، بل انتظرت نتائج التحقيق، ولم تهم السفارة البريطانية بالاحتجاج، ولكنها احتجت بالفعل ولم تنتظر تحقيقًا. ثم أذاعت في الوقت نفسه بيانًا إلى الشعب وإلى العالم، كما أذاع رئيس الوزراء بيانًا إلى الشعب. وهي في بيانها قد صنعت صنيع رئيس الوزراء مع اختلاف في اللهجة والتعبير، فألقت على الدهماء تبعة ما وقع من الأحداث، واتخذت من هذه الأحداث عذرًا عما كان من تقتيل الشعب والاعتداء على السيادة المصرية في أرض مصر.
وأكبر الظن أن في وزارتنا ضعفًا نشأ عن الهرم وتقدم السن، ومنع الوزارة من أن تسبق إلى الاحتجاج مع أنها صاحبة الحق فيه، فسبقتها إليه السفارة البريطانية، وكانت النتيجة الطريفة وهي أن يحتج القاتل على المقتول، ويتجنى المعتدي على المعتدى عليه.
ومهما يكن رد الحكومة المصرية على الاحتجاج البريطاني، فلن يكون له من قيمة، ولن يكون له خطر، فإن الحكومة الكريمة هي التي لا تنتظر أن يضطر الخصم إلى موقع الدفاع حين كانت طبيعة الأشياء والحقائق الواقعة تقفها موقف الغضب للحق المسلوب والدم المسفوك والكرامة المهانة والسيادة المضيعة.
ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن البريطانيين احتجوا مشافهةً يوم الجمعة وكتابةً يوم السبت، وتجاوزوا كل حد. فلم يكتفوا بالوزارة كأنهم لا يؤمنون لها ولا يعترفون بها، وإنما رفعوا احتجاجهم إلى جلالة الملك، وصرح صدقي باشا في الوقت نفسه بأن الموقف لم يسؤ مع أن الموقف كان قد بلغ أمس مساء أقصى غايات السوء، فالبريطانيون لم يكتفوا بالاعتداء على الشعب والاحتجاج على الحكومة، ولكنهم اعتدوا على الحكومة نفسها حين تجاوزوها ورفعوا احتجاجهم إلى صاحب العرش في بلد يقال: إنه دستوري، وإن فيه وزارة مسئولة أُنشئت لتتصل بالسفارات ولتتصل بها السفارات، ولتجنب العرش مثل هذه الاتصالات التي لا تلائم ما ينبغي له وللدولة من جلال وارتفاع عن التبعات مهما تكن! ولكن صدقي باشا يرى أن الموقف لم يسؤ. وأكبر الظن أن الموقف لن يسوء عند صدقي باشا إلَّا إذا اضطرته الظروف إلى أن يتخلى عن الحكم ويعود إلى نادي محمد علي يتندر فيه بالحكومات القائمة حين يصبح وحين يمسي، ويرسل منه إلى الأهرام أحاديثه اللاذعة عن تصرف هذا الوزير أو ذاك.
الشيء الذي ليس فيه شك هو أن وزارة صدقي باشا أبعد الوزارات عن ملاءمة الظروف التي تحيط بالحياة المصرية الآن من الناحية الداخلية والخارجية جميعًا، فكل شيء قد تغير منذ استقال صدقي باشا سنة ١٩٣٣، تغيرت الحياة الخارجية والظروف السياسية العالمية، فلم يبقَ خطر ولا قيمة للسياسة التقليدية الناعمة الملساء التي اعتمد عليها صدقي باشا مع السفير البريطاني في وزارته الماضية، وأصبح كل شيء يقتضي الحزم والجد والصرامة والاستعداد للمضي إلى آخر الشوط. وقد كان صدقي باشا رئيسًا للوزراء أيام كان السير برسي لورين مندوبًا ساميًا، فهو قد تعود الحكم على أساس غير أساس الاستقلال، تعود الحكم على أساس أن الصوت البريطاني يجب أن يكون أرفع من الصوت المصري، ومع أنه أمضى مع الذين أمضوا معاهدة سنة ١٩٣٦، فإن عقليته ما زالت عقلية التسلط الإنجليزي وعقلية التلطف مع الإنجليز.
وتغيَّرت الحياة المصرية الداخلية، فأصبحت للشعب آمال ومطامح لم تكن ظاهرة أثناء وزارته الأولى، ووجدت حكومات قدرت هذه الآمال وسعت إلى تحقيقها، وقويت بذلك ثقة الشعب بنفسه وإيمانه بحقه في العدل الاجتماعي وتشدده في بلوغ هذا الحق مهما تكن الظروف.
وكان صدقي باشا يسخط في نادي محمد علي مصبحًا وممسيًا على هذا التطور، يهزأ مما كانت الحكومات تسميه إنصافًا، ويهزأ مما كانت الحكومات تسميه التيسير على الناس، ويعلن الإشفاق على ميزانية الدولة من جهة وعلى سلطان الأغنياء والأقوياء من جهة أخرى، ويخاف الخوف كله من إشعار الشعب بحقه وكرامته، ولا يجعل للأمة المصرية إلَّا غايةً واحدةً يراها المثل الأعلى في الرقي والنهوض، وهي أن تستصلح الأرض وتقوي صحة الشعب ليعمل الشعب لسادته، ولتنتج الأرض لهؤلاء السادة ما ينفقون بغير حساب. وليس أدل على ذلك من أن عقل صدقي باشا لا يزال الآن كما كان من قبل، يتحدث في السياسة فيفرق بين الخاصة والدهماء، فُطِرَ على أن في الناس كبارًا يتسلطون وصغارًا يخضعون، وفُطر على أن في الناس سادةً يمتازون وضعفاء يُستغلون. ومهما تحدث الأحداث من حوله، فهو لا يستطيع أن يغيِّر فطرته ولا أن ينشئ لنفسه مذهبًا جديدًا.
وصدقي باشا ليس منفردًا بهذه الفطرة المحافظة، بل له فيها شركاء كثيرون، يقبلون التطور السياسي والاجتماعي على مضض؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقاوموه فضلًا عن أن يمنعوه، وهم من أجل ذلك يجارونه متكلفين لا صادقين، ينتهزون به الفرص ويتربصون به الدوائر، تؤمن به ألسنتهم وتكفر به قلوبهم.
فصدقي باشا وأصحابه يعلمون حق العلم أن الدستور يسوِّي بين المصريين جميعًا في الحقوق والواجبات، لا يفرق بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين نابه وخامل. وصدقي باشا يعلم أن هذه المساواة إنما جاءت مطابقة لطبيعة الأشياء، فالناس جميعًا قد سلكوا إلى الحياة طريقًا واحدةً، ولدتهم أمهاتهم على نحو واحد، وهم سيخرجون من الحياة من طريق واحدة هي الموت، أخرجهم اللَّه من الأرض ويعيدهم إلى الأرض لا يفرق بينهم من ذلك في قليلٍ ولا كثيرٍ.
وصدقي باشا وشركاؤه يعلمون ذلك حق العلم، ولكنهم لا يحبون أن يؤمنوا به، ولا أن يطمئنوا إليه؛ لأنهم يحبون أن يمتازوا وأن يتفوقوا وأن يستعلوا وأن يستكبروا، وهم من أجل ذلك يذكرون الخاصة التي يجب أن تسود وتمتاز، والدهماء التي يجب أن تذعن وتنقاد. وأغرب من هذا أن صدقي باشا وشركاءه يعلمون حق العلم أن الخاصة في مصر إنما هي خاصة بالمصادفة، خُلقت من تراب كما خلق غيرها من الناس، ولم تخلق من النار كما خُلقت الشياطين، ثم أتاح سوء النظام الاجتماعي لآبائها الأقربين أن يستغنوا بعد فقر، ويرتفعوا بعد ضعة، ويتعلموا بعد جهل؛ فأصبحوا خاصة ممتازين بحكم المصادفة، وكان من الممكن أن يظلوا كغيرهم من هذه الدهماء لا يمتازون بشيء.
من أجل ذلك يلاحظ المصريون أن حياتهم تتردد دائمًا بين عهدين: عهد تذكر فيه كثيرًا ألفاظ الدهماء والغوغاء والرعاع وما إليها من هذه الألفاظ التي تبين امتياز الممتاز وانقياد المنقاد، وهذا العهد هو الذي تستأثر القلة فيه بالحكم، فتفكر في نفسها أكثر مما تفكر في الشعب، وتعتد بامتيازها أكثر مما تعتد بقوة الشعب، وتعتمد على مهارتها أكثر مما تعتمد على تأييد الشعب، لا لشيء إلَّا لأن لديها امتيازًا تحرص على استبقائه، وتأبى أن تفرط فيه. فإذا سخط الشعب فسخط الشعب لا يعنيها ولا يضيرها ولا يؤذيها إلَّا حين يعرِّض مصالحها وامتيازها للخطر. وإذا طمح الشعب إلى الرقي وسمت نفسه إلى الكرامة وانصلاح الحال، فهذا هو الذي يقضُّ مضاجعها وينغص عليها الليل والنهار؛ لأن رقي الشعب معناه تحقيق المساواة، وهذا معناه إلغاء الامتياز، وإلغاء الامتياز معناه أن يصبح الناس جميعًا سادة، لا يستطيع واحدٌ منهم كصدقي باشا أن يتحدث في الراديو فيذكر الدهماء ويحمِّلهم تبعة ما وقع من الأحداث.
أرأيت أيها القارئ أن وزارة صدقي باشا هي أقل الوزارات ملاءمةً لظروف الحياة المصرية. الحياة المصرية الحاضرة تريد أن تكون في مصر وزارة تستطيع أن تثبت للإنجليز، وأن تقول لهم: لا، وأن تحتج عليهم حين يتجاوزون حدود المعاهدة، وأن تطلب إليهم في حزمٍ وصرامةٍ ألَّا يعبثوا بالوعود بعد أن بذلوها، وألَّا ينكثوا العهود بعد أن أكَّدوها، وألَّا تقيم جنودهم بعد أن انهزم أعداؤهم بمعونة مصر، وبعد أن انتقلت حماية الأمن العالمي إلى هيئة دولية عالمية.
وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء؛ لأنه لم يتعود إلَّا أن يفاوض السير برسي لورين المندوب السامي البريطاني. ولم يكد يمضي أسبوع، ماذا أقول؟! لم تكد تمضي أيام ثلاثة على تأليف وزارته حتى وقعت الأحداث، وأثبت صدقي باشا أنه أضعف من أن يحتمل العبء ويلائم الظروف الجديدة، فتخاذل وتواكل وترك الإنجليز يسبقونه إلى الاحتجاج، وأتاح لباطلهم أن يظهر ويستعلي، وفرض على حق المصريين أن يخجل ويستخفي؛ لأن صدقي باشا ليس من رجال هذا العصر في شيء.
والحياة المصرية في هذا العصر محتاجة إلى وزارة تشعر مع الشعب حين يشعر، تألم لألمه، وتشقى لشقائه، وتأبى أن تشبع وهو جائع، وتأبى أن تنعم وهو بائس، وتأبى أن تطمئن ودماؤه تُسفك بأيدي الإنجليز.
وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء، وآية ذلك أنه تحدث إلى الشعب بعد أن سفك دمه في القاهرة، فلم يعزه ولم يواسه ولم يعلن إليه أنه سينصفه بعد أن ظُلم وسيرد له حقَّه كاملًا، وإنما لامه وأنَّبه وألقى على الدهماء — أي على الشعب — تبعات الأحداث، ولم يكد يشير إلى الإنجليز المعتدين إلَّا في تلطف وتظرف وأدب واستحياء.
كل هذا لأن صدقي باشا وأمثاله في وادٍ، ولأن الشعب في وادٍ آخر. لتصدقني هذه القلة القليلة التي تتنافس في الحكم وتتهالك عليه أن عصر التسلط والامتياز قد انقضى، والتكلف وحده هو الذي يبقيه في مصر، ولكن التكلف لا يستطيع أن يمتد إلى غير غاية. فليرح هؤلاء السادة أنفسهم، وليريحوا من أنفسهم، وليقنعوا إن أُتيحت لهم القناعة، ولينعموا بما أتاح اللَّه لهم من ثراء وجاه ونعيم، وليخلوا بين الشعب البائس وبين الجهاد الكريم؛ لعل الشعب أن يظفر من حقِّه ببعض ما يريد، لعله أن يخفف ولو قليلًا من هذه البأساء.
Tag: Social inequality
-
دهماء
-
الجنة المحرمة
الجنة المحرمة
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٧ مايو ١٩٤٥
في هذه الأيام التي يشتد فيها القيظ، ترسل إلينا الشمس فيها أشعتها ضوءًا مشرقًا ولهبًا محرقًا، يصهر الأجسام ويكاد معها يصهر العقول والنفوس.
في هذه الأيام لا يكره الناس الأحاديث الطوال عن جنات النعيم ذات الظل الوارف والشجر المتكاثف، تجري فيها الأنهار غزارًا ويضطرب فيها النسيم فاترًا ساحرًا، ينعش الأجسام ويحيي النفوس. لا يكره الناس الحديث عن هذه الجنات، ولعلهم ينعمون إن أتاحت لهم أعمالهم بالتفكير فيها واستحضارها في نفوسهم، يستمتعون بالخيال إن لم يُتَحْ لهم أن يستمتعوا بالحقيقة.
ويُخيَّل إليَّ أننا لا نشقى بهذا القيظ المرهق الذي يهديه إلينا فصل الصيف وحده، وإنما نشقى بقيظ آخر ليس أقل منه إرهاقًا ولا إحراقًا، لا يهديه إلينا فصل من الفصول، ولا يسلطه كوكب من الكواكب، وإنما يهديه الإنسان إلى الإنسان، ويسلطه القوي على الضعيف، وتبسطه علينا هذه الظروف الكثيرة المعقدة الملتوية التي نستطيع أن نجتهد في تحليلها وتعليلها وتأويلها، فلا نجد لها إلَّا مصدرًا واحدًا في حياة الأفراد والجماعات وفي صلات الدول والشعوب، وهو أن العدل لم يستقر بَعْدُ في النفس الإنسانية، ولم يصبح مَلَكة من مَلَكاتها، ومقومًا من مقوماتها، وضرورة من ضروراتها في الحياة، وإنما ظلَّ في هذا العصر الحديث كما كان في العصور القديمة الماضية أملًا من الآمال، تتوق إليه القلوب ولا تذوقه، وتطمح إليه النفوس ولا تبلغه، وتسمو إليه العقول ولا تحققه إلَّا كما يحقق الفقير البائس المحروم جنة النعيم هذه تلتف فيها الأشجار وتجري فيها الأنهار ويترقرق فيها النسيم، وهو يحقق هذه الجنة في نفسه ويتحرق شوقًا إليها وتهالكًا عليها، ولكن حياته القاسية تمسكه فيما هو فيه من بؤس مُلِحٍّ، وحرمان مُمِضٍّ، وعَمَل مُرْهِق، وعَرَق مُغْرِق، وعذابٍ أَلِيم.
وأرجو ألَّا تظن أني حين أستأنف هذا الحديث إنما أعمد إلى نحو من أنحاء الأدب، ولون من ألوان القول المنمق؛ فأنا أؤكد لك أن الحياة التي نحياها في هذه الأيام لا تُغري بالأدب، ولا تُرغِّب في تنميق الكلام، وإنما هي حياة شاحبة تملأ النفوس شحوبًا، وتشيع في القلوب ظلامًا كثيفًا. إنما أغراني بهذا الحديث ما قرأته الآن في خطبة من الخطب الانتخابية التي أخذ مستر تشرشل رئيس الوزراء البريطانيين يذيعها بين مواطنيه، فهو قد سمع فيما يقول بأن من المثل العليا للعالم الجديد أن يأمن الناس من الخوف، وهو يرى أن هذا الخوف إن كان مصدره عدوان شعب على شعب أو انتهاك دولة لحرمة دولة أخرى، فإن ما تتخذه الأمم المتحدة من إجراء لتنظيم السلم وإقامة الأمن العالمي على أساس متين سيكفل دفع هذا الخوف، وسيرد المعتدي عن عدوانه، وسيؤمن بعض الشعوب من بعض. ولكن المستر تشرشل يرى خوفًا آخر ليس أقل خطرًا من هذا الخوف، وكأنه لا يعرف السبيل إلى إزالته ورد شره عن الناس! وهذا الخوف هو الذي لا يثيره عدوان شعب على شعب، ولا تسلُّط دولة على دولة، وإنما يثيره عدوان الحكومة على الأفراد، وتسلُّط النظم الاستبدادية على حياة الناس.
هذا الخوف الذي تستشعر الأسر في ظل بعض الحكومات من أن يُطرَق الباب في أي وقت من الأوقات، وعلى غير علم سابق ولا انتظار، فإذا فُتِح نظرت الأسرة فإذا أعوان السلطان قد أقبلوا ليأخذوا كاسبها وليلقوه في قعر مظلمة — كما يقول الشاعر العربي القديم — وليتركوا عياله وفيهم الشيخ الفاني، والمرأة الضعيفة، والأطفال الصغار عرضةً للجوع والشقاء، لا يجدون من يعولهم ويغنيهم، ولا يجدون ما ينفقون، وقد يعود إلى هذه الأسرة كاسبها وقد لا يعود.
هذا الخوف قد امتلأت به قلوب الأوروبيين في كثير من البلاد الأوروبية بين الحربين — وفي أثناء الحرب التي لم تنتهِ بعد — ويظهر أن المستر تشرشل ليس مطمئنًّا إلى أن النصر الذي أُتِيحَ للحلفاء في أوروبا قد محاه وعفت آثاره، ويظهر أن المستر تشرشل يود لو أُتِيح للمنتصرين أن يزيلوا هذا الخوف، ولكنه لا يدري كيف يمكن أن يُزال.
فالاستقلال الذي تستمتع به الدول يضع السياسة الداخلية لكل دولة من هذه الدول المستقلة بمأمن من تدخل الأجنبي، فمن الممكن — بل من الواقع — أن تقوم الدولة الديمقراطية التي تضمن لمواطنيها الحرية والإخاء والمساواة إلى جانب دولة أخرى ليست من الديمقراطية في شيء، أو لا تعرف من الديمقراطية إلَّا أسماء لا تدل على شيء، أو لا تتكلف حتى هذه الأسماء التي تخدع الغرباء، وإنما تجهر بما شاءت من نظام لا يكفل للناس أمنًا ولا حريةً ولا مساواةً، وإنما يقيم أمرهم على العسف والبطش وتحكم السلطان، فيُطرَق الباب على الأسرة في أي وقت وعلى غير انتظار، ولا يكاد يُفتَح حتى يُؤخَذ كاسب الأسرة، فيُلقَى حيًّا في غيابات السجن أو يُلْقَى ميتًا في العراء، أو يُحرَّق جسمه وتذروه الرياح.
ومن الممكن بل من الواقع أن تقوم الدولة الديمقراطية العادلة إلى جانب الدولة المستبدة الجائرة، وأن ترى ما يحدث من الفظائع وما يُقترَف من الآثام دون أن تصنع شيئًا؛ لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئًا، يمنعها من ذلك استقلال جاراتها الظالمة المستبدة، وأن هذا الاستقلال مقدَّس لا يجوز التعرض له أو الاعتداء عليه.
فقد قامت فرنسا مثلًا بين إيطاليا الفاشية وألمانيا الهتلرية، ورأت ما رأت وسمعت ما سمعت وأنكرت ما أنكرت، ولكنها لم تصنع شيئًا. ماذا أقول؟! بل حاولت ما وسعتها المحاولة أن تتقرب إلى هتلر وموسوليني إيثارًا للعافية وتجنُّبًا للحرب. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى بريطانيا العظمى، فهي قد رأت من إيطاليا وألمانيا مثل ما رأت فرنسا، وهي قد تقربت إليهما كما تقربت فرنسا، وهي قد سبقت عندما جد الجد إلى هذا التقرب، فسعى شمبرلين إلى هتلر، وسعى بعد ذلك إلى موسوليني، ولم يُغْنِ هذا السعي شيئًا، فكان ما لم يكن منه بد وشبَّتِ الحرب وانتهت بانتصار الحلفاء، وظنَّ الناس أنهم سيأمنون من الخوف الداخلي ومن الخوف الخارجي جميعًا، ولكن المستر تشرشل يتحدث في دائرته الانتخابية فيقول إنه يرجو أن يزال الخوف الخارجي بما يقرر من تنظيم السلم، ولكن هناك خوفًا داخليًّا لا يدري كيف يُزال.
والواقع أننا لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من هذا الخوف الداخلي ما زال بعيدًا، بل لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من الخوف الخارجي ما زال بعيدًا على رغم ما يُتخَذ من إجراء لإنشاء مجلس الأمن وتنظيم السلم في العالم الجديد.
وقد وضع باسكال — الكاتب الفرنسي المعروف — هذه المسألة في وضعها الطبيعي منذ ثلاثة قرون، حين تمنى في الجملة التي ذكَّرنا بها إدوارد هريو منذ حين أن يتحقق التوازن بين العدل والقوة، بحيث يقوى العدل فلا يطمع فيه الباغون، وأن تُبدَّل القوة فلا تبطش بالضعفاء الذين لا يجدون من يحميهم من البطش والعدوان.
وما دامت الإنسانية لم تُوفَّق إلى تحقيق هذا التوازن بين القوة والعدل، ولم تُوفَّق إلى أن تلطف القوة بشيء من العدل وتؤيد العدل بفضل من القوة، فسيبغي بعض الناس على بعض، وسيذوق بعض الناس بأس بعض، وسيجد الظلم الداخلي والخارجي في حياة الناس مرتعًا خصيبًا.
وهل من الحق أن ما يتخذ من إجراء لتنظيم السلم سيحقق الأمن من الخوف الخارجي؟! أمَّا أنا فأشك في ذلك أشدَّ الشك؛ لأن الأمن من عدوان بعض الشعوب على بعض لن يتحقق إلَّا إذا كانت المساواة الصحيحة بين الشعوب دون تفريق بين القوي منها والضعيف، والغني منها والفقير، والصغير منها والكبير، والمتقدم منها في الحضارة والذي لم يأخذ منها إلَّا بحظٍّ يسير. وهذا شيء لم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تحققه، ولم يستطع مؤتمر سان فرنسيسكو أن يحققه، وما دامت هناك دول عظيمة تستأثر بالقوة والبأس، ودول صغيرة لا تستطيع أن تدفع عن نفسها العدوان؛ فستظل أشباح الخوف الخارجي ماثلة وراء الأفق تتراءى كلما خطر لها أن تزعج الناس.
وقد عجزت عصبة الأمم الماضية عن أن تَقِي بعض الدول الكبرى شر بعض، وكل ما يمكن أن يبلغه مؤتمر سان فرنسيسكو وما سينشأ عنه من المؤسسات هو أن يحقق ما لم تستطع عصبة الأمم تحقيقه، فتأمن الدول الكبرى من أن يعتدي بعضها على بعض.
ولست أدري أيتحقق هذا الغرض أم تتقطع دونه الأسباب؟ فأمَّا الدول الصغرى والدول المتوسطة فأمرها إلى الله وإلى أنفسها، والحق عليهم أن ترسم لنفسها من الخطط ما يعصمها من الشر ويؤمنها من الكيد إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.
وقد تحدَّث إلينا المنتصرون حين كانوا يجاهدون في سبيل النصر بأنهم يريدون أن يؤمنوا الشعوب من العدوان، وأن يؤمنوا الأفراد من الظلم والجوع.
وظنَّ أصحاب القلوب السليمة أن النصر سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا، وسيحوِّل الدنيا إلى جنة كهذه الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين في الدار الآخرة. وقد تحقق النصر وانهارت الدكتاتوريات وظفرت الدول الديمقراطية بفوز عظيم، ولكن الشعوب ما زالت خائفة من عدوان الشعوب. ماذا أقول؟! بل ما زالت تشكو عدوان الشعوب وتصلى نار هذا العدوان. فأمَّا الأفراد فلم يفكر أحد في حمايتهم من الظلم والبطش، ولو في تأمينهم من الخوف أن تُطرَق عليهم الأبواب ليُؤخَذوا إلى حيث لا يعودون كما يقول مستر تشرشل.
وإذن؛ وإذن فالأمر يسير جدًّا، وهو أن في الأرض جنات يُتاح فيها النعيم الذي لا حدَّ له لجماعات من الناس ولأفراد من الناس أيضًا، ولكن هذه الجنات محرمة على غير أصحابها، مسوَّرة بهذه القوة الهائلة التي تتكون من الحديد والنار بالقياس إلى الشعوب، ومن القوانين وبأس الحكومات بالقياس إلى الأفراد.
يستطيع الشعب البريطاني أو الشعب الفرنسي أو الشعب الأمريكي أن ينعم بجنة الحرية التي يحميها بما له من قوة وبأس، ويرد عنها غيره من الشعوب إن أراد أن يدخلها أو يستظل بظلها، ولا عليه بعد ذلك أن تشقى شعوب أخرى بنار الظلم وعذاب الاستبداد. ويستطيع هذا الفرد أو ذاك من أصحاب الثراء أن ينعم في قصره المنيف وجنته الرائعة التي يحميها القانون وبأس الحكومة وسلطان القضاء، ولا عليه أن تتقطع أكباد الفقراء وتتمزق قلوبهم من البؤس والجوع والحرمان.
وإذا أردتَ الحق فقُلْ إن حياة الناس إلى الآن جنات محرمة ينعم بها الأقلون، وجحيم مهلك يشقى به الأكثرون. وليس من سبيل إلى أن تصبح الحياة جنة للناس جميعًا أو جحيمًا للناس جميعًا إلَّا يوم يصبح العدل ملكة من ملكات النفس الإنسانية ومقوِّمًا من مقوماتها.
وأظن أن الأمد بيننا وبين هذه الغاية ما زال بعيدًا. -
إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه
إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه
طه حسين
مجلة المصور
٢٢ نوفمبر ١٩٤٠
قال صاحبي: لقد أقبلتُ ألتمسُ الرَّاحة من عناء العمل، وأُسَرِّي عن النفس بعض هموم الحياة، وأغسل قلبي من أوضار الحضارة، هذه التي تعلق بأسلوب الناس حين يضطربون في إرضاء الحاجات وتحقيق الأغراض وقضاء الأوطار وكنتُ أظن أنَّ ساعات قليلة في هذه البيئة الجميلة ستبلغني من هذا كله ما كنت أريد.
ولِمَ لا؟ وكل شيء هنا يدعو إلى راحة الجسم، وبراءة النفس وطهارة القلب، ونقاء الضمير، جو كله صفو وصحو، تنتثر فيه بين حين وحين سُحب ضئيلة مُتفرقة لا تَحْجِبُ الشمس، ولكنها تُصَفِّي ضوءها تصفية، وتُخفِّف من حرها ما هو خليق أن يؤذي الأجسام.
ونسيم هادئ رقيق يضطرب خفيفًا شيئًا في هذا الجو؛ فيبعثُ في الجسم نشاطًا غير عنيف، ويبعثُ في النَّفس حياة هادئة مُطمئنة إنْ دعت إلى شيء فإنَّما تدعو إلى الحديث الهادئ المُطمئن، والتفكير المُستأنس البطيء، ونخل باسقات يحسن النظر إليها، وقد تخففت من إثمارها كما كان النظر يحسن إليها حين كانت مُثقلة بهذه الأثمار.
وأطلال بالية قد تناثرت فيها الآثار المُختلفة ومَرَّت عليها العصور المُتطاولة، فأفنت منها ما أفنت، وأبقت منها ما أبقت، وقل عمل العلماء في استكشاف هذه الآثار، واستخراج ما استقرَّ منها في جوف الأرض؛ فهي تُثير في النفس عبرة وموعظة، وهي تثير في النفس إكبارًا وإعجابًا، وهي تثير في النفس رضًا واطمئنانًا، وهي تثير في النفس مع هذا كله قليلًا من حزن وكثيرًا من حنين.
وقد أقبلت جماعات من الأجانب المدنيين والعسكريين؛ تزُور هذه الآثار، أو تتخذ من زيارة هذه الآثار نقلة لالتماس الرَّاحة التي ألتمسها أو لالتماس اللهو الذي لا يلمسه، وهي على كلِّ حالٍ مُنْتَشِرة حول هذه الآثار مُتفرقة في أثنائها تتنادى وتتجاوب وتتضاحك، ويلهي بعضها بعضًا باللحظ واللفظ، وبغير اللحظ واللفظ من ألوان الإشارة والحركات.
ما أَجْمَل هذه البيئة وما أجدرها أنْ تُحَقِّق لنفسي ما ابتغت من راحة، وترد عليها ما فقدت من نشاط، وما أجدرها أنْ تَقرَّ هذا القلب المُضَّطرب، وتهدئ هذه النفس الثائرة، وتهيئتي العمل تهيئة حسنة وترُدُّني إليه جذع البصيرة قارع الأقدام، كما قال الشاعر القديم.
ولكني أعود إلى المدينة كما تركتها مُثقل النفس بالهموم؛ مُفْعَم القلب بالأحزان، ضيقًا بالحياة والأحياء، زاهدًا في الحياة والإحياء، لم ينجلِ عن قلبي كدره، ولم تسر عن نفسي همومها، ولم يبلغ ضميري من الصفاء والنقاء ما كنت أحب، وإنما هو شاحب كئيب كأنما عكس الأصيل عليه ما يشيع فيه من الكآبة والشحوب، وكأنما أحاطت به هذه الظلمات التي تُرسل طلائعها لتَمْحُو منَ الأرض آية النَّهار المُبْصِر شيئًا فشيئًا، ولتنتشر على الأرض آية الليل المُظلم قليلًا قليلًا.
قلتُ لصَاحِبي: لقدْ شعرت منذ اليوم وما عرفتك شاعرًا، فما ذاك! قال صاحبي: لا أدري، ولكني شُغلتُ بأهل هذه البيئة عن البيئة نفسها، ورأيتُ مِن أمر هؤلاء النَّاس الذين يعيشون في هذه البيئة ما لم يرَ هؤلاء السَّادة الذين أقبلوا يَلتَمِسون الرَّاحة، ويبتغون اللذة ويطلبون نعيم الحياة.
قلتُ لصَاحِبي: فإنك ترى هؤلاء النَّاس في كل يوم، وإنك تراهم في كل مكان، ولستُ في حاجة إلى أنْ تترك القاهرة؛ لترى من أمر الناس ما يسرك أو ما يحزنك؛ ففي القاهرة من أمر الناس ما يسر، وإن كان قليلًا، وفي القاهرة من أمر الناس ما يُحزن، وإن كان كثيرًا، فلم يسؤك ما ترى من أمر الناس الآن، مع أنَّه لم يسؤك أمس، ومع أنَّه لن يسؤك غدًا في أكبر الظن؟
قال صاحبي: لأني شُغلتُ عن الناس أمس وسأُشغل عنهم غدًا بما أنا معني به من أمور الحياة، وقد خرجت من القاهرة اليوم أريد أن أفرغ لنفسي؛ فقام هؤلاء الناس بيني وبين نفسي فشُغلت عنها بهم، وانصرفت عنها إليهم، وقضيتُ ساعات كنتُ أُقدِّر أنها ستحلو وتصفو وتروق؛ فإذا هي مُرة أشد المرارة كدرة أشد الكدر مُؤذية أشد الإيذاء.
قلت لصاحبي: فإنك في حاجة شديدة إلى أن تخرج من القاهرة بين حين وحين؛ تلتمس الفراغ لنفسك فيحول أمر الناس بينك وبين نفسك فتضطر إلى أن تفكر فيهم، وتعنى بهم وتتحدث عنهم. لعل هذا كله أن يحمل بعض أصحابك على أن ينهجوا نهجك، ويسيروا سيرتك، ويُفكروا في أمر هؤلاء الناس، ويختصوهم بشيء من العناية.
فما أشد حَاجتهم إلى فضل من العناية بهم، وقليل من التفكير فيهم، وما أشد بخلنا عليهم بحقهم من العناية والتفكير، وليس أمرك هذا الذي تحدثني به طريفًا ولا غريبًا، وإنَّما تُذكرني الآن شأنَ كثير من أهل القاهرة والإسكندرية، أُولئك الذين أزعجتهم نُذُر الحرب عن القاهرة والإسكندرية؛ فهاجروا إلى الريف وحاولوا الإقامة فيه، ثم هاجروا من الريف وآثروا القاهرة والإسكندرية على ما يشيع فيهما من نذر الحرب، وما قد يلم بهما من هول الحرب، آثروهما على الإقامة في هذا الريف؛ لأنَّهم رأوا ما لم يكونوا يظنون أنهم سيرون وأحسوا ما لم يكونوا يقدرون أنهم سيحسون، ولأنهم قبل كل شيء وبعد كل شيء حُرموا ما لم يكونوا ينتظرون أنهم سيُحرمون.
ألم يتحدث أحدهم إلى المُقطم منذ شهور بأنه يؤثر العودة إلى القاهرة على الإقامة في الرِّيف؛ لأنه لم يجد بين أهل الريف ما تعوَّد أن يجد في العاصمة من طيبات الحياة. ونشرت المُقطم حديثه ذلك مُفصلًا تفصيلًا مُضحكًا مُؤلمًا حقًّا. وما رأيك فيمن يُؤثر نذر الحرب وأهوالها على طنين البعوض ولسعه في الرِّيف، وما رأيك فيمن لم يستطع أن يصبر عما تعود أن ينعَم به في القاهرة من لذات الطعام والشراب، ومن هذا الترف الذي يجده الأغنياء حين يستقرون في دورهم ويأوون إلى مضجاعهم، وحين يضطربون في هذه الشوارع النظيفة الجميلة التي يكثر فيها النشاط وينتشر فيها ما يملأ النفوس بهجة وسرورًا.
ما رأيك فيمن يتحدث بهذا كله، ويقبل أن يُنقل عنه، ويذاع هذا كله ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا خليقًا فيما يظهر بالنِّسيان، وهو أنَّ في هذا الرِّيف ملايين منَ المصريين يُقدمون أجسامهم الغليظة الخشنة مَرتعًا للبعوض، ويحرمون لا أقول طيبات الحياة الناعمة ولذات العيش الغض، وإنَّما أقول إنهم يحرمون ما تكون الحياة به حياة، يحرمون ما يُقيم الأود ويُبِلُّ الظمأ، ويُمكن الإنسان من أنْ يشعر بأنه إنسان يستطيع أن يفرغ لنفسه بين حين وحين، وأنْ يفكر في نفسه بين حين وحين.
وهم مع ذلك لا يُهاجرون من الريف ولا يَضِيقُون بالحياة في الرِّيف، وإنما قاموا في الرِّيف راضين عنه أو ساخطين عليه، ولكنهم مُذعنون لقضاء الله على كل حال، إنَّما أنت يا صاحبي كهؤلاء الذين لم يعرفوا الريف وآلامه إلا حين أزعجتهم الحرب عن المدن؛ فلما ذاقوا ما في حياة الريف من ألم لم يستطيعوا فيه إقامة ولا استقرارًا.
وأظرف ما في الأمر وأطرَفه أنَّ هؤلاء السادة الذين أقبلوا على الرِّيف ثم أعرضوا عنه لم يفكروا في أهل الريف وإنَّما فكروا في أنفسهم، لم يألموا لأهل الريف، وإنما أهمتهم أنفسهم؛ ففروا بها إلى الحواضر التي يجدون فيها ما لا يستطيعون الاستغناء عنه من نعيم الحياة.
قال صاحبي: وأطرف من هذا كله وأظرف في أنَّ هؤلاء السادة لم يُفكروا في أنهم مدينون بسعادتهم لشقاء أهل الريف، ومدينون بترفهم لشظف أهل الريف، ومدينون بشبعهم ورِيهم لما يجد أهل الريف من الظمأ والجوع. لم يفكروا في هذا ولا في بعضه وإنَّما فكروا في أنفسهم، وشغلهم ما حُرِمُوا من لذات الحياة وطيبات العيش؛ فعادوا إلى الحواضر مُسرعين، ولم يكادوا يجدون ما فقدوا حتى نسوا الريف وأهل الريف، وأقبلوا على حياتهم الراضية النَّاعمة يستمتعون بها، ويَمضون فيها لا يذكرون أحدًا ولا يذكرون شيئًا، كأنهم لم يروا أحدًا ولم يروا شيئًا، وكأنهم لم يشهدوا في الرِّيف من البؤس ما تَسْتَحي نفس الرَّجل الكريم حين تراه أن تذوق طعم النَّعيم رحم الله أبا العلاء حين قال:
ولو أني حبيت الخلد فردًالما أحبيت بالخلد انفرادافلا هطلت علي ولا بأرضيسحائب ليس تنتظم البلادا
قلتُ لصاحبي: ولم تريدهم على أن يذكروا ذلك ويفكروا فيه وهم إنْ ذكروه تألموا له، وما ينبغي لهم أن يتألموا، وما قيمة الحياة إذا شاع فيها الألم، وهم إن تألموا لذلك فقد ينغص عليهم الألم لذاتهم، وهم لا يريدون أن تنغص عليهم لذاتهم. وما قيمة اللذات إنْ لم تكن صفوًا كلها.
وهم إذا نغَصت عليهم لذاتهم قد يجدون شفاء لأنفسهم أن يؤدوا لأهل الريف بعض الحق، ويرفعوا عنهم بعض البؤس، وقد يكلفهم ذلك فضلًا من مال، وقد يكلفهم ذلك شيئًا من جهد، وهم لم يجمعوا المال لينفقوه على غير أنفسهم، وهم لم يملكوا الجهد ليبذلوه في غير حاجاتهم وأوطارهم، وما قيمة المال والجهد إذا أُنفقا في غير ما يحصِّل لصاحبهما لذة أو يقضي لصاحبهما أربًا.
قال صاحبي: إنك لسيئ الظن بالناس، وإنك لتعلم أنَّ بينهم الكريم الذي يفعل الخير ويبذل المعروف. قلتُ: فاحص هؤلاء الكرماء ووازن بين عددهم وعدد البائسين، ووازن بين ما يبذلون وما يعملون، وبين حاجة مصر إلى البذل والعمل، ووازن بنوع خاص بين ما يبذلون وما يعملون وبين قدرتهم على البذل والعمل، فستنتج لك الموازنة أني لستُ سيئ الظن بالناس، ولكنِّي أُقرر حقائق لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا.
وأظهر هذه الحقائق هي أنَّ القادرين على الخير في مصر قد يكونون أغنياء بالثروة والقوة والجاه، ولكنَّهم فقراء حقًّا في الشعور بالتضامن الاجتماعي، وبما ينبغي أنْ يكون بين أبناء الأُمَّة الواحدة من التَّعاطف والتَّعاون والتَّواصي بالخير والتبادل المعروف.
قال صاحبي: وقد استحال حُزْنُه الهادئ إلى غضب يَكَادُ يبلغ الغيظَ، قل ما شئت في الذين يبخلون ولا يبذلون، وفي الذين يقصرون وهم قادرون على النفع؛ فإنَّك لا تعدو أنْ تُلاحظ ضَعفًا في الأخلاق، وفتورًا في حُبِّ الخَيْر.
ولكنَّ عندي أنا ما هو أشد من ذلك؛ وأقسى وأجدر أن يملأ القلوب غضبًا وغيظًا. قلتُ: وما ذاك؟ قال: نظامنا الديمقراطي الذي تمتلئ الأفواه بالحديث عنه، وتمتلئ الأندية بالخوض فيه، وتمتلئ الصحف بالذود عنه، وتضطرب الأرض له بين حين وحين؛ حين ينتخب هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان، وحين يكون السؤال والاستجواب في هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان؛ إنما يقوم هذا النظام الديمقراطي كما يقوم غيره من نُظم الحُكم على أنَّ على الشعب واجبات يجب أن ينهض بها، وعلى أنَّ للشعب حقوقًا يجبُ أن تؤدى إليه. وأول هذه الواجبات تموين الدولة بالمال بتأدية الضرائب إليها، وحمايةُ أرض الوطن ببذل الأنفس والدماء إذا تعرضت للخطر، وأول هذه الحقوق أن يرَد البؤس عن الشعب ما وجدت الدولة سبيلًا إلى رد البؤس عن الشعب.
أفتشكُّ في أنَّ الشعب يقصر في أداء الضرائب وتموين الدولة بالمال؟ أفتشك في أنَّ الشعب يقصر إذا دعته الدولة إلى حماية الوطن من غارة العدو؟ ثم هل تظن أنَّ الدولة فعلتْ كلَّ ما يجبُ أن تفعل أو بعض ما يجبُ أن تفعله لحماية الشعب من البؤس والشقاء.
وهممتُ أن أُجيب صاحبي مدافعًا عن الدَّولة، ولكنَّه مَضى في حديثه عنيفًا؛ فقال: لا تتكلف ما لا تُطيق فقد رأيت معي هؤلاء البائسين الذين كانوا يبحثون فيما ألقى خَدَمُنا من نفاية المائدة بعد الغداء؛ يلتمسون فيه ما يزدردون ليُقيموا به أودًا أو ليُحصلوا به لذة. لا تتكلف ما لا تُطيق فلن أصدق أنَّ بلدًا كمصر له ميزانيته الضخمة يعجز عن إغناء بعض أهل الريف عن أنْ يلتمسوا قوتهم ولذتهم فيما يُطرح من نفاية الموائد.
لقد كنت منذ أسبوعين تتحدث عن حق الشعب في التَّعليم في ظلِّ النظام الديمقراطي الصحيح، فتحدث أيضًا عن حق الشعب في ألا يدفعه الجوع والبؤس إلى ما لا يُلائم الكرامة في ظل النظام الديمقراطي الصحيح.
وكانت السيارة قد بلغت بنا من القاهرة المكان الذي لم يكن بُدٌّ من أن نفترق فيه، فأشار صاحبي إلى السائق أنْ قف، ووضع يده في يدي، وهو يقول: تحدث ببعض هذا إلى من تعرف من النواب، وإلى من تعرف من الشيوخ.
قلت في شيء من الابتسام: نعم، سأفعل بعد أن يُنتخب رئيس مجلس النواب ومكتب مجلس النواب، ومكتب مجلس الشيوخ أيضًا. فهنالك يسمع الشيوخ والنواب لمثل هذا الحديث. -
هدية …
حديث المساء: هدية …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٥ مارس ١٩٣٤
أهداها مجلس الوزراء إلى موظفين كبيرين، كان لهما على مرافق الدولة سلطان عظيم، والعيد من غير
شك أشد الأيام ملاءمة لتقديم الهدايا إلى الناس، فويل للناس إذا لم يتبادلوا المعروف ويقدم
بعضهم إلى بعض الخير في أيام الخير والبر والمعروف.
ولعلك قد فهمت أن هذه الهدية إنما هي هدية العزل، وتحفة الإحالة على المعاش، التي طابت عنها
نفس مجلس الوزراء أمس لمدير الأموال المقررة، ومدير مصلحة الأملاك السابق. وقد كان فريق من
الناس يسيء الظن بالوزارة، ويقدر أنها بطيئة لا تحب الإسراع إلى الخير ولا التعجل في تقديمه إلى
الناس، فزعموا أن مجلس الوزراء بدأ يدرس قصة استبدال المعاشات، وأنفق في درسها وقتًا طويلًا، ثم
آثر أن يرجئ هذا الدرس إلى ما بعد العيد.
وكان هؤلاء الناس يظنون أن مجلس الوزراء رأى في هذه القصة أهوالًا عظامًا، وأحداثًا جسامًا،
ورأى أن الظروف التي تسبق العيد لا تلائم درس الأهوال والأحداث، ولا تلائم استخلاص النتائج التي
تنتجها الأهوال والأحداث؛ فآثر الأناة والإرجاء، وفضل الانتظار والإبطاء، ولكن وزارتنا حريصة كل
الحرص فيما يظهر على العمل بالحكمة القائلة: إن خير البِرِّ عاجله.
والواقع أن هذه الحكم السائرة تتناقض فيما بينها تناقضًا شديدًا، وهي بهذا التناقض تدفع الناس
إلى ضروب من الاختلاف والتناقض أيضًا، فإذا كان خير البر عاجله، فإن هناك حكمة أخرى تقول: إن في
التأني سلامة، وحكمة ثالثة تقول: إن العجلة من الشيطان. واختلاف هذه الحكم يُمَكِّنُ المسئولين
من أن يأتوا ما يشاءون من الأمر واجدين لكل عمل علة وتأويلًا، ولكنه يمكن العذال واللائمين من
أن ينقدوا كل شيء، وينكروا كل شيء، ويتحككوا بكل شيء، فإذا أسرع مجلس الوزراء بتقديم هذه الهدية
القيمة إلى هذين الموظفين الكبيرين عملًا بأن خير البر عاجله، لامه اللائمون وعتب عليه العاتبون
عملًا بأن العجلة من الشيطان، وبأن في التأني سلامة يَحسُن أن تُبتغَى، وفي العجلة ندامة يَحسُن
أن تُتَّقى.
ومهما يكن من شيء، فقد آثر مجلس الوزراء تعجيل الخير، وأهدى إلى هذين الموظفين في أيام العيد
هذه التحفة النفيسة، والناس يقولون: إن مجلس الوزراء لم يسرع ولم يتعجل، وإنما تأنَّى فأسرف في
الأناة، وأجَّل فأطال في التأجيل، فقصة استبدال المعاشات لم تنشأ أمس، ولا أول من أمس، ولم
تُثَرْ منذ أسبوع أو منذ أسبوعين، وإنما نشأت منذ عهد بعيد، وأُثِيْرَتْ منذ زمن طويل، والتمست
الوزارة لإصلاحها فنونًا من الحل، واتخذت لعلاجها ضروبًا من الحيل؛ فمنحت مدير الأملاك السابق
أجازة لم يطلبها، ومنحت مدير الأموال المقررة أجازة طلبها، ثم أقصت مدير الأملاك السابق عن
مصلحة الأملاك. ولعلها كانت تريد أن تُقْصِي مدير الأموال المقررة عن الأموال المقررة بعد أن
تنتهي إجازته الطويلة أو القصيرة.
ولكن لكل شيء أمدًا، ولكل أجل كتابًا، وقد أذن الله لمجلس الوزراء أن يدرس هذه القصة إلى
منتصف الليل يوم الخميس، ثم إلى منتصف الليل يوم السبت، وأن يتخذ فيها ما اتخذ من القرارات،
وكان هناك استجواب يُهيَّأ لمجلس النواب، هيأه ثلاثون أو دون الثلاثين، فلما كان الصباح ذات يوم
نقص المستجوبون ستة، ولما كان المساء نقص المستجوبون ستين. ومن يدري؟ لعل مجلس الوزراء بعد أن
اتخذ ما اتخذ من القرار، وأهدى ما أهدى من التحف أن يُلهِم بعمله هذا بقية المستجوبين فيلغوا
الاستجواب، ويريحوا النواب من هذا العذاب.
ولكن أحاديث الناس على كل حال لا تنقضي، ومطامع الناس لا تقف عند حد، وحاجات الناس لا سبيل
إلى إرضائها. وهل تظن أن قرار مجلس الوزراء على ما فيه من كرم وجود، وعلى ما فيه من ملائمة
للذوق والرفق ووضع الأمور في مواضعها؟ هل تظن أن هذا القرار قد أرضى الناس، أو كفهم عن الحديث،
أو صرفهم عن الخوض فيما لا شأن لهم به، ولا حق لهم فيه؟ أنت إذن لا تعرف المصريين، ولا تقدر
إسرافهم وإلحاحهم في التجني، وحبهم في اللوم والنقد؛ لا لشيء إلا لأنهم يحبون اللوم
والنقد.
فهم يتساءلون لماذا أحالت الوزارة هذين الموظفين على المعاش، وعزلتهما من منصبيهما في أيام لا
يحسن فيها العزل والإقصاء، ألأنَّهما أحسنا؟ فما هكذا يكافأ الإحسان، أم لأنهما أساءا، فإن
الإحالة على المعاش ليست بالجزاء الذي يلقاه من أساء، وإنما الذين يسيئون إلى الدولة ويصرفون
أمورها في غير الحق، وعلى غير الصواب؛ يلقون أنواعًا أخرى من الجزاء، لهم شُرع التأديب ومجالسه،
ولهم شرع القضاء ومحاكمه، وما الفرق بين من يسيء إلى الدولة فيُعْزَل ليس غير، ومَنْ يغضب عليه
وزير أو وزراء من غير إساءة، أو شيء يشبه الإساءة؛ فيعزل ليس غير.
وإذا كان الموظفون يستطيعون أن يخطئوا أو أن يسيئوا عن عمد، وأن يضروا الناس أو أن ينفعوا
أنفسهم بغير حق، ثم لا يلقون جزاء على ذلك إلا الفصل أو النقل، فما الذي يمنعهم من أن يغلوا في
الإساءة، ويحتاطوا لمثل هذا اليوم الذي يقرر مجلس الوزراء إحالتهم على المعاش؟ وهب موظفًا
صغيرًا لا يزيد مرتبه على عشرة جنيهات أساء إلى الدولة، أو أسرف في أموالها، أو انتفع من منصبه
بغير حق ولا مراعاة للقانون؛ أفيكتفي وزيره بإحالته على المعاش، أم يبدأ بإحالته على مجلس
التأديب، فإن كان الحكم صارمًا رضي، وإن لم يكن صارمًا رفعه إلى المجلس المخصوص؟ ولعله أن يأمر
فتُتَّخَذ معه إجراءات أخرى قضائية لا يستطيع أن يتخذها مجلس التأديب أو المجلس المخصوص.
أهناك فرق بين كبار الموظفين وصغارهم: هؤلاء يخطئون أو يسيئون فيصيبهم الفصل، ويحل بهم العقاب
الصارم، وأولئك يخطئون أو يسيئون فيُكتفى بإحالتهم على المعاش؟ والمصريون لا يتحدثون بهذا
الحديث إلا لأنهم يريدون أن يفهموا، فهم يأبون أن يُصدِّقوا أن هذين الموظفين الكبيرين قد
فُصِلَا أمس عفوًا أو تحكُّمًا أو لغير ذنب. هم يأبون أن يصدقوا هذا لكثرة ما قيل وما أُثير،
وللقرارات الأخرى التي اتخذها مجلس الوزراء؛ فهو يكلف لجنة التحقيق أن تمضي في تحقيق مسائل
أخرى، وهو يقف استبدال المعاشات حتى يُقَدِّمَ قانونًا بإلغاء هذا الاستبدال، وهو لا يأتي هذا
كله إلا لأن هناك مخالفات خطيرة، كما قالت الصحف، دعته إلى أن يقف هذا الموقف الصارم بعد أن
طالت أناته، وإلى أن يقف هذا الموقف في أيام يحسن فيها الرفق واللين.
وإذن فقد يريد المصريون أن يعلموا أكان موقف مجلس الوزراء هذا أشد ما ينبغي أن تقفه الوزارة
الحازمة الصارمة، التي لا تقصر في رعاية مصالح الدولة وحمايتها من العبث والفساد، أم هو موقف
روعيت فيه الرحمة والرفق وحرمة العيد، وإذن فما بال الرحمة والرفق وحرمة العيد لا تُرَاعَى مع
خزانة الدولة، وأموال الشعب التي يقال: إنها لقيت من الشطط في استبدال المعاشات شيئًا غير قليل،
أحفَظَ مجلس الوزراء فدفعه إلى ما اتخذ من قرار؟
والمصريون طوال الألسنة، مسرفون في اللوم، فهم يقولون: ولِمَ خَصَّ مجلس الوزراء بهديته هذه
هذين الموظفين، وأكبر الظن أن في دواوين الحكومة موظفين آخرين ليسوا أقل منهما استحقاقًا لهذا
النوع من هدايا العيد؟ ولكنا نتعب كثيرًا إذا أردنا أن نرضي المصريين، ونحقق ما يطمعون فيه
ويطمحون إليه من إقامة الحكم على العدل والمساواة والإنصاف.
فلندع المصريين إذن وما يلهجون به، ولندعهم وما يخوضون فيه، ولنقبل من الوزارة كل ما تأتي،
ولنقبل منها كل ما تقول؛ فإن من المحقق أن وزارتنا معصومة بطبعها، نزيهة بطبعها، عادلة بطبعها،
مصيبة بطبعها أيضًا، لا تأتي إلا الخير، ولا تقول إلا الحق، ولا تفكر في غير الصواب. وإذن
فحسبنا ما تتفضل به علينا مما تراه عدلًا وإنصافًا، فأما ما نراه نحن عدلًا وإنصافًا فلننتظره؛
فقد تسمح لنا الأيام بتحقيقه في وقت قريب أو بعيد. -
حفلة
حفلة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٢ ديسمبر ١٩٣٣
كان وزير المواصلات قد أسرَّ إلى الليل أمرًا خطيرًا، وكان يريد كما قال الشعراء وغنَّى المُغَنُّون أن يجهل النهار ما أسرَّ الوزير إلى الليل. ولكن للشمس جواسيس يتحسَّسُون الأخبار ويفضحون الأسرار إذا طلع النهار، فلم يكد فجر الخميس يطرد ليل الأربعاء حتى انطلقت ألسنة الصباح، هذه الألسنة الطوال بما أسرَّ وزير المواصلات إلى الليل، فعرف الناس ما عرفوا، وليت الناس لم يعرفوا؛ لأن الناس كانوا صائمين، ولكن سرَّ وزير المواصلات إلى الليل لم يكن يلائم الصيام، ولعله لم يكن يلائم الإفطار أيضًا، بل من المحقَّق أنه لا يلائم صومًا ولا إفطارًا في بلد تُعلن حكومته ألف مرة في اليوم أنه بلد إسلامي، وأن الإسلام هو دينه الرسمي، وأنه البلد الشرقي الإسلامي الوحيد الذي جعل نفسه معقلًا للدين والأخلاق والآداب والتقاليد والاحتشام فيما يقول الناس وما يعملون.
لم يكن سر وزير المواصلات يلائم صومًا ولا إفطارًا، ولا يناسب ليلًا ولا نهارًا؛ لأن هذا السر لم يكن أقل من حفلة فخمة ضخمة، رشيقة أنيقة، كان فيها الرقص الحلو، والغناء العذب، والتوقيع البديع، والطعام الشهي، والشراب اللذيذ. وكان كل هذا في الليل؛ أي حين لا يؤخذ المسلمون بالإعراض عن الأكل والشرب، وما يشبه الأكل والشرب مما يفسد الصيام.
ولكن هذا كله كان في ليل رمضان، والناس يعرفون أن ليالي رمضان لا تحيا في بلاد المسلمين بالقصف والعزف، ولا بالغناء والرقص، وإنما تحيا بالذكر والصلاة، والاستماع للقرآن. والناس يعرفون أن التقاليد لا تطعم الناس في ليالي رمضان، ولا تسقيهم ما كان في مقصف وزير المواصلات من هذه الألوان التي إن أباحتها تقاليد أوروبا ودياناتها، فإن تقاليد المسلمين ودين المسلمين تحظرها حظرًا لا شك فيه. ومع ذلك فقد كان وزير المواصلات كريمًا أكرم من رمضان، أو قل كانت الدولة المصرية كريمة أكرم من رمضان؛ لأن وزير المواصلات لم ينفق على حفلته بالطبع من ماله الخاص، وإنما أنفق من خزانة الدولة كما يقول المحدَثون، ومن بيت مال المسلمين كما يقول القدماء. كان وزير المواصلات كريمًا بأموال الدولة إذن. فقد حضر حفلته عدد ضخم زعم بعض الصحف أنه خمسمائة، وزعم بعضها الآخر أنه كان سبعمائة، وزعم بعضها الثالث أنه كان اثنتي عشرة مائة، وكان فيهم الرجال والنساء، وكان فيهم الشبان والشيب، وكان فيهم الموظفون والأعيان، وكان فيهم المسلمون وغير المسلمين، وكان فيهم الوزراء جميعًا، وكان فيهم فريق من النواب، وكان فيهم فريق من الصحفيين، وكل هؤلاء رقص أو شهد الرقص، وكل هؤلاء سمع الموسيقى، وكل هؤلاء أكل وشرب أو شهد الناس يأكلون ويشربون، وماذا كان الناس يأكلون؟ وماذا كان الناس يشربون؟ سلهم عن ذلك، أو سل وزير المواصلات؛ فهو أقدر مني على أن ينبئوك بما كان في المقصف مما لذَّ وطاب من طعام وشراب، والصحف مجمعة على أن المقصف كان فخمًا. قالت البورص إنه لم يدع شيئًا يلذُّ الفم والحلق إلا احتواه، ولم يدع شيئًا يلذ العين إلا اشتمل عليه، وكان في قاعة الرقص ما يلذ السمع والعين والشم واللمس أيضًا. وكل هؤلاء الناس قد نعموا بذلك وابتهجوا له طول الليل، ثم انصرفوا عنه مع الصبح يضيقون بمطلع الفجر ويودون لو شدت النجوم بأمراس الكتان أو ثبتت في أماكنها بالمسامير أو قُيِّد النهار بحبل من مسد، ليتصل الليل ويمتدَّ النعيم. ولكن السماء لم تسمع لما كانوا يتمنون، فدار الفلك وانجلى الليل، وأشرق النهار، وأفاق القوم مما رأوا وسمعوا، ومما أكلوا وشربوا، واستقبلوا النهار صائمين، أو كالصائمين. ومضى وزير المالية إلى وزارة المالية جادًّا في تحريم القهوة والدخان في نهار رمضان على المسلمين وغير المسلمين، ومضى وزير التقاليد إلى وزارة التقاليد جادًّا في حماية التقاليد، ومضى الرجل الطيب رئيس الوزراء إلى رياسة الوزراء وعلى ثغره ابتسامة حلوة طيبة فيها تسامح وشك وازدراء بما تواضع الناس عليه من فنون الجد وألوان المزاح، وذهب حملة الأخبار وفَضَحَة الأسرار إلى الأزهر الشريف يؤذنون في الناس من طلاب الدين وعلماء الدين، بأن تلك الليلة قد شهدت ما شهدت مما يكره الدين وتأبى التقاليد، وشهدت ذلك بمحضر من رجال الدولة يتقدمهم رئيس الوزراء وفيهم وزير التقاليد وحامي حمى الإسلام، وفيهم وزير المالية محرم القهوة والدخان. ولكن المؤذنين صاحوا وأسرفوا في الصياح، فلم يسمع لهم في الأزهر أحد؛ لأن رجال الأزهر كانوا نائمين، وهم كانوا نائمين؛ لأنهم كانوا صائمين، ولأنهم يحيون ليل رمضان بتلاوة القرآن، والاستماع لهذه التلاوة، فليس عليهم بأس أن يناموا ليستردوا من الراحة ما فقدوا في ذكر الله، ثم لينسوا الصوم، ولينساهم الصوم. ولست أدري أَسَمِع رجال الأزهر بما كان بعد أن أقبلت عليهم ليلة أمس، فأفطروا وتحدَّث بعضهم إلى بعض بما كان في الصحف، ولكن الذي ليس فيه شك ولا مراء هو أن رجال الأزهر الشريف لن يقولوا لرئيس الوزراء شيئًا، ولن ينكروا على وزير التقاليد شيئًا، ولن يعاتبوا وزير المواصلات في شيء، ورحمة الله واسعة وعفو الله رحب، ومغفرة الله لا تَضِيق بمذنب مهما يكن ذنبه.
ولكن نفوس الناس ضعيفة، وأجسام الناس أضعف من نفوسهم. فما رأى وزراء الدولة وشيوخ الدولة أن اقتدى الناس بالوزراء فأحيوا ليالي رمضان بغير تلاوة القرآن، وشربوا في ليالي رمضان شيئًا غير القهوة والشاي والسحلب والقرفة، وما يشبهها من الشراب المباح؟ لو أن وزارتنا القائمة لم تتكلَّف حماية التقاليد ولم تتخذها وسيلة من وسائل الدعاية وفنًّا من فنون الإعلان لما عرضنا لها بشيء. ففي مصر مؤتمر للطيران، وقد جرت العادات بأن تقام مثل هذه الحفلات حين تعقد المؤتمرات، ولكن وزارتنا صالحة جدًّا تقية جدًّا، ورعة جدًّا، حامية للإسلام، ذائدة عن التقاليد، فلتأذن لنا في أن نسجل عليها أنها أنكرت نفسها وخالفت ما ينبغي لها، وأتت في رمضان ما لا يحل فيه ولا في غيره من الشهور للمسلمين.
لو أن الأمر في بلادنا مطرد على اليسر والسعة، لا يجوع الناس ولا يظمئون، لا يشكو الناس بؤسًا ولا ضرًّا ولا حرمانًا، لما أنكرنا على الوزارة ما أنفقت أول أمس على هذا المقصف الفخم والمرقص البديع. ولكن المصريين يتلظَّوْن جوعًا ويضيقون بالحياة؛ لأنهم يعجزون عن احتمال الحياة، يصوم كثير منهم ثم لا يجدون ما يفطرون به إذا انقضى النهار، ووزير ماليتنا رجل رحيم رقيق القلب؛ فكيف إذن بإنفاق هذا المال على قوم شباع غير جياع ليسوا في حاجة إلى قصف ولا رقص على حين لا يجد المصريون ما يقيمون به أَودَهم ويقوتون به العيال.
أيأذن لنا وزير التقاليد في أن نشك أنه يحمي التقاليد؟ أيأذن لنا وزير المال في أن نشك في أنه يحمي المال؟ أيأذن لنا شيخ الدين في أن نرتاب في أنه يحمي الدين؟ أيأذن لنا رئيس الوزراء في أن نلاحظ أن الصراحة خير من المداورة، وأن الجهر خير من السر، وأن الشجاعة خير من الإشفاق، وأن الناس قد أصبحوا الآن لا يخدعون بالألفاظ ولا تعبث بعقولهم المظاهر، وإنما هم يريدون من الحكومة التي تعلن حماية الدين والتقاليد أن تحمي الدين والتقاليد بالفعل، ومن الحكومة التي تدعو إلى الاقتصاد أن تقتصد بالفعل، ومن الوزير الذي يحرم القهوة والدخان على غير المسلمين ألا يشهد الرقص وشرب الخمر في ليلة من ليالي رمضان. -
مليونان …
حديث المساء: مليونان …
طه حسين
كوكب الشرق
١٠ أكتوبر ١٩٣٣
أما أحدهما فتفضل به ديكتاتورنا العظيم على الرعية البائسة قبل أن يبرح مصر في الربيع الماضي ليستشفي ويستريح، ويستعد للاستقالة أو للإقالة، وأما الآخر فيريد أن يتفضل به وزير المالية الجديد على الرعية البائسة؛ ليكون فاتحة خير ووسيلة من وسائل الدعاية للوزارة الجديدة.
ومما لا شك فيه أن الدكتاتور المستقيل لم يَنْسَ الدعاية واستبقاء الذكر الحسن في نفوس الرعية البائسة حين طابت نفسه الكبيرة للرعية الصغيرة عن هذا المليون، ومما لا شك فيه أيضًا أن وزير ماليتنا العظيم لا ينسى الدعاية وكسب الأعوان والأنصار حين تطيب نفسه الغنية لهذه الرعية المحرومة عن هذا المليون.
ومن المحقق أن صدقي باشا لم يَسْتَفِدْ من المليون الذي نزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة، ومن المحقق أيضًا أن صبري بك لن يستفيد من هذا المليون الذي ينزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة. فقد لقي الشعب مليون صدقي باشا بالفتور وسيلقى مليون صبري بك بالفتور، والله يعلم كيف وُزِّع مليون صدقي باشا، والله يعلم كيف يُوزَّع مليون صبري بك.
ولكن الأمر الذي يستحق التفكير والتدبر، ويدعو إلى الروية والتأمل هو أن هذين الرجلين العظيمين يجدان الملايين في سهولة ويسر، يتمناهما أو يتمنى بعضهما كثير من وزراء الدول الغنية الكبرى. فقد وجد صدقي باشا مليونًا في أعقاب الميزانية الماضية، واقتصد صبري بك فيما يُقال مليونًا من صلب الميزانية الحاضرة، وكلا الرجلين لم يخفض ولم يفكر في تخفيض مرتبات الموظفين، وكلا الرجلين لم يعدل ولم يفكر في العدول عن المشروعات الكبرى التي تدفع إليها الدولة دفعًا، سواء أكانت هذه المشروعات مفيدة أو غير مفيدة.
والناس جميعًا يعلمون أن هذين الرجلين العظيمين مهما يكن حظهما من الكفاية وطول الباع، وسعة الاطلاع، والقدرة على الابتداع، فالله عز وجل لم يمنحهما القدرة على أن يخلقا شيئًا من لا شيء، ولا على أن يقولا للملايين كوني فتكون.
وإذن؛ فقد كان عند هذين الرجلين العظيمين مقدار من المال لا بأس به لم تحتَجْ إليه الدولة في العام الماضي، فتفضل به صدقي باشا على الشعب، وأي شعب؟! ولا تحتاج إليه الدولة في هذا العام فيتفضل به صبري بك على الشعب، وسنرى أي شعب.
وهذا المقدار يجب أن يكون قد أُخِذَ من الرعية؛ لأن الله لم يُعوِّد وزارتنا ولا غيرها من الوزارات أن يمطر عليها ذهبًا أو فضة أو ورقًا، وإذا كان هذا المقدار قد أُخِذَ من الرعية، والرعية بائسة يائسة، معدمة محرومة، يلتمس كثير منها قوت أبنائه وبناته فلا يجد، بعد الجهد والمشقة وبعد الكد وطول العناء، فقد يكون من الواضح فيما أظن أن الدولة تقسو وتسرف في القسوة، وتشط وتغلو في الشطط لتكلف الجائع المحروم، والمعدم البائس أن يقدم إليها من المال ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه وما يحتاج هو إلى جزء يسير منه ليعيش.
ومعنى ذلك أن الدولة لا تجبي الضرائب، أو قُلْ لا تجبي من الضرائب ما يكافئ حاجتها للقيام على مرافق الناس ومصالحهم، وإنما تستصفي أموالهم استصفاءً، وتمتص دماءهم امتصاصًا، وتعرق لحمهم عرقًا. حتى لا تدع لهم إلا الجلد اللاصق بالعظم، لا أكثر من ذلك. ولو استطاعت أن تدع لهم أقل من ذلك لفعلت. ومعنى ذلك أن هذه السياط التي كانت تُسلَّط على ظهور المعسرين لعجزهم عن أداء ما تطلب الدولة إليهم من المال، لم تكن سياط الحق الذي يضطر إلى العزم والحزم، ولا سياط العدل الذي يلجأ إلى الشدة والعنف، وإنما كانت سياط الظلم الصارخ، والجور الذي لم يكن يستحي أن يبدي وجهه القبيح المنكر للناس في ضوء النهار.
ومعنى ذلك أن هؤلاء الفقراء والأغنياء، وهؤلاء المعسرين والموسرين الذين تُحجَز حاصلاتهم الزراعية في غير حق لاستيفاء ما تطلب الدولة من المال، إنما يتكلفون نتائج هذا الحجز ويحتملون أثقاله المادية والمعنوية في غير حاجة من الدولة ملجئة ولا ضرورة للدولة ماسة، بل لأن الدولة تريد أن تجمع المال، وأن تجمع المال ليس غير، وأن تجمع المال مهما يكلفها جمعه من قهر للناس وقسوة عليهم، ومن تجاوز للقانون وخروج على المألوف في تنفيذ القانون.
ومعنى ذلك أيضًا أن الوزارة السابقة قد كانت تفهم عمل الحكومة فهمًا خاطئًا، وكانت تقدر، فيما يظهر، أن الحكومة إنما هي أداة من أدوات الدولة لجمع المال على أي نحو لجلب المال من أي طريق، لا أن الحكومة أداة من أدوات الدولة لخدمة الشعب والترفيه عليه، ولتحقيق مصالح الناس وتيسير أمورهم.
وإذا كان هذا هو فهم الوزارة السابقة للحكم، وتقدير الوزارة السابقة للصلة بين الدولة وبين الشعب؛ فليس غريبًا بحال من الأحوال أن تنتهي هذه السياسة بالشعب إلى هذه الحال المنكرة التي هو فيها، وأن تنتهي بالوزارة السابقة إلى هذا المصير المنكر الذي انتهت إليه، وأن تفسد رأي الناس في الوزارة، بل رأي الناس في المبادئ التي تقوم عليها الوزارة، وأن تمحو من نفوس الناس ما ينبغي أن يقوم عليه الحكم لا أقول من الحب والمودة، بل أقول من الثقة وحسن الظن اللذين يجعلان الناس بمأمن من الظلم والجور، واللذين يملآن قلوب الناس اطمئنانًا إلى أن الحكومة تخدمهم ولا تظلمهم، وإلى أنها لا تجبي منهم المال إلا بمقدار الضرورة التي تدعو إليها مرافقهم ومصالحهم.
ثم ليس غريبًا أن تسرف الوزارة السابقة فيما أسرفت فيه من إنفاق المال بغير حساب فيما لا ينفع ولا يفيد، أو فيما يمكن تأجيله والانتظار به أعوامًا طوالًا.
نعم؛ وليس غريبًا أن تُعقَد المؤتمرات في مصر ويُرسَل المندوبون لحضور المؤتمرات في غير مصر، وأن تحيي الأوبرا فصلها الأنيق الملهى في ليالي الشتاء، وأن تُقام العمارات الشاهقة في غير حاجة إليها، وأن يُدعى الأجانب لإلقاء المحاضرات، أو لغير إلقاء المحاضرات، وأن تَعْبُر أموالنا البحر لتنصب في خزائن الصحف الأوروبية، ولتسبغ على مفوضياتنا ألوانًا زاهية من الترف.
ليس شيء من هذا غريبًا ما دامت الدولة تجمع المال على النحو الذي كانت تجمعه عليه، وتسرف في إنفاق المال على هذا النحو الذي كانت تسرف في إنفاقه عليه، حتى إذا دار العام المالي وجد صدقي باشا بعد الإسراف والتبذير مليونًا ينزل عنه هدية لمن أراد أن يشملهم بعطفه قبل أن يسافر للاستشفاء، ثم لا يكاد ينتصف العام المالي، والحكومة مسرفةٌ ما شاء لها الإسراف في المال تنفقه عن يمين وشمال حتى يستطيع الوزير الجديد أن يجد مليونًا يريد أن يهديه إلى الناس دون أن يمس مرتبات الموظفين، ودون أن يمس المشروعات الكبرى. ولعله أن يكون قد اقتصد هذا المليون من نفقات الحبر، والورق، وأقلام الرصاص!
والنتيجة الواضحة الجليلة لهذا كله محزنة حقًّا، تدمي القلوب وتمزق الأفئدة وتظهر حياة هذا الشعب المسكين في صورة من البؤس والشقاء لا يستريح إليها ضمير الرجل المتحضر، ولا تطمئن إليها نفس الإنسان المهذب. فإن الدولة التي تظفر بالملايين بعد هذا الإسراف الذي نحن فيه يجب أن تكون غنية حقًّا، وقد قلنا منذ أشهر، وما زلنا نقول اليوم، إن إسراف الدولة في الغنى حين يسرف الشعب في الفقر والبؤس لا يدل على حكم مستقيم يعتمد على العدل والإنصاف ورحمة الناس والرفق بهم، وإنما يدل على شيء آخر نكره أن نسميه باسمه القبيح. فإذا قُدِّرَتْ مصروفات الدولة بهذه الملايين التي تُقدَّر بها في كل عام، ثم أمكن أن يُؤخَذ منها مليون بهذه السهولة التي دُهِش لها المستشار المالي الإنجليزي فيما تقول الأهرام أمس؛ فليس من شك في أن الاقتصاد الصحيح والتدبير النزيه ينتهيان إلى تخفيض هذه المصروفات تخفيضًا عظيمًا جدًّا يريح دافع الضرائب من كثير من هذه الأعباء الثقال التي تنوء به وتضطره إلى شر حال.
يجب إذن أن يفيق المصريون، وأن يفكروا في هذا البلاء الثقيل الذي ينغص عليهم حياتهم ويفسد عليهم أمورهم، وأن يسألوا أنفسهم كيف كان البرلمان يراقب الوزارة في شئون الميزانية، وكيف استطاع البرلمان أن يدع هذه الميزانية تمضي كما مضت، وكيف قيل له أن الوزارة قد احتملت من المشقة والجهد شيئًا عظيمًا لتصل إلى موازنة هذه الميزانية إلى تحقيق التكافؤ الدقيق بين الدخل والخرج. فلو قد كان هذا الكلام حقًّا لما كان من الممكن أن يظفر صدقي باشا بمليونه ذاك آخر العام، وأن يظفر صبري بك بمليونه هذا في منتصف العام.
نعم؛ ويجب أن يفيق المصريون ويسألوا أنفسهم كيف استطاع وزير المالية الجديد أن يدبر هذا المليون، ما دام البلاغ الرسمي ينبئنا بتدبيره. فنحن بين اثنتين إما أن يكون صبري بك قد اقتصده من أشياء ليس منها بد، فهو إذن مخطئٌ خطأً شديدًا معرض مصالح الدولة للخطر، وإما أن يكون قد اقتصده من أشياء لا تدعو إليها الحاجة ولا تلجئ إليها الضرورة؛ وإذن فقد كان صدقي باشا مسرفًا في مال الأمة، سيئ التقدير لهذا التكافؤ بين الدخل والخرج.
وكم نحب أن نسمع رأي صدقي باشا في هذا المليون الجديد الذي اقتصده صبري بك في أقل من أسبوع؛ فقد كان صدقي باشا في أول عهد هذه الوزارة بالحكم يوحي إلى صحيفته أن تحذر وزير المالية الجديد من الوعد بالاقتصاد؛ لأن الاقتصاد لا سبيل إليه. فنحب أن نعلم كيف اقتصد وزير المالية هذا المليون، وماذا يرى صدقي باشا في هذا الاقتصاد.
ونحب قبل كل شيء وبعد كل شيء، أن يتنبه المصريون إلى أن ألوانًا من العبث الخطر تحيط بهم وبمرافقهم؛ فهؤلاء قوم يعصرونهم عصرًا، ويرهقونهم إرهاقًا، ويكلفونهم من المال فوق ما يطيقون، ثم يسرفون فيما يجمعون من المال ما وسعهم الإسراف، ثم إذا احتاجوا إلى الدعاية واستعطاف القلوب عليهم ردوا على هذا الشعب المحروم في شيء من الأنفة والكبرياء، وإظهار التفضل والعطف ببعض ما أخذوا منه بالقوة والعنف والبطش وتسليط العذاب.
كلا؛ لم يُهْدِ صدقي باشا مليونه ذاك إلى أحد وإنما رد ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ، ولن يهدي صبري بك مليونه هذا إلى أحد، وإنما يرد بعض ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ.
ولو استقامت أمور الناس في هذا البلد التعس لرُدَّ عليهم أكثر مما يُهْدَى إليهم الآن، ولَسُئِل الوزراء عن هذا العذاب الذي يُسلَّط على الناس في جمع أموال تقوم البراهين في كل يوم على أنها أكثر جدًّا مما تحتاج إليه الحكومة.
ولكن كيف تستقيم أمور الناس، وهم ليسوا من تدبيرها في شيء؟! -
ذوق٢
حديث اليوم: ذوق
طه حسين
جريدة السياسة
٣ أغسطس ١٩٣٢
أمَّا أنَّ في مصر نظامًا مستقرًّا فأمر لا سبيل إلى الشك فيه، ولولا ذلك لما غاب رئيس الوزراء عن مصر، ولما فرغ قلبه للقاء عظيم إيطاليا واستقباله وزيارة المتاحف والآثار والانتقال بعد ذلك إلى حيث يستريح أو ينتظر الأقدار. وأمَّا أنَّ هذا النظام دستوري كأحسن ما تكون النظم الدستورية وديموقراطي كأكمل ما تكون النظم الديموقراطية يأمن معه الناس على الأنفس والأموال، وعلى ألوان الحريات كلها، وحرية التفكير والقول والكتابة والقراءة بنوع خاص، فأمر لا سبيل إلى الشك فيه أيضًا. وآية ذلك أن من شك في شيء من هذا فأمره إلى النيابة والقضاء، وإلى الإدارة قبل النيابة والقضاء. ولست أعرف دليلًا أنصع، ولا برهانًا أسطع، من القوة التي تكره الناس إكراهًا على أن يؤمنوا بما لا يستطيعون أن يؤمنوا به لو تركوا أحرارًا.
نحن إذن هادئون وادعون قد خضعنا للنظام واطمأنت إليه أجسامنا وقلوبنا وعقولنا. وأظن أني قد أرضيت رئيس الوزراء بعد هذا الاعتراف الصريح بما يحب أن نعترف به ونؤمن له. وأظنني أستطيع بعد ذلك أن أتحدث فيما أشاء من أمورنا العامة دون أن يكون لرئيس الوزراء عليَّ سبيل.
وفي نفسي مسألة تشغلني منذ أيام، بل منذ أسابيع، بل منذ نهضت هذه الوزارة القائمة بالأمر؛ وهي أن حظ حكومتنا من الذوق بعيد عن أن يحقق الأمل ويرضي الحاجة، ويحسن فيها رأي الناس. ومن الواضح أن الذوق أمر كمالي يصح أن تأخذ منه الحكومة بالقليل والكثير ويصح أن تنبذه الحكومة نبذًا، وأن تدعه للمتحذقين المترفين من المصريين والأوروبيين، دون أن يكون لذلك أثر في استقرار النظام وملاءمة الدستور لحاجة البلاد وطاقتها. وإذن، فنستطيع أن ننقد حظ الحكومة من الذوق دون أن نسخطها أو نغيظها أو نثير غضب النيابة أو نضطر إلى مجلس القضاء.
الذوق شيء كمالي إذن، وهو أسلوب من أساليب الحضارة، وفن من فنون الترف الذي ينشأ عن الرقي في العلم والتربية والأخلاق، وعن تهذيب الشعور وتصفية الطبع وتعديل المزاج. والذين يحبون هذه الخصال كلها يجتهدون في أن يكون لهم منها حظ، فإن لم يوفقوا خدعوا أنفسهم أولًا، وخدعوا الناس بعد ذلك عن أنفسهم، وظهروا مظهر المهذبين المشذبين، الذين قد استكملوا نصيبهم من الذوق حتى أصبحوا فيه القدوة التي لا تشبهها قدوة، والمثال الذي لا يشبهه مثال. ومن أخص مظاهر الذوق فيما يقول المترفون المتحذقون ألا تظهر الفرح إذا كان الناس من حولك مأزومين، وأن تجتهد ما استطعت في ألا تؤذي الناس، ولا سيما حين يكون أمرهم إليك، وحين تقوم منهم مقام رئيس الوزراء.
كذلك يقول أصحاب الترف والمتحذقون. وهم جميعًا يعلمون أن رئيس وزرائنا لم يمتز من غيره بالذكاء وحده ولا بالفطنة وحدها، ولا باللباقة وحدها ولا بالحزم وحده، وإنما امتاز بخصال أخرى إذا اجتمعت إلى هذه الخصال — التي ذكرتها آنفًا — جعلت من رئيس الوزراء رجلًا كاملًا بالمعنى الذي كان يفهمه من الرجل الكامل أفلاطون وأرسطاطاليس. امتاز رئيس الوزراء بالظَّرف فيما يأتي من حركة، وخفة الروح فيما ينطق به من لفظ، وامتاز فوق هذا وذاك بالذوق في جميع أقواله وأعماله.
وآية ذلك أنه على كثرة ما يثقله من أمور الدولة، لم يقصر يومًا من الأيام في ذات الأصدقاء والأولياء والزملاء؛ فهو يشاركهم فيما يختلف عليهم من أحداث الحياة حلوها ومرها، وهو يودعهم إذا سافروا، ويزورهم إذا عادوا. وهو يسلك في ذلك طريقًا لم يسلكها رؤساء الوزارات الذين سبقوه إلى تصريف الشئون في هذا البلد السعيد به، العزيز بحكمه. أولئك الرؤساء كانوا يسرفون في المجاملة أحيانًا فيواسون الأصدقاء بأنفسهم، ويودعونهم بأنفسهم، ويهنئونهم بأنفسهم. ولم يكن هذا الإسراف دليلًا على استقامة الذوق ولا اعتدال المزاج، فرؤساء الوزارات ناس من الناس، ولكنهم ممتازون، يجب أن يعرفوا لمكاناتهم أقدارها، وألا يبتذلوا أنفسهم بكثرة التهنئة والتعزية والتوديع والتسليم. وإنما الذوق المستقيم والمزاج المعتدل في ذلك أن ينصرف رئيس الوزراء إلى أعمال الدولة، وأن يرسل عاملًا من عمال مكتبه لتوديع وزير إن سافر مهما يكن هذا الوزير وتعزية صديق أو نصير إن ألم بهذا الصديق أو النصير مكروه. كذلك يفعل رئيس الوزراء. وسنرى بعد أن يستقيل من فيشي أو من القاهرة، أتمضي هذه السُّنة في خلفائه أم يعود هؤلاء الخلفاء إلى السُّنة القديمة التي مضى عليها رؤساء الوزارات من قبل!
رئيس وزرائنا إذن مثال للذوق المستقيم في مصر، ولكنه لم يكد يرتحل عنا حتى ساءتنا منه أشياء نخشى أن يتعرض معها ذوقه الكامل لشيء من النقد الخفيف أو الثقيل.
أول هذه الأشياء: رحلته. والناس عن الرحيل في شغل بما هم فيه من فقر وضيق. ستقول: ولكن الوزراء قد سبقوه إلى السفر! وأجيبك: وقد سبقه كثير من الموظفين؛ وسيسافر بعده وزراء وموظفون آخرون. ولكن لا تنسَ قول الشاعر القديم:
إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
وكان الحق على رئيس الوزراء لذوقه وذوق زملائه، وذوق الموظفين، أن يضرب نفسه مثلًا لهؤلاء جميعًا، فيصبر على القيظ في هذه السنة التي يصبر فيها الناس على الجوع. وأنا واثق بأن رئيس الوزراء كان يريد أن يفعل هذا؛ لأن ذوقه السليم كان يأمره به ويضطره إليه. ولكن أعباء الحكم تخرج الرجل أحيانًا عن طوره، وتورطه فيما لا يقره الذوق. ورئيس الوزراء لم يسافر رغبة في السفر ولا حبًّا في الراحة، ولكنها سياسة الدولة فرضت عليه في آخر لحظة — بعد أن رفض الإنجليز مفاوضته في هذه الأيام — أن يزور مدينة القياصرة؛ ليلقى موسوليني، وليتشرف بلقاء جلالة الملك وقداسة البابا. وإذا تعارضت سياسة الدولة والذوق، فالسياسة فوق الذوق من غير شك. ومن كان في روما واحتاج إلى الراحة في فيشي فلا جناح عليه أن يستريح! نعم، ولكن الناس طوال الألسنة لا يريحون ولا يستريحون، وهم كالثعلب الذي لم يستطع أن يبلغ العنب فوصفه بأقبح الأوصاف. لم يستطع هؤلاء الناس أن يحتجزوا لأنفسهم أجنحة خاصة في السفن، ولا أن يهيئوا لأنفسهم استقبالات فخمة في نابولي، ولا أن يقيموا لأنفسهم مدينة القياصرة ويقعدوها، ولا أن يظفروا بمأدبة موسوليني وعطف جلالة ملك إيطاليا وبركة قداسة البابا. لم يستطيعوا من هذا شيئًا، واستطاعه كله رئيس الوزراء، فهم يحسدونه وينقمون منه ويلهجون به، ويقولون: أسرف رئيس الوزراء في ماله إن كان قد أنفق على هذه الرحلة من ماله الخاص، ومن الحق عليه أن يضرب نفسه مثلًا للناس في الاقتصاد والاعتدال. وأسرف رئيس الوزراء في مال الدولة إن كان قد أنفق على رحلته من مال الدولة؛ فالدولة فقيرة في هذه الأيام، وليس من الرفق بها ولا من العطف عليها أن يحملها رئيس الوزراء مثل هذه النفقات، على حين هي مضطرة إلى الاقتصاد من مرتبات صغار العمال. ويغيظهم من أمر هذه الرحلة ما أعلن من وصف المأدبة التي أقيمت لرئيس الوزراء في دار المفوضية المصرية بروما. والمأدبة الأخرى التي أقامها رئيس الوزراء لموسوليني. فإن في هذا الوصف ما يغيظ ويغري في وقت واحد، إسراف في الترف، وغلو في التأنق، وأزهار كأنها لم توجد في روما فتستحضر خاصة في جنوى، وكل هذا على حساب الدولة من غير شك. والناس هنا يلقون ألوان البؤس، ومنهم من يأرق الليل كله؛ لأنه لا يدري ماذا يصنع ليطعم أبناءه إذا كان الغد. وإذا لم يكن بد من هذا الإسراف، ومن استحضار الأزهار من جنوى في الوقت الذي تنشر فيه الجريدة الرسمية أكثر من ألف حجز في أسبوع واحد على صغار الناس وكبارهم. فقد كان الذوق يقضي ألا يتأرج عطر هذه الأزهار حتى يصل إلى مصر، وألا تعلن كل هذه الأخبار في الصحف. فإن للمصري كغيره من الناس عقلًا يفهم به، وقلبًا تضطرب فيه ألوان الشعور المختلفة. ومنها أنه لا يجوز أن تنفق الأموال على هذا النحو، حين تجد الحكومة أقسى ألوان العناء في جبايتها ويخضع الفلاح لأشنع الصروف والمحن في أدائها.
والناس لا يقفون عند هذا الحد من النقد بل هم يتجاوزونه إلى شيء آخر ليس عليهم فيه ذنب، وإنما الذنب على الصحف. فالصحف تنشر لهم في كل يوم أخبار رؤساء الوزارات حين يتزاورون وينتقلون من عاصمة إلى عاصمة، فلا تثار حولهم هذه الضجات العنيفة التي أثيرت حول رئيس الوزراء حين زار روما، ولا تشغل بهم الصحف كما شغلت برئيس الوزراء حين زار روما. ونحن نقرأ من حين إلى حين انتقال مكدونلد إلى باريس؛ هربوا إلى لندرة فلا نرى أن الصحف تعنى بما يقام لهما أو يقيمان من ولائم وبما يحضر لهما أو يحضران من أزهار، وإنما تعنى الصحف بأحاديثهما السياسية وجهودهما لخدمة فرنسا أو إنجلترا.
وشر من هذا أن هذه الأخبار التي تذاع عن رئيس الوزراء في رحيله وإقامته لا تضحك المصريين وحدهم، بل تضحك الأجانب أيضًا؛ لأنها تترجم لهم في الصحف الأجنبية كل يوم فيتفكهون بها إذا خلا بعضهم إلى بعض في المساء. وهم في حقيقة الأمر لا يضحكون من أمر خاص برئيس الوزراء وحده؛ ولا يتفكهون بأمر خاص برئيس الوزراء وحده، وإنما يضحكون من المصريين جميعًا ويتفكهون بهم جميعًا.
ويقولون: ما أبعد هذا الشعب عن العزة والحرية! ولو قد كان عزيزًا حرًّا لما رضي أن تنفق أمواله على هذا النحو ومثاله من أنحاء الإسراف. يقولون: ما أقل حظ هذا الشعب من الذوق، وما أخلقه أن يكون محدثًا! ولو قد كان على شيء من الذوق، ولو قد كان بعيد عهد بالحياة السياسية؛ لما قبل أن تهزأ به الصحف إلى هذا الحد، فتنشر له هذه الأخبار معتقدة أنه سيقرؤها وسيجد فيها متاعًا ولهوًا! كذلك يقول الأجانب.
أما المصريون فيقولون مثل هذا إذا خلوا إلى أنفسهم. يضحكون من هذه الأخبار ويسخرون من الصحف التي تنشرها، ويستحون من الأجانب الذين سيقرءونها. ولكن ماذا يصنعون والنظام مستقر والدستور قائم، والحريات مكفولة والقول مباح لكل إنسان؟ ماذا يصنعون؟ ولمَ يصلحون ذوق الحكومة، وقد عجزوا عن إصلاح سياستها الداخلية والخارجية وعن إصلاح إدارتها وعن أخذها بأن تكون حكومة مصرية لا حزبية؟!
المصريون يصبرون على ذوق الحكومة كما يصبرون على سياستها، وعلى إدارتها وعلى بقائها في مناصب الحكم. والغريب من أمر هذا الاعوجاج في الذوق أنه قد عمَّ حتى تناول الذين يتصلون بالحكومة من قريب أو بعيد، فلا يكاد وزير من وزراء الدولة المسافرين ينتقل أو يتحرك أو يتكلم حتى تهتز أسلاك البرق بما فعل أو قال، ولا يكاد سفير من سفراء الدولة يأتي شيئًا من الجِد القليل أو السخف الكثير حتى تفيض الصحف بجِده وسخفه. وقل مثل ذلك في وكلاء الوزارات وكبار الموظفين وصغارهم، والذين يمثلون مصر في المؤتمرات، والذين ينجحون في أداء الامتحانات! أخبار هؤلاء جميعًا تنشر في إطناب وإسهاب مع ما يليق من المبالغة التي يراد بها خداع الناس، والعبث بالعقول. ما أشد حاجة مصر إلى أن تنشأ فيها مدرسة للذوق يتعلم فيها الموظفون ورجال السياسة — ولا سيما جماعة من الوزراء والمستوزرين — ومن النواب والشيوخ والذين يرشحون أنفسهم لمجلسي النواب والشيوخ! وإلا فما رأيك في هذا النائب المحترم الذي لم يمنعه ذوقه من أن يكتب باللغة الإيطالية التي لا يتكلمها ولا يفهمها فصلًا ينشر في صحيفة إيطالية ثناءً على رئيس الوزراء، بينما رئيس الوزراء في روما والصحف الإيطالية نثني عليه بما شاء وما لم يشأ؟!
أترى هذا النائب لو تخرج في مدرسة الذوق هذه كان يمضي باسمه في صحيفة إيطالية فصلًا كتب في لغة لا يفهمها ولا يتكلمها؟ وأمثال هذا النائب كثيرون تلقاهم في مصر وتلقاهم في الشرق، وتلقاهم في الغرب وهم يدعون لبلادهم دعاية سيئة، لا لأنهم يريدون السوء؛ ولكن لأنهم يضطرون إليه اضطرارًا ويدفعهم إليه أنهم لم يمروا بمدرسة الذوق.
لقد قرأت منذ أسابيع فصلًا نشره وكيل لمجلس النواب كان مستشارًا فيما مضى من الزمان، فأصبح زعيمًا سياسيًّا في هذه الأيام. قرأت هذا الفصل الذي كتبه صاحبه ينقد فيه سياسة المعارضين، فهممت أن ألفت إليه رئيس الوزراء، لا لأن فيه إسرافًا في الشتم أو إقذاعًا في الهجاء، فذلك شيء لا يلتفت إليه الآن؛ بل لأن الصحيفة التي تنطق بلسان الوزارة والبرلمان وتمثل أذكى الناس وأكفأ الناس وأظرف الناس، لا ينبغي أن تذكر الكوستليتة والفطير باللحمة وحلاوة النوجا، ولو أن الزعيم المستشار وكيل مجلس النواب قد مر بمدرسة الذوق هذه لعرف أن مثل هذه الألفاظ إن جازت لبعض الصحف فهي لا تجوز لصحيفة الحكومة والبرلمان، وإن أبيحت لبعض الناس فهي لا تباح للزعماء الذين يكتبون في السياسة العليا.
مدرسة الذوق هذه ضرورة من ضرورات الحياة الجديدة في مصر؛ ذلك لأن النظم تتغير من وقت إلى وقت، والحكم يتنقل في البيئات، وتمثيل الشعب يوكل مرة إلى أولئك ومرة إلى هؤلاء. وكثير من أولئك وهؤلاء لا عهد له بالحكم ولا بتمثيل الشعب، ولا بما يحتاج إليه هذا وذاك من الظَّرف والذوق. ولكن من ذا الذي ينشئ هذه المدرسة؟ أرجو أن لا تفكر الحكومة القائمة في إنشائها؛ فإني أخشى إن فعلت أن تأتي على ما بقي في مصر من الذوق السليم.