حفلة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٢ ديسمبر ١٩٣٣
كان وزير المواصلات قد أسرَّ إلى الليل أمرًا خطيرًا، وكان يريد كما قال الشعراء وغنَّى المُغَنُّون أن يجهل النهار ما أسرَّ الوزير إلى الليل. ولكن للشمس جواسيس يتحسَّسُون الأخبار ويفضحون الأسرار إذا طلع النهار، فلم يكد فجر الخميس يطرد ليل الأربعاء حتى انطلقت ألسنة الصباح، هذه الألسنة الطوال بما أسرَّ وزير المواصلات إلى الليل، فعرف الناس ما عرفوا، وليت الناس لم يعرفوا؛ لأن الناس كانوا صائمين، ولكن سرَّ وزير المواصلات إلى الليل لم يكن يلائم الصيام، ولعله لم يكن يلائم الإفطار أيضًا، بل من المحقَّق أنه لا يلائم صومًا ولا إفطارًا في بلد تُعلن حكومته ألف مرة في اليوم أنه بلد إسلامي، وأن الإسلام هو دينه الرسمي، وأنه البلد الشرقي الإسلامي الوحيد الذي جعل نفسه معقلًا للدين والأخلاق والآداب والتقاليد والاحتشام فيما يقول الناس وما يعملون.
لم يكن سر وزير المواصلات يلائم صومًا ولا إفطارًا، ولا يناسب ليلًا ولا نهارًا؛ لأن هذا السر لم يكن أقل من حفلة فخمة ضخمة، رشيقة أنيقة، كان فيها الرقص الحلو، والغناء العذب، والتوقيع البديع، والطعام الشهي، والشراب اللذيذ. وكان كل هذا في الليل؛ أي حين لا يؤخذ المسلمون بالإعراض عن الأكل والشرب، وما يشبه الأكل والشرب مما يفسد الصيام.
ولكن هذا كله كان في ليل رمضان، والناس يعرفون أن ليالي رمضان لا تحيا في بلاد المسلمين بالقصف والعزف، ولا بالغناء والرقص، وإنما تحيا بالذكر والصلاة، والاستماع للقرآن. والناس يعرفون أن التقاليد لا تطعم الناس في ليالي رمضان، ولا تسقيهم ما كان في مقصف وزير المواصلات من هذه الألوان التي إن أباحتها تقاليد أوروبا ودياناتها، فإن تقاليد المسلمين ودين المسلمين تحظرها حظرًا لا شك فيه. ومع ذلك فقد كان وزير المواصلات كريمًا أكرم من رمضان، أو قل كانت الدولة المصرية كريمة أكرم من رمضان؛ لأن وزير المواصلات لم ينفق على حفلته بالطبع من ماله الخاص، وإنما أنفق من خزانة الدولة كما يقول المحدَثون، ومن بيت مال المسلمين كما يقول القدماء. كان وزير المواصلات كريمًا بأموال الدولة إذن. فقد حضر حفلته عدد ضخم زعم بعض الصحف أنه خمسمائة، وزعم بعضها الآخر أنه كان سبعمائة، وزعم بعضها الثالث أنه كان اثنتي عشرة مائة، وكان فيهم الرجال والنساء، وكان فيهم الشبان والشيب، وكان فيهم الموظفون والأعيان، وكان فيهم المسلمون وغير المسلمين، وكان فيهم الوزراء جميعًا، وكان فيهم فريق من النواب، وكان فيهم فريق من الصحفيين، وكل هؤلاء رقص أو شهد الرقص، وكل هؤلاء سمع الموسيقى، وكل هؤلاء أكل وشرب أو شهد الناس يأكلون ويشربون، وماذا كان الناس يأكلون؟ وماذا كان الناس يشربون؟ سلهم عن ذلك، أو سل وزير المواصلات؛ فهو أقدر مني على أن ينبئوك بما كان في المقصف مما لذَّ وطاب من طعام وشراب، والصحف مجمعة على أن المقصف كان فخمًا. قالت البورص إنه لم يدع شيئًا يلذُّ الفم والحلق إلا احتواه، ولم يدع شيئًا يلذ العين إلا اشتمل عليه، وكان في قاعة الرقص ما يلذ السمع والعين والشم واللمس أيضًا. وكل هؤلاء الناس قد نعموا بذلك وابتهجوا له طول الليل، ثم انصرفوا عنه مع الصبح يضيقون بمطلع الفجر ويودون لو شدت النجوم بأمراس الكتان أو ثبتت في أماكنها بالمسامير أو قُيِّد النهار بحبل من مسد، ليتصل الليل ويمتدَّ النعيم. ولكن السماء لم تسمع لما كانوا يتمنون، فدار الفلك وانجلى الليل، وأشرق النهار، وأفاق القوم مما رأوا وسمعوا، ومما أكلوا وشربوا، واستقبلوا النهار صائمين، أو كالصائمين. ومضى وزير المالية إلى وزارة المالية جادًّا في تحريم القهوة والدخان في نهار رمضان على المسلمين وغير المسلمين، ومضى وزير التقاليد إلى وزارة التقاليد جادًّا في حماية التقاليد، ومضى الرجل الطيب رئيس الوزراء إلى رياسة الوزراء وعلى ثغره ابتسامة حلوة طيبة فيها تسامح وشك وازدراء بما تواضع الناس عليه من فنون الجد وألوان المزاح، وذهب حملة الأخبار وفَضَحَة الأسرار إلى الأزهر الشريف يؤذنون في الناس من طلاب الدين وعلماء الدين، بأن تلك الليلة قد شهدت ما شهدت مما يكره الدين وتأبى التقاليد، وشهدت ذلك بمحضر من رجال الدولة يتقدمهم رئيس الوزراء وفيهم وزير التقاليد وحامي حمى الإسلام، وفيهم وزير المالية محرم القهوة والدخان. ولكن المؤذنين صاحوا وأسرفوا في الصياح، فلم يسمع لهم في الأزهر أحد؛ لأن رجال الأزهر كانوا نائمين، وهم كانوا نائمين؛ لأنهم كانوا صائمين، ولأنهم يحيون ليل رمضان بتلاوة القرآن، والاستماع لهذه التلاوة، فليس عليهم بأس أن يناموا ليستردوا من الراحة ما فقدوا في ذكر الله، ثم لينسوا الصوم، ولينساهم الصوم. ولست أدري أَسَمِع رجال الأزهر بما كان بعد أن أقبلت عليهم ليلة أمس، فأفطروا وتحدَّث بعضهم إلى بعض بما كان في الصحف، ولكن الذي ليس فيه شك ولا مراء هو أن رجال الأزهر الشريف لن يقولوا لرئيس الوزراء شيئًا، ولن ينكروا على وزير التقاليد شيئًا، ولن يعاتبوا وزير المواصلات في شيء، ورحمة الله واسعة وعفو الله رحب، ومغفرة الله لا تَضِيق بمذنب مهما يكن ذنبه.
ولكن نفوس الناس ضعيفة، وأجسام الناس أضعف من نفوسهم. فما رأى وزراء الدولة وشيوخ الدولة أن اقتدى الناس بالوزراء فأحيوا ليالي رمضان بغير تلاوة القرآن، وشربوا في ليالي رمضان شيئًا غير القهوة والشاي والسحلب والقرفة، وما يشبهها من الشراب المباح؟ لو أن وزارتنا القائمة لم تتكلَّف حماية التقاليد ولم تتخذها وسيلة من وسائل الدعاية وفنًّا من فنون الإعلان لما عرضنا لها بشيء. ففي مصر مؤتمر للطيران، وقد جرت العادات بأن تقام مثل هذه الحفلات حين تعقد المؤتمرات، ولكن وزارتنا صالحة جدًّا تقية جدًّا، ورعة جدًّا، حامية للإسلام، ذائدة عن التقاليد، فلتأذن لنا في أن نسجل عليها أنها أنكرت نفسها وخالفت ما ينبغي لها، وأتت في رمضان ما لا يحل فيه ولا في غيره من الشهور للمسلمين.
لو أن الأمر في بلادنا مطرد على اليسر والسعة، لا يجوع الناس ولا يظمئون، لا يشكو الناس بؤسًا ولا ضرًّا ولا حرمانًا، لما أنكرنا على الوزارة ما أنفقت أول أمس على هذا المقصف الفخم والمرقص البديع. ولكن المصريين يتلظَّوْن جوعًا ويضيقون بالحياة؛ لأنهم يعجزون عن احتمال الحياة، يصوم كثير منهم ثم لا يجدون ما يفطرون به إذا انقضى النهار، ووزير ماليتنا رجل رحيم رقيق القلب؛ فكيف إذن بإنفاق هذا المال على قوم شباع غير جياع ليسوا في حاجة إلى قصف ولا رقص على حين لا يجد المصريون ما يقيمون به أَودَهم ويقوتون به العيال.
أيأذن لنا وزير التقاليد في أن نشك أنه يحمي التقاليد؟ أيأذن لنا وزير المال في أن نشك في أنه يحمي المال؟ أيأذن لنا شيخ الدين في أن نرتاب في أنه يحمي الدين؟ أيأذن لنا رئيس الوزراء في أن نلاحظ أن الصراحة خير من المداورة، وأن الجهر خير من السر، وأن الشجاعة خير من الإشفاق، وأن الناس قد أصبحوا الآن لا يخدعون بالألفاظ ولا تعبث بعقولهم المظاهر، وإنما هم يريدون من الحكومة التي تعلن حماية الدين والتقاليد أن تحمي الدين والتقاليد بالفعل، ومن الحكومة التي تدعو إلى الاقتصاد أن تقتصد بالفعل، ومن الوزير الذي يحرم القهوة والدخان على غير المسلمين ألا يشهد الرقص وشرب الخمر في ليلة من ليالي رمضان.
حفلة
Share:
Leave a Reply