شكاة …
بقلم الدكتور طه حسين
أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.
Tag: Social responsibility
-
شكاة
-
رخص الحياة …
رخص الحياة …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٣ نوفمبر ١٩٥٤
لم تَهُن الحياة على الناس كما تهون عليهم في هذه الأيام؛ فقديمًا عرف الناس الحرب وأجرَوْا دماءهم غزارًا في سبيل الحق حينًا وفي سبيل الباطل أحيانًا. وقديمًا عرف الناس المكر والكيد كما عرفوا البغي والعُدوان، وقتل بعضهم بعضًا جهرًا مرة وغيلة مرارًا. ولكنهم كانوا يُقدِمُون على ما كانوا يُقدِمُون عليه من ذلك في كثير من التحرُّج قبل أن يُقدِموا، وفي كثير من الندم والروع بعد أن يُتِمُّوا ما أقدموا عليه.
كانت الحياة الإنسانية شيئًا له خطره؛ فقد سَنَّتْهَا الديانات، وعرفت حرمتها القوانين، ورعتها الأخلاق، وعظَّم أمرَها المعتدون عليها أنفسهم، فكانوا يرون أنهم حين يجترئون عليها إنما يقترفون إثمًا عظيمًا؛ لأنه من الآثام التي لا سبيل إلى تداركها.
فقد أُتيح للإنسان أن يُصلح كثيرًا من خطئه، ويتدارك كثيرًا من ذنوبه، ويمحو بالإحسان آثار الإساءة. ولكن شيئًا واحدًا لم يُتَحْ له: وهو أن يَرُدَّ الحياة إلى من حُرِمَ الحياة. فكان القتل خطأ أو عمدًا من الشر العظيم الذي يروع الإنسان ويملأ قلبه ذعرًا وروعًا وندمًا وإنكارًا.
وكان الناس يتحدَّثون فيكثرون الحديث عن المجرمين الذين يستحبون القتل ولا يحسون عليه بعد اقترافه ندمًا، ولا يُحِسُّونَ منه قبل اقترافه رهبةً أو خوفًا.
كانوا يرونهم شذاذًا قد أفلتوا من قوانين الطبيعة الإنسانية التي تكبر الحياة الإنسانية، وتعظم الاعتداء عليها عن عمدٍ أو خطأ. وربما دفع بعض الناس إلى شيء من الإمعان في إكبار الحياة حتى تجاوزوا بها حياة الإنسان إلى حياة الحيوان نفسه، يرون أن الحياة جذوة مقدسة لا يجرؤ على إطفائها إلا الذين برِئوا من شعور الرفق والرحمة والبر والحنان. فحرَّموا على أنفسهم أشياء استباحها غيرهم من الناس، يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم دهرهم كله أو يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم وقتًا معلومًا بين حين وحين.
ولأمرٍ ما أمعن أبو العلاء فيما أمعن فيه من الزُّهد، حتى أنفق أكثر حياته لا يطعم إلا ما تُنبت الأرض. ولأمر ما رأى قتْل الحيوان جبنًا، ورأى فيه دليلًا على ضِعَة النفس التي تدفع الاستعلاء على الضعف والبغي على ما لا يملِك أن يدفع عن نفسه البغي والعدوان. وقد تحدَّث الذين ترجموا له أنه مرِض مرة وألح عليه المرض حتى اضطَره إلى ضعف شديد، فوصف الطبيب له أكل الدجاج، وامتنع هو على الطبيب وعلى الذين كانوا يمرضونه. فلما اشتد عليه إلحاحهم أذعن لما أُريدَ عليه وقُدمت إليه دجاجة، فلم يكد يمسها حتى أخذته رِعدة شديدة، فانصرف عنها وهو يقول لها: «استضعفوك فوصفوك، هلَّا وصفوا شبل الأسد!»
يريد أن الدجاجة لا تستطيع أن تمتنع على من يريدها؛ فالناس يطمعون فيها ويصفونها للمرضى، على حين يَمنع الأسد شبله، فلا يطمع فيه طامع ولا يصِفه طبيب لمريض. ولأمرٍ ما قال أبو العلاء فيما قال هذا الشعر الرائع في تحريم الحيوان على الإنسان، فعرَّض نفسه لشر عظيم من غضب السلطان:
غدوت مريض العقل والدين فالقَنِي لتسمع أنباء الأمور الصحائح
فلا تأكلنْ ما أخرج البحر ظالمًا ولا تبغِ قوتًا من غريض الذبائح
ولا بَيْضَ أُمَّاتٍ أرادت صريحة لأطفالها دون الغواني الصرائح
ولا تفجعنَّ الطير وهي غوافل بما وضعت، فالظلم شر القبائح
ودع ضرب النحل الذي بكرت له كواسب من أزهار نَبْتٍ فوائح
فما أحرزته كي يكون لغيرها ولا جمعته للندى والمنائح
مسحت يدي من كل هذا فليتني أبهت لشأني قبل شيب المسائح
فأبو العلاء — كما ترى — يحرج على نفسه ويريد أن يحرج على غيره أكل الحيوان، وما يُخرجه الحيوان؛ حتى الشُّهد الذي تخرجه النحل، يرى ذلك ظلمًا وبغيًا، ويخالف بذلك ما أباحت الديانات السماوية للناس من هذا كله. وقد انتهى شعره هذا إلى مصر فناظره فيه داعي دعاة الفاطميين، وكاد الأمر ينتهي به إلى العطب.
وتقديس الحياة الإنسانية هو الذي دعا الناس إلى إكبار الموت وما بعد الموت، وهو الذي دعا الناس إلى إعظام حرمة الجنائز مهما تكُن. وقد رُوي أن جنازةً مرَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، فقام لها وقام أصحابه لقيامه، ثُمَّ قيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟!»
وتقديس الحياة كذلك هو الذي دفع إلى ما شاع في هذا العصر الحديث من إنكار عقوبة الإعدام مهما تكُن جريمة من يُقضى عليه بهذه العقوبة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحياة أعظم خطرًا وأكبر حرمة من أن يستبيح الإنسان لنفسه سلبها، ويرون أن الحياة شيء لا يستطع الإنسان أن يمنحه، فلا ينبغي له أن يسلبه، وإنما يَسلُب الحياة من منح الحياة.
وكذلك أمعن الناس في تقديس الحياة، وفي إنكار البطش بها والاعتداء عليها. وما زال أمر الله قائمًا بتحريم الحياة إلا بحقِّها، وما زالت القوانين تُحرِّم الاعتداء على الحياة وتعاقب عليه أشد العقوبة وأصرمها. ولكن الدين والقوانين شيءٌ وما دُفع الناس إليه في حياتهم الحديثة شيءٌ آخر، وليس من شك في أن الناس لم يعرفوا قط عصرًا هانت فيه حياة الناس على الناس كهذا العصر الذي نعيش فيه.
تخالف الدول عن أمر الدين والقوانين فتُقْدِمُ على الحرب المنكَرة التي لا تعرف لحياة الأفراد والجماعات حرمة، ولا ترجو للدين ولا القوانين ولا للأخلاق وقارًا، ولا تُفَرِّقُ بين الجند المسلحين المشاركين فيها والعُزل الوادعين الذين لا يريدون حربًا ولا قتالًا، ولا يتمنون إلا أن يعيشوا في دَعة وسعة، يحتملون أعباء الحياة ما خَفَّ منها وما ثقل، لا يؤذون أحدًا ولا يحبون أن يريدهم أحد بالأذى. وإغراق الحرب الحديثة في الإثم واستهانتها بالحياة واستخفافها بالمُقَدَّسَات وإشاعتها للموت والهول بغير حساب؛ كل ذلك أهدر قيمة الحياة أثناء الحرب وأهدر قيمة الحياة أثناء السلم أيضًا.
وما دام السلطان نفسه يستبيح الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع، فلا على الأفراد ولا على الجماعات أن يستبيحوا الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع أيضًا. وما دامت الدول المتحضِّرة التي بلغت أقصى ما كان الإنسان يستطيع أن يبلغ من الرُّقِيِّ إلى الآن، تستبيح لنفسها أن تزهق النفوس وتسفك الدماء بغير حساب؛ لتكسب المال وتبسط السلطان. فلا على الأفراد والجماعات أن يصنعوا صنيعها ويسيروا سيرتها، ويزهق النفوس ويسفك الدماء في سبيل المنافع القريبة والمطامع اليسيرة. والناس يُحصُون صرعى الحربين العالميتين بالملايين، ويُحصُون صرعى الثورات الأوروبية بين الحربين بالمئات والألوف، ويُحصُون صرعى الاستعمار بعشرات الألوف ومئاتها. وهذه الضحايا الكثيرة لا يُضحَّى بها من خطأ ولا يُضحَّى بها في سبيل الحق بالعدل. وإنما يُضحى بها عن عمد وعن استجابة للبغي والطغيان، وفي غير تحرُّج ولا تحفُّظ ولا احتياط.
وقد قرأت في إحدى الصحف الفرنسية التي وصلت إليَّ من باريس في هذه الأيام الأخيرة، أن الفرنسيين قتلوا من أهل الجزائر سنة ١٩٤٥ بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، عددًا ضخمًا يبلغ المقللون له خمسة عشر ألفًا، ويبلغ المكثِرون له أربعين ألفًا، واللهُ يعلم كم يقتل الفرنسيون من الجزائريين في ثورتهم هذه القائمة، وكم قتلوا من التونسيين والمراكشيين، وكم يقتلون منهم أثناء هذا الصراع المتصل بين قوم يريدون أن يعيشوا كرامًا، وآخرين يريدون أن يستذلُّوهم ويتخذوهم رقيقًا بعد أن ألغت الحضارة الحديثة الرق فيما يقول أصحابها. وضحايا الاستعمار في الهند الصينية من المستعمرين والمناهضين لهم لا يُحْصَوْنَ بعشرات الألوف، وإنما يُحْصَوْنَ بمئاتها. ومن يدري كم كان عدد الذين ضحى بهم الاستعمار الإنجليزي في شرق الأرض وغربها منذ انقضت الحرب العالمية الثانية إلى الآن.
وأنت لا تقرأ صحيفة في الصباح أو في المساء إلا رأيت فيها حديث الموت الذي يصب في إيران على الذين لا يعجبهم ما كان من الاتفاق على استغلال آبار البترول؛ فقد أصبحت حياة الإنسان في هذا العصر أهون شأنًا وأقل خطرًا ممَّا تُخرج الأرض من ثمراتها الحية والميتة. فإذا شخَّصت هذا العصر بأنه عصر الحياة الإنسانية الرخيصة والمنافع الإنسانية الغالية، أو بأنه عصر الدمِ الإنساني الذي لا تبلغ قيمته قيمة البترول الذي يبسط السلطان ويدر المال؛ فلست غاليًا ولا متجاوزًا للحق.
وكنت أفكر في هذا كله منذ وقت طويل، وأحمد الله الذي لا يُحمد على المكروه سواه، وأقول لنفسي ولكثير من الناس إننا ما زلنا في عافية ممَّا يُمتحَن به غيرنا من رخص الحياة الإنسانية وغلاء المال والمنافع والمطامع على حقارتها.
ولكن الحضارة الحديثة قد ألغت المسافات والآماد، وقاربت بين الناس على ما يكون بينهم من تباعُد الأقطار والديار. وقد كُنَّا نرى ذلك خيرًا ونعُده رقيًّا ودنوًّا إلى توحيد العالم أو تخفيف ما بينه من الفروق، وإلى جمع الناس على كلمة سواء وتطهير قلوبهم من الضغن وتخليص نفوسهم من البغي، وتمكينهم من أن يعيشوا إخوانًا، يعيشون على ما أباح الله لهم من طيِّبات الحياة دون أن يستغل بعضهم بعضًا، أو يستذل بعضهم بعضًا، أو يستعلي بعضهم على بعض، أو يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.
فقد تبين أنَّا كُنَّا نخدع أنفسنا، ونطمع في غير مطمع، ونتمنى ما لم يَؤُنْ أوان تحقيقه بعدُ. وتبيَّنَّا أن الشر يغري بالشر، وأن النكر يدعو إلى النكر، وأن الموت يرغب في الموت.
ونحن نصبح ذات يوم، فإذا الهول يتكشف لنا كأشنع ما يكون الهول، وإذا بعض المصريين يمكرون ببعض، وإذا الموت يريد أن يتسلَّط على مصر كما تَسَلَّطَ على كثير غيرها من أقطار الأرض. وإذا كل واحد منَّا كان آمنًا أمن الغفلة الغافلة، يظن أنه لن يتعرض إلا لما يتعرض له الناس الآمنون من هذه الآفات التي لا يسلطها الإنسان على الإنسان، وإنما تسلطها الطبيعة على الحياة. إنَّا كنَّا غافلين حقًّا، خدعَنا ما عرفناه عن وطننا هذا الوادع الهادئ الكريم، الذي لا يحب العنف ولا يألفه ولا يحب أن يبلغ أرضه، فضلًا عن أن يستقر فيها. ولِمَ لا؟ ألم نشهد منذ عامين اثنين ثورة يشبها الجيش وفي يده من وسائل البأس والبطش ما يُغري بإزهاق النفوس وسفك الدماء، ولكنه يملك نفسه ويملك يده، فلا يزهق نفسًا ولا يسفك دمًا، ولا يأتي من الشدة إلا ما يمكن تدارُكه، ولا يجرح إلا وهو قادر على أن يرفق. وإذا ثورتنا فذة بين الثورات، لا تأتي من الأمر ما لا سبيل إلى إصلاحه غدًا أو بعد غد.
كل هذا لأن مصر لا تحب العنف ولا تألَفه، ولأن نفوس أهلها نقية نقاء جوها، صافية صفاء سمائها، مشرقة إشراق شمسها، تسعى في طريقها مطمئنَّةً كما يسعى نيلها مطمئنًّا ناشرًا للخصب والنعيم من حوله، تضطرب فيها الضغائن والأحقاد بين حين وحين. ولكنها لا تلبث أن تثوب إلى العافية كما تثور فيها الرياح فتملأ الجو غبارًا، ثم لا تلبث أن تعود إلى الهدوء الهادئ المطمئن.
كذلك عرفنا مصر في عصورها المختلفة، وكذلك رأيناها حين ثار جيشها منذ عامين فأخرج الطاغية، لكنه أخرجه موفورًا يحيا كما يحب أن يحيا، مكفوف الأذى عن مصر لم يؤذِ نفسه قليلًا ولا كثيرًا.
واشتد على بعض أبنائها شدة يمكن أن يتداركها باللِّين في يوم من أيام الصفو هذه التي تعرف كيف تملأ قلوب المصريين حبًّا ودعة وأمنًا وسلامًا. ولكننا نصبح ذات يوم فنستكشف أن فريقًا منَّا كانوا يهيئون الموت والهول والنُّكر لإخوانهم في الحياة التي يُقَدِّسُهَا الدين كما لا يُقَدِّسُ شيئًا آخر غيرها من أمور الناس.
ما هذه الأسلحة؟ وما هذه الذخيرة التي تُدَّخَرُ في بيوت الأحياء وفي قبور الموتى؟ ما هذا المكر الذي يُمكر؟ وما هذه الخطط التي تُدبَّر؟ وما هذا الكيد الذي يُكاد؟ لمَ كل هذا الشر ولمَ كل هذا النكر؟ ولمَ رخصت حياة المصريين على المصريين كما رخصت حياة الجزائريين والمراكشيين والتونسيين على الفرنسيين؟ وكما رخصت حياة الأفريقيين والآسيويين على الإنجليز؟
يقال إن حياة المصريين إنما رخصت على المصريين بأمر الإسلام الذي لم يحرم شيئًا كما حرم القتل، ولم يأمر بشيء كما أمر بالتعاون على البر والتقوى، ولم يَنْهَ عن شيء كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان، ولم يُرغب في شيء كما رغَّب في العدل والإحسان والبر، ولم يُنَفِّرْ من شيء كما نفَّر من الفحشاء والمنكر والبغي.
هيهات أن الإسلام لا يأمر بادِّخار الموت للمسلمين، وإنما يعصم دماء المسلمين متى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويرى قتل النفس البريئة من أكبر الإثم وأبشع الجرم، وإنما هي العدوى المنكرة جاء بعضها من أعماق التاريخ وأقبل بعضها الآخر من جهات الأرض الأربع التي تُستحل فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء بغير الحق، ويُستحب فيها الموت لأيسر الأمر.
جاء بعضها من أعماق التاريخ، من أولئك الذين قال فيهم رسول الله ﷺ إنهم يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، والذين كان أيسر شيء عليهم أن يستبيحوا دماء المسلمين مهما تكن منازلهم في الإسلام، وأن يتحرجوا فيما عدا ذلك تَحرُّج الحمقى لا تَحرُّج الذين يتدبرون ويتفكرون ويعرفون ما يأتون وما يدعون، وجاءهم بعضها الآخر من هذا الشر المحيط الذي ملأ الأرض ظلمًا وفسادًا، من هذا القتل المتصل في الحروب يثيرها بعض الأقوياء على بعض، وفي البطش يصبُّه الأقوياء على الضعفاء في البلاد المستعمرة التي يريد أهلها الحرية، ويأبى المتسلطون عليها إلا الخضوع والإذعان والسمع والطاعة، يفرضون ذلك عليها بالحديد والنار.
وأنباء هذا الشر المحيط تملأ الجو من طريق الراديو، وتملأ القلوب والعقول من طريق الصحف، وتثير في نفوس الأخيار حزنًا ولوعة، وفي نفوس غيرهم ميلًا إلى الشر ورغبة فيه وتهالكًا عليه.
لم يأتِ هذا الشر الذي تشقى به مصر الآن من طبيعة المصريين لأنها في نفسها خيرة، ولا من طبيعة الإسلام لأنه أسمح وأطهر من ذلك، وإنما جاء من هذه العدوى.
والخير كل الخير هو أن نطب لهذا الوباء كما نطب لغيره من الأوبئة التي تجتاح الشعوب بين حين وحين، وقد تعلَّم الناس كيف يطبون للأوبئة التي تجتاح الأجسام وتدفعها إلى الموت دفعًا. فمتى يتعلَّمون الطب لهذا الوباء الذي يجتاح النفوس والقلوب والعقول، فيُغريها بالشر ويدفعها إلى نشره وإذاعته، ويملأ الأرض بها فسادًا وجورًا.
بهذا يأمر الله عز وجل في القرآن العزيز حين يقول في الآية الكريمة: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). -
كلمة
كلمة…
بقلم الدكتور طه حسين
ذهب كاتب فرنسي معروف إلى مدينة مترفة من هذه المدن التي يهرع إليها الأغنياء إذا كان الصيف يستشفون بمياهها من بعض العلل التي يجرها الترف على المترفين أو يتكلفون الاستشفاء فقد ينبغي للمترف المرفه أن تكون به علة ولو ضئيلة تثير في نفسه كثيرا من الهم وتظهره مظهر الذين يؤرق المرض ليلهم وينغص نهارهم ويزهدهم في الاستمتاع بطيبات الحياة إشفاقا على أنفسهم من هذه العلة الواقعة أو المتكلفة ولا ينبغي للمترف أن يكون ظاهر الصحة موفور العافية يضطرب في شئون الحياة جادا كادا وعاملا كادحا كما يضطرب غير المترفين من الناس. ولا ينبغي له كذلك أن يظهر فرحا مرحا ناعما بما أتيح له من العافية في بدنه ونفسه فيحسده الحاسدون ويطمع في مثل حياته الطامعون وإنما الحق عليه لنفسه أن تكون مشغولة ولقلبه أن يكون مهموما وجسمه أن يكون معتلا ليراه الناس فيرحموه ويشفقوا عليه ويضنوا بأنفسهم على هذا الترف الذي يشغل النفوس ويملأ القلوب حزنا ويعرض الأجسام لألوان من السقام.
ذهب هذا الكاتب الفرنسي المعروف إلى هذه المدينة المترفة من مدن الجبل الفرنسي أثناء هذا الصيف. ولست أدري أذهب مستشفيا لأن له حظا من ترف أم ذهب مستروحا يريد أن يتخفف من القيظ أم ذهب مضطربا في شؤون حياته يلتمس موضوعا لقصة من قصصه أو لكتاب من كتبه فالكاتب المتقن لفنه يلتمس الإنتاج حيث استطاع إليه سبيلا، وكاتبنا هذا قد وصف طائفة من البيئات الإنسانية المختلفة، وصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى فساد الخلق ووصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى حياة ضيقة نكدة ولكنها لا تخلو من كرامة ووصف بيئات العمال الكادحين وبيئات الطبقات المتوسطة حين تعبث وتلهو فيما يمنعه أن يلتمس الإنتاج في هذه البيئة الفنية المترفة التي يمرضها الترف أو يضطرها إلى تكلف المرض والتي تذهب إلى المصايف فتستشفى أو تتكلف الاستشفاء وجه النهار وتنعم بالفراغ الفارغ الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا سائر النهار ثم تقبل مع الليل على ألوان الإثم والفجور والخمر والميسر لا تنصرف إلا حين يريد الليل أن ينصرف عن الأرض، ولم يكد كاتبنا هذا يصل إلى مدينته تلك ويرى الطارئين عليها من أصحاب الثراء والترف حتى ضاق بما
رأى وأنكره أشد الإنكار وصور ضيقه وإنكاره في هذه الكلمة التي ذاعت عنه في إحدى المجلات فأسخطت فريقا من الناس ولكنها أضحكت أكثرهم، قال لبعض رفاقه يكفي أن تنظر إلى وجوه المترفين لتعرف أن الله عز وجل يزدري الثراء والترف إلى أبعد حد ممكن من الازدراء، ولولا ذلك لما وضع الشراء والترف عند أصحاب هذه الوجوه القبيحة البشعة ولست أدري أكان وجوه المترفين في تلك المدينة من القبح والبشاعة بحيث صورها هذا الكاتب ولكن كلمته هذه أثارت في نفسي كثيرا من الخواطر حين قرأتها وضحكت منها كما ضحك منها غيري من الناس، وليس يضنيني أن تكون وجوه المترفين المسرفين على أنفسهم في الترف ناضرة أو عابسة، حسنة أو قبيحة وإنما الذي يعنيني وما أشك في أنه يعني هذا الكاتب الفرنسي أيضا هو ضمير كل واحد من هؤلاء المترفين المسرفين فقد أحب أن أعرف أراضٍ هذا الضمير أم ساخط، أمطمئنٌ هو أم قلق، أباسمٌ هو أم عابس! أمتعبٌ هو أم مستريح، ولست أدري كيف يرضى ضمير الرجل الحر إذا رأى صاحبه قد غرق في النعيم حتى أوشك النعيم أن يقتله والناس من حوله قد غرقوا في البؤس حتى كاد البؤس يسلمهم إلى الهلاك.
ولست أدري كذلك كيف يطمئن ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه مستوثقا من ثرائه يعرف أنه يستطيع أن ينفق منه بغير حساب والناس من حوله قد ضيق عليهم في الرزق حتى أن كثيرا منهم ليعجزون عن أن يجدوا ما ينفقون فيما يقيم الأود ويرد العاديات عنهم وعمن يعولون.
ولست أدري كيف يبسم ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه ينفق في ألوان السخف من المال ما يسد أقله وأيسره خلة أسر كثيرة لا تعرف حين يضمها الليل كيف تستقبل الصبح إذا كان الغد، ولا يتعرف عائلوها حين يسفر لهم الصبح كيف يعودون عليها بما يصبرون به أنفسهم على الحياة.
ولست أدري آخر الأمر كيف يستريح ضمير الرجل الحر حين يصبح ويمسي لا يحس حاجة إلى جهد أو كد أو عناء والناس من حوله لا يعرفون كيف يتخففون أياما في العام من الجد والكد والعناء ولا كيف يخلصون لأنفسهم وأحبائهم أياما لا يجدون فيها لذع الحاجة إلى الكسب ولا تحس قلوبهم فيها الراحة من هذه الهموم الثقال التي تلح عليهم حين يصبحون وحين يمسون.
نعم لست أدري كيف يستمتع ضمير الرجل الحر بالرضى والطمأنينة، والابتسام والراحة، وهو يرى الناس من حوله قد حرموا هذه الخصال، وغرقوا في شقاء لا يعرفون له قرارا. فهذه الوجوه التي رآها كاتبنا هذا الفرنسي قبيحة بشعة يجب أن تكون قد استمدت قبحها وبشاعتها مما في نفوس أصحابها من البشاعة والقبح، ليكن مصدر الثراء والترف ما يكون فإن من الحق على الرجل الحر أن يجد هذا الشعور الاجتماعي بالتضامن بينه وبين نظرائه في هذه الحياة أنه يفزع إليهم ليحموه من الخطر إن تعرض هو أو ثراؤه للخطر فالدول لا تجند الأغنياء وحدهم حين يغير عليها العدو وإنما تجند من المواطنين جميعا كل من استطاع أن يحمي الحوزة ويذب عن الوطن وما أكثر ما يحتال الأغنياء في إعفاء أنفسهم من هذا الجهاد الذي يرونه ثقيلا ويراه الفقراء والبائسون وأوساط الناس فرضا محتوما والدول لا تتخذ من الأغنياء هؤلاء الشرط الذي يقرون النظام ويحفظون الأمن في أوقات السلم وإنما تتخذهم من أولئك الذين لا يشغلهم ثراؤهم العريض وترفهم المسرف لأنهم لا يجدون ثراء عريضا ولا ضيقا ولا يطمعون في ترف مسرف أو مقتصد والناس يدبرون لصاحب الثراء والترف ثراءه وترفه، يعملون له في أرضه ليترف هو وليقنعوا هم بأضيق العيش كما يعملون له في مصانعه إن كان من أصحاب الصناعة وفي تجارته إن كان من أصحاب التجارة وفي تدبير أمواله السائلة إن كان من أصحاب الأموال السائلة، و يستطيع من غيرهم أن يثرى وأن يترف و يستطيع من غيرهم أن يستمتع بما يستمتع به من نعيم ثم هم يدبرون له هذه الألوان من الترف التي يتلقاها منهم غير آبه لها ولا حافل بها، وما أعرف أني ركبت القطار أو السفينة قط فنعمت بالراحة في قطار أو سفينة دون أن أشغل نفسي بأمر هؤلاء الذين يسيرون القطار والسفينة في البر والبحر وما أذكر أني آويت إلى فندق في السفر، أو آويت إلى داري في الإقامة ونعمت بما ينعم به الظاعن والمقيم دون أن أشغل نفسي بشيء من أمر هؤلاء الذين يتيحون لي بعض ما أجد من راحة وروح إنهم يشقون ليتيحوا لي السعادة ويتعبون ليهيئوا لي الراحة ويبتسمون ليعدوا لي شيئا من نعيم.
وما أكثر ما نقرأ في الكتب وما أكثر ما نسمع من الحكماء والفلاسفة وما أكثر ما يقول المعلمون لتلاميذهم أن الناس جميعا محتاجون إلى الناس جميعا، ولكنه كلام نقرأه ونسمعه ثم لا يستقر في نفوسنا إلا ليذهب منها مع الريح وما أقل الذين يقرون في قلوبهم هذا الشعور بحاجة الناس إلى الناس ويقرون في عقولهم أن التضامن الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة ويتأثرون في سيرتهم مع الناس بما يجدون في قلوبهم من
شعور وما يدبرون في عقولهم من تفكير، يمكن إذن أن يكون وجه المترف حسنا أو قبيحا باسما أو عابسا مشرقا أو مظلما ولكن الذي ليس فيه شك هو أن ضميره لن يكون راضيا ولا سمحا ولا نقيا ولا مستريحا إلا إذا أدّى للناس حقهم من هذا التضامن الاجتماعي فأشاع الرضى فيهم قبل أن يرضى ويسر النعيم لهم قبل أن ينعم وأعطاهم حظهم من السعة والراحة قبل أن يترف ويستريح.
فكرت في هذا كله حين قرأت كلمة هذا الكاتب الفرنسي بل فكرت في أكثر من هذا كله وفكرت في ثورتنا المصرية التي جمجم بها الشعب وصرح بها كتاب الشعب منذ أعوام طوال والتي أعربت عن نفسها وجعلت تسعى إلى غايتها في حزم وعزم لا تردد فيهما وفي جراءة وإقدام لا تلكؤ فيهما ولا إبطاء ثم جعلت أسأل نفسي أيتاح لي ولأمثالي من الذين طالبوا بتحقيق التضامن الاجتماعي الصحيح وأنكروا على المترفين إسرافهم في الترف وعلى أصحاب الثراء العريض أن يستأثروا بثرائهم العريض وعلى الدولة أن تخلي بينهم وبين الإسراف والاستئثار، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم قبل أن تنقطع بنا أسباب الحياة وقد تحقق فيها هذا التضامن الاجتماعي صفوا من كل دنس خالصا من كل شائبة مبرا من كل غش أو دهان، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد أنصفت الدولة كل محروم من كل مستأثر وكل عاجز من كل قادر وكل بائس من كل منعم فصفت ضمائر الأغنياء لأنهم أعطوا ما فرض الله من الحق فيما أعطاهم من الغنى وأمنوا على ثروتهم لأنهم أدّوا مخلصين صادقين ما يجب فيها من الحق فرضيت نفوسهم وأمنت قلوبهم واطمأنوا على ما في أيديهم لا يخافون عليه كيدا أو عدوانا.
أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة لأنهم جميعا يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون لا يستغل بعضهم بعضا ولا يستذل بعضهم بعضا، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يمكر بعضهم ببعض وإنما يعيشون كما أراد الله للناس أن يعيشوا إخوانا متصافين يدبر الحب حياتهم ويظلها العدل والأمن والاستقرار.
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
طه حسين
البلاغ، ٤\٩\١٩٥٢ -
الحقوق لا تُستوهَب وإنما يُطالب بها في حزم وقوة
الحقوق لا تُستوهَب وإنما يُطالب بها في حزم وقوة – ينبغي أن يكون المُعلم كريمًا على الدولة وأن لا يُهدَم حقه
طه حسين
جريدة البلاغ
١٥ يونيو ١٩٥٠
الإسكندرية في ١٤ — لمراسل البلاغ — أقام رجال التعليم في منطقة الإسكندرية حفلة شاي كبرى تكريمًا لصاحب المعالي الدكتور طه حسين بك، وزير المعارف، بمناسبة عودته من الخارج، وقد حضرها كثيرٌ من الكبراء والعظماء ورجال التعليم، وبلغ عدد المدعوين إليها قرابة ألف مدعو.
وقد افتتح الحفلة الأستاذ سعد الله هاشم بك، المراقب العام للمنطقة ورئيس لجنة الاحتفال، فحيَّا معالي الدكتور طه حسين بك، وتحدث عن شعور التقدير والمحبة الذي يكنُّه المعلمون له.
وأعقبه الأساتذة: الدكتور إبراهيم اللبان، ومحمود البشبيشي، وعلي عزت الأنصاري، ومحمود خلف، وتوفيق جبر، ومحمد منصور، وفضل إسماعيل، وإبراهيم محمد ندا، والدكتور زكي مبارك.
وبعد أن انتهت كلمات الخطباء والشعراء، وقف معالي الدكتور طه حسين بك بين الهتاف العالي والتصفيق الشديد، وألقى خطابًا مستفيضًا قوبل بالاستحسان التام، وقوطعت فقراته بالتصفيق، وقد جاء في هذا الخطاب ما يأتي:
أيها الزملاء الأعزاء:
غفر الله لكم ما جنيتم على أنفسكم، وما جنيتم على غيركم من الأبرياء، فقد تمنيت عليكم أن تُعفُوا أنفسكم وتُعفُوا مدعويكم من هذا الجهد، ومن هذه المشقة، ولكنكم أبيتم، فغفر الله إصراركم، وشكر لكم على ما تقدمتم به إليَّ من خير.
وأؤكد لكم أني لو عرفت أني قد قدمت بين يدي ما أستحق به هذا الجهد الذي تكلفتموه، وكلفتموه قومًا أبرياء غيركم، لو عرفت أني قد قدمت بين يدي شيئًا يستحق بعض هذا الجهد، لما تمنيت عليكم أن تريحوا أنفسكم وتريحوا غيركم من الناس؛ فقد يظن الظانون أني متواضع، وقد يظن الظانون أني أحب أن أعمل وألَّا أتلقى ثناءً حين أعمل، وأؤكد لكم مخلصًا أني لا أعتقد أني عملت شيئًا ذا بال، وأؤكد لكم مخلصًا أنني وبين ضميري وبيني وبين الله لا أؤمن مطلقًا أنني أستحق شيئًا مما تقولون.
أيها الزملاء الأعزاء:
قلت في مؤتمر اليونسكو: إن مصر قد سبقت إلى تحقيق الآمال الثقافية التي يسعى إليها الناس في هذا العصر، فهي تحقق الصلة بين الشرق والغرب، وهي تأخذ من الغرب ما تأخذه تذيعه في الشرق؛ لأن مصر ليست أثرة، لا تحب أن تستأثر بالخير من دون جيرانها. فحدثوني كيف تذيع مصر هذا الخير؟ إنما تذيعه بواسطتكم أنتم، أنتم الذين تنشرون في أقطار الشرق العربي: تدعون إلى الإصلاح، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتدعون إلى الحياة الصالحة للشرق العربي كله.
إن الناس عندما يذكرون مصر يذكرون ثراءها، ويذكرون قوتها — أحيانًا — وجهودها في نشر الحضارة في الشرق كله، ويذكرون قديمها … قديمها البعيد، وقديمها الجديد. فمن الذين يُنشِّئون لمصر هذه الأجيال التي تُحقِّق هذا الثراء؟ إنما هم المعلِّمون، ومن الذين يعرفون مصر بقديمها، ويُعرِّفون العالم بهذا القديم؟ إنما هم المُعلِّمون.
ثقوا أن مصر مدينة لكم بكل شيء، ومن قال غير هذا فقد كذَّب نفسه، وكذَّب ربه، وكذَّب ضميره.
ثقوا أنني لا أتملق ولا أترضاكم، وليس يعنيني أن ترضوا أو تسخطوا، إنما أقول ما قلته لكم الآن، وما قلته عنكم من قبلُ، قبلَ أن أكون وزيرًا؛ فإذا قلت أن مصر مدينة لكم بكل شيء، فإنما أقول ما أؤمن به وأطمئن إليه، فلا تظنوا بي الظنون، لا تظنوا أني أريد أن تصفقوا أو ترضوا، فقد أثنيتم عليَّ بما تظنون أني أهلٌ له، وبما أعتقد أني لست له أهلًا، وأثنيت عليكم بما لا يشك أحد في أنكم أهل له، فقولوا قد تقارضنا الثناء، يرضى بذلك من يرضى، ويسخط من يسخط، وليمُت بغيظه من شاء أن يموت بغيظه.
ولكن لندع تقارض الثناء، ولنكن كما يحب الله للعلماء والمعلمين أن يكونوا متواضعين، لا يُثني بعضهم على بعض إلَّا بمقدار، ولنتجنب السرف؛ فإن الله لا يحب المسرفين، ولنتحدث في جد الأمر، فهو الأجدر بأن نتحدث فيه، وأن نفكر إذا خلونا إلى أنفسنا، وأن يتحدث به بعضنا إلى بعض حين نلتقي.
وجد الأمر أن أمامكم شعب قديم المجد، عظيم الأمل أن يعود إليه مجده القديم، ويريد أن يكون مستقبله خيرًا من ماضيه ومن حاضره، ويريد أن يسترد حريته كأحسن ما تكون الحرية. وهذا كله بين أيديكم، لا يستطيع أن يحققه لمصر أحد غيركم، لنفكر جميعًا ولنتحدث فيه ولنتعاون عليه، ولنعاهد بعضنا بعضًا على أننا عندما ننهض لاحتمال الأمانة أن ننهض بها شجعانًا، لا نخشى ولا نخاف، ولا نحفل ببخل الباخلين، ولا نلتفت إلى الذين يظنون بنا الظنون، ويقدرون ما يحبون وما لا يحبون.
لنفكِّر أن هذا الشعب ينتظر منَّا حياة حرة كريمة، ولنمنحه هذه الحياة مهما يكلفنا ذلك من مشقة وجهد ومن تضحية.
أيها السادة:
فاقد الشيء لا يعطيه كما قلت، وفاقد الحرية لا يمكن أن يكون حرًّا؛ فإذا أردتم أن تمنحوا مصر حريتها، فكونوا أحرارًا بينكم وبين أنفسكم، أحرارًا بينكم وبين الدولة، وافرضوا حريتكم مِن حَولِكم، فمن غير هذا لا تستطيعون أن تنشئوا أجيالًا حرة، ولا أن تردُّوا مجدًا قديمًا. لا تحفلوا بغضب الغاضبين، ولا بسخط الساخطين، وأنا أول من يدعوكم ألَّا تحفلوا بي إن غضبت لغير الله، فلست لكم وزيرًا إلَّا بمقدار ما أنصح لكم، وإنما أنا وزير المعارف زميل للمعلمين اختير من بينهم في هذه المرة لينطق باسمهم، ويستمد حريته وقوته من حريتهم.
أدُّوا حقوق التلاميذ عليكم، واكرموا على أنفسكم؛ لتشيع الكرامة في التلاميذ، وانصحوا في سركم وعلانيتكم، ثم طالبوا بحقوقكم لا تقبلوا فيها انتقاصًا مهما تكن الظروف.
إنهم يذكرون حاجة مصر إلى الجيش؛ فلا جيش إذا لم يكن هناك معلم ينشئ أمة متعلمة مستنيرة يدافع عنها جيشٌ باسل. إنهم يذكرون حاجة مصر إلى الزراعة وإلى الصناعة وإلى التجارة وإلى الري وما شئتم من هذه المرافق، الزراعة لا تكون إلَّا حين تعلم في المدارس، والصناعة لا تكون إلَّا حين تعلم في المدارس، ولولا المهندسون الذين تخرجونهم في الزراعة والأساتذة الذين تخرجونهم في التجارة في مختلف مرافق الحياة ما وجدت هذه الحياة.
كل شيء في حياة الشعب يصدر عنكم، وينبغي أن يعود إليكم، أنتم المسئول الأول عن مصر في حاضرها ومستقبلها، قدروا هذا في أنفسكم، وأدوا ما يفرضه عليكم ذلك من واجبات، وطالبوا الحكومة والشعب بأن يُؤدِّيا إليكم ما يفرضه لكم هذا من الواجبات …
أيها السادة:
إن الحقوق لا تستوهب، إنما يطالب بها في حزمٍ وقوةٍ وجدٍّ، ولا ينبغي لصاحب الحق أن يُلاين أو يلين، وإنما ينبغي أن يطالب مؤمنًا حريصًا مُستعِدًّا للدفاع مهما يكلفه ذلك. ولكم حقوق يجب أن تؤدَّى إليكم، وإن كنَّا قد أدينا منها قليلًا؛ فإن لكم في أعماق الحكومة وأعماق الشعب كثيرًا لم يؤدَّ إليكم بعدُ، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، وثقوا بأن وزيرًا للمعارف — مهما يكن — لا يمكن أن يُفلح إلَّا إذا أحسَّ بتأييدكم، وتسمَّى باسمكم في مجلس الوزراء، وفي البرلمان، فكونوا أعوانًا للوزير على أن تؤدوا جميعًا للشعب ما ينتظره منَّا الشعب.
ومن أول هذه الحقوق التي ينبغي أن يحرص عليها المعلم أن يكون كريمًا على الدولة، لا ينبغي أن تُضاع كرامته، أو أن يُهدر حقه، فاحرصوا على هذه الكرامة، واذكروا أنكم إذا لم تحرصوا عليها فلن يحرص عليها غيركم، حقوق التلاميذ تستمد من حرصكم على حقوقكم.
فأنتم المُثل التي تطبع في نفوس التلاميذ الكرامة والعزة والحرص على الدفاع عن الوطن حين تأتي الكارثات.
وقد استطعنا في هذه الأيام لا أقول أن نؤدي إليكم حقوقكم، بل أن نُشعر الناس بأن لكم حقوقًا؛ فاجتهدوا أن ننتقل من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى؛ هي من مرحلة الإشعار إلى مرحلة الأداء.
لكن مني جميعًا أصدق الشكر وأخلصه على ما قلتم من الشعر ومن النثر، ولخطبائكم — عليَّ العهد — أن أكون كما يريدون، ولشاعركم ألَّا أريح ولا أستريح حتى يرضى، ولشاعر الأزهر ألَّا أنسى ما طلب إليَّ.
أقدم إليكم شكري خالصًا، وتحيتي صادقة، ولكن لي عليكم حقًّا يجب أن تؤدوه، وأن تكونوا معي حين يجب الجد في أمور المعلمين والتلاميذ والعلم.
أيها السادة، ليكن هذا الاجتماع الذي فرضتموه على أنفسكم وعلى قوم أبرياء شغلتموهم عن واجباتهم فرصة سانحة نعاهد بعضنا بعضًا بدافع من الواجب والحق، مهما كلفنا ذلك من مشقة وجهد، وثقوا أن الحكومة كلها معكم، وإن كنَّا قد وصلنا إلى شيءٍ لم نبلغ به كل حقوقنا؛ فإن الوزراء جميعًا يؤمنون بما أؤمن به، ويقولون ما أقول.
وإن جلالة الملك يحمي الحق من حيث هو الحق، ويدافع عن الواجب من حيث هو واجب، يريد من المصريين جميعًا أن يخلصوا لواجباتهم، ويحرصوا على حقوقهم، ويعيشوا كرامًا؛ لأنه يحرص على أن يظل ملكًا كريمًا لشعبٍ كريمٍ في وطنٍ كريمٍ؛ فاطمئنوا وانشروا الطمأنينة من حولكم، وإذا أحسستم ما يدعو إلى الخروج فسنخوض المعركة معًا، ولكن لن نحتاج إلى شيءٍ ما دام الفاروق يرعى مصر، ومصطفى النحاس رئيسًا للحكومة. -
صراحة الأديب
صراحة الأديب
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٨ يناير ١٩٤٩
بين يدي الآن كتاب من كتب التاريخ سخف أفزع إليه في هذه الأيام من الحياة الخامدة الراكدة التي يحياها المثقفون في هذه الأعوام. والناس يفزعون من سخف الحياة وأثقالها إلى الرحلة في المكان حينًا، وفي الزمان أحيانًا: يسافرون إلى الأماكن البعيدة حين يدفعهم القيظ إلى عبور البحر، وإلى الأماكن القريبة حين يغريهم البرد بالتماس الدفء في أعلى الصعيد أو في أدناه، ويسافرون في الزمان إلى حيث تهيئهم ثقافتهم وحاجتهم وأغراضهم إلى أن يسافروا، فيبعدون حينًا، ويقربون حينًا آخر، ويتعمق بعضهم حياة القدماء، ويتعمق بعضهم حياة المعاصرين، ويتعمق بعضهم حياة القرون الوسطى، أو حياة العصر الحديث، ويتنزه بعضهم هذا كله متنقلًا في الأسبوع الواحد، وفي اليوم الواحد، بين العصور المتباعدة المتباينة، وما ترك أهلها من الآثار يلم بها كما تلم النحل بالزهر تستخرج رحيقها، فيصوغ من هذا الرحيق ثقافته وعلمه وأدبه، ويُكوِّن بفضل هذا الرحيق سيرته في حياته العاملة، وفيمن يتصل بهم من الناس.
والكتاب الذي أفزع إليه في هذه الأيام كتاب حديث، لكاتبة حديثة معاصرة، وصل إليَّ منذ أسبوع أو أكثر قليلًا من أسبوع، وهو تاريخ لكتاب أصدره الكاتب الفرنسي العظيم، أندريه جيد، في أواخر القرن الماضي عنوانه «أغذية الأرض»، وقد أثر هذا الكتاب في أجيال الشباب الفرنسيين والأوروبيين تأثيرًا عميقًا بعيد المدى يحمده بعض الناس، ويعيبه بعضهم الآخر؛ فهو كتاب قصد به أندريه جيد إلى أن يستكمل الإنسان، والأديب خاصة، حريته كأكمل ما تكون الحرية حين يستقبل حياته على هذه الأرض، فيبلو ما تقدم الحياة إليه، والحياة المادية خاصة، في حرية كاملة، لا يتحرج ولا يتحفظ ولا يتقيد بما ألِفَ الناس من الأوضاع، ولا بما توارثوا من السُّنن والتقاليد، ثم لا يكتفي بهذه الممارسة الصريحة الحرة للحياة، وإنما يعبر عن آثار هذه الممارسة في نفسه، إن كان أديبًا، تعبيرًا حرًّا صريحًا بريئًا من الرياء والنفاق، فيرسل نفسه على سجيتها في الاستمتاع بما تقدم الأرض من ثمرات، ويرسل فنه على سجيته في تصوير ما يجد لهذا الاستمتاع من لذة وألم، ومن سعادة وشقاء، فالكتاب دعوة صريحة إلى إرضاء الحس في غير تكلف ولا تزمت، ثم إلى إرضاء الفن في غير تحفظ ولا احتياط.
ظهر هذا الكتاب سنة ١٨٩٧، فلم يكد أحد يحفل به، أو يلتفت إليه، وتلقاه أصدقاء الكاتب بكثير جدًّا من التحفظ، فأشفق بعضهم على الكاتب من هذا الضلال الذي دفع إليه وأمعن فيه، وظن بعضهم بالكاتب التكلف والغرور، ومحاولة التجديد من غير طريقه، ولم يرض عن الكتاب إلا نفر قليلون من رفاق الكاتب لا يكادون يتجاوزون الخمسة، وكانوا كلهم شبانًا في سن الكاتب، لم يبلغوا الثلاثين أو لم يتجاوزوها، فأما جمهور القُرَّاء فلم يُلقِ إلى الكتاب بالًا، وآية ذلك أن النسخ التي بيعت أثناء الأعوام العشرة الأولى من سن هذا الكتاب لم تتجاوز خمسمائة، ولكن الكتاب يندفع فجاءة في رفق، ويقبل الناس عليه شيئًا ما، فتنفد الطبعة الأولى منه سنة خمس عشرة أو ست عشرة من هذا القرن، ويطلب الناس الكتاب فلا يجدون إليه سبيلًا، ويشعر الكاتب بهذا الإقبال الذي كان قد استيأس منه، فيجد في هذا الشعور بعض الرضى.
وكانت الطبعة الأولى لا تزيد نسخها على خمس عشرة مائة، احتاجت إلى عشرين عامًا ليتم استنفادها، وقد طبع الكتاب بعد ذلك وطبع، ثم ترجم إلى ما شاء الله أن يترجم إليه من لغات الغرب والشرق، وظهر أن الشرقيين أشد إيثارًا له من الغربيين، فقد ترجم في الصين والهند قبل أن يترجم في إنجلترا مثلًا. وظهور هذا الكتاب في أواخر القرن الماضي يعد الآن حدثًا من أحداث التاريخ الأدبي في الأدب الفرنسي؛ لأنه غيَّر عقلية أجيال من الشباب الفرنسيين، ومن الشباب الذين مارسوا الإنتاج الأدبي بنوع خاص.
ولست أكتب هذا الفصل لأتحدث عن هذا الكتاب الذي أصدره أندريه جيد، ولا لأتحدث عن الكتاب الذي ألفته السيدة إيفون دافيه في تاريخ كتاب أندريه جيد، وفزعت أنا إليه في هذه الأيام من سخف الحياة، وإنما أكتب هذا الفصل لأعرض على الأدباء والمثقفين مسألة أثارها كتاب أندريه جيد بين الأدباء الفرنسيين حين ظهر، وهي: إلى أي حد يستطيع الأديب أن يكون صريحًا فيما ينتج من الآثار؟ وليست القيود التي ثارت حولها الخصومة بين الكاتب وخصومه وأنصاره هي التي تأتي من القوانين، ورضى السلطان عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه، ولا من العرف ورضى الرأي العام عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه؛ فهذه القيود لا خطر لها عند الأديب الحر الذي لا يحفل بالرضى ولا بالسخط، ولا يبتغي بالأدب مثوبة، ولا يخاف عليه عقوبة، ولا يحفل بما يتعرض له من الكساد.
وإنما القيود التي ثارت حولها الخصومة هي التي تأتي من نفس الأديب حين يكتب ويستجيب لفنه في الوصف والغناء، وتصوير ما يجد من عاطفة، وما يثور في قلبه من شعور، فقد لاحظ الشاعر فرنسيس جام على صديقه أندريه جيد أن كتابه يصور متاعًا وابتهاجًا، ورضى واغتباطًا، ويمضي في تصويره لهذا كله إلى حدود بعيدة جدًّا، وفي الأرض من حوله آلام كثيرة، وشقاء متصل، وأفراد وجماعات من الناس لا يجدون ما يدفعون به الألم عن أنفسهم، ولا ما يتقون به الشقاء. هو يصف الجنات وما فيها من زهر وشجر وثمر، ويصف الأسفار وما فيها من تنوع المشاهد، واختلاف المناظر، وفنون المعرفة، وضروب المتاع، ويصف الترف وما فيه من نعيم، وفي الأرض قوم ليس لهم إلى شيء من هذا كله سبيل.
فمن الحق على الكاتب أن يفكر في هؤلاء، وأن يرفق بهم، ويعطف عليهم، ويأسو جراحهم، ويعينهم على احتمال ما هم فيه من بؤس، ويعزيهم عن بعض ما هم فيه من شقاء. وليس من كمال المروءة، ولا من رقة القلب، ولا من اعتدال المزاج، ولا من حُسن الذوق أن تتحدث إلى الجائع الذي يعذبه الجوع عما تنعم به حين تجلس إلى مائدتك من اختلاف الألوان، وجمال الأداة، ولا أن تتحدث إلى الضرير الذي لا يرى ضوء الشمس وجمال السماء والأرض، عن هذا الجمال فيما يكون من تنوعه واختلافه وبدائعه وأسراره؛ ذلك أحرى أن يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن، وحسرة إلى حسرة، والكاتب والشاعر إنما شأنهما أن يُعزِّيا ويُواسيا ويُعينا ويردَّا إلى النفوس بعض ما هي في حاجة إليه من الأمن والغبطة والرضا.
فلينعم المترفون إذن، وليستمتع الموسرون بما أباح الله لهم من طيبات الحياة، ولكن ليقتصدوا وليصطنعوا الاعتدال والحياء حين يتحدثون عما هم فيه من ترف ونعيم واستمتاع. هم يؤثرون أنفسهم أو تؤثرهم ظروف الحياة بالترف والنعيم؛ فليؤثروا أنفسهم أيضًا بالتحدث عن الترف والنعيم.
كذلك كتب فرنسيس جام حين نقد هذا الكتاب، ولكن أندريه جيد رد عليه نقده هذا بأن الأدب يجب أن يمتاز من الغنى والفقر، ومن الرضى والسخط، ومن الترف والبؤس؛ ليستطيع أن يصف هذا كله في صراحة وحرية واستقلال وصدق، وليس حرمان الضرير الاستمتاع بجمال الطبيعة مانعًا أن يكون جمال الطبيعة حقيقة واقعة من حقِّها أن تُعرف، ومن حقها أن تكون موضوعًا للوصف والغناء، والسكوت عن جمال الطبيعة لا يعزي الضرير عما فقد من الإبصار، والسكوت عن وصف الزهر والشجر والثمر لا يعزي البائس المحروم عما يشقى به من البؤس والحرمان.
وليس صمت الأديب راضيًا أو مكرهًا بمُغنٍ عن البائسين والمحرومين شيئًا، ولعل حديث الأديب عن جمال الطبيعة ووصفه لفنون الترف أن يُعزِّيا من كتب عليهم الحرمان، وأن يثيرا في نفوسهم ألوانًا من الأحلام تخفف عنهم ثقل ما يجدون، وتمتعهم بجمال الأحلام إن حِيل بينهم وبين جمال اليقظة، كما أن وصف البؤس والشقاء والحرمان والعوز خليق أن يثير في قلوب الأقوياء رقة على الضعفاء، وفي نفوس الأغنياء رفقًا بالفقراء، وأن يبعث في قلوب أولئك وهؤلاء رغبة في التعاون والتعاطف والتضامن، ونزوعًا إلى الإصلاح، حتى يطعم الجائع، ويجد المحروم، ويقل حظ الشقي من الشقاء. وما ينبغي للناس أن يكونوا كالنعام يتقون الشر بتجنب الحديث عنه، والخوض فيه، ويتجنبون الألم بالإعراض عن وصف ما ملأ الله به الدنيا من النعيم الذي يستطيع أن يسع الناس جميعًا.
ويقول أندريه جيد، في الرد على صديقه: إنه اتفق مع زوجه على خطة يرى فيها الخير كل الخير، وهي أنه إن فقد البصر، وحيل بينه وبين جمال الطبيعة أن ترى هي ما وسعها أن تراه، وتحدق ما استطاعت أن تحدق، وتصف له دقائق ما ترى وما تستكشف، لا تخفي عنه منه شيئًا، ولا تلتوي عنه منه بالقليل أو الكثير، ذلك أنه يؤثر أن ينعم بظل الجمال، وإن كان هذا الظل شاحبًا ضئيلًا إن حيل بينه وبين الاستمتاع بالجمال كاملًا موفورًا.
هذه هي المسألة التي وقفت عندها وأنا أقرأ هذا الكتاب من كتب التاريخ الأدبي، أعرضها على الأدباء والمثقفين ليتدبروا ويتفكروا فيها، وواضح أن مذهب أندريه جيد في هذه المسألة بعينها هو المذهب الذي ألفه الناس منذ كان الأدب، وسيألفونها ما دام فيهم من ينتج الأدب، ولكنها مع ذلك خليقة أن تكون موضوعًا للتعمق والتدبر والتفكير. ومن يدري لعلها تتيح لنا قراءة كتاب ممتع، أو فصل قيِّم في هذا الموضوع. وهل يطمع الأدباء في خير من أن ينعموا بقراءة فصل، أو يستمتعوا بالنظر في كتاب؟ -
سخاء …
سخاء …
طه حسين
النداء
٢ ديسمبر ١٩٤٧
لست أدري أتصح هذه الأخبار كما أحب وكما أعتقد، أم لا تصح كما يحب المتشككون وكما يعتقدون.
وهي — سواء صحَّتْ أو لم تصح — تثير في نفسي كثيرًا من الخواطر، وتثير في قلبي كثيرًا من العواطف، وتدفعني إلى كثيرٍ من التفكير، كما تدفعني إلى كثيرٍ من الأحلام الحسان العذاب، التي إنْ صدقت كانت أحسن المُنى، وإن لم تصدق كانت قد أتاحت لي أن أعيش ساعات حلوة كما يريد الشاعر القديم أن يقول.
وهذه الأخبار هي التي تتصل بكرم الكرماء، وجود الأجواد، وتبرم الأغنياء بما يُتاح لهم من الغنى وما يُساق إليهم من الثراء، والحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على المال، بخلاء بما يملكون، لا ينالون من الغنى حظًّا إلَّا ليبتغوا حظًّا أوفر مما نالوا، ولا يحرزون من الثراء نصيبًا إلَّا ليطلبوا أكثر مما أدركوا.
ثم هم على كثرة ما يملكون وكثرة ما يحصلون وكثرة ما يتراكم عندهم من الغنى، أشبه شيء بالصخرة المصمتة ذات القاع البعيد أو التي ليس لها قاع؛ فهي لا تجود بشيء مما يستقر فيها من الماء، مهما يكثر ومهما يركب بعضه بعضًا، وإنما هي مصمتة من جميع جوانبها، ليس فيها أمل لمن يطيف بها إلَّا أن يحطِّمها تحطيمًا.
الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على هذا النحو من الحرص، بخلاء إلى هذا الحد من البخل، وإنما جعل منهم بين حين وحين من لا يكره الغنى، ولكنه على ذلك لا يفنى فيه ولا يتهالك عليه ولا يتخذه غاية، وإنما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه، وينفع بها أهله، وينفع به ذوي قرابته وذوي مودته، وينفع به أكثر عدد ممكن من الناس، حين يُتاح له أن ينفع أكثر عدد ممكن من الناس.
هؤلاء الأجواد الأسخياء عزاء عن الحراص البخلاء، يُلْقون في روعك أن الإنسانية ليست شرًّا كلها، وأن حياة الناس قد تكون صحراء مقفرة مجدبة شديدة العقم، ولكنها على ذلك لا تخلو من الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر وأضناه الجهد أن يجد فيها من الظل والماء، ومن الراحة والروح ما ينسيه بعض ما احتمل من المشقة، ويعينه على احتمال ما سيلقاه من الجهد، حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة، ولولا هؤلاء الأجواد الأسخياء لكانت الإنسانية خليقة أن نبغضها أشد البغض وأعظمه بشاعةً ونكرًا.
والناس يلتمسون الواحة حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها، وهم لذلك يلتمسون العزاء حيث يجدونه وكما يستطيعون أن يجدوه. يلتمسونه من حولهم، فإذا لم يظفروا به أبعدوا في السعي والتمسوه في الأطراف النائية والأماكن المتباعدة، فإذا أعياهم أن يظفروا به في المعاصرين من قرب منهم ومن بعد، التمسوه فيما مضى من الأيام وفيما سلف من العصور.
وقد يظن القارئ أني أتكثر أو أتزيد، ولكني أؤكد له أني لست من التكثر والتزيد في شيء، وإنما استقبلت هذه الأحداث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، وهذا البؤس الذي يأخذ كثرة المصريين من جميع أقطارهم، ويسعى إليهم من كل وجه يعدهم للموت حتى يسلم بعضهم إليه، ثم يستأثر بمن بقيَ منهم فيمضي في إعدادهم للموت متمهلًا حينًا ومتعجلًا حينًا، وجعلت أنظر فيمن حولي من الأغنياء وأنظر في موقفهم من هذا الشقاء الملم، والبلاء المدلهم، والهول الهائل، والعذاب الشديد؛ فلم أرَ إلا حرصًا وبخلًا، وقسوةً في القلوب، وغلظًا في الأكباد، وجفوةً في الطباع، وكدرًا في الضمائر.
ووجدت قومًا ينفقون على كره للإنفاق، وقومًا آخرين يترددون بين الكرم والبخل، ثم يؤثرون البخل بعد طول التردد واتصال التفكير، وقومًا آخرين لا ينفقون ولا يترددون ولا يفكرون، وإنما يجهلون من حولهم من الناس، ويجهلون ما حولهم من البؤس والضنك والضيق والموت، يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا يروا، ويجعلون على قلوبهم أكنةً وأقفالًا حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئًا من تضامن أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق.
أولئك وهؤلاء يقبلون على لذاتهم ومنافعهم وآمالهم كما يتصورونها، لا يعنيهم أن يلذوا والناس من حولهم يألمون، ولا يسوءهم أن ينعموا والناس من حولهم يتجرعون الشقاء والبؤس والعذاب غصصًا؛ فهم يرقصون على جثث المواطنين، ويسعدون بشقائهم، ولا يفرقون بين هذه الموسيقى البشعة المنكرة التي تأتي من شكاة الشاكين وبكاء الباكين وأنين المرضى وحشرجة المحتضرين، وهذه الموسيقى الأخرى التي تصل إليهم من عزف العازفين ونفخ النافخين ورقص الراقصين. ولا يجدون بأسًا حين يقبلون على كئوسهم المترعة المصفاة أن يكون مِزاجها من هذه الدموع الغزار التي لا تُرَى ولا تُحَس؛ لأنها لا تنزف من أعين الناس، وإنما تنزف من أعين مصر كلها.
ودموع الناس قد تُرى وقد تُحَس، فيضيق بها الذين يرونها والذين يحسونها، ولكن دموع الأوطان والشعوب والأجيال لا يراها ولا يحسها إلَّا الذين أُتيح لهم شيءٌ من رقة القلوب وصفاء النفوس ونقاء الضمائر وتهذيب الطباع، وهؤلاء — مع الأسف — قليلون، بل هم أقل من القليل.
استقبلت هذا كله ونظرت فيمن حولي من الناس لأرى كيف يرفق بعضهم ببعض، وكيف يعطف بعضهم على بعض، وكيف يسرع الموسرون منهم إلى معونة المعسرين، فلم أرَ شيئًا ذا خطر، وإنما رأيت كرمًا قليلًا وكلامًا كثيرًا واستباقًا إلى التفاخر الكاذب، وتهالكًا مع ذلك على اللذة الباطلة والنعيم السخيف.
وما أعلم أن أغنياءنا على كثرة ما يملكون، وعلى كثرة ما يغل عليهم ما يملكون، قد استطاعوا أن يجمعوا لمعونة المنكوبين بوباء الكوليرا مائة ألف من الجنيهات، وأحسبهم ما زالوا بعيدين عن هذا المقدار أشد البعد، وما أرى أنهم سيبلغونه أو يقربون منه، وهم قد أخذوا ينسون الوباء بعد أن أمنوا على أنفسهم — إن جاز للناس أن يأمنوا على أنفسهم — وبعد أن زعمت لهم وزارة الصحة أن الوباء قد أوشك أن يزول.
لم يقل أحدٌ منهم لنفسه — ولا يُرجى أن يقول أحدٌ منهم لنفسه — إن الوباء قد اختطف من أسر كثيرة رجالًا كانوا يَعُولونها، واضطرها إلى إعدام لا سبيل إلى تصوره، فضلًا عن وصفه، وإن من حق هذه الأسر أن تعيش أولًا، وأن تجد من عطف المواطنين عليها بعض العزاء عمَّا ألمَّ بها من الخطب ثانيًا، وأن تشعر بأنها أسر كريمة في وطنٍ كريمٍ ثالثًا.
لم يخطر لأحد منهم — ولا يُرجى أن يخطر لأحد منهم — شيءٌ من ذلك؛ لأنهم مشغولون عن هذه الخواطر بجمع المال إلى المال، وضم الثراء إلى الثراء، وباللذات التي لا يفرغون من بعضها إلَّا ليقبلوا على بعضها الآخر، ولا يستريحون منها إلَّا ليستأنفوا العكوف عليها والإمعان فيها.
ثم لم يخطر لأحدٍ منهم — وليس يُرجى أن يخطر لأحد منهم — أن بؤس البائسين وإعدام المعدمين لا يجر الخزي عليهم بمقدار ما يجر الخزي على وطنهم كله، وعلى الذين أتاحت لهم الظروف أن يكونوا عنوانًا لهذا الوطن، يلقون الأجنبي حين يَفِد على مصر ويسعون إلى الأجنبي إذا لم يَفِد على مصر، ويسمعون منه — راضين أو كارهين — حديث الوباء والمنكوبين، فلا يستحون لأنفسهم، ولا يستحون لوطنهم، ولا يستحون لهذا الجيل من المصريين أن يُوصَم في أعين الأجنبي بالأثرة المنكرة التي تغض من صاحبها وتجعله خليقًا أن يُزدرَى ويُحتقَر، ولا يكرمه من يكرمه إلَّا بمقدار ما يتخذه وسيلة إلى تحقيق منافعه وقضاء آرابه.
أي بأس على هذا؟! رأيت هذا كله، وضقت بهذا كله؛ فوجدتني بين اثنتين: إمَّا أن أبغض الحياة والأحياء وأنكر الوطن والمواطنين، وإمَّا أن ألتمس العزاء حيث أستطيع أن ألتمسه وكما أستطيع أن ألتمسه، لعل الغمرة أن تنجلي، ولعلي أستطيع — بعد وقت قصير أو طويل — أن أعود إلى هذا الجيل من المصريين المعاصرين، ومن أغنيائهم خاصةً فأقول لهم وأسمع منهم، دون أن أجد في نفسي هذا الألم الممض، وهذا الاشمئزاز البغيض.
إلى التاريخ إذن وإلى أحاديث القدماء! فقد ملأ المعاصرون قلوبنا يأسًا ونفوسنا قنوطًا لنهجرهم ولنهاجر في الزمان إذا لم تُتَح لنا الهجرة في المكان، ولننظر في أخبار تلك العصور القديمة — سواء أصحَّتْ أم لم تصح — فهي إن صحَّتْ كانت لنا عزاء، وهي إن لم تصح أتاحت لنا أن نحلم بجيل من الناس، لا يكون الرجل فيه عبدًا للمال ولا مرقوقًا للثورة، وإنما يكون المال فيه عبدًا لمالكه، وتكون الثروة فيه وسيلة إلى إعانة المنكوب وإغاثة الملهوف وإنقاذ المحزوب، ثم إلى إيثاره هذه العاطفة الحلوة التي يجدها الرجل الكريم حين يحس أنه قد أعان منكوبًا، وأغاث ملهوفًا، وأنقذ محرومًا، وبرَّ صديقًا، وتصرف في ماله، ولم يدع ماله يتصرف فيه.
إلى التاريخ إذن لننسى العصر الذي نعيش فيه، وإلى أحاديث القدماء لنتسلى عن سيرة المحدثين.
وتستطيع أن تصدقني أو لا تصدقني، فما يعنيني من ذلك شيء، ولكنك تستطيع أن تقرأ — على كل حال — أني وقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند بعض هذه الأحاديث التي تُروَى لنا عن القدماء من أصحاب الجود والسخاء، عند هذه القصة التي تُروَى عن عثمان — رحمه الله — حين أجدب أهل المدينة أيام أبي بكر حتى ارتفعت الأسعار، ولم يجد الفقراء وأوساط الناس ما يأكلون، وأقبلت في أثناء ذلك عِيرٌ لعثمان تحمل من الشام خيرًا كثيرًا، فأسرع التجار إليه يريدون أن يشتروا منه بضاعته لييسروا بها على الناس، وجعل يساومهم حتى عرضوا عليه ما يعدل أربعة أضعاف أثمانها، ولكنه أبى أن يبيع إلَّا إن استطاعوا أن يدفعوا إليه عشرة أمثال أثمانها، فلما أظهروا العجز أنبأهم بأن الله قد وعد عشرة أمثالها إن تصدَّق بها، ثم أعلن إليهم أنه يؤثر هذه التجارة على تجارتهم، ويؤثر ثواب الله على أموالهم، وأن بضاعته هذه صدقة للمسلمين.
نعم؛ ووقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند رجل آخر من أصحاب النبي، هو طلحة بن عبيد الله — رحمه الله — وقد دخلت عليه امرأته فرأته مغتمًّا حزينًا، فلما سألته عن ذلك رفيقةً به عطوفًا عليه، أنبأها أن قد جاءه مال كثير، فهو مهتم له لا يدري ما يصنع به، فلم تزد امرأته على أن قالت له مبتسمة: اقسمه! قال: نعم؛ ثم قسَّم هذا المال بين ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، واستقبل بعد ذلك ليله سعيدًا، وكان هذا المال أربعمائة ألف درهم!
نعم؛ وأقف وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند طلحة نفسه حين باع أرضًا له وأُدِّيَ إليه ثمنها — سبعمائة ألف درهم — فلما حصَّل المال في داره، فكر غير طويل ثم قال: إن رجلًا يمسي وعنده هذا المال لا يدري ما ادخر له القضاء من أمر الله لمغرور! ثم أمر؛ فقُسِّم هذا المال على ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، ولم يَنَمْ حتى أنفقه عن آخره.
والغريب أن هذا الإنفاق على كثرته وعلى اتصاله لم يَنْتَهِ بطلحة إلى الفقر، ولا إلى شيء يشبه الفقر؛ لأن الله قد وعد الأغنياء إذا أنفقوا في سبيل البر مخلصين لا يبتغون رياءً ولا شهرةً ولا نفاقًا أن يخلف عليهم ما أنفقوا، وقد قُتِل يوم الجمل وتعرضت ثروته بعد موته لخطوب كثيرة، ولكن ورثته على رغم ذلك اقتسموا فيما بينهم ثلاثين مليونًا من الدراهم!
فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعون أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئًا ذا خطر! وليت أغنياءنا يصدِّقون وعد الله أو يمتحنون هذا الوعد! ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين؛ ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا!
ولكن هيهات! … ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في نادٍ من أندية الميسر وميدان من ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيلٍ من سبل البر؛ ليتبينوا أيصدقهم الله ما وعدهم أم لا!
والشيء الذي يملأ القلوب غيظًا والنفوس كمدًا هو أن الحكومات ترى من حرص الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحزوب، وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له.
صدِّقْني، إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل، فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفر إلى زمانٍ آخر من أزمنة التاريخ. -
ثقل الغنى
ثقل الغنى
طه حسين
النداء
١١ نوفمبر ١٩٤٧
كان عبد الرَّحمن بن عوف — رحمه الله — كثير المال، عريض الثراء في جاهليته، وقد أسْرَع إلى الإسلام حين ظهرت الدَّعوةُ إليه فيمن أسرع إليه من السابقين الأولين، لم يُبْطِرْهُ الغِنَى ولم يصرف الثراءُ قلبَه عن الخير، ولم يخفْ كما خاف الأغنياء المُترفون من قريش ما كان الإسلام يدعو إليه من التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، وبين الأحرار والعبيد.
وإنما شرح الله صدره للإسلام؛ فأقبَلَ عليه مَشْغُوفًا به، مُضَحِّيًا في سبيله بما جمع من مال، وما ضخَّم من ثروة، وما اكتسب من سؤدد، مُستعدًّا لمُشاركة أصحابه في التعرض للأذى واحتمال المَكْرُوه، ولم يتردد — كما لم يتردد غيره من أصحابه — حين اشتدت المِحْنَةُ، وثقلت الفِتْنَةُ، وعَظُم البَلاءُ في أنْ يَفِرَّ بدينه إلى حيث يأمن على رأيه وعقيدته وعبادته لرَبِّه، تاركًا وراءه ماله الكثير، وثراءه العريض، ومكانه الرَّفيع، وقومًا من أهله وذوي قرابته كان يحبهم أشد الحب، ويعطف عليهم أرق العطف، ويمنحهم صفو ما كان يفيض به قلبه من الرِّفق والبِرِّ والحَنَانِ، فهَاجَرَ إلى أَرْضِ الحَبَشة الهجرتين جميعًا، ثم هاجر إلى المدينة حين اتخذها النبي ﷺ للإسلام دارًا، فانتهى إليها وهو لا يملك إلا قلبه الذكي، وضميره النقي، وأنفه الحمي، وإيمانه الذي ملأ نفسه ثقة ويقينًا.
وقد آخي النبي ﷺ بينه وبين رجل من أغنياء الأنصار، هو سعد بن الربيع الخزرجي — رحمه الله — فقال له سعد: انظر إلى مالي فخذ نصفه، ولي زوجتان أُطلِّق لك أيتهما أعجب إليك؛ فتتخذها لنَفْسِك زَوجًا! قال عبد الرحمن: بارك الله لك، ولكن إذا أصبحت فدلوني على سوقكم. فلما أصبح ذهب إلى السوق فأنْفَقَ فيه وجه النَّهار، ثم عاد وقد باع واشترى واكتسب ما يُقيم به الأود، ثم أقبل بعد حين على مجلس النبي ﷺ وقد لبس الجديد، واتخذ من الزِّينة ما كان يُباح للمسلمين في ذلك الوقت.
فلما سأله النبي ﷺ عن ذلك، أنبأه بأنَّه قد اتخذ لنفسه زوجًا من نساء المدينة، وبأنَّه قد أمهر زوجه وزنَ نَواةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأمَرَه النبيُّ ﷺ أنْ يُولِمَ لأَصحابه، ففعل.
ولم تمض أعوام حتى كان عبد الرحمن بن عوف من أغنياء المدينة، قد اكتسب ثروة مكان ثروة، وكثر مالًا مكان مال، واستطاع أن يتزوج فيمهر امرأته ثلاثين ألفًا، وكانَ يقولُ: لقد رأيتني وما أرفع حَجرًا إلا ظننت أنِّي سأجدُ تحته ذهبًا أو فضة!
كان عبد الرحمن إذن من كبار الأغنياء قبلَ أنْ تُفْتَح مكة، فلمَّا تم فتح مكة ضَمَّ إلى ثرائه الجديد ثراءَه التليد، ثم استثمر هذا كله كأحسن ما يُستثمَر المال، وكأحسن ما كانت قريش تستثمر المال، حتى أصبح ذات يوم وإنه لمن أغنياء العرب كافة، ولعله أن يكون أغناهم كافة لا يُستثنى منهم إلا عُثمان بن عفان — رحمه الله.
ورُبَّما كان من المُمكن أن يُقال: إن عبد الرحمن بن عوف كان أغنى من بيت مال المسلمين أيام النبي ﷺ، فلم يكن بيت المال في ذلك الوقت يدخر شيئًا، ولم تكن تُجْبَى إليه الضرائب، ولم يكن يحمل إليه فيء ذو خطر، وإنما كانت تُصَابُ الغنائم اليسيرة في الغزوات فتُقَسَّم بين الغُزَاة، ويُحفظ خُمسها للمَرَافق العامة ولوجُوه الإحسانِ والبِرِّ.
وكانت الصدقات تُؤخذ من الأغنياء فتقسم بين الفقراء، ولا يَصِل منها إلى المدينة إلا أقلها، فإذا وصَل حُبِس على المصارف التي بيَّنها الله في القرآن الكريم، فكانَ بيتُ المال فقيرًا. وليس أدَلَّ على فقر بيت المال من إلحاح النبي ﷺ على الأغنياء من الناس في أن يُعينوه على بعض غزواته بأموالهم: يخرجون له عن بعض فضولها، أو ينزلون له عن بعض أصولها.
ولم يكن النبي ﷺ يكره شيئًا كما كان يكره اجتماع المال، ولم يكن يشفق على نفسه وعلى أصحابه من شيء كما كان يُشفق على نفسه وعلى أصحابه من اجتماع المال، وتضخم الثراء، فنَظَر ذاتَ يومٍ إلى عبد الرحمن، وقال له: يا ابن عوف، إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زَحفًا، فأقرِضِ اللهَ يُطلِق لك قدميك، قال عبد الرحمن بن عوف: وما الذي أُقرضُ اللهَ يا رسول الله؟ قال: تبدأ بما أمسيت فيه، قال: أمن كله أجمع يا رسول الله؟ قال: نعم! فخرج ابن عوف وهو يَهمُّ بذلك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: إنَّ جبريل قال: «مُر ابن عوف فليُضف الضيفَ، وليُطْعِم المِسكين، وليُعط السائل، ويبدأ بمن يعول؛ فإنه إذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه.»
وأحب قبل كل شيء أن يقفَ القارئ معي عند ما في هذا الحديث من سذاجة رائعة، أو روعة ساذجة في لفظه ومعناه، وفي قصته كلها، فرَسُول الله يُشفق على عبد الرحمن من غناه الواسع، وماله الكثير، ويُصور هذه الثروة ثقيلة، مُبهظة، يحملها صاحبها على كاهِلِه فتمنعه من السعي، وتعسر عليه الحركة حتى كأنه مُقيد لا يستطيع أن يمشي إلى الجنة مع الساعين، أو يعدو إليها مع العادِينَ، وهو لا يشير عليه بأن يتخفف من هذا الثقل يلقيه عن كاهله إلقاء، وإنما يُشير عليه بأن يثمر هذا المال ولا يُضيِّعه، وذلك بأن يقرض الله قرضًا حسنًا، فلا يضيع عليه ماله وإنما يزيد عليه يوم القيامة أضعافًا مُضاعفة.
وعبد الرحمن يسأل عما ينبغي أن يُقرض الله من ماله، فيُقال له: ابدأ بما أمسيت فيه؛ أي قم فتَصَدَّق بكل ما اجتمع لك من مال حين استقبلتَ المَساء، واعلم أنك حين تفعل ذلك لا تزيد على أن تبتدئ، وأنك ستُمْتَحن فيما سيجتمع لك من المال في مُستقبل أيامِكَ بمِثل ما امتُحنت به فيما اجتمع لك من المال في أيامك الماضية.
وقد ثقل الامتحان على عبد الرحمن بعض الثقل، فهو يسألُ النبي ﷺ: أبِكُلِّ ما اجتمع لي من المال؟ فيُجيبُه النبي ﷺ: نعم! وينهض عبد الرحمن مُصَمِّمًا على أن يُمضي أمر الله ورسوله في هذا المال الذي يَجْبِيهُ، والذي أنفق في جمعه وتثميره ما أنفق من الجهد والوقت، واحتمل في تثميره ما احتمل من المشقة والعناء، ولا بأس عليه من أن يحب المال، وإنما البَأسُ كُل البأسِ، والجناح كل الجناح، أن يمنعه حب المال من أن ينفقه ليبرَّ به اليتامى والمساكين وذوي القربى وأبناء السبيل.
أليْسَ الله قد بيَّن البرَّ للمُسلمين بأنَّه ليس التوجه إلى الشرق أو الغرب، وإنَّما هو الإيمانُ بالله، وإيتاء المال على حُبِّه للذين يَحْتَاجون إليه؟
ينهض عبد الرحمن إذن مُصممًا على أن يُمضي في ماله أمر الله ورسوله، ولكن النبي ﷺ يُرسل إليه أنَّ الله ورَسُوله يَرْفُقان به بعد أنْ امتحناه ومحَّصاه، فيأمرانه بأنْ يُضيف الضيف، ويُطعم المسكين، ويُعطي السائل، ويبدأ بأهله وعياله؛ فإن فعل فقد زكَّى نفسه تزكية، وطهَّر ماله تطهيرًا.
حزم في الامتحانِ حتى تستبين العَزيمة الصَّادقة المَاضِية على الإذعان مَهْمَا يكُن شَاقًّا، وعلى التَّضحية مَهْمَا تكن عزيزة، وعلى الجهد مهما يكن ثقيلًا، فإذا استبانت العزيمة الجازمة، وظهرت النية الصادقة؛ فالله ورسولُه ما يحتملون من الثقل.
وقد اختار الله نبيه لجواره، وانقطع خبر السماء، وحُرِمَ المسلمون هذا الوحي الذي كان يُصاحبهم ويُواسيهم، وأصبَحَ النَّاسُ ذاتَ يومٍ وإذا رجة عنيفة تتجاوب أصداؤها أرجاء المدينة كلها، وتسأل عائشة أم المؤمنين — رحمها الله — عن هذه الرجة، فيُقال لها: هذه عير عبد الرحمن بن عوف قدِمَت … فتقول عائشة: أمَا إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصراط يميلُ به مرة ويستقيم أخرى حتى يفلت ولم يكد!
ويبلغ حديث عائشة عبد الرَّحمن، وكانت هذه العيرُ خمسمائة راحلة تحملُ نفائس العَرَض من الشام، فإذا سمع هذا الحديث قال: هي وما تحملُه صدقة! لم يكتف ببعض ما كانت تحمل، ولم يكتف بكل ما كانت تحمل، ولم يكتف بها دون ما كانت تحمل، وإنما تصَدَّق بها وبأحمَالِها. ولو قد امتدت الحياة برسول الله ﷺ واتصل نزول الوحي وتنزل أخبار السماء إلى الأرض؛ لكان من المُمكن أن يقبل النبي ﷺ من عبد الرحمن التصدق ببعض تجارته، والإبقاء على بعضها الآخر، ولكن عائشَةَ لم تزدْ على أن رَوت ما سمعتْ من رسول الله ﷺ، وأشفق عبد الرحمن من أن يميلَ به الصراط مرة ويستقيم به أخرى حتى يبلغ الجنة بعد جهد.
وحرص عبد الرحمن على أن يستقيم له الصراط، فلا يكون فيه ميل ولا اضطراب حتى يبلغ الجنة في غير تعثر ولا جهد ولا عناء.
وكان عبد الرحمن — رحمه الله — من أكثر المسلمين تَصدُّقًا، ومِنْ أسخاهم بمَالِهِ، ومِنْ أوْصَلهم للرحم، ومن أبرهم بالناس. أنفق حياته كلها مُستثمرًا لماله مُتصدقًا به، وكان تصدقه لا ينقص من ماله، وإنما يزيد فيه ويُضاعفه أضعافًا وأضعافًا كأنَّما قضى اللهُ ألا يجزيه عن صدقته في الآخرة وحدها، وألا يُضاعف له قرضه في الجنة وحدها، وإنَّما يكفل له ثواب الدنيا والآخرة جميعًا.
هذا حديث قديم، ولكن الأيام التي نعيش فيها تجعله جديدًا كل الجدة، وأنا أسوقه إلى الذين أُتيح لهم من الغنى والثراء مثل ما أتيح لعبد الرحمن، أو أكثر مما أتيح لعبد الرحمن، وأحبُّ أن يستقرَّ في قلوبهم أنَّ الثراء إنْ ثقل على عبد الرحمن مع أنَّه كان من السابقين الأولين، ومع أنَّه جاهد بنفسه وماله مع رسول الله ﷺ، ومع أنه لم يُنفق يومًا من أيامه إلا تصدق فيه بالكثير.
أحِبُّ أن يستقر في قلوبهم أن الثراء إن ثقل على عبد الرحمن، مع أنَّ النبي ﷺ قد ضَمِنَ له الجَنَّة في نفر من السابقين الأولين، فهو عليهم أثقل؛ لأنهم لم يسبقوا إلى الإسلام، ولم يُجَاهِدُوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ولم يضمن النبي ﷺ لهم شيئًا، إلا إنهم إنْ أحسنوا طاعة الله في أنفسهم وأموالهم لم يضع عليهم مما قدموا شيئًا.
وإذا خاف النبي على عبد الرحمن ألا يبلغ الجنَّة إلا زحفًا، وألا يَعْبُر الصراط إلا بعد جهد؛ فنحنُ أجدر أن نخاف على أغنيائنا ألا يبلغوا الجنة زاحفين أو غير زاحفين، وألا يعبروا الصراط جاهدين أو غير جاهدين.
فلينظر أغنياؤنا إلى ما حولهم من بؤس وشقاء ووباء وموت، وليفكروا في أنَّ أموالهم عارِيةٌ مَرْدُودة، وفي أنَّ الذين يُقْرِضُون الله قرضًا حسنًا يُضاعف لهم قرْضُهم يوم القِيَامَة، وفي أنَّ الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله قد بُشروا بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وظهورهم وجنوبهم، ويُقال لهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم؛ فذوقوا ما كنتم تكنزون! -
إقطاع
إقطاع
طه حسين
مجلة المصور
٢ مايو ١٩٤٧
لو فهمنا الديمقراطية على وجهها؛ لما شك الحاكم في أنه خادم عليه من الواجبات أكثر مما له من الحقوق، ولما شك المحكوم في أنه سيد في وطنه، لا ينبغي أن يخاف الحاكم أو يرهبه، ولا أن يتملقه أو يستعطفه! وإنما يؤدي إليه الحق على أن حق الدولة كلها على المحكومين، ويطلب إليه الحق على أنه حق الشعب كله من الحاكمين.
هذا إقطاع أشدُّ خطرًا وأعظم نكرًا من الإقطاع القديم، الذي عرف في الزمان الأول، ولعله لا يزال يعرف إلى الآن في بعض أقطار الأرض. فقد كان الإقطاع القديم طورًا من أطوار الاجتماعية الإنسانية اقتضته ظروف الحضارة، فكان في وقته ملائمًا للأخلاق وملائمًا للدين، وملائمًا للسياسة. وكان الناس يطمئنون إلى نظام طبيعي مألوف نشأ في غير تكلف، ولم يفرضه تحكم ولا طغيان.
أمَّا الإقطاع الذي أريد أن أتحدث عنه، فإنه شيءٌ لم تفرضه طبيعة الحياة، ولم يقتضه تطور الحضارة، ولم يطمئن الناس إليه، ولا يمكن أن يطمئنوا إليه؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ومخالف لرأي الناس في طبيعة الأشياء، ومخالف لتصور الناس حقائق الحياة وحكمهم على هذه الحقائق.
ومصدر هذا الإقطاع البغيض خطأ في الفهم، وخطأ في الحكم، وخطأ في التقدير، وأخشى أن أقول: إن من مصادره فسادًا في الأخلاق وغلظة في الأذواق! فالأصل أن المصالح العامة ملك للشعب كله، وأن الحكومات والهيئات الاجتماعية المختلفة إنما تنوب عن الشعب في تحقيق هذه المصالح وتدبيرها والعناية بها. فُهِمَت المصالح العامة على هذا النحو منذ العصور القديمة جدًّا، وفي بيئاتها المختلفة أشد الاختلاف. فهمها على هذا النحو اليونان والرومان على اختلاف نظمهم السياسية، وفهمها على هذا النحو المسلمون في عصورهم الذهبية الممتازة، وفهمها على هذا النحو الأوروبيون والأمريكيون، وسيظلون يفهمونها على هذا النحو. فالوزارة من الوزارات ليست ملكًا للوزير، وإنما هي ملك للدولة، بل إن هذه الوزارة من الوزارات ليست ملكًا للحكومة كلها، وإنما هي ملك للدولة التي هي أبقى وأعم وأشمل من الحكومة. وليست الحكومة في حقيقة الأمر نظامًا عمليًّا تصطنعه الدولة لرعاية مصالحها وتدبير أمورها، وليس أعضاء الحكومة في حقيقة الأمر إلَّا جماعة من الناس ترى فيهم الدولة — مخطئة أو مصيبة — الكفاية والقدرة على رعاية هذه المصالح وتدبيرها وقتًا يقصر أو يطول. فهي تكلفهم هذا الواجب، وتأجرهم على النهوض به، وتراقبهم أثناء النهوض به، فتبقيهم في عملهم ما رضيت عنهم، وتقصيهم عن عملهم إن سخطت عليهم أو أنكرت منهم شيئًا أو آنست منهم تقصيرًا أو قصورًا!
فأعضاء الحكومة موظفون لا أكثر ولا أقل، وهيئة الحكومة جماعة من الموظفين يعملون متضامنين، ويخضعون لرقابة الدولة، ويتعرضون لما يتعرض له أي موظف من رضا الدولة وسخطها.
هذا هو الأصل الذي يعرفه الناس جميعًا ويقره الناس جميعًا حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، وحين يلقى بعضهم بعضًا ويتحدث بعضهم إلى بعض. تعلموه في المدرسة، وقرءوه في الكتب، وهم يقرءونه في الصحف حين يصبحون وحين يمسون. ولكن العمل في مصر — وفي بلاد أخرى تشبه مصر شبهًا قريبًا أو بعيدًا — يخالف هذا الأصل أشد الخلاف ويناقضه أعظم المناقضة!
فالوزير لا يكاد يجلس على كرسيه حتى يغره الغرور؛ فيخدعه عن نفسه وعن سلطانه، وعن حقه وعن واجبه، وينسيه أنه موظف وُلِّيَ اليوم وقد يُعزل غدًا، وأنه مراقب يمكن أن يسأل عمَّا يأتي، ويمكن أن يسأل عما يدع، ويمكن أن يعاقب على ما يتورط فيه من قصور أو تقصير! ينسى هذا كله وينسى أنه لم يكن وزيرًا أمس، وأنه قد لا يكون وزيرًا غدًا، ولا يذكر إلَّا شيئًا واحدًا هو أنه يستطيع أن يأمر وينهى، وأن في وزارته موظفين يجب عليهم أن يأتمروا إذا أمرهم، وأن ينتهوا إذا نهاهم. ويسرف الغرور على نفسه، ويسرف هو على نفسه في الغرور، فيخيل إليه أنه مستأثر بمنصبه إلى آخر الدهر، وينسى نسيانًا تامًّا هذه الصيغة التي كانت «المقطم» تمهِّد بها فيما مضى من الأيام لسقوط الوزارات، وهي أن الحكم تقليد لا تخليد. وإذا هو يقتنع فيما بينه وبين نفسه، ثم يقنع الناس من حوله بأن الوزارة التي يتولاها إنما هي إقطاع من الإقطاعات قد أُهدي إليه ووُقِف عليه، فهو يتصرف فيه كما كان السادة يتصرفون فيما يُهدى إليهم من الإقطاعات!
ونظام الإقطاع دقيق، فيه السيد الذي يلقب أحيانًا بالدوق، وأحيانًا بالمركيز، وأحيانًا بالكونت. ثم فيه السادة الذين يلون هذا السيد الأعظم، ويحملون مختلف ألقاب الشرف، وقد رُتِّبت درجات بعضها فوق بعض. ثم فيه بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، ليس لها رأي في شيء، ولا ينبغي أن يكون لها رأي في شيء! وهذا النظام هو الذي يطبق في وزاراتنا ومصالحنا تطبيقًا دقيقًا: فالوزير هو السيد الأعظم، ثم يليه السادة الوكلاء، ثم تليهم طبقات مختلفة من الرؤساء قد رُتِّبت درجاتٍ بعضها فوق بعض. ثم تأتي بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، والتي تأتلف منك ومني ومن أمثالنا بين عباد الله البائسين!
ونظام الأحزاب في مصر ليس كنظام الأحزاب في البلاد الأخرى؛ فالحزب الذي يتولى الحكم إنما يتسلم مصر على أنها إقطاع من الإقطاعات يقسم بين الوزراء، ويحكم على النحو الذي كانت تحكم عليه الإقطاعات في الزمان الأول، وينظر إلى الأحزاب التي لا تتولى الحكم على أنها من الدهماء التي لا يعبأ اللَّه بها، فلا ينبغي أن يعبأ بها الناس!
والحكم في مصر دُولَةٌ بين الأحزاب، فهو اليوم إلى هذا الحزب، وهو غدًا إلى حزب آخر. فالحزب الذي يحكم اليوم لم يكن حاكمًا أمس، ولن يكون حاكمًا غدًا. وكان هذا خليقًا أن يعلِّم الأحزاب أنها حين تتولى الحكم لا تتسلم إقطاعًا، وإنما تكلف خدمة. ولكن الأحزاب مع ذلك لا تتعظ ولا تتعلَّم، وإنما تلي الحكم فيسرع النسيان فيمحو من رءوسها كلَّ ذكرى، ويسرع الغرور فيلقي بينها وبين المستقبل أستارًا كثيفة، وإذا هي تعمل ليومها غير ذاكرة أمس، ولا محتاطة للغد، حتى إذا جاءت الساعة التي لا بدَّ من أن تجيء، وأنزلت الأحزاب الحاكمة إلى منازل الدهماء، ورفعت الأحزاب المحكومة إلى مناصب الحكم؛ لم يتغير شيء، وإنما مضى سادة ليصبحوا مسودين، وأقبل مسودون ليصبحوا سادة، وشكا المحكومون دائمًا من ظلم الحكام، وسخر الحاكمون دائمًا من شكوى المحكومين!
ولولا أننا قدرنا الأشياء كما ينبغي أن تقدر في ظل النظام الديمقراطي؛ لما نظرنا للوزراء والرؤساء على أنهم سادة ينبغي لهم أن يأمروا وينبغي لنا أن نطيع، بل على أنهم وكلاء قد ائتمناهم على مصالحنا، فإن رعَوها فذاك، وإن لم يرعوها ففي القانون والدستور وازعٌ للجميع.
نعم، ولكن الحق يجب أن يُقال، والحق أن الحاكمين والمحكومين في مصر لا يفهمون الديمقراطية على وجهها، وهم من أجل ذلك لا يتداولون الحكم فيما بينهم، وإنما يتداولون الظلم والاستبداد!
فالحكم إقطاع للأحزاب الحاكمة لا أكثر ولا أقل، وليس بينه وبين الإقطاع القديم إلَّا فرق واحد ظاهر، وهو أن الإقطاع القديم كان ثابتًا مستقرًّا لأصحابه، تتوارثه ذريتهم بعد أن يموتوا. أمَّا الإقطاع الحديث فمتنقل لا يحب أن يستقر ولا يخضع لنظام الميراث. وهو من أجل ذلك أشدُّ خطرًا من الإقطاع القديم؛ لأنه فرصة يجب أن تُنتهز، فلعلها لا تعود، أو لعلها لا تعود إلَّا بعد وقت طويل! وإذن فيجب أن يستأثر الحاكمون ما وسعهم الاستئثار، وأن يدخروا منذ اليوم ما يمكن أن يفوتهم في غد، ويجب أن يتربص المحكومون، وأن يكيدوا ويمكروا، وأن يسجلوا ويستعدوا للانتقام!
وكذلك تضيع المصالح العامة أولًا، ويفسد الحكم ثانيًا، وتفسد الأخلاق ثالثًا، وينحل التضامن الاجتماعي بعد ذلك، ويصبح بعض المصريين لبعض عدوًّا. وليس لهذا كله من دواء إلَّا أن نفهم الديمقراطية على وجهها. ولكن أتظن أن من الممكن أن تُفهم الديمقراطية على وجهها، وقد شبَّ عمرو على الطوق؟ ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:
والشيخ إن قومته من زيغه لم يُقِمِ التثقيف منه ما انحنى! -
تبعات الأجيال
تبعات الأجيال
طه حسين
مجلة المصور
١٣ مارس ١٩٤٧
نشرنا في العدد الماضي كلمة عن «الطلبة» للأستاذ الكبير أحمد أمين بك، تضمنت وجهة نظر جامعي بارز.
واليوم ننشر مقالًا لكاتبنا الكبير الدكتور طه حسين بك يتضمن رأيًا جامعيًّا آخر. و«المصور» إذ ينشر مختلف الآراء في هذا الموضوع الخطير يستعرض كل وجهات النظر، ويفتح الباب لذوي الرأي:
لا أريد أن أذهب مذهب الأستاذ أحمد أمين بك، فأرجو كما رجا في المقال الذي نشره له «المصور» في الأسبوع الماضي أن تتسع صدور الطلبة والآباء والأحزاب لما أريد أن أقول في هذا الحديث، فلست أرى بأسًا بأن تضيق صدور الطلبة والآباء والأحزاب والحكومات أيضًا بما أريد أن أقول. وقد تعودت أن يغضب الناس عليَّ وأن يرضوا عنِّي، فلم يخفني غضبهم من شيء، ولم يطمِّعني رضاهم في شيء. وإنما قلت وسأقول ما أعتقد أنه الحق؛ لأني أعتقد أنه الحق، ولأنَّ من الخير أن يُقال الحق دائمًا وإن كان مرًّا بغيضًا!
ثم لأني من ناحية أخرى لا أخص بهذا الحديث حزبًا دون حزب، ولا طائفةً من المصريين دون طائفة، وإنما أسوقه إليهم جميعًا لا أفرق بين أحدٍ منهم.
ثم لأني من ناحية ثالثة لا أريد أن أنظر إلى قضية الطلبة نظرة كئيبة يائسة كما تعودنا أن ننظر إليها منذ أعوام، وإنما أريد أن أنظر إليها نظرة مشرقة باسمة، فيها كثيرٌ جدًّا من الأمل، وفيها كثيرٌ جدًّا من الدعابة أيضًا. فربما كان من الأشياء التي أفسدت على المصريين حياتهم في كثيرٍ من الأحيان أنهم ينظرون إلى الأشياء في كآبةٍ وبؤسٍ ويأسٍ، كأنما الكوارث تنذرهم بين ساعة وأخرى، وكأنما حملوا على عواتقهم أثقال الدنيا والآخرة، فهم لا يستطيعون حركةً ولا انتقالًا. وكأن كل ساعة تقبل عليهم من ساعات الليل أو من ساعات النهار، إنما تقبل عليهم بالأنباء المنكرة والأحداث الجسام. فهم متشائمون إذا قالوا، متشائمون إذا عملوا، متشائمون إذا حكموا على الأشياء. وحسبك بهذا مثبطًا للهمم، مفترًا للعزائم، مشيعًا للظلمة في النفوس والقلوب والعقول، مانعًا من النشاط الخصب والإنتاج المفيد.
والطلاب في جميع أقطار الأرض يرضون ويسخطون، ويقبلون على الدرس ويضربون عنه، ويعبرون المدن الكبيرة والصغيرة في مظاهرات صاخبة، يتصايحون ويتهافتون، فلا تضيق بذلك النفوس ولا تحرج له الصدور، ولا تظلم له الحياة في وجه الأحياء!
والطلاب في جميع أقطار الأرض شبابٌ يسرعون إلى الرضا، ويسرعون إلى السخط، ويندفعون إلى الجد، ويندفعون إلى اللعب. ذلك شيءٌ ملائمٌ لطبعهم ولهذا الطور من أطوار حياتهم … عُرِف ذلك منذ أقدم العصور، وصوره أرسطاطاليس تصويرًا رائعًا بارعًا في كتاب «الخطابة»، فمن الطبيعي أن نأخذ الشباب كما هم، وكما يريد اللَّه أن يكونوا، فلا نملأ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، ولا نملأ الجو صياحًا ونواحًا، ولا نجند الجيش، ولا نلغي إجازات الشرطة، ولا نعمل العصي في الرءوس، ولا نصوب البنادق إلى الصدور. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد ضاع؛ لأن الطلاب أضربوا ذات يوم جادِّين أو لاعبين. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد أصبح مكفولًا مضمونًا؛ لأن الطلاب قد أقبلوا على الدرس وألحوا في الاستذكار!
كل هذا غلو في غير موضع للغلو، وإسراف في غير حاجة إلى الإسراف.
على أن هناك أمورًا يحسن أن نقف عندها وقفة قصيرة، ونسأل عنها أنفسنا فيما بيننا وبين ضمائرنا. فمنذ ربع قرن حين كانت الحركة الوطنية، كان لوم الطلاب على الإضراب جريمة لا تُغفر، وتقصيرًا في ذات الوطن؛ لأن الطلاب كانوا يضربون محتجين على عبث الإنجليز بحقوق الوطن. وكان كثيرٌ من وزرائنا القائمين ومن النواب والشيوخ الذين يسندون هؤلاء الوزراء طلابًا يضربون، ويرون الإضراب واجبًا وطنيًّا، ويتظاهرون ويرون التظاهر جهادًا في سبيل الوطن، ويتلقون من القادة والساسة تشجيعًا على التظاهر والإضراب. ويُخيَّل إليَّ أننا من هذه الأيام نقف من الإنجليز موقفنا من قوم يعبثون بحقوق الوطن، يحاولون أن يقروا فيه جيوشهم وأن يشطروه شطرين، على حين جعله اللَّه واحدًا لا يقبل القسمة. فما الذي حدث حتى يصبح ما كان وزراؤنا يرونه واجبًا وحقًّا وعدلًا، وإذا هو قد أصبح باطلًا وحرامًا وجورًا؟! لم يتغير الإنجليز ولم يتغير المصريون، وإنما ارتقى إلى الحكم من كانوا يسعون في الشوارع مضربين ومتظاهرين. فالإضراب يسوءهم؛ لأنه يضايقهم، والتظاهر يؤذيهم؛ لأنه يكلفهم مشقةً وجهدًا!
وما ينبغي أن تفهم الحكومة ولا أن تفهم النيابة ولا أن يفهم الطلاب أني أدعو إلى الإضراب أو أغري به أو أحرض عليه، فأنا أحرص الناس على أن يفرغ الطلاب لدروسهم. ولكني أحب أن أقرر الحق، وأن أدعو الحكام وقادة الرأي إلى أن يأخذوا أمور الشباب بالابتسام والإسماح، لا بالعبوس والتقطيب وانتظار الكوارث والإشفاق من الملمات!
وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد فُصِل أستاذ من أساتذة الجامعة ذات يوم؛ لأنه حاول أن يؤلف من الطلاب في إحدى الكليات — أو في غير كلية — جماعةً تدافع عن حقوق مصر حين كان الإنجليز يؤيدون نظام صدقي باشا، ويأبون على مصر أن تستردَّ دستورها الصحيح. وقد رأينا تصرف الحكومة مع هذا الأستاذ ظلمًا أي ظلم ونكرًا أي نكر! وهاجمنا صاحب المعالي وزير التقاليد في عنف أي عنف! ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا هذا الأستاذ الذي فُصِل؛ لأنه كان يشجع الطلبة على مقاومة الظلم الداخلي والخارجي قد أصبح وزيرًا للمعارف، وإذا هو يضيق بإضراب الطلاب ومظاهراتهم كما كان يضيق بها وزير التقاليد.
وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد ذهب بعض كبار الساسة ذات صباح إلى ميدان الجامعة أو إلى الحرم الجامعي كما يُقال، وخطب في الطلاب قائلًا: «لقد أدَّينا واجبنا فأدُّوا واجبكم.» وقد أدى الطلاب يومئذٍ واجبهم كأحسن ما يكون الأداء، فهجموا على عميد من عمدائهم وهمُّوا بإلقائه من حالق! ويذكر هذا العميد أنه غضب يومئذٍ وأقام في داره، وأن صديقًا من أصدقائه أقبل عليه متلطفًا مواسيًا ناصحًا له بألا يقاوم حركة الطلاب. ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا الخطيب الذي حثَّ الطلبة على أن يؤدوا واجبهم يصبح رئيسًا لمجلس الشيوخ، وإذا الصديق الذي نصح للعميد بألا يقاوم حركة الطلاب يصبح رئيسًا لمجلس الوزراء!
وأؤكد للقراء أني لا أذكر هذه القصص مغضبًا ولا عابسًا، وإنما أذكرها باسمًا بل متضاحكًا! فالمصريون لم يتغيروا، والإنجليز لم يتغيروا. وما زالت مصر تشقى بظلم يأتيها من بعض أبنائها كما يأتيها من حلفائها، وقد كدت أملي «من أعدائها»! وإنما الذي تغير هو أن المحكومين في تلك الأيام قد أصبحوا حاكمين في هذه الأيام!
والأيام تدور كما يعرف القراء، وسيأتي يوم يعود فيه الحاكمون إلى الصف ويصبحون محكومين. ومن يدري لعلهم حينئذٍ أن يقولوا للطلاب: قد أدينا واجبنا فأدُّوا واجبكم، وأن ينصحوا لبعض العمداء بألَّا يقاوموا حركات الطلاب! المهم هو ألَّا نبتئس لما لا يدعو إلى الابتئاس، وألَّا نكتئب لما لا يقتضي الاكتئاب، وألَّا يشغلنا جد الطلبة ولعبهم عن مقاومة الإنجليز والفراغ لما يسلطون علينا من ظلم، وما يدبرون لنا من كيد!
وما من شك في أن الخير كل الخير في أن يقبل الطلاب على دروسهم، ولا يُشغلوا عن هذه الدروس بما يضيِّع عليهم أوقاتهم وجهودهم. ولكن مَن المسئول عن هذه المحن التي يتعرض لها الطلاب حين يصرفون عن الدرس، ويتعرض لها الشعب حين يرى أبناءه يُصرفون عن الدرس؟! أهم الكبار الذين يدبِّرون الأمور فيسيئون تدبيرها؟ أم هم الشباب الذين يندفعون مع طبائعهم؛ لأن الله خلقهم مندفعين مع طبائعهم؟!
الشيءُ المحقق أن الطلاب لم يتقدموا إلى صدقي باشا في تعطيل الدراسة شهرًا ونصف شهر؛ لأنه أراد أن يسافر إلى لندرة. والشيء المحقق هو أن الطلاب لم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في محاصرة الجامعة وفي منع العاجزين عن أداء المصروفات من الاختلاف إلى دروسهم، ولم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في اتخاذ هذا القرار العجيب الذي يلغي الإجازة في نصف العام! أليس من الظلم أن يخطئ الكبار، وأن يحمِّلوا الصغار تبعة ما تورطوا فيه من خطأ؟!
يجب أن يحاسب الكبار أنفسهم وضمائرهم قبل أن يقدموا على كثيرٍ من الأعمال وقبل أن يتخذوا كثيرًا من القرارات … ثم يجب ألَّا يتخفف الكبار من أثقال تبعاتهم على الصغار!
إن الطلاب لا يتمنون إلَّا أن يفرغوا للدرس كما يفرغ الشباب للدرس في جميع أقطار الأرض، جادِّين حينًا ولاعبين حينًا آخر؛ لأن من الحق عليهم أن يجدُّوا، ولأن من الحق عليهم أن يلعبوا. فلنيسر لهم وسائل الفراغ للدرس، ولنتجنب خلق المشكلات التي تصدهم عنه وتزهدهم فيه. ولنحتمل تبعاتنا كما ينبغي أن يحتمل الرجال تبعاتهم. ولنضن بأنفسنا على هذا العبث الذي يثير الضحك ويغري بالرثاء حين نحمل على الشباب تبعة أغلاط الشيوخ!