Tag: student protests

  • مرحى

    مرحى

    طه حسين

    جريدة صوت الأمة

    ١٢ أكتوبر ١٩٤٦

    يُقال إن بطلًا من أبطال الأساطير تورط في بعض الخطايا، فكتب القضاء عليه أن ينفق في دار الموتى دهره السرمدي الذي لا آخر له، معالجًا شيئًا واحدًا لا يكاد يُتِمُّه حتى يضطر إلى ابتدائه؛ لأنه لا ينتهي إلى غايته مهما يبذل هذا البطل من جهد، ومهما يحتمل من عناء.

    وهذه المهمة التي كُلِّف البطل أداءها، ولن يستطيع أن يؤديها، هي أن يدفع صخرة من أسفل الجبل؛ ليرفعها إلى قمته، والبطل يدفع هذه الصخرة ويشقى بدفعها ورفعها، ويلقى في جهده هذا أعظم البلاء، وأشق الامتحان، حتى إذا كاد يبلغ القمة ويقر الصخرة في المكان الذي أعد لها، أفلتت منه هذه الصخرة وانحدرت مسرعة لا تلوي على شيء حتى تبلغ القاع، واضطر البطل البائس إلى أن ينحدر معها خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا؛ ليجدد الدفع والرفع، ويستأنف الجهد والكد، وما يزال كذلك حتى ينقضي الخلود إن كان من الممكن أن ينقضي الخلود.

    هذا البطل الشجاع الجريء الصبور يذكرني ببطلنا العظيم صدقي باشا فيما يحاول منذ عنيت مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى بفض ما بينها وبين الإنجليز من الخصومة، وحل ما بينها وبين العالم الخارجي من المشكلات.

    فصدقي باشا صابر مصابر، ومجاهد مجالد ما في ذلك شك، ولكن لا أعرف ما هذه الخطيئة التي تورط فيها، والتي قضت عليه ألا يبلغ من جهاده وجلاده، ولا من مصابرته ومثابرته شيئًا؛ فقد جد صدقي باشا واجتهد وصابر وثابر حتى أصبح عضوًا من أعضاء الوفد، وبطلًا من أبطال الجهاد، وعلمًا من أعلام الفوز، وحتى وصل إلى باريس مع سعد وأصحابه، وخيل إليه أنه قد بلغ الغاية، وظفر من المجد بما كان يريد، ولكنه ينظر فإذا صخرته تنحدر مسرعة حتى تبلغ القاع، وإذا هو يتبعها فينحدر خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا حتى يبلغ القاع، وإذا هو قد عاد إلى مصر وترك أصحابه في باريس، وابتدأ جده وكده ومصابرته ومثابرته من جديد، وأخذ في الدفع والرفع يحتمل في ذلك ما يطاق وما لا يطاق من الأعباء حتى يشارف القمة مرة أخرى، وإذا هو يشارك في وزارة عدلي باشا — رحمه الله — وفيما نهضت به من عبء المفاوضات، ولكنه ينظر ذات يوم فإذا صخرة المفاوضات قد انحدرت مسرعة حتى بلغت القاع، وانحدر هو معها خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا حتى بلغ القاع، وأخذ يستأنف الجد والكد، ويصل حياته السياسية بحياة ثروت باشا، ويخيل إليه بعد كثير من العناء أنه قد شارف القمة، وكاد يقر الصخرة في مكانها المهيأ لها، ولكنه ينظر فإذا الصخرة تنحدر حتى تبلغ القاع، وإذا هو يتبعها إلى القاع مرة أخرى.

    وما يزال في دفع ورفع ومشارفة للقمة وسقوط إلى القاع يصل حياته السياسية بحياة من شاء الله أن يقيض له من رؤساء الوزارات لا يعرف كلالًا ولا ملالًا ولا يألف يأسًا ولا قنوطًا، حتى تتاح له فرصة لم يشك — ولم يشك كثير من الناس معه — في أنها الفرصة الأخيرة التي ستبلغه فوزًا ليس بعده فوز، فوزًا ليس عليه خوف من فشل أو إخفاق، فقد أزال العقبات كلها أو خيل إليه وإلى كثير من الناس أنه أزال العقبات كلها.

    لقد أقصى الوفد عن الحكم، وحل مجلس النواب، وأُتيح لصدقي باشا أن يلغي الدستور، وأن يضع مكانه دستورًا جديدًا يتَّخذُه سلمًا أمينًا يصعد فيه مع صخرته إلى القمة، وأُتيح له الجيش المصري كله، والشرطة المصرية كلها، ومعونة الإنجليز غير مضنون بها، ولا مقتر فيها. فما الذي يمنعه أن يرقى، وأن تتبعه صخرته أو تسبقه حتى يبلغ القمة فيقرها ويستقر عليها سالمًا موفورًا؟ ولكن الصخرة تنحدر كأبشع ما يكون الانحدار، ويتبعها صدقي باشا حتى يبلغ القاع، فيقيم فيه ويطيل المقام.

    ولكنه يكد ويجد ويحتمل ألوان العناء، ويحاول أن يصعد مع الوفد مرة، ومع خصوم الوفد مرة أخرى، والطريق تؤخذ عليه، والأسباب تتقطع به قبل أن يبلغ القمة، وإذا هو يعود راضيًا أو كارهًا إلى القاع.

    وليست هذه المحاولة التي حاولها صدقي باشا في هذا العام إلا حلقة من حلقات هذه السلسلة التي لن تنتهي إلى غاية، ولن تقف عند حد، وقد أُتيح في هذه المرة لصدقي باشا أقل ممَّا أُتيح له في المرة الأولى، فهو قد رأس الوزارة، ورأس هيئة المفاوضات، ولكنه لم يُلغِ الدستور، ولن يستطيع أن يلغيه، ولم يحل مجلس النواب، ولن يستطيع هو أن يُحلَّه، فهو مضطر إذن إلى أن يصانع الدستور، وإلى أن يصانع الأحزاب التي يأتلف منها مجلس النواب. وهذا أول الضعف، ثم لم ينشئ هيئة المفاوضات كما أراد، وإنما فرضت هذه الهيئة عليه فرضًا أتاح له أن يخلص من الوفد في هذه الهيئة، ولكن لم يُتح له أن يخلص من فلان وفلان، كما لم يُتح له أن يسيطر على فلان وفلان، فاضطر إلى أن يُصانع فريقًا من هيئة المفاوضات. وهذا ضعف آخر يضاف إلى ضعفه الأول.

    وقد أُتيح له الجيش، وأُتيحت له الشرطة، وأُتيحت له وسائل القوة كلها، ولكنه رأى نفسه أمام شعب شديد حديد لا يعبث به رعب أو رهب، ورأى نفسه أمام رأي عام لا يخيفه البأس والبطش، ولا يروعه السجن ولا غير السجن من ألوان الروع، وإذا هو مضطر إلى أن يصانع الشعب والرأي العام. وهذا ضعف ثالث يضاف إلى غيره من ألوان الضعف، بل هو مضطر إلى أكثر من مصانعة الشعب والرأي العام، مضطر إلى أن يترضاهما بألوان من القول لا تخدع أحدًا، وفنون من العمل لا تغرُّ أحدًا، وينظر الناس فإذا صدقي باشا مضطر إلى أن يحدث حدثًا في التاريخ المصري المعاصر، فيؤجل افتتاح الدراسة في الجامعة والأزهر ومعاهد التعليم كلها شهرًا أو أكثر من شهر، فإذا سأله الصحفيون في ذلك قال: إنه لا يريد أن تحدث في البلاد ثورة أثناء المفاوضات.

    فهو إذن لم يدر حول العقبة كما فعل وزير المعارف، ولم يتكلف العلل والمعاذير، وإنما واجه الأمر في صراحة ليس بعدها صراحة، وسجل على نفسه، وعلى حكومته، وعلى مفاوضاته أن الشعب ساخط غير راضٍ، وأن استقرار الأمور رهين بأن يحال بين المصريين وبين الاجتماع حتى في معاهد العلم. وإذن فصدقي باشا يعلم حق العلم أن الشعب ليس راضيًا عنه، ولا مطمئنًّا إليه، ليس راضيًا عن حكمه في شئونه الداخلية، وليس راضيًا عن سياسته في مفاوضة الإنجليز، وهو يريد أن يمنع الشعب من إعلان سخطه، وسبيله إلى ذلك أن يحول بين الشعب وبين الاجتماع من جهة، وأن ينشر القوة والبأس والخوف من جهة أخرى.

    وصدقي باشا يعلم حق العلم أن الأجانب المقيمين في مصر، والبعيدين عن مصر يرون من أمورنا مثل ما نرى، ويشهدون منها مثل ما نشهد، ويعرفون من أسرارها ودقائقها مثل ما نعرف. وصدقي باشا يعلم أن في مصر صحفًا أجنبية تترجم ما ينشر وما يقال، وشركات للبرق تذيع في أقطار الأرض ما يصدر عنه من قول أو عمل، وصدقي باشا يعلم أن الإنجليز لا يجهلون من حقائق الأمور في مصر شيئًا، فهم يعلمون حق العلم سخط الشعب عليه، وبغضه لحكمه، وإنكاره لسياسته، وشكه في مساعيه.

    صدقي باشا يعرف هذا كله كما يعرف نفسه، وهو لا يكتفي بهذه المعرفة، وإنما يريد أن يقيم الأدلة جميعًا على أن الشعب ليس راضيًا عنه، ولا واثقًا به، ولا مطمئنًا إليه، فهو يحاول أن يخطب يوم الخميس في مدينة من مدن مصر، فيحشد فيها الجيش والشرطة الظاهرة والخفية، ويقيم حولها الأرصاد ليرد عنها ما يرى أن وصوله إليها غير مرغوب فيه، ثم يلقي خطبته على قوم اختارهم اختيارًا، أو اختارتهم له الإدارة اختيارًا ليتحدثوا إليه ويسمعوا منه. والغريب أنه وهو الرجل الذكي الفطن الذي لا يخفى عليه من دقائق هذا كله وأسراره شيء، الغريب أنه يقدم على هذا كله بأعين الشعب، وبأعين الإنجليز، ويزعم أو يخيل إلى نفسه أنه يزعم أن الشعب واثق به، وأن الإنجليز مطمئنون إليه.

    ولست أدري كيف يكون لقاء المستر بيفن لصدقي باشا إن أُتيح له أن يلقاه في آخر الأسبوع المقبل، أو في أول الأسبوع الذي يليه، وكيف يدار الحديث بين هذين الرجلين؛ فمستر بيفن لا يجهل من الحقائق المصرية شيئًا، وصدقي باشا يعلم أن مستر بيفن خبير بما هنالك، وإذن فماذا عسى أن يقول أحد الرجلين لصاحبه. لقد كان صدقي باشا يتهم صديقه الكبير النقراشي باشا، حين كان هذا الصديق الكبير رئيسًا للوزارة بأنه يدبر مع المستر بيفن مؤامرة الصمت حول المطالب المصرية العليا. فبماذا تسمي التقاء بيفن وصدقي باشا على رغم ما هو معلوم لا أقول للرجلين وحدهما، بل أقول للناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر، من أن صدقي باشا لا يمثل أحدًا من المصريين، فالشعب ساخط عليه، وزملاؤه الوزراء منكرون لمكان وزارته من الدستور، وزملاؤه المفاوضون مرتابون بكل ما يعمل، وبكل ما يقول.

    بماذا نستطيع أن نسمي التقاء هذين الرجلين وما يمكن أن يدور بينهما من حديث؟! أمؤامرة صمت هي أم مؤامرة كلام؟ ولمصلحة مَن تُدبَّر هذه المؤامرة؛ لمصلحة مصر التي لا تريد ذلة، ولا تريد هوانًا، ولا تقبل مخالفة ولا احتلالًا، ولا ترضى مساومة في شأن السودان، والتي تعلن هذا كله بما أُتيح لها من وسائل الإعلان؛ حتى يضطر صدقي باشا إلى أن يمنع شبابها من الاجتماع في معاهد العلم، ويؤجل الدراسة فيها شهرًا كاملًا أو أكثر من شهر؟

    أم لمصلحة الإنجليز الذين يريدون — فيما يقولون — معاهدة تقوم على الرضى لا على السخط، وعلى القبول الحر لا على الإكراه الذي تفرضه النار والحديد؟ وكيف يستطيع صدقي باشا أن يلقى وزير الخارجية البريطانية، محتفظًا بما ينبغي لرؤساء الوزارات من المهابة والوقار، ومستر بيفن يعلم وصدقي باشا يعلم أن الحكومة المصرية القائمة قد أجَّلت الدراسة لأنها مشفقة من الثورة؟

    فما قيمة الحكومة التي تخاف من اجتماع الطلاب، لا في الجامعة والأزهر وحدهما، بل في المدارس الثانوية والابتدائية؟ أو باسم من تستطيع هذه الحكومة أن تتكلم إلى الدول الأجنبية؟ وبأي سلطان تستطيع هذه الحكومة أن تلزم شعبًا بأسره وهي عاجزة عن أن تأخذ الشباب بالمحافظة على النظام في معاهد العلم؟

    لقد خطب صدقي باشا يوم الخميس فأطال الخطبة، وشق على نفسه بإعدادها وإلقائها، ومن قبل ذلك ألقى صدقي باشا خطبًا طوالًا، وخطبًا قصارًا لا يكاد يبلغها الإحصاء. فهل يأذن لي صدقي باشا بأن أختم هذا الحديث كما بدأته بقصة من قصص الأساطير.

    يُقال إن في دار الموتى فتيات تورطن في خطيئة من الخطايا، فكتب عليهن القضاء أن يملأن جرة ليس لها قاع، فهن يصببن الماء فيها منذ أول الدهر إلى أن ينتهي الخلود، إن أمكن أن ينتهي الخلود.

    فليخطب صدقي باشا مطولًا أو مقصرًا؛ فلن يستقر شيء من خطبه في قلوب المصريين كما أن الماء لن يستقر في تلك الجرة التي ليس لها قاع.

  • دعاة الفساد

    حديث الوادي
    دعاة الفساد . .
    كان أصحاب العهد البغيض يكرهون للمصريين جميعاً أن يكونوا أحراراً، ويقطعون بينهم وبين الحرية كل سبب، يتخذون في سبيل ذلك من الوسائل ما تنكره الأخلاق وتأباه الضمائر، وتحظره القوانين. يأبون على المصريين أن يجتمعوا فإن اجتمعوا فرقوهم بالعنف، ويأبون على المصريين أن يتكلموا فإن تكلموا ألقوهم في غيابات السجن. ويأبون على المصريين أن يتظاهروا فإن تظاهروا صبوا عليهم الرصاص صباً. وكانوا يزعمون مع ذلك أنهم أصحاب عدل، وأنهم حماة نظام، وأنهم دعاة إلى الأمن والطمأنينة. ثم كانوا يكرهون أشد الكره ويأبون أشد الإباء أن يشغل الطلبة بالسياسة أو بشيء يشبه السياسة، أو بشيء يمكن أن تمسه السياسة من قريب أو بعيد. ولهم في ذلك أعاجيب، فهم أغلقوا نادي الجامعة الذي كان في القاهرة، وهم ألغوا اتحاد الجامعة وصنعوا لهم اتحاداً آخر، يسيطر عليه الوزير سيطرة فاحشة، ويحظر على الطلاب أن يتصلوا بأي هيئة من الهيئات، أو يلتحقوا بأي جماعة من الجماعات، مهما تكن بعيدة عن السياسة وخطوبها إلا أن يأذن لهم في ذلك مجلس الاتحاد. ثم كانوا يصطنعون الجاسوسية ويبثون الجواسيس في جماعات الطلاب والتلاميذ، ويرصدون الجواسيس أيضاً لبعض الأفراد من هؤلاء الطلاب والتلاميذ، ليتبينوا ما يأتي الطلبة وما يدعون وليعلموا ما يسر الطلبة وما يعلنون. ثم كان جواسيسهم هؤلاء يكذبون لهم على الأساتذة والطلاب جميعاً، فيزعمون لهم أن هذا الأستاذ أو ذاك قد ألف هذه الجماعة أو تلك يقصد بها إلى السياسة وإلى السياسة الخطرة، وكانوا يسمعون للجواسيس، في غير تحر ولا احتياط، وكانوا لا يكذبون على الوزراء ويحملونهم على اقتراف الظلم والتورط في الجور القبيح، وكان هذا كله لا يرضيهم، أخذوا يذهبون إلى أبعد منه، ويأخذون الناس بالشدة ويعاقبونهم بالريبة، وربما خلقوا لهم الذنوب خلقاً وابتكروا لهم السيئات ابتكاراً. وكانوا يكرهون أن ينجح الطلاب، حتى في مدارسهم ومعاهدهم، بل كانوا يكرهون أن يجتمع الطلاب في غير الفصول لغير الدروس، وكان الطلاب يرغبون أحياناً، في أن يجتمعوا لبعض البحث أو لبعض المحاضرات، فيأبون عليهم ذلك ويصدونهم عنه صداً، مخافة أن يسوء ظن الوزير وأن يظن بهذا الاجتماع بعض الظنون، وكانوا إذا أنكر الناس عليهم ذلك أو نقموا منهم بعض ذلك، تجبروا وتكبروا وتحذقوا وزعموا أن حماية النظام ليست لعباً، وأن الحرية ليست هي التي يفهمها الناس، وإنما هي التي يفهمونها هم، كانوا كذلك. وكانوا شراً من ذلك. فكانوا يدفعون طوائف من الطلبة إلى بعض السياسة دفعاً. يرضون منهم ذلك ويحاولون أن يأجروهم عليه، فإذا أبى الطلاب عاقبوهم لأنهم أرادوا أن يطيعوا القوانين والقرارات. ولم ينس الناس بعد، أن الطلاب عوقبوا لأنهم أبوا أن يقحموا السياسة في مشروع القرش، أو أن يقحموا مشروع القرش في السياسة. وكانت الدروس تعطل في المدارس أياماً استعداداً لزيارة الوزير، وكانت الخطب تهيأ لهذه الزيارة ثم يفرض إلقاؤها على بعض الطلاب ويفرض استماعها على الطلاب جميعاً، ويفرض الهتاف للوزير على الطلاب وغير الطلاب من الأساتذة والموظفين، والخدم أيضاً.
    كانت السياسة إذن محظورة على الطلاب، لا لأنها سياسة بل لأن رجال العهد البغيض يكرهون، فإن أحبوها فرضت على الطلاب فرضاً، والآن وقد تولى العهد البغيض ونهضت وزارة الإصلاح، لنرد الأمر إلى نصابه ونعيد حق الشعب إلى الشعب، أصبح أنصار هذا العهد البغيض كما كانوا من قبل يلقون النور بوجه، ويلقون الظلام بوجه آخر. فهم إذا كتبوا في صحفهم كرهوا المظاهرات وأنكروها وخوفوا منها وزهدوا فيها، وحذروا الوزارة من آثارها، ولكنهم إذ خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم أحبوا المظاهرات وهاموا بها، ودبروها تدبيراً. وهم يرسلون شياطينهم في كل بيئة ويبثون دعاتهم في كل مكان. يدسونهم على الأزهريين في الأزهر، ويدسونهم على الجامعيين في الجامعة، ويدسونهم على الطلاب في المدارس والمعاهد على اختلافها. يزينون للطلاب أن وقت الحرية قد أقبل، وأن المظاهرات قد أصبحت مستحبة، وأن للأمة حقوقاً يجب أن ترد إليها في سرعة، ومطالب يجب أن تحقق في غير إبطاء. وأن هذه الوزارة لن تستطيع بل لن تريد أن تقاوم المظاهرات لأنها وزارة شعبية فهي لا تقاوم الشعب، ولا ينبغي لها أن تفعل. وهم يختارون أموراً بعينها يعلمون أن الشعب حريص عليها، وأن الطلاب ملحون فيها فيزعمون لهم أن الوزارة مبطئة في تحقيق هذه الأمور فلابد من تعجلها، وأن الوزارة ناسخة لهذه الأمور، فلابد من تذكيرها، فإذا أعياهم أمر الطلاب، سعوا بالفساد إلى نظار المدارس فتحدثوا إليهم بالتليفون يزعمون لهم أنهم يبلغونهم أمر الوزراء، وأن الوزراء يرون أن ليس على الطلاب بأس إذا تظاهروا أو أضربوا أو انصرفوا عن الدروس وهم كذلك يسعون بالفساد، سراً كما يسعون بالفساد جهرة، يظنون أنهم سيخلقون للوزارة من المشكلات ما يفسد عليها الأمر إفساداً ويضطرها إلى حرج ليس بعده حرج، ويقيموا الأدلة على أن مصر لا يمكن أن تساس إلا بنظامهم البغيض. وواضح جداً أن الوزارة عالمة بهذا الكيد، قادرة على إحباطه، وأن الطلاب عالمون بهذا الكيد، قادرون على رده في نحور أصحابه، وأن كيد هؤلاء الناس لعب ليس له في نفسه خطر، ولا أثر. هذا كله واضح، لا شك فيه ولكن من الخير أن يسجل، ومن الخير أن يعرفه الناس جميعاً، وقد يكون من الخير أيضاً أن يعرض أمره على الوزارة جهرة، لتعلم الوزارة أن الناس يشعرون بما تشعر به، ويتهيأون لمثل ما تتهيأ له ثم لتعلم الوزارة أيضاً أنها تحاول أمراً عسيراً حين تريد أن تصلح وأدوات الفساد مبثوثة في المصالح والدواوين وفي المدارس والمعاهد، وفي العواصم والمدن والقرى. .
    لقد قلنا للوزارة وما زلنا نقول إن الذين أفسدوا لا يستطيعون أن يصلحوا ولا أن يرضوا عن الإصلاح وإن الذين جرحوا لا يستطيعون إذا يئسوا الجراح، وأن الذين سفكوا الدماء لا يستطيعون أن يحقنوا الدماء وأن الذين باعوا ضمائرهم للعهد البغيض لا يستطيعون أن يخلصوا ولا أن ينصحوا للعهد الجديد. وأن الشياطين لا يستطيعون أن يستحيلوا إلى ملائكة ونحن نعلم أن الوزارة تؤثر الأناة وتود لو تبلغ بالرفق ما يبلغه غيرها بالعنف، نحن نعلم ذلك ونتمنى لها التوفيق فيه وإن كنا نعلم حق العلم أن أناتها قد تخدع خصومها، وإن رفقها قد يغري بها الكائدين لها، كما أننا نعلم حق العلم أن الشعب الذي خضع لألوان العذاب أربعة أعوام ونصف عام من حقه أن يشعر بأن أموره ومرافقه وحياته ليست إلى الذين عذبوه وإنما هي إلى قوم آخرين لم يغمسوا أيديهم في شر، ولم يبيعوا ضمائرهم وقلوبهم للظالمين.
    طه حسين
    الوادي، ٤ ديسمبر ١٩٣٤ .