حديث الوادي
دعاة الفساد . .
كان أصحاب العهد البغيض يكرهون للمصريين جميعاً أن يكونوا أحراراً، ويقطعون بينهم وبين الحرية كل سبب، يتخذون في سبيل ذلك من الوسائل ما تنكره الأخلاق وتأباه الضمائر، وتحظره القوانين. يأبون على المصريين أن يجتمعوا فإن اجتمعوا فرقوهم بالعنف، ويأبون على المصريين أن يتكلموا فإن تكلموا ألقوهم في غيابات السجن. ويأبون على المصريين أن يتظاهروا فإن تظاهروا صبوا عليهم الرصاص صباً. وكانوا يزعمون مع ذلك أنهم أصحاب عدل، وأنهم حماة نظام، وأنهم دعاة إلى الأمن والطمأنينة. ثم كانوا يكرهون أشد الكره ويأبون أشد الإباء أن يشغل الطلبة بالسياسة أو بشيء يشبه السياسة، أو بشيء يمكن أن تمسه السياسة من قريب أو بعيد. ولهم في ذلك أعاجيب، فهم أغلقوا نادي الجامعة الذي كان في القاهرة، وهم ألغوا اتحاد الجامعة وصنعوا لهم اتحاداً آخر، يسيطر عليه الوزير سيطرة فاحشة، ويحظر على الطلاب أن يتصلوا بأي هيئة من الهيئات، أو يلتحقوا بأي جماعة من الجماعات، مهما تكن بعيدة عن السياسة وخطوبها إلا أن يأذن لهم في ذلك مجلس الاتحاد. ثم كانوا يصطنعون الجاسوسية ويبثون الجواسيس في جماعات الطلاب والتلاميذ، ويرصدون الجواسيس أيضاً لبعض الأفراد من هؤلاء الطلاب والتلاميذ، ليتبينوا ما يأتي الطلبة وما يدعون وليعلموا ما يسر الطلبة وما يعلنون. ثم كان جواسيسهم هؤلاء يكذبون لهم على الأساتذة والطلاب جميعاً، فيزعمون لهم أن هذا الأستاذ أو ذاك قد ألف هذه الجماعة أو تلك يقصد بها إلى السياسة وإلى السياسة الخطرة، وكانوا يسمعون للجواسيس، في غير تحر ولا احتياط، وكانوا لا يكذبون على الوزراء ويحملونهم على اقتراف الظلم والتورط في الجور القبيح، وكان هذا كله لا يرضيهم، أخذوا يذهبون إلى أبعد منه، ويأخذون الناس بالشدة ويعاقبونهم بالريبة، وربما خلقوا لهم الذنوب خلقاً وابتكروا لهم السيئات ابتكاراً. وكانوا يكرهون أن ينجح الطلاب، حتى في مدارسهم ومعاهدهم، بل كانوا يكرهون أن يجتمع الطلاب في غير الفصول لغير الدروس، وكان الطلاب يرغبون أحياناً، في أن يجتمعوا لبعض البحث أو لبعض المحاضرات، فيأبون عليهم ذلك ويصدونهم عنه صداً، مخافة أن يسوء ظن الوزير وأن يظن بهذا الاجتماع بعض الظنون، وكانوا إذا أنكر الناس عليهم ذلك أو نقموا منهم بعض ذلك، تجبروا وتكبروا وتحذقوا وزعموا أن حماية النظام ليست لعباً، وأن الحرية ليست هي التي يفهمها الناس، وإنما هي التي يفهمونها هم، كانوا كذلك. وكانوا شراً من ذلك. فكانوا يدفعون طوائف من الطلبة إلى بعض السياسة دفعاً. يرضون منهم ذلك ويحاولون أن يأجروهم عليه، فإذا أبى الطلاب عاقبوهم لأنهم أرادوا أن يطيعوا القوانين والقرارات. ولم ينس الناس بعد، أن الطلاب عوقبوا لأنهم أبوا أن يقحموا السياسة في مشروع القرش، أو أن يقحموا مشروع القرش في السياسة. وكانت الدروس تعطل في المدارس أياماً استعداداً لزيارة الوزير، وكانت الخطب تهيأ لهذه الزيارة ثم يفرض إلقاؤها على بعض الطلاب ويفرض استماعها على الطلاب جميعاً، ويفرض الهتاف للوزير على الطلاب وغير الطلاب من الأساتذة والموظفين، والخدم أيضاً.
كانت السياسة إذن محظورة على الطلاب، لا لأنها سياسة بل لأن رجال العهد البغيض يكرهون، فإن أحبوها فرضت على الطلاب فرضاً، والآن وقد تولى العهد البغيض ونهضت وزارة الإصلاح، لنرد الأمر إلى نصابه ونعيد حق الشعب إلى الشعب، أصبح أنصار هذا العهد البغيض كما كانوا من قبل يلقون النور بوجه، ويلقون الظلام بوجه آخر. فهم إذا كتبوا في صحفهم كرهوا المظاهرات وأنكروها وخوفوا منها وزهدوا فيها، وحذروا الوزارة من آثارها، ولكنهم إذ خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم أحبوا المظاهرات وهاموا بها، ودبروها تدبيراً. وهم يرسلون شياطينهم في كل بيئة ويبثون دعاتهم في كل مكان. يدسونهم على الأزهريين في الأزهر، ويدسونهم على الجامعيين في الجامعة، ويدسونهم على الطلاب في المدارس والمعاهد على اختلافها. يزينون للطلاب أن وقت الحرية قد أقبل، وأن المظاهرات قد أصبحت مستحبة، وأن للأمة حقوقاً يجب أن ترد إليها في سرعة، ومطالب يجب أن تحقق في غير إبطاء. وأن هذه الوزارة لن تستطيع بل لن تريد أن تقاوم المظاهرات لأنها وزارة شعبية فهي لا تقاوم الشعب، ولا ينبغي لها أن تفعل. وهم يختارون أموراً بعينها يعلمون أن الشعب حريص عليها، وأن الطلاب ملحون فيها فيزعمون لهم أن الوزارة مبطئة في تحقيق هذه الأمور فلابد من تعجلها، وأن الوزارة ناسخة لهذه الأمور، فلابد من تذكيرها، فإذا أعياهم أمر الطلاب، سعوا بالفساد إلى نظار المدارس فتحدثوا إليهم بالتليفون يزعمون لهم أنهم يبلغونهم أمر الوزراء، وأن الوزراء يرون أن ليس على الطلاب بأس إذا تظاهروا أو أضربوا أو انصرفوا عن الدروس وهم كذلك يسعون بالفساد، سراً كما يسعون بالفساد جهرة، يظنون أنهم سيخلقون للوزارة من المشكلات ما يفسد عليها الأمر إفساداً ويضطرها إلى حرج ليس بعده حرج، ويقيموا الأدلة على أن مصر لا يمكن أن تساس إلا بنظامهم البغيض. وواضح جداً أن الوزارة عالمة بهذا الكيد، قادرة على إحباطه، وأن الطلاب عالمون بهذا الكيد، قادرون على رده في نحور أصحابه، وأن كيد هؤلاء الناس لعب ليس له في نفسه خطر، ولا أثر. هذا كله واضح، لا شك فيه ولكن من الخير أن يسجل، ومن الخير أن يعرفه الناس جميعاً، وقد يكون من الخير أيضاً أن يعرض أمره على الوزارة جهرة، لتعلم الوزارة أن الناس يشعرون بما تشعر به، ويتهيأون لمثل ما تتهيأ له ثم لتعلم الوزارة أيضاً أنها تحاول أمراً عسيراً حين تريد أن تصلح وأدوات الفساد مبثوثة في المصالح والدواوين وفي المدارس والمعاهد، وفي العواصم والمدن والقرى. .
لقد قلنا للوزارة وما زلنا نقول إن الذين أفسدوا لا يستطيعون أن يصلحوا ولا أن يرضوا عن الإصلاح وإن الذين جرحوا لا يستطيعون إذا يئسوا الجراح، وأن الذين سفكوا الدماء لا يستطيعون أن يحقنوا الدماء وأن الذين باعوا ضمائرهم للعهد البغيض لا يستطيعون أن يخلصوا ولا أن ينصحوا للعهد الجديد. وأن الشياطين لا يستطيعون أن يستحيلوا إلى ملائكة ونحن نعلم أن الوزارة تؤثر الأناة وتود لو تبلغ بالرفق ما يبلغه غيرها بالعنف، نحن نعلم ذلك ونتمنى لها التوفيق فيه وإن كنا نعلم حق العلم أن أناتها قد تخدع خصومها، وإن رفقها قد يغري بها الكائدين لها، كما أننا نعلم حق العلم أن الشعب الذي خضع لألوان العذاب أربعة أعوام ونصف عام من حقه أن يشعر بأن أموره ومرافقه وحياته ليست إلى الذين عذبوه وإنما هي إلى قوم آخرين لم يغمسوا أيديهم في شر، ولم يبيعوا ضمائرهم وقلوبهم للظالمين.
طه حسين
الوادي، ٤ ديسمبر ١٩٣٤ .
دعاة الفساد
Share:
Leave a Reply