الجنة المحرمة
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٧ مايو ١٩٤٥
في هذه الأيام التي يشتد فيها القيظ، ترسل إلينا الشمس فيها أشعتها ضوءًا مشرقًا ولهبًا محرقًا، يصهر الأجسام ويكاد معها يصهر العقول والنفوس.
في هذه الأيام لا يكره الناس الأحاديث الطوال عن جنات النعيم ذات الظل الوارف والشجر المتكاثف، تجري فيها الأنهار غزارًا ويضطرب فيها النسيم فاترًا ساحرًا، ينعش الأجسام ويحيي النفوس. لا يكره الناس الحديث عن هذه الجنات، ولعلهم ينعمون إن أتاحت لهم أعمالهم بالتفكير فيها واستحضارها في نفوسهم، يستمتعون بالخيال إن لم يُتَحْ لهم أن يستمتعوا بالحقيقة.
ويُخيَّل إليَّ أننا لا نشقى بهذا القيظ المرهق الذي يهديه إلينا فصل الصيف وحده، وإنما نشقى بقيظ آخر ليس أقل منه إرهاقًا ولا إحراقًا، لا يهديه إلينا فصل من الفصول، ولا يسلطه كوكب من الكواكب، وإنما يهديه الإنسان إلى الإنسان، ويسلطه القوي على الضعيف، وتبسطه علينا هذه الظروف الكثيرة المعقدة الملتوية التي نستطيع أن نجتهد في تحليلها وتعليلها وتأويلها، فلا نجد لها إلَّا مصدرًا واحدًا في حياة الأفراد والجماعات وفي صلات الدول والشعوب، وهو أن العدل لم يستقر بَعْدُ في النفس الإنسانية، ولم يصبح مَلَكة من مَلَكاتها، ومقومًا من مقوماتها، وضرورة من ضروراتها في الحياة، وإنما ظلَّ في هذا العصر الحديث كما كان في العصور القديمة الماضية أملًا من الآمال، تتوق إليه القلوب ولا تذوقه، وتطمح إليه النفوس ولا تبلغه، وتسمو إليه العقول ولا تحققه إلَّا كما يحقق الفقير البائس المحروم جنة النعيم هذه تلتف فيها الأشجار وتجري فيها الأنهار ويترقرق فيها النسيم، وهو يحقق هذه الجنة في نفسه ويتحرق شوقًا إليها وتهالكًا عليها، ولكن حياته القاسية تمسكه فيما هو فيه من بؤس مُلِحٍّ، وحرمان مُمِضٍّ، وعَمَل مُرْهِق، وعَرَق مُغْرِق، وعذابٍ أَلِيم.
وأرجو ألَّا تظن أني حين أستأنف هذا الحديث إنما أعمد إلى نحو من أنحاء الأدب، ولون من ألوان القول المنمق؛ فأنا أؤكد لك أن الحياة التي نحياها في هذه الأيام لا تُغري بالأدب، ولا تُرغِّب في تنميق الكلام، وإنما هي حياة شاحبة تملأ النفوس شحوبًا، وتشيع في القلوب ظلامًا كثيفًا. إنما أغراني بهذا الحديث ما قرأته الآن في خطبة من الخطب الانتخابية التي أخذ مستر تشرشل رئيس الوزراء البريطانيين يذيعها بين مواطنيه، فهو قد سمع فيما يقول بأن من المثل العليا للعالم الجديد أن يأمن الناس من الخوف، وهو يرى أن هذا الخوف إن كان مصدره عدوان شعب على شعب أو انتهاك دولة لحرمة دولة أخرى، فإن ما تتخذه الأمم المتحدة من إجراء لتنظيم السلم وإقامة الأمن العالمي على أساس متين سيكفل دفع هذا الخوف، وسيرد المعتدي عن عدوانه، وسيؤمن بعض الشعوب من بعض. ولكن المستر تشرشل يرى خوفًا آخر ليس أقل خطرًا من هذا الخوف، وكأنه لا يعرف السبيل إلى إزالته ورد شره عن الناس! وهذا الخوف هو الذي لا يثيره عدوان شعب على شعب، ولا تسلُّط دولة على دولة، وإنما يثيره عدوان الحكومة على الأفراد، وتسلُّط النظم الاستبدادية على حياة الناس.
هذا الخوف الذي تستشعر الأسر في ظل بعض الحكومات من أن يُطرَق الباب في أي وقت من الأوقات، وعلى غير علم سابق ولا انتظار، فإذا فُتِح نظرت الأسرة فإذا أعوان السلطان قد أقبلوا ليأخذوا كاسبها وليلقوه في قعر مظلمة — كما يقول الشاعر العربي القديم — وليتركوا عياله وفيهم الشيخ الفاني، والمرأة الضعيفة، والأطفال الصغار عرضةً للجوع والشقاء، لا يجدون من يعولهم ويغنيهم، ولا يجدون ما ينفقون، وقد يعود إلى هذه الأسرة كاسبها وقد لا يعود.
هذا الخوف قد امتلأت به قلوب الأوروبيين في كثير من البلاد الأوروبية بين الحربين — وفي أثناء الحرب التي لم تنتهِ بعد — ويظهر أن المستر تشرشل ليس مطمئنًّا إلى أن النصر الذي أُتِيحَ للحلفاء في أوروبا قد محاه وعفت آثاره، ويظهر أن المستر تشرشل يود لو أُتِيح للمنتصرين أن يزيلوا هذا الخوف، ولكنه لا يدري كيف يمكن أن يُزال.
فالاستقلال الذي تستمتع به الدول يضع السياسة الداخلية لكل دولة من هذه الدول المستقلة بمأمن من تدخل الأجنبي، فمن الممكن — بل من الواقع — أن تقوم الدولة الديمقراطية التي تضمن لمواطنيها الحرية والإخاء والمساواة إلى جانب دولة أخرى ليست من الديمقراطية في شيء، أو لا تعرف من الديمقراطية إلَّا أسماء لا تدل على شيء، أو لا تتكلف حتى هذه الأسماء التي تخدع الغرباء، وإنما تجهر بما شاءت من نظام لا يكفل للناس أمنًا ولا حريةً ولا مساواةً، وإنما يقيم أمرهم على العسف والبطش وتحكم السلطان، فيُطرَق الباب على الأسرة في أي وقت وعلى غير انتظار، ولا يكاد يُفتَح حتى يُؤخَذ كاسب الأسرة، فيُلقَى حيًّا في غيابات السجن أو يُلْقَى ميتًا في العراء، أو يُحرَّق جسمه وتذروه الرياح.
ومن الممكن بل من الواقع أن تقوم الدولة الديمقراطية العادلة إلى جانب الدولة المستبدة الجائرة، وأن ترى ما يحدث من الفظائع وما يُقترَف من الآثام دون أن تصنع شيئًا؛ لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئًا، يمنعها من ذلك استقلال جاراتها الظالمة المستبدة، وأن هذا الاستقلال مقدَّس لا يجوز التعرض له أو الاعتداء عليه.
فقد قامت فرنسا مثلًا بين إيطاليا الفاشية وألمانيا الهتلرية، ورأت ما رأت وسمعت ما سمعت وأنكرت ما أنكرت، ولكنها لم تصنع شيئًا. ماذا أقول؟! بل حاولت ما وسعتها المحاولة أن تتقرب إلى هتلر وموسوليني إيثارًا للعافية وتجنُّبًا للحرب. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى بريطانيا العظمى، فهي قد رأت من إيطاليا وألمانيا مثل ما رأت فرنسا، وهي قد تقربت إليهما كما تقربت فرنسا، وهي قد سبقت عندما جد الجد إلى هذا التقرب، فسعى شمبرلين إلى هتلر، وسعى بعد ذلك إلى موسوليني، ولم يُغْنِ هذا السعي شيئًا، فكان ما لم يكن منه بد وشبَّتِ الحرب وانتهت بانتصار الحلفاء، وظنَّ الناس أنهم سيأمنون من الخوف الداخلي ومن الخوف الخارجي جميعًا، ولكن المستر تشرشل يتحدث في دائرته الانتخابية فيقول إنه يرجو أن يزال الخوف الخارجي بما يقرر من تنظيم السلم، ولكن هناك خوفًا داخليًّا لا يدري كيف يُزال.
والواقع أننا لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من هذا الخوف الداخلي ما زال بعيدًا، بل لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من الخوف الخارجي ما زال بعيدًا على رغم ما يُتخَذ من إجراء لإنشاء مجلس الأمن وتنظيم السلم في العالم الجديد.
وقد وضع باسكال — الكاتب الفرنسي المعروف — هذه المسألة في وضعها الطبيعي منذ ثلاثة قرون، حين تمنى في الجملة التي ذكَّرنا بها إدوارد هريو منذ حين أن يتحقق التوازن بين العدل والقوة، بحيث يقوى العدل فلا يطمع فيه الباغون، وأن تُبدَّل القوة فلا تبطش بالضعفاء الذين لا يجدون من يحميهم من البطش والعدوان.
وما دامت الإنسانية لم تُوفَّق إلى تحقيق هذا التوازن بين القوة والعدل، ولم تُوفَّق إلى أن تلطف القوة بشيء من العدل وتؤيد العدل بفضل من القوة، فسيبغي بعض الناس على بعض، وسيذوق بعض الناس بأس بعض، وسيجد الظلم الداخلي والخارجي في حياة الناس مرتعًا خصيبًا.
وهل من الحق أن ما يتخذ من إجراء لتنظيم السلم سيحقق الأمن من الخوف الخارجي؟! أمَّا أنا فأشك في ذلك أشدَّ الشك؛ لأن الأمن من عدوان بعض الشعوب على بعض لن يتحقق إلَّا إذا كانت المساواة الصحيحة بين الشعوب دون تفريق بين القوي منها والضعيف، والغني منها والفقير، والصغير منها والكبير، والمتقدم منها في الحضارة والذي لم يأخذ منها إلَّا بحظٍّ يسير. وهذا شيء لم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تحققه، ولم يستطع مؤتمر سان فرنسيسكو أن يحققه، وما دامت هناك دول عظيمة تستأثر بالقوة والبأس، ودول صغيرة لا تستطيع أن تدفع عن نفسها العدوان؛ فستظل أشباح الخوف الخارجي ماثلة وراء الأفق تتراءى كلما خطر لها أن تزعج الناس.
وقد عجزت عصبة الأمم الماضية عن أن تَقِي بعض الدول الكبرى شر بعض، وكل ما يمكن أن يبلغه مؤتمر سان فرنسيسكو وما سينشأ عنه من المؤسسات هو أن يحقق ما لم تستطع عصبة الأمم تحقيقه، فتأمن الدول الكبرى من أن يعتدي بعضها على بعض.
ولست أدري أيتحقق هذا الغرض أم تتقطع دونه الأسباب؟ فأمَّا الدول الصغرى والدول المتوسطة فأمرها إلى الله وإلى أنفسها، والحق عليهم أن ترسم لنفسها من الخطط ما يعصمها من الشر ويؤمنها من الكيد إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.
وقد تحدَّث إلينا المنتصرون حين كانوا يجاهدون في سبيل النصر بأنهم يريدون أن يؤمنوا الشعوب من العدوان، وأن يؤمنوا الأفراد من الظلم والجوع.
وظنَّ أصحاب القلوب السليمة أن النصر سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا، وسيحوِّل الدنيا إلى جنة كهذه الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين في الدار الآخرة. وقد تحقق النصر وانهارت الدكتاتوريات وظفرت الدول الديمقراطية بفوز عظيم، ولكن الشعوب ما زالت خائفة من عدوان الشعوب. ماذا أقول؟! بل ما زالت تشكو عدوان الشعوب وتصلى نار هذا العدوان. فأمَّا الأفراد فلم يفكر أحد في حمايتهم من الظلم والبطش، ولو في تأمينهم من الخوف أن تُطرَق عليهم الأبواب ليُؤخَذوا إلى حيث لا يعودون كما يقول مستر تشرشل.
وإذن؛ وإذن فالأمر يسير جدًّا، وهو أن في الأرض جنات يُتاح فيها النعيم الذي لا حدَّ له لجماعات من الناس ولأفراد من الناس أيضًا، ولكن هذه الجنات محرمة على غير أصحابها، مسوَّرة بهذه القوة الهائلة التي تتكون من الحديد والنار بالقياس إلى الشعوب، ومن القوانين وبأس الحكومات بالقياس إلى الأفراد.
يستطيع الشعب البريطاني أو الشعب الفرنسي أو الشعب الأمريكي أن ينعم بجنة الحرية التي يحميها بما له من قوة وبأس، ويرد عنها غيره من الشعوب إن أراد أن يدخلها أو يستظل بظلها، ولا عليه بعد ذلك أن تشقى شعوب أخرى بنار الظلم وعذاب الاستبداد. ويستطيع هذا الفرد أو ذاك من أصحاب الثراء أن ينعم في قصره المنيف وجنته الرائعة التي يحميها القانون وبأس الحكومة وسلطان القضاء، ولا عليه أن تتقطع أكباد الفقراء وتتمزق قلوبهم من البؤس والجوع والحرمان.
وإذا أردتَ الحق فقُلْ إن حياة الناس إلى الآن جنات محرمة ينعم بها الأقلون، وجحيم مهلك يشقى به الأكثرون. وليس من سبيل إلى أن تصبح الحياة جنة للناس جميعًا أو جحيمًا للناس جميعًا إلَّا يوم يصبح العدل ملكة من ملكات النفس الإنسانية ومقوِّمًا من مقوماتها.
وأظن أن الأمد بيننا وبين هذه الغاية ما زال بعيدًا.
Tag: Tyranny
-
سخرية …
حديث المساء: سخرية …
طه حسين
كوكب الشرق
٦ نوفمبر ١٩٣٣
كان هشام بن عبد الملك قد أسرف في ظلم ابن أخيه الوليد بن يزيد، وكان ولي عهده، حتى أزعجه عن
دار الخلافة، واضطره إلى أن يعيش في البادية عيشة أقرب إلى حياة الطريد الشريد، لا يصحبه إلا
نفر قليل من خدمه ومواليه الذين أذن لهم هشام في مصاحبته بعد مشقة وعسر.
وكان هشام قد قتَّر على ولي العهد في الرزق تقتيرًا شديدًا، وضرب أنصاره وأولياءه وألقاهم في
غيابات السجن، حتى كانت محنة الوليد في نفسه وفي أصفيائه منكرة قاسية.
فلما مرض هشام مرضه الذي مات فيه، وثقلت عليه العلة، طلب شيئًا من خزائن الدولة؛ فلم يجبه
الخازن إلى ما طلب إليه، فقال هشام: كأنما كنا خزَّانًا للوليد.
ثم مات هشام، وأُسلمت أمور الدولة وأموالها للوليد، فلم تبق في يده إلا زمنًا قصيرًا؛ لأن
الأمر نقل عنه في تلك المأساة التي يعرفها الناس.
وكذلك أنفق هشام أعوامًا وأعوامًا يضطهد الوليد، ويسرف عليه، ويهيئ لنقل ولاية العهد إلى
ابنه، فلم يبلغ من ذلك شيئًا، ولم يدركه الموت حتى أحس لذع الخيبة وألم الإخفاق، وعلم أنه لم
يزد على أن كان خازنًا للوليد.
وكان صدقي باشا شديدًا قاسيًا على زميله عبد الفتاح يحيى باشا: يُعرض عن نصحه، ولا يسمع
لرأيه، ولا يأبه لمعونته، ولا يُقدِّر مكانته منه في الوزارة، حتى إذا ضاق بما كان يجد من خلاف
عبد الفتاح باشا واعتداده بنفسه أخرجه من الوزارة إخراجًا، ولم يحفل باستقالته من حزب الشعب حين
استقال منه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة لم تبلغ العام وإذا صدقي باشا قد أُبعِد عن الوزارة،
وإذا عبد الفتاح يحيى باشا قد ارتقى إلى الوزارة.
وما هي إلا أيام أخرى حتى يلتمس صدقي باشا من أعضاء الحزب بعض ما يريد فيأبون عليه، وينصرفون
عنه، وإذا هو يشعر بلذعة الخيبة، وحسرة الإخفاق، وإذا هو يقول في نفسه ولأصفيائه: كأنما كنا
نبني لعبد الفتاح باشا يحيى.
ثم يطول الذل، ويثقل الحمل، وتفسد الأمور في السر والجهر، ويقسم بعض أعضاء الحزب ليخرجن الأعز
منها الأذل، وينتهي الأمر بصدقي باشا إلى أن يسعى إلى عبد الفتاح يحيى باشا ليبلغه أنه سيستقيل
من رياسة حزب الشعب، ثم ينصرف عنه، فيدعو مجلس إدارة الحزب وينبئهم بما كان بينه وبين نائبه،
ويعلن إليهم أنه مستقيل، وتبر يمين أولئك الذين أقسموا ليخرجن الأعز منها الأذل، ويعود الرجل
إلى داره، فيُلقي العصا، وتستقر به النوى، بعد رحلة طويلة جدًّا، شاقة جدًّا، في طريق عسيرة
جدًّا، ملتوية جدًّا، كان يقدر أنها ستنتهي به إلى الفوز والعز والمجد، فانتهت به إلى الخيبة
والذل والهوان، حتى على أقرب الناس إليه، وأعطف الناس عليه.
وأصبح ذلك الجبار العنيد الذي وثب ذات يوم يتحدى شعبًا بأسره، رجلًا هينًا يسيرًا لا يحفل به
أحد، ولا يفكر فيه أحد، ولا يحسب له أحد حسابًا! وما أعرف أن حياة سياسية ختمت بشرٍّ مما ختمت
به حياة هذا الرجل: ألغى دستورًا وأقام دستورًا، فرق برلمانًا وجمع برلمانًا، وفرض نفسه — وهو
رجل واحد — على شعب يتألف من الملايين أكثر من ثلاثة أعوام.
ثم انتهى به الأمر إلى حيث أصبح يدعو فلا يستجيب له أحد، ويأمر فلا يطيعه أحد، وينهى فلا يلقى
إلا هز الرءوس ورفع الأكتاف، ويسعى فلا يدري أيضع رجليه على أرض ثابتة مطمئنة، أم يضع رجليه على
أرض مزلزلة مضطربة توشك أن تزول، ويستيقظ فلا يسمع إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد، وينام
فلا يحلم إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد؛ أشباح مخيفة مروعة توقظه إذا نام، وتداعبه إذا
استيقظ، حتى يأخذه هذا النوم الثقيل الممض الذي لا راحة فيه ولا هدوء.
وكذلك ينتهي الغرور بالمغرورين، وكذلك ينتهي الطغيان بالطغاة، وكذلك يختم العدوان سيرة
المعتدين، وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وعلى أمثاله من الضعفاء والأقوياء أبلغ الدروس
وأقساها، فتنبئهم بأن الفرد ضعيف مهما يُسرف في القوة، ويُغرق في البطش، ويغل في العدوان؛ لأنه
فرد لا أكثر ولا أقل، وأن الشعب قوي مهما يتسلط عليه المتسلطون، عزيز مهما يحاول إذلاله
المذلون؛ لأنه شعب وكفى، لأن حياته أطول من حياة الفرد، لأن حياته أوسع من حياة الفرد، لأن قوته
أبقى على الزمن من قوة الفرد، لأنه متصل بالتاريخ الذي مضى، متصل بالتاريخ الذي سيأتي، جامع بين
ما في الماضي والحاضر والمستقبل من أسباب الحياة والقوة والبقاء.
وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وأمثاله من الطغاة والقساة أبلغ الدروس، وأقوم العظات،
فتنبئهم بأن الذين يظلمون الشعوب يجنون على أنفسهم أكثر مما يجنون على أممهم؛ لأن بقاء الشعوب
وقوتها، وأملها في المستقبل، واعتزازها بالماضي، كل ذلك يمنحها من القوة ما يُمكِّنها من
الاحتمال، وما يُمكِّنها من المقاومة، وما يكفل لها الانتصار والفوز، على حين لا يجد الظالمون
من ماضيهم عزاءً، ولا في مستقبلهم رجاءً، ولا في حاضرهم واقيًا من هذا السخط الشعبي العنيف
العام الشامل، الذي هو مظهر من مظاهر سخط الله.
ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا في داره، بعد أن تخلى عنه كل شيء،
وتخلى هو عن كل شيء، وبعد أن أقام ما أقام، وشيد ما شيد، ثم تخلَّى عما أقام وشيد، أو تخلَّى
عنه ما أقام وما شيد؛ ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وبم تضطرب الخواطر في نفسه الكئيبة الحزينة: أن
للنفوس نظرات قوية حادة تخترق الحجب والأستار، وتبلغ ما في أعماق الضمائر وقرارات القلوب، وأن
الناس أرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا ليروا في نفسه معاني مظلمة قاتمة كأنها أشخاص الحزن
واليأس والندم!
إنه ليفكر في خيبة الآمل فتُحدِّثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من خيبة، بأنه طمع فيما لا
مطمع فيه، وسعى إلى ما لا يُمكن أن يُنال. إنه سيفكر في قوم أحسن إليهم فأساءوا إليه، ورفق بهم
فقسوا عليه، وقدم إليهم الصنيعة فجزوه بالجحود، فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من
الجحود؛ لأنه حمل أصحابه هؤلاء على أن يسيئوا إلى قوم أحسنوا إليهم، ويجحدوا قومًا قدَّموا
إليهم المعروف، فهو الذي أغراهم بما يلقى منهم اليوم.
إنه ليفكر في قومٍ تولوا الحكم كرامًا، وخرجوا من الحكم كرامًا، وثبتوا لألوان الظلم والقهر
وضروب العنف والعسف، فلم تزدهم المحن على إلحاحها واشتدادها إلا عزة وكرامة وارتفاع شأن، لم
تتخل عنهم أحزابهم، ولم يتخلوا هم عن أحزابهم، لم ينصرف عنهم الناس ولم ينصرفوا هم عن الناس،
إنما أحسوا من أحزابهم حبًّا وتأييدًا، وأحسوا من الناس إكبارًا وإعظامًا؛ فمضوا في طريقهم
أُباة للضيم، وحماةً للمجد، حراصًا على خدمة الشعب، سعداء بثقة الشعب بهم، وتأييد الشعب لهم،
واستعداد الشعب لفدائهم بالأنفس والأموال.
فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما يحس من لذع الآلام، وحسرة الخذلان، ومضاضة العزلة، وعما
يشعر به من أن أحدًا لا يفكر فيه، ومن أنه لا يستطيع أن يفكر في أحد؛ لأنه سلك طريقًا لا تحبها
الشعوب ولا ترضاها، وسار سيرة لا تطمئن إليها الأمم، ولا تثق بأصحابها، ولم يدع رجلًا خليقًا
بالوفاء وشكر الجميل إلا اصطنع عنده ما لا يدعو إلى وفاء، ولا إلى شكر جميل، ولم يدع رجلًا
خليقًا بالجحود والعقوق إلا اصطنع عنده المعروف، وأهدى إليه الإحسان، ولأنه آمن بنفسه أكثر مما
ينبغي أن يؤمن الناس بأنفسهم، واطمأن إلى غيره أكثر مما ينبغي أن يطمئن الناس إلى غيرهم، ووثق
بالأجنبي أكثر مما ينبغي أن يثق الناس بالأجنبي، وأسلم نفسه للحظ أكثر مما ينبغي أن يسلم الناس
أنفسهم للحظ.
فهو خليقٌ أن يجني ما جنى، وهو خليق أن ينتهي إلى ما انتهى إليه، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
ألف حزبًا عماده الحكم، فتخلى عنه هذا الحزب حين تخلى عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
أقبل على الحكم مناهضًا للشعب، فلم يحفل به الشعب حين أدبر عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان
قد أقام حياته السياسية على المداورات والمناورات، وعلى الأثرة وحب النفس، فانتهى من المداورات
والمناورات إلى العجز والانقطاع، وانتهى من الأثرة وحب النفس إلى أن فقد حب الناس له وعطفهم
عليه.
ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم هذا الرجل ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وكيف يشقى
هذا الرجل، وكيف يجني هذا الرجل ثمرة ما قدم إلى نفسه وإلى مواطنيه!
إن في هذا كله لعظة لو أن الناس يتعظون، وعبرة لو أن الناس يعتبرون، ولكن أمثال صدقي باشا في
الناس كثيرون يغرهم الغرور، وتدعوهم المغامرة فيمضون فيها لا يفكرون ولا يُقدِّرون، حتى تنتهي
بهم إلى هذه العاقبة القاسية.
والغريب أن أمثال صدقي باشا لا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يقدم كل واحد منهم وكأن الأيام لم
تُلقِ الدروس، ولم تُقدِّم العظات، وكأن الطغاة لم يلقوا عاقبة الطغيان، وكأن المغرورين لم
يبوءوا بعاقبة الغرور. إنما الشعوب وحدها هي التي تستفيد من هذه العظات، وهي التي تنتفع بهذه
العبر؛ لأنها تنظر فترى أنها أعظم قوة، وأقدر على المقاومة والبقاء والفوز من الفرد مهما يكن،
ومهما يعظم سلطانه، ومهما تواته الظروف.
ترى ذلك فتعتز به وتتعزى، وتستزيد به من إيمانها بنفسها، وحرصها على حقها، ومقاومتها للطغاة
والظالمين، فإذا كان أمثال صدقي باشا من المصريين لا يتعظون بموعظة صدقي باشا؛ فإن الأمة
المصرية كلها متعظة بهذه الموعظة، متحدية الذين سيسيرون سيرة صدقي باشا، كما تحدت صدقي من قبل،
واثقةً بأنها ستفوز عليهم كما فازت على صدقي باشا الآن.