Tag: Violence

  • رخص الحياة …

    رخص الحياة …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٣ نوفمبر ١٩٥٤

    لم تَهُن الحياة على الناس كما تهون عليهم في هذه الأيام؛ فقديمًا عرف الناس الحرب وأجرَوْا دماءهم غزارًا في سبيل الحق حينًا وفي سبيل الباطل أحيانًا. وقديمًا عرف الناس المكر والكيد كما عرفوا البغي والعُدوان، وقتل بعضهم بعضًا جهرًا مرة وغيلة مرارًا. ولكنهم كانوا يُقدِمُون على ما كانوا يُقدِمُون عليه من ذلك في كثير من التحرُّج قبل أن يُقدِموا، وفي كثير من الندم والروع بعد أن يُتِمُّوا ما أقدموا عليه.

    كانت الحياة الإنسانية شيئًا له خطره؛ فقد سَنَّتْهَا الديانات، وعرفت حرمتها القوانين، ورعتها الأخلاق، وعظَّم أمرَها المعتدون عليها أنفسهم، فكانوا يرون أنهم حين يجترئون عليها إنما يقترفون إثمًا عظيمًا؛ لأنه من الآثام التي لا سبيل إلى تداركها.

    فقد أُتيح للإنسان أن يُصلح كثيرًا من خطئه، ويتدارك كثيرًا من ذنوبه، ويمحو بالإحسان آثار الإساءة. ولكن شيئًا واحدًا لم يُتَحْ له: وهو أن يَرُدَّ الحياة إلى من حُرِمَ الحياة. فكان القتل خطأ أو عمدًا من الشر العظيم الذي يروع الإنسان ويملأ قلبه ذعرًا وروعًا وندمًا وإنكارًا.

    وكان الناس يتحدَّثون فيكثرون الحديث عن المجرمين الذين يستحبون القتل ولا يحسون عليه بعد اقترافه ندمًا، ولا يُحِسُّونَ منه قبل اقترافه رهبةً أو خوفًا.

    كانوا يرونهم شذاذًا قد أفلتوا من قوانين الطبيعة الإنسانية التي تكبر الحياة الإنسانية، وتعظم الاعتداء عليها عن عمدٍ أو خطأ. وربما دفع بعض الناس إلى شيء من الإمعان في إكبار الحياة حتى تجاوزوا بها حياة الإنسان إلى حياة الحيوان نفسه، يرون أن الحياة جذوة مقدسة لا يجرؤ على إطفائها إلا الذين برِئوا من شعور الرفق والرحمة والبر والحنان. فحرَّموا على أنفسهم أشياء استباحها غيرهم من الناس، يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم دهرهم كله أو يُحَرِّمُون ذلك على أنفسهم وقتًا معلومًا بين حين وحين.

    ولأمرٍ ما أمعن أبو العلاء فيما أمعن فيه من الزُّهد، حتى أنفق أكثر حياته لا يطعم إلا ما تُنبت الأرض. ولأمر ما رأى قتْل الحيوان جبنًا، ورأى فيه دليلًا على ضِعَة النفس التي تدفع الاستعلاء على الضعف والبغي على ما لا يملِك أن يدفع عن نفسه البغي والعدوان. وقد تحدَّث الذين ترجموا له أنه مرِض مرة وألح عليه المرض حتى اضطَره إلى ضعف شديد، فوصف الطبيب له أكل الدجاج، وامتنع هو على الطبيب وعلى الذين كانوا يمرضونه. فلما اشتد عليه إلحاحهم أذعن لما أُريدَ عليه وقُدمت إليه دجاجة، فلم يكد يمسها حتى أخذته رِعدة شديدة، فانصرف عنها وهو يقول لها: «استضعفوك فوصفوك، هلَّا وصفوا شبل الأسد!»

    يريد أن الدجاجة لا تستطيع أن تمتنع على من يريدها؛ فالناس يطمعون فيها ويصفونها للمرضى، على حين يَمنع الأسد شبله، فلا يطمع فيه طامع ولا يصِفه طبيب لمريض. ولأمرٍ ما قال أبو العلاء فيما قال هذا الشعر الرائع في تحريم الحيوان على الإنسان، فعرَّض نفسه لشر عظيم من غضب السلطان:

    غدوت مريض العقل والدين فالقَنِي لتسمع أنباء الأمور الصحائح

    فلا تأكلنْ ما أخرج البحر ظالمًا ولا تبغِ قوتًا من غريض الذبائح

    ولا بَيْضَ أُمَّاتٍ أرادت صريحة لأطفالها دون الغواني الصرائح

    ولا تفجعنَّ الطير وهي غوافل بما وضعت، فالظلم شر القبائح

    ودع ضرب النحل الذي بكرت له كواسب من أزهار نَبْتٍ فوائح

    فما أحرزته كي يكون لغيرها ولا جمعته للندى والمنائح

    مسحت يدي من كل هذا فليتني أبهت لشأني قبل شيب المسائح

    فأبو العلاء — كما ترى — يحرج على نفسه ويريد أن يحرج على غيره أكل الحيوان، وما يُخرجه الحيوان؛ حتى الشُّهد الذي تخرجه النحل، يرى ذلك ظلمًا وبغيًا، ويخالف بذلك ما أباحت الديانات السماوية للناس من هذا كله. وقد انتهى شعره هذا إلى مصر فناظره فيه داعي دعاة الفاطميين، وكاد الأمر ينتهي به إلى العطب.

    وتقديس الحياة الإنسانية هو الذي دعا الناس إلى إكبار الموت وما بعد الموت، وهو الذي دعا الناس إلى إعظام حرمة الجنائز مهما تكُن. وقد رُوي أن جنازةً مرَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، فقام لها وقام أصحابه لقيامه، ثُمَّ قيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟!»

    وتقديس الحياة كذلك هو الذي دفع إلى ما شاع في هذا العصر الحديث من إنكار عقوبة الإعدام مهما تكُن جريمة من يُقضى عليه بهذه العقوبة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحياة أعظم خطرًا وأكبر حرمة من أن يستبيح الإنسان لنفسه سلبها، ويرون أن الحياة شيء لا يستطع الإنسان أن يمنحه، فلا ينبغي له أن يسلبه، وإنما يَسلُب الحياة من منح الحياة.

    وكذلك أمعن الناس في تقديس الحياة، وفي إنكار البطش بها والاعتداء عليها. وما زال أمر الله قائمًا بتحريم الحياة إلا بحقِّها، وما زالت القوانين تُحرِّم الاعتداء على الحياة وتعاقب عليه أشد العقوبة وأصرمها. ولكن الدين والقوانين شيءٌ وما دُفع الناس إليه في حياتهم الحديثة شيءٌ آخر، وليس من شك في أن الناس لم يعرفوا قط عصرًا هانت فيه حياة الناس على الناس كهذا العصر الذي نعيش فيه.

    تخالف الدول عن أمر الدين والقوانين فتُقْدِمُ على الحرب المنكَرة التي لا تعرف لحياة الأفراد والجماعات حرمة، ولا ترجو للدين ولا القوانين ولا للأخلاق وقارًا، ولا تُفَرِّقُ بين الجند المسلحين المشاركين فيها والعُزل الوادعين الذين لا يريدون حربًا ولا قتالًا، ولا يتمنون إلا أن يعيشوا في دَعة وسعة، يحتملون أعباء الحياة ما خَفَّ منها وما ثقل، لا يؤذون أحدًا ولا يحبون أن يريدهم أحد بالأذى. وإغراق الحرب الحديثة في الإثم واستهانتها بالحياة واستخفافها بالمُقَدَّسَات وإشاعتها للموت والهول بغير حساب؛ كل ذلك أهدر قيمة الحياة أثناء الحرب وأهدر قيمة الحياة أثناء السلم أيضًا.

    وما دام السلطان نفسه يستبيح الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع، فلا على الأفراد ولا على الجماعات أن يستبيحوا الخروج على الدين والقوانين في سبيل المنافع والمطامع أيضًا. وما دامت الدول المتحضِّرة التي بلغت أقصى ما كان الإنسان يستطيع أن يبلغ من الرُّقِيِّ إلى الآن، تستبيح لنفسها أن تزهق النفوس وتسفك الدماء بغير حساب؛ لتكسب المال وتبسط السلطان. فلا على الأفراد والجماعات أن يصنعوا صنيعها ويسيروا سيرتها، ويزهق النفوس ويسفك الدماء في سبيل المنافع القريبة والمطامع اليسيرة. والناس يُحصُون صرعى الحربين العالميتين بالملايين، ويُحصُون صرعى الثورات الأوروبية بين الحربين بالمئات والألوف، ويُحصُون صرعى الاستعمار بعشرات الألوف ومئاتها. وهذه الضحايا الكثيرة لا يُضحَّى بها من خطأ ولا يُضحَّى بها في سبيل الحق بالعدل. وإنما يُضحى بها عن عمد وعن استجابة للبغي والطغيان، وفي غير تحرُّج ولا تحفُّظ ولا احتياط.

    وقد قرأت في إحدى الصحف الفرنسية التي وصلت إليَّ من باريس في هذه الأيام الأخيرة، أن الفرنسيين قتلوا من أهل الجزائر سنة ١٩٤٥ بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، عددًا ضخمًا يبلغ المقللون له خمسة عشر ألفًا، ويبلغ المكثِرون له أربعين ألفًا، واللهُ يعلم كم يقتل الفرنسيون من الجزائريين في ثورتهم هذه القائمة، وكم قتلوا من التونسيين والمراكشيين، وكم يقتلون منهم أثناء هذا الصراع المتصل بين قوم يريدون أن يعيشوا كرامًا، وآخرين يريدون أن يستذلُّوهم ويتخذوهم رقيقًا بعد أن ألغت الحضارة الحديثة الرق فيما يقول أصحابها. وضحايا الاستعمار في الهند الصينية من المستعمرين والمناهضين لهم لا يُحْصَوْنَ بعشرات الألوف، وإنما يُحْصَوْنَ بمئاتها. ومن يدري كم كان عدد الذين ضحى بهم الاستعمار الإنجليزي في شرق الأرض وغربها منذ انقضت الحرب العالمية الثانية إلى الآن.

    وأنت لا تقرأ صحيفة في الصباح أو في المساء إلا رأيت فيها حديث الموت الذي يصب في إيران على الذين لا يعجبهم ما كان من الاتفاق على استغلال آبار البترول؛ فقد أصبحت حياة الإنسان في هذا العصر أهون شأنًا وأقل خطرًا ممَّا تُخرج الأرض من ثمراتها الحية والميتة. فإذا شخَّصت هذا العصر بأنه عصر الحياة الإنسانية الرخيصة والمنافع الإنسانية الغالية، أو بأنه عصر الدمِ الإنساني الذي لا تبلغ قيمته قيمة البترول الذي يبسط السلطان ويدر المال؛ فلست غاليًا ولا متجاوزًا للحق.

    وكنت أفكر في هذا كله منذ وقت طويل، وأحمد الله الذي لا يُحمد على المكروه سواه، وأقول لنفسي ولكثير من الناس إننا ما زلنا في عافية ممَّا يُمتحَن به غيرنا من رخص الحياة الإنسانية وغلاء المال والمنافع والمطامع على حقارتها.

    ولكن الحضارة الحديثة قد ألغت المسافات والآماد، وقاربت بين الناس على ما يكون بينهم من تباعُد الأقطار والديار. وقد كُنَّا نرى ذلك خيرًا ونعُده رقيًّا ودنوًّا إلى توحيد العالم أو تخفيف ما بينه من الفروق، وإلى جمع الناس على كلمة سواء وتطهير قلوبهم من الضغن وتخليص نفوسهم من البغي، وتمكينهم من أن يعيشوا إخوانًا، يعيشون على ما أباح الله لهم من طيِّبات الحياة دون أن يستغل بعضهم بعضًا، أو يستذل بعضهم بعضًا، أو يستعلي بعضهم على بعض، أو يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.

    فقد تبين أنَّا كُنَّا نخدع أنفسنا، ونطمع في غير مطمع، ونتمنى ما لم يَؤُنْ أوان تحقيقه بعدُ. وتبيَّنَّا أن الشر يغري بالشر، وأن النكر يدعو إلى النكر، وأن الموت يرغب في الموت.

    ونحن نصبح ذات يوم، فإذا الهول يتكشف لنا كأشنع ما يكون الهول، وإذا بعض المصريين يمكرون ببعض، وإذا الموت يريد أن يتسلَّط على مصر كما تَسَلَّطَ على كثير غيرها من أقطار الأرض. وإذا كل واحد منَّا كان آمنًا أمن الغفلة الغافلة، يظن أنه لن يتعرض إلا لما يتعرض له الناس الآمنون من هذه الآفات التي لا يسلطها الإنسان على الإنسان، وإنما تسلطها الطبيعة على الحياة. إنَّا كنَّا غافلين حقًّا، خدعَنا ما عرفناه عن وطننا هذا الوادع الهادئ الكريم، الذي لا يحب العنف ولا يألفه ولا يحب أن يبلغ أرضه، فضلًا عن أن يستقر فيها. ولِمَ لا؟ ألم نشهد منذ عامين اثنين ثورة يشبها الجيش وفي يده من وسائل البأس والبطش ما يُغري بإزهاق النفوس وسفك الدماء، ولكنه يملك نفسه ويملك يده، فلا يزهق نفسًا ولا يسفك دمًا، ولا يأتي من الشدة إلا ما يمكن تدارُكه، ولا يجرح إلا وهو قادر على أن يرفق. وإذا ثورتنا فذة بين الثورات، لا تأتي من الأمر ما لا سبيل إلى إصلاحه غدًا أو بعد غد.

    كل هذا لأن مصر لا تحب العنف ولا تألَفه، ولأن نفوس أهلها نقية نقاء جوها، صافية صفاء سمائها، مشرقة إشراق شمسها، تسعى في طريقها مطمئنَّةً كما يسعى نيلها مطمئنًّا ناشرًا للخصب والنعيم من حوله، تضطرب فيها الضغائن والأحقاد بين حين وحين. ولكنها لا تلبث أن تثوب إلى العافية كما تثور فيها الرياح فتملأ الجو غبارًا، ثم لا تلبث أن تعود إلى الهدوء الهادئ المطمئن.

    كذلك عرفنا مصر في عصورها المختلفة، وكذلك رأيناها حين ثار جيشها منذ عامين فأخرج الطاغية، لكنه أخرجه موفورًا يحيا كما يحب أن يحيا، مكفوف الأذى عن مصر لم يؤذِ نفسه قليلًا ولا كثيرًا.

    واشتد على بعض أبنائها شدة يمكن أن يتداركها باللِّين في يوم من أيام الصفو هذه التي تعرف كيف تملأ قلوب المصريين حبًّا ودعة وأمنًا وسلامًا. ولكننا نصبح ذات يوم فنستكشف أن فريقًا منَّا كانوا يهيئون الموت والهول والنُّكر لإخوانهم في الحياة التي يُقَدِّسُهَا الدين كما لا يُقَدِّسُ شيئًا آخر غيرها من أمور الناس.

    ما هذه الأسلحة؟ وما هذه الذخيرة التي تُدَّخَرُ في بيوت الأحياء وفي قبور الموتى؟ ما هذا المكر الذي يُمكر؟ وما هذه الخطط التي تُدبَّر؟ وما هذا الكيد الذي يُكاد؟ لمَ كل هذا الشر ولمَ كل هذا النكر؟ ولمَ رخصت حياة المصريين على المصريين كما رخصت حياة الجزائريين والمراكشيين والتونسيين على الفرنسيين؟ وكما رخصت حياة الأفريقيين والآسيويين على الإنجليز؟

    يقال إن حياة المصريين إنما رخصت على المصريين بأمر الإسلام الذي لم يحرم شيئًا كما حرم القتل، ولم يأمر بشيء كما أمر بالتعاون على البر والتقوى، ولم يَنْهَ عن شيء كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان، ولم يُرغب في شيء كما رغَّب في العدل والإحسان والبر، ولم يُنَفِّرْ من شيء كما نفَّر من الفحشاء والمنكر والبغي.

    هيهات أن الإسلام لا يأمر بادِّخار الموت للمسلمين، وإنما يعصم دماء المسلمين متى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويرى قتل النفس البريئة من أكبر الإثم وأبشع الجرم، وإنما هي العدوى المنكرة جاء بعضها من أعماق التاريخ وأقبل بعضها الآخر من جهات الأرض الأربع التي تُستحل فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء بغير الحق، ويُستحب فيها الموت لأيسر الأمر.

    جاء بعضها من أعماق التاريخ، من أولئك الذين قال فيهم رسول الله ﷺ إنهم يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، والذين كان أيسر شيء عليهم أن يستبيحوا دماء المسلمين مهما تكن منازلهم في الإسلام، وأن يتحرجوا فيما عدا ذلك تَحرُّج الحمقى لا تَحرُّج الذين يتدبرون ويتفكرون ويعرفون ما يأتون وما يدعون، وجاءهم بعضها الآخر من هذا الشر المحيط الذي ملأ الأرض ظلمًا وفسادًا، من هذا القتل المتصل في الحروب يثيرها بعض الأقوياء على بعض، وفي البطش يصبُّه الأقوياء على الضعفاء في البلاد المستعمرة التي يريد أهلها الحرية، ويأبى المتسلطون عليها إلا الخضوع والإذعان والسمع والطاعة، يفرضون ذلك عليها بالحديد والنار.

    وأنباء هذا الشر المحيط تملأ الجو من طريق الراديو، وتملأ القلوب والعقول من طريق الصحف، وتثير في نفوس الأخيار حزنًا ولوعة، وفي نفوس غيرهم ميلًا إلى الشر ورغبة فيه وتهالكًا عليه.

    لم يأتِ هذا الشر الذي تشقى به مصر الآن من طبيعة المصريين لأنها في نفسها خيرة، ولا من طبيعة الإسلام لأنه أسمح وأطهر من ذلك، وإنما جاء من هذه العدوى.

    والخير كل الخير هو أن نطب لهذا الوباء كما نطب لغيره من الأوبئة التي تجتاح الشعوب بين حين وحين، وقد تعلَّم الناس كيف يطبون للأوبئة التي تجتاح الأجسام وتدفعها إلى الموت دفعًا. فمتى يتعلَّمون الطب لهذا الوباء الذي يجتاح النفوس والقلوب والعقول، فيُغريها بالشر ويدفعها إلى نشره وإذاعته، ويملأ الأرض بها فسادًا وجورًا.

    بهذا يأمر الله عز وجل في القرآن العزيز حين يقول في الآية الكريمة: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).

  • دروس غاندي …

    دروس غاندي …

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٦ فبراير ١٩٤٨

    وما أكثر ما أُلقي على الإنسانية من دروس! وما أكثر ما يسيء المتشائمون ظنهم بما كان لهذه الدروس من نتائج! فهم يرون الشر عظيمًا، والإثم مسيطرًا، والبغي باسطًا سلطانه على حياة الأفراد والجماعات، فيسرعون إلى التشاؤم، ويسرفون في سوء الظن، ويملئون الدنيا بكاء وعويلًا ورثاء لهذه الإنسانية البائسة اليائسة التي لا تنفعها الذكرى، ولا تصلحها الموعظة، ولا تُنقِّي ضمائرها العِبَر، وإنما تتلقى نُبوَّة الأنبياء وحكمة الحكماء وهداية الهُداة ثم تمضي في طريقها إلى الشر كأنها لم تتلقَّ شيئًا!

    واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتشائمين وفلسفتهم، فستظلم نفسك لما تقرأ، وسترى أن الدنيا إنما هي بيئة منكرة للشر والإثم والبغي والعدوان … واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتفائلين وفلسفتهم؛ فسترى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن الشر الذي يعرض للناس في حياتهم العامة، أو في حياتهم الخاصة، ليس إلا عارضًا، إن ثقل الآن فقد يَخفُّ غدًا، وأن الحياة منتهية بالناس في يوم قريب أو بعيد إلى أرض يملؤها العدل بعد أن ملأها الجور، ويشيع فيها الخير بعد أن سيطر عليها الشر!

    وانظر حولك فسترى شرًّا كثيرًا: تراه فيما بينك وبين نفسك حين تصارع غرائزك، وحين تسعى إلى منافعك، وحين لا تفكر في الخير الخالص إلا قليلًا، وتراه فيما بينك وبين نظرائك حين يكون التزاحم على المنافع، والاستباق إلى المآرب واقتراف الآثار الخطيرة لتحقيق الآمال اليسيرة … وتراه فيما بينك وبين السلطان حين يكون الظلم والبغي والطغيان، وحين يكون الاحتيال لمخالفة القوانين والمكر برجال الدولة، ومحاولة الإفلات من النظام … وتراه فيما بين الشعوب والدول حين يمكر بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويهيئ بعضها لبعض أسباب الحرب يَفتنُّ فيها ما وسعه الافتنان!

    ترى هذا كله فتتأثر بتشاؤم المتشائمين، وتسخر من تفاؤل المتفائلين، وتسأل عن حياة الناس: ما قيمتها؟ وما حكمتها؟ وما غايتها؟ وتقف حائرًا مضطربًا تنتظر الجواب على هذا السؤال دون أن تظفر به أو تنتهي إليه!

    ولقد تحدث إليَّ صديق بالتليفون فأسأله عن حاله، كما يفعل الناس حين يستأنفون الحديث، فيجيبني: حالي حال اليائس الذي يرى كيف تُقتل فكرة في لحظة قصيرة! أعرفت مصرع غاندي؟! فأجيبه أن الأفكار لا تُقتل يا سيدي، قل: إن غاندي قد قُتل، ولكن حكمة غاندي ودرسه وفلسفته وأثره لا يمكن أن تُقتل، ولا يُدركها الموت.

    وقد كان غاندي في الثامنة والسبعين من عمره، وكان من الممكن أن يخترمه الموت قبل هذه السن، وكان من الممكن أن يخترمه الموت في بعض صدمة، وقد زعم أطباؤه وزعم هو أن قد كان من الممكن أن يعيش حتى يتجاوز المائة بأعوام تقصر أو تطول، ولكن المنية لا تشاور ولا تؤامر، وإنما تُلمُّ متى أرادت، ومتى أراد القضاء لها أن تلم؛ فقد عدا عادٍ على غاندي فقتله، وأحزن عليه مواطنيه جميعًا، وأحزن عليه كثيرًا من غير مواطنيه … أحزن عليه الذين يقدرون صفاء النفوس وجمال الروح، والطموح المتصل إلى المُثل العليا، والدعوة المتصلة إلى الخير الخالص؛ فقد كان لهذا كله أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث.

    وأبلغ الحزن على غاندي أو أبلغ التقدير له هو أن تنتفع الإنسانية بالدرس القيِّم الذي ألقاه، والموعظة البالغة التي أشاعها … والإنسانية منتفعة بهذه الموعظة وذلك الدرس في غير شك، سواء أرادت أم لم ترد، وسواء تشاءم المتشائمون أو تفاءل المتفائلون؛ فأخص ما تمتاز به الحكمة أنها خالدة لا تموت، وأنها مُصيبةٌ حيث بلغت، ومنتجة حيث استقرت، وأخص ما تمتاز به الفكرة أنها تَقهر ولا تُقهر، وأن سلطانها ينمو ويتسع في غير تناقص ولا تضاؤل ولا ذبول.

    وأبلغ درس ألقاه غاندي على الإنسانية المعاصرة والمستقبلة هو هذا الإيمان الخالص الواثق العميق بالحرية، التي لا سبيل إلى أن يقهرها البغي، أو يضائل منها الطغيان، أو تغض منها القوة، مهما يكن البغي والطغيان والقوة! الحرية التي ثبتت للإمبراطورية البريطانية كلها، فلم تبلغ الإمبراطورية البريطانية كلها منها شيئًا! الحرية التي ثبتت لمئات الملايين من أهل الهند فلم تبلغ مئات الملايين منها شيئًا! الحرية التي ثبتت للطبيعة كلها فلم تبلغ الطبيعة كلها في الميدان الروحي منها شيئًا! الحرية التي قالت للإمبراطورية البريطانية: لن تحوليني عما أريد، فلم تستطع الإمبراطورية البريطانية أن تحولها عما تريد … والتي قالت لملايين الهند: لن تحوليني عن الطريق التي أسلكها، فلم تستطع ملايين الهند أن تحولها عن الطريق التي تسلكها … والتي قالت للطبيعة كلها بما فيها من صحة ومرض، ومن قوة وضعف، ومن حياة وموت، ومن رضا وسخط، ومن وفاق وخلاف، ومن إغراء وتخويف، ومن عذاب ونعيم: لن تستطيعي أن تصرفيني عن النهج الذي أنهجه، والغاية التي أسعى إليها، فلم تستطع الطبيعة كلها أن تصرفها عن نهجها أو غايتها.

    ودرس آخر ألقاه غاندي، ليس أقل من هذا الدرس بلاغة ولا إبلاغًا، وهو إيمانه بالضمير الإنساني، وبأن هذا الضمير مشترك بين الناس جميعًا، وبأنه من أجل ذلك يمكن أن يتنادى وأن يتداعى، وأن يبلغ بعضه عن بعض، ويتلقى بعضه عن بعض، ويتأثر بعضٌ ببعض … فهو لم يؤمن بحريته وحدها، وإنما آمن بحرية الناس جميعًا، وأنفق حياته مجاهدًا جهاده السلمي الوادع المطمئن ليشعر الناس بحريتهم، ويشيع فيهم الثقة بها، والإيمان لها، والاعتماد عليها … فهو كان يرى الناس كلهم قد خلقوا أحرارًا كما خُلق هو حرًّا، وإنما استشعر هو حريته وآمن لها ووثق بها؛ فيجب أن يستشعر الناس منها مثل ما استشعر، ويمنحوها مثل ما منحها من الثقة والإيمان.

    ودرس آخر ليس أقل بلاغة ولا إبلاغًا من هذين الدرسين، وهو إيمانه بأن الضمير الإنساني إنما يتنادى بالحب لا بالبغض، وبالأمن لا بالخوف، وبالسلم لا بالحرب، وبالإخاء لا بالعداء … فهو لا يُبصِّر الناس بحريتهم من طريق القسوة أو العنف أو الجبرية، وإنما يُشعر الناس بحبه لهم وبرِّه بهم وأمله فيهم، ويريد أن يكون لهذا كله صدًى في ضمائرهم يعود إلى ضميره فيكون الوفاق، ويكون الود، ويكون الإخاء، ويكون التعاون على الخير، ويكون الانتصار على الشر مهما تختلف صوره ومظاهره.

    فغاندي كان إذن أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث لحبِّ الإنسان للإنسان، وثقة الإنسان بالإنسان، والتفاؤل الذي لا ينشأ عن غفلة أو ضعف أو غرور، وإنما ينشأ عن معرفة وقوة وحسن تقدير … فإذا وعى الناس هذه الدروس، وسيعيها كثير منهم؛ فقد ضمن لغاندي ما ضمن للأنبياء والحكماء من الخلود الذي ينفع الناس ويرقى بهم إلى الخير.

  • تأجيل

    تأجيل
    وخرج[1] النظّارة من الملعب وهم يضحكون ويتساءلون، فقد كان في الملعب ما يضحك ويُلهي، وقد كان فيه ما يدعو إلى التساؤل ويحمل على الانتظار: تلميح بالاستقالة ثم تصريح، وإقدام على الاستقالة ثم إحجام، وإلحاح في الاستقالة ثم تردد، واستتار بالصحة واستشهاد بالأطباء، ثم تراجع على طول الخط واستقرار على الكرسي كأن لم يكن تلميح ولا تصريح، وكأن لم يكن إقدام ولا إحجام، وكأن لم يكن تحدٍّ ولا تصدٍّ، وكأن لم يكن عزم ولا تردد، وكأن الأمر يجري مطردًا كهيئته يوم سافر «رئيس الوزراء» معتزمًا أن يحكم غائبًا وحاضرًا، وأن يصرف الأمور معتلاً وصحيحًا.
    كل هذا أضحك النظّارة وألهاهم. وكل هذا دعا النظّارة إلى أن يتساءلوه: هل أُسدل الستار على الفصل الأخير؟ وهل سيرفع الستار عن فصل أو قصة أخرى؟ وهل يطول الانتظار لهذا الفصل أم يقصر هذا الانتظار؟
    ومهما تصدر صحيفة الوزارة ملحقاتها في ظلمة الليل، ومهما تنطلق ألسنة الوزارة وقد كانت معقودة، ومهما تنشط هذه الألسنة وقد كانت معقودة، فإن في الجو سحبًا متكاثفة يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، وكلها تهيب بالنظّارة ألا تتفرقوا، فإن وراء الستار ما وراءه، وإن رفع الستار ليس بالبعيد.
    وهذه السحب التي يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، لا تأتي من وجه واحد، وإنما تأتي من وجوه مختلفة، وأنحاء متباينة؛ تأتي من وراء البحر حيث يُنقل مندوب ويُرسل مندوب، وتأتي من شمال مصر حيث الخلاف بعد الوفاق، وحيث انتهاز الفرص وتربص الدوائر، وحيث الابتسام من ورائه العبوس، والابتهاج من ورائه الابتئاس، وتأتي من مصر كلها حيث ضيق النفوس ينتهي إلى أقصاه، وحرج الصدور يصل إلى غايته، وتأتي من «فرنسا» و«إيطاليا» حيث الإصرار على أن يُؤَدَّى الدين وأرباحه بالذهب لا بالورق.
    كل هذه سحب يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، ويصيح بالنظّارة أن انتظروا فإن وراء الستار شيئًا جديدًا، ويصيح بـ«رئيس الوزراء»: لقد حرصت على الحكم بعد أن أظهرت الزهد فيه، فهلم أقدم على الحكم إن كنت جريئًا فاحلل مشكلاته ومعضلاته، وانهض بأعبائه وأثقاله، واثبت لأوجاله وأهواله الآن كما ثبت لها منذ أعوام. وسينتظر الناس، وسيقدم «رئيس الوزراء»، وسيرى الناس أن انتظارهم لن يطول، وسيرى «رئيس الوزراء» أن إقدامه لن يمضي بعيدًا. وسيعلم «رئيس الوزراء» أن الأمر قد انفلت وانفلت حتى أصبح لا يستطيع جمعه إلا رجل له من القوة والنشاط، ومن الصبر والثبات، ومن حسن البلاء السياسي ما ليس لـ«رئيس الوزراء».
    هذه «الأهرام» قد حدثتنا أمس بحديث أكبرناه وأنكرناه، ورأينا أنه لا يمكن أن يكون صورة صحيحة لما صدر عن «رئيس الوزراء»، وانتظرنا أن يكذب هذا الحديث مع المساء تكذيبًا قاطعًا فلم يُكذَّب. وقلنا إن هذا الحديث إن لم يمحه التكذيب فسيجعل استقالة الوزارة أمرًا لا بد منه، ولا سبيل إلى الشك فيه. ولم يُكذَّب الحديث إلى الآن، وإنما أنكرته صحيفة الوزارة في خوف واستحياء. ولم يستقل «رئيس الوزراء» أمس، وإنما أعلن عدوله عن الاستقالة. ومع ذلك فمن زعم لك أن الأزمة قد انفرجت، وأن كل شيء حول الوزارة قد استقر، وأن الأمور ستجري منذ اليوم كما كانت تجري من قبل، فلا تؤمن له ولا تطمئن إليه، وثق بأنه خادع أو مخدوع.
    فإن للأشياء منطقًا مهما تفسده الأوضاع السياسية والظروف الطارئة إفسادًا موقوتًا، فهو الغالب على كل حال، وهو المنتصر آخر الأمر. ومنطق الأشياء هذا لا يسمح بأن يشير الوزراء المستقيلون قبل أن يُستشاروا، ولا بأن يقترح الوزراء المستقيلون أسماء الذين يرثونهم في الحكم ويخلفونهم عليه، ولا بأن يقسم الوزراء المستقيلون أمور السلطان، فيحفظون لأنفسهم نصفها، وينزلون لأصفيائهم عن نصفها الآخر. فإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» صحيحًا، وإذن فله نتيجة طبيعية محتومة هي استقالة «رئيس الوزراء» غدًا أو بعد غد، وإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» مختلقًا، لا أصل له، وإذن فلا بد من تكذيبه في حزم وعزم، وفي جزم وتأكيد، ولا بد من أن تحتمل «الأهرام» تبعة هذا التأكيد الذي يشكك الناس في أمور لا ينبغي أن تتعرض للشك أو الريب. وصمت «رئيس الوزراء» على هذا الحديث، واستحياء صحيفته في إنكار هذا الحديث، دليل يرجح أن «الأهرام» قد فكرت كثيرًا قبل أن تنشر ما أذاعته في الناس.
    والآن يقال إن الوزارة القائمة باقية، لا يصيبها تعديل، ولن يمسها تبديل، ونقول نحن إن بقاءها لن يطول، ولعله أن يكون أقصر جدًا مما يظن الأنصار والأعوان، ومما يرجو الخائفون والمذعورون، ولكن «رئيس الوزراء» قد أعلن بقاءه في الحكم؛ فمن حق الناس أن يطلبوا إليه ما يحتاجون إلى أن يطلبوه، وهم محتاجون إلى أن يطلبوا منه شيئًا كثيرًا، وإلى أن يتعجلوا إجابتَه إلى ما يطلبون.
    فهذا «وزير الداخلية» عاجز كل العجز عن ضبط الأمن وإقرار النظام، إما لأنه مريض قد طال مرضه وشق، وإما لأن ضبط الأمن وإقرار النظام يحتاجان إلى كفاية أخرى غير كفايته. ولعل «رئيس الوزراء» يعلم أنه بينما كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، ويبسط يدًا بالاستقالة ثم يقبضها، ويتراءى للناس حينًا مستقيلًا، وحينًا مقيمًا، كانت أمور الأمن تفسد فتسرف في الفساد. ولعل «رئيس الوزراء» قد أُلقي إليه أن يوم الجمعة الذي عدل فيه عن الاستقالة قد سجل فيما سجل من الأحداث العظام حدثين خليقين بالتفكير، وهما أهم وأعظم خطرًا من بقائه في الحكم أو نزوله عنه؛ وقع أحدهما في مركز «الصَّف»، قريبًا من القاهرة، وقتل فيه أربعة من المصريين، وجرح فيه أكثر من عشرين مصريًا، ووقع الآخر في أقصى الصعيد، هناك حيث تقوم معابد الفراعنة وآثارهم الخالدة، هناك قريبًا من «الأقصر» حيث تذهب الألوف من الأجانب لزيارة الآثار، اصطدمت قريتان في سوق من الأسواق، فكانت موقعة حربية هائلة، نشرت الصحف صباح اليوم أنباءها الأولى، فأحصت «الأهرام» خمسة وعشرين قتيلًا من المصريين، بينهم نفر من حماة الأمن، ولم تُحصِ الصحف عدد الجرحى بعد.
    فليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أهذا الأمر خليق بالعناية؟ أم هو لا يستحق التفكير؟ وليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أيهما أحق أن تُعنى به مصر وتحفل به: أهذه المداورات السياسية التي تجري من وراء ستار، ولا يكاد يعلم الناس من أمرها وسرها شيئًا؟ أم هذه الدماء المصرية التي تراق جهرة؟ وهذه اليد السوداء، يد الموت المظلم، التي تحصد في يوم واحد تسعة وعشرين من المصريين؟
    يجب أن تكون لله عز وجل حكمة يعجز الناس عن فهمها وتأويلها، فقوم في «الإسكندرية» يداورون ويناورون ليبقوا في الحكم أو ليعتزلوه، وقوم آخرون يبغي بعضهم على بعض ويتساقون كؤوس الموت. نحب أن يسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أي الأمرين أجدى على مصر: أن تستقر دماء الناس في عروقهم وتبقى لهم الحياة التي منحهم الله، أم أن تستقر فيهم وزارة عاجزة حتى عن أن تحمي بعضهم من بعض وتحفظ عليهم أيسر ما ينبغي لهم من الأمن والنظام؟
    لقد أعلن «رئيس الوزراء» أنه مقيم في الحكم إيثارًا لمصلحة مصر، وأنه مضحٍ في سبيل ذلك بصحته، فلينظر إذن «رئيس الوزراء» إلى هذه الدماء التي تراق فليحقنها، وإلى هذه النفوس التي تزهق فليعصمها، وليقم إذن «رئيس الوزراء» دليلًا على أنه آثر البقاء في الحكم وهو قادر فيه حقًّا؛ فإن الحكم في نفسه ليس غاية، ولا ينبغي أن يكون غاية. والأمة لا تفرح ولا تبتهج بأن ترى «رئيس الوزراء» قد أقام في الحكم، وإنما تريد الأمة من «رئيس الوزراء» — ما دام يفرض نفسه عليها فرضًا — أن يؤدي إليها أبسط ما يؤدي الوزراء للشعوب، فيحفظ عليها دماءها وأموالها، ويصونها من عبث العابثين والمعتدين.
    نرجو أن يكون لدى «رئيس الوزراء» من الصحة والنشاط والقدرة على ضبط الأمن ما يمكنه من أن يحول بين الأمة وبين الموت والخراب في هذه الأيام القليلة التي ستقضيها وزارته مستأثرة بالحكم، مسيطرة على تصريف الأمور.
    [1] كوكب الشرق في ٩-٩-١٩٣٣.

  • ثأر

    ثأر
    كان الاتحاديون ثملين بهذا الفوز الباهر الذي ظفروا به حين احتفلوا بوزير التقاليد مساء الخميس، فشربوا الشاي وسقوه، وسمعوا الكلام وألقوه فهضموا ما شربوا وما أكلوا وظلوا يعالجون ما سمعوا وما ألقوا، يهضمون بعضه على عسر، ويتردد بعضه الآخر في صدورهم وحلوقهم فلا يستطيعون أن يسيغوه.
    وكان الشعبيون موتورين من هذا الفوز الذي ظفر به الحزب الشقيق، لا يستطيعون أن يقروه ولا أن يذوقوه، ولا أن يغمضوا عليه العيون، فكانوا يهيئون حفلا بحفل وأكلا خيرا من أكل وشرابا خيرا من شراب. وكانوا يهيئون الخطب الطوال يلقيها الوزير وأنصار الوزير. كلام بكلام وطعام بطعام. وليل في سان استفانو بيوم في وندسور. وكانت هيئة الوزارة تقدر ما ظفرت به من الفوز على مكاتب الديلي تلغراف وهؤلاء الأغرار الذين ضحك من ذقونهم كما قال وزير التقاليد، وتقدر ما ستظفر به من الفوز على هؤلاء المعارضين الذين أعمت بصائرهم الشهوات والمصالح الخاصة كما قال وزير الزراعة. وفي أثناء هذا كله كانت دماء المصريين تسيل فتخضب الأرض المصرية، وكانت نفوس المصريين تزهق فتصعد في السماء. وكانت الأيدي المصرية هي التي تسفك الدم المصري وتزهق النفوس المصرية. وكانت ثورة الغضب والحنق قد انتهت بجماعة من المصريين إلى أقصاها. وكانت شياطين الإثم والإجرام قد ملكت على جماعة من المصريين قلوبهم فما تشعر، وعقولهم فما تفكر، وأيديهم فهي تطلق النار وتلعب بالسيف وتغمد الخناجر في الصدور، وتعمل العصي في تهشيم الرءوس، وتريق دماء المسلمين على بيت من بيوت الله.
    كان هذا يوم الجمعة إثر الصلاة، وحين كان الناس ينصرفون من هذا المكان الذي يجب أن تخرج منه النفوس طاهرة من كل رجس، مبرأة من كل إثم. كل هذا كان يوم الجمعة ولم يكن في دقيقة ولا في دقيقتين، ولم يكن في لحظة ولا في لحظات وإنما اتصل وقتا غير قصير وانتهكت فيه حرمات وقتل فيه طفل صغير بين ذراعي أمه التي كانت تحمله.
    كل هذا كان ولم يكن فجأة ولا مصادفة وإنما كان بعد أن قدمت بين يديه المقدمات وبعد أن هيئت له الوسائل وبعد أن أرصد له المرصدون. فقد يقال إن الثأر بين المختصمين قديم، وقد يقال إن مشاجرة كانت بين أفراد من المختصمين فأنذرت بالشر ونبهت إلى أن وقوع المكروه أمر ممكن.
    كل هذا كان يوم الجمعة واستحالت قرية من قرى مصر ليست بعيدة من العاصمة إلى ميدان من ميادين القتال التي لا يقتتل الناس فيها وجها لوجه، وإنما هي مؤشبة ملتوية يكمن فيها بعض الناس لبعض ويمكر فيها بعض الناس ببعض، ويرسل فيها بعض الناس إلى بعض الموت من حيث لا يرجونه، ولا ينتظرونه. وقد حدثتنا الصحف بأن قوما من أهل هذه القرية هجموا على دار من دورها فغلق أهل الدار أبوابهم فهمّ المهاجمون بكسر الباب واقتحامه، فلما شق عليهم ذلك عمدوا إلى جدار من جدران البيت ليهدموه، ثم اقتحموا الدار وقتلوا من فيها وجرحوا.
    وأحست ثلة الشرطة المرابطة في هذه القرية هذا الشر في أوله، أو في آخره أو في إبانه فهمت بقمعه فلم تجد إلى ذلك سبيلا. فاستعانت بالسلطة المركزية وأقبل المدد وقد قتل أربعة ونيف عدد الجرحى على العشرين. وأخذت النيابة منذ ذلك الوقت في التحقيق. ومن قبل ذلك اعتدت قرية في الصعيد، ومن قبل ذلك أو من بعده، لا أدري، التحمت قرية أخرى بقرية أخرى في الصعيد أيضا. وكان في كلتا الملحمتين صرعى، منهم القتلى ومنهم الجرحى. ومن قبل ذلك ومن بعده أنبأتنا الصحف بأن الناس يصرعون على الطريق العام أحيانا، وعلى أبواب دورهم أحيانا أخرى. وفي أثناء ذلك ينبئنا مكاتب للكوكب في بعض الأقاليم بأن ضابطا من ضباط الشرطة ضرب رجلا على رأسه فقضى عليه فمنحته الإدارة إجازة ليستريح أو ليفعل ماذا؟ لا أدري. فلو أنك تحدثت بهذا أو شيء منه إلى رجل من الناس عن بلد من البلاد لما شك هذا الرجل في أنك تحدثه عن بلد قد فسد فيه كل شيء، وساء فيه كل شيء، وهانت فيه على الناس دماؤهم ونفوسهم وحياتهم وحرماتهم. وأصبح من الحق على أولي الأمر فيه أن يبحثوا بحثا جادا، لا لاعبا، عن طريق يردون بها إلى الحياة والحرمات قيمتها، وإلى القانون والسلطان هيبتهما. ولعله لن يتردد في أن يسأل: وكيف لم تتخذ الحكومة في هذا البلد إجراءات استثنائية لحماية الأمن وصيانة النظام؟ فلابد من أن تكون الإجراءات القانونية العادية عاجزة عن ذلك، مقصرة عن بلوغه والوصول إليه. فإذا نبأت صاحبك بأن أهل هذا البلد لا يكادون ينفقون أياما حتى تنبئهم صحف الصباح بأن قنبلة قد انفجرت في حي من الأحياء، على طريق من الطرق الحديدية أو قرب دار من دور المصالح العامة لم يشك محدثك في أن الحياة في هذا البلد ليست شيئا يحب أو يرغب فيه. ومع ذلك فهذه حال مصر في هذه الأيام، تقع فيها كل هذه الحوادث، وتتصل فيها كل هذه الجرائم، ويتعرض أهلها لكل هذا الخطر ويخطب وزراؤها في وندسور حينا وفي سان استفانو حينا آخر فيذكرون ضحك الإنجليز من ذقون المصريين، ويذكرون إعماء الشهوات لبصائر المعارضين، ثم يركبون السفن إلى حيث يقضون صيفا سعيدا حلوا فيه لذة وراحة وفيه ترف ونعيم.
    ووزير داخليتنا – بشهادة مكاتب الديلي تلغراف الذي يرد عليه رئيس الوزراء ووزير الأوقاف، ووزير التقاليد ووزير الزراعة وأنصارهم. وزير داخليتنا هو أقوى الوزراء وأكفأ الوزراء، وأقدر الوزراء على إرضاء الناس جميعا وكسب ثقة الناس جميعا. وهو كذلك من غير شك، فهو لا يخطب ولا يكتب ولا يذكر الإنجليز، ولا يذكر المصريين، ولا يهاجم بلسانه هذا وذاك، ولا يذود بلسانه عن هذا ولا ذاك. وهو خليق لهذا كله أن يرضى عنه الناس جميعا، لا ينقصه إلا شيء واحد ليبلغ هذا الرضا، وهو أن يوفق إلى أداء الواجب الذي من أجله ارتقى الوزارة، والذي من أجله اؤتمن على حياة الناس وحرياتهم ومنافعهم وأموالهم، فيحمي لهم الأمن، أمن الشعب، لا أمن الوزارة، ويقر لهم النظام حقا، ويمكن كل واحد منهم من أن يدخل المسجد ويخرج منه دون أن يصرع على عتبة المسجد، ودون أن تخضب عتبة المسجد بدمه الحرام.
    لهذا قبل كل شيء ارتقى وزير الداخلية إلى منصبه، وبهذا قبل كل شيء يجب أن يُعنى وزير الداخلية، وفي هذا قبل كل شيء يجب أن ينفق وزير الداخلية وقته وجهده، بل لهذا قبل كل شيء يجتمع مجلس الوزراء، وبهذا قبل كل شيء يجب أن يشتغل مجلس الوزراء، فهذا أمس بحياة مصر من إنشاء جراج لسيارات الحكومة في الإسكندرية، ومن شراء طيارات قبل أن ينعقد مؤتمر الطيران، ومن الرد على مكاتب الديلي تلغراف وبعض الكتاب المصريين في الصحف المصرية. ومن غريب الأمر أن وزير داخليتنا هو أقدر الوزراء فيما ينبغي على ضبط الأمن وإقرار النظام، فهو رجل قد أنفق حياته في الإدارة. عمل في الأمن العام دهرا، وعمل في وكالة الداخلية دهرا، وهو الآن وزير الداخلية. فهو لم يستعر لوزارته استعارة من القضاء أو من المحاماة أو من أي ناحية من نواحي الحياة العامة. وإنما تولى وزارة الداخلية على علم بشئونها وإتقان لأمورها. فهو صاحب صناعة وفن، وهو صاحب دراية وخبرة، فكيف فسد الأمن واضطرب النظام في عهده إلى هذا الحد المنكر الغريب؟ أتراه سيئ الحظ؟ أم تراه مشغولا عن الأمن والنظام بما يستنفد وقته وجهده وكفايته؟ أم ترى أن الأمر قد فسد في هذا البلد إلى حيث لم يبق سبيل إلى إصلاحه إلا إذا ذهب قوم وخلفهم قوم آخرون؟ علم هذا عند الوزراء وعند الناس جميعا وعند مكاتب الديلي تلغراف وعند المصدر الموثوق به الذي أوحى إلى مكاتب الديلي تلغراف. وماذا ينفع أن يكون هذا معلوما أو مجهولا مادام الشر يقع ويتصل وتظهر نتائجه المنكرة، فلا يحفل به أحد، أو لا يكاد يحفل به أحد حتى أصبحت مصر، نعم مصر كهذه الأجزاء التي يتحدث عنها الناس في الصحراء، والتي يغير فيها بعض القبائل على بعض ويغزو فيها بعض القبائل بعضا، ويثأر الناس فيها لأنفسهم. ماذا نقول؟ إن الأنباء مستفيضة بأن الحكومة العربية السعودية قد أقرت في صحراء جزيرة العرب أمنا لا تحلم به مصر، فبطل فيها الغزو، والغارة وأمن الناس فيها على سُرى الليل وسفر النهار، ولم لا؟ ليس عند الحكومة العربية السعودية وفد تحاربه وتطارده وتشتغل بحربه ومطاردته عن تعقب المجرمين وحماية الأنفس والأموال.
    ومهما يكن من شيء فقد استطاع أهل نزلة الشوبك أن يثأر بعضهم من بعض واستطاع حزب الشعب أن يثأر من حزب الاتحاد، واستطاعت الوزارة أن تثأر من مكاتب الديلي تلغراف. ووزير داخليتنا قادر إن شاء الله على أن ينبئنا أي هذه الثارات خليق بالعناية والتفكير.

  • أمن

    أمن
    أما الأمن فمطمئن في مصر أشد ما يكون الأمن اطمئنانًا في بلد من البلاد! وأما النظام فمستقر في مصر أحسن ما يكون النظام استقرارًا في قطر من الأقطار. وليس أدل على اطمئنان الأمن واستقرار النظام من أن رئيس الوزراء يصطاف ويستشفى في أوروبا، ومن أن مدير الأمن العام كان يستريح في رودس وقد عاد ليستطيع وكيل الأمن العام أن يستريح، لا أدري في أي جزيرة من الجزر، أو في أي إقليم من الأقاليم السبعة كما كان يقول الجغرافيون القدماء، ومن أن وكيلًا من وكيلي الداخلية قد سافر ليستريح كما يصطاف وزير الداخلية ويعمل ويستريح.
    ولو قد كانت في مصر آية ولو يسيرة تدل على فساد الأمن واضطراب النظام لاستقر هؤلاء السادة في مدينة القاهرة ليشرفوا من كثب على كل شيء، ويدبروا من كثب كل شيء. وما داموا قد تفرقوا على هذا النحو، وذهبوا في الأرض هذه المذاهب المختلفة فمصر بخير والحمد لله، لا خطر فيها على الأمن ولا على النظام.
    وهناك أخبار تذاع وأنباء تُشاع، والوزارة عنها صامتة ساكتة، ولا تقول ولا تهتم بأن تقول. وأكبر الظن أنها تزدري هذه الأخبار وتحتقر هذه الأنباء، ولا تعني حتى بتكذيبها أو نفيها، فضلًا عن أن تلتمس لها التفسير والتعليل. فالصحف تنبئنا بأن بعض العمد يقتلون على أبواب دورهم آخر النهار وأول الليل فتصطبغ أرض مصر الطاهرة بدمائهم البريئة بينما تودع الشمس آفاق السماء فتترك في مصر حزنًا هادئًا يمتزج به في مصارع هؤلاء الناس حزن عنيف عميق. والصحف تنبئ بأن قومًا يقتلون على الطريق العام وهم عائدون إلى دورهم في الشرقية، لا ينتظرون الموت ولا يخشونه، ولكن الموت كان ينتظرهم ويكمن لهم في بعض الوجوه والأنحاء. والصحف تنبئنا أيضًا بأن قرى تختصم على الري فيطلق بينها الرصاص ويصرع قوم، منهم من يدنو من الخطر، ومنهم من يكاد يدنو منه، ومنهم من تصيبه جراح إن لم تكن مهلكة ولا مشرفة بصاحبها على الموت، فهي مؤذية مؤلمة، مؤذنة بأن الناس لا يتحرجون من أن يتراموا بالرصاص، ويدعو بعضهم الموت إلى بعض.
    ثم تنبئنا الصحف أيضًا بأن وزارة الداخلية التي أذنت لأحد وكيليها بالرحلة وللآخر بالعمل على ساحل البحر، والتي أذنت لمدير الأمن العام بنزهة قصيرة ولوكيله بإجازة لا بأس بها، تنبئنا الصحف بأن هذه الوزارة قد ألغت في القطر كله إجازات المأمورين والذين يشغلون مناصب الحكمدارين. وقد نشرت الصحف هذا النبأ مرة ومرة، فلم تنكره الوزارة ولم تكذبه ولا نصف تكذيب.
    والصحف تنبئنا أيضًا بأن مظاهرات ومناورات عسكرية تنظمها الشرطة في مدينة الإسكندرية فتروع الناس وتلفت نظر الجمهور، وتحمل الإسكندريين حين يرون هذه المظاهرات والمناورات والمصريين حين يقرأون أنباءها على أن يتساءلوا: فيم هذه المناورات والمظاهرات، أو فيم هذا التمرين والتدريب، فيقال لهم – بهذا الفعل المبني للمجهول الذي لا يسمى فاعله: إن هذه المظاهرات والمناورات إنما تجري لتعرف الشرطة كيف تفرق الشعب إذا احتشد، وتقمع المظاهرات الشعبية إذا هم بها الجمهور.
    والصحف تنبئنا بغير هذا، ومن المحقق أن الصحف لا تعرف كل شيء، ولا تذيع كل ما يصل إليها. فهذا كله لا يدل طبعًا على اضطراب الأمن، ولا على فساد النظام. وإنما يدل على أن الأمن مستقر هادئ، وعلى أن النظام مطمئن ثابت ولولا ذلك لما ذهب الوزراء والوكلاء وكبار الموظفين في الداخلية مذهبهم الذي أشرنا إليه في أول هذا الفصل.
    وهناك دليل آخر لا يقبل شكًا ولا ريبًا، ولا يحتمل جدالًا ولا نزاعًا. وهو يثبت لكل ذي عقل – وما أقل أصحاب العقول – أن الأمن لم يطمئن في يوم من الأيام كما اطمأن في هذا الصيف. هو مطمئن اطمئنانًا يدفعه إلى أن ينام ملء جفونه، لا توقظه طلقة نار، ولا وقع عصا، ولا ينبهه اعتداء، ولا ما يشبه الاعتداء. وهذا الدليل الساطع القاطع هو هذا الثناء الجميل الجزيل الذي صاغ منه مكاتب الديلي تلغراف باقة أنيقة رشيقة، وقدمها في ظرف ولطف إلى وزير الداخلية بعد أن نال زملاءه جميعًا وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بما يكرهون! فمكاتب الديلي تلغراف يشهد لوزير الداخلية بأنه رجل الساعة، بل رجل اليوم، بل رجل الغد القريب والبعيد، لأنه صان الأمن والنظام، وضبط الأمر فأحكم ضبطه، وأكره الجهات المختلفة على أن تؤمن له بالتفوق والمقدرة والنبوغ!!
    ومكاتب الديلي تلغراف لم يرسل هذا الكلام إرسالًا، ولم يخترعه من عند نفسه اختراعًا. وأكبر الظن أن المصدر الموثوق به الذي أنبأه بأن الوزراء جميعًا يخافون من ظلالهم إلا وزير الداخلية فهو وحده الذي يخيف الناس، وهو وحده الذي يخيف الظلال. وما دام هذا المصدر موثوقًا به فيما تحدث فيه من أمر الوزارة والوزراء، وفيما تحدث فيه من ضياع هيبة الحكومة لأن الوزراء يخافون من ظلالهم، وفيما تحدث فيه من الحماقة وحدها هي التي أقصت عن هذه الوزارة القائمة وزيرين خطيرين، وفيما تحدث فيه من أن التغيير قد أصبح فرضًا مفروضًا وحتمًا محتومًا. ما دام هذا المصدر موثوقًا به أيضًا فيما ألقي إلى مكاتب الديلي تلغراف من الشهادة لوزير الداخلية بالمهارة والبراعة وبالكفاية والنبوغ. وأنا أصدق مكاتب الديلي تلغراف وأصدق المصدر الذي ألقي إليه هذه الشهادة. فوزير الداخلية بارع ماهر من غير شك، ووزير الداخلية كفء نابغة من غير شك. وآية ذلك الآية التي لا ينكرها إلا مكابر يحب المراء، هي أن الظن لم يسوء باطمئنان الأمن واستقراره في مصر كما ساء الآن. فليس مما يدعو إلى حسن الظن باطمئنان الأمن واستقراره أن تذاع أنباء القتل وسفك الدماء جهرة على هذا النحو، وليس ما يدعو إلى حسن الظن باطمئنان الأمن واستقراره أن تلغى إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة في جميع الأقاليم، وليس مما يدعو إلى حسن الظن أن لا تكتفي وزارة الداخلية بمنع الاجتماعات السياسية مخالفة في ذلك الدستور، بل تتجاوز ذلك إلى منع الاجتماعات الدينية في المساجد التي أقيمت ليعمرها المسلمون بذكر الله، والتواصي فيما بينهم بالخير والرشد والمعروف. وليس مما يدعو إلى حسن الظن أن ينشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطًا غريبًا لم يعرف من قبل فيزور المدن، ويطوف في الأقاليم على حين يستريح مدير الأمن المصري في رودس أو غيرها من جزر البحر.
    ليس شيء من هذا كله يدعو إلى حسن الظن بثبات الأمن واستقرار النظام واطمئنان الوزارة على ذلك الأمن وهذا النظام، وليس مما يدعو إلى حسن الظن بقوة الحكومة وقبضها على أعنة الأمور كما يقولون أن تحاصر الدور ويراقب أعضاء الوفد والمتصلون به، ويؤخذ الناس من الطريق إلى أقسام الشرطة لأنهم كانوا يمرون قريبًا من دار رئيس الوزراء بالنيابة. بلى، وليس مما يدعو إلى حسن الظن باستقرار الأمن والنظام أن يكون الخطف وتسليح القطارات وحفر الخنادق وتسوير المدن بالتراب والسيارات وسيلة إلى المحافظة على الأمن وإلى إقرار النظام.
    ومع ذلك فهذا كله قد كان، وهذا كله استحدثه وزير الداخلية القائم، فإذا لم يكن هذا كله دليلًا على أن وزير الداخلية القائم قد زعزع رأي الناس من المصريين والأجانب في اطمئنان الأمن، واستقرار النظام، فأي دليل آخر تريد؟
    وإذا لم يكن هذا كله حجة صادقة قاطعة على أن وزير الداخلية القائم قد ظفر بأعظم حظ ممكن من المهارة والبراعة، ومن التفوق والنبوغ فأي حجة أخرى تريد؟ لقد صدق مكاتب الديلي تلغراف وصدق المصدر الذي ألهمه وأوحى إليه، فوزير الداخلية رجل عظيم ولكن عظمته هذه تجعل استقالته كاستقالة زملائه شيئًا مرغوبًا فيه كل الرغبة، بل شيئًا لا بد منه إذا كان يراد بمصر أن يحسن الظن بها وبوزارتها، وألا يُذاع عنها في أقطار الأرض أنها موطن الفزع والخوف وأن الوزراء فيها يخافون من ظلالهم وأن إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة فيها تلغى طول فصل الصيف.
    إن الذين يحبون هذا البلد ويحرصون على أن يستقر فيه الأمن حقًا، ويطمئن فيه النظام حقًا، ويعرف الناس عنه أنه بلد الهدوء والسلام خليقون أن يفكروا وأن يسرعوا في التفكير ولا ينتظروا به فصل الخريف، فإن هذه الوزارة لم تبلغ مداها فحسب، بل بلغته منذ زمن بعيد وجاوزته منذ زمن بعيد، وعجزت عجزًا تامًا عن أيسر ما وجدت من أجله الحكومات وهو تأمين الناس على دمائهم وأموالهم، وأصبحت تقبض على أعنة الأمور بيد مرتخية شديدة الارتخاء، ولا تستطيع لها تدبيرًا ولا تصريفًا. وإذا لم تكن هذه الوزارة نفسها محسة لهذا العجز، أو شاعرة به فإن الناس من المصريين والأجانب يعلنون ذلك ويلحون في إعلانه وهي عاجزة حتى عن نفي ما يعلنون.
    أما بعد، فليس يعنينا أن يكون المصدر الذي أوحى إليه موثوقًا به أو مشكوكًا فيه، وإنما الشيء الذي يعنينا ويعني الذين يحبون مصر حقًا هو أن عجز الوزارة قد أصبح أوضح من أن يشار إليه، وأن تغييرها أمر لا بد منه مهما يقل القائلون ويكابرون.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٧ – ١٩٣٣

  • غرور

    غرور
    إذا رأيت في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي شرًّا، واقتنعت بأن إزالته واجبة، وبأن إقرار الخير مكانه أمر محتوم، كان من حقك أن تدعو إلى ما ترى، وكان من الواجب عليك أن تلحّ في الدعوة لما ترى. وكنت آثمًا في حق نفسك إن كتمت رأيك وأخفيته على الناس، وكنت آثمًا في حق الناس إن لم تدلّهم على مواطن الشر في حياتهم، ولم ترشدهم إلى ما فيه المنفعة والخير.
    هذه أوليات يخيل إلى من يقولها أنه لا يقول شيئًا جديدًا، ويخيل إلى من يسمعها أنه لا يسمع شيئًا طريفًا، لأن ترديدها قد كثر بين الناس في جميع العصور، وفي جميع البيئات، حتى سئمها القائلون والسامعون. لكنها على ذلك ما زالت غامضة، وما زال غموضها مصدر الشر الكثير في حياة الأمم والشعوب، ولعل غموضها مصدر ما نحن فيه الآن من فساد واضطراب.
    فقد نخطئ في الخلط بين الحق والواجب، وقد نغلو في تقدير هذا الحق وهذا الواجب، وقد يضطرنا هذا الخطأ، وهذا الإسراف، إلى أن نريد الإصلاح فنسيء، ونقصد إلى الهداية فنضل، ونتعمد الإرشاد فنتورط في الاعتداء.
    نقتنع بالرأي فيغرّنا هذا الاقتناع، ويخيل إلينا أننا نحن وحدنا المصيبون، وأن غيرنا جميعًا مخطئون. ثم لا نلبث أن يملكنا هذا الغرور ويدفعنا إلى إهدار الحرية، وإذا نحن نحاول أن نفرض آراءنا على الناس فرضًا، وأن نكرههم على ما نحب لهم من الخير إكراهًا، وإذا نحن نزعم لأنفسنا العصمة ونبرئها من الخطأ، ونقدّس آراءنا تقديسًا، ونتخذ الذين لا يشاركوننا فيها ولا يظاهروننا عليها أعداء، ونسير فيهم سيرة الأعداء.
    ولعلك حين تريد أن تفهم الأزمة التي اضطرنا إليها رئيس الوزراء والذين يؤيدونه، لم تجد لها تفسيرًا غير هذا الغرور الذي يتورط فيه أصحاب الآراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
    ظن رئيس الوزراء وأصحابه أن نظامنا السياسي القديم شرٌّ، لأنه لم يكن يلائم آمالهم وأطماعهم ومثلهم العليا في الحكم وتصريف الأمور. ورأوا أن في هذا النظام أصولًا يجب أن تزال، وأن تقرّ مكانها أصول أخرى. رأوا أن الانتخاب العام المباشر لا يوصلهم إلى الحكم، ولا يضمن لهم كثرة الشعب، ورأوا أن سلطة البرلمان إذا اتسعت وبعدت حدودها لا تمكن من البقاء في الحكم إن أوصلتهم إليه المصادفات ورفعتهم إليه الظروف، فأرادوا تخصيص الانتخاب وتضييقه، وأرادوا تقييد سلطان البرلمان والقصّ من جناحه. وحاولوا أن يدعوا إلى ذلك فلم يفلحوا، وألحّوا في المحاولة فلم يستجب لهم أحد، ولم يؤمن لهم إنسان.
    وكان الإعراض عن معاونتهم والانصراف عن دعوتهم مثيرين لسخطهم على هؤلاء الذين يُدعون فلا يستجيبون، ويُلَحّ عليهم في الدعاء فلا يحفلون. وزادهم هذا السخط إيمانًا بآرائهم وثقة بها، فألحّوا فيها وأصرّوا عليها. وما هي إلا أن أُغروا بهذه الآراء وأسرفوا في الغرور، فاعتقدوا أنها وحدها الحق، وأنها وحدها الخير، وأن غيرها باطل، وأن غيرها شر. ثم أخذوا يفكرون ويقدّرون، وجعلوا يجيئون ويذهبون ليفرضوا آراءهم هذه على الناس فرضًا، وليدفعوا الناس إلى آرائهم هذه كرهًا، بعد أن أعياهم الإقناع ولم يواسهم الدعاء الهادئ المطمئن.
    هنالك أُحكم التدبير، ووثب رئيس الوزراء إلى الحكم، فثار بالدستور القديم، وفرّق البرلمان القديم، واستحدث ما استحدث من نظام، وأجرى ما أجرى من انتخاب، وصرف أمور مصر كما يصرفها منذ نهض بالحكم، في قوة وعنف، وفي إكراه للشعب على ما يريد هو، وإرغام للشعب على ما يحب هو.
    وكانت في أوربا حركات إصلاحية ظاهرها القوة والشدة، فما أسرع ما وجد رئيس الوزراء لنفسه الأشباه والأنداد، وما أسرع ما قارنه أنصاره بموسوليني في إيطاليا، وهم الآن يقيسونه بهتلر في ألمانيا. ومع ذلك فلم يكن رئيس الوزارة يوم ألغى الدستور إلا خارجًا على النظام، مسيئًا إلى القانون، ومسيئًا إلى الأمة كلها. ذلك أن الإصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لا ينبغي أن يُفرض على الناس فرضًا، ولا أن تؤخذ به الجماعات وهي كارهة له معرضة عنه، ولا أن تُرغم عليه الشعوب بقوة الحديد والنار. بل لا ينبغي للمصلح أن يمسّ الذين يريد إصلاحهم بشيء من الأذى، قليل أو كثير، حين يعرضون عما يحمل إليهم من إصلاح. وإذا لم يكن بد من أن يصيب الأذى في سبيل الإصلاح أحدًا من الناس، فإنما يجب أن يصيب المصلحين أنفسهم، ويجب على هؤلاء المصلحين أن يوطّنوا أنفسهم على احتمال الأذى والتعرض للمكروه، بل للموت أحيانًا، في سبيل ما يدعون إليه من إصلاح.
    وربما كانت هذه الأيام التي تبتدئ العام الهجري الجديد، وتذكر المسلمين بتاريخهم، حافلة بالعبر والعظات لمن أنساهم الغرور، فوجب عليهم أن يتذكروا. فإن الداعي إلى الإسلام، والمؤسس لهذه الدولة الإسلامية، لم يؤذِ أحدًا، ولم يفرض على الناس دينه فرضًا، ولم يأخذهم بهذا الدين كرهًا، وإنما دعا الناس إليه رفيقًا بهم، محبًّا لهم، شفيقًا عليهم. ولقيَ منهم في سبيل هذا الرفق عنفًا، وفي سبيل هذا الحب بغضًا، وفي سبيل الإشفاق قسوة وعنتًا. وما زال يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيستجيب له خيارهم، ويلقاه شرارهم بالبغي والعدوان، حتى ظهرت كلمة اللّٰه، وانتشر نوره، وعزّ دينه، فآمن به الثائرون عليه والمتنكرون له.
    والذين يتمدح رئيس الوزراء بأنه يشبههم ويسير سيرتهم لم يثوروا بنظم بلادهم كما ثار رئيس الوزراء بنظام بلاده. فلم يصل موسوليني إلى الحكم في إيطاليا إلا بعد أن وصل إلى زعامتها، ولم يصل موسوليني إلى زعامة إيطاليا إلا بعد أن جاهد جهادًا سلميًا رفيقًا، قوامه الدعوة إلى الخير، والإلحاح في النصح، حتى استجاب له من استجاب، واقتنع برأيه من اقتنع، والتفّت حوله كثرة إيطالية مكنته من أن يطلب الحكم ويظفر به، ويخلق لإيطاليا خلقًا جديدًا.
    ولم يصل هتلر نفسه إلى حكم ألمانيا إلا بعد أن دعا إلى رأيه، وأقنع به، والتفّت حوله هذه الكثرة التي أظفرته بالانتخاب، فاضطر رئيس الجمهورية الألمانية إلى أن يلقي إليه أزمة الحكم، وكان يأباها عليه ويذود عنها في شدة وإصرار.
    بعيدٌ جدًّا ما بين رئيس وزرائنا وبين المصلحين الذين يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف. فهو لم يجاهد في نشر رأيه، ولم يُلحّ في الدعوة إليه، ولم يلقَ في ذلك شيئًا من الأذى، ولم يتعرض في ذلك لشيء من المكروه. وإنما هيئت له الأسباب، ودُبّرت له الأمور، ثم أُجلس على كرسي، وأُعطي أعنّة الحكم، وقيل له: انطلق، فانطلق، لا يأتي على شيء إلا عصف به عصفًا، وعبث به ألوان العبث. وهو على هذا كله لم يكتفِ بأن تهيّأت له الأمور من غير جهد ولا مشقة، بل أخضع أمته لضروب الجهد وألوان المشقة، فعكس الآية، وآثر نفسه بالراحة في سبيل الإصلاح، وآثر أمته بالشقاء والعناء في سبيل ما يراه إصلاحًا.
    ولهذا لم يوفَّق رئيس وزرائنا إلى شيء، ولم يصلح رئيس وزرائنا شيئًا، وسينزل رئيس وزرائنا عن الحكم فلا يبقى له في هذه الأمة أثر إلا هذه الذكريات المؤلمة التي تصور ما صبّ على أمته من عذاب، وما أنزل بأمته من شر. فأما السياسة التي فرضها فلن تستقر بعد أن ينزل هو عن السلطان، ذلك لأنه وصل إلى الحكم قبل أن تكون لنفسه هذه القوة الشعبية الصادقة، وصل إلى الحكم قبل أن يقنع الناس بآرائه في الإصلاح، وكان يجب أن يكون وصوله إلى الحكم نتيجة لسعيه لا مقدمة له.
    سيستقيل صدقي باشا أو سيقال، فينحل من حوله كل شيء، ويتفرق من حوله كل إنسان، وتعود الأمور بعده كما كانت قبله.
    أما المصلحون حقًّا فقد اعتزلوا الحكم، بل فارقوا الحياة وبقي إصلاحهم قويًّا بعدهم واتسع سلطانه، لأنهم لم يسلكوا إلى إصلاحهم هذه الطريق التي سلكها رئيس الوزراء، ولم يؤثروا أنفسهم بهذا الخير الذي آثر به رئيس الوزراء نفسه.
    فما أجدر الذين يفكرون في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي أن يتعظوا بهذا الدرس القاسي الذي تلقيه الأيام على رئيس الوزراء، وأن يعلموا أن الأمم لا تُكره على الخير إكراهًا، وإنما تُقنع به إقناعًا، وتُرغّب فيه ترغيبًا. وإن اللّٰه — وقد استأثر وحده بالكمال، واستأثر وحده بالقوة والسلطان — لم يُكره الناس على الخير، ولم يدفعهم إليه بالشدة والعنف، وإنما أمر نبيه أن يدعوهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يدفعهم إليه بالحجة والعبرة، وأن يحتمل في سبيل ذلك ما احتمل من الأذى، ويصبر في سبيل ذلك على ما صبر عليه من مكروه.
    أفيؤثر اللّٰه الرحمة واللين، والدعوة إلى الخير بالتي هي أحسن، ويأبى الناس إلا أن يكرهوا الأمم والشعوب على ما لا تريد؟
    كوكب الشرق ٨ – ٤ – ١٩٣٣