Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

تأجيل

تأجيل
وخرج[1] النظّارة من الملعب وهم يضحكون ويتساءلون، فقد كان في الملعب ما يضحك ويُلهي، وقد كان فيه ما يدعو إلى التساؤل ويحمل على الانتظار: تلميح بالاستقالة ثم تصريح، وإقدام على الاستقالة ثم إحجام، وإلحاح في الاستقالة ثم تردد، واستتار بالصحة واستشهاد بالأطباء، ثم تراجع على طول الخط واستقرار على الكرسي كأن لم يكن تلميح ولا تصريح، وكأن لم يكن إقدام ولا إحجام، وكأن لم يكن تحدٍّ ولا تصدٍّ، وكأن لم يكن عزم ولا تردد، وكأن الأمر يجري مطردًا كهيئته يوم سافر «رئيس الوزراء» معتزمًا أن يحكم غائبًا وحاضرًا، وأن يصرف الأمور معتلاً وصحيحًا.
كل هذا أضحك النظّارة وألهاهم. وكل هذا دعا النظّارة إلى أن يتساءلوه: هل أُسدل الستار على الفصل الأخير؟ وهل سيرفع الستار عن فصل أو قصة أخرى؟ وهل يطول الانتظار لهذا الفصل أم يقصر هذا الانتظار؟
ومهما تصدر صحيفة الوزارة ملحقاتها في ظلمة الليل، ومهما تنطلق ألسنة الوزارة وقد كانت معقودة، ومهما تنشط هذه الألسنة وقد كانت معقودة، فإن في الجو سحبًا متكاثفة يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، وكلها تهيب بالنظّارة ألا تتفرقوا، فإن وراء الستار ما وراءه، وإن رفع الستار ليس بالبعيد.
وهذه السحب التي يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، لا تأتي من وجه واحد، وإنما تأتي من وجوه مختلفة، وأنحاء متباينة؛ تأتي من وراء البحر حيث يُنقل مندوب ويُرسل مندوب، وتأتي من شمال مصر حيث الخلاف بعد الوفاق، وحيث انتهاز الفرص وتربص الدوائر، وحيث الابتسام من ورائه العبوس، والابتهاج من ورائه الابتئاس، وتأتي من مصر كلها حيث ضيق النفوس ينتهي إلى أقصاه، وحرج الصدور يصل إلى غايته، وتأتي من «فرنسا» و«إيطاليا» حيث الإصرار على أن يُؤَدَّى الدين وأرباحه بالذهب لا بالورق.
كل هذه سحب يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، ويصيح بالنظّارة أن انتظروا فإن وراء الستار شيئًا جديدًا، ويصيح بـ«رئيس الوزراء»: لقد حرصت على الحكم بعد أن أظهرت الزهد فيه، فهلم أقدم على الحكم إن كنت جريئًا فاحلل مشكلاته ومعضلاته، وانهض بأعبائه وأثقاله، واثبت لأوجاله وأهواله الآن كما ثبت لها منذ أعوام. وسينتظر الناس، وسيقدم «رئيس الوزراء»، وسيرى الناس أن انتظارهم لن يطول، وسيرى «رئيس الوزراء» أن إقدامه لن يمضي بعيدًا. وسيعلم «رئيس الوزراء» أن الأمر قد انفلت وانفلت حتى أصبح لا يستطيع جمعه إلا رجل له من القوة والنشاط، ومن الصبر والثبات، ومن حسن البلاء السياسي ما ليس لـ«رئيس الوزراء».
هذه «الأهرام» قد حدثتنا أمس بحديث أكبرناه وأنكرناه، ورأينا أنه لا يمكن أن يكون صورة صحيحة لما صدر عن «رئيس الوزراء»، وانتظرنا أن يكذب هذا الحديث مع المساء تكذيبًا قاطعًا فلم يُكذَّب. وقلنا إن هذا الحديث إن لم يمحه التكذيب فسيجعل استقالة الوزارة أمرًا لا بد منه، ولا سبيل إلى الشك فيه. ولم يُكذَّب الحديث إلى الآن، وإنما أنكرته صحيفة الوزارة في خوف واستحياء. ولم يستقل «رئيس الوزراء» أمس، وإنما أعلن عدوله عن الاستقالة. ومع ذلك فمن زعم لك أن الأزمة قد انفرجت، وأن كل شيء حول الوزارة قد استقر، وأن الأمور ستجري منذ اليوم كما كانت تجري من قبل، فلا تؤمن له ولا تطمئن إليه، وثق بأنه خادع أو مخدوع.
فإن للأشياء منطقًا مهما تفسده الأوضاع السياسية والظروف الطارئة إفسادًا موقوتًا، فهو الغالب على كل حال، وهو المنتصر آخر الأمر. ومنطق الأشياء هذا لا يسمح بأن يشير الوزراء المستقيلون قبل أن يُستشاروا، ولا بأن يقترح الوزراء المستقيلون أسماء الذين يرثونهم في الحكم ويخلفونهم عليه، ولا بأن يقسم الوزراء المستقيلون أمور السلطان، فيحفظون لأنفسهم نصفها، وينزلون لأصفيائهم عن نصفها الآخر. فإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» صحيحًا، وإذن فله نتيجة طبيعية محتومة هي استقالة «رئيس الوزراء» غدًا أو بعد غد، وإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» مختلقًا، لا أصل له، وإذن فلا بد من تكذيبه في حزم وعزم، وفي جزم وتأكيد، ولا بد من أن تحتمل «الأهرام» تبعة هذا التأكيد الذي يشكك الناس في أمور لا ينبغي أن تتعرض للشك أو الريب. وصمت «رئيس الوزراء» على هذا الحديث، واستحياء صحيفته في إنكار هذا الحديث، دليل يرجح أن «الأهرام» قد فكرت كثيرًا قبل أن تنشر ما أذاعته في الناس.
والآن يقال إن الوزارة القائمة باقية، لا يصيبها تعديل، ولن يمسها تبديل، ونقول نحن إن بقاءها لن يطول، ولعله أن يكون أقصر جدًا مما يظن الأنصار والأعوان، ومما يرجو الخائفون والمذعورون، ولكن «رئيس الوزراء» قد أعلن بقاءه في الحكم؛ فمن حق الناس أن يطلبوا إليه ما يحتاجون إلى أن يطلبوه، وهم محتاجون إلى أن يطلبوا منه شيئًا كثيرًا، وإلى أن يتعجلوا إجابتَه إلى ما يطلبون.
فهذا «وزير الداخلية» عاجز كل العجز عن ضبط الأمن وإقرار النظام، إما لأنه مريض قد طال مرضه وشق، وإما لأن ضبط الأمن وإقرار النظام يحتاجان إلى كفاية أخرى غير كفايته. ولعل «رئيس الوزراء» يعلم أنه بينما كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، ويبسط يدًا بالاستقالة ثم يقبضها، ويتراءى للناس حينًا مستقيلًا، وحينًا مقيمًا، كانت أمور الأمن تفسد فتسرف في الفساد. ولعل «رئيس الوزراء» قد أُلقي إليه أن يوم الجمعة الذي عدل فيه عن الاستقالة قد سجل فيما سجل من الأحداث العظام حدثين خليقين بالتفكير، وهما أهم وأعظم خطرًا من بقائه في الحكم أو نزوله عنه؛ وقع أحدهما في مركز «الصَّف»، قريبًا من القاهرة، وقتل فيه أربعة من المصريين، وجرح فيه أكثر من عشرين مصريًا، ووقع الآخر في أقصى الصعيد، هناك حيث تقوم معابد الفراعنة وآثارهم الخالدة، هناك قريبًا من «الأقصر» حيث تذهب الألوف من الأجانب لزيارة الآثار، اصطدمت قريتان في سوق من الأسواق، فكانت موقعة حربية هائلة، نشرت الصحف صباح اليوم أنباءها الأولى، فأحصت «الأهرام» خمسة وعشرين قتيلًا من المصريين، بينهم نفر من حماة الأمن، ولم تُحصِ الصحف عدد الجرحى بعد.
فليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أهذا الأمر خليق بالعناية؟ أم هو لا يستحق التفكير؟ وليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أيهما أحق أن تُعنى به مصر وتحفل به: أهذه المداورات السياسية التي تجري من وراء ستار، ولا يكاد يعلم الناس من أمرها وسرها شيئًا؟ أم هذه الدماء المصرية التي تراق جهرة؟ وهذه اليد السوداء، يد الموت المظلم، التي تحصد في يوم واحد تسعة وعشرين من المصريين؟
يجب أن تكون لله عز وجل حكمة يعجز الناس عن فهمها وتأويلها، فقوم في «الإسكندرية» يداورون ويناورون ليبقوا في الحكم أو ليعتزلوه، وقوم آخرون يبغي بعضهم على بعض ويتساقون كؤوس الموت. نحب أن يسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أي الأمرين أجدى على مصر: أن تستقر دماء الناس في عروقهم وتبقى لهم الحياة التي منحهم الله، أم أن تستقر فيهم وزارة عاجزة حتى عن أن تحمي بعضهم من بعض وتحفظ عليهم أيسر ما ينبغي لهم من الأمن والنظام؟
لقد أعلن «رئيس الوزراء» أنه مقيم في الحكم إيثارًا لمصلحة مصر، وأنه مضحٍ في سبيل ذلك بصحته، فلينظر إذن «رئيس الوزراء» إلى هذه الدماء التي تراق فليحقنها، وإلى هذه النفوس التي تزهق فليعصمها، وليقم إذن «رئيس الوزراء» دليلًا على أنه آثر البقاء في الحكم وهو قادر فيه حقًّا؛ فإن الحكم في نفسه ليس غاية، ولا ينبغي أن يكون غاية. والأمة لا تفرح ولا تبتهج بأن ترى «رئيس الوزراء» قد أقام في الحكم، وإنما تريد الأمة من «رئيس الوزراء» — ما دام يفرض نفسه عليها فرضًا — أن يؤدي إليها أبسط ما يؤدي الوزراء للشعوب، فيحفظ عليها دماءها وأموالها، ويصونها من عبث العابثين والمعتدين.
نرجو أن يكون لدى «رئيس الوزراء» من الصحة والنشاط والقدرة على ضبط الأمن ما يمكنه من أن يحول بين الأمة وبين الموت والخراب في هذه الأيام القليلة التي ستقضيها وزارته مستأثرة بالحكم، مسيطرة على تصريف الأمور.
[1] كوكب الشرق في ٩-٩-١٩٣٣.

Share:

Comments

Leave a Reply