نبوغ
تستطيع أن تدرس عقليات الأفراد والجماعات وتفكير الشعوب والحكومات فلن ترى عقلية كهذه العقلية البديعة الفذة الرائعة التي تظهر في بعض ما تتخذه وزارتنا من القرارات، ولن ترى تفكيرًا فذًا نادرًا غريبًا في كل شيء كهذا التفكير الذي تراه في بعض ما تقدم عليه وزارتنا من الأمر. ومصدر ذلك فيما يظهر أن مصر نبغت قبل الأوان ووصلت إلى ما وصلت إليه من الرقي من طريق الطفرة أو من طريق المصادفة أو من طريق تستطيع أن تسميها كما شئت ولكنها ليست هي الطريق التي سلكتها البلاد الأخرى لتصل إلى ما وصلت إليه من السؤدد والمجد، ومن العظمة وبعد الصوت وإلا ففسر لي إن استطعت هذه المذكرة التي يقال إنها رفعت إلى مجلس الوزراء لتقوية سلاح الطيران في مصر، ولفتح اعتماد كما يقولون بمبلغ من المال يكاد يصل إلى ستين ألفًا من الجنيهات يؤخذ من الاحتياطي العام، وفي غيبة البرلمان لتُشترى به طائفة من الطيارات تقوي سلاح الطيران المصري، وتجعله ملائمًا لا لحاجة مصر، ولا لمنافعها ولكن لمكانها بين البلاد الراقية.
كان البرلمان منعقدًا إلى أمد قريب فلم يخطر للوزارة أن تقترح عليه منح هذا الاعتماد. وكان البرلمان ينظر في الميزانية إلى أمد قريب فلم يخطر للوزارة أن ترصد هذا المبلغ في ميزانية الحربية حتى إذا فرغ البرلمان من نظر الميزانية وأقرها كما أذن الله له أن يقرها، وحتى إذا انتهت الدورة البرلمانية وأذن الله للشيوخ والنواب أن يتفرقوا ليصطافوا ويستريحوا خطر للوزارة أنها نسيت سلاح الطيران وتقوية سلاح الطيران وجعله ملائمًا لمكانة مصر، لائقًا بحظها العظيم من ارتفاع الذكر وعلو القدر، وجلال الخطر، وكيف ترضى مصر بسلاحها الجوي وهو لا يكاد يذكر بالقياس إلى سلاح العراق، فضلًا عن غير العراق من الدول الأوروبية الصغرى، فضلًا عن الدول الأوروبية الكبرى.
ومادامت في مصر جامعة، ومادامت فيها جمعية جغرافية، وأخرى للحشرات وثالثة للاقتصاد والإحصاء ورابعة للطب، وخامسة للهندسة، وسادسة للأحياء المائية، ومادام فيها مجمع لغوي، نستغفر الله، بل مرسوم بإنشاء مجمع لغوي، ومادام فيها شرطة ومادام لها جيش يمشي على الأرض وسفن تخفر الساحل وتجري في البحر، فيجب أن يكون لها طيارات تطير في الجو وتصعد في السماء وتنتقل بين القاهرة والإسكندرية وتبعد أحيانًا حتى تصل إلى مرسى مطروح.
ليست الغرابة في أن يكون لمصر سرب أو أسراب من الطيارات مادام في مصر الترام والسيارات ومادام في مصر السفن والقطارات فالطيارة مظهر من مظاهر الحضارة وآية من آيات العظمة، ويجب أن تجتمع لمصر مظاهر الحضارة وآيات العظمة كلها، ويجب أن تثبت مصر لأي بلد من بلاد الأرض في ميدان التكاثر والتفاخر، والدعاية والإعلان.
إنما الغريب أن تنسى الوزارة سلاح الطيران هذا، وما يجب لتقويته من الأهبة، وما يحتاج إليه من المال، وألا تذكر ذلك إلا بعد أن تصدر الميزانية ويتفرق البرلمان. وأعجب من هذا كله وأبلغ في الغرابة أن تكون العلة لتقوية سلاح الطيران في مصر أن مؤتمرًا للطيران سينعقد عندنا في العام المقبل وستُمثل فيه دول لها أسراب من الطيارات، لها طيارات الحرب وطيارات السلم، ولها طيارات البر وطيارات البحر حتى إذا اجتمع هذا المؤتمر في القاهرة نظر فلم يجد سلاح الطيران في مصر يبلغ أصابع اليد الواحدة عددًا. إذن تفتضح مصر، ويضحك منها المؤتمرون، وإذن تشيع عن مصر قالة السوء، وتصبح مصر حديث المتحدثين ولهو اللاهين.
وما ينبغي لمصر أن تكون موضوع السخرية واللهو، وفيها وزارة ولها برلمان، وإليها تدعى المؤتمرات فتسرع وتستقبل أحسن استقبال. وإذن فما دام مؤتمر الطيران سيعقد في القاهرة فيجب أن تشتري الوزارة طيارات لهذا المؤتمر، ولا تقل إن الأصل أن ينعقد المؤتمر في القاهرة لأن في القاهرة طيارات، فذلك تفكير مثلك ومثلي من الذين لا يحسنون المنطق ولا يعرفون أصول التفكير. وذلك تفكير الشعوب الأوروبية والأمريكية التي سلكت إلى الرقي والعظمة طريقهما القديمة المعروفة التي تلائم المنطق القديم والتفكير العتيق، والتي طال عليها الزمن حتى بليت وأصبحت من أحاديث الشيوخ. فأما الشعوب التي نهضت فجأة وارتفعت من طريق الطفرة ونبغت نبوغًا غير مألوف فلها تفكير آخر ومنطق آخر. فهي تدعو مؤتمر الموسيقى لينشئ لها الموسيقى، وهي تدعو مؤتمر الطيران ثم تشتري له الطيارات. ولا تقل إن مصر تشقى في هذا العهد السعيد بأزمة مهلكة مدمرة، وأن مؤتمر الطيران هذا سيكلفها الألوف وأن ما ستشتريه من الطيارات سيكلفها عشرات الألوف، وإنها كانت تستطيع أن تقتصد هذه الألوف فتحتفظ بها لساعات الضيق والضنك أو تنفقها على المأزومين والمكلومين، وعلى المحرومين والمكروبين. لا تقل عن هذا فهو كلام مثلك ومثلي من الذين لا يحسنون المنطق ولا يتقنون التفكير، وهو كلام الشعوب الأوروبية والأمريكية التي تفكر على النحو القديم، وتقدر على النحو القديم، ولا تستطيع مجاراة العصر الحديث فيما ابتكروا من أساليب القول والعمل، ومن مناهج التفكير والتقدير. فأما الشعوب الناهضة حقًا، النابغة حقًا، التي يصطاف وزراؤها في الإسكندرية ليعملوا في راحة ونعيم، ويستشفي رئيس وزرائها في أوروبا شهرًا ليستقيل بعد أن يأخذ بحظ من الشفاء. هذه الشعوب لا تفكر على هذا النحو، ولا تعمل على هذا النحو، وإنما تنفق حين يجب الاقتصاد، وحيث يجب الاقتصاد، وتقتصد حين يجب الإنفاق وحيث يجب الإنفاق.
ولا تقل إنما يقوى سلاح الطيران ويعرض على المؤتمر حين يكون الذين يدبرونه ويسيرونه ويعرضونه على المؤتمرين من المصريين، لا من الإنجليز، وإن المؤتمر سيضحك من مصر أو سيبتسم من مصر ليضحك منها بعد أن يعود حين يرى طيارات اشتريت من الخارج يديرها قوم دعوا من الخارج ويسيرها قوم دعوا من الخارج، ولا ينهض المصريون فيها بعمل يذكر.
لا تقل هذا، فهذا كلام مثلي ومثلك من الذين لا يحسنون المنطق ولا يتقنون التفكير. وهذا كلام الأوروبيين والأمريكيين الذين لم يرتقوا فجأة ولم ينبغوا مصادفة، وإنما سلكوا إلى الرقي والنبوغ طريقهما المعروفة العتيقة.
فأما الشعوب الناهضة حقًا، النابغة حقًا، فليس يعنيها أن تصنع طياراتها في مصانعها، ولا أن يدير أبناؤها هذه الطيارات ويسيروها، وإنما الذي يعنيها أن تكون لها طيارات تطير، وقد كتب عليها اسم مصر. ومادام عندها المال الذي تشتري به الطيارات فلا ينبغي لها أن تتكلف صنع الطيارات. ومادام عندها المال الذي تؤجر به الطيارين من الأجانب فليس ينبغي أن تنتظر حتى تهيئ الطيارين من أبنائها.
ولا تقل قد كان ينبغي أن تلتمس لتقوية سلاح الطيران علة غير هذه العلة التي نشرتها الصحف فمصر في حاجة إلى سلاح الطيران يحميها من جيرانها في الشرق، ويحميها من جيرانها في الغرب، ويحميها من شر قد يأتيها من الشمال أو خطر قد يدهمها من الجنوب، فذلك شيء لا يقال ولو قالته الحكومة لأغرت الإيطاليين في طرابلس، والإنجليز في فلسطين وفي السودان، ودول البحر الأبيض المتوسط بشراء الطيارات واتخاذ أسلحة للطيران تعدل هذا السلاح المصري أو تربو عليه. ومصر – كما تعلم – تريد ويجب عليها أن تريد ولا بد لها من أن تريد التفوق على جيرانها في هذا السلاح الجوي الخطير.
ولا تقل إن هناك علة أخرى خير من هذه العلة التي نشرتها الصحف كان ينبغي أن تذكر لتقوية سلاح الطيران. فمصر في حاجة إلى هذا السلاح القوي لتقمع به حركات الوفد حين يتحرك ومظاهرات الشعب حين يحتشد، ولتضطر به الوفد إلى السكون إن هم بالحركة والشعب إلى التفرق إن أراد الاحتشاد بعد أن ظهر أن بلاء الجيش والشرطة في ذلك أقل مما ينبغي.
لا تقل هذا، فهذا كلام لا يقال. ومن يدري؟ لعل الوزارة إن قالته أن تغري الوفد بأن يتخذ من الوسائل والأسباب ما يمكنه من أن يتحرك في الجو، وتغري الشعب بأن يحتشد في السماء. ومن يدري؟ لعل الوفد أن يشتري طيارات تقاوم طيارات الدولة، وترد بلاءها إلى ما انتهى إليه بلاء الجيش وبلاء الشرطة.
صدقني ليس في الإمكان أبدع مما كان. ولم تكن الوزارة تستطيع إلا أن تنسى سلاح الطيران أثناء اجتماع البرلمان، فلو قد ذكرته لناقش النواب ولناقش الشيوخ ولانكشفت الأسرار وبانت الخفايا، وظهرت للدول الأجنبية من أمر الدفاع الوطني ما ينبغي أن تجهل، وعرف الوفد من هذا السلاح الذي يهيأ له ما لا ينبغي أن يعرف.
لم يكن بد من أن تنسى الحكومة هذا السلاح حين يخلو الجو من النواب والشيوخ حتى تستطيع أن تفتح الاعتماد في غير مناقشة ولا جدال، وتشتري الطيارات في غير قيل ولا قال، وتتأهب للمؤتمر حتى إذا انعقد نظر في الجو فرأى طيارات تطير والحكومة في الوقت نفسه تتأهب لجيرانها إن أرادوا لها كيدًا، أو دبروا لها شرًا. وهي في الوقت نفسه تتأهب للوفد إن تحرك وللشعب إن احتشد، فهي تحقق الأغراض كلها من أيسر الطرق، وأي شيء أيسر من أن تقتطع عشرات الآلاف من هذه الملايين التي يسمونها الاحتياطي، ومن أن تشتري الطيارات فإذا الجيران أمام الأمر الواقع، وإذا الوفد والشعب أمام الحقائق الثابتة، وإذا المؤتمر ينظر فإذا يرى جوًّا خاليًا من هذه الأجنحة التي ترتفع في السماء فترفع مجد مصر، لا أقول إلى السحاب، بل إلى النجوم. ثم يزعم الناس أن الذكاء المصري محدود، قصير الخطى، ضعيف الجناح، كلا، ليس للذكاء المصري حد، وليس للنبوغ المصري غاية. فمن أنكر ذلك أو جادل فيه فليبين لنا أين توجد وزارة كوزارتنا تفكر كما تفكر، وتقدم كما تقدر، وتصيب بحجر واحد عصافير لا يبلغها الإحصاء.
تبارك الله فهو وحده القادر على أن يكشف سر النبوغ.
كوكب الشرق في ١٨ – ٧ – ١٩٣٣
نبوغ | Genius
Share:
Leave a Reply