Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

ائتلاف

ائتلاف
لم أصدق في يوم من الأيام أن لرئيس الوزراء حزبًا سياسيًا يمكن أن يُسمَّى بهذا الاسم ، ولم أحسب في يوم من الأيام حسابًا لما يسمونه حزب الاتحاد ، ولم أعتقد في يوم من الأيام أن هذه الجماعات التي تُظهر الوزارة القائمة أنها تعتمد عليها وتعتز بها ، جماعات منظمة حقًا ، تقوم نظمها على أصل من أصول السياسة التي تسير الأمم والشعوب في طريق من طرق الرقي المعتدل أو المتطرف . إنما هي جماعات تتألف من أفراد لهم مآرب ومنافع ، يتحقق بعضها من تولي مناصب الحكم ، ويتحقق بعضها الآخر من الاتصال بالذين يتولون مناصب الحكم . فكل امرئ سمحت له الظروف أن يشرف على تدبير الأمور في مصر ، ووجد من الإنجليز رضا وتأييدًا ، أو إهمالًا وإغضاء ، فهو قادر على أن يؤلف هذه الجماعات ، وهو قادر على أن يفرقها ، وهو قادر على أن يعزها ويوليها النعمة والعطف ، ثم يظهر بعد ذلك أنه يعتز بها ويعتمد عليها . وهو حين يظهر ذلك يعلم حق العلم أنه لا يخدع أحدًا ، ولا يخيل إلى أحد صحة ما يظهر أو صدق ما يقول .
ولو أن رئيس الوزراء بدا له فرأى أن يتخذ أنصارًا وأعوانًا آخرين مكان من يسميهم اليوم أنصاره وأعوانه ، لما استطاع حزب الشعب أن يتنكر له ، ولما استطاع حزب الاتحاد أن يبدي له صفحًا أو يظهر عليه سخطًا . وآية ذلك أنه غضب على ثلاثة من أعوانه وزملائه السابقين؛ أحدهم كان وكيلًا لحزب الاتحاد ، وكان روحه وقلبه وعقله ، والآخران كانا — فيما يقول الناس — زعيمين عظيمين من زعماء حزب الشعب . غضب عليهم رئيس الوزراء فأخرجهم من وزارته ، ولم تنتطح في إخراجهم من هذه الوزارة عنزان ، كما يقول المثل القديم .
فأما حزب الاتحاد فأذعن ورضي ، ولم يكتف بالإذعان والرضا ، بل خذل وكيله ، ولفظ روحه ، وجاد بنفسه ، وقبل استقالة ماهر باشا من وكالة الحزب . وأما حزب الشعب فلم يتردد في الإذعان والرضا ، وإنما قدم الطاعة صاغرًا ، وخذل دوس باشا ، وقبل استقالة عبد الفتاح يحيى باشا .
وأستطيع أن أؤكد لك أن رئيس الوزراء قادر على أن يُلحق معالي حلمي عيسى باشا بزميله علي ماهر باشا ، وهو إن فعل لم يلق من حزب الاتحاد امتناعًا ولا إباء ، لأن حزب الاتحاد في نفسه لا يقدر على امتناع ولا إباء . وأستطيع أن أؤكد لك أيضًا أن رئيس الوزراء قادر على أن يُلحق سعادة علام باشا وصاحب العزة علي المنزلاوي بك بزميليهما السابقين توفيق دوس باشا وعبد الفتاح يحيى باشا ، دون أن يلقى من حزب الشعب إلا طاعة وإذعانًا ، وإلا شكرًا له وثناء عليه ، وابتهالًا إلى اللّٰه عز وجل أن يمد في عمره ، ويسبغ عليه ثوب الصحة والعافية ضافيًا فضفاضًا ، لأن حزب الشعب إنما وُجد برئيس الوزراء ، ولم يوجد رئيس الوزراء بحزب الشعب .
فلا تقل إذن إن في مصر الآن وزارة ائتلافية ، لأن مثل هذه الوزارة لا تقوم إلا إذا وجد حزبان أو أحزاب تستطيع أن تأتلف وتستطيع أن تختلف ، وتستطيع أن تسير سياسة الدولة ، وتستطيع أن تُنزل رئيس الوزراء على حكمها ، لا أن تنزل هي على حكم رئيس الوزراء . إنما في مصر وزارة صدقي باشا ، فهو الذي يجمع أصحابه ويفرقهم ، وهو الذي يرفع أصحابه إلى مناصب الحكم ، ثم يهبط بهم إلى منازل غيرهم من الناس ، وهو الذي يُحدث بين أصحابه الائتلاف ، ويصطنع متى أراد أن يُحدث بينهم الاختلاف .
فإذا كان صدقي باشا يستطيع أن يأتلف مع نفسه ويختلف ، فأنت تستطيع أن تقول إن وزارته ائتلافية ! إنما رئيس الوزراء صاحب شطرنج ، يقدم إلى رقعته ويؤخر كما يريد له فنه ومهارته في هذا الفن . ومتى رأيت قطعة أو قطعًا من أحجار الشطرنج تشير على اللاعب أو تتحدث إليه ، أو تخالفه وتنازعه فيما يخضعها له من تقديم وتأخير ؟
ولا تقل إن رئيس الوزراء مسؤول عن سياسة الدولة ، فله إذن أن يختار أعوانه ، وأن يتخفف منهم إذا ثقلوا عليه ، لأن احتمال التبعات يقتضي مثل هذا الحظ من الحرية في التغيير والتبديل ، وفي التقطيع والتوصيل . فإن رؤساء الوزارات لا ينهضون بالحكم ويحتملون التبعات نيابة عن أحزابهم ، فسياستهم رهينة برضا الأحزاب ، بحيث تستطيع هذه الأحزاب أن تأمرهم ، فإذا هم يتخلون عن مناصب الحكم في غير تردد ولا امتناع .
أفتستطيع أنت أن تتصور أن حزب الشعب يجتمع يومًا من الأيام فيعلن خطه على سياسة رئيسه ، أو يفعل ما هو دون هذا فيطلب إلى أحد وزرائه أن يدع منصبه ؟ أفتستطيع أن تتصور أن حزب الاتحاد يستطيع أن يجتمع يومًا فيطلب إلى من يمثله في الوزارة أن يدع الوزارة ؟ إذن لحُلَّ حزب الشعب وحزب الاتحاد ، أو لرفض الوزراء الذين تأمرهم أحزابهم بالاستقالة أن يستقيلوا ، ولغدوا إلى دواوينهم كل صباح ، وراحوا إلى بيوتهم كل مساء ، ولأضطر أعضاء الأحزاب أن يغدوا عليهم في الدواوين ، ويروحوا إليهم في البيوت معتذرين مستعطفين ، واعدين بأنهم لن يعودوا إلى مثل هذه الثورة الجريئة !
وعلى غير هذا النحو لا يستطيع إنسان له حظ من فهم أو تفكير أن يفسر هذا النشاط الخصب الغريب الذي يصطنعه رئيس وزرائنا في العزل والنقل ، وفي الإقالة وطلب الاستقالة ، حتى أصبحت وزارته الآن أبعد ما تكون عن وزارته يوم ألَّفها منذ أكثر من عامين .
ليس من الحق إذن أن الوزارة القائمة تمثل أحزابًا أو هيئات منظمة ، إنما الحق أن هذه الوزارة تمثل فردًا بعينه ، قد اجتمعت فيه هذه الهيئات التي يقال إن الوزارة تتألف منها ، وهو رئيس الوزراء .
ومع أن الذين يحكموننا في هذه الأيام إنما يصدرون في أكثر أعمالهم وأقوالهم عن فكرة واحدة ، هي أن الشعب قاصر ضعيف فيجب أن يكون أمره إلى الأوصياء لا إليه ، فقد فهم هذا الشعب القاصر منذ اليوم الأول حقيقة الصلة بين رئيس الوزراء وزملائه ، وبين رئيس الوزراء وهذه الهيئات التي زعم أنه يعتمد عليها ويعتز بها . فلم يصدق أنه يعتمد على حزب أو يعتز بجماعة مصرية منظمة ، وإنما استيقنوا أنه يعتز بهذه القوة أو بهذه القوى الخفية المسيطرة التي تحدثت عنها الأهرام منذ يومين . ولم ينتظر أن يكون ما قد يصيب الوزارة من خير أو شر أثرًا لرضا هذه الأحزاب أو سخطها ، وإنما انتظر أن تتأثر الوزارة بهذه القوة أو القوى التي أنشأتها وأيدتها ، وما زالت تؤيدها وتسيرها أيضًا .
وهذا وحده هو السبب في أن الذين يحبون الوزارة والذين يكرهونها لا ينتظرون لها البقاء ولا الانجلاء من رضا البرلمان عنها أو سخطه عليها ، وإن كان الدستور يجعل إلى البرلمان إبقاء الوزارة وإسقاطها ، إنما ينتظرون هذا أو ذاك من هذه القوة الخفية المسيطرة المدبرة التي تظهر في القاهرة حينًا ، وفي لندن أحيانًا .
والناس معذورون إذا فكروا في الإنجليز وانتظروا الخير أو الشر للوزارة من الإنجليز ، لأنهم لم يروا قط من البرلمان خلافًا على الوزارة ، أو مخاصمة لها ، أو ترددًا في تأييدها . ونادر جدًا أن تجري الأمور بين الوزارة والبرلمان على هذا الوفاق الغريب ، رغم العواصف العنيفة التي تعصف البلاد في هذه الأيام . وهذا أيضًا هو الذي أتعب الناس في فهم ما يسمونه الجو السياسي ، وفي التماس الرياح التي يمكن أن تهب فيه فتعصف بالوزارة أو تدفعها ذات اليمين أو ذات الشمال .
فلو كان الأمر عندنا كما هو في البلاد الدستورية الأخرى ، لما حفل أحد بسفر المندوب السامي أو إقامته ، ولا باجتماع اللجنة المصرية الإنجليزية أو افتراقها ، ولا بصمت الصحف الإنجليزية أو إكثارها في القول ، ولتجه الناس إلى البرلمان يلتمسون منه وحده فهم السياسة المصرية ، ويتعرفون فيه وحده جو السياسة المصرية .
على رئيس الوزراء وحده تقع هذه النتيجة المنكرة ، تبعة اتجاه المصريين إلى الإنجليز ينتظرون منهم الخير والشر . فلو قد سار في وزارته هذه السيرة الطبيعية التي تلائم الحياة الدستورية الصحيحة ، لنظر المصريون إلى أنفسهم أكثر مما ينظرون إلى الإنجليز ، ولأنتظر المصريون من أنفسهم أكثر مما ينتظرون من الإنجليز .
ماذا أقول ؟ لو سار رئيس الوزراء هذه السيرة المألوفة في البلاد الدستورية لما أقام في الحكم شهرًا .
كوكب الشرق ١٩\٠٣\١٩٣٣

Share:

Comments

Leave a Reply