الابتهاج بالمعرفة
طه حسين
جريدة السياسة
٢٥ ديسمبر ١٩٢٣
للمجمع العلمي الفرنسي عادة هي أن تجتمع فروعه كلها مرة في كل عام إلى جلسة عامة علنية يحضرها الجمهور، وتُلْقَى فيها خطب على ألسنة هذه الفروع تمثِّل أغراضها وميولها ولذاتها، وقد تجعل ما وصلت إليه في عامها من النتائج العلمية المختلفة، وقد قرأتُ منذ أسابيع خطب هؤلاء العلماء والأدباء الذين تحدثوا إلى المجمع العلمي الفرنسي، وإلى الجمهور الذي حضر جلسته العامة في أواخر أكتوبر الماضي؛ فوقفتني منها خطبة (للأستاذ بيير ترمييه ممثل مجمع العلوم). لا أقول إنها سحرتني، ولكني أقول إنها أعجبتني جدًّا؛ لأن فيها روحًا أحب أن ينتشر في مصر، أو أحب على أقل التقدير أن يعرف الناس له قدره فيحبوه ويميلوا إليه، هذا الروح هو روح الرغبة الخالصة في العلم من حيث هو، ودون أن ترجو منه نفعًا ماديًّا أو فائدة من فوائد الحياة، ودون أن ترجو منه شيئًا آخَر غير المعرفة والابتهاج بالمعرفة. هذا هو الروح الذي تمثِّله هذه الخطبة، وهو الذي يدفع العلماء على أن يبحثوا ويجدوا في البحث، ويحتملوا في سبيل هذا البحث العناء والخطوب ما ليس إلى وصفه سبيل، لا يثنيهم عنه بؤس ولا ضنك، ولا يصرفهم عنه مرض ولا ضعف، بل تغريهم به الخطوب كلما اشتد عليهم وطؤها، وناء بهم حملها؛ ذلك لأنهم ذاقوا لذة العلم وأحسوا هذا الابتهاج بالمعرفة، هذا الابتهاج الذي لا حد له ولا سبيل إلى وصفه وتقريبه من الناس، ذاقوا لذة العلم وأحسوا الابتهاج بالمعرفة؛ فأصبحوا كلفين بهما راغبين فيهما، لا يحيون إلا لهما وبهما، ينفقون حياتهم وقوتهم، ويبذلون أعز الأشياء عليهم وأحبها إليهم؛ ليبلغوا من هذا الابتهاج وتلك اللذة حظًّا مهما يقل ويضعف فهو أعظم في نفوسهم أثرًا من لذات الحياة جميعًا، ومن كل ما ينال الإنسان من أنواع الابتهاج.
أعجبتني هذه الخطبة؛ أحببت أن أعطيك منها صورة موجزة ولكنها صادقة، وأرجو أن تكون لذة الصورة من الأثر في نفسك مثل ما كان لها من الأثر في نفس الفرنسيين، فقد عنيت الصحف الفرنسية بهذه الخطبة وتناولتها بالبحث أيامًا، ولست أترجم وإنما ألخِّص.
فقد وصف شعراء كثيرون — وأبدعوا في الوصف أكثر الأحيان — الابتهاجَ بالحب، وأريد أن أصف في إيجازٍ وبُعْدٍ عن التكلف الابتهاجَ بالمعرفة، الابتهاج بأن تعرف قبل غيرك، بأن تكون السابق إلى استكشاف شيء لا يفترضون له وجودًا وسيدفعهم العلم به غدًا، الابتهاج بأن تستكشف ظواهر لم تُلْمَح إلى اليوم، أو بأن تجد صلات بين أشياء كان يُخَيَّل إلى الناس أن ليس بينها صلة، فأصبحت متصلة قد قُرِنَ بعضها إلى بعض وأصبح بعضها يفسر بعضًا، الابتهاج بأن تتنبأ وتضع قوانين طبيعية تسمح بأن تتوقع ظواهر جديدة؛ فنفتح أمام الباحثين الباب إلى ميدان البحث واللذة لا حد له، الابتهاج بأن ترفع القبس في السجن المظلم، والنجم في السماء الحالكة، أو أن تقيم منارًا على ساحل هذا البحر تغطيه الظلمات، وأن ترد عنَّا هذا الليل الحالك الذي يأخذنا من كل وجه، الابتهاج بأن تضيف حقيقة أو جزءًا ولو صغيرًا جدًّا من الحقيقة العظمى إلى هذا الكنز من الحقائق التي اتفق العقل الإنساني القرون الطوال في جَمْعها والتأليف بينها.
الابتهاج بالمعرفة! إلى أي نوع من أنواع الابتهاج أستطيع أن أقيسه؟ إلى ابتهاج الرحَّالة يجدُّ في استكشاف الأرض المجهولة، فهو يمضي أمامه مزدريًا ما يلقى من العناء، ساخرًا من كيد القبائل، يملؤه احتقار الأمراض المختلفة التي تتربص له في الطريق، يمضي أمامه يملؤه الابتهاج بأنه سيرى ما لم يرَ من قبله أحد المتحضرين؟ أأقيسه إلى ابتهاج البَحَّار مضى يقتحم ليستكشف عالمًا جديدًا؟ هذا هو الليل وقد هدأت الرياح وتريد الأمواج أن تنام، وهؤلاء أهل السفينة وبحارتها يغنون قد نسوا أمس وهم لا يفكرون في غد، ولكن قبطان السفينة لا ينام ولا يغني، وقائم في مؤخر السفينة أو في مقدمها ينظر — وقد أسكره الابتهاج — إلى السماء؛ فإذا نجوم جديدة تصعد فيها من أعماق المحيط، ينتظر صيحة البحَّار يعلن إليه الأرض، وانتظار هذه الصيحة، وانتظار هذه الأرض وحدهما سيحملانه على أن يقضي الليل ساهرًا ثملًا؟ أأقيسه إلى ابتهاج المصعد في الجبل رأى في الأفق ذروة القمة العسيرة لم يبلغها أحد من قبله فأقسم ليبلغنها؛ فجاهد ساعات أو أيامًا ثم وصل إلى غايته. يا لها من لحظة انتصار يضع فيها قدميه على هذه القمة المتخربة لم يبلغها من قبله إلا النسر أو الصاعقة … كلا، ما أقل هذا الابتهاج! ما أقل هذه الأنواع كلها من الابتهاج بالقياس إلى هذا الذي أريد أن أصفه، فكلُّ هذه الأنواع من الابتهاج مصدرها الإمكان، وفيها لحب الاستطلاع والكبرياء وغيرهما من الخصال الشخصية أثر عظيم، وليس فيهما نوع واحد مصدره الانتصار الصحيح للعقل، أو النمو الصحيح للكنز العلمي، إنما هي أنواع من الابتهاج المؤقت لا يكاد يظفر به صاحبه حتى يفقده. وإذا كان هناك ابتهاج يصح أن يقاس إلى هذا الابتهاج، فهو هذا الذي يشعر به الفنان أمام إبداعه الفني؛ فإن أثر الفنان حياته كلها، فهو يعتقد أنه لم يعش إلا لهذا الأثر، وهو يعلم أنه أثر خالد، وأن هذا الأثر سيظل حتى آخِر الدهر بهجةً لأعين الناس أو آذانهم، وعزاء لنفوسهم على كل حال. نعم، يمكن أن يقاس أحد هذين الابتهاجين إلى صاحبه: ابتهاج العالم والفيلسوف، وابتهاج الشاعر والفنان، وليس هناك ابتهاج آخَر يمكن أن يقاس إليهما، ومهما نبذ من قوة فليس إلى وصف هذين الابتهاجين من سبيل، هما فوق الوصف؛ لأن فيهما شيئًا من اللانهاية؛ أحدهما مصدره الحقيقة، والآخَر مصدره الجمال، فهما يوشكان أن يكونا إِلَهَيْن. أرى فيهما صورة أو ظلًّا من ابتهاج الخالق أخذ يستريح بعد اليوم السادس من أيام الخليقة، وقد نظر في هذه الخليقة فرآها قد استوفت من الإتقان أكمله.
الابتهاج بالمعرفة! ذاقه كثير من العلماء، وذاقه بعضهم مرات في حياته، بل ذاقه بعضهم على اتصال في مساء الحياة؛ فكان هذا المساء في جماله وبهجته وفي خفته وحسن وقعه على النفس كأجمل ما تشهد من المساء في الصيف، عزاهم هذا الابتهاج عن البؤس وعن سوء الحال وعن هذا الألم تشعر به حين تحس أن الناس من حولك لا يفهمونك، عزاهم عن المناقضة وعن حمق الخصوم. ظهروا في أكثر الأحيان فقراء ضعفاء منهوكين مجانين قليلًا محتقرين، وكان الناس يستهزئون بهم ويرثون لهم، ولكن نفوسهم كانت فرحة مبتهجة، وما قيمة الفقر والبؤس؟ وماذا يعنيهم ألَّا يفهمهم الناس أو أن يزدروهم وهم يعيشون في المجد، في ضوء هذا المجد العظيم الذي يرتفع هناك في الأفق؟ … ابتهاج «جليليه» وقد أحس تحت قدميه حركة الأرض، ابتهاج «كبلير» وقد أصغى في الليالي الحِسَان إلى حركات الكواكب البعيدة، فاتخذ منها قوانين دقيقة صادقة، ابتهاج «نيوتن» وقد رأى كل شيء من حوله يثبت قانون الجذب العام، ويجعل الفلك كله مسألة ميكانيكية، ابتهاج «لابلاس» يشرح افتراضه المشهور في أصل الشمس والكواكب، ابتهاج «لاڤوازييه» يخلق الكيمياء.
ثم يمضي الخطيب في ذِكْر هؤلاء العلماء وأشباههم إلى هذا العصر الذي نحن فيه، ويذكر بنوع خاص أستاذين له، ولكنه ينتهي إلى أن هناك شيئًا من اليأس يحزن العلماء؛ لأنهم يشعرون بأنهم لن يصلوا إلى كل شيء، فلن يعرف العلماء ما الزمان وما المكان، ولن يعرف الناس في الغالب ما الضوء وما حركته، ولن يعرفوا ما الأرض وما أصلها وما طبيعة باطنها، ولن يعرفوا في الغالب ما عالم الحياة وكيف نشأ، وما صلة الإنسان بالحيوان وكم عصر مضى منذ وُجِد الإنسان، ولكنهم سيبتهجون لأنهم سيعرفون أشياء كثيرة، سيعرفون ما الزلزال وما مصدره، سيعرفون تطور الحياة، وما أشد ابتهاجهم يوم يستكشفون دواء السرطان والسل!
نعم، العلم مصدر الابتهاج، وهو أعظم مصادر الابتهاج؛ ولهذا سيكون بين الناس علماء ما دام بين الناس مَن يفكر. نعم، إن المجامع العلمية تحسن بإنشاء الجوائز والمكافآت وتشجيع العلماء والباحثين، ولكن أي جائزة وأي مكافأة أحسن في النفس أثرًا وأعظم للباحث تشجيعًا من الحقيقة نفسها حين تظهر لك وقد كانت خفية عليك؟!
تقول الحكمة للحكيم: سأكون أنا جائزتك العظمى! …
الابتهاج بالمعرفة
Academic Dedication Epistemology Human Curiosity Intellectual Pursuit Philosophical Inquiry pure joy of knowledge; Pierre Termier; French Academy lecture; intellectual discovery; science vs. materialism; scientific happiness; truth as reward; artistic and scientific rapture Scientific Discovery Truth and Beauty
Share:
Leave a Reply