Tag: Philosophical Inquiry

  • بين الإفراط والتفريط

    بين الإفراط والتفريط

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٨ أكتوبر ١٩٤٦

    أي الأمرين خير: الإفراط في الحرية أم التفريط فيها؟! تلك هي المسألة التي أحب أن يفكر القراء فيها.

    أريد اليوم أن أدعو القرَّاء إلى التفكير في موضوع خطير، وهو موضوع الحرية الأدبية. وهذا الموضوع يتصل بالسياسة إن شئت، وينفصل عن السياسة إن شئت؛ فهو أوسع منها مدًى وأبعد أثرًا … يتصل بالسياسة من حيث إن الدولة هي التي تُشرِّع القوانين التي تنظِّم حقوق الناس في التفكير والتعبير. فهي تستطيع أن تشرع القوانين سمحة يسيرة مرنة تُتِيحُ للناس أن يفكِّروا كما يشاءون، وأن يعبِّروا عن آرائهم كما يريدون، كما تستطيع أن تشرع هذه القوانين صلبة عابسة ضيقة ترهق الناس من أمرهم عسرًا حين يفكِّرون وحين يعبِّرون!

    وقد قال الفلاسفة — وسيقولون دائمًا — إن حرية التفكير مطلقة للناس جميعًا، لا يستطيع أحد أن يحدَّ منها ولا أن يسيطر عليها، ولا يمكن أن يخضع للقانون؛ لأن سلطان الدولة — مهما يشتد ويمتد — لا يستطيع أن يصل إلى أعماق الضمائر ودخائل النفوس.

    ولكن هذا كلام إن صوَّر الحق من الناحية النظرية الخالصة، فهو لا يصوره من الناحية العملية بحالٍ من الأحوال؛ ذلك أن التفكير الذي لا يتجاوز أعماق الضمائر ودخائل النفوس قد تكون له قيمته الفردية، ولكنه ملغى بالقياس إلى المنفعة الاجتماعية. فيستطيع الفرد أن يفكر كما يشاء، وأن يبني القصور الإسبانية في عمق ضميره ودخيلة نفسه، فلن يكون لتفكيره هذا خطر إلَّا إذا استطاع أن يخرج من عمق الضمير ودخيلة النفس ليبلغ أعماق الضمائر الأخرى ودخائل النفوس الأخرى!

    على أن الأمر لا يَقِفُ عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما هو أعظم منه خطرًا وأبعد منه أثرًا؛ فإن الفرد حين يستيقن أن تفكيره لن يتجاوز ضميره ولن يصبح شيئًا اجتماعيًّا يلقاه الناس بالرفض أو القبول ويتخذونه موضوعًا للجدل والخلاف، يزهد في هذا التفكير الذي لا ينفع أحدًا ولا يضر أحدًا، وينصرف عنه إلى غيره من الأشياء التي يمكن أن يُعْنَى بها نظراؤه. وهذا حق إلى حد أن الفرد قد يَأْلَفُ الحياة الضيقة التي تُحَدُّ فيها حرية التعبير؛ فلا يشعر بحاجته إلى أن يفكر في هذا الموضوع أو ذاك، بل لا يشعر أحيانًا بوجود هذا الموضوع أو ذاك إلَّا حين يقرأ كتابًا نشر في لغة أجنبية، وعرض فيه صاحبه لهذا الموضوع أو ذاك، فيعلم حينئذ أن هذا الموضوع موجود، وأنه يمكن أن يفكر فيه المفكرون، ويعبِّر عنه المعبرون، ويجد فيه القارئون لذةً ومتاعًا، أو يجد فيه القارئون ضيقًا واشمئزازًا.

    وأكبر الظن أن كثيرًا جدًّا من إعجاب القراء الشرقيين ببعض الكتب الأجنبية إنما يأتي من أنهم يجدون في هذه الكتب ألوانًا من التفكير لم يألفوها، ولم يجدوا في أنفسهم الحاجة إليها أو القدرة على التعرض لها. ولكنهم يقفون عند هذا ولا يسألون أنفسهم عن الأسباب التي تحول بينهم وبين التفكير في هذه الموضوعات والتعبير عنها. ولو قد سألوا أنفسهم هذا السؤال وتعمَّقوا الجواب عليه؛ لعرفوا أن أهم الأسباب هو نقصان حظِّهم من الحرية التي تُتِيح لهم أن يفكروا؛ لأنهم لا يملكون الحرية التي تتيح لهم أن يعبِّروا. ولو قد أُتيح للشرقيين من حرية التعبير ما أُتيح للغربيين لكان من الممكن جدًّا — بل من المحقق — أن يطرقوا موضوعات لا يطرقها إلى الآن إلَّا الأدباء والمفكرون من أهل الغرب.

    وربما كان من الخير أن نضرب الأمثال لهذه الظاهرة، فالمثقف المصري — مثلًا — يرى حياتنا الاجتماعية وما فيها من النقائص، فيفكر فيها تفكيرًا محدودًا، ويعبِّر عن تفكيره هذا تعبيرًا محدودًا … يطالب بمحاربة الفقر والجهل والمرض، وقد يقترح الوسائل اليسيرة التي تُتيح إزالة الفقر والجهل والمرض. ولكنه يقف من التفكير والتعبير عند هذا الحد! ثم هو يقرأ ما يكتبه الغربيون في نقد الحياة الاجتماعية؛ فيعجب بما يقرأ وقد يُفْتَنُ به فتونًا، وقد يقع في نفسه الحزن؛ لأن هذه الكتب لم تنشأ في اللغة العربية، أو لم تنقل إلى اللغة العربية، ولكنه يعلم حقَّ العلم أن إنشاءها في اللغة العربية ممنوع بالقانون، وأن نقلها إلى العربية ممنوع بالقانون أيضًا؛ فهو يريح نفسه إذن من تعمق التفكير في حياتنا الاجتماعية وفي آفاتها وفي وسائل التخلص من هذه الآفات، ويكتفي بالقراءة لما يكتبه الغربيون إن كان من أولي العزم … فإن كان من أوساط الناس شغل نفسه بما يشغل به أوساط الناس أنفسهم، فأكل كثيرًا، وشرب كثيرًا، وأُغرق في النوم، وتفكَّه بألوان النكت وفنون الحديث!

    وكذلك الأمر فيما يتصل بالموضوعات التي تمسُّ الفلسفة العليا وتمس الدين من قرب أو بعد … فالقارئ الشرقي يرى عند الغربيين أعاجيب قد تروقه وقد تروعه وقد تفتنه، ولكنه يعلم أنه مصدود عنها صدًّا؛ لأن هناك موضوعات قد يستطيع أن يفكر فيها، ولكنه ممنوع بالقانون من أن يعلن القراءة فيها إلى الناس. فهو إذن ممنوع بالقانون من التفكير، قد فرض القانون على عقله الخمود والجمود والكسل فرضًا.

    فأنت ترى مقدار الاتصال بين حرية الأدب وبين السياسة التي تشرع القوانين، فتوسع على الناس أو تضيق عليهم الحرية. على أن السياسة ليست وحدها هي التي تحدُّ من حرية المثقف والأديب، ولعل السياسة في كثير من الأحيان أن تكون مضطرة إلى هذا التضييق اضطرارًا يدفعها إليه العرف، ويدفعها إليه ما يملأ صدور الناس من الحرج إذا أوذيت بغير تألف من ضروب الفكر وفنون القول!

    فالحب مثلًا موضوع هذه الموضوعات الأدبية التي أفنى الشعراء والكتَّاب أعمارهم وجهودهم في درسها وتقصيها دون أن يبلغوا الغاية من هذا الدرس أو هذا التقصي. والقارئ العربي يستطيع أن يجد الأعاجيب من نتائج هذا الدرس والتقصي في كتب الغربيين: في شعرهم حين ينظمون الشعر، وفي قصصهم حين يكتبون القصص، وفي تمثيلهم حين يحاولون التمثيل، وفي فلسفتهم حين يعالجون الفلسفة … ولكنه ممنوع من أن يحاول أن ينشئ في الحب بلغته العربية مثل ما ينشئ الغربيون. يمنعه من ذلك العرف المألوف الذي يفرض على الأدباء والمثقفين حدودًا معينة من الوقار الصادق قليلًا والكاذب كثيرًا، لا ينبغي لهم أن يتجاوزوها. فإن فعلوا فهم خارجون على العرف، معتدون على الأخلاق، مفسِدون للشباب. وهنا تضطر السياسة إلى أن تتدخل لحماية العرف والأخلاق والشباب! وإذن فما حاجة الأديب إلى أن يدرس، وما حاجته إلى أن يستقصي، وما حاجته إلى أن يفكر أو يقول ما دام هذا كله قد ينتهي به إلى سخط الجمهور وإلى بطش السلطان؟!

    هذا كله يصوِّر لك ما يكون بين حرية الأديب وبين السياسة من اتصال وانفصال … فللحرية إذن خصمان: أحدهما يأتي من الدولة حين تُشرِّع القوانين الضيقة العابسة، والآخر يأتي من العرف حين يكون متزمتًا مسرفًا في التزمُّت، وعابسًا مغرقًا في العبوس. وهذا كله ينتهي بالأديب والمثقف إلى الإعراض عن التفكير ما دام عاجزًا عن أن يُذِيع ما فكَّر فيه؛ فيكون التفريط.

    ولكن الحرية لا تشكو من التفريط وحده، وإنما تشكو من الإفراط أيضًا؛ فقد يتحرَّر العرف من كثيرٍ جدًّا من القيود، ويصبح سمحًا يقبل كل شيء، وينتفع بما فيه النفع، ويهمل ما لا يرى فيه نفعًا. وهناك تحرر السياسة كما تحرر العرف، فتُشرع القوانين سمحة يسيرة، أو تهمل تنفيذ القوانين إن كان فيها شيء من العسر والضيق.

    والعقل الإنساني جامح دائمًا، وحرية التفكير لا تعرف لنفسها حدًّا، إلَّا أن يفرض عليها هذا الحد من خارج. ومن أجل ذلك تنتهي هذه الحرية الجامحة التي لا يحدُّها العرف ولا تقيِّدها السياسة إلَّا قليلًا إلى ألوان من الإسراف المؤذي؛ فهي لا تقف عند شيء، ولا ترجو لشيءٍ وقارًا، وإنما تزدري القيم كلها، وتسخر من الحقائق كلها، وتنتهي بالإنسان إلى شيءٍ من اليأس المهلك. ويكفي أن ينظر الإنسان في بعض ما ينشئه الأمريكيون والفرنسيون من الكتب في هذه الأيام — ومن قبل هذه الأيام — ليعرف ما تصل إليه الحرية حين ترسَل على سجيتها.

    فالمسألة الآن هي هذه: أي الأمرين خير؛ الإفراط في الحرية أم التفريط فيها؟

    هذه هي المسألة التي أحب أن يفكر القرَّاء فيها! وأكبر الظن أنهم سيرون كما يرى كل مفكر معتدل أن القصد خير من الإفراط والتفريط؛ لأن خير الأمور أوساطها … ولكن إذا لم يكن إلى القصد سبيل فأي الأمرين خير: الإفراط أم التفريط؟ هذه هي المشكلة.

  • الابتهاج بالمعرفة

    الابتهاج بالمعرفة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٥ ديسمبر ١٩٢٣

    للمجمع العلمي الفرنسي عادة هي أن تجتمع فروعه كلها مرة في كل عام إلى جلسة عامة علنية يحضرها الجمهور، وتُلْقَى فيها خطب على ألسنة هذه الفروع تمثِّل أغراضها وميولها ولذاتها، وقد تجعل ما وصلت إليه في عامها من النتائج العلمية المختلفة، وقد قرأتُ منذ أسابيع خطب هؤلاء العلماء والأدباء الذين تحدثوا إلى المجمع العلمي الفرنسي، وإلى الجمهور الذي حضر جلسته العامة في أواخر أكتوبر الماضي؛ فوقفتني منها خطبة (للأستاذ بيير ترمييه ممثل مجمع العلوم). لا أقول إنها سحرتني، ولكني أقول إنها أعجبتني جدًّا؛ لأن فيها روحًا أحب أن ينتشر في مصر، أو أحب على أقل التقدير أن يعرف الناس له قدره فيحبوه ويميلوا إليه، هذا الروح هو روح الرغبة الخالصة في العلم من حيث هو، ودون أن ترجو منه نفعًا ماديًّا أو فائدة من فوائد الحياة، ودون أن ترجو منه شيئًا آخَر غير المعرفة والابتهاج بالمعرفة. هذا هو الروح الذي تمثِّله هذه الخطبة، وهو الذي يدفع العلماء على أن يبحثوا ويجدوا في البحث، ويحتملوا في سبيل هذا البحث العناء والخطوب ما ليس إلى وصفه سبيل، لا يثنيهم عنه بؤس ولا ضنك، ولا يصرفهم عنه مرض ولا ضعف، بل تغريهم به الخطوب كلما اشتد عليهم وطؤها، وناء بهم حملها؛ ذلك لأنهم ذاقوا لذة العلم وأحسوا هذا الابتهاج بالمعرفة، هذا الابتهاج الذي لا حد له ولا سبيل إلى وصفه وتقريبه من الناس، ذاقوا لذة العلم وأحسوا الابتهاج بالمعرفة؛ فأصبحوا كلفين بهما راغبين فيهما، لا يحيون إلا لهما وبهما، ينفقون حياتهم وقوتهم، ويبذلون أعز الأشياء عليهم وأحبها إليهم؛ ليبلغوا من هذا الابتهاج وتلك اللذة حظًّا مهما يقل ويضعف فهو أعظم في نفوسهم أثرًا من لذات الحياة جميعًا، ومن كل ما ينال الإنسان من أنواع الابتهاج.

    أعجبتني هذه الخطبة؛ أحببت أن أعطيك منها صورة موجزة ولكنها صادقة، وأرجو أن تكون لذة الصورة من الأثر في نفسك مثل ما كان لها من الأثر في نفس الفرنسيين، فقد عنيت الصحف الفرنسية بهذه الخطبة وتناولتها بالبحث أيامًا، ولست أترجم وإنما ألخِّص.

    فقد وصف شعراء كثيرون — وأبدعوا في الوصف أكثر الأحيان — الابتهاجَ بالحب، وأريد أن أصف في إيجازٍ وبُعْدٍ عن التكلف الابتهاجَ بالمعرفة، الابتهاج بأن تعرف قبل غيرك، بأن تكون السابق إلى استكشاف شيء لا يفترضون له وجودًا وسيدفعهم العلم به غدًا، الابتهاج بأن تستكشف ظواهر لم تُلْمَح إلى اليوم، أو بأن تجد صلات بين أشياء كان يُخَيَّل إلى الناس أن ليس بينها صلة، فأصبحت متصلة قد قُرِنَ بعضها إلى بعض وأصبح بعضها يفسر بعضًا، الابتهاج بأن تتنبأ وتضع قوانين طبيعية تسمح بأن تتوقع ظواهر جديدة؛ فنفتح أمام الباحثين الباب إلى ميدان البحث واللذة لا حد له، الابتهاج بأن ترفع القبس في السجن المظلم، والنجم في السماء الحالكة، أو أن تقيم منارًا على ساحل هذا البحر تغطيه الظلمات، وأن ترد عنَّا هذا الليل الحالك الذي يأخذنا من كل وجه، الابتهاج بأن تضيف حقيقة أو جزءًا ولو صغيرًا جدًّا من الحقيقة العظمى إلى هذا الكنز من الحقائق التي اتفق العقل الإنساني القرون الطوال في جَمْعها والتأليف بينها.

    الابتهاج بالمعرفة! إلى أي نوع من أنواع الابتهاج أستطيع أن أقيسه؟ إلى ابتهاج الرحَّالة يجدُّ في استكشاف الأرض المجهولة، فهو يمضي أمامه مزدريًا ما يلقى من العناء، ساخرًا من كيد القبائل، يملؤه احتقار الأمراض المختلفة التي تتربص له في الطريق، يمضي أمامه يملؤه الابتهاج بأنه سيرى ما لم يرَ من قبله أحد المتحضرين؟ أأقيسه إلى ابتهاج البَحَّار مضى يقتحم ليستكشف عالمًا جديدًا؟ هذا هو الليل وقد هدأت الرياح وتريد الأمواج أن تنام، وهؤلاء أهل السفينة وبحارتها يغنون قد نسوا أمس وهم لا يفكرون في غد، ولكن قبطان السفينة لا ينام ولا يغني، وقائم في مؤخر السفينة أو في مقدمها ينظر — وقد أسكره الابتهاج — إلى السماء؛ فإذا نجوم جديدة تصعد فيها من أعماق المحيط، ينتظر صيحة البحَّار يعلن إليه الأرض، وانتظار هذه الصيحة، وانتظار هذه الأرض وحدهما سيحملانه على أن يقضي الليل ساهرًا ثملًا؟ أأقيسه إلى ابتهاج المصعد في الجبل رأى في الأفق ذروة القمة العسيرة لم يبلغها أحد من قبله فأقسم ليبلغنها؛ فجاهد ساعات أو أيامًا ثم وصل إلى غايته. يا لها من لحظة انتصار يضع فيها قدميه على هذه القمة المتخربة لم يبلغها من قبله إلا النسر أو الصاعقة … كلا، ما أقل هذا الابتهاج! ما أقل هذه الأنواع كلها من الابتهاج بالقياس إلى هذا الذي أريد أن أصفه، فكلُّ هذه الأنواع من الابتهاج مصدرها الإمكان، وفيها لحب الاستطلاع والكبرياء وغيرهما من الخصال الشخصية أثر عظيم، وليس فيهما نوع واحد مصدره الانتصار الصحيح للعقل، أو النمو الصحيح للكنز العلمي، إنما هي أنواع من الابتهاج المؤقت لا يكاد يظفر به صاحبه حتى يفقده. وإذا كان هناك ابتهاج يصح أن يقاس إلى هذا الابتهاج، فهو هذا الذي يشعر به الفنان أمام إبداعه الفني؛ فإن أثر الفنان حياته كلها، فهو يعتقد أنه لم يعش إلا لهذا الأثر، وهو يعلم أنه أثر خالد، وأن هذا الأثر سيظل حتى آخِر الدهر بهجةً لأعين الناس أو آذانهم، وعزاء لنفوسهم على كل حال. نعم، يمكن أن يقاس أحد هذين الابتهاجين إلى صاحبه: ابتهاج العالم والفيلسوف، وابتهاج الشاعر والفنان، وليس هناك ابتهاج آخَر يمكن أن يقاس إليهما، ومهما نبذ من قوة فليس إلى وصف هذين الابتهاجين من سبيل، هما فوق الوصف؛ لأن فيهما شيئًا من اللانهاية؛ أحدهما مصدره الحقيقة، والآخَر مصدره الجمال، فهما يوشكان أن يكونا إِلَهَيْن. أرى فيهما صورة أو ظلًّا من ابتهاج الخالق أخذ يستريح بعد اليوم السادس من أيام الخليقة، وقد نظر في هذه الخليقة فرآها قد استوفت من الإتقان أكمله.

    الابتهاج بالمعرفة! ذاقه كثير من العلماء، وذاقه بعضهم مرات في حياته، بل ذاقه بعضهم على اتصال في مساء الحياة؛ فكان هذا المساء في جماله وبهجته وفي خفته وحسن وقعه على النفس كأجمل ما تشهد من المساء في الصيف، عزاهم هذا الابتهاج عن البؤس وعن سوء الحال وعن هذا الألم تشعر به حين تحس أن الناس من حولك لا يفهمونك، عزاهم عن المناقضة وعن حمق الخصوم. ظهروا في أكثر الأحيان فقراء ضعفاء منهوكين مجانين قليلًا محتقرين، وكان الناس يستهزئون بهم ويرثون لهم، ولكن نفوسهم كانت فرحة مبتهجة، وما قيمة الفقر والبؤس؟ وماذا يعنيهم ألَّا يفهمهم الناس أو أن يزدروهم وهم يعيشون في المجد، في ضوء هذا المجد العظيم الذي يرتفع هناك في الأفق؟ … ابتهاج «جليليه» وقد أحس تحت قدميه حركة الأرض، ابتهاج «كبلير» وقد أصغى في الليالي الحِسَان إلى حركات الكواكب البعيدة، فاتخذ منها قوانين دقيقة صادقة، ابتهاج «نيوتن» وقد رأى كل شيء من حوله يثبت قانون الجذب العام، ويجعل الفلك كله مسألة ميكانيكية، ابتهاج «لابلاس» يشرح افتراضه المشهور في أصل الشمس والكواكب، ابتهاج «لاڤوازييه» يخلق الكيمياء.

    ثم يمضي الخطيب في ذِكْر هؤلاء العلماء وأشباههم إلى هذا العصر الذي نحن فيه، ويذكر بنوع خاص أستاذين له، ولكنه ينتهي إلى أن هناك شيئًا من اليأس يحزن العلماء؛ لأنهم يشعرون بأنهم لن يصلوا إلى كل شيء، فلن يعرف العلماء ما الزمان وما المكان، ولن يعرف الناس في الغالب ما الضوء وما حركته، ولن يعرفوا ما الأرض وما أصلها وما طبيعة باطنها، ولن يعرفوا في الغالب ما عالم الحياة وكيف نشأ، وما صلة الإنسان بالحيوان وكم عصر مضى منذ وُجِد الإنسان، ولكنهم سيبتهجون لأنهم سيعرفون أشياء كثيرة، سيعرفون ما الزلزال وما مصدره، سيعرفون تطور الحياة، وما أشد ابتهاجهم يوم يستكشفون دواء السرطان والسل!

    نعم، العلم مصدر الابتهاج، وهو أعظم مصادر الابتهاج؛ ولهذا سيكون بين الناس علماء ما دام بين الناس مَن يفكر. نعم، إن المجامع العلمية تحسن بإنشاء الجوائز والمكافآت وتشجيع العلماء والباحثين، ولكن أي جائزة وأي مكافأة أحسن في النفس أثرًا وأعظم للباحث تشجيعًا من الحقيقة نفسها حين تظهر لك وقد كانت خفية عليك؟!

    تقول الحكمة للحكيم: سأكون أنا جائزتك العظمى! …

  • من هنا وهناك | From here and there

    الابتهاج بالمعرفة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٥ ديسمبر ١٩٢٣

    للمجمع العلمي الفرنسي عادة هي أن تجتمع فروعه كلها مرة في كل عام إلى جلسة عامة علنية يحضرها الجمهور، وتُلْقَى فيها خطب على ألسنة هذه الفروع تمثِّل أغراضها وميولها ولذاتها، وقد تجعل ما وصلت إليه في عامها من النتائج العلمية المختلفة، وقد قرأتُ منذ أسابيع خطب هؤلاء العلماء والأدباء الذين تحدثوا إلى المجمع العلمي الفرنسي، وإلى الجمهور الذي حضر جلسته العامة في أواخر أكتوبر الماضي؛ فوقفتني منها خطبة (للأستاذ بيير ترمييه ممثل مجمع العلوم). لا أقول إنها سحرتني، ولكني أقول إنها أعجبتني جدًّا؛ لأن فيها روحًا أحب أن ينتشر في مصر، أو أحب على أقل التقدير أن يعرف الناس له قدره فيحبوه ويميلوا إليه، هذا الروح هو روح الرغبة الخالصة في العلم من حيث هو، ودون أن ترجو منه نفعًا ماديًّا أو فائدة من فوائد الحياة، ودون أن ترجو منه شيئًا آخَر غير المعرفة والابتهاج بالمعرفة. هذا هو الروح الذي تمثِّله هذه الخطبة، وهو الذي يدفع العلماء على أن يبحثوا ويجدوا في البحث، ويحتملوا في سبيل هذا البحث العناء والخطوب ما ليس إلى وصفه سبيل، لا يثنيهم عنه بؤس ولا ضنك، ولا يصرفهم عنه مرض ولا ضعف، بل تغريهم به الخطوب كلما اشتد عليهم وطؤها، وناء بهم حملها؛ ذلك لأنهم ذاقوا لذة العلم وأحسوا هذا الابتهاج بالمعرفة، هذا الابتهاج الذي لا حد له ولا سبيل إلى وصفه وتقريبه من الناس، ذاقوا لذة العلم وأحسوا الابتهاج بالمعرفة؛ فأصبحوا كلفين بهما راغبين فيهما، لا يحيون إلا لهما وبهما، ينفقون حياتهم وقوتهم، ويبذلون أعز الأشياء عليهم وأحبها إليهم؛ ليبلغوا من هذا الابتهاج وتلك اللذة حظًّا مهما يقل ويضعف فهو أعظم في نفوسهم أثرًا من لذات الحياة جميعًا، ومن كل ما ينال الإنسان من أنواع الابتهاج.

    أعجبتني هذه الخطبة؛ أحببت أن أعطيك منها صورة موجزة ولكنها صادقة، وأرجو أن تكون لذة الصورة من الأثر في نفسك مثل ما كان لها من الأثر في نفس الفرنسيين، فقد عنيت الصحف الفرنسية بهذه الخطبة وتناولتها بالبحث أيامًا، ولست أترجم وإنما ألخِّص.

    فقد وصف شعراء كثيرون — وأبدعوا في الوصف أكثر الأحيان — الابتهاجَ بالحب، وأريد أن أصف في إيجازٍ وبُعْدٍ عن التكلف الابتهاجَ بالمعرفة، الابتهاج بأن تعرف قبل غيرك، بأن تكون السابق إلى استكشاف شيء لا يفترضون له وجودًا وسيدفعهم العلم به غدًا، الابتهاج بأن تستكشف ظواهر لم تُلْمَح إلى اليوم، أو بأن تجد صلات بين أشياء كان يُخَيَّل إلى الناس أن ليس بينها صلة، فأصبحت متصلة قد قُرِنَ بعضها إلى بعض وأصبح بعضها يفسر بعضًا، الابتهاج بأن تتنبأ وتضع قوانين طبيعية تسمح بأن تتوقع ظواهر جديدة؛ فنفتح أمام الباحثين الباب إلى ميدان البحث واللذة لا حد له، الابتهاج بأن ترفع القبس في السجن المظلم، والنجم في السماء الحالكة، أو أن تقيم منارًا على ساحل هذا البحر تغطيه الظلمات، وأن ترد عنَّا هذا الليل الحالك الذي يأخذنا من كل وجه، الابتهاج بأن تضيف حقيقة أو جزءًا ولو صغيرًا جدًّا من الحقيقة العظمى إلى هذا الكنز من الحقائق التي اتفق العقل الإنساني القرون الطوال في جَمْعها والتأليف بينها.

    الابتهاج بالمعرفة! إلى أي نوع من أنواع الابتهاج أستطيع أن أقيسه؟ إلى ابتهاج الرحَّالة يجدُّ في استكشاف الأرض المجهولة، فهو يمضي أمامه مزدريًا ما يلقى من العناء، ساخرًا من كيد القبائل، يملؤه احتقار الأمراض المختلفة التي تتربص له في الطريق، يمضي أمامه يملؤه الابتهاج بأنه سيرى ما لم يرَ من قبله أحد المتحضرين؟ أأقيسه إلى ابتهاج البَحَّار مضى يقتحم ليستكشف عالمًا جديدًا؟ هذا هو الليل وقد هدأت الرياح وتريد الأمواج أن تنام، وهؤلاء أهل السفينة وبحارتها يغنون قد نسوا أمس وهم لا يفكرون في غد، ولكن قبطان السفينة لا ينام ولا يغني، وقائم في مؤخر السفينة أو في مقدمها ينظر — وقد أسكره الابتهاج — إلى السماء؛ فإذا نجوم جديدة تصعد فيها من أعماق المحيط، ينتظر صيحة البحَّار يعلن إليه الأرض، وانتظار هذه الصيحة، وانتظار هذه الأرض وحدهما سيحملانه على أن يقضي الليل ساهرًا ثملًا؟ أأقيسه إلى ابتهاج المصعد في الجبل رأى في الأفق ذروة القمة العسيرة لم يبلغها أحد من قبله فأقسم ليبلغنها؛ فجاهد ساعات أو أيامًا ثم وصل إلى غايته. يا لها من لحظة انتصار يضع فيها قدميه على هذه القمة المتخربة لم يبلغها من قبله إلا النسر أو الصاعقة … كلا، ما أقل هذا الابتهاج! ما أقل هذه الأنواع كلها من الابتهاج بالقياس إلى هذا الذي أريد أن أصفه، فكلُّ هذه الأنواع من الابتهاج مصدرها الإمكان، وفيها لحب الاستطلاع والكبرياء وغيرهما من الخصال الشخصية أثر عظيم، وليس فيهما نوع واحد مصدره الانتصار الصحيح للعقل، أو النمو الصحيح للكنز العلمي، إنما هي أنواع من الابتهاج المؤقت لا يكاد يظفر به صاحبه حتى يفقده. وإذا كان هناك ابتهاج يصح أن يقاس إلى هذا الابتهاج، فهو هذا الذي يشعر به الفنان أمام إبداعه الفني؛ فإن أثر الفنان حياته كلها، فهو يعتقد أنه لم يعش إلا لهذا الأثر، وهو يعلم أنه أثر خالد، وأن هذا الأثر سيظل حتى آخِر الدهر بهجةً لأعين الناس أو آذانهم، وعزاء لنفوسهم على كل حال. نعم، يمكن أن يقاس أحد هذين الابتهاجين إلى صاحبه: ابتهاج العالم والفيلسوف، وابتهاج الشاعر والفنان، وليس هناك ابتهاج آخَر يمكن أن يقاس إليهما، ومهما نبذ من قوة فليس إلى وصف هذين الابتهاجين من سبيل، هما فوق الوصف؛ لأن فيهما شيئًا من اللانهاية؛ أحدهما مصدره الحقيقة، والآخَر مصدره الجمال، فهما يوشكان أن يكونا إِلَهَيْن. أرى فيهما صورة أو ظلًّا من ابتهاج الخالق أخذ يستريح بعد اليوم السادس من أيام الخليقة، وقد نظر في هذه الخليقة فرآها قد استوفت من الإتقان أكمله.

    الابتهاج بالمعرفة! ذاقه كثير من العلماء، وذاقه بعضهم مرات في حياته، بل ذاقه بعضهم على اتصال في مساء الحياة؛ فكان هذا المساء في جماله وبهجته وفي خفته وحسن وقعه على النفس كأجمل ما تشهد من المساء في الصيف، عزاهم هذا الابتهاج عن البؤس وعن سوء الحال وعن هذا الألم تشعر به حين تحس أن الناس من حولك لا يفهمونك، عزاهم عن المناقضة وعن حمق الخصوم. ظهروا في أكثر الأحيان فقراء ضعفاء منهوكين مجانين قليلًا محتقرين، وكان الناس يستهزئون بهم ويرثون لهم، ولكن نفوسهم كانت فرحة مبتهجة، وما قيمة الفقر والبؤس؟ وماذا يعنيهم ألَّا يفهمهم الناس أو أن يزدروهم وهم يعيشون في المجد، في ضوء هذا المجد العظيم الذي يرتفع هناك في الأفق؟ … ابتهاج «جليليه» وقد أحس تحت قدميه حركة الأرض، ابتهاج «كبلير» وقد أصغى في الليالي الحِسَان إلى حركات الكواكب البعيدة، فاتخذ منها قوانين دقيقة صادقة، ابتهاج «نيوتن» وقد رأى كل شيء من حوله يثبت قانون الجذب العام، ويجعل الفلك كله مسألة ميكانيكية، ابتهاج «لابلاس» يشرح افتراضه المشهور في أصل الشمس والكواكب، ابتهاج «لاڤوازييه» يخلق الكيمياء.

    ثم يمضي الخطيب في ذِكْر هؤلاء العلماء وأشباههم إلى هذا العصر الذي نحن فيه، ويذكر بنوع خاص أستاذين له، ولكنه ينتهي إلى أن هناك شيئًا من اليأس يحزن العلماء؛ لأنهم يشعرون بأنهم لن يصلوا إلى كل شيء، فلن يعرف العلماء ما الزمان وما المكان، ولن يعرف الناس في الغالب ما الضوء وما حركته، ولن يعرفوا ما الأرض وما أصلها وما طبيعة باطنها، ولن يعرفوا في الغالب ما عالم الحياة وكيف نشأ، وما صلة الإنسان بالحيوان وكم عصر مضى منذ وُجِد الإنسان، ولكنهم سيبتهجون لأنهم سيعرفون أشياء كثيرة، سيعرفون ما الزلزال وما مصدره، سيعرفون تطور الحياة، وما أشد ابتهاجهم يوم يستكشفون دواء السرطان والسل!

    نعم، العلم مصدر الابتهاج، وهو أعظم مصادر الابتهاج؛ ولهذا سيكون بين الناس علماء ما دام بين الناس مَن يفكر. نعم، إن المجامع العلمية تحسن بإنشاء الجوائز والمكافآت وتشجيع العلماء والباحثين، ولكن أي جائزة وأي مكافأة أحسن في النفس أثرًا وأعظم للباحث تشجيعًا من الحقيقة نفسها حين تظهر لك وقد كانت خفية عليك؟!

    تقول الحكمة للحكيم: سأكون أنا جائزتك العظمى! …

    غرام …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١ أبريل ١٩٣٤

    نعم غرام، كلمة تقرؤها فتنكرها؛ لأنك لم تتعود أن تراها في هذا المكان من الكوكب، ولأنك لم تتعود أنْ نتحدث إليك في الغرام وفنونه، والهيام وفُتُونه، والحب وجنونه، فلهذا الموضوع وأشباهه ظروف أخرى يَحْسُن التحدث عنه فيها، ولكنني مع ذلك سأتحدَّثُ إليك عن الغرام.
    وليس عليَّ بأس من أن تنكر هذا الحديث أو تعرفه؛ فإني لم آخذ على نفسي عهدًا بأنْ لا أتحدث إليك إلا فيما تُريد، ولعلي أخذتُ على نفسي عهدًا ألا أتحدث إليك إلا فيما أُريد أنَا، وأنَا اليوم أُريد أنْ أتَحَدَّث في الغَرَام والنَّاسُ يَظُنُّون بي العُنف، ويتهمونني بالقسوة، ولكني أؤكد لك أني بريء من العُنف والقسوة. فمع أني حريصٌ كل الحرص، مُصِرٌّ كل الإصرار على أن أتحدث إليك في الغرام، فأنَا لا أريد أنْ أَفْرِض عليك هذا الحديث فرضًا، ولا أنْ أَسُوقه إليك دون أنْ أُبين لك لماذا أسوقه إليك؛ فأنا أريد أنْ آخذك بالإقناع لا بالإكراه، وستوافقني بعد أسطر قِصارٍ على أني لم أخطئ حين اخترت الغرام موضوعًا للحديث في هذا اليوم.
    فالغرامُ الذي أريد أن أتحدث فيه ليس غرامًا عاديًّا مألوفًا، وإنما هو غرام مُمْتاز، غرام من الطراز الأول، غرام لا أعرف له إلا مَثلًا واحدًا في جميع أطوار الحياة الإنسانية مُنذ بدأتْ إلى الآن.
    وأَظُنُّك تَرى معي أنَّ غرامًا من هذا الطراز خَليقٌ أنْ يكون موضوعًا للحديث في صحيفة سيارة شديدة العناية بالسياسة، فإذا عرفت بعد هذا أنَّ هذا الغرام الحديث كذلك الغرام القديم لا يبرأ من السياسة، ولا يخلص من آثارها، وإنما هو سياسة كُلُّه، عرفتَ أنِّي لم أزدك على شيء طريف، وأني لستُ — كما يقول خصومي — مُجدِّدًا مُسرفًا في التجديد، وإنَّما أنا مُحافظ غالٍ في المُحافظة، وآيةُ ذلك أنَّ الغرام القديم هو الذي دفعني إلى الحديث عن الغرام الجديد.
    ولعلك سئِمْتَ المُقدمات، ولعلَّكَ اشتَقْتَ إلى هذا الغَرَام، ولعَلَّك تُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ ما هو؟ وما طبيعته؟ ولعلك تستعجلني في أن أصل إلى الموضوع، فقد أصل إليه، وأؤكد لك أني لم أبسط هذه المُقدمة إلا تشويقًا لك؛ لأنَّ الموضوع خليقٌ أنْ تشتاق إليه.
    والآن يجبُ أنْ تفتح أذنيك، وأنْ تُصغي لحديث الغرام؛ فالزَّعيم العظيم هتلر مُغرم بالملكة العظيمة نفرتيتي، وأظنك ترى بعد أن سمعتَ هذين الاسمين أنَّ هذا الغرام خليقٌ لا بعنايتي وحدي، بل بعناية الكُتَّاب جميعًا، ومتى ظفر كُتَّابُ السياسة والأدب والفن بموضوع له خطر هذا الموضوع، بل متى ظفر الكُتَّاب والشعراء بعاشق كالزعيم الألماني العظيم، وبمعشوقة كالمَلِكَة المصرية الخالدة؟
    قُلتُ لك: إنَّ هذا الغَرَام ليسَ له إلَّا مثلٌ واحِدٌ في حياة الإنسان، وهذا المَثَلُ لا يُوجد إلا في الإلياذة، وهو عشق باييس لهيلانة، على أنَّ الشبه بين هذين الغرامين ليس دقيقًا من كل وجه، فقد كانت هيلانة مِلكة على إسبرتا، كما كانت نفرتيتي ملكة من ملكات مصر، وكان باييس ملك طروادة. أما الزَّعيم هتلر فليس ملكًا، ولا ابن ملك، وليس بينه وبين أسرة مالكة صلة من قريب أو بعيد، إنما هو رجل ديمقراطي، وإنْ كان يُحارب الديمقراطية، ويُؤلب عليها أشد التأليب. هو رجل شعبي، وإن كان يشك في سلطة الشعب، هو على كل حال رجل من أبناء الشعب، رجل مثلك ومِثلي لم ينحدر من هذه العناصر المُمتازة التي كتب الله لها الامتياز، وإنما خرج من هذه الطبقات العادية التي تضطرب في الأرض وتَجِدُّ في كسب الحياة.
    ولكنه على كل حال زعيم ألمانيا وعَظِيمُها، قد اجتمعت كلها من حوله، ومَنَحَتْهُ من القوة والتأييد، ومن الثقة والحُبِّ أو الخَوف ما لم يَظفر به كثير من الملوك، وهو من هذه الناحية خليقٌ أنْ يُشَبَّه بباييس بن بريام، ملك طروادة.
    باييس ذلك الذي عشق هيلانة فخطفها، وأوى بها إلى مدينته العظيمة المُحَصَّنة، فاحتفظ بها هناك أسيرة أجمل الإسار. باييس ذلك الذي أحفظ اليونان جميعًا، وآثارهم جميعًا لحرب مُنكرة اتصلت أعوامًا وأعوامًا، وانتهت بتدمير طروادة، وأنطقت الشعراء بأجمل ما نطق به الشعراء.
    فلولا باييس ما كانت الإلياذة، ولولاه ما كانت الأوديسة، ولولاه ما كانت كل الآداب اليونانية، ولا كل ما نَشَأ عنه مِنَ الأدب القَدِيم والحديث. ونحنُ حين نذكر باييس وحده نَظْلِم ونُسْرِفُ في الظلم، ونُوشك أن نغضب السيدات؛ لأنهن حريصات في هذه الأيام على أنْ لا يستأثر الرَّجُل بشيء من دونهن، فباييس قد أثار هذا كله بفضل الحب والغرام، والعشق والهيام، والهوى الذي كان يملأ قلبه لهيلانة ملكة الحسن والجمال، والقد والاعتدال، كما تقول العامة.
    ومِنَ المؤكد أنَّ الزَّعيم هِتْلر كانَ يَسْتَطيع أن يعشق مَلكتنا القديمة الجميلة، وأنْ يصلى من عشقها نارًا لا تخمد دون أن يؤثر ذلك في رجوع هذه الملكة العظيمة إلى ملكها العظيم، لو أنه ظل كما كان رجلًا مثلك ومثلي لا يستمتع بقوة ولا سلطان، ولكنه ارتقى، وارتقى حتى أصبح أقوى ألفي مرة من باييس. وأين تكون قوة طروادة من قوة ألمانيا الآن؟
    ولذلك استطاع الزَّعيمُ العظيم هتلر أن يقول: إنه مُغْرَمٌ بهذا الملكة العظيمة غرامًا يَمْنَعُه مِنْ أنْ يَأْذَنَ بِرُجوعها إلى مُستقر آبائها، وموطن مُلكها وسلطانها، على حُبِّه للمصريين، وحرصه على إرضاء المصريين، ولكن الإحسان المنظم يقتضي أن يبدأ الإنسان بنفسه فيحسن إليها، وهو يحب، وحبيبته أسيرة عنده، وهو محتفظ بأسيرته، سواء أرَضِي المصريون أم لم يرضوا، سواء أرَضِي الحق أم لم يرض، ومتى كان الحق قادرًا على أن يَثبُتَ للحب والغرام، والعشق والهيام، ويحمل المُحبَّ على أن يفرط فيمن يحب؟
    وإذا كان باييس قد أبى أن يُسلم هيلانة، ونصره الطرواديون جميعًا على هذا الظلم، وتعرَّض الطرواديون جميعًا لتلك الحرب المُنكرة التي مَحقت مدينتهم مَحقًا، وسَحقت سُلطانها سَحقًا، وجعلتها أحاديث، فكيف يقبل الزعيم العظيم أن يسلم الملكة وهو يعلم حق العلم أنَّ الفلك قد دار، وأنَّ الأيامَ قد تَغَيَّرت، وأنَّ مِصْرَ لا تُقاس إلى اليونان القُدماء، ولا تستطيع، بل لا تفكر، بل لا تحلم بأنْ تتهيأ لاستنقاذ المَلكة المصرية العظيمة كما تهيأ اليونان لاستنقاذ المَلكة اليونانية الحسناء فاستنقذوها؟
    إذن فالزَّعيم العظيم مُطْمَئِنٌّ إلى أنه سيحتفظ بعشيقته سواء رضي المصريون أم لم يرضوا، سواء رضي الحق أم لم يرض، ولكن السؤال الذي يستحق التفكير هو رأي الملكة العظيمة نفسها: أتلقى حبًّا بحب، وعشقًا بعشق، وغَرامًا بغرام؟
    فقد كان يُقال: إنَّ هيلانة أحبت باييس، وكانت تُؤثر المُقام معه في طروادة، فهل أحبتْ المَلِكة نفرتيتي زعيم ألمانيا العظيم؟ وهل آثرت أنْ تُقيم معه في ألمانيا العظيمة؟ أم هل تصبو هذه الأسيرة العزيزة إلى وطنها الذي كان عزيزًا في أيامها، فأصبَح ذليلًا في هذه الأيام؟ سؤال لا سبيل إلى أن يظفر بالجواب؛ لأنَّ مَلِكَتنا العَظيمة القديمة العانية البائسة لا تستطيع أن تسمع، ولا تستطيع أن تُجيب، ولا تستطيع أن تُعرب عما تجد، ولعلها لا تستطيع أن تجد شيئًا.
    ومتى أحست التماثيل، ومتى استطاعت التماثيل أنْ تشعر أو تقول؟ مهما يكن من شيء؛ فزعيم ألمانيا عاشق لابنة فرعون، وفي مصر أربعة عشر مليونًا يعشقون ابنة فرعون هذه، ولكنَّ رجلًا واحدًا قادر على أن يُرضي عشقه؛ فأمَّا هذه الملايين، التي تَبْلُغ أربعة عشر أو خمسة عشر، فعَاجِزَة عن أنْ تُرضي عشقها، مضطرة إلى أن تكتفي بهذا الشوق الذي يحرق أفئدتها، ويُؤرق ليلها، ويعلمها أن القوة حق، وأن الضعف حق، وأن اليقظة حق، وأن النوم والغفلة حق أيضًا.
    وأظرفُ ما في الأَمْرِ أنْ تَتَحَدَّث بعض الصحف إلى وزير ألمانيا المُفَوَّض لتعرف منه أحق أنَّ الزَّعيم العظيم قد شغفه حب الملكة العظيمة؛ فيُجيبُ الوزير بأنَّ هذا الأمر موضوع مُفاوضات دبلوماسية فلا ينبغي أن يدور حوله الحديث. مَعذرة يا سيدي الوزير، ليكن هذا الأمر موضوع مفاوضات دبلوماسية، فإنا نتخذه مع ذلك موضوعًا للحديث.
    وماذا تخاف من هذا الحديث وأنت مُطمئن إلى أنَّ أسيرتنا العزيزة لن تخرج من بلادك إلا إذا أذنتم لها في الخروج؟ لقد ثار اليونان لهيلانة فاقتحموا البحر، وأشهروا الحرب، وغيروا وجه الأرض، واستردوا مَلِكتهم، وعادوا بها أعِزَّاء، أفَلَا يُؤذن لنا نحن — المصريين — في أن نُعلن حُزننا وشوقنا إلى هذه الملكة العظيمة التي تحفظ في مَتحف من متاحف برلين وأنوفنا راغمة؟
    هذا كثير، وأكثر منه أن نَقْبَله أو أنْ نمتنع عن الخوض في هذا الحديث.
    أرأيت أيها القارئ العزيز أني لم أكن مَازحًا، ولا مُداعبًا، ولا مُخطئًا حين تحدثت إليك في هذا الغرام؟

    الهجرة
    طه حسين
    النداء
    ١٨ نوفمبر ١٩٤٧

    لفظ يسير ينطق به اللسان في غير مشقة ولا جهد، ومعنًى كبير تقصر العقول عن إدراك جلاله، وتضيق القلوب عن الإحاطة بروعته، ويُقبِل الناس مع ذلك على تمجيده والاحتفال به كلما دار العام. يظنون أنهم يؤدون إليه كل حقه أو بعض حقه، وهم لا يؤدون إليه من حقه شيئًا، وإنما يخدعون أنفسهم عن هذا الحق، ويجورون بها عن قصد السبيل.

    ولستُ أدري لماذا لا تتعلق الحكومات المصرية والجماعات المصرية بشيء عظيم إلا ابتذلته ابتذالًا، وردَّتْه إلى ما لا يلائمه من ضآلة القدر وتواضُع المنزلة.

    فالحكومات التي تظن أنها تحتفل بالهجرة حين تغلِق الدواوين، وتريح الموظفين، وتُطلِق المدافع في أوقات معلومة من رأس العام الهجري، لا تزيد على أن تعبث بنفسها وتعبث بالناس، وتضحك من نفسها وتضحك من الناس، وتتيح للناس أن يضحكوا منها، وهي لا تعبث بمعنى الهجرة؛ لأنه فوق عبث الحكومات وجدِّها، وفوق تواضع الحكومات وكبريائها، وفوق تقدير الحكومات وحكمها.

    والجماعات التي تظن أنها تحتفل بالهجرة، حين تحتشد بالهجرة حين تحشد في هذا المكان أو ذاك، لتسمع الخطب المدبجة والأحاديث المنمقة والكلام الذي لا يدل على شيء، ثم لتصفق حين تدعو المواقف إلى التصفيق، أو حين لا تدعو إليه، ثم لتثني على هذا الخطيب، وتغض من ذاك الخطيب، ثم لتتفرق بعد ذلك كأنها لم تشهد شيئًا ولم تسمع شيئًا، وإنما انصرفت عن لعب إلى لعب، وتحولت من لغو إلى لغو …

    هذه الجماعات لا تزيد على أن تخدع نفسها بالأماني، وتضل نفسها بالآمال، وتستجيب للغرور كما يستجيب له الأطفال، ثم تعود إلى اللهو الباطل كما يعود إليه الأطفال. وهي مع ذلك لا تحتفل بالهجرة؛ لا تزيدها جلالًا، ولا تغض من قدرها بهذا اللعب؛ لأنها أرفع شأنًا وأعظم خطرًا وأسمى مكانًا من أن يبلغها لعب اللاعبين وغرور المغرورين.

    فلم تكن الهجرة كلامًا يقال الآن ليُنسَى بعد حين، ولم تكن الهجرة تمثيلًا يُعرَض على النظارة ليلتهوا به حين يُعرَض عليهم، ثم يكون الانصراف عنه والنسيان له بعد ذلك بوقتٍ يقصر أو يطول.

    وإنما كانت الهجرة حدثًا خطيرًا، لم تشهد الإنسانية مثله من قبل أن يكون، ولا يُنتظَر أن تشهد الإنسانية مثله بعد أن كان حدثًا خطيرًا، لم يُقدِم عليه الإنسان بدافع من نفس الإنسان، وإنما أقدم عليه النبي — صلى الله عليه وسلم — بأمر من الله ووحي من السماء.

    حدثًا خطيرًا لم تنقضِ آثاره القريبة والبعيدة لمجرد وقوعه، أو بعد وقوعه بالأعوام أو بعشراتها أو بمئاتها، ولكنها لن تنقضي حتى يرِث الله الأرضَ ومَن عليها.

    وهل من أجل هذا لا يمكن ولا ينبغي أن يكون الاحتفال بها كلامًا يقال وحركات تُعرَض؛ كلامًا تنطق به الألسنة وتتلقاه الآذان، وحركات تأتي بها الأجسام وتتلقاها العيون؟ وإنما الاحتفال بالهجرة إيمان يستقر في القلوب فيملؤها نورًا، ويقين يبلغ أعماق الضمائر فيملؤها نقاءً، وثقة تستأثر بالنفوس فترفعها عن الدنيات، وليس هذا كله من الكلام والحركات في شيء.

    إنَّ النَّبيَّ حين هاجر لم يتكلم، ولم يُلْقِ خطبًا طوالًا ولا قصارًا، ولم يعرض على أصحابه وأعدائه حركات تُسحِر العيون وتُبهِر الألباب وتستهوي العقول، وإنما تلقَّى أمر ربِّه بالهجرة من تلك القرية الظالم أهلها، فأذعن للأمر، وأنبأ صاحبه وقَبِلَ مرافقته، وأمر ابن عمه أن يبيت في فراشه، وأن يتخذ برده، ثم خرج في الساعة التي أُذِنَ له أن يخرج فيها، فمر بالرصد القائمين حول بيته، الذين كانوا ينتظرون به أن يسفر الصبح فيقتلوه. مر بهم لم يستخف عنهم ولم يحتط منهم، ولم يهدئ من مشيئته، ولم يخافت بصوته، ولم يضائل من شخصه، وإنما خرج كما تعوَّد أن يخرج، ومرَّ كما تعوَّد أن يمر، وجعل يتلو آيةً من القرآن، ويضع على رءوس هؤلاء الرصد التراب، ثم مضى لغايته. لم يَرَوا شخصه، ولم يحسوا خطوه، ولم يسمعوا صوته، ثم لم يطيقوا أن يسهروا له إلى آخِر الليل، وإنما شملهم نوم عميق غليظ، ليس أقل عمقًا من جهلهم، ولا أقل غلظًا من حمقهم، فلما أصبحوا تبيَّن لهم أنهم قد مكروا ومكر الله والله خير الماكرين.

    وقد بلغ محمد دار هجرته بعد خطوب كلأه الله فيها بعنايته، وشمله برعايته، وصحبه في وحدته، وآنسه في وحشته، فلما بلغ المدينة لم يحفل بكلامٍ يقال ولا بحركاتٍ تُعرَض، وإنما بنى المسجد، فأسَّس في الأرض أول بيت خالص للدين الجديد، وآخَى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، فأسَّس هذه الدولة الني نشرت في الأرض نورَ الدين الجديد.

    صبر على المحنة وصبر معه أصحابه عليها ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة، واستقبل العمل والإنشاء (كما نقول الآن)، واستقبلهما معه أصحابه عشرة أعوام بعد الهجرة. وكان في أثناء هذا الوقت الطويل القصير يبلِّغ رسالات ربه، ثم لا يقول بعد ذلك إلا حين يحتاج إلى القول، وكان أصحابه يتلَقَّون ما يبلغ إليهم من رسالات ربهم، ثم لا يقولون بعد ذلك إلا حين يحتاجون إلى القول.

    لم يتخذ هو ولم يتخذ أصحابُه القولَ غايةً يقصدون إليها، ويقفون عليها جهودهم، وينتهون إليها بعنايتهم، وإنما اتَّخَذَ القولَ، واتَّخَذَ أصحابَه وسيلةً إلى العمل الصالح كما أراد الله أن يكون.

    نعم، عمل وعمل أصحابُه في هذا الوقت الطويل القصير أكثر جدًّا مما قالوا؛ أنشئوا دولة ما زالت آثارها خالدة، وستظل خالدة إلى آخِر الدهر، لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تكون هناك سبيل إلى إحصاء الخلود. أعمال لا تُحصَى، وأقوال تُجمَع في مجلدات صغار، ثم يختاره الله لجواره، فيمضي أصحابه على سُنَّته، يعملون دائمًا ولا يتكلمون إلا قليلًا، فتكون الفتوح، وينتشر دين الله في الأرض، وتدخل الإنسانية في طور جديد من أطوار حياتها.

    حتى إذا كانت هذه الأيام من آخِر الزمان، تبيَّنَ أنَّ من الناس مَن يتَّخِذ القولَ وسيلةً إلى العمل، فيملأ القلوب رحمةً، والعقول علمًا، والأرض عدلًا، والدنيا نورًا، وأنَّ من الناس مَن يتعزى عن العمل بالقول، ويتلهَّى عن الجد بالهزل، ويتخذ من القول غايةً لا وسيلة، ويهمل العمل إهمالًا، فيملأ القلوب قسوةً، والعقول جهلًا، والأرض جورًا، والدنيا ظلامًا.

    كلا أيها السادة، لا تحتفلوا بالهجرة في المجامع والمحافل قبل أن تحتفلوا بالهجرة في القلوب والضمائر والعقول. إنْ كنتم تحبون الله ورسوله، وتؤمنون بما دعا إليه النبي قبل الهجرة وبعدها، فأقيموا في قلوبكم وضمائركم وعقولكم محاريب، يُذكَر الله فيها حين تمسون وحين تصبحون، وحين تنامون وحين تستيقظون، وتتمثل فيها الأسوة الحسنة التي عرضها عليكم الرسول قبل أن يهاجر وبعد أن هاجر.

    هنالك تجدون في قلوبكم رحمةً تعصم البائسين من البؤس، وتنقذ الأشقياء من الشقاء، وهنالك تجدون في ضمائركم نقاءً يرتفع بها عن الصغائر والدنيات، وهنالك تجدون في عقولكم نورًا يبيِّن لكم أن سوق العدل والبر والإحسان هي الرابحة، التي لا يتعرَّض أصحابها إلى بوار أو كساد. فأما ما أنتم فيه من كلام يُقال ليُنسَى، وحركات تُرَى لتُهمَل، وغرور لا يرضي الله وإنما يرضي الشيطان؛ فانظروا، أتريدون أن ترضوا الله، أم تريدون أن ترضوا الشيطان؟!