الفئة الضائعة
بقلم الدكتور طه حسين
هي هذه الفئة التي تفكر بعقولها وتهدي الناس بتفكيرها والتي تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتي تصفي الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية، تزكي في نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال. هي فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بها ما لم يذوقوا، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال.
هذه الفئة التي تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى في روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا في الأرض عن علم بها وقدرة على السير في مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها، وتيسير مصاعبها، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب.
هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد.. في أقرب حقوقها إليها، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين.
وما أكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا، فهم بين هاتين المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها.
هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن، لا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى في أمورهم وهم غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى في أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم:
ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود
لقد كثر الكلام في قانون حقوق المؤلفين هذا، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذي مهد طريقه إلى البرلمان في العهد القديم. ثم قيل. إنه بعث في العهد الجديد بعد أن أغرق في النوم، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك أن يستوي قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم. ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء.
وتكلم الأدباء في شأنه من بعيد، من بعيد جدا، دون أن يسألهم عنه سائل، أو يؤامرهم فيه مؤامر، ثم قيل في هذه الأيام أن نشاطه قد عاد إليه وإنه يسعى في طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدري أهي الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون. لم يسعوا إلى الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعي ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم في هذه الحياة الحديثة التي لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون أن يسلكهم نظام، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يسألوا ويستأمروا، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة فدعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى في أمرهم دون مشورة منهم، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب. فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذي أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فأهملهم الناس.
شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمي غيرهم من عامة الناس.
وهم بذلك قانعون وإليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم في هذا القانون الذي يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شيء ينكرونه فلا ينبغي لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا في أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد، أثيرت بعض مشكلاته في الصحف فقال فيه بعضهم ما قال في هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات. لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون.
ومن يدري لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمي آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء في العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان.
أدبائنا وعلمائنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعني الحكومة بحماية هذه الحقوق… لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه، إنما هو كلام يقال ويحمي بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية. فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شيء جديد لم يكن يخطر لهم ببال. وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة.
فالأديب صاحب فن، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء، كأن الموسيقى ليست فنا، وكأن الغناء ليس فنا، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشيء آخر، كذلك يفكر كثير من أدبائنا وعلمائنا.
هم يعيشون في العصور القديمة، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه. فللأدباء والعلماء في البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء في أقطار الأرض، على تباعدها وتنائيها، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم في شيء.
وقد تغيرت حياة الأديب في الشرق كما تغيرت حياة الأديب في الغرب، فليس في الشرق ولا في الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما. وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح في سبيله ويجد في الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم.
والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها، وإنما ينتجه للإنسانية كلها، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى. ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر في حمايتهما بعد ذلك، ولا يقصر في الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا.
وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادي المشهور؛ قانون العرض والطلب، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان.
ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع في بيئة العالم والأديب إلا بالقانون، ولا سبيل إلى حمايتها في البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمي تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا.
كل هذه أوليات استقرت في نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدبائنا وعلمائنا يجهلونها، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما.. ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من إنتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا. ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعني بهم ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة. وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس، وأن يعنوا بها لتعني بها الحكومة، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق. فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون في غيره من الفنون.
والزمان لا يحفل بشكواهم، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فـتحيي فيها ألوانا من الجمال. وقديما قيل: «أعن نفسك تعنك السماء».
فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التي إن صدق فيها شيء فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم:
صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
طه حسين
الجمهورية، ١٨/١/١٩٥٤
الفئة الضائعة
Share:
Leave a Reply