الفئة الضائعة
بقلم الدكتور طه حسين
هي هذه الفئة التي تفكر بعقولها وتهدي الناس بتفكيرها والتي تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتي تصفي الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية، تزكي في نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال. هي فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بها ما لم يذوقوا، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال.
هذه الفئة التي تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى في روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا في الأرض عن علم بها وقدرة على السير في مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها، وتيسير مصاعبها، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب.
هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد.. في أقرب حقوقها إليها، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين.
وما أكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا، فهم بين هاتين المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها.
هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن، لا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى في أمورهم وهم غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى في أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم:
ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود
لقد كثر الكلام في قانون حقوق المؤلفين هذا، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذي مهد طريقه إلى البرلمان في العهد القديم. ثم قيل. إنه بعث في العهد الجديد بعد أن أغرق في النوم، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك أن يستوي قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم. ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء.
وتكلم الأدباء في شأنه من بعيد، من بعيد جدا، دون أن يسألهم عنه سائل، أو يؤامرهم فيه مؤامر، ثم قيل في هذه الأيام أن نشاطه قد عاد إليه وإنه يسعى في طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدري أهي الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون. لم يسعوا إلى الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعي ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم في هذه الحياة الحديثة التي لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون أن يسلكهم نظام، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يسألوا ويستأمروا، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة فدعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى في أمرهم دون مشورة منهم، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب. فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذي أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فأهملهم الناس.
شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمي غيرهم من عامة الناس.
وهم بذلك قانعون وإليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم في هذا القانون الذي يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شيء ينكرونه فلا ينبغي لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا في أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد، أثيرت بعض مشكلاته في الصحف فقال فيه بعضهم ما قال في هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات. لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون.
ومن يدري لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمي آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء في العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان.
أدبائنا وعلمائنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعني الحكومة بحماية هذه الحقوق… لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه، إنما هو كلام يقال ويحمي بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية. فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شيء جديد لم يكن يخطر لهم ببال. وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة.
فالأديب صاحب فن، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء، كأن الموسيقى ليست فنا، وكأن الغناء ليس فنا، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشيء آخر، كذلك يفكر كثير من أدبائنا وعلمائنا.
هم يعيشون في العصور القديمة، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه. فللأدباء والعلماء في البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء في أقطار الأرض، على تباعدها وتنائيها، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم في شيء.
وقد تغيرت حياة الأديب في الشرق كما تغيرت حياة الأديب في الغرب، فليس في الشرق ولا في الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما. وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح في سبيله ويجد في الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم.
والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها، وإنما ينتجه للإنسانية كلها، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى. ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر في حمايتهما بعد ذلك، ولا يقصر في الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا.
وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادي المشهور؛ قانون العرض والطلب، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان.
ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع في بيئة العالم والأديب إلا بالقانون، ولا سبيل إلى حمايتها في البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمي تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا.
كل هذه أوليات استقرت في نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدبائنا وعلمائنا يجهلونها، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما.. ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من إنتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا. ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعني بهم ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة. وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس، وأن يعنوا بها لتعني بها الحكومة، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق. فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون في غيره من الفنون.
والزمان لا يحفل بشكواهم، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فـتحيي فيها ألوانا من الجمال. وقديما قيل: «أعن نفسك تعنك السماء».
فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التي إن صدق فيها شيء فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم:
صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
طه حسين
الجمهورية، ١٨/١/١٩٥٤
Tag: society
-
الثعبان
الثعبان
لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان. لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، وعقلا لا يرى حوله إلا شرا ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا.
وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء ويأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف.
وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء.
وكان هذا كله يفسد الجو المصري ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني. وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك. فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك. فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء.
وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية في ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من الأمر ما يشاء وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول أو عمل. وقد شارك في هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية في القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان. فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدأ من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء. والحرص على تغيير كل شيء. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين. ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها. وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها، ورأى في هذا الإعجاب وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا. وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا. ولم يكد يستقر في أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما. فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال في الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد. حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي ولا باحتياط السلطان الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا. ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون. ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح. ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقي في الحياة المادية والعقلية.
رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه. ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضي كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي مطالبا بالاستقلال. ولكن إقامته في أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقي الشر إن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقا جديدا. كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح. ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حينا آخر. وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في أوربا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفي نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالإصلاح. وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين، فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء. وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها، وأثنى عليها ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين.
وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء. ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر. وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور في نصابها واطمأنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث.
وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين في المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص. ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها وأمانيها وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ إن كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث.
وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها. ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك في سياستها، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي جميعا.
قلت لصاحبي أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي. قال صاحبي لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى في أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر في مصر الثعابين.
طه حسين
البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥. -
الضمير الهارب
الضمير الهارب
لم يكن صاحبي ساذجاً ولا غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي الذي أظنك رأيته في دار من دور السينما، يأتمر مع أصحابه ليغير النظام في فرنسا ويرد إلى العرش ابن نابليون. فبينما هو ذات يوم يمشي على رصيف من أرصفة باريس لقي رفيقاً من رفاقه في جيش الإمبراطور. وكان العهد قد بعد بينهما فوقع اللقاء من نفس الرجلين موقعاً حسناً، وتحدثا عن الجيش وعن الإمبراطور، وتحدثا عن أمس وعن غد، ولم يكرها أن يذما يومهما ويسرفا في ذمه. ثم ذهب الصديقان إلى حيث كان الضابط يحدث صاحبه عن أصدقائهما وما يأتمرون به، ثم ما زال الحديث ينتقل بهما من موضوع إلى موضوع حتى عرف الضابط أن صديقه لم يقم على عهد الإمبراطور، وإنما آثر لين الحياة فعمل في جيش الملك. هنالك لم يستطع الضابط أن يلوم صاحبه ولا أن يعاتبه، ولا أن يناقشه في شيء، ولم يزد أن أطفأ المصباح حتى لا يرى وجه هذا الصديق الخائن، وفهم الرجل عن صديقه فانصرف عنه خزيان أسفاً.
لم يكن صاحبي ساذجاً غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي، وإنما كان رجلاً مترفاً لا في حياته المادية، بل في حياته المعنوية خاصة. كان مترف العقل جداً لا يكتفي بظواهر الأشياء ولا يقنع بحقائقها، وإنما يبغي شيئاً أرقى من الظواهر وأعمق من الحقائق كأنه اللب والخلاصة لكل شيء. وهو إذا وصل إلى هذه الخلاصة وذلك اللب ولم يقنع بهما، وإنما تخير منهما أنقاهما وأرقاهما وأشدهما ملاءمة للعقل الممتاز، والذوق الرفيع، والشعور الراقي، والنفس الأبية العالية. وكان صاحبي قويّ الحس جداً، ولكنه كان شديد الازدراء للحس، يضعه في موضعه الطبيعي فلا يكبره ولا يغلو في العناية به، ولا ينتظر منه إلا ما يُنتظر من الأداة التي لا يُراد منها إلا أن تؤدي العمل الذي هُيئت له. فهو لا يريد من حسه إلا أن ينقل إليه صورة الحياة الخارجية، فإذا نقلها إليه شغل بها فحقق ودقق، ومحص وصفى، وآثر نفسه بخلاصة ما ينتهي إليه التحقيق والتدقيق والتمحيص والتصفية، فغذّى به عقله وقلبه وشعوره؛ وفكر فيه فأطال التفكير، واستخرج منه أقصى ما يستطيع استخراجه من اللذة والألم، ومن العبرة والعظمة، ومن الغبطة والحزن.
وكان صاحبي هذا بحكم هذا المزاج الخاص معقداً شديد التعقيد، متعباً لنفسه ولأصحابه وأصدقائه جميعاً، وكان كثيراً ما يسأل نفسه عما يريد فلا يجد لهذا السؤال جواباً. وكان أصدقاؤه يسألونه عما يريد فلا يجدون لهذا السؤال جواباً. فقبلوه على علاته، وقبلوه على ما في صحبته من مشقة وتعقيد. وكانت حياته وحياة أصحابه هينة لينة مستقيمة تمضي في طريق لا عوج فيها ولا التواء، كما كانت حياة الناس كلهم في بعض أوقات الأمن والدعة والهدوء، فكان راضياً عن أصحابه، وكان أصحابه راضين عنه. وكان ما يعرض له ولهم من مصاعب الحياة ومشكلاتها لا يزيد على أن يكشفها لهم فيحببه إليهم، ويكشفهم له فيحببهم إليه.
ولكن هدوء الحياة ودعتها واطراد الأمن فيها واستقامة الطرق لسالكيها ليست أموراً محتومة مقضية للناس أو مقضية عليهم، قد أخذوا بها عهداً على الظروف والأيام. وإنما هي أمور ممكنة تتاح حيناً وتمتنع أحياناً؛ تتاح فيسعد الناس، وتمتنع فيشقى الناس. تتاح فيجهل بعض الناس بعضاً، ويحب بعض الناس بعضاً، ويطمئن الناس إلى بعض؛ لأن ظروف الحياة لا تكرههم على أن يدقق بعضهم في امتحان بعض، ويحقق بعضهم في ابتلاء بعض. ثم تمتنع فإذا الناس يتعارفون، ولا يلبثون أن يتعارفوا حتى يتناكروا ويتدابروا. ويقوم الشك منهم مقام اليقين، ويقوم الحذر منهم مقام الاطمئنان، وتقوم التفرقة منهم مقام الصراحة، ويقوم البغض منهم مقام الحب، وإذا هم يندمون على جهلهم القديم، وإذا هم يحزنون على اطمئنانهم الماضي، وإذا هم يتمنون لو ردّ الله عليهم تلك الأيام الحلوة التي كانوا يستمتعون فيها بلذة الجهل وحلاوة الغفلة ونعيم الثقة، وأعفاهم من هذه الأيام التي يشقون فيها بألم المعرفة ومرارة الفطنة وبؤس الشك.
وكان صاحبي قد فتح لنفسه الأبواب كلها على مصاريعها كلها ليتلقى كل شيء من كل شيء ومن كل إنسان. ثم ليسعد بهذه التصفية والتنقية، وبهذا التمحيص والتحقيق، وبتخير الثمرات من كل ما كان يجتمع له من الجيد والرديء. فلما نكرت الأيام لم يغلق من أبواب نفسه باباً، وإنما نظر فإذا النفوس تغلق من دونه نفساً فنفساً، وإذا أبوابها تغلق من دونه باباً فباباً. وإذا ما كان يجتمع له من الملاحظات يقلّ شيئاً فشيئاً، ويندر حتى كاد لا يصبح شيئاً. وإذا ما بقي من هذه النفوس القليلة التي ثبتت للمحن، وامتنعت على الخطوب، وأبت أن تلين قناتها للأحداث، قد أخذ يغشاها من حين إلى حين لون رقيق جداً من الحياء، ثم من الغلو في الحياء، ثم من الإشفاق، ثم من الإسراف في الإشفاق. ثم يتكاثف اللون ويتكاثف، وتُضاف طبقات منه إلى طبقات حتى يصبح احتياطاً وحذراً، وحتى يستحيل إلى حجاب كثيف صفيق لا تنفذ من دونه نفس إلى نفس، ولا ينتهي من دونه قلب إلى قلب، ولا يتحدث من دونه ضمير إلى ضمير.
وإذا صاحبي يلقى أصحابه فلا يلقى منهم إلا وجوهاً، ويصافح أصحابه فلا يصافح منهم إلا أيدياً، ويحدث أصحابه فلا يكون بينه وبينهم إلا حركات الألسنة في الأفواه، وخروج الألفاظ من الشفاه، وانتهاء الأصوات إلى الآذان، ثم وقوفها دون هذه الأبواب التي قد غُلقت تغليقاً، وهذه الأستار التي قد أُسدلت إسدالاً. على أنه أيضاً لم يكن أقل من أصحابه وأحبائه تغليقاً لأبواب نفسه، وإلقاء للحجب والأستار بينه وبينهم؛ فقد آذاه ما رأى منهم كما آذاهم ما رأوا منه. فكان هذا الحياء الذي كان منهم، ثم أخذ هذا الحياء يتعقد في نفسه كما كان يتعقد في نفوسهم حتى أصبح إشفاقاً ثم شكّاً ثم احتياطاً وحذراً.
ولكن حياء صاحبي لم يكن كحياء أصدقائه؛ كانوا يستحيون منه وكان يستحيي لهم، كانوا يشفقون منه وكان يشفق عليهم، كانوا يحذرون منه وكان يحذر عليهم، ولكنه الحياء والإشفاق والحذر على كل حال. ولكنه تغليق الأبواب وإلقاء الأستار والحجب على كل حال. ولكنه انقطاع الأسباب وفساد الصلات على كل حال. ولكنه العزلة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن يعتزل بعضهم بعضاً، والفرقة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن ينعموا بالفراق، ولكنه الرياء بين قوم لم يكونوا يحتملون الرياء. ولكنه هذا الألم الممض الذي ينشأ عن الفراق والناس مجتمعون، وعن البعد والناس متقاربون، وعن القطيعة والناس متواصلون. ولكنه العذاب الذي يجده الناس حين يتحدثون بألسنتهم لا بقلوبهم، وحين يسمعون بآذانهم لا بنفوسهم، وحين تتصافح أيديهم وتتباعد بين ضمائرهم ونياتهم الآماد، إلا من ألف منهم هذه الحياة واطمأن إليها ووجد فيها مثل ما كان في تلك الحياة من اللذة والراحة والنعيم؛ لأنه فارق أصدقاء فوجد مكانهم أصدقاء آخرين، ونأى عن أحباء فاستقر في أحباء آخرين.
هنالك نظر صاحبي إلى نفسه، فإذا هو قد أصبح أداة من الأدوات تسعى مع النهار وتعود مع الليل، تلقى الناس فتتحدث إليهم وتسمع منهم دون أن تعقل ما يصدر عنها أو تذوق ما يصدر إليها من حديث. أداة تذهب وتجيء تتلقى آثاراً من أدوات مثلها، وتحدث آثاراً في أدوات مثلها، ولكنها آثار ظاهرة آلية لا قوام لها ولا لذة فيها، ولا أثر للحياة القوية العاقلة المفكرة في مظاهرها، وإنما هي أداة ممثلة لا أكثر ولا أقل، تعمل مع أدوات ممثلة لا أكثر ولا أقل.
وكانت لصاحبي بقية من قوة في النفس، وفضل من حياة في الضمير، وأثر من حزم في الإرادة، وقليل من ذلك الترف العقلي الذي كان يستمتع به أيام كان الناس ناساً وحين كانت الحياة حياة؛ فأكبر ما انتهت إليه أموره وأمور أصحابه من هذه الصفة التي يجحد فيها الرجل نفسه ولا يؤمن فيها إلا بغيره. أكبر ذلك وضاق به وأزمع أن يعتزل هذه البيئة التي لا يستطيع أن يكون فيها إلا أداة مسخرة. ولكنه اعتزلها ولم يعتزلها؛ قرّ في داره وعاش بين أهله، لم يسعَ إلى أحد ولم يفكر في لقاء أحد، وكان يظن أن هذه العزلة ستغنيه وتحميه وتردّ إليه نفسه بريئة من النفاق معصومة من الفساد. ولكنه لم يلبث أن استيقن أنه لم يصنع شيئاً؛ فهو يعتزل الناس ولكن الناس لا يعتزلونه، يعرض عنهم فيقبلون عليه، يقعد عنهم فيسعون إليه، يكفّ عنهم حياءه لهم وإشفاقه عليهم فيحملون إليه حياءهم منه وإشفاقهم منه، ويغلون في ذلك يحسبون أنهم يخدعونه عن أنفسهم، أو يحسبون أنهم يخدعون أنفسهم عن أنفسهم.
فلما استيأس صاحبي من نفع هذه العزلة، واستيقن أنه لا أمل له في أن يظفر بنفسه صافية وقلبه طاهراً وضميره حياً إلا أن يترك البيئة كلها وهاجر من أرض إلى أرض، وارتحل عن وطن إلى وطن، أسرّ ذلك في نفسه وأظهر لنا معشر أصدقائه المخادعين له ولأنفسنا مثل ما كان يظهر من حسن اللقاء ولطف المؤانسة حين كنا نزوره ونجلس إليه.
ثم سعيت إليه ذات يوم لأقضي معه ساعة من ساعات الفراغ – وما أكثر ساعات الفراغ في حياتنا نحن المصريين – فلم أجده، وسألت أين يمكن أن يكون فلم أُدلل عليه. وسألت متى يمكن أن يعود فلم أُنبأ بشيء. فعدت محزوناً لا لأنني لم ألقه، بل لأني لم أُلقِ عليه ثقل ما كنت أحتمل من الضجر والضيق والفراغ، ولأني لم أُلقِ في نفسه أني أوثره بالحب وأعتقد أنه يؤثرني به. لأني لم أُهدِ إليه شيئاً من هذا الرياء الذي يهديه بعضنا إلى بعض في كل يوم، ولم أتلقَ منه شيئاً من هذا الرياء الذي يتلقاه بعضنا من بعض في كل يوم؛ رجعت محزوناً لأن الأداة لم تؤدِّ بعض ما كان يجب أن تؤديه من التمثيل.
وعدت إلى صاحبي ألتمسه فلم أجده، وأخذ أصحابنا يلتمسونه فلا يجدونه، وكلهم شعر بمثل ما شعرت به، وكلهم يتحدث إلى نفسه بمثل ما تحدثت به إلى نفسي من الحزن وخيبة الأمل، وقليل منهم يتحدث إلى الناس بمثل ما أتحدث به إليك الآن أيها القارئ العزيز.
ثم انقضت الأسابيع والأشهر، وإذا أنا أتلقى صباح اليوم منه هذه الأسطر التي دفعتني إلى كتابة هذا الفصل. وأحسب أني لن أجيبه إلا بإرسال هذا العدد من الرسالة إليه، فقد عرفت عنوانه الآن. كتب إليّ يقول:
"كتابي إليك أيها الصديق من بلد ناءٍ فررتُ إليه بنفسي وضميري من بلد تفسد فيه الضمائر والنفوس، وآثرت أن أحيا فيه فرداً مع نفسي على أن أحيا عندكم حياة الأدوات لا حياة الناس. ولقد كنت أظن أني فارقتكم إلى غير رجعة، ورحلت عنكم إلى غير عودة، وسئمت حياتكم سأماً لا حد له، وكرهتها كرهاً لا أعرف له قراراً، وعجزت عن احتمال أيسر أثقالها. وأعترف بأني سعدت بهذه الهجرة سعادة خصبة حقاً، واستكشفت فيها نفسي فنعمت بهذا الاستكشاف، وأنست فيها إلى ضميري واستمتعت بهذا الأنس. ولكني لم ألبث في هذا البلد شهراً أو شهرين حتى أحسست أن نفسي لا تكفيني، وحتى ضقت بإطالة النظر في المرآة، حتى ذكرت الأصدقاء فنفرت من ذكر الأصدقاء، وفزعت منهم إلى الكتب حيناً، وإلى مناظر هذه الطبيعة الرائعة حيناً آخر. وما زلت أيها الصديق مطمئناً إلى هذا المعقل الذي آويت إليه واعتصمت به. ولكن انظر! ها أنا ذا أكتب إليك، وما كتبت إليك إلا لأني فكرت فيك، وما فكرت فيك إلا لأن نفسي نازعتني إلى حديثك. وإذن فقد أبت حياتي تلك إلا أن تتبعني في هجرتي وتقتحم عليّ هذا المعقل الذي لجأت إليه، وكل ما أتمناه ألا تغلبني على نفسي، ولا تخرجني من معقلي، وأن تكتفي بزيارتي والإلمام بي من حين إلى حين. فاكتب إليّ وأطل، فقد يظهر أن الحياة التي ترتفع ارتفاعاً خالصاً عن كل ما نكره من النقائص شيء لا سبيل إليه. وأما أنا فقد جربت الضيق بالحياة في مصر والفرار منها، وأنا زعيم لكم أيها الأصدقاء بأن صاحبكم سيعود إليكم متى انقضى الصيف. ومن يدري، لعل الحياة أن تكون قد عادت إلى شيء من الأمن والدعة والهدوء، فتتفتح الأبواب، وتُرفع الحجب والأستار، لا نحتاج فيما بيننا إلى اصطناع الرياء، أو إلى اصطناع المجاملة، ثم لا يستحيي بعضنا من بعض، ولا يستحيي بعضنا لبعض."
الرسالة ٠٧\٠٥\١٩٣٤ -
في الجو
في الجو…
للدكتور طه حسين
أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدًا حذرًا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازًا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقًّا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه أثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولًا. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان أكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب، وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقًا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقًا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون أنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببًا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقًّا، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينًا أنه يطير، وظن حينًا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبقَ الطيران في الجو حلمًا ولا وهمًا ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجرأة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الإنفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب أنه بعد أن تقدم أو تأخر في أوروبا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، إن صح أن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر وأصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام؟ ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضًا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبًا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آمادًا وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك أن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحًا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
وهؤلاء القوم الذين سُخِّرَ لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء. كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والإسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقًّا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثًا أي حديث، حديثًا ساحرًا حقًّا، باهرًا حقًّا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثًا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علمًا مفصلًا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحرًا ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظًا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقًا حين كان الطيران أمرًا مستحيلًا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سُخِّرَتْ للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيرًا أدبيًّا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتفِ الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعًا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد ألهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعًا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظًّا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفًا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوروبية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك إن بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيْسل منذ أعوام وسماها إكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما أنتجه القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فأحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فأحب كل منهما صاحبه حبًّا عميقًا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة. وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمدًا بعيدًا حقًّا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها طيران العرس، فسترى إتقانًا في الأداء، وإتقانًا في العرض، وإتقانًا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوًا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقًّا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوًا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادًا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
لست أدري أعرفت أن كاتبًا فرنسيًّا شابًّا هو الأديب مالرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد أن يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضمًا. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئًا عجيبًا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلًا واسعًا لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أننا سنقرأ كتابًا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها وأكثرها انتشارًا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بيير بنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبوابًا ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بيير بنوا بأحاديث القارة الموهومة أتلانتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم أن صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة أنتينيّا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفًا رائعًا عجيبًا، وسمع الكاتب الشاب مالرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفًا، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب، وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقًّا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بيير بنوا على الأدب الفرنسي فرضًا.
رأيت أن بيير بنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن مالرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقي من ملك السبئيين.
أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرمًا من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله أن يعثر – إن أمكن أن يعثر الناس في الجو – بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعًا وأن يزعم لنا أنه وجدها كما فعل بيير بنوا وكما سيفعل مالرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فإن الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
طه حسين
الرسالة العدد 36 – بتاريخ: 12-03-1934
النقد والطربوش وزجاج النافذة
للدكتور طه حسين
وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشي المقيد في الوحل. وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارًا، وأذكت فيها لهيبًا ونارًا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر طويل حادٌّ كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهرت عليه الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبًا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شرًّا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجًا من الإطالة وإشفاقًا من الإطناب، وإيثارًا للإيجاز البليغ.
وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثًا طويلًا أو قصيرًا، وأعرض عليك فيه صورًا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتسامًا وضحكًا، أو عبوسًا وتقطيبًا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعًا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحامًا، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليَّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدًّا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئًا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئًا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظًّا عظيمًا، فجعله شاعرًا مجيدًا وكاتبًا بارعًا، وناقدًا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبًا له وإلحاحًا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضًا كان المازني شقيًّا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدًا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابًا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئًا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأُكْرِهَ المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقًا ولا مخللًا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تُهان وتُمرَّغ في الوحل تمريغًا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابًا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقًا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضًا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيًا بها أو مكرهًا عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئًا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه.
وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيَّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحًا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرضَ، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئًا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا كالمردة وشيطانًا لا كالشياطين.
أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيمًا.
طه حسين
«مجلة الرسالة» العدد 38 – 26-03-1934 -
لحظات
لحظات
للدكتور طه حسين
أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة التي تعرض لك من حيث لم تكن تقدر أن تلقاها كأنما كانت تكمن في بعض أنحاء الزمن، حتى إذا قربتَ من مكمنها خرجت عليك بما يملؤها من قوة وحدة، وبما تستطيع أن تثير في نفسك من حزن عريض عميق أو أمل واسع مبتسم؟ فوقفتكَ في طريقك الزمني واضطرتكَ بعد وقفة قصيرة إلى أن ترجع إلى الماضي البعيد والقريب تستحضر ما كان فيه من أحداث وتحس ما ترك في نفسك من ذكرى، أو تضطرك إلى أن تثب وثبة بعيدة إلى مستقبل الأيام، فإذا أنت تشيد القصور وتتخذ من الخيال أحلاماً حلوة تحبب إليك الحياة وتملأ قلبك بالصفح عما جنت عليك من السيئات.
أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة الخصبة التي لم تكن تقدر في وقت من الأوقات أنها ستعرض لك أو أنك ستعثر بها، ولكنك خرجت ذات يوم من دارك تسعى فيما يسعى الناس فيه من جد الحياة وهزلها، وتبلو ما يبلو الناس في سعيهم من حلو الحياة ومرها، فإذا لحظة من هذه اللحظات قد سقطت عليك كما يسقط الجدار على الغريب الذي مرّ به مصادفة وهو يميل إلى السقوط، أو عنت لك ثم مثلت أمامك كما يعن الشيء النفيس لبعض المارة ثم يمثل بين أيديهم حين يصلون إليه، وإذا هم وقوف أمامه قد أخذتهم الحيرة ثم غمرهم السرور؟ أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة التي يضمرها لك الغيب ويخفي عليك بوادرها وطوالعها ثم يفجأك بها على غير انتظار، كما يلقاك الرجل تعرفه أو لا تعرفه فيلقي إليك نبأ من الأنباء لا يرى له خطراً ولكنك لا تكاد تسمع له حتى يحدث في نفسك أعمق الآثار وأقواها، وأبلغها وأدعاها إلى الحزن والابتئاس أو إلى الفرح والابتهاج؟
إنك تحسب هذه اللحظات حين تلقاها أو حين تلقاك قصاراً لأنك تحصيها بالدقائق والثواني، وما هي بالقصار؛ لأنها تحمل في وعائها الضيق الضئيل من العواطف والأهواء، ومن الأمل والذكرى، ومن اللذة والألم ما يضيق به كثير من الساعات بل كثير من الأيام. إنك تحسب هذه اللحظات مفاجئة لأنها عرضت لك أو لأنك عرضت لها على غير انتظار ولا تهيؤ منها ولا منك، وما هي بالمفاجئة؛ فإن قوى أخرى غير قوتك وغير قوتها قد عملت منذ أزمان بعيدة في تهيئتك لها وتهيئتها لك، وفي دفعك إليها ودفعها إليك، حتى التقيتما عن مفاجأة في ظاهر الأمر، وعن قضاء مدبّر وقدر مقدّر في حقيقة الأمر. وإذا كلاكما قد صنع لصاحبه وقدّر له تقديراً.
هذه اللحظات القصار الطوال المفاجئة المدبرة لا تسنح للناس جميعاً، ولا تسنح للناس في كل وقت، ولو عرفتُ وسيلة إلى أن أتبين كيف تسنح للناس ومتى تسنح لهم ولأيهم تسنح لكنتُ من أكبر المستكشفين والمخترعين. وكيف برجل يفضح سر القدر ويهتك أستار الغيب؟! ولكنتُ بعد ذلك محسناً إلى كثير من الناس لأني أعلمهم كيف يتقون كثيراً من الشر، وكثيراً من الألم اللاذع والحزن المضني للنفوس والقلوب؛ ومسيئاً إلى كثير من الناس لأني أعلمهم كيف يفقدون لذات قلما يظفر الناس بمثلها، وكيف يصدهم العلم عن ضروب من السعادة لا ينعم بها إلا الجهلاء. ولحرصتُ أشد الحرص على أن أجهل هذا العلم وأغلق نفسي من جميع أنحائها دون هذه القوانين؛ لأني لا أعدل بهذه اللحظات القصار الطوال المفاجئة المدبرة كثيراً من أجزاء الزمن مهما تطل، ومهما تقصر، ومهما تمتلئ ومهما تفرغ. وأي حزن ممض مرمض يشبه في اللذة المحرقة اللاذعة، وفي السعادة المظلمة القاتمة هذا الحزن الذي حملته لحظة من هذه اللحظات في ليلة من الليالي فوضعته في قلبي ثقيلاً خشناً شاقاً، ولكنه على ذلك كله حلو، ولكني على ذلك أحببته وكلفت به. ولكني على ذلك حمدت هذه اللحظة القصيرة المفاجئة التي حملته حتى إذا بلغت قرارة نفسي وضعته فيها هادئة مطمئنة إلى منتهى الزمن، وأقبلت به متباطئة متثاقلة كما توضع الصخرة الثقيلة في مكان من الأمكنة في غير عنف ولا سأم ولا كلال.
كنت مع جماعة من الأصدقاء نشهد التمثيل ونسمع الموسيقى والغناء في الأوبرا، قد فرغنا لما نشهد وما نسمع، وتركنا أعباء الحياة وأثقالها جميعاً في تلك العربة التي كانت تنتظرنا بالباب، وقد حفظت لكل واحد منا ما ائتمنها عليه من الودائع لترده إلينا متى عدنا إليها. ولم تكن ودائعنا تلك التي ائتمنّا عليها العربة وتخففنا منها قبل أن ندخل الأوبرا إلا حياتنا اليومية وما فيها من مشقة ولين، ومن مودة وبغض، ومن يأس وأمل، ومن ألم ولذة، ومن نشاط وخمود. تخففنا من هذا كله وسللنا نفوسنا منه إلى حين كما تُسلّ السيوف من أغمادها، وخلصنا بقلوبنا ونفوسنا نقية صافية مصقولة كأنها المرآة نعرضها للممثلين لينعكس فيها ما يبدعون من مظاهر الجمال الفني في التمثيل والغناء. وكنا لا نحس إلا ما نشهد ونسمع، ولا نفكر إلا فيما نشهد ونسمع؛ فإذا وقف التمثيل وتفرقنا في أبهاء الدار أو لبثنا في أماكننا لم نتحدث إلا بما شهدنا وسمعنا نصفه ونستمتع به، وإلا بما سنشهد ونسمع نتوقعه ونتنبأ بما سيحمل إلينا من اللذة والمتاع. وهل ينبغي أن يدخل الناس دور الفن إلا على هذا النحو، قد خلصوا للفن من كل شيء ومن ذكرى كل شيء، وفرغوا للفن لا يشركون معه في نفوسهم شيئاً؟
وإني لجالس في ناحية من نواحي الدار مع أصدقائي نتحدث بما كان في الملعب ونتوقع ما سيكون، وإذا صوت يخرج أصدقائي ويخرجني مما كنا فيه… صوت لم أسمعه منذ أعوام وقد كنت أسمعه كل يوم، صوت قد بعدت آماد الزمان والمكان بينه وبين سمعي حتى تقطعت بينه وبيني الأسباب، وحتى كدت أنسى نبراته، وكنت أفكر فيه تفكيراً بعيداً نائياً حين كان يحدثني عنه المتحدثون. ثم دنا هذا الصوت ودنا، ثم امتدت يد فامتدت إليها يدي، ثم كانت مصافحة ثم كانت تحية، ثم كان استئذان في الجلوس وأُذن به، ثم كان وجوم من صاحب الصوت ووجوم ممن كان يبلغه الصوت لم يطل، ولم يكن من اليسير أن يُلحظ ولكنه مع ذلك كان طويلاً ثقيلاً. ثم كان حديث قصير في أشياء لا تغني ولا تفيد ولا تدل على شيء، ثم شرب القهوة وإحراق السيجارة، ثم تحية الوداع، ثم الافتراق.
لست أدري أذاق أصدقائي لذة التمثيل بعد ذلك أم شغلوا عنه؟ أما أنا فأعلم أني لم أذق للتمثيل بقية الليلة طعماً، إنما كانت الأصوات تبلغ أذني ثم لا تصل إلى نفسي وإنما تقف من دونها وقوفاً لأني كنت أفكر في غير التمثيل، ولأني صُرفت عن الغناء والفن صرفاً. لِمَ دنا إليّ هذا الصوت وكان قد بعد وأمعن في البعد؟ لِمَ مدّ إليّ هذه اليد وكانت قد قُبضت عني قبضاً؟ لِمَ اتصل الحديث بين صاحب الصوت واليد وبيني وكانت قد انقطعت بينه وبيني الأحاديث، بل كانت قد انقطعت بينه وبيني الصلات إلا أن نضطر إليها اضطراراً حين تجمعنا المجامع، أو نلتقي على غير موعد ولا انتظار، ثم لا نستطيع أن يهدي بعضنا إلى بعض ما ينبغي من الإعراض في مثل ما نحن عليه من الجفاء؟ لِمَ دنا لي هذا الصوت؟ ولِمَ امتدت إليّ هذه اليد؟ ولِمَ اتصل بيننا هذا الحديث؟
لقد كان الحياء يترقرق في هذا الصوت الذي كان يدنو إليّ مأخوذاً حزيناً، ولقد كان الحياء يضطرب في هذه اليد التي كانت تصافحني مترددة مرتعشة بعض الشيء، ولقد كان الحياء يملأ هذا الحديث فيضطره إلى الفراغ مما يعني أو يفيد. ومع ذلك، فشهد الله ما شككت في أن هذا الصوت قد دنا إليّ صادقاً، وفي أن هذه اليد قد امتدت إليّ صادقة، وفي أن هذا الحديث قد اتصل بيننا خالصاً من كل رياء.
وا رحمتاه للناس! إن الضعف الإنساني ليحمل نفوسهم آلاماً ثقالاً. وا رحمتاه للناس! إن ما في الحياة من أعراض زائلة ترغبهم في الخير العاجل، وتخوفهم من الشر العاجل، لتحمل نفوسهم آلاماً ثقالاً. وا رحمتاه للناس! إن أجسامهم لتطغى على نفوسهم، وإن أهواءهم لتطغى على عقولهم، وإن منافعهم لتنسيهم حقوق الصداقة والصديق. وا رحمتاه للناس! إن رهبة السلطان والرغبة في جاهه والحرص على قرب المكان منه لتفسد عليهم من لذات الحياة الخالصة الصافية ما لا ينبغي أن يفسد. وا رحمتاه للناس! إن لهم على هذا كله لنفوساً لم تُطبع على الشر ولم يُحل بينها وبين الخير، وإن هذه النفوس التي تضعف حتى تتورط فيما لا ينبغي لها، لتختلس الفرص إلى القوة والخير اختلاساً، وتختطفها اختطافاً، وتنعم منها باليسير الضئيل في اللحظة القصيرة المفاجئة لم تكن تنتظر ولم يكن يُدبّر السعي لها تدبيراً، وإنما سنحت فاقتُنصت كما يسنح الصيد وتُمكّن منه الفرصة فيقتنص. وا رحمتاه للناس! لو علموا أن منافع الحياة وأعراضها وأغراضها وما فيها من رغبة ورهبة، ومن مكانة وجاه لا تزن كلها لحظة قصيرة مفاجئة يصفو فيها الود، ويخلص فيها النصح، ويفرغ فيها الصديق للصديق، لغيّروا من حياتهم ومن سيرتهم الشيء الكثير.
عرضت لي هذه اللحظة القصيرة المفاجئة في ليلة من ليالي الأوبرا، وما أكثر ما تعرض هذه اللحظات القصار المفاجئة لكثير من الناس في هذه الأيام السود! فاللهم ارفع عن الناس مقتك وغضبك، اللهم هيئ للناس حياة لا يخاف الصديق فيها لقاء الصديق، ولا يختلس الصديق فيها لقاء الصديق، ولا يقطع الصديق فيها أسباب الود والحب، لا لشيء إلا لأنه يخاف بأس السلطان أو يرجو رضا السلطان.
الرسالة في ١٢ – ٢ – ١٩٣٤ -
الأمل اليائس
الأمل اليائس
ولدت في آخر القرن السابع عشر سنة ١٦٩٧، وماتت في آخر القرن الثامن عشر سنة ١٧٨٠، وجمعت لنفسها من مزايا هذين العصرين ما جعلها أبرع الناس أدباً، وأشد الناس شكاً، وأوسع الناس أملاً، وأقتم الناس يأساً، وأظهر الناس فرحاً، وأعمق الناس حزناً. ولكني نسيت أن أسميها، وقد كان يجب أن أبدأ بتسميتها هذا الحديث؛ فهي ماري دي فيشي شمبرند، التي يعرفها تاريخ الآداب الفرنسية باسم مدام دي ديفان.
كان مولدها ونشأتها في هذه السنين القاتمة التي ختمت حكم لويس الرابع عشر، وأدركها اليتم طفلة فأُرسلت إلى دير من هذه الأديرة التي كان يُرسل إليها بنات الأغنياء. وكانت أسرتها عريقة في الشرف والنبل، متقدمة في خدمة الدولة، محتفظة بمكانة رفيعة بين أشراف الأقاليم. وكانت هذه الأسرة من أشراف بورجوني، وأهل هذا الإقليم من فرنسا معروفون بالنشاط القوي، وحدة الذهن، وذلاقة اللسان، وحب الحياة، وإيثار ما تقدمه إلى الناس من لذات.
فلم يطل مقام هذه الصبية في ديرها الأرستقراطي حتى ظهر من حديثها وسيرتها ما أقلق الأسرة وأقلق رئيسة الدير. ويجب أن يكون هذا الذي ظهر من سيرتها وحديثها خطيراً جداً؛ فلم تكن أسر الأشراف لتقلق من شيء يسير، ولم يكن أهل الأديرة ليضيقوا إلا بالشيء الذي لا يطاق. ذلك بأن حياة الناس في ذلك العصر كان قد أخذها الفساد الخلقي من جميع نواحيها، حتى استهانوا بكل شيء، وتجافوا عما لم يكن يتجافى الناس عنه إلا في مشقة وعنف. وحسبك أن تعلم أن الأديرة كانت قد استحالت في ذلك العصر إلى قصور فخمة يلهو فيها من أبناء الأشراف وبناتهم من لم تسمح له ظروف الحياة بالعمل في السياسة أو في الجيش، ومن لم تتح لهن ظروف الحياة أن يظفرن بالزوج. وكان بنات الأشراف خاصة يتخذن من هذه الأديرة دوراً للعبث واللهو، يسترن ذلك بستار رقيق من اسم الدين، ولم يكنّ ليتحرجن من استقبال الزائرين والزائرات، ولا من إقامة الحفلات الراقصة، بل كان الرقص والموسيقى جزأين أساسيين من برنامج التعليم الذي كان يُلقى إليهن فيها.
فإذا استطاعت صبيتنا هذه أن تزعج أسرتها ورئيسة الدير بما أظهرت في سيرتها وأحاديثها من خروج على التقاليد، فيجب أن تكون قد أتت أمراً عظيماً. وهي قد أتت أمراً عظيماً حقاً، فقد كانت تجادل في الدين ولما تبلغ الثانية عشرة، وكان جدالها هذا خطراً مخيفاً؛ لأنها كانت تنكر أصول الدين إنكاراً. وقد استعانت الأسرة ورئيسة الدير على جحود هذه الصبية بعظيم من عظماء الكنيسة وخطيب من أبرع الخطباء في عصره وهو ماسيلون، فدُعي هذا الحبر للقاء هذه الطفلة ومحاورتها، فلما رآها سمع لها وتحدث إليها وانصرف عنها يائساً وهو يقول: إنها لظريفة! فلما سألته رئيسة الدير عما تصنع لردها إلى طريق الحق أطال الصمت ثم قال: ضعي في يدها كتاباً من أرخص كتب الدين، ثم لم يزد على ذلك شيئاً. وذكرت الصبية حين تقدمت بها السن حوارها مع هذا الحبر العظيم، فقالت: إن عقلي قد اضطرب أمام عقله، وقالت: إنني لم أذعن لحجته وإنما أذعنت لجلاله؛ ومعنى ذلك أن الخصمين التقيا فلم يقنع أحد منهما صاحبه.
فلما بلغت هذه الفتاة العشرين أو جاوزتها قليلاً، زُوّجت من رجل شريف عظيم الخطر من حكام الأقاليم، ولكنها لم تكد تقضي معه أشهراً حتى أنكرته وضاقت به وكرهت عشرته كرهاً شديداً. وكانت تقول عنه إنه يبذل أقصى ما يستطيع ليسوءك ويصرفك عنه. على أنها قد أقنعته بالرحلة إلى باريس، ولم تكد تصل إلى هذه المدينة وتستقر فيها حتى اندفعت في حياة اللهو والعبث اندفاعاً لفت إليها الناس، وجعلها موضوع الأحاديث في هذه المدينة الباسمة اللاهية.
وكان لويس الرابع عشر قد مات، وكان أمر الدولة إلى الوصي الذي أُقيم على الملك الصبي لويس الخامس عشر. وكان هذا الوصي صاحب لهو لا حد له، وصاحب مجون وعبث لا حد لهما أيضاً، وكان الناس قد ساروا سيرته كأنما أرادوا أن يعوضوا ما فاتهم في تلك الأيام الحزينة التي ختمت حكم الملك الشيخ. وما أسرع ما اتصلت صاحبتنا بقصر الوصي واشتركت فيما أقام فيه من حفلات، ثم اتصلت بالوصي نفسه وأصبحت له خليلة، ولكن حبه لها لم يتجاوز خمسة عشر يوماً، على أنها قد ربحت من هذا الحب القصير ستة آلاف من الجنيهات الفرنسية تُصرف لها في كل عام ما امتدت لها الحياة.
وأسرفت صاحبتنا في اللهو حتى أنكرها أصحاب اللهو من أهل باريس، وحتى ساءت الصلة بينها وبين زوجها، فافترقا دهراً ثم كان بينهما صلح لم يطل وعادا إلى الفرقة، ثم كان بينهما صلح آخر قوامه أن يلتقيا على الغداء والعشاء وألا يعيشا معاً، ولكن هذا الصلح نفسه لم يتصل أيضاً، ففُرّق بينهما وعاد الرجل إلى قصره في الأقاليم، وأقبلت هي على لهوها في باريس لا تدع فناً من فنون العبث إلا أخذت منه بحظ عظيم.
على أنها لم تكد تجاوز الثلاثين حتى تبينت أن ما هي فيه من الأمر باطل كله، وحتى سئمت اللهو وعافته، وأخذت تحس انصراف الناس عنها، فآوت إلى أخ لها قسيس أقامت عنده دهراً، ثم انصرفت عنه إلى أخ آخر لها في الأقاليم، ثم عادت مرة أخرى إلى باريس. واتصلت بقصر من قصور الأشراف كان يؤوي أكبر من تعرفهم فرنسا وأوروبا من الأدباء والفلاسفة وأصحاب الفن، وفي هذا القصر ظهرت قيمتها الأدبية، واستُكشفت براعتها في الحديث، وتبين الذين عاشروها أنها امرأة ليست كغيرها من النساء، بل ليست ككثير من الرجال، وإنما تمتاز بقلب ذكي، وعقل قوي، ولسان فصيح عذب، ومهارة في تصريف الحديث لا تبلغ الإعجاب وحده، ولكنها تبلغ إعجاز المحدثين مهما تكن منزلتهم.
ومن ذلك الوقت أخذ أمر هذه المرأة يعظم وشأنها يرتفع، لا من حيث أنها امرأة جميلة خلابة تحب اللهو وتسرف فيه، فقد كانت في ذلك الوقت قد بدأت تقصر عن اللهو وتُعري أفراس الصبا ورواحله – كما يقول زهير – بل من حيث أنها امرأة أديبة أريبة يستطيع أن يستمتع بحديثها وعشرتها وبراعتها ذوو العقول. وقد آثرتها صاحبة القصر إيثاراً عظيماً حتى لم تكن تصبر على فراقها، وأحبها فولتير، وكُلّف بها منتسكيو، وأطاف بها أعلام الأدب والفلسفة من الفرنسيين يستبقون إلى مودتها.
وما هي إلا أن تتخذ لنفسها داراً في باريس وتدعو إليها أصدقاءها هؤلاء من الأدباء والعلماء والفلاسفة يسمرون عندها يوم الأربعاء من كل أسبوع، ثم تضيق هذه الدار بمن يقصد إليها من رجال فرنسا وأوروبا على اختلافهم، فتتحول عنها إلى دار أخرى رحبة تستأجرها في دير من هذه الأديرة الأرستقراطية في باريس. وفي هذه الدار التي استأجرتها كانت تقيم قبلها مدام دي منتسبان خليلة لويس الرابع عشر، تلك التي ملأت حياة الملك العظيم لذة وإثماً، وكلفت رجال الدين من حوله مشقة وجهداً، والتي كانت تؤوي إلى هذا الدير من حين إلى حين تستغفر الله من خطاياها وتضرع إليه في الوقت نفسه أن يحفظ عليها هذه الخطايا.
أقامت صاحبتنا في هذه الدار ونظمت استقبالها لأعلام فرنسا مرتين في الأسبوع؛ يتناولون عندها العشاء ويسمرون إلى قريب من آخر الليل، ويتحدثون فيما شئت من أدب وعلم، ومن فلسفة وفن، ومن سياسة وحرب. ولكنها لم تكن تحب أن تشارك الأدباء والعلماء والفلاسفة فيما كان يجري بينهم من حوار؛ لأنها كانت تكره الأدب والعلم، وكانت تكره الفلسفة خاصة وتضيق بها ضيقاً شديداً، وكانت تُعنى بأشخاص زائريها أكثر مما تُعنى بما كان عندهم من علم، أو أدب، أو فلسفة. كانت مسرفة في الشك، وكان إسرافها في الشك يصرفها عمّا كان يُكلف به الناس في عصرها من هذه الفلسفة الحرة الغالية التي كانت تعمل في الهدم أكثر مما كانت تعمل في البناء.
وتتقدم السن بصاحبتنا وقد مات زوجها وأصبحت حرة حتى أمام القانون، وقد جدّت بتنظيم حياتها وانصرفت عن اللهو والمجون إلى حياة الجد ولذة الحديث والسمر، ولكنها على ذلك اتخذت لها خليلاً عاشت معه عيشة الأزواج، لم تكن تحبه ولكنها لم تكن تكرهه، إنما كانت تستعين به على احتمال الحياة، كما كانت تستعين بكل شيء على احتمال الحياة. فقلما عرف تاريخ الآداب امرأة ضاقت بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة، بل قلّما عرف تاريخ الآداب رجلاً ضاق بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة. كانت متشائمة كأشد ما يكون التشاؤم، وكانت تردد هذه الكلمة التي تقربها من أبي العلاء: إن شر من ابتُلينا به من الشقاء إنما هو الحياة. وكانت تستعين بإسرافها في المجون والعبث، ثم في الجد والإنتاج الأدبي على احتمال الحياة، ولعلها لم تلهُ ولم تعبث ولم تجدّ إلا لتنسى الحياة وتنصرف عن نفسها؛ فقد كانت تكره العزلة وتخافها خوفاً شديداً، فكانت تسهر الليل ولا تنام إلا قليلاً في النهار، وتنفق وقتها قارئة أو لاهية أو مستقبلة.
ولا تكاد تبلغ الخمسين من عمرها حتى يتم الله محنته لها، وحتى يأخذها الشقاء من كل وجه؛ فهذا حجاب رقيق يُلقى شيئاً فشيئاً بينها وبين النور، ثم يتكاثف هذا الحجاب قليلاً قليلاً، وهي تحس ذلك وتجزع له وتلجأ إلى الأطباء والسحرة والمشعوذين فلا تجد عند أحد منهم شيئاً. والحجاب يتكاثف ويتكاثف حتى يستحيل إلى سور صفيق يقطع كل سبب بينها وبين الضوء، وإذا هي عمياء.
أفتظن ذلك قد غير من سيرتها أو اضطرها إلى شيء من القصد والاعتدال؟ ليس من شك في أنها قد حزنت لذلك حزناً عميقاً، ولكنه حزن أُضيف إلى حزن؛ حفظته في أعماق نفسها ولم تظهر منه للناس شيئاً، إنما كتبت إلى بعض أصدقائها من أعلام الأدب والسياسة تنبئهم بهذه الكارثة، فمنهم من رق لها كفولتير، ومنهم من عبث بها كمنتسكيو، وكلهم قد مضى في إكبارها والاختلاف إليها لم يغير من سيرته شيئاً كما لم تغير هي من سيرتها شيئاً. فظلت مائدتها تُقام يوم الاثنين والأربعاء من كل أسبوع، وظلت تختلف إلى الأوبرا والملاعب وتشترك في الحفلات كما كانت تفعل من قبل.
واتخذت لها رفيقة فتاة من أهل الأقاليم ولدت في أسرة شريفة ولكن مولدها لم يكن شرعياً، وكانت هذه الفتاة مدموازيل لسبيناس؛ ذكية بارعة الذكاء، حساسة قوية الحس، مثقفة واسعة الثقافة. وكانت المودة بينها وبين سيدتها قوية متينة، دامت عشر سنين لم يكدر صفوها مكدر. ثم لاحظت صاحبة الدار أن زوارها أو فريقاً منهم إذا انصرفوا عنها لم يخرجوا، وإنما أتموا سمرهم عند الفتاة، فغاظها ذلك وكانت القطيعة بين الصديقتين، ولكنها لم تكن قطيعة مألوفة، إنما كانت حدثاً من أحداث العصر في باريس، انقسم له الأدباء والفلاسفة انقساماً عظيماً؛ تعصب بعضهم للشيخة وتعصب بعضهم للفتاة، وكانت كثرة الفلاسفة وعلى رأسهم دالامبير من أنصار الفتاة، وكانت الأرستقراطية المعتدلة والمحافظة من أنصار الشيخة.
ثم استأنفت الحياة المنظمة طريقها عند صاحبتنا، واتخذت الفتاة لها نادياً أو صالوناً أدبياً واشتدت المنافسة بين هاتين المرأتين. وصاحبتنا الآن في الثامنة والستين من عمرها قد فقدت البصر منذ ثماني عشرة سنة، وعظمت مكانتها في أوروبا حتى لم يكن عظيم من الأوروبيين يزور باريس إلا رأى حقاً عليه لنفسه ولمكانته أن يلقاها ويتحدث إليها.
وفي أكتوبر من هذه السنة ١٧٦٥ زار باريس رجل من عظماء الإنجليز هو هوراس ولبول؛ كان أبوه روبرت وزيراً وكان هو عضواً في البرلمان، فلما مات أبوه ترك السياسة وانصرف إلى الأدب والفن، وكان في الخمسين من عمره. ولم ير هذا الرجل بداً من أن يزور صاحبتنا هذه ويغشى ناديها كما كان يغشى أندية الأدب والسياسة كلها في باريس. فلما رأى هذه الشيخة أنكرها، وكتب إلى صديق له يصفها بأنها عجوز عمياء فاجرة العقل. على أن وقتاً قصيراً لم يمضِ على هذه الزيارة حتى تغير الأمر بين هذا الإنجليزي وهذه الفرنسية، وتكررت الزيارة فوقع الإنجليزي من نفس هذه المرأة موقعاً غريباً؛ رد إليها الشباب بل رد إليها الصبا فأحبته. وأنا أعني بهذه الكلمة معناها، أحبته وقد أشرفت على السبعين ولم يرفض هو هذا الحب، ومن المحقق أنه لم يلقَ هذا الحب بمثله، ولكنه أضمر لهذه المرأة مودة قوية صادقة لم تغيرها الأيام، وأظهر بها إعجاباً لا حد له.
واتصلت أسباب المودة والحب بينهما ما أقام في باريس، فلما رجع إلى لندن اتصلت بينهما الكتابة، وكان يأتي إلى باريس من حين إلى حين ليرى حبيبته أو ليرى عاشقته، أو ليرى يتيمته – كما كانت تسمي نفسها – فقد كانت تسمي نفسها يتيمة وتسميه هو وصياً، وكان هو يسميها ابنته الصغيرة، وكان الحنان بينهما كأقوى ما عرف الناس من الحنان بين المحبين. وكانت نتيجة هذا الحب أربعة مجلدات نُشرت بعد موتها وفيها ثمانمائة من الرسائل التي اتصلت بينهما، وهي آيات من آيات الأدب الفرنسي لا أكثر ولا أقل؛ فيها تصوير لهذه العواطف النادرة الشاذة التي لم يألفها الناس، والتي تملأ قلوبهم مع ذلك رحمة وبراً وإشفاقاً وعطفاً. وما رأيك في هذه الضريرة التي نيفت على السبعين والتي تكتب لصاحبها رسائل حب وغرام كرسائل الفتيات اللاتي لم يتجاوزن العشرين!
على أن صاحبها كان إنجليزياً، ومعنى ذلك أنه كان يخاف السخرية والمزاح، وكانت الرقابة مضروبة على الرسائل في إنجلترا ذلك الوقت، فكان صاحبنا مروعاً دائماً يخشى أن تُفضّ رسائل صاحبته وأن يُعرف ما فيها من هذا الحب الغريب فيتندر الناس به في القصر وفي الأندية. فكان يرد صاحبته إلى القصد في تصوير عواطفها الحارة، وكانت هي تخاصمه في ذلك، وكان الأمر يفسد بينهما أحياناً ولكنه لا يلبث أن يعود إلى خير ما كان.
وانقطعت رسائله عنها مرة فكتبت إليه:
"يظهر أنك لا تريد أن تظهرني من أمرك على شيء، فاحذر أيها الوصي أن تصبر على ذلك؛ فإني خليقة إن فعلت أن أرسل إليك سكرتيري وأن أكلفه الإسراع إلى لندن وآمره أن يلزمك وأن يرسل إليّ بأنبائك، وأن يعلن إلى الناس جميعاً وفي كل مكان أنني يتيمتك، وأنك وصيي، وأنني أحبك، وأن يهيئ لي عندك مكاناً فألحق به، وأعلن إلى الناس جميعاً ما بيننا، لا أخاف فضيحة مهما تكن، فاختر لنفسك بين الفضيحة والكتابة إليّ".
ولعلها كانت في بعض الوقت تذعن وتطيع، وترد نفسها إلى القصد ثم تثور فترسل نفسها على سجيتها وتطلق حبها صريحاً حراً.
وكذلك عاشت هذه المرأة خمس عشرة سنة، استرد قلبها فيها شبابه كله، وتبينت هي وتبين هو وتبين الناس في عصرهما ومن بعدهما أن ما اندفعت فيه هذه المرأة من العبث واللهو، ومن المجون والفساد، ثم من الجد الخصب والنشاط المنتج، كل ذلك لم يكن إلا ضيقاً بالحياة وافتقاداً لهذا النور الذي يحببها إلى النفس وهو الحب، ومصارعة لهذا العدو الفاتك وهو اليأس. فلما بلغت السبعين أو كادت تبلغها ظفرت بالحب عند هذا الإنجليزي، وظفرت به من غير طريقه كما كان يقول المعاصرون؛ فإن العيون هي أوضح طرق الحب إلى النفوس، ولكن الحب قد يسلك إلى النفوس طريق الآذان كما قال شاعرنا القديم. وأكبر الظن أن صوت هذا الإنجليزي هو الذي حمل الحب إلى نفس هذه الفرنسية فثبته فيها تثبيتاً.
وفي سنة ١٧٨٠ ماتت هذه المرأة، وكتبت قبل موتها بقليل جداً إلى صاحبها كتاباً تنبئه فيه بقرب آخرتها، وتنبئه بأنها لا تأسف لفراق الحياة؛ لأنها لا ترى في الحياة خيراً بعد أن كتب إليها ألا يلقاها، وتنصح له بأن يستمتع بالحياة ما استطاع، وتنبئه بأنه سيحزن عليها، فليس من اليسير أن يتعزى الناس عمن كان يؤثرهم بالحب. فلما أتمت إملاء كتابها همّ سكرتيرها الشيخ أن يقرأه عليها كعادته فلم يستطع؛ لأنه كان يقطع قراءته بالبكاء. هنالك أحست هذه المرأة المتشائمة اليائسة التي أسرفت في سوء الظن بالناس، أحست أن هذا السكرتير لم يكن يعمل عندها ليعيش، فقالت له بصوت خافت فيه نغمة الموت، وفيه مع ذلك نغمة الرضا والغبطة: "أكنت تحبني إذن؟"
هذه صورة من صور هذه المرأة، وهي من غير شك أشد هذه الصور اتصالاً بالنفوس وتأثيراً بالقلوب، ولكن لهذه المرأة صوراً أخرى عظيمة الخطر جداً في حياة الأدب الفرنسي؛ فقد كانت ناقدة، ولها في أدباء فرنسا وفي كبار أدبائها خاصة آراء قيمة تثير الإعجاب لرقتها ولبراعة الصياغة التي كانت تعلن فيها. كانت تؤثر فولتير، وكانت تضيق بروسو. فانظر إلى هذه الجملة البديعة التي تنقد فيها أسلوب جان جاك:
"إن لروسو حظاً من الوضوح، ولكنه وضوح البرق، وله حظ من الحرارة ولكنها حرارة الحمى".
واتصلت هذه المرأة بأصحاب السياسة، واتصلت بالعظماء والأشراف وكانت منهم، وقد كتبت إليهم وتلقت منهم الكتب، وقد صورتهم وصوروها؛ فهذه ناحية أخرى من حياتها لها أثرها في توضيح التاريخ السياسي والاجتماعي لفرنسا في القرن الثامن عشر وقبل الثورة الفرنسية الكبرى.
وبعد، فلعل أحسن ما كُتب عن هذه المرأة إلى الآن فصلان كتبهما سانت بوف في أحاديث الاثنين؛ تستطيع أن تقرأ أحدهما في الجزء الأول، وثانيهما في الجزء الرابع عشر، فإن أردت الإيجاز المقنع فاقرأ الفصل الذي نُشر عنها في (مجلة العالمين) أول أغسطس، فإن أبيت أن تتكلف القراءة أو تشق على نفسك بالبحث، فقدّر هذا الوصف الذي كان يصفها به فولتير وفكّر فيه؛ فإنه يعطيك منها صورة قوية تملأ نفسك رحمة وإعجاباً، فقد كان فولتير يسميها: "الضريرة المبصرة".
الرسالة ١\٩\١٩٣٣