تفوق …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٣ نوفمبر ١٩٤٧
أمَّا أننا متفوقون على شعوب الأرض كافة؛ فذلك شيء ليس فيه شك، ولا يمكن أن يُجادل فيه إلَّا الذين يحبون المكابرة ويكلفون بالمراء. وتفوقنا على شعوب الأرض مختلف الأشكال والألوان، منه القديم الذي ظهر في فجر الحضارة، ومنه الحديث الذي لم يظهر إلَّا في هذه الأيام، ومنه المقيم الذي يصاحبنا في حياتنا كلها على طولها، وعلى اختلاف العصور والأزمان. فنحن متفوقون في العصر القديم؛ لأننا سبقنا الإنسانية كلها إلى إنشاء الحضارة، فبنينا الأهرام تقاوم الزمان، وأقمنا أبا الهول شاهدًا على الأحداث متحديًا للخطوب، واستكشفنا العلوم والفنون والإنسانية غارقة في بحار من الجهل ليس لها قرار.
فمصر أم الحضارة ما في ذلك شك، وهي من أجل ذلك أم الإنسانية كلها، الإنسانية المتحضرة بالطبع. فأمَّا الإنسانية المتبربرة فليست من مصر، وليست مصر منها، ويجب عليها أن تلتمس أمًّا حيث تشاء. وأمَّا التفوق الحديث الذي نشأ في هذه الأيام الأخيرة، فقد كسبناه في مقاومة الوباء كما يقول الأطباء؛ فمصر هي البلد الوحيد الذي حُقِن أهله جميعًا — إن صدقت أنباء وزارة الصحة — بما يقيهم وباء الكوليرا، وهي بذلك تفوقت على الشرق والغرب، وعلى الشمال والجنوب، تفوقت على البلاد التي اتخذها وباء الكوليرا وطنًا مختارًا كالهند والصين؛ لأن أهل هذه البلاد أكثر من أن تحقنهم وزارات الصحة، وتفوقت على البلاد التي لا يحبها وباء الكوليرا، ولا يريد أن يستقر فيها؛ لأن جوها لا يلائمه ولا يواتيه.
فأهل أوروبا لم يُحقنوا؛ لأنهم ليسوا في حاجة إلى أن يُحقنوا، وهذا يكفل لنا التفوق عليهم دائمًا، فكل مصري متفوق على كل أوروبي؛ لأن المصري قد حُقن، ولأن الأوروبي لم يُحقن، ولا ينتظر أن يُحقن إلَّا إذا بُدِّلت الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء. وكذلك أُتيح لنا تفوق قديم لا يعرف أوله وإن عرف آخره، وتفوقٌ حديث لا يعرف آخره وإن عُرف أوله. وليس هذا كل ما كُتِب لنا من تفوق، فنحن متفوقون في أشياء أخرى لعلها أن تكون أجلَّ شأنًا وأعظم خطرًا من إنشاء الحضارة، ومن الاحتقان بما يقاوم الوباء.
نحن متفوقون بإقامة الأعداء الثلاثة الذين أصبحوا الأصدقاء الثلاثة، والذين كنَّا نريد أن نحاربهم فأصبحنا حراصًا على أن نسالمهم، والذين أتحدث عنهم كما يتحدث الناس عن العقلاء، وإن لم يكونوا من العقل في شيء؛ وهم: الجهل والفقر والمرض، فقد أصبح هؤلاء السادة أصدقاء لنا؛ لطول ما ألفونا وألفناهم، وعاشرونا وعاشرناهم، وأصبحوا عاقلين راشدين يوجهوننا في تدبير أمورنا وإدارة شئوننا توجيهًا رائعًا بارعًا حقًّا. فنحن أجهل الأمم المتحضرة، لا يشك في ذلك إلَّا المدخولون، وتستطيع أن تقرأ كتب الإحصاء ومجلاته؛ فلن تجد بلدًا متحضرًا راقيًا يشاركنا فيما نمتاز به من الجهل، أو يقاربنا فيما نمتاز به من كثرة الجاهلين.
ونحن كذلك أفقر الأمم، ونحن أشدُّها مرضًا، وأشدُّها تعرضًا للمرض، وأشدُّها استبقاءً للمرض حين يلم بها أو يستقر فيها. كل هذه خصال نمتاز بها من الأمم، ونتفوق بها على الشعوب، والناس يلتمسون وسائل التفوق والامتياز حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها. فإذا استطاعت أمة أن تمتاز بالعلم فذلك شأنها هي وما تريد من ذلك. فأمَّا نحن فقد أردنا وأرادت لنا الظروف أن نمتاز بالجهل، وقلْ مثلَ ذلك بالقياس إلى الفقر، وقل مثل ذلك بالقياس إلى المرض، وإلى كثيرٍ من الخصائص التي ننفرد بها ولا يشاركنا فيها غيرنا من الناس.
وليس المهم هو أن يكون ما نمتاز به خيرًا أو شرًّا، ونافعًا أو مضرًّا، وإنما المهم هو أن نمتاز بشيءٍ لا يشاركنا فيه غيرنا، وإلَّا فأي فخرٌ لنا في أن نكون الشعب الوحيد بين شعوب الأرض الذي حقن أهله جميعًا بما يقاوم وباء الكوليرا. أمَّا أنا فأفضِّل أن نكون من الشعوب المتواضعة التي لا تُحقن كلها ولا يُحقن بعضها؛ لأنها ليست في حاجة إلى أن تُحقن.
على أننا لا نمتاز بهذه الخصال وحدها، وإنما نمتاز بخصال أخرى ليست أهون منها شأنًا، نمتاز بالنسيان، والنسيان السريع المسرف في السرعة، فلولا أننا نسينا وباء الكوليرا الذي ألمَّ بنا في أول هذا القرن لما تعرضنا لوباء الكوليرا الذي يعود إلينا قبل أن ينتصف هذا القرن. ووزارة الصحة تحتاط فيما يُقال حتى لا يعود الوباء مع الربيع أو مع الصيف، ولكني أراهن من شاء على أن مصر ستنسى هذا الوباء حتى قبل أن يمضي عام أو عامان، بل نحن نتفوق في شيء أشدَّ خطرًا من النسيان؛ وهو السأم، فقد قيل لنا حين عظم شر الوباء أن المنكوبين في حاجة إلى المعونة، وأن من الخير أن يتبرع الموسرون بمعونة المعسرين؛ فقد لا تجد الدولة في خزائنها ما يُمكِّنها من مقاومة الوباء ومعونة ضحاياه.
وقد أقبل الموسرون على التبرع متثاقلين متباطئين، ولكن وزارة الصحة جعلت تنشر بلاغاتها الرسمية، وجعلت هذه البلاغات تدل على أن الوباء قد أخذ يخف، وإذا الموسرون ينسون حاجة المعسرين إلى المعونة، وإذا أكثرهم يسأمون الإنفاق قبل أن ينفقوا شيئًا، وإذا نحن ننسى الكوليرا أو نكاد ننساها، لا يذكرنا بها إلَّا ما تنشره وزارة الصحة من البلاغات.
والشيء الذي تستطيع أن تؤكده وأنت واثق بأنك مصيب غير مخطئ هو أن المثقفين من المصريين قد عنوا في هذا الأسبوع بقصة التعديل الوزاري أكثر مما عنوا بقصة الوباء. ولا تقل: إن التعديل الوزاري لن يقدِّم ولن يؤخِّر، ولن ينفع مصر ولن يضرها، وإن الوباء ينكب الناس في أنفسهم وأموالهم ومرافقهم؛ فقد يكون هذا حقًّا، ولكن الحق ليس هو المهم، وإنما المهم هو أننا متفوقون في الإسراع إلى النسيان، وفي الإسراع إلى السأم، وفي العناية بالسخيف من الأمر، وفي الإهمال للخطير من الأمر. كما أننا متفوقون في إنشاء الحضارة، وفي تلقي الكوليرا مرتين في أقل من نصف قرن، وفي حقن الشعب كله لمقاومة الكوليرا، وفي الجهل والفقر والمرض، وفي حب الكلام الفارغ الذي لا يفيد، وبُغض العمل المنتج الذي ينفع الناس.
وأغرب شيء نتفوق به على الأمم جميعًا هو حبُّنا للمتناقضات، فنحن لا نكتفي بتفوقنا وامتيازنا، ولكننا مع ذلك نريد أن نشبه الأمم المتحضرة الراقية التي نمتاز منها ونتفوق عليها، ونحن من أجل ذلك نأخذ بأسباب الحضارة الحديثة في السياسة والإدارة، وفي الاقتصاد والتعليم، وفي كل شيء؛ فنحن نتفوق ونمتاز من جهة، ونحن نتهالك ونقلد من جهة أخرى، ونحن نبالغ في التهالك والتقليد حتى لقد قرأت في بعض الصحف منذ وقت قريب اقتراحًا بأن يكون لنا جندي مجهول كما أن للأمم الأوروبية والأمريكية جنودًا مجهولين. وما أشك في أننا نستطيع أن نتخذ لأنفسنا جنودًا مجهولين لا جنديًّا واحدًا، نستطيع أن نتخذ لأنفسنا جاهلًا مجهولًا، وفقيرًا مجهولًا، ومريضًا مجهولًا، وما شئت من هذه الرموز التي تصور هذه الخصال الرائعة التي نتفوق بها على الناس جميعًا، أو نشارك فيها الناس جميعًا.
وفي مصر مثلٌ عاميُّ بارعٌ حقًّا، ما أرى إلَّا أنه يلائمنا أشد الملائمة، ويطابق حياتنا أحسن المطابقة، وهو قول العامة: إن أصحاب العقول في راحة، إلَّا أن نكون قد تفوقنا على غيرنا من أمم الأرض كلها بهذه الخصلة التي تكفل لأصحابها السعادة كل السعادة، وهي قلة العقول. وهل تظن أن المتنبي أخطأ حين قال:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم
تفوق …
Share:
Leave a Reply